الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحاضرين قال: ونبه السيوطي على صحته، واحتج به ابن حجر على حرمة المفتر ولو لم يكن شرابا ولا مسكرا 1.
قال ابن رجب:"واعلم أن المسكر المزيل للعقل نوعان، أحدهما: ما كان فيه لذة وطرب فهذا هو الخمر المحرم شربه،
…
ثم قال: وادخلوا في ذلك الحشيشة التي تعمل من ورق العنب وغيرها مما يؤكل لأجل لذته وسكره، ثم ساق حديث أم سلمة السابق.
الثاني: ما يزيل العقل ويسكره لا للذة فيه ولا طرب كالبنج ونحوه، فقال أصحابنا إن تناوله لحاجة التداوي به وكان الغالب منه السلامة جاز.. وإن تناول ذلك لغير حاجة التداوي فقال أكثر أصحابنا كالقاضي وابن عقيل وصاحب المغني إنه محرم لأنه سبب إلى إزالة العقل لغير حاجة فحرم شرب المسكر، وروى حبيش الرحبي _ وفيه ضعف عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا"من شرب شرابا يذهب بعقله فقد أتى بابا من أبواب الكبائر"2.
وقال ابن تيمية في فتاويه:"من العلماء من حرم كل مسكر بطريق القياس إما في الاسم وإما في الحكم، وهذه الطريقة التي سلكها طائفة من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، يظنون أن تحريم كل مسكر إنما كان بالقياس في الأسماء أو القياس في الحكم، والصواب الذي عليه الأئمة الكبار أن الخمر المذكورة في القرآن تناولت كل مسكر، فصار تحريم كل مسكر بالنص العام والكلمة الجامعة لا بالقياس وحده، وإن كان القياس دليلا آخر يوافق النص، وثبتت أيضا نصوص صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم كل مسكر، وبعد أن ساق ابن تيمية بعضا من الأحاديث التي سبق أن ذكرناها قال: وعلى هذا فتحريم ما يسكر من الأشربة والأطعمة كالحشيشة المسكرة ثابت بالنص وكان هذا النص متناولاً لشرب الأنواع المسكرة من أي مادة كانت من الحبوب أو الثمار، أو من لبن الخيل أو من غير ذلك"3.
ويقول في مكان آخر:"كل ما يغيب العقل فإنه حرام وإن لم تحصل نشوة ولا طرب فإن تغييب العقل حرام بإجماع المسلمين 4.
1 تهذيب الفروق والقواعد السنية للشيخ محمد علي حسين مطبوع على هامش الفروق ج1/ 216.
2 جامع العلوم والحكم 397.
3 الفتاوى ج19/282.
4 المرجع السابق 34 /211.
الثاني: من القواعد العامة في الشريعة:
من القواعد المقررة في الإسلام أن كل ما أضر الجسم أو العقل فهو حرام.
وقد ثبت أن المخدرات تحمل من الأخطار والمفاسد الدينية والدنيوية الكثير
…
يتحدث الإمام ابن تيمية عن بعضها فيقول:"كفى بالرجل شرا أنها تصده عن ذكر الله وعن الصلاة إذا سكر منها، وقليلها وإن لم يسكر فهو بمنزلة قليل الخمر، ثم أنها تورث من مهانة آكلها ودناءة نفسه وانفتاح شهوته ما لا يورثه الخمر.. فهي بالتحريم أولى من الخمر لأن ضرر آكل الحشيشة على نفسه أشد من ضرر الخمر، وضرر شارب الخمر على الناس أشد"كما ذكر أنها تورث قلة الغيرة وزوال الحمية حتى يصير آكلها إما ديوثا، وإما مأبونا، وإما كلاهما، وتفسد الأمزجة حتى جعلت خلقا كثيراً مجانين، ومن لم يجن منها فقد أعطته نقص العقل، ولو صحا منها فإنه لابد أن يكون في عقله خبل"1.
كما يسوق ابن حجر الهيثمي بعض هذه الأضرار التي ذكر أنها تبلغ مائة وعشرين مفسدة دينية ودنيوية منها"تعرض البدن لحدوث الأمراض، تصدع الرأس تورث النسيان تورث اختلال العقل وفساده وتذهب الحياء والغيرة وإتلاف الأموال والوقوع في المحرمات تورث الرعشة، ولها آثار ضارة على الكبد
…
الخ ما ذكره"2.
كما يذكر فريد وجدي في دائرة معارفه أن الحشيش الذي يستعمله الناس للتخدير هو عصارة القنب الهندي وهو مخدر مفقد للإحساس مضر بالمجموع العصبي ضررا بليغا جدا ونتيجته الطبيعية الجنون بأشد حالاته وتدخينه عادة مرن عليها بعضهم واستناموا لها استنامة لا فواق منها، وهم في الحقيقة جانون على أنفسهم وعائلاتهم جناية ليس وراءها"3.
وإذا كان هذا ما ذكره بعض علماء المسلمين منذ سنوات طويلة، فإن التقارير العلمية الحديثة والأبحاث الطبية تؤكد هذه الأضرار للمخدرات وتزيد عليها. يذكر تقرير صادر عن لجنة المخدرات بالولايات المتحدة الأمريكية أن الآثار المباشر للتخدير تتخلص في الآتي:
ارتعاشات عضلية _ زيادة في ضربات القلب _ سرعة في النبض _ شعور بسخونة في الرأس _ دوار _ برودة في الأطراف _ شعور بضغط وانقباض في الصدر _ اتساع في العيون _ تقلص عضلي _ قيء في بعض الحالات _.
ويضيف التقرير بأن هذه الاستجابات قد تزيد في شدتها تبعا للحالة التي تنتهي بالنوم 4 ويزيد بعض الباحثين الأمريكيين آثارا أخرى مثل: جفاف بالفم مع التهاب
1 الفتاوى 34 /223، 224.
2 الزواجر عن اقتراف الكبائر ج1 /215.
3 دائرة معارف القرن العشرين 3 /447.
4 الندوة الدولية العربية حول ظاهرة تعاطي المخدرات 117 /118.
بالحلق _ عدم توازن حركي في الجلوس والمشي _ دوار ودوري بالأذن _ انخفاض ضغط الدم _ إحساسات جسمية خاطئة أو وهمية كشعور بطول الأطراف 1.
كما ذكر الدكتور عبد العزيز شرف تحليلا علميا لما تحدثه المخدرات في الجهاز العصبي للإنسان فكان مما قال:"إن المخ يحوي سلسلة من المراكز العصبية الهامة التي تتحكم في الشخص وحركاته وسكناته وتفكيراته، وتتخلص هذه في:
1 _
مراكز عليا ويتميز بها الإنسان عن الحيوان، وهي مراكز تتعلق بالخجل والإحراج التي لولاها لفعل الإنسان ما يفعله الحيوان، وكذا هناك مراكز للخوف والهموم والتقدير السليم للوقت والمسافات والأشكال وغيره.
2 _
مراكز الوعي والانتباه وهذه تحكم في اليقظة والنوم ولها علاقة قوية بالحواس الخمس التي بإخمادها وضعفها يتم النوم أما تنبيهها فيحدث اليقظة والوعي.
3 _
مراكز الحركة ومنها الكلام، وهذه إن اختلت اختل معها المشي والكلام.
4 _
مراكز الحواس الخمس، وهي مراكز السمع والبصر والحس والذوق والشم، ولها علاقة متينة بمراكز الوعي والانتباه التي تعتمد عليها تماماً.
هذا ويعتمد المخ كذلك في وظائفه على مراكز الوعي والانتباه والحواس الخمس فإذا اختلت هذه اختل المخيخ وجاء الجسم بحركات غير متزنة.
فإذا ما أخذ الإنسان مخدرا أو مسكرا تتأثر به هذه المراكز وتلك الوظائف المخية بترتيب رقمها كما هو مذكور بدرجة تتوقف على كمية المسكر أو المخدر، وأول المراكز تأثيراً هي المراكز العليا للخجل والإحراج والتقدير وخلافها، وهذه إذا ما خمدت بالمخدرات مثلا فلا خجل ولا خوف ولا إحراج ولا تقدير للأشياء، وبهذا قد تنمي الفوارق الإنسانية وتظهر الجرأة في الحركات والغلظة في الأقوال، ويسود اعتقاد القوة والبطش.. فتنقلب إنسانية المتعاطين إلى حيوانية باطشة لا تقدير للعواقب ولا للوقت والمسافات والأشياء، فيظن الثواني ساعات، والأمتار أميالاً، والنمل أفيالا وضعفه قوة، وغباءه ذكاء، ومهاراته نكات فينساق وراء تلك المظاهر الخداعة الكاذبة بدون مخ يسيطر عليها ولا حكمة توقفه عنها حيث المراكز العليا المتحكمة في ذلك قد خمد سلطانها عليه.
أما الدور الثاني في تأثير المخدرات والمسكرات فيظهر أثره بعد تعاطي كميات منها أكبر مما يؤثر على المراكز المخية الثابتة، وهي ما تتحكم في وعي الإنسان وحواسه وانتباهه، وهذه إذا ما تأثرت وخمدت بالمخدرات صارت خاملة غير قادرة على استيعاب التنبيه
1 المرجع السابق.