الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لكن هل يلزم من كونهم يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين ألا يقولوا: بسم الله الرحمن الرحيم سراً، بحيث لم يسمعها الراوي؟ ولذا الحافظ ابن حجر حمل نفي الذكر على نفي الجهر، وصحح الرواية التي في صحيح مسلم، ومنهم من أعلها؛ لأنها مخالفة لما جاء في أحاديث أخرى، المقصود أن من أهل العلم من أعلها وضعفها، ومُثِّلَ بها لعلة المتن، يقول الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-:
وعلة المتن كنفي البسملة
…
إذ ظن راوٍ نفيها فنقله
ما سمع، ظن أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يقلها البتة، فنقله، لكن إذا أمكن حمل الخبر الذي جاء بإسناد صحيح على محمل صحيح، بحيث يتفق ويتسق مع النصوص الأخرى، تعين ذلك، لا سيما وأن الخبر في صحيح مسلم، فإذا حملنا عدم الذكر على عدم الجهر انتهى الإشكال.
ومن أهل العلم من يرى استحباب الجهر بالبسملة مطلقاً؛ لأنها آية من الفاتحة، فهي كغيرها من آيات الفاتحة، يقرأ بها، فإذا قال: يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، يعني بسورة الحمد، والبسملة آية منها على هذا القول، والجمهور على أنها يُسَرُّ بها، لحديث:((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين)) فدل على أنها ليست بآية من الفاتحة، والمسألة كون البسملة آية من الفاتحة أو ليست بآية مسألة طويلة الذيول، والخلاف فيها كبير بين أهل العلم على أنهم يتفقون على أنها ليست بآية من سورة براءة، وعلى أنها بعض آية من سورة النمل، والخلاف في غيرها من المواضع، وشيخ الإسلام يرجح أنها آية واحدة جاءت للفصل بين السور، فعلى هذا الإسرار بها أفضل، إن جهر بها أحياناً فلا بأس حينئذ.
قراءة الفاتحة:
ثم بعد ذلك يقرأ الفاتحة، والفاتحة ركن من أركان الصلاة لا تصح إلا بها، في حديث عبادة بن الصامت:((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) فدل على أنها لا بد منها فهي ركن من أركان الصلاة، لكن تلزم من؟
هل تلزم كل مصلٍّ؟ هل كل مصلي تلزمه الفاتحة كما يقول أبو هريرة وهو اختيار البخاري والشوكاني؟ كل مصلي تلزمه الفاتحة، فعلى هذا لو جاء والإمام راكع، وأدرك الركوع، ما أدرك الركعة، لماذا؟ لأنه لن يتمكن من قراءة الفاتحة، والفاتحة ركن لكل مصلٍّ على هذا القول.
والقول الثاني: أنها تلزم كل مصلٍّ إلا المسبوق، تلزم الإمام والمأموم والمنفرد في كل ركعة، حاشا المسبوق، فالمسبوق الذي دخل والإمام راكع فأدرك الركوع تسقط عنه قراءة الفاتحة، بدليل حديث أبي بكرة، وهذا قول الإمام الشافعي، وأنها لازمة لكل مصلٍّ حاشا أو عدا المسبوق.
المعروف عند كثير من أهل العلم أنها تلزم الإمام والمنفرد، أما المأموم فلا تلزمه؛ لأن قراءة الإمام قراءة لمن خلفه ((وإذا قرأ فأنصتوا)) {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ} [(204) سورة الأعراف]
ومنهم من يفرق بين الصلاة السرية والصلاة الجهرية، فتلزم المأموم في السرية دون الجهرية، ليجمع بين النصوص في هذا.
وعلى كل حال القول المرجح المتوجه أنها تلزم الإمام والمأموم والمنفرد، سواء جهر الإمام أو أسر؛ لأن حديث عبادة بن الصامت صحيح صريح، ونفيٌ للصلاة، والصلاة المنفية هي الصلاة الشرعية المجزئة، أي لا صلاة صحيحة إلا بفاتحة الكتاب، فعلى هذا على الإنسان أن يُعنَى بها ويهتم بها ولا يتساهل بشأنها، قد يقول قائل: إذا جهر الإمام أنا لا أستطيع أن أقرأ، ألا يوجد بعض الناس من هذا النوع؟!
يوجد من الناس من إذا سمع شيئاً خلاص ارتج عليه لا يستطيع أن يقرأ والإمام يقرأ، نقول: مثل هذا حكمه حكم العاجز، حكمه حكم العاجز عن القراءة، قد يقول قائل: أنا أصلي مع إمام يستعجل في قراءته، فلا أتمكن من قراءة الفاتحة خلفه، إذا قرأ ثلاث أو أربع آيات ركع الإمام، نقول: حكمك حكم المسبوق، وصلاتك صحيحة، لكن الذي يستطيع القراءة خلف الإمام ولو جهر الإمام، القراءة في حقه ركن من أركان الصلاة.