المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌كلام علماء الأصول - حكم القراءة على الأموات

[الشقيري]

الفصل: ‌كلام علماء الأصول

‌كلام علماء الأصول

قال صاحب كتاب "طريق الوصول إلى إبطال البدع بعلم الأصول" بعدما ذكر قاعدة أصولية نفيسة ما نصه: "من هذه القاعدة الجليلة تعلم أن أكثر ما تفعله العامة، هو من البدع المذمومة، ولنذكر لك أمثلة:

الأول: قراءة القرآن على القبور رحمة بالميت، تركه النبي صلى الله عليه وسلم وتركه الصحابة مع قيام المقتضى للفعل، والشفقة للميت وعدم المانع منه، فمقتضى القاعدة المذكورة يكون تركه هو السنة وفعله بدعة مذمومة! وكيف يعقل أن يترك الرسول صلى الله عليه وآله وسلم شيئا نافعا لأمته يعود عليها بالرحمة ويتركه الرسول صلى الله عليه وسلم طول حياته ولا يقرؤه على ميت مرة واحدة.

الثاني: قراءة الصمدية بعدد معلوم أو الجلالة بعدد معلوم. القرآن في ذاته عبادة لقارئه يتقرب بقراءته وبسماعه إلى الله تعالى ولا ينازع في ذلك أحد، إنما النزاع في قراءته للميت ليكون عتقا لرقبته من النار: مع العلم بأن القرآن ما نزل للأموات وإنما نزل للأحياء1 نزل ليكون تبشيرا للمطيع وإنذارا للعاصي، نزل لنهذب به نفوسنا ونصلح به شؤوننا، أنزل الله القرآن كغيره من الكتب السماوية ليعمل على طريقه العاملون، ويهتدى بهديه المهتدون، قال جل شأنه:

ص: 23

{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} .

فهل سمعتم أن كتابا من الكتب السماوية قرىء على الأموات أو أخذت عليه الأجور والصدقات؟! ويقول الله خطابا لنبيه: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} .

أكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على أصحابه عددا معلوما في الصمدية أو عددا معلوما من الجلالة ليكون ذلك عتقا لرقبتهم وإنقاذا لهم من النار؟! مع العلم بأن من ليس بمعصوم في حاجة إلى تكفير السيئات ورفع الدرجات، أم كانت سنته أن يدفن الرجل من أصحابه ويذهب كل إلى عمله ليس له إلا ما قدم؟ هذه كانت سنته وهذه طريقته، والله تعالى يقول:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ} فلنتأس به في الفعل، كما نتأسى به في الترك"اهـ. كلام صاحب طريق الوصول.

فصل في أشياء تتعلق بذلك

أما ما يروى عن ابن عمر أنه أوصى بقراءة الفاتحة وخواتيم البقرة على قبره، فهو أثر شاذ لم يصح سنده، ولم يوافقه عليه أحد من الصحابة، وكذلك ما يروى من قراءة الفاتحة والصمدية والمعوذتين وألهاكم والكافرون وإهدائها

ص: 24

لأهل المقابر فباطل لمخالفتها لأقوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأفعال أصحابه.

[ومن البدع] : قراءة القرآن في الشوارع والطرقات

وعلى أبواب الأضرحة للتعيش والارتزاق، إذ في ذلك تسول فاحش بالقرآن، فهو امتهان للقرآن، والتسول يحرمه الدين الإسلامي تحريما باتا، وهو بالقرآن أشد تحريما، ولكن يجب على العلماء أن يفهموا الحكومة والأغنياء أنه فرض عليهم أن ينفقوا على هؤلاء العميان وأن يستخدموهم في أي عمل كصناعة الزنابيل وخيزران الكراسي وما يليق بهم من الصناعات.

[ومن البدع] : نصب السرادقات (الصواوين)

يوم وفاة الميت وعمل السبحة التي هي عبارة عن التهليل ألف مرة من المعزين2. ويهبون ثوابها للميت، وأصلها منام رآه بعض المتمشيخين فأذاعه بين إخوانه الجهلاء فاتخذوها سنة! ثم حديث " من قرأ قل هو الله أحد ألف مرة فقد أشترى نفسه من النار"، موضوع، وفيه مجاشع الكذاب.

[ومن البدع] : والمنكر أنهم يجددون الحزن كل

1 كالخيمة وقد نهى ابن عمر رضي الله عنهما عن ذلك وقال. " إن الميت يظله عمله"!

2ومن البدع المحرمة إطعام أهل الميت الطعام للمعرين أو الفقراء بعد تشييع الجنازة وفى يوم الخميس واليوم الثالث والأربعين والسنوية والسنة إطعام الأصدقاء والجيران لأهل الميت لحديث: " اصنعوا لآل جعفر طعاما، وقد أتاهم ما يشغلهم " رواه الترمذي وغيره وسنده صحيح، فما أعظم الفرق بين السنة والبدعة!

ص: 25

خميس بعد وفاة الميت إلى يوم الأربعين أو إلى أول عيد له1، ويعملون السرادقات ويحضرون القراء وينتظرون مجيء الناس إليهم للتعزية، وقد روى الإمام أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح عن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال:"كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة". وقال الشافعي: يكره الجلوس للتعزية! " وقال الأوزاعي: مثله. وقال الإمام أحمد: وهو من فعل الجاهلية" وأنكره.

[من البدع] : ذهاب النساء والرجال إلى المقابر في الأعياد2 والجمع ومعهم القرص والبلح لتوزيعها على القراء وغيرهم. ومن عيوب القراء أنهم يقولون للجالسات على القبر: اقرأ سورة هنا ياست!؟

ثم يتشاجر معها بعد القراءة لقلة ما تعطيه، وهذا قبيح جدا يحط من كرامة القراء ورجولتهم. وعلاج ذلك أن تمنع الحكومة في شدة وحزم هذه المهازل قبل وقوعها، فلا تسمح للنساء بالخروج إلى المقابر3 وتجري على هؤلاء ما يغنيهم عن ذلك، كما يجب على العلماء أن يذكروا وينكروا ذلك العمل عند كل مناسبة.

1 ومثلها السنوية، وكل ذلك تقليد وتشبه بالكفرة وإضاعة للأموال.

2 ويغريهم الشيطان أن يكون ذلك قبل صلاة العيد والجمعة ليضيع عليهم صلاتهما ا

ومن البدع أيضا سقوط الصلاة، وفك وحدة الميت بعد المغرب، والذهاب إلى

قبره صباحا قبل الشمس في الأيام الثلاثة الأولى من دفنه.

3 لأنهن لا يحتجبن بالحجاب الشرعي، ولا يتمسكن بآداب زيارة القبور.

ص: 26

[ومن البدع] : تسهير القراء في شهر رمضان، إذ لم يكن هذا من فعل السلف الصالح ولا هو من تعليم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وليس في الكتب الصحيحة بل ولا غيرها ما يدل على جواز ذلك. إنما المطلوب شرعا أن نتدارس القرآن، كما ورد أنه صلى الله عليه وآله وسلم:"كان إذا دخل العشر الأخير من رمضان شد مئزره وأحيى ليله وأيقظ أهله"، رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

[ومن البدع] :: قراءة سورة يس 40 مرة بقصد إهلاك شخص أو إضرار طائفة، وغاب عن هؤلاء أن الله أنزل القرآن شفاء ورحمة، وأرسل الرسول رحمة للعالمين، وما أنزل الله علينا القرآن لنشقى، وهذا من الجهلاء شنيع، لكنه من أهل العلم أشنع وأفظع، ولكن ضللهم هؤلاء بقولهم: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "خذ من القرآن ما شئت لما شئت، (ويس) لما قرئت له". وكلاهما باطل لا أصل له!!

[ومن البدع] : قراءة سورة الكهف بالمساجد على الهيئة المعروفة، والسنة أن يقرأها يوم الجمعة كل مسلم ومسلمة لحديث " من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين" وفى رواية " أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق" وهذان الحديثان ضعيفان1، وهما يفيدان أن الكل مطلوب منه قراءة سورة الكهف ولكن

1بل هما صحيحان (مم) .

ص: 27

التشويش بها من قارىء واحد ممنوع شرعا وعقالا، وفى الحديث " لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن". رواه مالك في الموطأ وأبوداود في سننه1.

وروى الإمام أحمد ومسلم والنسائي مرفوعا: "من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال "2.

[ومن البدع] : قراءة سورة تبارك جماعة على صوت واحد كما يفعل ذلك جماعة الخلوتية وغيرهم، أما السورة نفسها فقراءتها سنة لحديث:"إن سورة من القرآن ما هي إلا ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له، وهى تبارك الذي بيده الملك ". رواه أحمد وأصحاب السنن وابن حبان3.

[ومن البدع] : قراءة سورة الفاتحة لروح النبي صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الظهر، وقراءتها بعد صلاة العشاء لروح عمر وبعد صلاة المغرب لروح عثمان وبعد صلاة العشاء لروح على، ويعتقدون أنهم بهذا يحضرونهم عند تغسيلهم بعد الموت أو عند سؤال القبر، وتلك بدع وخرافات ما أنزل الله بها من سلطان!

[ومن البدع] : قول بعض المصلين عقب التسليم من صلاة الجمعة فورا: "الفاتحة لسيدي الحسين" أو يقول

1 وهو صحيح لغيره.

2 رواه مسلم بلفظ: "من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال". وهو شاذ (أي ضعيف) باللفظ الذي ذكره المصنف.

3 وإسناده حسن (مم) .

ص: 28

"للسيد البدوي"1 أو (الفاتحة على هذه النية) وهذا جهل قبيح، ولكن لماذا يقره العلماء ويسكتون عليه؟ الحق أن الكل أجمع على ترك أوامر الدين. إنا لثه وإنا إليه راجعون.

[ومن البدع] : تعليق المصحف على الصغير أو الكبير والسيارة كحجاب أو للنظرة. وكذا من البدع كتابة شيء من القرآن لهذا الغرض. والمشروع قراءة آية الكرسي عند النوم أو المعوذتين أو قراءة الأدعية الواردة في السنة لهذا فليعلم2.

[ومن البدع] :3 تعليق سورة {أَلَمْ نَشْرَحْ} في ورقة على الدكاكين لجلب الزبون، والمطلوب حسن المعاملة وحسن الخلق والصدق وعدم رفع الأسعار، فإن هذا حقا يجلب الزبون، وقد نهى الإسلام عن التعليق حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من علق تميمة فقد أشرك"4.

[ومن البدع] : أنهم عندما يمرون بقبر أو تابوت أو قبة يتجهون إلى القبلة رافعين أيديهم إلى السماء قائلين؟ الفاتحة لصاحب هذا المقام ويكثرون من الدعاء، ثم

1 ومن أسوأ وأخطر ما رأيته في مصر طواف الناس حول ما يسمى قبر الحسين في المسجد الذي يسمى باسمه في القاهرة، وحول قبر البدوي في طنطا، وصياحهم المدد يا حسين، ويا بدوى وتمسحهم بضريحهما ووضع النذور لهما، على مشهد من كثير من الشيوخ. ومن أغرب ما رأيته ازدحام الناس في مسجد الحسين، بينما لا نجد أحدا إلا النادر في الجامع الأزهر، وهو بقربه!! فيا لجريمة العلماء الذين أخذ الله سبحانه منهم المواثيق أن يبينوا الحق للناس ولا يكتمونه، وإلا لعنهم الله ولعنهم اللاعنون!

2 لقد ورد في قراءة آية الكرسي وسورة قل هو الله أحد، والمعوذتين عند النوم وبعد كل صلاة. أحاديث صحيحة.

3 ومن البدع ختم القرآن بأقل من ثلاثة أيام لحديث: "لم يفقه القرآن من قرأه في أقل من ثلاثة". رواه الترمذي وأبو داود والدا رمي وسنده صحيح فتأمل!

4 رواه أحمد والحاكم وسنده صحيح (مج) .

ص: 29

يمسحون وجوههم بأيديهم قائلين: "راعنا1 يا سيدي راعنا سقت عليك النبي"، وهذا منهم بدعة وجهل وضلال، وهذه كبدعة زائري القبور، فإنهم أيضا يقولون: الفاتحة لروح أمواتنا وأموات المسلمين كافة عامة، ثم يقولون يا حي يا قيوم، ويقرأون الفاتحة.

[ومن البدع] : أنهم عند خروجهم مثلا من مصر أو غيرها من البلاد عند قيام القطار يقول قائلهم: "الفاتحة لأولياء الله على العموم (نظرة يا أسيادي) " ويقرؤونها، ثم يقولون:"نظرة يا أهل البيت خلوا بالكم معنا". والمشروع أن يلجأ إلى الله تعالى، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله2، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف ". رواه الترمذي وغيره3

[ومن البدع] : أنهم ينذرون لأصحاب القبور النقود والذبائح4 السنوية. وأيضا قراءة الختمات وما إلى

1 وهذا شرك لأنه دعاء غير الله.

2 إن الدعاء والاستغاثة، ومثلها النذر والذبح والحلف كلها عبادات لا تحوز إلا لته، فمن دعا غير الله وذبح له فقد أشرك؟ والعياذ بالله.

3 وسنده صحيح (مم) .

4 بل هي شرك لقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح: "ملعون من ذبح لغير الله ". رواه مسلم.

وبمناسبة الكلام على الذبائح، فإنه يحرم الذبح عند خروج الجنازة، وعند الدفن، وهو عقر كان يفعل في الجاهلية، ولحمه نجس لا يؤكل. كما يحرم الذبح عند القبر ولو نوى صاحبه أنه لله! وفى ذلك حديث صحيح.

ص: 30

ذلك، ولاشك أنه حدث1 في الدين، ومخالفة صريحة لطريق خاتم المرسلين ومن تابعه من العلماء الصالحين.

قال في (سبل السلام) : "وأما النذور المعروفة في هذه الأزمنة على القبور والمشاهد والأموات فلا كلام في تحريمها! لأن الناذر يعتقد في صاحب القبر أنه ينفع ويضر ويجلب الخير ويدفع الشر، ويعافى الأليم، ويشفى السقيم. وهذا هو الذي كان يفعله عباد الأوثان بعينه، فيحرم كما يحرم النذر على الوثن، ويحرم قبضه لأنه تقرير على الشرك2 ويجب النهي عنه، وإبانة أنه من أعظم المحرمات، وأنه الذي كان يفعله عباد الأصنام. لكن طال الأمد حتى صار المعروف منكرا، والمنكر معروفا إنا لله وإنا إليه راجعون".اهـ.

1 ومن هذه البدع المنكرة خرافة سقوط الصلاة التي لا أصل لها، كما سبق وذكرنا، وهي تشجع على ترك الصلاة والصوم وغيرهما. مادام يمكن إسقاطها عن ذمة المسلم بقروش معدودة، وكل ذلك كذب وضلال!

2 مما يؤسف له أن بعض رجال الطرق طالبوا المسؤولين في مصر إعطاءهم نصيبهم من أموال هذه النذور، وهي سحت!

نصيحة ثمينة وتحذير مخيف:

بعدما تقدم من فتاوى المذاهب الأربعة فليتق الله هؤلاء الذين جعلوا من القرآن بضاعة للموتى، وهو الدستور السماوي الذي أنزله تعالى للأحياء لا للأموات:{لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} .

وليتق الله أيضا هؤلاء القوم الآثمون المسمون (قراء) فلا يأكلون أموال الأرامل والأيتام وغيرهم بالباطل.

وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن التكسب بالقرآن في أحاديث صحيحة كثيرة سبق ذكر بعضها.

وليتق الله كذلك هؤلاء العلماء الساكتون عن الحق، وقد أخذ الله سبحانه منهم المواثيق أن يقولوا الحق للناس ولا يكتموه مالا استحقوا اللعن. وليتق الله أخيرا هؤلاء الناس الذين يضيعون أموالهم على أولئك المرتزقة فيأثمون معهم ويساعدونهم على ارتكاب البدع ومعصية الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

ص: 31

[ومن البدع] : المنكرة تلقين الميت، والحديث الوارد فيه غير صحيح كما قال الإمام ابن القيم في زاد المعاد (1- 256) وضعفه النووي وغيره وكذلك الصنعاني في (سبل السلام- 2: 161) .

لذا كان العمل به بدعة. وهو يجلب السخرية كأن الملقن يريد تلقين الميت الإسلام من جديد. وقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم تلقين الأحياء المشيعين حين الدفن فيذكرهم بالموت وما بعده في هذا الموقف الرهيب فما أروع السنة! وما أبغض البدعة، وما أقبح نشازها.

[ومن البدع] : الأذان عند دفن الميت، وإشادة القبر ورفعه أكثر من التراب الخارج منه، والبناء عليه.

[ومن البدع] : الجنائز المنكرة وضع الجريد والآس والأزهار فوق القبر كما يفعله كثير من الناس الآن، لأن ذلك مخالف لما كان عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم، ولا تأثير له، وإنما التأثير للعمل الصالح وأما ما رواه البخاري وغيره عن ابن عباس من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر على قبرين فقال:"إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير1. أما هذا فكان لا يستنزه من البول، وأما هذا فكان يمشي بالنميمة". ثم دعا بعسيب رطب فشقه اثنين ثم غرس على هذا واحدا وعلى هذا واحدا وقال: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا" فقد أجاب عنه الخطابي بقوله: "وأما غرسه شق

1 ومما يدل على أن ذلك خصوصه للرسول قوله في صحيح مسلم: "فأحببت بشفاعتي أن يرد عنهما مادام الغصنان رطبين".

ص: 32

العسيب على القبر. وقوله: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا" فإنه من ناحية التبريك بأثر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودعائه بالتخفيف عنهما". إلى أن قال: "وليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب معنى ليس في اليابس!! " انتهى بتصرف. عن رسالة (منكرات المآتم والموالد لوزارة الأوقاف المصرية) . فيا لضياع أموال المسلمين في سبيل الشيطان والرياء والبدع!!

[ومن هذه البدع] : المنكرة للجنائز ستر النعش والقبر بقماش لزيادة تضليل العامة للتوسل والاستغاثة بصاحبه مما هو شرك، ومن هذه البدع أيضا دفن الميت في غير مقبرة المسلمين، مما يحرم الميت من دعاء الزائرين للقبور، وأخطر هذه البدع وأشدها نكارة دفن الميت في المسجد، وقد نهى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك نهيا شديدا في أحاديث عديدة. والصلاة في المسجد الذي فيه قبر غير جائزة إلا للضرورة. ويستثنى من ذلك مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بسبب خصوصية فضل الصلاة فيه بألف صلاة.

وينبغي أن نذكر بهذه المناسبة أن القبر الشريف لم يكن في المسجد، إنما صارفيه حين توسعة المسجد أيام الوليد بن عبد الملك، ولم يكن في عهده أحد من الصحابة لينكر عليه ذلك، إنا لله وإنا إليه راجعون.

[ومن البدع] : المحرمة في زيارة القبور الوقوف أمامها بخشوع وتقبيلها والارتماء على أعتاب قبور الصالحين

ص: 33

والتمسح بها والطواف حولها وتعليق القناديل وإيقاد الشموع عليها وربط الخرق على قضبان وشريط نوافذها للتبرك والاستغاثة أو التوسل بها إلى الله تعالى.

[ومن البدع] : المنكرة شد الرحال لزيارة قبور الصالحين بالسفر إليها وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا". رواه البخاري ومسلم. وفى رواية: "وإنما يسافر إلى ثلاثة مساجد، مسجد الكعبة، ومسجدي، ومسجد إيليا". أخرجه البخاري باللفظ الأول ومسلم باللفظ الآخر

وإيليا القدس. وقد أحي هذه السنة بعدما كادت أن تدرس الإمام ابن تيمية وسجن لأجلها، ومما يؤسف له أن الشيخ أبا زهرة فهم من كلام ابن تيمية تحريمه لزيارة القبور مطلقا، فصرح بذلك في المهرجان الذي أقيم لشيخ الإسلام بدمشق فكان مما قاله:"لابد لنا من زيارة قبر ابن تيمية، ولو كان يحرم زيارة القبور! " فهو لم يقدر أن يفرق بين تحريم شد الرحال لزيارة القبور، وبين استحباب زيارتها دون شد الرحال وهاهو ذا الإمام النووي يذكر لنا آداب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو سيد ولد آدم وصاحب الفضل العظيم على أمته، وهذه الآداب مقتبسة من السنة النبوية الصحيحة، فما أجدرها بأن تكون لنا درسا في التأدب في زيارة من هو دون مرتبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك كيلا نقع في براثن الوثنية، ونحن نظن أننا نحسن صنعا

ص: 34

فيقول: "لا يجوز أن يطاف بقبره صلى الله عليه وآله وسلم ويكره إلصاق البطن والظهر بجدران القبر"، قال الحليمي وغيره:"ويكره مسحه باليد وتقبيله، بل الأدب أن يبعد منه"، هذا هو الصواب، وهو الذي قاله العلماء وأطبقوا عليه. وينبغي أن لا يغتر بكثير من العوام في مخالفتهم ذلك، فإن الإقتداء والعمل إنما يكون بأقوال العلماء1؟ ولا يلتفت إلى محدثات العوام وجهالاتهم وقد أحسن التابعي الجليل أبوعلي الفضيل بن عياض في قوله: ما معناه؟ "اتبع طرق الهدى ولا يغرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين! " ومن خطر في باله أن المسح باليد ونحوه أبلغ في البركة فهو من جهله وغفلته، لأن البركة إنما هي فيما وافق الضرع وأقوال العلماء2، وكيف يبتغى الفضل في مخالفة الصواب! (مناسك الحج 268) .

وجاء في رسالة (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة) : "ومذهب الأئمة الأربعة، وغيرهم من أئمة الإسلام: أن الرجل إذا سلم على النبي، وأراد أن يدعو لنفسه، فإنه يستقبل القبلة، واختلفوا في وقت السلام عليه، فقال

1 إذا كانت مقرونة بالأدلة من القرآن والسنة الصحيحة. وإذا لم يكن لديهم أدلة فيلحقون بالعوام!

2 إذا كانت مقرونة بالأدلة من القرآن والسنة الصحيحة. وإذا لم يكن لديهم أدلة فيلحقون بالعوام!

ص: 35

الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد: "يستقبل الحجرة ويسلم من تلقاء وجهه"، وقال أبو حنيفة:"لا يستقبل الحجرة وقت السلام، كما لا يستقبلها وقت الدعاء باتفاقهم! ".

فأين هذه التوجيهات مما نراه اليوم في كثير من بلاد المسلمين؟!

تحدثنا فيما سبق عن بعض البدع والأوهام والمنكرات المتعلقة بالقرآن العظيم وتقاليد الجنائز والمآتم، وهى على الرغم من وزر العاملين بها والمقرين لها والساكتين عنها، لها مساوىء وأضرار مالية واجتماعية تنهك القوى وتبدد الثروة العامة، وما أحسن قول الشاعر:

ثلاثة تشقى بهن الدار

العرس، والمأتم، ثم الزار!

ومما يؤسف له أن المسلمين المتأخرين بسبب جهلهم بالإسلام، يبدون سخاءهم وكرمهم. على مثل هذه البدع المحرمة، بينما يبخلون على إنفاقها في المشروعات العامة النافعة كتقديم الأموال لتشييد المعامل الحربية وبناء المدارس والمستشفيات وغيرها كما كان يفعل الجدود السالفون

وقد كنت قلت في إحدى المناسبات أعطوني ما ينفقه العالم الإسلامي من الأموال التي تبلغ بضعة ملايين يوميا على المآتم، وتشييد القبور، وعلى القراء المحترفين، وغير ذلك من البدع، مما هو منكرو حرام يغضب الله تعالى ويعرضكم لناره، وأنا كفيل بأن أغير لكم وجه هذا العالم الإسلامي، فيصبح من دول الدنيا الكبرى!!

ص: 36