الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حرمة الإفساد
لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ
مفتي عام المملكة العربية السعودية
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف الأنبياء وأشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فأشكر الله قبل كل شيء على هذا اللقاء المبارك، والشكر موصول لمؤسسة الدعوة الخيرية على ما تبذل من جهد، وتهيئ من فرص لهذه الندوات المباركة التي تعم كثيرا من مناطق المملكة ولعلنا في المستقبل نرى - إن شاء الله - هذا النشاط يعم كثيرا من المناطق؛ ليعم الخير، وتحصل الفائدة فجزى الله القائمين عليها خيرا.
أيها الإخوة، أسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد في القول والعمل، وأن يجعلنا جميعا ممن:{يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} (1)، وبعد:
فإن الله - جل وعلا - خلق الخلق لعبادته، خلقهم ليعبدوه ولا يشركوا به شيئا، خلقهم لهذه المهمة العظيمة وهذا الشأن الكبير، خلق أبانا آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وأسكنه الجنة، ثم لما عصى بأكل الشجرة أهبطه للأرض؛ ليعمرها بتوحيد الله وطاعته، فمضى على آدم وعلى ذريته قرون عديدة وهم على توحيد الله؛ على الفطرة المستقيمة، على الدين الخالص، حتى دب إليهم الشرك بوساوس عدو الله إبليس الذي سعى في إضلال بني آدم وإخراجهم عن فطرتهم، بتزيين الكفر والضلال لهم؛ فوقع الشرك في قوم نوح فبعث الله نوحا عليه السلام يدعو إلى الله وإلى توحيده. {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} (2) تتابعت الرسل، كلما مضى رسول بعث الله رسولا آخر؛ ليقيم الدين لله {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا} (3) ؛ فأقام الله حجته على العباد بإرسال الرسل:{رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} (4) ، {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} (5) .
(1) سورة الزمر الآية 18
(2)
سورة البقرة الآية 213
(3)
سورة المؤمنون الآية 44
(4)
سورة النساء الآية 165
(5)
سورة النحل الآية 36
فلما رفع عيسى عليه السلام؛ رفعه الله إليه، وعم الأرض الجهل والضلال والبعد عن الهدى، وانطفأت شمس الرسالات، وأصبح الخلق في اضطراب وغاية من البعد عن الهدى:«نظر الله إلى أهل الأرض: عربهم وعجمهم، فمقتهم إلا بقايا من أهل الكتاب (1) » الحديث أخرجه الإمام مسلم بلفظ: «إن الله نظر إلى أهل الأرض (2) » . .) الحديث؛ لأن الأرض أظلمت بالشرك، وأظلمت بالفساد العظيم والضلال، حيث إن البلاد والعباد لا صلاح لهم، ولا استقامة لهم إلا بهذا الدين الذي يحكم تصرفاتهم.
فإذا انطفأت شمس الرسالة أصبح الخلق في ضلال وجهل وبعد عن الهدى، فبعث الله عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم على حين فترة من الرسل، واندراس من العلم، وقد عم الأرض الجهل والضلال والبعد عن دين الهدى يقول الله عز وجل:{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ} (3) ؛ بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم وفي الأرض: ضلال عظيم وجهل وبعد عن دين الله، وفساد وظلم، وطغيان وضلال، فبعثه الله بالهدى ودين الحق؛ ليصلح به البلاد والعباد، وليقيم به شرعه - جل وعلا -، ولينقذ البشرية من ضلالها وغوايتها وجهالتها.
كانت الأرض تعج بملل شتى، بملل ونحل محرفة أو باطلة من أصلها من يهودية، ونصرانية، ومجوسية، وصابئة، وغير ذلك من أنواع الملل والنحل كان الناس في غاية من الجهل، وغاية من الاضطراب، وكل أهل ملة متى ظفرت بالأخرى قضت عليها، وأنهت وجودها؛ فكان الأمر دولا؛ يدال لهؤلاء تارة ولأولئك تارة أخرى.
فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم جعل بعثته رحمة للعالمين: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (4) ، حقا إن بعثته صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، ليست رحمة لأتباعه فقط، ولكنها رحمة لأهل الأرض كلهم.
(1) صحيح مسلم الجنة وصفة نعيمها وأهلها (2865) .
(2)
صحيح مسلم الجنة وصفة نعيمها وأهلها (2865) .
(3)
سورة المائدة الآية 19
(4)
سورة الأنبياء الآية 107
أتباعه هم الذين انقادوا لشريعته، واتبعوا ملته فنالوا السعادة في الدنيا والآخرة؛ فهم سعداء في الدنيا باتباعه، وسعداء في الآخرة بما أعد الله لهم من النعيم المقيم، والذين لم يدخلوا في شريعته من أرباب الملل رحموا في الدنيا؛ بأن خلصوا مما كانوا يعانونه من نكبات ونكبات، ويعانونه من قتال، ويعانونه من سلب ونهب؛ فعاشوا جميعا تحت ظلال الإسلام.
تحت ظل الإسلام عاش المؤمنون، وعاش من خضع لأحكام الإسلام؛ فصار محمد صلى الله عليه وسلم وشريعته رحمة للعالمين ولهذا جعل الله محمدا رحمة، وجعل كتابه رحمة، قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (1)، وقال عز وجل:{قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} (2) ، ورسالته صلى الله عليه وسلم رسالة عامة، يقول عز وجل:{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} (3) ، فهي رسالة عالمية، وكتاب عالمي، ورسول عالمي لأهل الأرض كلهم.
(1) سورة الأنبياء الآية 107
(2)
سورة يونس الآية 58
(3)
سورة الفرقان الآية 1
ولما جعل الله محمدا خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم أوجب على أهل الأرض طاعة هذا النبي صلى الله عليه وسلم، والانضواء تحت لوائه، والسمع والطاعة والاستجابة له، وصار من لم يتبعه في النار، وهو كافر خارج عن ملة الإسلام، لكنه إذا خضع لأحكام الإسلام كأهل الذمة عاش تحت ظل الإسلام محكوم بأحكامه، هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم عندما دعا إلى الله؛ دعا العرب قومه إلى الله، وأرشدهم إلى الهدى والحق فقاوموا دعوته، وكابروها، وقعدوا لها بالمرصاد يصدون الناس عنها ويبعدونهم عنها، ولكن كما قال الله:{يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (1) فمضى صلى الله عليه وسلم في دعوته في مكة بضع عشرة سنة إلى أن دخل الإسلام في الأوس والخزرج؛ فأذن الله له بالهجرة إلى المدينة فصارت دار نصرة، ودار حماية، فعاش فيها عشر سنوات حتى أكمل الله به الدين، وأتم به النعمة، وما قبضه إلا وقد ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده إلا هالك.
ما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما، ولا خير إلا دلنا عليه، وأرشدنا لسلوكه، ولا شر إلا بينه لنا وحذرنا من سلوكه صلوات الله وسلامه عليه. أدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق الجهاد، وأصلح الله به الأرض بعد فسادها، وجمع به القلوب بعد شتاتها، ووحد به الأمة بعد فرقتها، وأعزها الله به بعد ذلها، ورفعها به بعد استكانتها وإهانتها؛ فنالت أمته العز والشرف في الدنيا والآخرة.
(1) سورة التوبة الآية 32