المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بسم الله الرحمن الرحيم ‌ ‌سُورَةُ الْأَعْلَى قَوْلُهُ تَعَالَى: سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إِلَّا - دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب - ط مكتبة ابن تيمية

[محمد الأمين الشنقيطي]

فهرس الكتاب

- ‌سُورَةُ الْبَقَرَةِ

- ‌سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ

- ‌سُورَةُ النِّسَاءِ

- ‌سُورَةُ الْمَائِدَةِ

- ‌سُورَةُ الْأَنْعَامِ

- ‌سُورَةُ الْأَعْرَافِ

- ‌سُورَةُ الْأَنْفَالِ

- ‌سُورَةُ بَرَاءَةٌ

- ‌سُورَةُ يُونُسَ

- ‌سُورَةُ هُودٍ

- ‌سُورَةُ يُوسُفَ

- ‌سُورَةُ الرَّعْدِ

- ‌سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ

- ‌سُورَةُ الْحِجْرِ

- ‌سُورَةُ النَّحْلِ

- ‌سُورَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ

- ‌سُورَةُ الْكَهْفِ

- ‌سُورَةُ مَرْيَمَ

- ‌سُورَةُ طه

- ‌سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ

- ‌سُورَةُ الْحَجِّ

- ‌سُورَةُ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ

- ‌سُورَةُ النُّورِ

- ‌سُورَةُ الْفُرْقَانِ

- ‌سُورَةُ الشُّعَرَاءِ

- ‌سُورَةُ النَّمْلِ

- ‌سُورَةُ الْقَصَصِ

- ‌سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ

- ‌سُورَةُ الرُّومِ

- ‌سُورَةُ لُقْمَانَ

- ‌سُورَةُ السَّجْدَةِ

- ‌سُورَةُ الْأَحْزَابِ

- ‌سُورَةُ سَبَأٍ

- ‌سُورَةُ فَاطِرٍ

- ‌سُورَةُ يس

- ‌سُورَةُ الصَّافَّاتِ

- ‌سُورَةُ ص

- ‌سُورَةُ الزُّمَرِ

- ‌سُورَةُ غَافِرٍ

- ‌سُورَةُ فُصِّلَتْ

- ‌سُورَةُ الشُّورَى

- ‌سُورَةُ الزُّخْرُفِ

- ‌سُورَةُ الدُّخَانِ

- ‌سُورَةُ الْجَاثِيَةِ

- ‌سُورَةُ الْأَحْقَافِ

- ‌سُورَةُ الْقِتَالِ

- ‌سُورَةُ الْفَتْحِ

- ‌سُورَةُ الْحُجُرَاتِ

- ‌سُورَةُ ق

- ‌سُورَةُ الذَّارِيَاتِ

- ‌سُورَةُ الطُّورِ

- ‌سُورَةُ النَّجْمِ

- ‌سُورَةُ الْقَمَرِ

- ‌سُورَةُ الرَّحْمَنِ

- ‌سُورَةُ الْوَاقِعَةِ

- ‌سُورَةُ الْحَدِيدِ

- ‌سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ

- ‌سُورَةُ الْحَشْرِ

- ‌سُورَةُ الْمُمْتَحَنَةِ

- ‌سُورَةُ الصَّفِّ

- ‌سُورَةُ الْجُمُعَةِ

- ‌سُورَةُ الْمُنَافِقُونَ

- ‌سُورَةُ التَّغَابُنِ

- ‌سُورَةُ الطَّلَاقِ

- ‌سُورَةُ التَّحْرِيمِ

- ‌سُورَةُ الْمُلْكِ

- ‌سُورَةُ الْقَلَمِ

- ‌سُورَةُ الْحَاقَّةِ

- ‌سُورَةُ سَأَلَ سَائِلٌ

- ‌سُورَةُ نُوحٍ

- ‌سُورَةُ الْجِنِّ

- ‌سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ

- ‌سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ

- ‌سُورَةُ الْقِيَامَةِ

- ‌سُورَةُ الْإِنْسَانِ

- ‌سُورَةُ الْمُرْسَلَاتِ

- ‌سُورَةُ النَّبَأِ

- ‌سُورَةُ النَّازِعَاتِ

- ‌سُورَةُ عَبَسَ

- ‌سُورَةُ التَّكْوِيرِ

- ‌سُورَةُ الِانْفِطَارِ

- ‌سُورَةُ التَّطْفِيفِ

- ‌سُورَةُ الِانْشِقَاقِ

- ‌سُورَةُ الْبُرُوجِ

- ‌سُورَةُ الطَّارِقِ

- ‌سُورَةُ الْأَعْلَى

- ‌سُورَةُ الْغَاشِيَةِ

- ‌سُورَةُ الْفَجْرَ

- ‌سُورَةُ الْبَلَدِ

- ‌سُورَةُ الشَّمْسِ

- ‌سُورَةُ اللَّيْلِ

- ‌سُورَةُ الضُّحَى

- ‌سُورَةُ التِّينِ

- ‌سُورَةُ الْعَلَقِ

- ‌سُورَةُ الْقَدْرِ

- ‌سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ

- ‌سُورَةُ الْعَادِيَاتِ

- ‌سُورَةُ الْقَارِعَةِ

- ‌سُورَةُ الْعَصْرِ

- ‌سُورَةُ الْمَاعُونِ

- ‌سُورَةُ الْكَافِرُونَ

- ‌سُورَةُ النَّاسِ

الفصل: بسم الله الرحمن الرحيم ‌ ‌سُورَةُ الْأَعْلَى قَوْلُهُ تَعَالَى: سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إِلَّا

بسم الله الرحمن الرحيم

‌سُورَةُ الْأَعْلَى

قَوْلُهُ تَعَالَى: سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ الْآيَةَ.

هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَنْسَى مِنَ الْقُرْءَانِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَنْسَاهُ، وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلَى حِفْظِ الْقُرْءَانِ مِنَ الضَّيَاعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [75 \ 16 - 17]، وَقَوْلِهِ: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [15 \ 9] .

وَالْجَوَابُ أَنَّ الْقُرْءَانِ وَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا مِنَ الضَّيَاعِ فَإِنَّ بَعْضَهُ يَنْسَخُ بَعْضًا، وَإِنْسَاءُ اللَّهِ نَبِيَّهُ بَعْضَ الْقُرْءَانِ فِي حُكْمِ النَّسْخِ، فَإِذَا أَنْسَاهُ آيَةً فَكَأَنَّهُ نَسَخَهَا، وَلَا بُدَّ أَنْ يَأْتِيَ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا، كَمَا صَرَّحَ بِهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [2 \ 106] .

وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ الْآيَةَ [16 \ 101] .

وَأَشَارَ هُنَا لِعِلْمِهِ بِحِكْمَةِ النَّسْخِ بِقَوْلِهِ: إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى [87 \ 7] .

وَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى.

هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ يُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّ التَّذْكِيرَ، لَا يُطْلَبُ إِلَّا عِنْدَ مَظِنَّةِ نَفْعِهِ، بِدَلِيلِ أَنِ الشَّرْطِيَّةِ.

وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْأَمْرِ بِالتَّذْكِيرِ مُطْلَقًا، كَقَوْلِهِ: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ [88 \ 21] وَقَوْلِهِ: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [54 \ 17] .

وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا بِأَجْوِبَةٍ كَثِيرَةٍ:

مِنْهَا أَنَّ فِي الْكَلَامِ حَذْفًا أَيْ: إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى، وَإِنْ لَمْ تَنْفَعْ، كَقَوْلِهِ: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [16 \ 81] ، أَيْ وَالْبَرْدَ، وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ وَالنَّحَّاسِ وَالْجُرْجَانِيِّ وَغَيْرِهِمْ.

ص: 257

وَمِنْهَا أَنَّهَا بِمَعْنَى: إِذْ، وَإِتْيَانُ:«إِنْ» بِمَعْنَى: إِذْ مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ خِلَافًا لِلْبَصْرِيِّينَ.

وَجَعَلَ مِنْهُ الْكُوفِيُّونَ قَوْلَهُ تَعَالَى: اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [5 \ 112] .

وَقَوْلَهُ تَعَالَى: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [3 \ 139]، وَقَوْلَهُ تَعَالَى: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [5 \ 23]، وَقَوْلَهُ: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [48 \ 27] .

وَقَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم: وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ.

وَقَوْلَ الْفَرَزْدَقِ:

أَتَغْضَبُ إِنْ أُذْنَا قُتَيْبَةَ حَزَّتَا

جِهَارًا وَلَمْ تَغْضَبْ لِقَتْلِ ابْنِ حَازِمِ

وَأَجَابَ الْبَصْرِيُّونَ عَنْ آيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، بِأَنَّ فِيهَا مَعْنَى الشَّرْطِ، جِيءَ بِهِ لِلتَّهْيِيجِ، وَعَنْ آيَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَالْحَدِيثُ بِأَنَّهُمَا تَعْلِيمٌ لِلْعِبَادِ كَيْفَ يَتَكَلَّمُونَ، إِذَا أَخْبَرُوا عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ، وَعَنِ الْبَيْتِ بِجَوَابَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مِنْ إِقَامَةِ السَّبَبِ مَقَامَ الْمُسَبِّبِ، وَالْأَصْلُ: أَتَغْضَبُ إِنِ افْتَخَرَ مُفْتَخِرٌ بِحَزِّ أُذُنَيْ قُتَيْبَةَ، إِذِ الِافْتِخَارُ بِذَلِكَ يَكُونُ سَبَبًا لِلْغَضَبِ، وَمُسَبِّبًا عَنِ الْحَزِّ.

الثَّانِي: تَغْضَبُ إِنَّ تَبَيَّنَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، أَنَّ أُذُنَيْ قُتَيْبَةَ حُزَّتَا.

وَمِنْهَا أَنَّ مَعْنَى إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى الْإِرْشَادُ إِلَى التَّذْكِيرِ بِالْأَهَمِّ، أَيْ ذَكِّرْ بِالْمُهِمِّ الَّذِي فِيهِ النَّفْعُ دُونَ مَا لَا نَفْعَ فِيهِ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى ذَكِّرِ الْكُفَّارَ مَثَلًا بِالْأُصُولِ الَّتِي هِيَ التَّوْحِيدُ، لَا بِالْفُرُوعِ، لِأَنَّهَا لَا تَنْفَعُ دُونَ الْأُصُولِ، وَذَكِّرِ الْمُؤْمِنَ التَّارِكَ لِفَرْضٍ مَثَلًا بِذَلِكَ الْفَرْضِ الْمَتْرُوكِ لَا بِالْعَقَائِدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ.

وَمِنْهَا أَنَّ «إِنْ» ، بِمَعْنَى: قَدْ وَهُوَ قَوْلُ قُطْرُبٍ.

ص: 258

وَمِنْهَا أَنَّهَا صِيغَةُ شَرْطٍ أُرِيدَ بِهَا ذَمُّ الْكُفَّارِ وَاسْتِبْعَادُ تَذَكُّرِهِمْ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

لَقَدْ أَسْمَعْتَ لَوْ نَادَيْتَ حَيًّا

وَلَكِنْ لَا حَيَاةَ لِمَنْ تُنَادِي

وَمِنْهَا غَيْرُ ذَلِكَ.

وَالَّذِي يَظْهَرُ لِمُقَيِّدِ هَذِهِ الْحُرُوفِ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ، هُوَ بَقَاءُ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا، وَأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ أَنْ يُكَرِّرَ لِذِكْرِي تَكْرِيرًا تَقُومُ بِهِ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ مَأْمُورٌ بِالتَّذْكِيرِ عِنْدَ ظَنِّ الْفَائِدَةِ، أَمَّا إِذَا عَلِمَ الْفَائِدَةَ فَلَا يُؤْمَرُ بِشَيْءٍ هُوَ عَالِمٌ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، لِأَنَّ الْعَاقِلَ لَا يَسْعَى إِلَى مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ.

وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:

لِمَا نَافِعٌ يَسْعَى اللَّبِيبُ فَلَا تَكُنْ

لِشَيْءٍ بَعِيدٍ نَفْعُهُ الدَّهْرَ سَاعِيًا

وَهَذَا ظَاهِرٌ وَلَكِنَّ الْخَفَاءَ فِي تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ، وَإِيضَاحُهُ أَنْ يُقَالَ: بِأَيِّ وَجْهٍ يُتَيَقَّنُ عَدَمُ إِفَادَةِ الذِّكْرَى، حَتَّى يُبَاحَ تَرْكُهَا.

وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ تَارَةً يَعْلَمُهُ بِإِعْلَامِ اللَّهِ بِهِ، كَمَا وَقَعَ فِي أَبِي لَهَبٍ، حَيْثُ قَالَ تَعَالَى فِيهِ: سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ الْآيَةَ [111 \ 3 - 4] .

فَأَبُو لَهَبٍ هَذَا وَامْرَأَتُهُ لَا تَنْفَعُ فِيهِمَا الذِّكْرَى، لِأَنَّ الْقُرْءَانِ نَزَلَ بِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ بَعْدَ تَكْرَارِ التَّذْكِيرِ لَهُمَا تَكْرَارًا تَقُومُ عَلَيْهِمَا بِهِ الْحُجَّةُ، فَلَا يَلْزَمُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ أَنْ يُذَكِّرَهُمَا بِشَيْءٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى.

وَتَارَةً يَعْلَمُ ذَلِكَ بِقَرِينَةِ الْحَالِ، بِحَيْثُ يُبْلِغُ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ، وَيَأْتِي بِالْمُعْجِزَاتِ الْوَاضِحَةِ، فَيَعْلَمُ أَنَّ بَعْضَ الْأَشْخَاصِ عَالِمٌ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وَأَنَّهُ مُصِرٌّ عَلَى الْكُفْرِ عِنَادًا وَلَجَاجًا، فَمِثْلُ هَذَا لَا يَجِبُ تَكْرِيرُ الذِّكْرَى لَهُ دَائِمًا، بَعْدَ أَنْ تُكَرَّرَ عَلَيْهِ تَكْرِيرًا تَلْزَمُهُ بِهِ الْحُجَّةُ.

ص: 259

وَحَاصِلُ إِيضَاحِ هَذَا الْجَوَابِ أَنَّ الذِّكْرَى تَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثِ حِكَمٍ:

الْأُولَى: خُرُوجُ فَاعِلِهَا مِنْ عُهْدَةِ الْأَمْرِ بِهَا.

الثَّانِيَةُ: رَجَاءُ النَّفْعِ لِمَنْ يُوعَظُ بِهَا، وَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى هَاتَيْنِ الْحِكْمَتَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:

قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [7 \ 164]، وَبَيَّنَ الْأَوْلَى مِنْهُمَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ [51 \ 54]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ [42 \ 48]، وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ. وَبَيَّنَ الثَّانِيَةَ بِقَوْلِهِ: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [51] .

الثَّالِثَةُ: إِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَى الْخَلْقِ، وَبَيَّنَهَا تَعَالَى بِقَوْلِهِ: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [4 \ 165] وَبِقَوْلِهِ: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا الْآيَةَ [20 \ 134] ، فَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا كَرَّرَ الذِّكْرَى حَصَلَتِ الْحِكْمَةُ الْأُولَى وَالثَّالِثَةُ، فَإِنْ كَانَ فِي الثَّانِيَةِ طَمَعٌ اسْتَمَرَّ عَلَى التَّذْكِيرِ وَإِلَّا لَمْ يُكَلَّفْ بِالدَّوَامِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا بَقَاءَ الْآيَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى صَرْفِهَا عَنْ ظَاهِرِهَا الْمُتَبَادِرِ مِنْهَا، وَأَنَّ مَعْنَاهَا: فَذَكِّرْ مُطْلَقًا إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى، وَإِنْ لَمْ تَنْفَعْ، لِأَنَّنَا نَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَرْفُ كِتَابِ اللَّهِ عَنْ ظَوَاهِرِهِ الْمُتَبَادِرَةِ مِنْهُ؟ إِلَّا لِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ لَهُ، وَإِلَى بَقَاءِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا.

جَنَحَ ابْنُ كَثِيرٍ حَيْثُ قَالَ فِي تَفْسِيرِهَا: أَيْ ذَكِّرْ حَيْثُ تَنْفَعُ التَّذْكِرَةُ، وَمِنْ هُنَا يُؤْخَذُ الْأَدَبُ فِي نَشْرِ الْعِلْمِ، فَلَا يَضَعُهُ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ، كَمَا قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تُبَلِّغُهُ عُقُولَهُمْ، إِلَّا كَانَ فِتْنَةً لِبَعْضِهِمْ، وَقَالَ: حَدَّثَ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.

تَنْبِيهٌ

هَذَا الْإِشْكَالُ الَّذِي فِي هَذِهِ الْآيَةِ، إِنَّمَا هُوَ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِاعْتِبَارِ دَلِيلِ

ص: 260

الْخِطَابِ الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَعْتَبِرُ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ شَرْطًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، كَأَبِي حَنِيفَةَ؟ فَلَا إِشْكَالَ فِي الْآيَةِ، وَكَذَلِكَ لَا إِشْكَالَ فِيهَا عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَعْتَبِرُ مَفْهُومَ الشَّرْطِ كَالْبَاقِلَّانِيِّ، فَتَكُونُ الْآيَةُ نَصَّتْ عَلَى الْأَمْرِ بِالتَّذْكِيرِ عِنْدَ مَظِنَّةِ النَّفْعِ، وَسَكَتَتْ عَنْ حُكْمِهِ عِنْدَ عَدَمِ مَظِنَّةِ النَّفْعِ فَيُطْلَبُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ، فَلَا تُعَارِضُ الْآيَةُ الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى التَّذْكِيرِ مُطْلَقًا.

ص: 261