المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌مقدمة المؤلف الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، ومن - حكم القراءة على الأموات

[الشقيري]

الفصل: ‌ ‌مقدمة المؤلف الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، ومن

‌مقدمة

المؤلف

الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، ومن يهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم اكتفى، ومن باع المضللين احتشم واختفى.

وبعد: فقد سألنا أخ لنا في الله تعالى عن قراءة القرآن هل يصل ثوابها للموتى؟ فأجبناه بما يأتي:

هديه صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور

أخرج أبوداود في سننه أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: "استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل" 1 حديث حسن. وأخرج أيضا أبو داود وغيره بإسناد حسن أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا وضع الميت في لحده قال: "بسم الله وبالله، وعلى ملة رسول الله "(2) .

فليس في هذه الأحاديث أنه قرأ سورة كذا هو ولا أحد أصحابه على القبر كما يفعل ذلك القراء الآن. وكذا رواية مسلم عن أبى هريرة قال: زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال: "أستأذنت ربى في أن أستغفر لها فلم

1 إن هذه السنة منسية- ويا للأسف- وندر من يعمل بها، مما يسبب خسارة كبيرة للميت، فمن الواجب إحياؤها من جديد بالبقاء عند الميت مقدار ذبح بعير يستغفر له ويدعى له بالتثبيت. والحديث صححه الحاكم ووافقه الذهبي.

2 وسنده صحيح (مم) .

ص: 9

يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي. فزوروا القبور. فإنها تذكر الموت" - وفى رواية- "فإن فيها عبرة، فإنها تزهد فى الدنيا وتذكر الآخرة".

فظهر أن المعروف عنه صلى الله عليه وسلم إنما هو الاستغفار، لا تلاوة القرآن. وهذا هو المنقول1 والمعقول. أما تلاوة القرآن التي هي أحكام الدين وآدابه، وحلاله وحرامه فلا يمكن أن تفيد الميت شيئا قط2، والقرآن والسنة الثابتة معنا على ذلك.

فيما ينتفع به الإنسان بعد موته

نعم ينتفع الميت بكل ما قررته شريعة الإسلام في كتاب الله وهدى رسوله، فقد ورد في الصحيح أنه يكن قال:"إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"3.

1 وملخص هديه صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور الدعاء للموتى والسلام عليهم مع أخذ العبرة، فلا تلاوة الفاتحة ولا غيرها.

2 ذكر مؤلف هذه الرسالة أدعية مأثورة عن زيارة القبور، ولكن فيها ضعف لذا استعضنا عنها بغيرها مما هو صحيح:

1-

" السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون أنتم لنا فرط ونحن لكم تبع، نسأل الله لنا ولكم العافية"

أخرجه مسلم وغيره والزيادة لغيره وهما موقوفان على الصحابة.

2-

"السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون"

الحديث أخرجه مسلم وغيره.

3-

"السلام عليكم (أهل) دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون، إنا إن شاء الله بكم لاحقون. اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد"(مقبرة في المدينة) .

3 رواه مسلم.

ص: 10

وينتفع الميت بما ورد في حديث: "إن مما يلحق المؤمن عمله وحسناته بعد موته: علما علمه ونشره، وولدا صالحا تركه، ومصحفا ورثه أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، تلحقه بعد موته" رواه ابن ماجه وابن خزيمة1. وينتفع الميت بعد موته بسنة حسنة سنها فعمل بها من بعده كما روى مسلم في صحيحه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "من سن في الإسلام سنة فله حسنة أجرها وأجرمن عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء" 2.

وينتفع الميت3 بالصدقة عنه كما روى البخاري أن رجلا قال للرسول صلى الله عليه وسلم: "إن أمي توفيت أينفعها إن تصدقت عنها؟ ". قال: "نعم". وفى المسند والسنن عن سعد بن عبادة رضي الله عنه أنه قال: "يا رسول الله إن أم سعد ماتت فأي الصدقة أفضل؟ ". قال: "الماء". فحفر بئرا. وقال لأم سعد: "فسقي الماء من الصدقات التى ينتفع بها الميت من ولده". وأخرج مسلم أن رجلا قال للنبى صلى الله عليه وسلم: "إن أبي ترك مالا ولم يوص فهل يكفي أن أتصدق عند؟ ". قال: "نعم".

1 وسنده حسن (مم) .

2 يراجع في رياض الصالحين سبب ورود هذا الحديث، ليعرف جهل وضلال

من يقول بوجود بدعة حسنة، فكل بدعة ضلالة كما جاء في الحديث الصحيح.

3 على أن تكون من أحد فروعه لقوله تعالى: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ}

وقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ". رواه مسلم. ويؤيد ذلك قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلَاّ مَا سَعَى} .

ص: 11

وينتفع الميت بدعاء المسلمين واستغفارهم له لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ} وفى السنن مرفوعا: "إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء"1.

هذا هو الوارد في هذا الباب مما ينفع الأموات من الأحياء، وليس فيها دليل واحد يستأنس به أو يشم منه رائحة جواز قراءة القرآن للموتى أو سورة مخصوصة كسورة (يس) أو غيرها أو عمل عتاقة بسورة الإخلاص مائة ألف مرة أو سبحة بلا إله إلا الله ألف مرة2، وسنسرد عليك هنا إن شاء الله أقوال المفسرين والمحدثين والأصوليين وأئمة المذاهب المعروفة، مما يدلك دلالة واضحة على أن كل ما عليه الناس فى مآتمهم وعلى قبورهم، لا يتفق وشرائع الإسلام وهدى الرسول عليه السلام.

1 وسنده جيد (مم) .

2 ومثلها في البدعة: اللطيفية 999 يا لطيف، يا لطيف، فإن أسماء الله الحسنى كالاسم المفرد: الله، لم يرد الذكر بها، إنما صح الذكر بـ: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله وغيرها مما ورد في السنة ولا ثواب إلا بها، فتأمل!

ص: 12

‌تمهيد

سبحان الله ربنا لماذا أنزل الله تعالى هذا القرآن!؟

هل أنزله لتصنع منه الحجب وتوضع للأطفال والمرضى؟

هل أنزله ليتلى في المقابر على الأموات، ويتخذ منه المتمشيخون وسيلة لابتزاز أموال الناس بالباطل؟

وهل أنزله ليكتبه الدجاجلة على الآنية ليشرب من مائه الضعفاء والمسحورون؟

هل أنزله ليتلوه الكسالى والعاطلون في قارعة الطريق بقصد الاستجداء!؟

هل أنزله ليعلق في صفحة واحدة على الجدران للزينة والبركة وعلى أعناق المتبرجات للحرز!؟

هل أنزله ليصنع منه المشعوذون التمائم ويصيحوا على أبواب المساجد: آية الكرسي والمعوذات والآيات المنجيات بخمسة قروش!؟

هل أنزله ليتغنى به المنشدون ويطرب على نغماته وموسيقاه السامعون، فيرسلون الآهات طربأ كأنهم في ملهى من الملاهي!

هل أنزله لتتخذ منه طريقة للاستخارة والتنجيم؟

هل أنزله ليتلى كالببغاء صبح مساء دون فهم ولا تدبر!؟ هل أنزله بعدما فتح به المسلمون الأولون الدنيا، ليوضع اليوم في زاوية مظلمة يتراكم عليه الغبار!؟ غفرانك يا رب!

ليس لهذا كله أنزلت كتابك العظيم!

لقد أنزلته ليتدبر الناس آياته، وليكون لهم سراجا منيرا.

ص: 5

أنزلته ليكون بشيرا ونذيرا، أنزلته ليكون كتابا للأحياء لا للموتى!

أنزلته ليتخذ منه المسلمون دستورهم ونظامهم سواء في دورهم أو أسواقهم، وسواء في معاهدهم أو محاكمهم!

اللهم قد ضللنا طريق السعادة الذي رسمت لنا، فضعنا وأضعنا: ضعنا وغدونا على هامش الحياة، نتردى في هاوية الفوضى والشقاء نتيجة تمردنا على أهداف القرآن ومخططاته.

فقد قلبنا مفاهيمه ومراميه بطريقة عجيبة لم تسبقنا إليها أمة من الأمم مهما جحدت بكتابها السماوي، فلا نعلم واحدة منها جعلت منه بضاعة للموتى!!

وأضعنا هذه الملايين الشاردة من البشر الذين أخذت منا العهود للتبشير بينهم وهدايتهم.

فأهملنا كل هذا حتى غدوا خطرا علينا وعلى أنفسهم بما اخترعوا من آلات الحرب والتدمير.

لقد بشرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أربعة عشر قرنا فقال: " تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وسنة نبيه ". رواه الحاكم وسنده حسن.

ولما تمسك به أجدادنا حقيقة وجعلوه منهاجهم في الحياة ونبراسهم في العمل، غدوا سادة العالم وقادة الإنسانية في سنين قليلة.

نقرؤه كثيرا، ولكن لا تتجاوز قراءته حناجرنا.

إننا نقرأه أكثر مما قرأه أسلافنا الصالحون.

نقرؤه دون فهم ولا تدبر ولا عمل حتى صح في كثير منا قول بعض السلف: "كم من تال للقرآن، والقرآن يلعنه! ".

ص: 6

أما آن لنا أن نصحوا من غفلتنا!

أما آن لنا أن نرجع عن ضلالنا!

أما آن لعلمائنا أن يحاربوا هذه البدع والمنكرات؟

وإذا لم يجرؤوا على هذا الجهاد، فهل لهم أن يتنحوا عن الطريق ويفسحوا المجال لغيرهم من المصلحين، فلا ينبذوهم بالألقاب ويتهمونهم بالمروق من الدين؟

إننا لنأمل في هذا العصر العصيب الذي أحاطت بنا فيه الأخطار والمشكلات العائلية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، أن نستيقظ من هذا النوم العميق، فنعمد إلى كتاب الله تعالى، فنتلوه بتدبر وإمعان كدستور، ومنهج في الحياة.

وفى الصفحات التالية بحث هام خطير في سد باب دجل الدجالين، وشعوذة قراء القبور والموتى، يبطل افتراءاتهم الكاذبة وادعاءاتهم الباطلة بالأدلة الصحيحة على كذب ما ذهبوا إليه- سفها وزورا- من وصول ثواب قراءة القرآن الكريم للأموات، ليأكلوا أموال الناس ويحطوا من قدره العظيم!

ونختتم هذه المقدمة بهذه العبارة المؤثرة لأحد المفكرين:

"إنك- يا أيها المسلم- لا تزال أسيرا للمتزعمين للدين، والمحتكرين للعلم، لا تستمد من حكمة القرآن في تشريعك ولا فقهك".

"إن هذا الكتاب الذي هو مصدر حياتك، ومنبع قوتك لا اتصال لك به إلا إذا حضرتك الوفاة، فنقرأ عليك سورة:(يس) لتموت بسهولة.

فواعجبا كيف أصبح هذا القرآن الذي أنزل ليمنحك الحياة والقوة يتلى الآن لتموت براحة وسهولة!

فإلى الثورة على هذه التقاليد البالية البعيدة عن الإسلام.

ص: 7

وإلى محاربة القبوريين الذين سبقوا عرب الجاهلية بشركهم، فهم يسارعون إلى الرمم البالية والموتى في أشد حالات الضيق، كلما الم بهم خطب، أو نزلت بهم مصيبة، يطلبون منهم قضاء حاجاتهم أو يتخذونهم وسائط، فينذرون لهم ويذبحون لهم، ليقربوهم إلى الله زلفى بخلاف هؤلاء الجاهليين الكفرة الذين وصفهم الله بقوله:{فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} . (العنكبوت: 65) .

وقد سخر الله سبحانه في آيات كثيرة من هؤلاء القبوريين الذين مسخوا عقولهم، وأماتوا ضمائرهم، واستأصل الشرك في قلوبهم بسبب تركهم لكتاب الله سبحانه وتعالى وتراميهم على الموتى يستغيثون بهم.

{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ} . (الأحقاف: 5) .

{وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ} . (الحج: 73) . وإلى تطهير شريعتنا مما أدخله علينا المقلدة والأدعياء من باع وأوهام وأساطير.

وإلى حمل مشعل الإصلاح الديني الذي تتوقف عليه نهضتنا وعزتنا. أدعو العلماء والمفكرين وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.

محمود مهدي استامبولي.

ملحوظة: رموز الأحاديث:

محقق مشكاة المصابيح: (مم) .

محقق الجامع الصغير وزياداته (مج) .

ص: 8