الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النَّوْعُ السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ: فِي الْخَبَرِ وَالْإِنْشَاءِ
اعْلَمْ أَنَّ الْحُذَّاقَ مِنَ النُّحَاةِ وَغَيْرِهِمْ وَأَهْلِ الْبَيَانِ قَاطِبَةً عَلَى انْحِصَارِ الْكَلَامِ فِيهِمَا وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ قِسْمٌ ثَالِثٌ وَادَّعَى قَوْمٌ أَنَّ أَقْسَامَ الْكَلَامِ عَشَرَةٌ نِدَاءٌ وَمَسْأَلَةٌ وَأَمْرٌ وَتَشَفُّعٌ وَتَعَجُّبٌ وَقَسَمٌ وَشَرْطٌ وَوَضْعٌ وَشَكٌّ وَاسْتِفْهَامٌ
وَقِيلَ: تِسْعَةٌ بِإِسْقَاطِ الِاسْتِفْهَامِ لِدُخُولِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ
وَقِيلَ: ثَمَانِيَةٌ بِإِسْقَاطِ التَّشَفُّعِ لِدُخُولِهِ فِيهَا
وَقِيلَ: سَبْعَةٌ بِإِسْقَاطِ الشَّكِّ لِأَنَّهُ مِنْ قِسْمِ الْخَبَرِ
وَقَالَ: الْأَخْفَشُ هِيَ سِتَّةٌ خَبَرٌ وَاسْتِخْبَارٌ وَأَمْرٌ وَنَهْيٌ وَنِدَاءٌ وَتَمَنٍّ
وَقَالَ: بَعْضُهُمْ خَمْسَةٌ خَبَرٌ وَأَمْرٌ وَتَصْرِيحٌ وَطَلَبٌ وَنِدَاءٌ
وَقَالَ: قَوْمٌ أَرْبَعَةٌ خَبَرٌ وَاسْتِخْبَارٌ وَطَلَبٌ وَنِدَاءٌ
وَقَالَ: كَثِيرُونَ ثَلَاثَةٌ خَبَرٌ وَطَلَبٌ وَإِنْشَاءٌ قَالُوا لِأَنَّ الْكَلَامَ إِمَّا أَنْ يَحْتَمِلَ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ أَوْ لَا الْأَوَّلُ الْخَبَرُ وَالثَّانِي إِنِ اقْتَرَنَ مَعْنَاهُ بِلَفْظِهِ فَهُوَ الْإِنْشَاءُ وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بَلْ تَأَخَّرَ عَنْهُ فَهُوَ الطَّلَبُ وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى دُخُولِ الطَّلَبِ فِي الْإِنْشَاءِ وَأَنَّ مَعْنَى اضْرِبْ مَثَلًا وَهُوَ طَلَبُ الضَّرْبِ مُقْتَرِنٌ بِلَفْظِهِ وَأَمَّا الضَّرْبُ الَّذِي يُوجَدُ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ مُتَعَلِّقُ الطَّلَبِ لَا نَفْسُهُ
وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حَدِّ الْخَبَرِ فَقِيلَ: لَا يُحَدُّ لِعُسْرِهِ وَقِيلَ لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ
لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْإِنْشَاءِ وَالْخَبَرِ ضَرُورَةً وَرَجَّحَهُ الْإِمَامُ فِي الْمَحْصُولِ
وَالْأَكْثَرُ عَلَى حَدِّهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَالْمُعْتَزِلَةُ: الْخَبَرُ الْكَلَامُ الَّذِي يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ فَأَوْرِدْ عَلَيْهِ خَبَرَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا صَادِقًا فَأَجَابَ الْقَاضِي بِأَنَّهُ يَصِحُّ دُخُولُهُ لُغَةً
وَقِيلَ: الَّذِي يَدْخُلُهُ التَّصْدِيقُ والتكذيب وهو سَالِمٌ مِنَ الْإِيرَادِ الْمَذْكُورِ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ كَلَامٌ يُفِيدُ بنفسه نسبة فَأُورِدَ عَلَيْهِ نَحْوُ"قُمْ" فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْحَدِّ لِأَنَّ الْقِيَامَ مَنْسُوبٌ وَالطَّلَبَ مَنْسُوبٌ وَقِيلَ الْكَلَامُ الْمُفِيدُ بِنَفْسِهِ إِضَافَةَ أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ إِلَى أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ نَفْيًا أَوْ إِثْبَاتًا
وَقِيلَ: الْقَوْلُ الْمُقْتَضِي بِصَرِيحِهِ نِسْبَةَ مَعْلُومٍ إِلَى معلوم بالنفي والإثبات وقال الْمُتَأَخِّرِينَ: الْإِنْشَاءُ مَا يَحْصُلُ مَدْلُولُهُ فِي الْخَارِجِ بِالْكَلَامِ وَالْخَبَرُ خِلَافُهُ
وَقَالَ: بَعْضُ مَنْ جَعَلَ الْأَقْسَامَ ثَلَاثَةً: الْكَلَامُ إِنْ أَفَادَ بِالْوَضْعِ طَلَبًا فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِطَلَبِ ذِكْرِ الْمَاهِيَّةَ أَوْ تَحْصِيلِهَا أَوِ الْكَفِّ عَنْهَا وَالْأَوَّلُ الِاسْتِفْهَامُ وَالثَّانِي الْأَمْرُ وَالثَّالِثُ النَّهْيُ وَإِنْ لَمْ يُفِدْ طَلَبًا بِالْوَضْعِ فَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلِ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ سُمِّيَ تَنْبِيهًا وَإِنْشَاءً لِأَنَّكَ نَبَّهْتَ بِهِ على مَقْصُودِكَ وَأَنْشَأْتَهُ أَيِ ابِتَكَرْتَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا فِي الْخَارِجِ سَوَاءٌ أَفَادَ طَلَبًا بِاللَّازِمِ كالمتمني وَالتَّرَجِّي وَالنِّدَاءِ وَالْقَسَمِ أَمْ لَا كَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِنِ احْتَمَلَهُمَا مِنْ حيث هو فهو الخبر.
فَصْلٌ
الْقَصْدُ بِالْخَبَرِ إِفَادَةُ الْمُخَاطَبِ وَقَدْ يَرِدُ بِمَعْنَى الْأَمْرِ نَحْوُ: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ} {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ ب}
وَبِمَعْنَى النَّهْيِ نَحْوُ: {لَا يَمَسُّهُ إِلَاّ الْمُطَهَّرُونَ}
وَبِمَعْنَى الدُّعَاءِ نَحْوُ: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} أَيْ أَعِنَّا وَمِنْهُ: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} فَإِنَّهُ دُعَاءٌ عَلَيْهِ وَكَذَا {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا}
وَجَعَلَ مِنْهُ قَوْمٌ {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} قَالُوا هُوَ دُعَاءٌ عَلَيْهِمْ بِضِيقِ صُدُورِهِمْ عَنْ قِتَالِ أَحَدٍ
وَنَازَعَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْخَبَرَ يَرِدُ بِمَعْنَى الْأَمْرِ أَوِ النَّهْيِ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: "فلا"رفث لَيْسَ نَفْيًا لِوُجُودِ الرَّفَثِ بَلْ نَفْيٌ لِمَشْرُوعِيَّتِهِ فَإِنَّ الرَّفَثَ يُوجَدُ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ وَأَخْبَارُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَجُوزُ أَنْ تَقَعَ بِخِلَافِ مُخْبَرِهِ وَإِنَّمَا يَرْجِعُ النَّفْيُ إِلَى وُجُودِهِ مَشْرُوعًا لَا إِلَى وُجُودِهِ مَحْسُوسًا كَقَوْلِهِ: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} وَمَعْنَاهُ مَشْرُوعًا لَا مَحْسُوسًا فَإِنَّا نَجِدُ مُطَلَّقَاتٍ لَا يَتَرَبَّصْنَ فَعَادَ النَّفْيُ إِلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لَا إِلَى الْوُجُودِ الْحِسِّيِّ وَكَذَا {لَا يَمَسُّهُ إِلَاّ الْمُطَهَّرُونَ} أَيْ لَا يَمَسُّهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ شَرْعًا فَإِنْ وُجِدَ الْمَسُّ فَعَلَى خِلَافِ حُكْمِ الشَّرْعِ قَالَ وَهَذِهِ الدَّفِينَةُ الَّتِي فَاتَتِ الْعُلَمَاءَ فَقَالُوا: إِنَّ
الْخَبَرَ يَكُونُ بِمَعْنَى النَّهْيِ وَمَا وُجِدَ ذَلِكَ قَطُّ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوجِدَ فَإِنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ حَقِيقَةً وَيَتَبَايَنَانِ وَضْعًا انْتَهَى.
فَرْعٌ
مِنْ أَقْسَامِهِ عَلَى الْأَصَحِّ التَّعَجُّبُ قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: وَهُوَ تفصيل شَيْءٍ عَلَى أَضِرَابِهِ
وَقَالَ ابْنُ الصَّائِغِ: اسْتِعْظَامُ صِفَةٍ خَرَجَ بِهَا الْمُتَعَجَّبُ مِنْهُ عَنْ نَظَائِرِهِ
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْنَى التَّعَجُّبِ تَعْظِيمُ الْأَمْرِ فِي قُلُوبِ السَّامِعِينَ لِأَنَّ التَّعَجُّبَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ شَيْءٍ خَارِجٍ عَنْ نَظَائِرِهِ وَأَشْكَالِهِ
وَقَالَ الرُّمَّانِيُّ: الْمَطْلُوبُ فِي التَّعَجُّبِ الْإِبْهَامُ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ النَّاسِ أَنْ يَتَعَجَّبُوا مِمَّا لَا يُعْرَفُ سَبَبُهُ فَكُلَّمَا اسْتَبْهَمَ السَّبَبُ كَانَ التَّعَجُّبُ أَحْسَنَ قَالَ: وَأَصْلُ التَّعَجُّبِ إِنَّمَا هُوَ لِلْمَعْنَى الْخَفِيِّ سَبَبُهُ وَالصِّيغَةُ الدَّالَّةُ عَلَيْهِ تُسَمَّى تَعَجُّبًا مَجَازًا قَالَ: وَمِنْ أَجْلِ الْإِبْهَامِ لَمْ تَعْمَلْ"نَعَمْ"إِلَّا فِي الْجِنْسِ مِنْ أَجْلِ التَّفْخِيمِ لِيَقَعَ التَّفْسِيرُ عَلَى نَحْوِ التَّفْخِيمِ بِالْإِضْمَارِ قَبْلَ الذِّكْرِ
ثُمَّ قَدْ وَضَعُوا لِلتَّعَجُّبِ صِيَغًا مَنْ لَفْظِهِ وَهِيَ"مَا أَفْعَلَ"وَ"أَفْعِلْ بِهِ"وَصِيَغًا مِنْ غَيْرِ لَفْظِهِ نَحْوَ"كَبُرَ"كَقَوْلِهِ: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} {كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ} {كيف تكفرون بالله}
قَاعِدَةٌ
قَالَ الْمُحَقِّقُونَ إِذَا وَرَدَ التَّعَجُّبُ مِنَ اللَّهِ صُرِفَ إِلَى الْمُخَاطَبِ كَقَوْلِهِ: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} أَيْ هَؤُلَاءِ يَجِبُ أَنْ يُتَعَجَّبَ مِنْهُمْ وَإِنَّمَا لَا يُوصَفُ تَعَالَى بِالتَّعَجُّبِ لِأَنَّهُ اسْتِعْظَامٌ يَصْحَبُهُ الْجَهْلُ وَهُوَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ وَلِهَذَا تعبر جماعة بالتعجيب بَدَلَهُ: أَيْ أَنَّهُ تَعْجِيبٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُخَاطِبِينَ وَنَظِيرُ هَذَا مَجِيءُ الدُّعَاءِ وَالتَّرَجِّي مِنْهُ تَعَالَى إِنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا تَفْهَمُهُ الْعَرَبُ أي هؤلاء مما يَجِبُ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: عِنْدَكُمْ هَذَا وَلِذَلِكَ قَالَ سِيبَوَيْهِ فِي قوله تعالى: {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} الْمَعْنَى: اذْهَبَا عَلَى رَجَائِكُمَا وَطَمَعِكُمَا وَفِي قَوْلِهِ: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} لا: نقول هَذَا دُعَاءٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ بِذَلِكَ قَبِيحٌ وَلَكِنَّ الْعَرَبَ إِنَّمَا تَكَلَّمُوا بِكَلَامِهِمْ وَجَاءَ الْقُرْآنُ عَلَى لُغَتِهِمْ وَعَلَى مَا يَعْنُونَ فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} أَيْ هَؤُلَاءِ مما وجب هذا الْقَوْلُ لَهُمْ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ إِنَّمَا يُقَالُ لِصَاحِبِ الشُّرُورِ وَالْهَلَكَةِ فَقِيلَ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ دَخَلَ فِي الْهَلَكَةِ.
فَرْعٌ
مِنْ أَقْسَامِ الْخَبَرِ الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ نَحْوُ {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ} {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ} وَفِي كَلَامِ ابْنِ قُتَيْبَةَ مَا يُوهِمُ أَنَّهُ إِنْشَاءٌ
فَرْعٌ
مِنْ أَقْسَامِ الْخَبَرِ النَّفْيُ بَلْ هُوَ شَطْرُ الْكَلَامِ كُلِّهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَحْدِ أَنَّ النَّافِيَ إِنْ كَانَ صَادِقًا سُمِّيَ كَلَامُهُ نَفْيًا وَلَا يُسَمَّى جَحْدًا وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا سُمِّي جَحْدًا وَنَفْيًا أَيْضًا فَكَلُّ جَحْدٍ نَفْيٌ وَلَيْسَ كُلُّ نَفْيٍ جَحْدًا ذَكَرَهُ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ وَابْنُ الشَّجَرِيِّ وَغَيْرُهُما
مِثَالُ النَّفْيِ: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ}
وَمِثَالُ الْجَحْدِ نَفْيُ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ آيَاتِ مُوسَى قَالَ تَعَالَى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ}
وَأَدَوَاتُ النَّفْيِ لَا وَلَاتَ وَلَيْسَ وَمَا وَإِنْ وَلَمْ وَلَمَّا وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَعَانِيهَا وَمَا افْتَرَقَتْ فِيهِ فِي نَوْعِ الْأَدَوَاتِ وَنُورِدُ هُنَا فَائِدَةً زَائِدَةً قَالَ الْخُوَيِّيُّ: أَصْلُ أَدَوَاتِ النَّفْيِ لَا وما لِأَنَّ النَّفْيَ إِمَّا فِي الْمَاضِي وَإِمَّا فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَالِاسْتِقْبَالُ أَكْثَرُ من الماضي أبدا ولا أَخَفَّ مِنْ مَا فَوَضَعُوا الْأَخَفَّ لِلْأَكْثَرِ
ثُمَّ إِنَّ النَّفْيَ فِي الْمَاضِي إِمَّا أَنْ يَكُونَ نَفْيًا وَاحِدًا مُسْتَمِرًّا أَوْ نَفْيًا فِيهِ أَحْكَامٌ مُتَعَدِّدَةٌ وَكَذَلِكَ النَّفْيُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَصَارَ النَّفْيُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ وَاخْتَارُوا لَهُ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ مَا وَلَمْ وَلَنْ وَلَا وَأَمَّا إِنْ وَلَمَّا فَلَيْسَا بِأَصْلَيْنِ فَمَا وَلَا فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ مُتَقَابِلَانِ وَلَمْ كَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ لَا وَمَا لِأَنَّ لَمْ نَفْيٌ لِلِاسْتِقْبَالِ لَفْظًا وَالْمُضِيِّ مَعْنًى فَأَخَذَ اللَّامَ مِنْ"لَا"الَّتِي هِيَ لِنَفْيِ الْمُسْتَقْبَلِ وَالْمِيمِ مِنْ"مَا"الَّتِي هِيَ لِنَفْيِ الْمَاضِي وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا إِشَارَةً إِلَى أَنَّ فِي"لَمْ"إِشَارَةً إِلَى الْمُسْتَقْبَلِ وَالْمَاضِي وَقَدَّمَ اللَّامَ عَلَى الْمِيمِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ"لَا"هِيَ أَصْلُ
النَّفْيِ وَلِهَذَا يُنْفَى بِهَا فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ فيُقَالُ لَمْ يَفْعَلْ زَيْدٌ وَلَا عَمْرٌو وَأَمَّا"لَمَّا"فَتَرْكِيبٌ بَعْدَ تَرْكِيبٍ كَأَنَّهُ قَالَ لَمْ وما لِتَوْكِيدِ مَعْنَى النَّفْيِ فِي الْمَاضِي وَتُفِيدُ الِاسْتِقْبَالَ أَيْضًا وَلِهَذَا تُفِيدُ"لَمَّا"الِاسْتَمْرَارَ.
تَنْبِيهَاتٌ
الْأَوَّلُ: زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ النَّفْيِ عَنِ الشيء صحة اتصاف الْمَنْفِيِّ عَنْهُ بِذَلِكَ الشَّيْءِ وَهُوَ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ} وَنَظَائِرُهُ وَالصَّوَابُ أَنَّ انْتِفَاءَ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ لِكَوْنِهِ لَا يُمْكِنُ مِنْهُ عَقْلًا وَقَدْ يَكُونُ لِكَوْنِهِ لَا يَقَعُ مِنْهُ مَعَ إِمْكَانِهِ.
الثَّانِي: نَفْيُ الذَّاتِ الْمَوْصُوفَةِ قَدْ يَكُونُ نَفْيًا لِلصِّفَةِ دُونَ الذَّاتِ وَقَدْ يَكُونُ نَفْيًا لِلذَّاتِ أَيْضًا مِنَ الْأَوَّلِ: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ} أَيْ بَلْ هُمْ جَسَدٌ يَأْكُلُونَهُ وَمِنَ الثَّانِي {لَا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً} أَيْ لَا سُؤَالَ لَهُمْ أَصْلًا فَلَا يَحْصُلُ مِنْهُمْ إِلْحَافٌ، {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ} أَيْ لَا شَفِيعَ لَهُمْ أَصْلًا {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} أَيْ لَا شَافِعِينَ لَهُمْ فَتَنْفَعُهُمْ شَفَاعَتُهُمْ بِدَلِيلِ {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ} وَيُسَمَّى هَذَا النَّوْعُ عِنْدَ أَهْلِ الْبَدِيعِ نَفْيَ الشَّيْءِ بِإِيجَابِهِ وَعِبَارَةُ ابْنِ رَشِيقٍ فِي تَفْسِيرِهِ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ ظَاهِرُهُ إِيجَابُ الشَّيْءِ وَبَاطِنُهُ نَفْيُهُ بِأَنْ يَنْفِيَ مَا هُوَ
مِنْ سَبَبِهِ كَوَصْفِهِ وَهُوَ الْمَنْفِيُّ فِي الْبَاطِنِ وَعِبَارَةُ غَيْرِهِ أَنْ يُنْفَى الشَّيْءُ مُقَيَّدًا وَالْمُرَادُ نَفْيُهُ مُطْلَقًا مُبَالَغَةً فِي النَّفْيِ وَتَأْكِيدًا لَهُ وَمِنْهُ: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} فَإِنَّ "الْإِلَهَ مَعَ اللَّهِ"لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ غَيْرِ بُرْهَانٍ {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ} فَإِنَّ قَتْلَهُمْ لَا يَكُونُ إِلَّا بِغَيْرِ حَقٍّ {رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} فَإِنَّهَا لَا عَمَدَ لَهَا أَصْلًا
الثَّالِثُ: قَدْ يُنْفَى الشَّيْءُ رَأْسًا لِعَدَمِ كَمَالِ وَصْفِهِ أَوِ انْتِفَاءِ ثَمَرَتِهِ كَقَوْلِهِ فِي صِفَةِ أَهْلِ النَّارِ: {ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى} فَنَفَى عَنْهُ الْمَوْتَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْتٍ صَرِيحٍ وَنَفَى عَنْهُ الْحَيَاةَ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَيَاةٍ طَيِّبَةٍ وَلَا نَافِعَةٍ {وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} فَإِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ احْتَجُّوا بِهَا عَلَى نَفْيِ الرُّؤْيَةِ فَإِنَّ النَّظَرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِبْصَارَ وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهَا تَنْظُرُ إِلَيْهِ بِإِقْبَالِهَا عَلَيْهِ وَلَيْسَتْ تُبْصِرُ شَيْئًا {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} فَإِنَّهُ وَصَفَهُمْ أَوَّلًا بِالْعِلْمِ عَلَى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ الْقَسَمِي ثُمَّ نَفَاهُ آخِرًا عَنْهُمْ لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلَى مُوجَبِ الْعِلْمِ قَالَهُ السَّكَّاكِيُّ.
الرَّابِعُ: قَالُوا: الْمَجَازُ يَصِحُّ نَفْيُهُ بِخِلَافِ الْحَقِيقَةِ وَأُشْكِلَ عَلَى ذَلِكَ {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} فإن المنفي فيه هو الْحَقِيقَةُ وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّمْيِ هُنَا الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ وَهُوَ وُصُولُهُ إِلَى الْكَفَّارِ فَالْوَارِدُ عَلَيْهِ
النَّفْيُ هُنَا مَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ وَالتَّقْدِيرُ وَمَا رَمَيْتَ خَلْقًا إِذْ رَمَيْتَ كَسْبًا أَوْ مَا رَمَيْتَ انْتِهَاءً إِذْ رَمَيْتَ ابْتِدَاءً
الْخَامِسُ: نَفْيُ الِاسْتِطَاعَةِ قَدْ يُرَادُ بِهِ نَفْيُ الْقُدْرَةِ وَالْإِمْكَانِ وَقَدْ يُرَادُ نَفْيُ الِامْتِنَاعِ وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْوُقُوعُ بِمَشَقَّةٍ وَكُلْفَةٍ
مِنَ الْأَوَّلِ: {فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً} {فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا} {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً}
وَمِنَ الثَّانِي: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} عَلَى الْقِرَاءَتَيْنِ أَيْ هَلْ يَفْعَلُ أَوْ هَلْ تُجِيبُنَا إِلَى أَنْ تَسْأَلَ فَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْإِنْزَالِ وَأَنَّ عِيسَى قَادِرٌ عَلَى السُّؤَالِ
وَمِنَ الثَّالِثِ {إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً}
قَاعِدَةٌ
نَفْيُ الْعَامِّ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْخَاصِّ وَثُبُوتُهُ لَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهِ وَثُبُوتُ الْخَاصِّ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْعَامِّ وَنَفْيُهُ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ زِيَادَةَ الْمَفْهُومِ مِنَ اللَّفْظِ تُوجِبُ الِالْتِذَاذَ بِهِ فَلِذَلِكَ كَانَ نَفْيُ الْعَامِّ أَحْسَنَ مِنْ نَفْيِ الْخَاصِّ وَإِثْبَاتُ الْخَاصِّ أَحْسَنَ مِنْ إِثْبَاتِ الْعَامِّ فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ: {فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} لَمْ يَقُلْ: بِضَوْئِهِمْ بَعْدَ قَوْلِهِ: {أَضَاءَتْ} لِأَنَّ النُّورَ أَعَمُّ مِنَ الضَّوْءِ إِذْ يُقَالُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَإِنَّمَا يُقَالُ الضَّوْءُ عَلَى النُّورِ الْكَثِيرِ وَلِذَلِكَ قَالَ: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً}
فَفِي الضَّوْءِ دَلَالَةٌ عَلَى النُّورِ فَهُوَ أَخَصُّ مِنْهُ فَعَدَمُهُ يُوجِبُ عَدَمَ الضَّوْءِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ وَالْقَصْدُ إِزَالَةُ النُّورِ عَنْهُمْ أَصْلًا وَلِذَا قَالَ عَقِبَهُ: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ}
وَمِنْهُ: {لَيْسَ بِي ضَلالةٌ} وَلَمْ يَقُلْ"ضَلَالٌ"كَمَا قَالُوا: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ} لِأَنَّهَا أَعَمُّ مِنْهُ فَكَانَ أَبْلَغَ فِي نَفْيِ الضَّلَالِ وَعُبِّرَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ نَفْيَ الْوَاحِدِ يَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ الْجِنْسِ الْبَتَّةَ وَبِأَنَّ نَفْيَ الْأَدْنَى يَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ الْأَعْلَى
وَالثَّانِي كَقَوْلِهِ: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ} وَلَمْ يَقُلْ: "طُولُهَا"لِأَنَّ الْعَرْضَ أَخَصُّ إِذْ كَلُّ مَا لَهُ عَرْضٌ فَلَهُ طُولٌ وَلَا يَنْعَكِسُ وَنَظِيرُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّ نَفْيَ الْمُبَالَغَةِ فِي الْفِعْلِ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ أَصْلِ الْفِعْلِ وَقَدْ أُشْكِلَ عَلَى هَذَا آيَتَانِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} وَقَوْلُهُ: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً}
وَأُجِيبُ عَنِ الْآيَةِ الْأُولَى بِأَجْوِبَةٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ"ظَلَامًا"وَإِنْ كَانَ لِلْكَثْرَةِ لَكِنَّهُ جِيءَ بِهِ فِي مُقَابَلَةِ"الْعَبِيدِ"الَّذِي هُوَ جَمْعُ كَثْرَةٍ وَيُرَشِّحُهُ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: {عَلَاّمُ الْغُيُوبِ} فَقَابَلَ صِيغَةَ"فَعَّالٍ"بِالْجَمْعِ وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: {عَالِمُ الْغَيْبِ} فَقَابَلَ صِيغَةَ فَاعِلٍ الدَّالَّةَ عَلَى أَصْلِ الْفِعْلِ بِالْوَاحِدِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ نَفَى الظُّلْمَ الْكَثِيرَ لِيَنْتَفِيَ الْقَلِيلُ ضَرُورَةً لِأَنَّ الَّذِي يَظْلِمُ،
إِنَّمَا يَظْلِمُ لِانْتِفَاعِهِ بِالظُّلْمِ فَإِذَا تَرَكَ الْكَثِيرَ مَعَ زِيَادَةِ نَفْعِهِ فَلِأَنْ يَتْرُكَ الْقَلِيلَ أَوْلَى.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ عَلَى النِّسْبَةِ أَيْ بِذِي ظُلْمٍ حَكَاهُ ابْنُ مَالِكٍ عَنِ الْمُحَقِّقِينَ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ أَتَى بِمَعْنَى"فَاعِلٍ"لَا كَثْرَةَ فِيهِ.
الْخَامِسُ: أَنَّ أَقَلَّ الْقَلِيلِ لَوْ وَرَدَ مِنْهُ تَعَالَى لَكَانَ كَثِيرًا كَمَا يُقَالُ زَلَّةُ الْعَالِمِ كَبِيرَةٌ.
السَّادِسُ: أَنَّهُ أَرَادَ لَيْسَ بِظَالِمٍ لَيْسَ بِظَالِمٍ تَأْكِيدًا لِلنَّفْيِ فَعَبَّرَ عَنْ ذلك ب"ليس بِظَلَّامٍ"
السَّابِعُ: أَنَّهُ وَرَدَ جَوَابًا لِمَنْ قَالَ"ظَلَّامٌ"وَالتَّكْرَارُ إِذَا وَرَدَ جَوَابًا لِكَلَامٍ خَاصٍّ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَفْهُومٌ.
الثَّامِنُ: أَنَّ صِيغَةَ المبالغة وغيرها في صِفَاتِ اللَّهِ سَوَاءٌ فِي الْإِثْبَاتِ فَجَرَى النَّفْيُ عَلَى ذَلِكَ.
التَّاسِعُ: أَنَّهُ قَصَدَ التَّعْرِيضَ بِأَنَّ ثُمَّ ظَلَّامًا لِلْعَبِيدِ مِنْ وُلَاةِ الْجَوْرِ وَيُجَابُ عَنِ الثَّانِيَةِ بِهَذِهِ الْأَجْوِبَةِ وَبِعَاشِرٍ: وَهُوَ مُنَاسِبَةُ رُءُوسِ الْآيِ.
فَائِدَةٌ
قَالَ صَاحِبُ الْيَاقُوتَةِ قَالَ ثَعْلَبٌ وَالْمُبَرِّدُ الْعَرَبُ إِذَا جَاءَتْ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ بِجَحْدَيْنِ كَانَ الْكَلَامُ إِخْبَارًا نَحْوُ: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ} وَالْمَعْنَى إِنَّمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَإِذَا كَانَ الْجَحْدُ فِي أَوَّلِ الْكَلَامٍ
كَانَ جَحْدًا حَقِيقِيًّا نَحْوُ: "مَا زَيْدٌ بِخَارِجٍ"وَإِذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ جَحْدَانِ كَانَ أَحَدُهُمَا زَائِدًا وَعَلَيْهِ {فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ} فِي أَحَدِ الْأَقْوَالِ.
فَصْلٌ
مِنْ أَقْسَامِ الْإِنْشَاءِ الِاسْتِفْهَامُ وَهُوَ طَلَبُ الْفَهْمِ وَهُوَ بِمَعْنَى الِاسْتِخْبَارِ
وَقِيلَ الِاسْتِخْبَارُ مَا سَبَقَ أَوَّلًا وَلَمْ يُفْهَمْ حَقَّ الْفَهْمِ فَإِذَا سَأَلْتَ عَنْهُ ثَانِيًا كَانَ اسْتِفْهَامًا حَكَاهُ ابْنُ فَارِسٍ فِي فِقْهِ اللُّغَةِ
وَأَدَوَاتُهُ: الْهَمْزَةُ وَهَلْ وَمَا وَمَنْ وَأَيُّ وَكَمْ وَكَيْفَ وَأَيْنَ وَأَنَّى وَمَتَى وَأَيَّانَ وَمَرَّتْ فِي الْأَدَوَاتِ.
وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِي الْمِصْبَاحِ: وَمَا عَدَا الْهَمْزَةَ نَائِبٌ عَنْهَا وَلِكَوْنِهِ طَلَبَ ارْتِسَامِ صُورَةِ مَا فِي الْخَارِجِ فِي الذِّهْنِ لَزِمَ ألا يَكُونَ حَقِيقَةً إِلَّا إِذَا صَدَرَ مِنْ شَاكٍّ مُصَدِّقٍ بِإِمْكَانِ الْإِعْلَامِ فَإِنَّ غَيْرَ الشَّاكِّ إِذَا اسْتَفْهَمَ يَلْزَمُ مِنْهُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ وَإِذَا لَمْ يُصَدِّقْ بِإِمْكَانِ الْإِعْلَامِ انْتَفَتْ عَنْهُ فَائِدَةُ الِاسْتِفْهَامِ
وَقَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ وَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ عَلَى لَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ فَإِنَّمَا يَقَعُ فِي خِطَابِ اللَّهِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْمُخَاطَبَ عِنْدَهُ عِلْمُ ذَلِكَ الْإِثْبَاتِ أَوِ النَّفْيُ حَاصِلٌ
وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ صِيغَةُ الِاسْتِفْهَامِ فِي غَيْرِهِ مَجَازًا وَأَلَّفَ فِي ذَلِكَ الْعَلَّامَةُ شمس الدين ابن الصَّائِغِ كِتَابًا سَمَّاهُ"رَوْضُ الْأَفْهَامِ فِي أَقْسَامِ الِاسْتِفْهَامِ"
قَالَ فِيهِ: قَدْ تَوَسَّعَتِ الْعَرَبُ فَأَخْرَجَتِ الِاسْتِفْهَامَ عَنْ حَقِيقَتِهِ لَمَعَانٍ أَوْ أَشْرَبَتْهُ تِلْكَ الْمَعَانِي وَلَا يُخْتَصُّ التَّجَوُّزُ فِي ذَلِكَ بِالْهَمْزَةِ خِلَافًا لِلصَّفَارِ
الْأَوَّلُ: الْإِنْكَارُ وَالْمَعْنَى فِيهِ عَلَى النَّفْيِ وَمَا بَعْدَهُ مَنْفِيٌّ وَلِذَلِكَ تَصْحَبُهُ"إِلَّا"كَقَوْلِهِ: {فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَاّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ} {وَهَلْ نُجَازِي إِلَاّ الْكَفُورَ} وعطف عليه الْمَنْفِيِّ فِي قَوْلِهِ: {فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} أَيْ لَا يَهْدِي وَمِنْهُ: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ} {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا} أَيْ لَا نُؤْمِنُ {أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ} {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى} أَيْ لَا يَكُونُ هَذَا {أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ} أَيْ مَا شَهِدُوا ذَلِكَ
وَكَثِيرًا مَا يَصْحَبُهُ التَّكْذِيبُ وَهُوَ فِي الْمَاضِي بِمَعْنَى"لَمْ يَكُنْ"وَفِي المستقبل بمعنى"لايكون"نحو: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ} الآية أَيْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ {أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} أَيْ لَا يَكُونُ هَذَا الْإِلْزَامِ الثَّانِي: التَّوْبِيخُ وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ قَبِيلِ الْإِنْكَارِ إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ إِنْكَارُ إِبْطَالٍ وَهَذَا إِنْكَارُ تَوْبِيخٍ وَالْمَعْنَى عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَهُ وَاقِعٌ جَدِيرٌ بِأَنْ يُنْفَى فَالنَّفْيُ هُنَا غَيْرُ قَصْدِيٍّ وَالْإِثْبَاتُ قَصْدِيٌّ عَكْسُ مَا تَقَدَّمَ وَيُعَبَّرُ عَنْ ذَلِكَ
بالتقريع أيضا نحو: {أَلَاّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} {قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} {أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ}
وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ التَّوْبِيخُ فِي أَمْرٍ ثَابِتٍ وَوُبِّخَ عَلَى فِعْلِهِ كَمَا ذُكِرَ وَيَقَعُ عَلَى تَرْكِ فِعْلٍ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ كَقَوْلِهِ: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ} {مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ} {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا}
الثالث: وَهُوَ حَمْلُ الْمُخَاطَبِ عَلَى الْإِقْرَارِ وَالِاعْتِرَافِ بِأَمْرٍ قَدِ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ قَالَ ابْنُ جِنِّي وَلَا يُسْتَعْمَلُ ذلك بهل كَمَا يُسْتَعْمَلُ بِغَيْرِهَا مِنْ أَدَوَاتِ الِاسْتِفْهَامِ وَقَالَ الْكِنْدِيُّ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي قَوْلِهِ: {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ} إِلَى أَنَّ"هَلْ" تُشَارِكُ الْهَمْزَةَ فِي مَعْنَى التقرير والتوبيخ إِلَّا أَنِّي رَأَيْتُ أَبَا عَلِيٍّ أَبَى ذَلِكَ وَهُوَ مَعْذُورٌ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْإِنْكَارِ
وَنَقَلَ أَبُو حَيَّانَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أَنَّ اسْتِفْهَامَ التقرير لا يكون بهل إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ الْهَمْزَةُ ثُمَّ نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ هَلْ تَأْتِي تَقْرِيرًا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ}
وَالْكَلَامُ مَعَ التَّقْرِيرِ مُوجِبٌ وَلِذَلِكَ يُعْطَفُ عَلَيْهِ صَرِيحُ الْمُوجِبِ وَيُعْطَفُ عَلَى صَرِيحِ الْمُوجِبِ فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ} {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى وَوَجَدَكَ} {أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ} وَالثَّانِي نَحْوُ: {أَكَذَّبْتُمْ
بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً} عَلَى مَا قَرَّرَهُ الْجُرْجَانِيُّ مِنْ جَعْلِهَا مِثْلَ {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً}
وَحَقِيقَةُ اسْتِفْهَامِ التَّقْرِيرِ أَنَّهُ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ وَالْإِنْكَارُ نَفْيٌ وَقَدْ دَخَلَ عَلَى النَّفْيِ وَنَفْيُ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} وَجَعَلَ مِنْهُ الزَّمَخْشَرِيُّ {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
الرَّابِعُ: التَّعَجُّبُ أَوِ التَّعْجِيبُ نَحْوُ: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ} {مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ} وَقَدِ اجْتَمَعَ هَذَا الْقِسْمُ وَسَابِقَاهُ فِي قَوْلِهِ: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ}
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ مَعَ التَّوْبِيخِ وَالتَّعَجُّبِ مِنْ حَالِهِمْ وَيُحْتَمَلُ التَّعَجُّبُ وَالِاسْتِفْهَامُ الْحَقِيقِيُّ {مَا وَلَاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ}
الْخَامِسُ: الْعِتَابُ كَقَوْلِهِ: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِهِمْ وَبَيْنَ أَنْ عُوتِبُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ إِلَّا أَرْبَعُ سِنِينَ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَمِنَ أَلْطَفِهِ مَا عَاتَبَ اللَّهُ بِهِ خَيْرَ خَلْقِهِ بِقَوْلِهِ: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} وَلَمْ يَتَأَدَّبِ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأَدَبِ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى عَادَتِهِ فِي سُوءِ الْأَدَبِ
السَّادِسُ: التَّذْكِيرُ وَفِيهِ نَوْعُ اخْتِصَارٍ كَقَوْلِهِ: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي
آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ} {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ}
السَّابِعُ: الِافْتِخَارُ نَحْوُ: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ}
الثَّامِنُ: التَّفْخِيمُ نَحْوُ: {مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً}
التَّاسِعُ: التَّهْوِيلُ وَالتَّخْوِيفُ نَحْوُ: {الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّة} {الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ}
الْعَاشِرُ: عَكْسُهُ وَهُوَ التَّسْهِيلُ وَالتَّخْفِيفُ نَحْوُ: {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا}
الْحَادِي عَشَرَ: التَّهْدِيدُ وَالْوَعِيدُ نَحْوُ: {أَلَمْ نُهْلِكِ الأَوَّلِينَ}
الثَّانِي عَشَرَ: التَّكْثِيرُ نَحْوُ: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا}
الثَّالِثَ عَشَرَ: التَّسْوِيَةُ وَهُوَ الِاسْتِفْهَامُ الدَّاخِلُ عَلَى جُمْلَةٍ يَصِحُّ حُلُولُ الْمَصْدَرِ مَحَلَّهَا نَحْوُ: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ}
الرَّابِعَ عَشَرَ: الْأَمْرُ نَحْوُ: {أَأَسْلَمْتُمْ} أَيْ أَسْلَمُوا {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} أي انتهوا {أَتَصْبِرُونَ} أَيْ اصْبِرُوا
الْخَامِسَ عَشَرَ: التَّنْبِيهُ وَهُوَ مِنْ أَقْسَامِ الْأَمْرِ نَحْوُ: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ
كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} أَيِ انِظُرْ {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً} ذكره صاحب الكشاف عن سيبوبه وَلِذَلِكَ رَفَعَ الْفِعْلَ فِي جَوَابِهِ وَجَعَلَ مِنْهُ قَوْلُهُ: {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} لِلتَّنْبِيهِ عَلَى الضَّلَالِ وَكَذَا {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ}
السَّادِسَ عَشَرَ: التَّرْغِيبُ نَحْوُ: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ
السابع عشر: النهي نحو: {تَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ} بِدَلِيلِ {فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} أَيْ لَا تَغْتَرَّ
الثَّامِنَ عَشَرَ: الدُّعَاءُ وَهُوَ كَالنَّهْيِ إِلَّا أَنَّهُ مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى نَحْوُ: {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ} أَيْ لَا تُهْلِكْنَا
التَّاسِعَ عَشَرَ: الِاسْتِرْشَادُ نَحْوُ: {تَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا}
الْعِشْرُونَ: التَّمَنِّي نَحْوُ: {فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ}
الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: الِاسْتِبْطَاءُ نَحْوُ: {مَتَى نَصْرُ اللَّهِ}
الثاني والعشرون: العرض نحو {أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ}
الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: التَّحْضِيضُ نَحْوُ: {أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ}
الرابع والعشرون: التجاهل نحو: {أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا}
الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: التَّعْظِيمُ نَحْوُ: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَاّ بِإِذْنِهِ}
السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: التَّحْقِيرُ نَحْوُ: {أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} {أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً} وَيَحْتَمِلُهُ وَمَا قَبْلَهُ قِرَاءَةُ {مِنْ فِرْعَوْنَ}
السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: الِاكْتِفَاءُ نَحْوُ: {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ}
الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: الِاسْتِبْعَادُ نَحْوُ: {وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى}
التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: الْإِينَاسُ نَحْوُ: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى}
الثَّلَاثُونَ: التَّهَكُّمُ وَالِاسْتِهْزَاءُ نَحْوُ: {أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ} {أَلا تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ}
الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: التَّأْكِيدُ لِمَا سَبَقَ مِنْ مَعْنَى أَدَاةِ الِاسْتِفْهَامِ قَبْلَهُ كَقَوْلِهِ: {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ} قَالَ الْمُوَفَّقُ عَبْدُ اللَّطِيفِ الْبَغْدَادِيُّ: أَيْ مَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ فَإِنَّكَ لَا تُنْقِذُهُ فَمَنْ
لِلشَّرْطِ وَالْفَاءُ جَوَابُ الشَّرْطِ وَالْهَمْزَةُ فِي {أَفَأَنْتَ} دَخَلَتْ مُعَادَةً مُؤَكِّدَةً لِطُولِ الْكَلَامِ وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِهَا
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْهَمْزَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ الْأُولَى كُرِّرَتْ لِتَوْكِيدِ مَعْنَى الْإِنْكَارِ وَالِاسْتِبْعَادِ.
الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: الْإِخْبَارُ نَحْوُ: {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا} {هَلْ أَتَى عَلَى الأِنْسَانِ}
تَنْبِيهَاتٌ
الْأَوَّلُ: هَلْ يُقَالُ إِنَّ مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَوْجُودٌ وَانْضَمَّ إِلَيْهِ مَعْنًى آخَرُ أَوْ تَجَرَّدَ عَنِ الِاسْتِفْهَامِ بِالْكُلِّيَّةِ؟ قَالَ: فِي عَرُوسِ الْأَفْرَاحِ مَحَلُّ نَظَرٍ قَالَ وَالَّذِي يَظْهَرُ الْأَوَّلُ قَالَ وَيُسَاعِدُهُ قَوْلُ التَّنُوخِيِّ فِي"الْأَقْصَى الْقَرِيبِ": إِنَّ"لَعَلَّ"تَكُونُ لِلِاسْتِفْهَامِ مَعَ بَقَاءِ التَّرَجِّي قَالَ: وَمِمَّا يُرَجِّحُهُ أَنَّ الِاسْتِبْطَاءَ فِي قَوْلِكَ كَمْ أَدْعُوكَ مَعْنَاهُ أَنَّ الدُّعَاءَ وَصَلَ إِلَى حَدٍّ لَا أَعْلَمُ عَدَدَهُ فَأَنَا أَطْلُبُ أن أعلم عدده والعادة تقضي بِأَنَّ الشَّخْصَ إِنَّمَا يَسْتَفْهِمُ عَنْ عَدَدِ مَا صَدَرَ مِنْهُ إِذَا كَثُرَ فَلَمْ يَعْلَمْهُ وَفِي طَلَبِ فَهْمِ عَدَدِهِ مَا يُشْعِرُ بِالِاسْتِبْطَاءِ وَأَمَّا التَّعَجُّبُ فَالِاسْتِفْهَامُ مَعَهُ مُسْتَمِرٌّ فَمَنْ تَعَجَّبَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بِلِسَانِ الْحَالِ سَائِلٌ عَنْ سَبَبِهِ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ أَيُّ شَيْءٍ عُرِضَ لِي فِي حَالِ عَدَمِ رُؤْيَةِ الْهُدْهُدِ وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْكَشَّافِ بِبَقَاءِ الِاسْتِفْهَامِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ
وَأَمَّا التَّنْبِيهُ عَلَى الضَّلَالِ فَالِاسْتِفْهَامُ فِيهِ حَقِيقِيٌّ لِأَنَّ مَعْنَى"أَيْنَ تَذْهَبُ"
أَخْبِرْنِي إِلَى أَيِّ مَكَانٍ تَذْهَبُ فَإِنِّي لَا أَعْرِفُ ذَلِكَ وَغَايَةُ الضَّلَالِ لَا يَشْعُرُ بِهَا إِلَى أَيْنَ تَنْتَهِي
وَأَمَّا التَّقْرِيرُ فَإِنْ قُلْنَا الْمُرَادُ بِهِ الْحُكْمُ بِثُبُوتِهِ فَهُوَ خَبَرٌ بِأَنَّ الْمَذْكُورَ عُقَيْبَ الْأَدَاةِ وَاقِعٌ أَوْ طَلَبُ إِقْرَارِ المخاطب به من كَوْنِ السَّائِلِ يَعْلَمُ فَهُوَ اسْتِفْهَامٌ يُقَرِّرُ الْمُخَاطَبَ أَيْ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مُقِرًّا بِهِ وَفِي كلام أهل الْفَنِّ مَا يَقْتَضِي الِاحْتِمَالَيْنِ وَالثَّانِي أَظْهَرُ وَفِي الْإِيضَاحِ تَصْرِيحٌ بِهِ وَلَا بِدْعَ فِي صُدُورِ الِاسْتِفْهَامِ مِمَّنْ يَعْلَمِ الْمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ لِأَنَّهُ طَلَبُ الْفَهْمِ إِمَّا طَلَبُ فَهْمِ الْمُسْتَفْهَمِ أَوْ وُقُوعُ فَهْمٍ لِمَنْ لَمْ يَفْهَمْ كَائِنًا مَنْ كَانَ وَبِهَذَا تَنْحَلُّ إِشْكَالَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي مواضع الِاسْتِفْهَامِ وَيَظْهَرُ بِالتَّأَمُّلِ بَقَاءُ مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ مَعَ كُلِّ أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ انْتَهَى مُلَخَّصًا.
الثَّانِي الْقَاعِدَةُ أَنَّ الْمُنْكَرَ يَجِبُ أَنْ يَلِيَ الْهَمْزَةَ وَأُشْكِلَ عَلَيْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ} فإن الذين يَلِيهَا هُنَا الْإِصْفَاءُ بِالْبَنِينَ وَلَيْسَ هُوَ الْمُنْكَرُ إِنَّمَا الْمُنْكَرُ قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ اتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا
وأجيب بأن لفظ الإصفاء مُشْعِرٌ بِزَعْمِ أَنَّ الْبَنَاتِ لِغَيْرِهِمْ أَوْ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَجْمُوعُ الْجُمْلَتَيْنِ وَيَنْحَلُّ مِنْهُمَا كَلَامٌ وَاحِدٌ وَالتَّقْدِيرُ: أَجَمَعَ بَيْنَ الْإِصْفَاءِ بِالْبَنِينَ وَاتِّخَاذِ الْبَنَاتِ
وَأُشْكِلَ مِنْهُ قَوْلَهُ: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} وَوَجْهُ الْإِشْكَالِ أَنَّهُ لَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ الْمُنْكَرُ أَمْرَ النَّاسِ بِالْبَرِّ فَقَطْ كَمَا تَقْتَضِيهِ الْقَاعِدَةُ الْمَذْكُورَةُ لِأَنَّ أَمْرَ الْبَرِّ لَيْسَ مِمَّا يُنْكَرُ وَلَا نِسْيَانَ النَّفْسِ فَقَطْ لِأَنَّهُ يَصِيرُ ذِكْرُ أَمْرِ النَّاسِ بِالْبَرِّ لَا مَدْخَلَ لَهُ وَلَا مَجْمُوعَ الْأَمْرَيْنِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ
تَكُونَ الْعِبَادَةُ جُزْءَ الْمُنْكَرِ وَلَا نِسْيَانَ النَّفْسِ بِشَرْطِ الْأَمْرِ لِأَنَّ النِّسْيَانَ مُنْكَرٌ مُطْلَقًا وَلَا يَكُونُ نِسْيَانُ النَّفْسِ حَالَ الْأَمْرِ أَشَدَّ مِنْهُ حَالَ عَدَمِ الْأَمْرِ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا تَزْدَادُ بَشَاعَتُهَا بِانْضِمَامِهَا إِلَى الطَّاعَةِ لِأَنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْبِرِّ وَاجِبٌ وَإِنْ كَانَ الْإِنْسَانُ نَاسِيًا لِنَفْسِهِ وَأَمْرُهُ لِغَيْرِهِ بِالْبِرِّ كَيْفَ يُضَاعَفُ بِمَعْصِيَةِ نِسْيَانٍ وَلَا يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ!
قَالَ فِي عَرُوسِ الْأَفْرَاحِ: وَيُجَابُ بِأَنَّ فِعْلَ الْمَعْصِيَةِ مَعَ النَّهْيِ عَنْهَا أَفْحَشُ لِأَنَّهَا تَجْعَلُ حَالَ الْإِنْسَانِ كَالْمُتَنَاقِضِ وَتَجْعَلُ الْقَوْلَ كَالْمُخَالِفِ لِلْفِعْلِ وَلِذَلِكَ كَانَتِ الْمَعْصِيَةُ مَعَ الْعِلْمِ أَفْحَشَ مِنْهَا مَعَ الْجَهْلِ قَالَ: وَلَكِنَّ الْجَوَابَ عَلَى أَنَّ الطَّاعَةَ الصِّرْفَةَ كَيْفَ تُضَاعِفُ الْمَعْصِيَةَ الْمُقَارِنَةَ لَهَا مَنْ جِنْسِهَا فيه دقة.
فصل مِنْ أَقْسَامِ الْإِنْشَاءِ الْأَمْرُ
وَهُوَ طَلَبُ فِعْلٍ غَيْرُ كَفٍّ وَصِيغَتُهُ"افْعَلْ"وَ"لْيَفْعَلْ"وَهِيَ حَقِيقَةٌ فِي الْإِيجَابِ نَحْوُ: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} {فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ}
وَتَرِدُ مَجَازًا لِمَعَانٍ أُخَرُ:
مِنْهَا النَّدْبُ نَحْوُ: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا}
والإباحة نحو: {فَكَاتِبُوهُمْ} نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلْإِبَاحَةِ وَمِنْهُ: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا}
والدعاء من الغافل لِلْعَالِي نَحْوُ: {رَبِّ اغْفِرْ لِي}
وَالتَّهْدِيدُ نَحْوُ: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} إِذْ لَيْسَ الْمُرَادُ الْأَمْرَ بِكُلِّ عَمَلٍ شَاءُوا
وَالْإِهَانَةُ نَحْوُ: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ}
وَالتَّسْخِيرُ أَيِ التَّذْلِيلُ نَحْوُ: {كُونُوا قِرَدَةً} عَبَّرَ بِهِ عَنْ نَقْلِهِمْ مِنْ حَالَةٍ إِلَى حَالَةٍ إِذْلَالًا لَهُمْ فَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الْإِهَانَةِ
وَالتَّعْجِيزُ نَحْوُ: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ} إِذْ لَيْسَ الْمُرَادُ طَلَبَ ذَلِكَ مِنْهُمْ بَلْ إِظْهَارُ عَجْزِهِمْ
وَالِامْتِنَانُ نَحْوُ: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ}
وَالْعَجَبُ نَحْوُ: {انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ}
وَالتَّسْوِيَةُ نَحْوُ: {فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا}
وَالْإِرْشَادُ نَحْوُ: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ}
وَالِاحْتِقَارُ نَحْوُ: {أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ}
والإنذار نحو: {قُلْ تَمَتَّعُوا}
والإكرام نحو: {ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ}
وَالتَّكْوِينُ وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ التَّسْخِيرِ نَحْوُ: {كُنْ فَيَكُونُ}
وَالْإِنْعَامُ أَيْ تَذْكِيرُ النِّعْمَةِ نَحْوُ: {كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ}
وَالتَّكْذِيبُ نَحْوُ: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا} {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا} وَالْمَشُورَةُ نَحْوُ: {فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى}
وَالِاعْتِبَارُ نَحْوُ: {انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ}
وَالتَّعَجُّبُ نَحْوُ: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ} ذَكَرَهُ السَّكَّاكِيُّ فِي اسْتِعْمَالِ الْإِنْشَاءِ بِمَعْنَى الْخَبَرِ.
فصل وَمِنْ أَقْسَامِهِ النَّهْيُ
وَهُوَ طَلَبُ الكف عن فِعْلٍ وَصِيغَتُهُ"لَا تَفْعَلْ"وَهِيَ حَقِيقَةٌ فِي التَّحْرِيمِ
وَتَرِدُ مَجَازًا لمعان:
منها الكراهة ونحو: {وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً}
وَالدُّعَاءُ نَحْوُ: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا}
وَالْإِرْشَادُ نَحْوُ: {لَا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}
والتسوية نحو: {وْ لا تَصْبِرُوا}
وَالِاحْتِقَارُ وَالتَّقْلِيلُ نَحْوُ: {لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} الْآيَةَ أَيْ فَهُوَ قَلِيلٌ حَقِيرٌ
وَبَيَانُ الْعَاقِبَةِ نَحْوُ: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ} أَيْ عَاقِبَةُ الْجِهَادِ الْحَيَاةُ"لَا الْمَوْتُ"
وَالْيَأْسُ نَحْوُ: {لَا تَعْتَذِرُوا} وَالْإِهَانَةُ نَحْوُ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تكلمون.
فصل وَمِنْ أَقْسَامِهِ التَّمَنِّي
وَهُوَ طَلَبُ حُصُولِ شَيْءٍ عَلَى سَبِيلِ الْمَحَبَّةِ وَلَا يُشْتَرَطُ إِمْكَانُ الْمُتَمَنِّي بِخِلَافِ الْمُتَرَجِّي لَكِنْ نُوزِعُ فِي تَسْمِيَةِ تَمَنِّي المحال طَلَبًا بِأَنَّ مَا لَا يُتَوَقَّعُ كَيْفَ يُطْلَبُ قَالَ فِي عَرُوسِ الْأَفْرَاحِ: فَالْأَحْسَنُ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ وَأَتْبَاعُهُ مِنْ أَنَّ التَّمَنِّيَ وَالتَّرَجِّيَ وَالنِّدَاءَ والقسم ليس فيها طلب بل هو تنبيه ولا يدع فِي تَسْمِيَتِهِ إِنْشَاءً انْتَهَى.
وَقَدْ بَالَغَ قَوْمٌ فَجَعَلُوا التَّمَنِّيَ مِنْ قِسْمِ الْخَبَرِ وَأَنَّ مَعْنَاهُ النَّفْيُ وَالزَّمَخْشَرِيُّ مِمَّنْ جَزَمَ بِخِلَافِهِ ثُمَّ اسْتَشْكَلَ دُخُولُ التَّكْذِيبِ فِي جَوَابِهِ في قوله: {لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} وَأَجَابَ بِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الْعِدَةِ فَتَعَلَّقَ بِهِ التَّكْذِيبُ
وَقَالَ غَيْرُهُ: التَّمَنِّي لَا يَصِحُّ فِيهِ الْكَذِبُ وَإِنَّمَا الْكَذِبُ فِي الْمُتَمَنَّى الَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدَ صاحبه وقوعه فهو إذن وَارِدٌ عَلَى ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ الَّذِي هُوَ ظَنٌّ وَهُوَ خَبَرٌ صَحِيحٌ
قَالَ: وَلَيْسَ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} أَنَّ مَا تَمَنَّوْا لَيْسَ بِوَاقِعٍ
لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهُمْ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ الْمُتَمَنَّي ذَمٌّ بَلِ التَّكْذِيبُ وَرَدَ عَلَى أَخْبَارِهِمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يَكْذِبُونَ وَأَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ
وَحَرْفُ التَّمَنِّي الْمَوْضُوعُ لَهُ"لَيْتَ"نحو: {يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ} {يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ} {لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوز}
وقد يتمنى بهل حَيْثُ يُعْلَمُ فَقْدُهُ نَحْوُ: {فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا} وبلوا نحو: {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ} ولذا نصب الفصل فِي جَوَابِهَا
وَقَدْ يُتَمَنَّى بِ"لَعَلَّ"فِي الْبَعِيدِ فَتُعْطَى حُكْمَ"لَيْتَ"فِي نَصْبِ الْجَوَابِ نَحْوُ: {لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ} .
فصل: وَمِنْ أَقْسَامِهِ التَّرَجِّي
نَقَلَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفُرُوقِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ إِنْشَاءٌ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّمَنِّي بِأَنَّهُ فِي الْمُمْكِنِ وَالتَّمَنِّي فِيهِ وَفِي الْمُسْتَحِيلِ وَبِأَنَّ التَّرَجِّيَ فِي الْقَرِيبِ وَالتَّمَنِّيَ فِي الْبَعِيدِ وَبِأَنَّ التَّرَجِّيَ فِي الْمُتَوَقَّعِ وَالتَّمَنِّيَ فِي غَيْرِهِ وَبِأَنَّ التَّمَنِّيَ فِي الْمَشْقُوقِ لِلنَّفْسِ وَالتَّرَجِّيَ فِي غَيْرِهِ
وَسَمِعْتُ شَيْخَنَا الْعَلَّامَةَ الْكَافَيْجِيَّ يَقُولُ الْفَرْقُ بَيْنَ التَّمَنِّي وَبَيْنَ الْعَرْضِ هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّرَجِّي
وَحَرْفُ التَّرَجِّي لَعَلَّ وَعَسَى وَقَدْ تَرِدُ مَجَازًا لِتَوَقُّعٍ مَحْذُورٍ وَيُسَمَّى الْإِشْفَاقُ نَحْوُ: {لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ}
فصل وَمِنْ أَقْسَامِهِ النِّدَاءُ
وَهُوَ طَلَبُ إِقْبَالِ الْمَدْعُوِّ عَلَى الدَّاعِي بِحَرْفٍ نَائِبٍ مَنَابَ"أَدْعُو"وَيَصْحَبُ فِي الْأَكْثَرِ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَالْغَالِبُ تَقَدُّمُهُ نَحْوُ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} {يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ} {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ} {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا} وقد يتأخر نحو: {تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ}
وَقَدْ يَصْحَبُ الْجُمْلَةَ الْخَبَرِيَّةَ فَتَعْقُبُهَا جُمْلَةُ الْأَمْرِ نحو: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ} {وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً َذَرُوهَا} وقد لا تعقبها نحو: {يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ} {يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ} وقد تصحبه الاستفهامية {يا أبت يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ} {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ} {وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ}
وَقَدْ تَرِدُ صُورَةُ النِّدَاءِ لِغَيْرِهِ مَجَازًا كَالْإِغْرَاءِ وَالتَّحْذِيرِ وَقَدِ اجْتَمَعَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا} والاختصاص كقوله: {رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ} والتنبيه كقوله: {أَلَاّ يَسْجُدُوا} والتعجب كقوله: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ}
والتحسر كقوله: {لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً}
قَاعِدَةٌ
أَصْلُ النِّدَاءِ بِ"يَا"أَنْ تَكُونَ لِلْبَعِيدِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا وَقَدْ يُنَادَى بِهَا الْقَرِيبُ لِنُكَتٍ:
مِنْهَا إِظْهَارُ الْحِرْصِ فِي وُقُوعِهِ عَلَى إِقْبَالِ الْمَدْعُوِّ نَحْوُ: {يَا مُوسَى أَقْبِلْ}
وَمِنْهَا كَوْنُ الْخِطَابِ الْمَتْلُوِّ مُعْتَنًى بِهِ نَحْوُ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ}
وَمِنْهَا قَصْدُ تَعْظِيمِ شَأْنِ الْمَدْعُوِّ نَحْوُ: {يَا رَبِّ} وَقَدْ قَالَ تعالى: {فَإِنِّي قَرِيبٌ}
وَمِنْهَا قَصْدُ انْحِطَاطِهِ كَقَوْلِ فِرْعَوْنُ: {إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً}
فَائِدَةٌ
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرُهُ كَثُرَ فِي الْقُرْآنِ النِّدَاءُ بِ"يَا أَيُّهَا"دُونَ غَيْرِهِ لِأَنَّ فِيهِ أَوْجُهًا مِنَ التَّأْكِيدِ وَأَسْبَابًا مِنَ الْمُبَالَغَةِ
مِنْهَا مَا فِي"يَا"مِنَ التَّأْكِيدِ وَالتَّنْبِيهِ وَمَا فِي "هَا"مِنَ التَّنْبِيهِ وَمَا فِي التَّدَرُّجِ مِنَ
الْإِبْهَامِ فِي"أَيُّ"إِلَى التَّوْضِيحِ وَالْمَقَامُ يُنَاسِبُ الْمُبَالَغَةُ وَالتَّأْكِيدُ لِأَنَّ كُلَّ مَا نَادَى لَهُ عِبَادَهُ مِنْ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ وَعِظَاتِهِ وَزَوَاجِرِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ وَمِنَ اقْتِصَاصِ أَخْبَارِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَمِمَّا أَنْطَقَ اللَّهُ بِهِ كِتَابَهُ أُمُورٌ عِظَامٌ وَخُطُوبٌ جِسَامٌ وَمَعَانٍ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَيَقَّظُوا لَهَا وَيَمِيلُوا بِقُلُوبِهِمْ وَبَصَائِرِهِمْ إِلَيْهَا وَهُمْ غَافِلُونَ فَاقْتَضَى الْحَالُ أَنْ يُنَادَوْا بالآكد الأبلغ.
فصل: وَمِنْ أَقْسَامِهِ الْقَسَمُ
نَقَلَ الْقَرَافِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ إِنْشَاءٌ وَفَائِدَتُهُ تَأْكِيدُ الْجُمْلَةِ الْخَبَرِيَّةِ وَتَحْقِيقُهَا عِنْدَ السَّامِعِ وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْكَلَامِ فِيهِ فِي النَّوْعِ السَّابِعِ وَالسِّتِّينِ.
فَصْلٌ وَمِنْ أَقْسَامِهِ: الشَّرْطُ.