المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الإسلام في أفريقيا عبر التاريخ تأليف: محمد أمان الجامي ‌ ‌مقدمة قصدت من هذا - الإسلام في أفريقيا عبر التاريخ

[محمد أمان الجامي]

الفصل: الإسلام في أفريقيا عبر التاريخ تأليف: محمد أمان الجامي ‌ ‌مقدمة قصدت من هذا

الإسلام في أفريقيا عبر التاريخ

تأليف: محمد أمان الجامي

‌مقدمة

قصدت من هذا العنوان أن نقوم بجولة خاطفة نمر خلايا على بعض جوانب القارة تلك الجوانب التي تهمنا في مجال الدعوة الإسلامية لنعرف ماضي هذه القارة ولنربط ماضيها بحاضرها في الجوانب التي ذكرناها. ولكي نعرف الأدوار التي مرت على العمل الإسلامي في القارة. استنتاجا من واقع الدعوة الإسلامية هناك ابتداء من عهد النجاشي إلى الوقت الحاضر (بشكل مختصر جدا) .

أقول مستعينا بالله وحده

الإسلام في أفريقيا عبر التاريخ

قارة أفريقيا أول قارة سعدت وتنورت بنور الإسلام بعد الجزيرة العربية إذ قفز الإسلام رأسا من مكة المكرمة أول ما وفد على الجزيرة فحل في جزء من أفريقيا "الحبشة" المعروفة اليوم بأثيوبيا، وبالتحديد في "أريتريا" حل الإسلام في ذلك الجزء من أفريقيا قبل أن يعرج على أي مكان آخر حتى على المدينة المنورة دار الهجرة. وذلك عندما اشتد على نبي الرحمة وأصحابه أذى الكفار ولم يتمكنوا من عبادة ربهم بحريتهم وأذن النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في الهجرة إلى الحبشة بعد أن طمأنهم بأنه يوجد في تلك الأرض ملك لا يظلم أحد بجواره وهو النجاشي رحمه الله. وهو يومئذ لا يزال على نصرانيته.

ص: 9

فغادر الوفد الإسلامي مكة المكرمة بعد أن ضاقت بهم شعاب مكة وجبالها بل الجزيرة كلها في طولها وعرضها فنزلوا بلد النجاشي فوجدوا الرجل كما وصفه النبي عليه الصلاة والسلام، وجدوه رجلا يتمتع بحصانة العقل والتثبيت في الأمر وحسن الجوار، رجلا لا تؤثر فيه الهدايا الثمينة ولا الكلام المزخرف ولو كان محدثه أدهى رجالات العرب المعروف بمعرفة الكلام وحسن الإلقاء، وسحر البيان كعمرو بن العاص.

الإخوة الأفاضل:

إن هجرة الصحابة هذه لهجرة فريدة من نوعها، إذ لم تكن انتقالا من دار الكفر إلى دار الإسلام كما يقول بعض من يعرف الهجرة بل لم تكن انتقالا من مكان مفضول إلى مكان أفضل بل كانت من مكة المكرمة إلى أرض الحبشة بأفريقيا، والحبشة لم تكن دار إسلام بل لم يكن قد دخلها الإسلام بعد. أجل لم يحصل في تلك الهجرة هذا المعنى ولا ذلك.

لأن هدف القوم كان هو الفرار بدينهم وعقيدتهم التي عذبوا من أجلها ليجدوا مكانا يعبدون الله فيه بحريتهم دون معارض. هذا هو ما تحقق لهم عند النجاشي- بحمد الله- قبل أن يتحقق لهم عند غيره.

والذي يظهر من حال القوم ومن الظروف التي خرجوا فيها ومن سياق قصتهم أنهم كانوا لاجئين وكان يهمهم أن يجدوا أرضا يظهرون فيها شعائر دينهم ويعبدون الله ربهم بعيدين عن الضغط والاضطهاد. هذا ما يظهر من قصة القوم. ولكن الله العليم الحكيم قد بارك في تلك الرحلة الفذة فصاروا حملة الدعوة الإسلامية إلى القارة البكر أفريقيا.

ص: 10

وأدرك كفار قريش هذا المعنى عندما علموا أن المهاجرين قوبلوا بالإكرام والتقدير وأعطوا الحرية في دينهم فصاروا يعبدون الله ربهم دون خوف أو خفاء. من هنا داخلي الخوف بأن الإسلام السمح ربما خط له طريقا في أفريقيا ليتصل بقلوب الأفارقة الطيبة وأذهانهم الخالية- إن ترك وشأنه- ويعمل فيها عمله فيفوزوا بشرف المبادرة إلى قبول الإسلام في الوقت الذي يفوتا فيه هذا الشرف أهل مكة.

فجعلوا يفكرون ويقدرون لينظروا ما يفعلون، فبينما هم في هذا التفكير والتقدير فوجئوا يوم بدر بتلكم الهزيمة النكراء يوم أعز الله فيه الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين فازداد تفكيرهم في شأن المهاجرين فقرروا أخيرا إرسال وفد مهمته محاولة استرجاع المهاجرين إلى مكة- لو استطاعوا- وكان يرأس وفدهم رجل من أدهى رجالات العرب وأقدرهم على سحر البيان، عمرو بن العاص الغني عن التعريف.

قدم الوفد أرض الحبشة فنزل في ضيافة النجاشي وهو يحمل معه أحب الهدايا إلى ملوك الحبشة- كما يقول علماء السيرة- فبادر الوفد فور وصوله بتقديم الهدايا إلى البطارقة رجاء أن يتعاونوا معهم في التأثير في النجاشي حتى يسلم لهم المهاجرين وقد رشوا الأرض ومهدوا الطريق في زعمهم- لو صح التعبير- ولكن المفاوضة أسفرت عن نتيجة عكسية، ذلك لأنهم حاولوا أن يسلم لهم النجاشي المهاجرين قبل أن يسمع كلامهم بل بمجرد الاستماع إلى شرحهم المزخرف. ولكن النجاشي لم يوافق على هذه النقطة بل طلب حضور المهاجرين ليسمع كلامهم كما سمع كلام الآخرين وهو الأسلوب السليم الذي يقتضيه العقل والمنطق بل هو الموقف الذي لا ينتظر من النجاشي غيره وهو من عرفناه إذ هو الملك الذي لا يظلم أحد بجواره بأخبار رسول

ص: 11

الله عليه الصلاة والسلام ما أعظمها من منقبة. لذلك كله وعملا بمبدأ الإنصاف، وهو من الإيمان بمكان طلب النجاشي حضور المهاجرين ليسمع كلامهم. ولما وصل الوفد إلى باب الملك وقفوا عند الباب قبل أن يدخلوا تمشيا مع تعاليم الإسلام ليستأذنوا للدخول

كيف تتوقعون صورة استئذانهم أو علي الأصح كيف يتوقع وفد قريش صورة وكيفية استئذان جماعة غريبة ومستضعفة ولاجئة إلى تلك الأرض النائية إلى جوار ذلك الملك الرهيب؟ لاشك أنهم كانوا يتوقعون استئذانهم كاستئذان قوم أذلاء يدخلون مطأطئين رؤوسهم للملك راكعين على ركبتهم أو ساجدين على جباههم أمام ذلك الملك المهيب الذي صارت له عندهم بعض يد الإحسان والإكرام.

ولكن الذي حصل غير ذلك. أجل إن الذي حصل أن رئيس وفد المهاجرين جعفر بن أبى طالب وقف بالباب فصاح قائلا يستأذن عليك حزب الله فقال النجاشي مروا هذا الصائح فليعد كلامه ففعل. فقال النجاشي نعم فليدخلوا بأمان الله وذمته، فدخلوا ولم يسجدوا طبعا فقال النجاشي، ما منعكم أن تسجدوا لي؟ قال جعفر بكل هدوء وبأسلوب له تأثيره، نسجد لله الذي خلقك وملكك. ثم تابع كلامه قائلا وأما السجود لغير الله فإنما كان تحيتنا يوم كنا نعبد الأوثان. فبعث الله فينا نبيا صادقا وأمرنا بالتحية التي رضيها وهى السلام تحية أهل الجنة. فعرف النجاشي أنهم حزب الله حقا واثقون به ولا يخافون فيه لومة لائم، وأن ما يقولونه، في التوراة والإنجيل1.

1 قصة هجرة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة أخرجها الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح 301- 302/ 1 من حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها.

ص: 12

وهذا الموقف الجريء من الوفد المحمدي هو درس للجانبين معا الجانب القرشي والجانب الأفريقي وخطاب موجه إلى قلوبهم جميعا لو كانوا يفقهون وكأن جعفرا يقول لهم إذا كان وفد قريش مغرورا بفصاحة عمرو وبلاغته وسحر بيانه وبما قدمه من الهدايا الثمينة للبطارقة كثمن لاسترجاعنا، وإذا كانا البطارقة تستضعفنا وتحاول أن تؤثر في النجاشي ملكهم ليسلمنا لعمرو بن العاص، وعلى الرغم من ذلك فنحن حزب الله العلي القدير متوكلون عليه واثقون به فلا نبالي لأنه سبحانه مولانا فنعم المولى ونعم النصير. أجل نحن حزب الله ألا إن حزب الله هم الغالبون، فوقعت خطبة جعفر هذه من النجاشي موقعها. فطلب منهم من يمثلهم في المفاوضة معه والحوار وليرد على ما زعمه وفد قريش. فقال جعفر أنا. فقال له تكلم نقدم جعفر بين يدي كلامه مقدمة تدل على حصافة عقله وأنه من الذين يعرفون أن ينزلوا الناس منازلهم، فقال، إنك ملك لا يصلح عندك كثرة الكلام والظلم، فبعد هذه المقدمة الوجيزة طلب جعفر من النجاشي أن يوجه إلى وفد قريش الأسئلة التالية.

أ- أهم عبيد أم أحرار؟.

2-

هل أراقوا دما فهربوا؟.

3-

هل أخذوا أموال الناس فخرجوا بها؟.

فأجاب عمرو عن الأسئلة الثلاثة بالنفي أي لم يكونوا عبيدا ولا قتلة ولا سراقا. فقال النجاشي ماذا تطلبون منهم إذا؟ قال عمرو كنا وهم على دين واحد دين آبائنا فتركوا ذلك الدين واتبعوا غيره. فترى أن عمرا حصر نقطة الاختلاف بينهم في أنهم تركوا ما كان يعبد آباؤهم واتبعوا ملة أخرى جديدة ولا شيء غيرهما.

ص: 13

فسئل جعفر ما الدين الذي تركوه؟ وما الدين الجديد الذكر اتبعوه؟.

فبالإجابة على هذين السؤالين ينجلي الحق ويظهر ليزهق الباطل لأنه زهوق دائما في النهاية والعاقبة للمتقين.

فقال جعفر في شجاعة وثبات- كما عرفناه- أما الدين الذي كنا عليه فتركناه فهو دين الشيطان. ثم أخذ يفسره قائلا كنا نكفر بالله ونعبد الحجارة، وأما الدين الذي تحولنا إليه فهو دين الله - الإسلام- جاءنا به من الله رسول وكتاب مثل كتاب عيسى بن مريم موافقا له.

فأثارت هذه العبارة الأخيرة في نفس النجاشي ما أثارت فقال تكلمت بأمر عظيم فعلى رسلك، ثم أمر بضرب الناقوس- على عاداتهم- فاجتمع إليه كل قسيس وراهب ثم تام، لهم أسألكم بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى هل تجدون بين يدي عيسى وبين القيامة نبيا مرسلا فقالوا اللهم نعم. قد بشرنا به عيسى فقال: من آمن به فقد آمن بي ومن كفر به فقد كفر بي"ثم أخذ النجاشي يسأل جعفرا عما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام. وبم يأمرهم أوعن أي شيء ينهاهم؟

فأجاب جعفر بالتفصيل الآتي قائلا: يقرأ علينا كتاب الله.

ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. ويأمر بحسن الجوار وبصلة الرحم وبر اليتيم، وبعبادة الله وحده لا شريك له، ثم أبدى النجاشي رغبته في سماع ما تيسر مما نزل على النبي محمد عليه الصلاة والسلام. فقرأ عليه جعفر شيئا من القرآن الكريم ففاضت عين النجاشي وبعض أصحابه ففيهم نزل قوله تعالى:{وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} 1، قاله قتادة

1 سورة المائدة الآية رقم 83.

ص: 14

وغير واحد من المفسرين. ثم استزاد قائلا زدنا في هذا الكلام الطيب فقرأ عليه سورة الكهف كما تقول بعض الروايات وعمرو بن العاص جالس يترقب فرصة ليتمكن أن يقول كلمة تثير النجاشي، فلما أخذ جعفر يزيد النجاشي من ذلكم الكلام الطيب من هنا وهناك وعينه تفيض من الدمع ازداد غيظ عمرو فقال ثائرا: إنهم يسبون عيسى وأمه. وكأن الله أراد أن يظهر الحق ولو بهذه الصورة على حد قوله تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} 1 فجعل جعفر يقرأ سورة مريم كرد لما ادعاه عمرو، ولما سمع النجاشي ما جاء في عيسى وأمه أخذ عودا من الأرض فقال:"ما زاد المسيح على ما يقول هؤلاء مثل هذا مشيرا إلى العود الذي بيده. فهذا يعني منه إعلانا بإيمانه بالنبي العربي محمد عليه الصلاة والسلام بطريقة غير رسمية- طبعا- فلما تناخر بعض بطارقته الذين لم يدخل الإيمان في قلوبهم قال لهم النجاشي: وإن نخرتم والله، ثم قال للمهاجرين اذهبوا وأنتم آمنون بأرضي. من سبكم غرم فلا هوادة.

وتقول بعض روايات السيرة إنه قال: ما أحب أن لي دبر2 من ذهب وأني آذيت رجلا منكم. ثم قال: ردوا عليهم هداياهم فلا حاجة لي فيها. ثم استطرد قائلا: فوالله ما أخذ الله مني رشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه وما أطاع الناس فيّ فأطيعهم فيه فخرج الوفد القرشي فاشلا مردودا عليه ما جاء به3، هكذا أكرم الله النجاشي- بالإسلام وهو في أرضه إذ بارك الله في تلك الرحلة الموفقة بأنها كانت لله وحده وما كان لله دام وأثمر.

1 سورة البقرة الآية رقم 216.

2 الدبر بلغة الحبشة الجبل.

3 تفاصيل هذه الهجرة المباركة أوردها ابن كثير في البداية والنهاية نقلا عن محمد بن إسحاق وغيره من الأئمة أنظر البداية 66- 79/ 3.

ص: 15

هكذا دخل الإسلام القارة الأفريقية في تلك الظروف الحرجة في وقت مبكر من ظهور الإسلام، في الوقت الذي كان يطارد فيه الإسلام في مهبطه ومكانه الأول. ذلك من فضل الله سبحانه.

ص: 16

‌تمهيد

تقديم

هذه الرسالة بيان لما اشتبه على بعض الناس في أمر انتشار الإسلام ودخوله قارة أفريقيا، وما دخل في روع الكثير منهم، بأن للصوفية دورهم في هذا المجال، وأن هذه حسنة من حسنات التصوف والصوفية، وأنه لولا قيام الصوفية بهذا الدور، ما عرف الإسلام قلب، أفريقيا.

ولكن المؤلف الأستاذ محمد أمان بن علي، الأستاذ بكلية الشريعة بالمدينة المنورة بجامعتها الإسلامية، يكشف لنا عن هذا الخطأ، ويبين أن الذي نشره الصوفية ما هو إلا وثنية من نوع الوثنيات التي كان عليها الأفارقة قبل غزو التصوف لهم، وإذا اختلفت وثنية التصوف في شيء من هذه الوثنية الأولى فحتما في تقنعها بقناع الإسلام اسما وشكلا، وأما هي في نفس الأمر وحقيقته فهي من نوع الوثنية الأولى السافرة، والأستاذ الكريم يقدم هذه الحقيقة بدليلها، وأمثلتها المستقاة من نفس البيئة والواقع الذي عليه هؤلاء الأفارقة، وهو بصفته أفريقي أثيوبي، وله زيارات للقارة الأفريقية ضمن وفود الجامعة الإسلامية التي تجول في هذه القارة للدعوة إلى الإسلام وتبصر المسلمين به لتنفيذ أحد أنشطة الجامعة العالمية التي تقوم بها لخدمة الإسلام والمسلمين قد لمس ذلك عن قرب، وعاينه مواجهة فرأى أن ما عليه هؤلاء المسلمون الذين دخلوا الإسلام على يد المتصوفة، ليس من الإسلام في شيء، ما هو إلا تصوت، وقد ألفى شخصية الفرد، في شخصية صاحب الطريقة، أو القطب أو الغوث، وأنه لا يتحرك إلا بحركة هذا الشيخ، أو تأثير ذلك القطب. ونبحث عن الله في عقيدة هذا المتصوف الأفريقي الذي تأسلم، فلا نرى له وجودا، فقد

ص: 5

حل القطب أو الغوث مكانه، بعد أن كان من قبل يعبد حيوانا، أو شجرة، أو حجرا. الفرق أن هذا الأول صنم متحرك متكلم، والأخير صنم لا يتحرك، وإذا تحرك فإنه لا يتكلم، وقد طمست العبادات تحت الطقوس والأوراد، التي قدمها الصوفية، كبديل لما أتى به الله.

وحقيقة أخرى يضعها فضيلة المؤلف أمامنا، وأن هذه الحقيقة لو عملنا بمقتضاها لطمسنا هذه المعالم الوثنية، الصوفية، وغير الصوفية، وأحلنا القارة إلى أمة إسلامية، وقد يكون لها دورها في الحديث كما كان لعرب الجزيرة العربية في القديم.

هذه الحقيقة، هي أن أفريقيا كانت أول مهاجر إسلامي، حين هاجر المسلمون الأولون، وهم لا يزالون في مكة إلى الحبشة، فوجدوا في ملكها وأهلها إخوة متحابين ووجدوا فيها الوطن الأمين، حين افتقدوه بين قومهم وعشيرتهم وكان أن أسلم النجاشي قبل أن يدعوه الرسول رسميا إلى الإسلام.

فهذا الموقف من النجاشي وقومه يعطينا أن الأفارقة أناس صفت نفوسهم وليست لهم تعصب في الباطل وإنما هم أولو بصيرة نفاذة وعقل وقاد، وقدرة على التمييز بين الخير والشر. حينما يعرض عليهم الخير يستجيبون له ويميلون إليه ويولون للشر ظهورهم. وقد تجلى ذلك في أقوى صورة، حينما قدم عمرو بن العاص على النجاشي يسترد المسلمين المهاجرين ويطعن في دينهم فلما عرف النجاشي من المسلمين دينهم، وسمع قرآنهم، في مواجهة عمرو رضي الله عنها رفض طلبه ورد عليه هدية قريش التي جاء بها، وقال له:"والله لا أسلمهم إليكم أبدأ"1 كذلك يقدم لنا انتشار الإسلام في أفريقيا في

1 أخرجه الإمام أحمد في مسنده 301- 303/ 1 وذلك من حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها بإسناد صحيح أنظر المسند 290- 293/ 5.

ص: 6

أدواره المتتابعة عبر التاريخ من عهد الخليفة عثمان إلى الآن، فيطلعنا على قوم فيهم خصوبة دينية، واستجابة إلى الحق وبحث عنه، وما أحرانا أمام هذه الأرض الخصبة وأمام هذه التربة الطيبة أن ننمى فيها ما غرس من أصول الإسلام من قبل وفى أنحاء متفرقة من مجاهلها التي تتحرق شوقا إلى الإسلام الآن وأن نغرس الغراس الجديد بين القوم الذين لم يصلهم الإسلام إلا على أيدي التجار والصوفية، وأخذوا منه التسمية فقط وبقوا على خرافاتهم ووثنياتهم الأولى أو زادوا عليها ما قدمه لهم المتصوفة من وثنيات البيئات المتحضرة، وكذلك نغرس هذا الإسلام الذي جاء في كتاب الله العزيز، والذي قدمه أحد رسل الإسلام إلى رستم أكبر قواد الفرس في قوله:"جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام"1 والذي قدمه أبو سفيان إلى هرقل بهذه الصورة، فكان جواب هرقل قيصر الروم أن قال له:"لئن صح ما قلت فسيملك محمد صلى الله عليه وسلم موضع قدمي هاتين، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، ولو أنى أعلم أنى أصل إليه لتجشمت لقاءه"2. فهذا هو الإسلام، وغيره ليس بإسلام، وهو إذا حل في بيئة أحياها كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} 3.

والمؤلف الجليل صاحب هذه الرسالة القيمة ذات الأثر العظيم إن شاء الله يرسم للمملكة العربية السعودية بصفتها المشرفة الأولى على

1 أورده ابن كثير في البداية والنهاية نقلا عن سيف بن عمر من فتوحه انظر البداية والنهاية 39/ 7.

2 أخرجه خ في الصحيح بدء الوحي (6) الجهاد 103 وأحمد في مسنده 263/ 1 وذلك من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه.

3 سورة الأنفال الآية رقم74.

ص: 7

هذا الجهاد وتلك الدعوة المباركة ما يجب أن يتخذ في هذا المجال كي نصل على الغرض المنشود كما يعتبر تخطيطه في مجال الدعوة هذه تخطيطا لكل الدول والجماعات الإسلامية للعمل في إفريقيا وفي غيرها، فهذه مهمة المسلمين المتصلة، والتي لا يصح أن تتوقف في أي زمن أو عصر، {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ} 1. وفق الله أمتنا الإسلامية إلى العمل على إعزاز الإسلام وإعلاء كلمة المسلمين.

رمضان سنة 1396.

د. إبراهيم إبراهيم هلال

مدرس الدراسات الإسلامية

بكلية بنات عين شمس.

1 سورة آل عمران الآية 110.

ص: 8