الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإبدال
أحرف الابدال هدأت موطيا
…
فأبدل الهمزة من واو ويا
آخرا اثر ألف زيد وفي
…
فاعل ما أعل عينا ذا اقتفي
ولا بد قبل الكلام على هذه الحروف التي ابتدأ بذكرها أن يذكر معنى الإبدال وحقيقته، وهو في الأصل بمعنى تنحية الشيء وجعل غيره في موضعه بدلا منه، وهذا بخلاف القلب، فإنه تصيير الشيء على خلاف ما كان عليه ونقله من صورة إلى صورة، فالقلب حكم يجري في الشيء نفسه، كقولك: قلبتُ هذه الصحيفة البيضاء إلى جهتها الأخرى التي هي حمراء، فاختلف الحكمان معا على شيء واحد، والإبدال يجري في الشيئين لا في شيء واحد؛ لأنك تقول: أبدلت هذه الصحيفة بصحيفة أخرى، إذا أزلت الأولى وجعلت في موضعها ثانية، هذا أصل المعنى فيهما، ثم نقلوا ذلك إلى الحروف على ما أذكره لك. وذلك أن من الحروف متقاربة ومتباعدة، أعني التقارب والتباعد في المخارج والصفات، فأما الحروف المتباعدة فلا يقع فيها قلبٌ ولا إبدال، أي: لا تقلب الحرف حرفا متباعدا من أصله ولا يبدل أيضا من متباعد منه، وإنما يكون ذلك
في الحروف المتقاربة، ولذلك لم يدَّع البصريون في نحو حثحث أن الحاء الثانية مبدلة من ثاء حثَّث، لتباعد ما بينهما، وقد مر ذلك. والمتقاربة على مراتب، منها حروف يقرب بعضها من بعض من وجوه كثيرة، ومنها (حروف) يقرب بعضها من بعض من وجوه قليلة، فالأول يجري (فيه) الحرفان عندهم لشدة التقارب مجرى الحرف الواحد، بخلاف الثاني فحروف العلة قريب بعضها من بعض جدا، فأطلق على تحول بعضها إلى بعض قلبا، كما تقول في قام: أصله قَوَمَ، فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وفي قِيلَ: أصله قُوِل، فقلبت الواو فيه إلى الياء لعلة كذا؛ لأنهما كأنهما شيء واحد. فإذا قلت: اتصل أو ادَّكر، فالعمل الحاصل (فيهما) من جعل التاء عوض الواو، والدال عوض الذال أو التاء سمي بدلا؛ لأنهما لما تباعدا شيئا عدا شيئين مختلفين.
وأما التعويض فهو أعم من هذا، فقد يكون في الحروف المتباعدة والمتقاربة، ولذلك لا يلزم أن يقع العوض في موضع المعوض منه، كتعويض الياء قبل آخر المكسر والمصغر عوضا من محذوف ونحو ذلك، فقد ظهر الفرق بينهما.
وأصل هذا التقرير في القلب والإبدال للرماني، ولابن جني تفرقة أيضا بين العوض والبدل ذكره في التعاقب وغيره. وقد يوقع النحويون أحد اللفظين مكان الآخر، ولا مشاحة في الإطلاق إذا فهم المراد، فإن الناظم قد يطلق لفظ الإبدال في موضع لفظ القلب، وبالعكس، فلا اعتراض عليه فيه.
وإذا تقرر معنى الإبدال فقوله: (أحرف الابدال هدأت موطيا) يريد أن الأحرف التي (يكون) لها هذا الحكم هي المجموعة في هذا الكلام، وهو قولك: هدأت موطيا، وهي تسعة أحرف: الهاء والدال والهمزة والتاء والميم والواو والطاء والياء والألف. وهي حروف الزيادة ما عدا السين واللام والنون، وزاد عليها الطاء والدال.
ثم يتعلق بهذا الكلام مسائل:
إحداها: أنه لا يريد أن هذه هي حروف الإبدال على الإطلاق، فإن ثم حروفا أخر زيدت في حروف الإبدال، كالجيم والصاد والزاي ونحوها، إلا أنه اقتصر على التسعة منها لأنها المطردة في الإبدال، كما أنه لما تكلم على حروف الزيادة ثم ذكر مواضعها لم يأت منها إلا بمواضع الاطراد، ولأجل ذلك قسمها في التسهيل قسمين وجمعها جمعين فقال:(يجمع حروف البدل الشائع في غير إدغام (قولك): لجد صرف شكس آمنٍ طي ثوب عزيه)) فأتى بحروف البدل الكثير الوقوع في كلام العرب مطردا كان أو غير مطرد، لكنه شرط
الشياع، ثم قال:(والضروري منه في التصريف هجاء: طويت دائما) فأتى بالقسم الضروري المطرد، وهو الجاري في مسائل التصريف، والذي جرى فيه القياس. وإلى هذا القسم الثاني نحو هنا، إذ عليه تكلم، وإياه بسط في هذا النظم.
وهدأت معناه: سكنت، وموطيا: اسم فاعل من أوطأت الرجل إذا جعلته وطيئا، إلا أنه خفف همزته بإبدالها ياء لانفتاحها وانكسار ما قبلها. كذا قال ابن الناظم.
وقد أتى الناس بحروف البدل أكثر مما أتى به هنا، فأتى بها سيبويه أحد عشر حرفا، يجمعها قولك: أجد طويت منها. وذكر بعد اللام فضمت إلى الأخر، فجمعت هكذا: أجد طويت منهلا. وجمعها بعضهم: طال يوم أنجدته. وزاد إليها الرماني حرفين، وهما الصاد والزاي، ويجمعها: طال يوم صد أنجزته، وهي على ما جمعها في التسهيل اثنان وعشرون حرفا، واقتضى كلامه فيها ما هو أعم من ذلك، وهو حروف البدل على أعم من أن يكون شائعا أو غير شائع، وذلك الحروف كلها، لا يستثنى منها شيء، ومن تتبع ذلك وجده، وقد استوفاها (ابن جني) إلا النادر، فعليك بذلك في سر الصناعة.
المسألة الثانية: أن حروف الإبدال قد يمكن أن يكون أراد بها الحروف التي تبدل من غيرها ويبدل غيرها منها، فيريد الحروف التي يقع فيها الإبدال من كلا طرفيه، فالألف تبدل من غيرها، ويبدل غيرها منها، والهمزة كذلك، والواو والياء، وما سوى ذلك. وقد يمكن أن يريد ما يكون بدلا من غيره مطلقا، كان بعد ذلك مبدلا منه أو لا. وهذا الثاني هو المتعين، إذ ليس مقصوده النظر في المبدل منه؛ لأنه قد يكون هو الأصل، وهو الشائع في البدل أن يكون من أصل كقام وما أشبهه، فإن الألف فيه بدل من واو هي الأصل، فما فائدة التعرض لكون الواو هي المبدل منها. وقد يكون المبدل منه غير أصل، كياء ملهى التي انقلبت منها الألف، لكن ليس المقصود منها كونها مبدلا منها، وإنما المقصود كون الألف بدلا منها، فلا تعرض لغير هذا.
فإن قيل: ما الدليل على هذا من اللفظ؟
فالجواب: إنه لا دليل عليه من لفظه، وإنما أطلق العبارة اتكالا على فهم المراد؛ إذ لا كلام في الحرف إذا كان على أصله إلا من حيث يخلفه غيره، فالنظر في ذلك الخَلَف - وهو العارض- هو الذي يُقصد مثله، وإن قصد المبدل منه فبالقصد الثاني، من حيث تعيينُ الذي أبدل هذا منه فقط.
المسألة الثالثة: فيما يمكن أن يعترض على عبارته به، والاعتراض عليه من أوجه:
أحدها: أن قصده هنا بحصر حروف الإبدال إما أن يكون لحصر الحروف المطردة الإبدال دون المشهورة من غير اطراد، والنادرة، أو يكون
على أعم من ذلك، وهذا الثاني لا يمكن كما تقدم قبل هذا، لكن كلامه لم يتقيد بذلك، بل هو مطلق يصلح للقياسي وغيره، وإذا قلنا إنه يريد الأول فإذ ذاك نقول: ثم حروف أخر يكون الإبدال فيها قياسيا، وذلك الصاد والزاي والنون (والصاد) تبدل من السين إذا وقع بعدها قاف أو غين أو خاء أو طاء في كلمة واحدة، نحو: صُقت في سقت، وصملق في سملق، وصالح في سالح، وصاطع في ساطع، ومن هذا قراءة من قرأ:{الصراط} بالصاد، في قراءة غير قنبل وحمزة. وذلك لأن هذه الحروف مستعلية، والسين مستفلة، فأرادوا أن يكون العمل فيها من وجه واحد، فأبدلوا الصاد من السين لذلك، والزاي أيضا تبدل من السين قياسا إذا سكنت وبعدها الدال في نحو: يُسْدل، تقول: يزدل، وفي يسدر: يزدر، وكأنهم كرهوا اجتماع السين والدال، لما بينهما من المقاربة في المخرج مع التباعد في الصفات، فأبدلوا من السين حرفا يقرب من الدال، وهو الزاي، إذ كلاهما مجهور وغير مطبق، وكذلك الصاد تبدل زايا أيضا، قال سيبويه:(وسمعنا العرب الفصحاء يخلصونها -يعني الصاد- زايا)، يريد في نحو: يصدر، والتصدير، ونحو ذلك. والنون أيضا تبدل الألف منها في الوقف إذا قلت في اضربَنْ: اضربا، فتبدلها ألفا. وقد
تقدم له ذلك، فهي إذًا من حروف الإبدال المطردة، ولم يذكره هنا، وكذلك أبدلت الألف من التنوين، والتنوين نون، وقد ذكر ذلك أيضا. ولعل من يتتبع حروف البدل يجد فيها من هذا النوع القياسي أشياء، فليست إذًا حروف البدل القياسي بمنحصرة في هذا العدد.
والثاني: إنه [أنه] حين عزم على جمع حروف البدل المقيس كان يقتصر على ما قاله في التسهيل من هجاء (طويت دائما)، فأتى بثمانية أحرف وترك الهاء، لأن إبدالها غير قياسي في بدلها وفي البدل منها، أما البدل منها فأبدل منها الياء كقولهم في: دهدهت الحجر: دهديت، وقالوا: صهصيت بالرجل، إذا قلت له: صه، صه. وأصله: صهصهت. وأبدل منها الهمزة في آل، وأصله: أهل، فأبدل من الهاء الهمزة (فصار) أأل، ثم أبدل الهمزة ألفا لاجتماع الهمزتين على ما يجب في تسهيل الثانية هكذا قالوا. ومن ذلك ماء، أصله موه، فقلبت الواو ألفا، وأبدلت الهاء همزة، فصار ماء. وقالوا: أمواء، فأبدلوا أيضا، والأصل
أمواه، وأنشد ابن جني، عن أبي علي:
وبلدة قالصة أمواؤها
…
تستن في رأد الضحى أفياؤها
وأما بدلها فمن الهمزة، نحو هياك في إياك، أنشد الأخفش:
فهياك والأمر الذي إن توسعت
…
موارده أعيت عليك مصادره
(وقال ابن جني): وطيء تقول: هِنْ فعَلَ، يريدون: إن فعل، وقال: لهنك قائم، والأصل: لأنك، قال:
ألا يا سنا برق على قلل الحمى
…
لهنك من برق علي كريمُ
وقالوا: هيا زيد، يريدون: أيا زيد، قال ابن جني: قرأت على الفارسي
فانصرفت وهي حصان مغضبة
…
ورفعت بصوتها: هيا أبهْ
قال ابن السكيت: يريد أيا أبه. قال: وهو قريب؛ لأن أيا أكثر من هيا، وقالوا: هَمَا والله، في: أما والله لقد كان كذا، وقال: هراق، وهنار الثوب، وهراح الدابة، والأصل: أراق، وأنار، وأراح. وقالوا: هزيد منطلق؟ يريدون: أزيد؟ وأنشد الأخفش:
وأتى صواحبُها فقلن: هذا الذي
…
منح المودة غيرنا وجفانا
وحكى اللحياني: هردت الشيء أهريده، يريد: أردته.
وأبدلت أيضا من الألف، كقوله: أنشده ابن جني:
قد وردت من أمكنه
…
من ههنا ومن هنه
إن لم أروِّها فمه؟
أراد: ومن هنا. وأما (فمه) فيمكن أيضا أن يكون من هذا، أي: فما أصنع؟ أو نحو هذا.
وأبدلت أيضا من الياء في قولهم: هذي، قالوا في الوقف: هذه، بالهاء. ومنهم من يبدل وصلا ووقفا. وقالوا في تصغير هَنَة: هنيهة، والأصل الواو، لبيت سيبويه:
على هنوات شأنها متتايع
وأبدلت أيضا من الواو، قال ابن جني: أبدلوها في حرف واحد، وهو قول امرئ القيس:
وقد رابني قولها: يا هنا
…
هُ ويحك ألحقت شرا بشر
فالأصل: هناو، لأن لام الكلمة واو، فأبدلوا الهاء من الواو. كذا قال أصحابنا. قال: ولو قيل: إن الواو قلبت ألفا، ثم أبدلت الهاء منها لكان قولا قويا، فتكون الهاء كالهمزة في كساء، في أنها بدل من الألف المبدل من الواو، وهو أشبه من قلب الواو في أول أحوالها هاء؛ لأن الواو إنما اطرد قلبها ألفا في هذا الموضع، وأيضا فقلن [فقلب] الألف هاء أقرب من قلب الواو لبعدهما.
فأنت ترى أن الهاء إنما أبدلت أو أبدل منها في مواضع مسموعة غير مقيسة، أو في لغات ضعيفة لا يعتد بمثلها في هذا النظم، فلم ذكر الهاء هنا؟
فإن قلت: إنما ذكرها لموضع فيها قياسي، وهو إبدالها من تاء التأنيث في الوقف، وقد تقدم فمن أجل ذلك عدها في حروف البدل.
فالجواب: أن ذلك مختص بالوقف، فله بابه، ولذلك لم يذكر الهاء في التسهيل في هجاء (طويت دائما) وأيضا فكان يلزمه أن يذكر هنا النون؛ لأنها تبدل في الوقف ألفا، وذلك نون التنوين، ونون التوكيد الخفيفة، وقد تقدم ذكرهما في بابهما، لكنه لم يفعل ذلك، فأحد الأمرين يلزمه، إما ترك ذكر الهاء، وإما ذكر النون.
والثالث: أن البدل على قسمين: أحدهما: أن يكون بسبب الإدغام، والثاني: ألا يكون كذلك، فأما الثاني فهو الذي أراد النحويون الكلام عليه ههنا، وأما الأول فلم يقصدوه هنا، وإنما باب ذكره الإدغام، وأيضا فهو يكون في الحروف كلها إلا في الألف.
وكلام الناظم لم يتقيد بما قصدوه هنا دون الآخر، فاقتضى أن حروف البدل هذه التسعة كان ذلك في إدغام أو في غير إدغام، وذلك غير صحيح باتفاق، وقد تحرز من هذا في التسهيل حيث قال: يجمع حروف البدل الشائع في غير إدغام كذا. فأخرج البدل للإدغام، وذلك يكون في إدغام المتقاربين، كما تقول في اذبح خروفا: اذبح خروفا [اذبخ خروفا] فتبدل الحاء خاء؛ لأجل إدغامها في
الخاء، إذ لا يمكن الإدغام مع بقاء الأول حاء. وكذلك سائر (الحروف) المتقاربة في الإدغام.
فإن قلت: فقد ذكروا الإدغام للإبدال ههنا أيضا، وذلك في نحو قولهم: اتسق، واتعد، واتزن، وكذلك: اطلع، واطرد، إذ أصلها: ايتعد من الوعد، وايتزن من الوزن، وايتسق من مادة: وس ق، وكذلك اطلع أصله: اطتلع، و (اطرد أصله) اطترد)، من طلع وطرد، لكن وقع الإبدال في حرف العلة وفي التاء، ثم وقع الإدغام، وكذلك (ما أشبهه مما ذكروا فيه الإبدال بلا شك، وليس بقليل ولا غير مطرد، بل قاسوه، وذكره الناظم معهم، وإذا كان كذلك لم ينبغ أن يقيده بإخراج الإبدال في الإدغام، إذ يخرج عن حروف الإبدال بهذا التقرير الطاء والتاء، فإن الشائع في إبدالها لما يدغم، لكنهم أدخلوا في الإبدال هذا النوع، فالاحتراز منه على الإطلاق لا يصح.
فالجواب: أن) هذا القبيل لم يقع الإبدال فيه للإدغام أصلا، ولربما وقع فيه الإبدال لعلة أخرى، كما يقال في ايتعد ونحوه: لما ثقل عليهم ذلك لأجل تلاعب الحركات به في ايتعد، وياتعد، وموتعد، فتارة
يصير ألفا، وتارة واوا، وتارة ياء، أرادوا أن يبدلوا منه حرفا جلدا يبقى على حالة واحدة مع اختلاف الحركات، فأبدلوه تاء، ثم أدغموا لضرورة اجتماع المثلين، فهو من قبيل اجتماع المثلين لا من قبيل إدغام المتقاربين. على هذا النحو جرى الحكم في اطرد واطلع ونحوه، وذلك أنه من باب اضطلع واصطبر، لما أرادوا تقريب التاء لانسفالها من حروف الاستعلاء، أبدلوها طاء، فحين لم تلق الطاء المبدلة طاء أخرى بقي الأمر على (حاله) كاصبطر [كاصطبر] واضطرب، ولما لقيت طاء ألزم الإدغام بحكم الاتفاق ولم يقصد إلى إبدال التاء طاء لأجل كون ما قبلها طاء، فالقصد التقريب لا الإدغام. وستأتي الإشارة إلى هذا في موضعه إن شاء الله تعالى. فإذًا القيد المذكور معترض به على الناظم، وهو قوله:(في غير إدغام) إذ لا بد منه، إذ معناه في غير قصد الإدغام، وههنا لم يقصد الإدغام، وإنما أدى إليه الحكم.
والجواب عن الاعتراض الأول: أن كلامه إنما هو في الإبدال المطرد؛ لأن النحوي لا كلام له في الأمور السماعية إلا بالعرض، والمقصود بالذات هو ما تعلق به القياس، وإذا كان كذلك فليس إلا ما ذكر. وما اعتُرض به من إبدال السين صادا أو زايا ليس بالكثير، وإنما يكون ذلك في لغة قليلة، ولذلك حين بوَّب سيبويه على ذلك قال: هذا باب ما تقلب فيه السين صادا في بعض اللغات
وكذلك قال هو وغيره في إبدال الزاي منها، فلما كان ذلك قليلا بالنسبة إلى اللغة الشهيرة لم يعتن بذكره.
فالحاصل من هذا أن ما خرج عن عقده فإما سماع، وإما لغات قليلة، وأما النون فقد دخلت له تحت ذكره الألف والميم؛ لأن الميم تبدل من النون، فالميم هي التي أخذت هذا الحكم، فلم يحتج إلى ذكر النون. وكذلك الألف مع نون التوكيد والتنوين، فلم يخرج له شيء من ذلك عن كلامه، وأما إبدال الألف منها فقد ذكر ذلك في مواضعه، فلا اعتراض عليه.
والجواب عن الثاني: أن الهاء إنما ذكرها لأجل إبدالها القياسي في الوقف، ولم يتعرض هنا في التفصيل لذكرها؛ لأنه كان يكون تكرارا حين تقدم له ذكر ذلك.
وكلامه في التسهيل أولى بالاعتراض؛ إذ يقتضي كلامه أن الإبدال في الهاء ليس من قبيل المطرد، إذ أدخلها في حروف البدل الشائع وأخرجها من المطرد. فإن أجيب عن كلامه في التسهيل لزمه الاعتراض هنا، فإن الوجه الذي لأجله ذكرها في المطرد ينقض عليه ذكرها هنا. فالحاصل أنه لا بد من ورود النقد عليه في أحد الكتابين، إلا أن قال: إنه لحظ في أحد الموضعين غير ما لحظ في الآخر، حتى يمكن الجمع بين اللحظين، فحينئذ يرتفع النقد جملة. وبيان ذلك أنه قصد هنا -كما تقدم- بيان حروف البدل المطرد، ولا شك أن الهاء مما يطرد إبداله في موضع تقدم له ذكره فيه، وأما قصده في التسهيل فأمر آخر مضموم إلى
الاطراد، وهو كونه من ضروريات (باب) التصريف وهو معنى قوله: والضروري في التصريف هجاء: طويت دائما) ولم يقل: (والمطرد) من ذلك هجاء كذا، فدل على أن مقصوده: ذكر الحروف التي يجتمع فيها الاطراد والاختصاص بباب التصريف، (ولا شك أن الإبدال المطرد في الهاء ليس من ضروريات باب التصريف) بل من ضروريات باب الوقف. وقد ذكر ذلك في الوقف، ولم يذكره في التصريف كما فعل هنا، فإذا كان كذلك ثبت أن إسقاط الهاء من الضروري لقصد نص عليه ليس الاطراد وحده، بخلاف ما قصد (هنا) فإنه لم يرد إلا مجرد الاطراد خاصة، فاستقام الكلامان، وظهر قصده في الموضعين. وهذا من منازعه المعدودة في المقاصد الحسان، والله أعلم.
والجواب عن الثالث: أن اصطلاح أهل التصريف استمر في حروف الإبدال على أحد القسمين، وهو الذي ليس للإدغام، فلا تسمع حروف الإدغام تطلق إلا على ما لا يضطر فيه الإدغام إلى الإبدال، ولا شك أن هذا هو مقصد الناظم، فلم يحتج إلى بيانه لسبق الفهم إليه، وإنما بين ذلك في التسهيل توكيدا لما اصطلحوا عليه، فلا ضير في تركه.
ثم أخذ في تفصيل مواضع هذه الحروف في الإبدال، فابتدأ بالهمزة فقال:(فأبدل الهمزة من واو ويا، آخرا اثر ألف زيد) فقرر أن هذا الإبدال في الهمزة الذي يذكره لازم إذ لم يخير فيه، بل حتم الحكم به، وهذا صحيح
كما سيتبين لك [إن] شاء الله تعالى، ويعني أن الهمزة تبدل لزوما من كل واو وكل ياء كانا على هذه الأوصاف المذكورة، وهي كونهما آخرا إثر ألف زيد، وهي ثلاثة:
أحدها: كون الواو والياء آخرا، يريد آخر الكلمة، فإنهما إذا كانتا كذلك حصل لها الحكم المذكور، وهو القلب همزة، فإن لم تقعا طرفا بل وقعتا وسطا أو أولا، فذلك الإبدال اللازم غير محكوم به بمقتضى مفهوم كلامه، فالمعاينة والمقاومة ونحوهما تصح فيهما الياء والواو لعدم وقوعهما آخرا؛ لأن العلة التي لأجلها يقع الإعلال مفقودة في غير الآخر، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقوله: (آخرا) يحتمل أن يكون منصوبا على الحال من الواو والياء وإن كانا نكرتين، لكنه قليل. وكان حقه إذ ذاك أن يقول: آخرين؛ لأنه حال منهما. ويحتمل أن يكون آخرا (إنما) انتصب على الظرف، والعامل فيه اسم فاعل، وهو صفة الواو والياء، كأنه قال: من واو وياء كائنتين في الآخر. وهو الأجود، أو حال (منهما)، وهو جيد أيضا. ويكون (قوله):(إثر ألف) بدلا من (آخر) على أنه صفة أو حال كما تقدم.
والثاني: أن يكون الواو أو الياء إثر ألف كما قال، فإذا كانت كذلك ثبت حكم القلب همزة، فإن لم يكن كذلك فمفهومه ألا تقلب همزة وإن كانت
آخرًا / نحو: رمى ودعا، إذ أصله رَمَيَ ودَعَوَ، فانقلبتا ألفا لتحركهما وانفتاح ما قبلهما، ولا يجوز أن تقلبا همزة، إذ لا موجب لذلك. وكذلك الأدلي في جمع دلو، والأجري في جمع جرو، وأصله: أدلِوٌ وأجرِوٌ، فقلبوها ياء ولم يلبوها همزة.
والثالث: أن تكون تلك الألف الواقعة قبل الواو أو الياء زائدة، وذلك قوله:(إثر ألف زيد)، فزيد في موضع صفة لألف، أي ألف زائد، فلو كانت الألف أصلية أي منقلبة عن أصل، لم تقلب همزة، وإن وقعت آخرا، كقولك: آي، وزاي، وآية، وطاية، وراية، وراي، قال العجاج:
رايٌ إذا أورده الطعنُ صَدَرْ
وكذلك ما أشبه هذا؛ إذ أصلا لألف فيها الواو، وبهذا يحكم عليها قياسا إلا أن يرد اشتقاق أو غيره كما في آية؛ لأن اللام إذا كانت ياء حكم على العين بأنها واو؛ لأن باب طويت وشويت ورويت واسع جدا، بخلاف باب حييت وعييت فإنه قليل. وكذلك (واو) لم يُعلُّو [يعلوا] آخره لأن الألف منقلبة عن أصل وهو الواو أو الياء، على اختلافهم في ذلك، وكذلك إذا بنيت من الرمي مثل جحمرش فقلت: رميايٌ، لم تقلب الياء همزة؛ لأن الألف منقلبة عن الياء الثانية المقابلة لراء جحمرش، وإنما صحت الواو
والياء لأنهما وقعتا موقع اللام، وهم قد أعلوا العين، فلم يكونوا ليجمعوا على الكلمة إعلالين، وذلك أن هذه الأحرف خارجة عن القياس، لأن سبيلها في القياس أن تصح العين وتعل اللام، فيقال: أيًا، وروًى، وأياة، وطواة، ورواة، كما قالوا: نواة وشواة، لكنهم أعلوا العين فامتنعوا من إعلال اللام لذلك. وما جاء على خلاف هذا فهو شاذ غير مقيس، نحو: باء، وتاء، وثاء، وحاء، وخاء، وسائر حروف الهجاء التي على هذا النوع. وشذ في راية راءة، حكاه سيبويه. ومن هنالك قرر الفارسي في بعض مجالس إقرائه الحكم في باء وتاء وثاء وغيرها مما اعتل فيه العين واللام (من حروف الهجاء، فقال له بعض حاضري المجلس، وكان فتى يعرف بالبوراني: أفيجمع على الكلمة إعلال العين واللام)؟ ! فقال أبو علي قد جاء من (ذلك) أحرف ساكنة فيكون هذا منها، ذكر ابن جني تلك الأحرف المشار إليها في سر الصناعة.
فالحاصل أن الكلمة إذا اعتلت لم تعل لامها، إلا أن يجيء شيء فيحفظ، ولذلك حكم على آءة ونحوها أن اللام منها همزة ليس ببدل عن شيء تحاميا من القول بإعلال العين واللام. وهذا كله لم ينشأ إلا من أصالة الألف التي قبل الواو والياء. فلو كانت زائدة كما قال لم يكن في الكلمة إذا قلبت
الياء والواو همزة إلا إعلال واحد فيؤتى به، فتبدل الواو في ذوات الواو، والياء في ذوات الياء همزة لاجتماع ثلاثة الشروط التي ذكر، نحو قضاء من قضيت، وعطاء من عطوت، وسقاء من سقيت، وكساء من كسوت، ورداء من الردية. وكذلك علباء من علبيت السقاء، وغُزَّاء وعداء من غزا يغزو وعدا يعدو، وكذلك ما أشبهه.
وما جاء على خلاف ذلك فشاذ محله الضرورة، نحو ما أنشده المازني:
ولاعب بالعشي بني أبيه
…
كفعل الهر يحرش [يحترش] العظايا
فأبعده (الإله) ولا يؤبِّي
…
ولا يشفى من المرض الشفايا
أراد: العظاء والشفاء فتركه على الأصل، وأول الشعر على ما قاله ابن جني:
إذا ما الشيخ (صم) ولم (يكلم)
…
ولم يك سمعه إلا ندايا
وأنشد ابن جني قول الراجز:
أهبى التراب فوقه إهبايا
وقول الآخر:
عشية أقبلت من كل أوب
…
كنانة عاقدين لهم لوايا
وكأنهم شبهوا ألف الإطلاق للزومها القافية بتاء التأنيث، من حيث لزم فتحُ ما قبلهما، وكانتا زائدتين، ولذلك لم (يأت) هذا إلا في موضع (النصب).
هذا بيان كلامه إلى غاية ما قصد فيه، لكنه ظاهر بل صريح بأن الهمزة مبدلة من الواو والياء من غير توسط عمل بين ذلك، وهو يظهر من كلام كثير من النحويين، إذ يقولون في مثل هذا: هذه الواو والياء وقعت طرفا بعد ألف زائدة فوجب قلبها همزة.
وعليه كلامه في التسهيل. والذي يذهب إليه ابن جني، ونص عليه المازني في تصريفه أن الأصل في قضاء وسقاء ونحوهما: قضاي وسقاي. وفي
نحو كساء وعلاء: كساوٌ وعلاو، فلما وقعت الياء والواو طرفين بعد ألف زائدة ضعفتا لتطرفهما ووقوعهما بعد الألف الزائدة المشبهة للفتحة في زيادتها، فكما قلبت الياء [والواو] ألفين لتحركمها وانفتاح ما قبلهما في نحو: عصا ورحا، كذلك قلبتا أيضا ألفا لترفهما وضعفهما، وكون ألف زائدة قبلهما في نحو كساء ورداء، فصار التقدير: قضاا، وسقاا، وكساا وعلاا، فلما التقى ساكنان لم يكن بد من أحد أمرين، إما أن يحذفوا أحدهما فيعود الممدود مقصورا، وهذا مكروه؛ لأنه نقض لغرض من المد، وإما أن يحركوا الألف الثانية، وإذا حركوا فإما أن يردوها إلى أصلها ليتحرك؛ لأن الألف في نفسها لا تقبل الحركة، وذلك أيضا مكروه؛ لأنه رجوع إلى ما رُفض، وإما أن يقلبوها همزة، وهذه عادتهم إذا أرادوا تحريك الألف أبدلوها همزة، نحو قراءة أيوب السختياني:{ولا الضألين} ، وحكى أبو زيد في كتاب الهمز: شأبة ودأبة، وأنشدوا:
يا عجبا لقد رأيت عجبا
…
حمار قبان يسوق أرنبا
خاطمها زأمَّها أن تذهبا
إلى أشياء من هذا النحو، وذلك أن الهمزة أقرب الحروف إلى الألف، فقلبوها إليها لتقبل الحركة فصارت: قضاء، وسقاء، وكساء، وعلاء. قال ابن جني: فالهمزة في الحقيقة إنما هي بدل من الألف، والألف التي أبدلت
الهمزة عنها بدل من الياء والواو، لكن النحويين إنما اعتادوا هنا أن يقولوا: إنما الهمزة منقلبة عن ياء واو [وواو] ولم يقولوا: من الألف، لأنهم تجوزوا في ذلك، ولأن تلك الألف التي انقلبت عنه الهمزة هي بدل من الياء أو الواو، فلما كانت بدلا منهما جاز أن يقال: إن الهمزة منقلبة عنهما، وأما (في) الحقيقة فإن الهمزة بدل من الألف المبدلة عن الياء والواو. قال: وهذا مذهب أهل النظر الصحيح في هذه الصناعة، وعليه حذاق أصحابنا فاعرفه.
فهذا ما قال، وما اعتذر به عن الفريق الآخر هو العذر للناظم فيما فعل من ذلك، مع أنه لم ينفرد [يتفرد] به، بل هو تابع لغيره، قال سيبويه في باب ما اعتل من الأسماء المعتلة على اعتلال الأفعال:(اعلم أن فاعلا منها مهموز العين، وذلك أنهم يكرهون أن يجيء على الأصل مجيء ما لا يعتل (فعل) منه، ولم يصلوا إلى الإسكان مع الألف، وكرهوا الإسكان والحذف فيه فيلتبس بغيره)، قال:(فهمزوا هذه الواو والياء إذا كانتا معتلتين، وكانتا بعد الألف). فهذا ظاهر منه أن الهمزة مبدلة من الياء والواو لا من الألف، لكنهم حملوا المسألة على ما قرره ابن جني، وبه فسر
السيرافي كلامه في الكتاب، فلا اعتراض على الناظم في مساق المسألة على ما رأيت؛ إذ كتابه في غاية الاختصار، ولا يليق استيفاء وجه الصناعة على الحقيقة إلا بالمطولات، مع أن ما قال ليس بمنافر للصناعة، إذ يمكن أن تكون الهمزة على حقيقة (ما قال من إبدالها من الياء والواو)، كما أبدلوها من الواو في وُقتت ووشاح وأواصل، ونحو ذلك من المواضع التي يمكن فيها دعوى القلب ألفا ثم همزة. وأيضا فما نص عليه هو الظاهر، والحمل عليه أولى حتى يدعو داع إلى غيره. وقد جعل ابن جني في الخصائص الحمل على الظاهر أصلا وإن أمكن أن يكون على غير ذلك، وأخذ ذلك من سيبويه حين تكلم على سِيد، وأنه من ذوات الياء حملا على ما ظهر، مع إمكان أن يكون من ذوات الواو مشتقا من ساد يسود، فكذلك مسألتنا، والله أعلم. إلا أن في قاعدته نظرا، وذلك أنه أطلقها إطلاقا فيقضي جريان حكمها في كل ما دخل تحتها، والأسماء التي آخرها واو أو ياء بعد ألف زائدة على قسمين: أحدهما ما كان منها غير لاحق به تاء التأنيث، كالأمثلة المتقدمة الذكر، وهذا لا إشكال في صحة جريان الحكم فيه.
والثاني: ما لحقته تاء التأنيث، ولا يجري الحكم فيه على الإطلاق، بل الأمر فيه ينقسم قسمين: أحدهما: أن تكون الكلمة مبنية على التاء، فهذا لا تبدل فيه الواو والياء همزة البتة، بل تبقى على ما كانت عليه في الأصل، فتقول فيما أصله الواو: شقاوة وإتاوة ونقاوة وإداوة وهراوة وعلاوة. وفيما أصله الياء: (نهاية وبداية) ونفاية، ورواية، وما أشبه ذلك، فلا تعل فيه الواو والياء، وما جاء من ذلك معلا فنادر، قال سيبويه في تعليل التصحيح:(قويت حيث لم تكن حرف إعراب كما قويت الواو في قمحدوة) يعني أنها إنما أعلت لما وقعت طرفا، والطرف أضعف مما ليس بطرف، ولذلك يلحقه من الإعلال ما لا يلحق غير الطرف، فلما وقع الإعراب على التاء قويت الواو والياء، فلم يدخلها الإعلال حين تحصنت بالتاء، كما تحصن قمحدوة وقلنسوة وعرقوة ونحوها بالتاء فلم تعل (اللام)؛ إذ القاعدة -على ما يأتي- أن الواو المتطرفة في
الاسم لا تثبت بعد الضمة حرف إعراب، بل تقلب الضمة كسرة، والواو ياء، فإذا وقع بعدها التاء صحت ولم تعل. هذا تعليل سيبويه، وهو صحيح، فأما صلاءة وعباءة وإعلالهم للكلمة هنا مع بنائها على التاء، فكأنه مبني على صلاء وعباء وإن لم ينطق به على ذلك المعنى، كما قالوا: مسنية ومرضية، فقلبوا الواوين ياءين وإن لم تقعا طرفا، إذ القاعدة ألا يكون هذا الحكم إلا في المتطرفتين، لكن قدر أن التاء دخلت على الكلمة مقلوبة فتركته على حاله.
والثاني: ألا تكون الكلمة مبنية عليها، فلا أثر لها، ويدخلها حكم الإبدال كأن لم توجد التاء، فتقول: امرأة معطاءة للدراهم، وميفاءة بالعهد، وإغفاءة واحدة الإغفاء، ولقاءة واحدة، وإعطاءة (واحدة)، وذلك لوجود المذكر وما أشبه ذلك مما التاء فيه عارضة لا لازمة. فهذا القسم هو الذي يدخل في كلام الناظم، وهو صحيح، إذ لا اعتداد بالتاء.
فالحاصل أن قسم ما يبنى على التاء داخل فيه.
ويجاب عن هذا أن تاء التأنيث لما اعتدوا بها وصار ما قبلها بسببها في حكم ما ليس بطرف، اعتبر الناظم فيها هذا المعنى، فلم تدخل له تحت قوله:(آخرا)(إذ ليست الواو والياء آخرا) كما أنها ليست الواو في قمحدوة آخرا، قضي بذلك التصحيح، ولو كانت آخرا) حقيقة لاعتلت، فقوله: آخرا، يريد (به) ما وقع آخرا في الحقيقة، وما وقع (آخرا) بالحكم، فمما [فما] لم يقع آخرا على أحد الوجهين فلا اعتلال فيه، ثم قال:(وفي فاعل ما أعل عينا ذا اقتفي) في فاعل: متعلق باقتفي، والفاعل أراد (به) ما كان من الأسماء على هذا الوزن. وما: واقعة على الفعل الذي انتسب إليه وزن الفاعل، وهي موصولة، أو نكرة موصوفة. وعينا: تمييز، أصله الفاعل، كاشتعل الرأس شيبا، وأصله: ما اعتلت عينه.
وهذا موضع ثان من مواضع إبدال الهمزة من الواو والياء، يريد أن الياء والواو تبدلان أيضا همزة في الفاعل المأخوذ من الفعل الذي اعتلت عينه، (ولا يريد بما اعتلت)(عينه) ما كانت عينه حرف علة، وإنما يريد بذلك ما دخل عينه الإعلال بالقلب أو الإبدال. وقوله: في فاعل ما أعل عينا. لم يعين في هذا الوزن موضع الإبدال، ولكنه يتعين بتعيين موضعه من الفعل، إذ قال: ما أعل عينا، فكأنه يقول: في عين الفاعل مما أعل من الأفعال عينا ذا اقتفي.
وهذا الكلام المختصر قد أحرز أوصافا بها يتم هذا الحكم:
أحدها: أن يكون الاسم على وزن فاعل، فإنه إذا كان كذلك جرى فيه الإبدال، فإن لم يكن على هذا الوزن لم تُعل العين، نحو: مفاعل، ومتفاعل، ونحو ذلك. فإنك إنما تقول: ملاوذ، ومعاود، ومباين، ومعاين. وكذلك: متساوٍ، ومتجاوز، ومتباين، ومتماين، وما أشبه ذلك، فتبقى العين على تصحيحها، ولا تقول: ملائذ، ولا مبائن، ولا متساءٍ، ولا متمائن، بالهمز؛ لأن اسم الفاعل محمول في الإعلال على فعله، وأفعال هذه الأوزان غير معتلة العين، نحو: لاوذ، وعاود، وباين، وعاين، وتجاوز، وتساوى، وتباين، وتماين، والقاعدة: أن اسم الفاعل إنما يعتل باعتلال فعله، فإذا صح صح، فكذلك هذه الأشياء.
والثاني: أن يكون هذا الوزن منسوبا إلى فعل، ومعنى كونه منسوبا إليه أن يكون في الاشتقاق راجعا إليه (خاصة)، لا أنه يريد أن يكون اسم فاعل جاريا عليه؛ لأن هذا الحكم جار فيما إذا كان جاريا على الفعل نحو: قام فهو قائم، وباع فهو بائع، ودام فهو دائم، وبان فهو بائن، وفيما لم يكن جاريا كحائض، وامرأة زائر، من زيارة النساء، وعلى هذا يشمل ما كان من فاعل بالتاء وبدونها كقائمة وقائلة وصائمة، ونحو ذلك؛ لأن النسبة إلى الفعل هنا موجودة، فههنا يجري على الفعل في الإبدال، فإن لم يكن جاريا على فعل فمقتضى هذا الكلام ومفهومه أن الإبدال لا يكون هنا، فنحو: الحائر وهو مجتمع الماء، والصائر لشق الباب، والعائر
للرمد، والحائش لجماعة النخل؛ لا يعل، لما كان غير جار على فعل ولا منسوب إليه، هذا ما يعطيه كلامه.
والثالث: أن يكون ذلك الفعل المنسوب إليه قد أعلت عينه كقائم، فإنه منسوب إلى (قام المعتل العين، وبائع منسوب إلى باع، وهائم منسوب إلى هام، وكذلك ما أشبهه مما هو جار على الفعل اسم فاعل له، وكذلك ما ليس بجار نحو حائض، فإنه منسوب إلى حاضت، وزائر منسوب إلى زار وإن لم يكن عليه، فاعتل (لذلك من جهة أن الاسم محمول في اعتلاله على الفعل، فكما اعتل الفعل بقلب عينه ألفا سواء كانت واوا أم ياء، فكذلك اعتل) الاسم بقلب عينه الياء أو الواو همزة.
وقد ظهر من مفهوم هذا أن الفعل إذا لم يدخل عينه الإعلال، وإن كان واوا أو ياء، فإن فاعلا (منه) لا يعل، بل يبقى على أصله، فتقول في فاعل من عوِر، وحوِل، وروِي، وهوِي: عاور (غدا) وحاوِل، وراوٍ، وهاوٍ، وكذلك ما عينه الياء من نحو: صيِد، وعيِس البعير، وغيِف، وغيِد، تقول في فاعله: صايد غدا، وعايس، وغايف، وغايد، فلا تهمز، بل تصححه لتصحيح فعله.
هذا معنى كلامه، وفيه من النظر الصناعي ما في مسألة كساء، من أنه (اعتد) في ظاهر كلامه على أن الهمزة مبدلة من الواو والياء. والذي ذكر
ابن جني وغيره أن الواو والياء أبدلت منهما الألف، وأن الهمزة مبدلة من الألف. وذلك أن (قائل) و (بائع) أصلهما قاول وبايع، كما أن أصل قال وباع قوَل وبيَع، فسكن حرف العلة من قاول وبايع كما سكن في فعله، ووجب قلبهما ألفا كما انقلبا في قال وباع؛ لأن الألف قبل حرف العلة من حيث كانت زائدة تشبه الفتحة، فانقلب حرف العلة ألفا كما انقلب في قال وباع، للفتحة المحققة، فصار: قاال وبااع، وهكذا بألفين، فلما اجتمع الساكنان لم يكن بد من الحذف لأحدهما أو التحريك، والحذف لا يمكن فيصير اسم الفاعل على لفظ الماضي فيلتبس، وأما التحريك فلا يمكن أن يرجع لأجله إلى الأصل من الياء والواو، فيكون رجوعا عما منه فُر، فلم يبق إلا تحريك الألف نفسها، وذلك لا يمكن فيها، فأبدلوها حرفا يقرب منها غاية القرب ويمكن تحريكه، وهو الهمزة، فأبدلوا الثانية همزة ولم يبدلوا الألف الأولى إلى الهمزة؛ لأن الألف الزائدة في (فاعل) لا أصل لها في الحركة، ولم تتحرك قط؛ فكانت الألف الثانية أولى، وهذا النحو هو الذي مضى في مسألة كساء، فيمكن أن يكون الناظم قائلا بهذا النحو، إلا أنه تجوز في العبارة، واختصر العمل اختصارا وهو يريده، وإما أن يكون بنى على ظاهر كلام كثير من النحويين في هذا، وعلى ظاهر الأمر لم يثبت درجة مقدرة لم تظهر قط.
ثم بعد في كلامه معترض، وهو أنه شرط في فاعل أن يكون منسوبا إلى فعل فيقتضي كلامه أمرين:
أحدهما: خروج حائض ونحوه من هذا الحكم؛ لأنه ليس له فعل يجتمع معه في الاشتقاق، إذ لو كان له فعل لكان جاريا عليه اسم فاعل، لكنه معدوم، فإذا امتنع الجريان امتنعت النسبة الاشتقاقية (أيضا)؛ لأن (حائض) هذا الذي لا تدخله التاء ليس بمشتق من حاضت، وإنما يشتق من حاضت اسم الفاعل الجاري، إذا قلت: هي حائضة غدا، وأما غير الجاري فليس له فعل ولا معناه معنى الفعل، وإنما معنى حائض معنى أن لو قلت: حيضى، وإذا لم يكن له فعل فقد خرج باشتراطه أن يكون الاسم فاعل ما أعل عينا، وبذلك خرج (عن) أن تقلب عينه همزة، فكنت تقول على هذا: حايض، على الأصل. وكذلك سائر الباب، وهذا فاسد.
والأمر الثاني، وهو أبين من هذا: أن يكون ما كان من الجوامد المعتلة العين نحو: حائر، وحائش، وعائر، وصائر، لا تعتل عينه، فكنت تقول: حاير، وحاوش، وعاور وصاير. وهذا غير صحيح، بل حكمه عندهم في الإعلال حكم الجاري على الفعل؛ لأن الإعلال في الأسماء ليس بمختص بما جرى على فعل، بل الأسماء كلها المشتقة والجامدة جارية على الفعل في حكم الإعلال مطلقا، ولذلك أدخل هذا القسم في التسهيل إذ قال:(وتبدل الهمزة أيضا وجوبا من كل ياء أو واو وقعت عينا لما يوازن فاعلا أو فاعلة، من اسم معتزٍ إلى فعل معتل العين، أو اسم لا فعل له). فقوله: (أو اسم لا فعل له) استدراك ضروري، وهو الذي اعتُرض به ههنا.
وقد يجاب عن الأول بأن حائضا ونحوه في تقدير الجاري على الفعل وإن لم يكن كذلك في الحقيقة الاستعمالية، والفعل أصله، ومنه اشتق، لكن عرض الآن فيه اعتبار معنى النسب، فتنوسي أصله، ولذلك يقول فيه سيبويه: إنه محمول على مقدر يجري عليه، كأنك قلت: شيء حائض. وما هذا إلا تحقيق لأصله الذي هو اسم الفاعل الجاري على الفعل، وإذا كان في الأصل كذا دخل تحت معنى النسبة إلى الفعل، إذ لا شك أنه على هذا النحو منسوب إليه، فصح كلام الناظم بالنسبة إليه.
وأما حائر ونحوه فقد يقال: إنه يقدر له فعل في أصل الاشتقاق يجري عليه حتى يرد إلى طريقة اسم الفاعل المشتق، وهو جواب متكلف، وبعيد من لفظه، لكن الحكم بالإعلال يقتضي ذلك، قال الفارسي في التذكرة وتكلم على كون حائض ونحوه جاريا على شيء في الأصل: إن مما يدل على ذلك (إعلال) العين في حائض، بالهمز، قال: فلولا أنه على حاضت لما اعتلت. قال: وليس ينبغي أن يتشكك في همزة حائض، لأنهم قد قالوا: موت مائت، بالهمز البتة، ولولا ذلك لقيل: ماوت، قال: فيجب على هذا الذي ذكرناه من همز مائت وحائض أن يكون قولهم: شعر شاعر، ووتد واتد، ودارع، ونابل وتامر، ولابن، جميعها جار على
فعل مقدر وإن لم يظهر إلى الاستعمال. هذا ما قال، وهو قياس صحيح، فإن كان الناظم يريد بقوله:(فاعل ما أعل عينا) سواء كان ذلك الفعل مستعملا أم لا فكلامه صحيح، وإن أراد به الاستعمال فقط فهو غير صحيح، إلا أن يقال: إن الحائش والحائر ونحوه من الألفاظ النادرة التي لم يبن عليها، فهو الأظهر من كلامه، والجاري على ما يقتضيه القياس، وإن كان ظاهر التسهيل أنه قياس فيه، فتأمله.
واقتف: معناه اتبع هذا الحكم في فاعل ما أعل عينا.
* * *
والمد زيد ثالثا في الواحد
…
همزا يرى في مثل كالقلائد
هذا موضع ثالث مما تبدل فيه الهمزة من حرف اللين، والمد أراد به حرف المد، فسماه مدا بوصفه اللازم فيه، ويريد أن حرف المد إذا كان زائدا، وكان في الواحد قد وقع ثالثا فإنه يبدل همزة في الجمع على مثال القلائد، وهو ما شاكله مما هو على مفاعل.
وهذا العقد قد جمع في هذا الإبدال شروطا لا بد منها في إبدال ذلك الحرف همزة:
أحدها: أن يكون حرف مد، وحرف المد عبارة عن الألف والواو والياء إذا كان ما قبلهما من جنسهما، فانضم ما قبل الواو وانكسر ما قبل الياء ولا يكون ما قبل الألف إلا مفتوحا، فإذا كان الحرف المبدل منه كذلك ثبت الإبدال، فلو لم يكن كذلك لم يصح الإبدال، كقولك: جهور، فإن الواو هنا ليست بحرف مد، فلا تبدلها في الجمع همزة، وكذلك عثير وحثيل، لا تهمز الياء في الجمع، وإنما تقول: جهاور وعثاير، وحثايل، وكذلك تقول في هبيخ: هبايخ، وفي جدول: جداول، وفي قسور: قساور، وإنما صحت ههنا لأن الواو والياء في هذه الأمثلة جعلت في مقابلة الأصول، إذ الكلمة بها ملحقة، فكان الواجب أن يجري مجرى ما قابلته من الحروف الصحاح فتسلم من الإعلال، وأيضا لما يأتي في علة الإبدال بحول الله تعالى.
والثاني: أن يكون حرف المد زائدا، وهو قوله:(والمد زيد) و (زيد) جملة في موضع الحال من المد، والعامل فيه الفعل المتأخر من حيث عمل في ضميره، فإذا كان حرف المد غير أصلي ثبت له الحكم، فإن كان أصليا بنفسه أو منقولا عن أصل فمفهوم كلامه أنه لا يبدل همزة، فمقام ومعاش ومقال لا تعل فيه الألف، وإنما تقول (فيه) في الجمع على مفاعل: مقاوم ومعايش ومبايع، وأنشد
المازني للفرزدق:
وإني لقوام مقاوم لم يكن
…
جرير ولا مولى جرير يقومها
فقال: مقاوم، ولم يقل: مقائم، وكذلك معيشة ومدينة، على من جعلها من دان يدين: إذا أطاع، وتقول في جمعهما: معايش ومداين، وأما من جعل مدينة من مدن وجمعها على مدن فإنه يهمز على مقتضى الشرط، لأن الياء زائدة فتقول: مدائن وكذلك تقول إذا جمعت معونة على مفاعل لم تهمز وإنما تقول: معاون، وفي ملومة: ملاوم، وفي محوزة محاوز، وكذلك ما أشبهه، وما أتى به من هذا مبدلا همزة فمحفوظ غير مقيس، مثل ما روى (خارجة بن مصعب) عن نافع من همز (معائش) وقالت العرب: مصائب في جمع مصيبة، ومنارة ومنائر، ومزادة ومزائد، ومسيل ومسائل، فيمن جعله من السيل. ووجه هذا
الشاذ تشبيه الأصلي بالزائد فكأن معيشة ومصيبة كصحيفة، وكذلك سائر المثل. ووجه ترك الإعلال أن هذه الحروف أصلها الحركة لأنها عين الكلمة التي على مفعلة أو مفعِل (أو مفعَل) أو مفعلة أو نحو ذلك، فإذا وقعت بعد ألف الجمع تحركت بحركتها فلا موجب لإبدالها.
فإن قلت: فإن المفرد منها معل فهلا أعل (الجمع) حملا عليه كما أعل قائم وبائع بالحمل على فعله؟
فالجواب: أن المفرد أعل لشبه الفعل الحاصل فيه على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، فلما جمعوه زال (بالجمع البناء الذي كان به) شبه الفعل، لأن الفعل لا يجمع، فبعد عن الإعلال، فلم يبدلوا العين همزة، ولما كان الشبه حاصلا في قائل وبائع لكونه على وزن الفعل وعاملا عمله أعل بقلب الواو والياء همزة، بخلاف الجمع، ولذلك صحح لُوَمة وحُضُض، ومِرَر، ونحوها لما فرجت [خرجت] عن شبه الفعل. هذا محصول جواب الفارسي في الإغفال، وأصله للمازني في تصريفه.
والثالث: أن يكون حرف المد ثالثا في المفرد، وذلك قوله:(ثالثا في الواحد)، فإذا كان كذلك أبدل في الجمع، فإن كان غير ثالث لم يبدل، فالمدة
الثانية لا تبدل في الجمع همزة، فلا تقول في طابق: طآبق (ولا في كاهل وغارب كآهل ولا غآرب). وما أنشده أبو الحسن من قول الشاعر:
تربعن من وهبين أو بسويقة
…
مشق السآبي عن رءوس الجآذر
فأبدل الهمزة من ألف السابياء، وهي ثانية تقع قبل ألف الجمع، كما أبدلوها بعد ألف الجمع إذا كانت ثالثة، فشاذ يحفظ. وبتلك المنزلة أن لو كانت المدة رابعة نحو قنديل وبهلول وشملال، فإنما تقول فيه: قناديل، وبهاليل، وشماليل. وإنما تبدل المدة حرفا آخر غير الهمزة على ما سيذكره هو.
وإنما قال: (في الواحد) فقيد ذا المدة، لأنه إنما يريد أن المدة التي في الواحد تبدل في الجمع.
والرابع: أن يقع حرف المد في الجمع على مثال القلائد، وهو مثال مفاعل، فإنه إن لم يكن في الجمع على هذا المثال لم تقلب همزة، إذ لا موجب
لقلبها. فعجوز إذا جمعتها على عُجُز، ذهبت المدة في الجمع، وكذلك إذا جمعت مدينة على مُدُن، وصحيفة على صحف، وما أشبه ذلك من الجموع التي تذهب فيها المدة أو تكون على حالة أخرى. (فأما) إذا كانت في وزن القلائد وجب سبب الإبدال فقلت في رسالة: رسائل، وفي حمالة: حمائل، وفي [كنانة] كنائن، وفي مدينة -على أشهر اللغات- مدائن، وفي سفينة: سفائن، وفي خريدة: خرائد، وفي عجوز عجائز، وما أشبه ذلك.
وقوله: (في مثل كالقلائد) أراد في مثل القلائد، فزاد الكاف ضرورة، نحو:
فصُيِّروا (مثل) كعصف مأكول
وهذا مثل البيت من كل وجه، حيث أقحم الكاف بين مثل ومجرورها.
ووجه الإبدال هنا أنك لما جمعت رسالة مثلا على فعائل، جاءت ألف الجمع ثالثة، ووقعت بعدها ألف رسالة، فالتقت ألفان، فلم يكن بد من حذف إحدى الألفين أو تحريكها، فلو حذفوا الألف الأولى لبطلت دلالة الجمع، ولو حذفوا الثانية لتغير بناء الجمع، لأن هذا الجمع لا بد له أن يكون بعد ألفه الثانية حرف مكسور بينها وبين حرف الإعراب، ليكون
كماعل [كفاعل، كمفاعل]، ولم يجز أيضا حركة الألف الأولى مخافة أن تزول دلالتها على الجمع؛ لأنها إنما تدل عليه ما دامت ساكنة إلى لفظها، ولو حركت أيضا لانقلبت همزة وزالت دلالة الجمع، فلم يبق إلا حركة الألف الثانية بالكسر لتكون كعين مفاعل، فلما حركت انقلبت همزة فصارت رسائل، كما ترى، وهذه العلة جارية فيما حرف المد فيه ألف، ثم شبهت الياء في صحيفة والواو في عجوز بألف رسالة؛ لأن (ما) قبلهما من جنسهما وما هو بعض منهما، وهما ساكنتان، فجرتا مجرى الألف. والأصل في هذا إنما هو الألف، لأنها أقعد في المد من الواو والياء. ذا [هذا] تعليل ابن جني، وتعليل الخليل يشبه هذا، وهو أن قال: إنما همزت في صحائف ورسائل وعجائز لأن حروف اللين فيهن (ليس) أصلهن الحركة، وإنما هي حروف ميتة لا تدخلها الحركات، فلما وقعن بعد الألف همزن ولم يظهرن، إذ كن لا أصل لهن في الحركة، قال: فلو ظهرن في الجمع متحركات كانت الحركة ستدخلهن في غير الجمع في بعض المواضع. يعني في مثل ما إذا خففت خطيئة ومقروءة، فلو جاز أن تحرك حرف المد لخففت الهمزة بإلقاء حركتها على حرف المد وحذفها كما تفعل في الصحيح، وهذا لا يجوز، لبطلان الغرض الذي سيقت له من المد، لأن الحركة تذهب عنها المد، فلما كان تحريك حروف المد لو قيل: عجاوز وصحايف يؤدينا إلى تحريكها في موضع آخر سدوا هذا الباب، فأتوا بالهمزة بدلا منها محافظة على ما فيها من المد.
وكلام الناظم في هذا الإبدال على ظاهر ما قال فيه، إذ ليس في حروف المد غير ما قال، كما كان فيما تقدم من المسائل، إلا أن عليه في هذا التقرير دركا في قوله:(والمد) لأنه لا يخلو أن يريد به المد كيف كان من تمكين أو لين مع مجانسة الحركة أو عدم المجانسة، فيدخل عليه كل واو أو ياء ساكنة كان ما قبلها من الحركة ليس من جنسها؛ لأنها إذا كانت على هذا الوصف ففيها مد، ولذلك لا يقع قول أو سيل في قافية مع وَبْل أو جهل، لما في الواو والياء من المد، ولأجل ذلك أيضا يجمع بين ساكنين في نحو أصيْمّ وقميْدّ في أصمّ وقمدّ، فتقول على هذا في عشوزن: عشائر [عشازن]، وفي عدولى -إن حذفت الألف-: عدائل، وهذا لا يكون، وإنما تقول: عشاوز، وعداول، وكذلك ما أشبهه، لا تهمزه البتة، أو يريد به المد الذي هو التمكين دون ما هو لين، ولا يكون ذلك إلا مع مجانسة الحركة. وهو الذي يظهر منه كما تقدم تفسيره، فيخرج عنه همز الياء في نحو كليبة وجريرة [حريرة] علمين منقولين إلى العلمية بعد حصول التصغير، فإنك إنما تقول: كلائب وحرائر بالهمز، وذلك كله لأجل أن المعتبر في حرف اللين إنما هو السكون والزيادة في الواحد خاصة ولا مبالاة بحركة ما قبله، فيستثنى منه ما جر فيه الحكم إلى تقدير الحركة كعشوزن وعدولى؛ لأنك لما حذفت النون والألف لإقامة بنية التكسير لم يكن بد من تقدير تحريك الواو لتصير عشوز وعدول، كجهور وجدول، لأن مثل عَدَوْل وعَشَوْز غير موجود، فصارت الواو بهذا التقدير متحركة، فيفعل بها ما يفعل بالمتحركة من
تصحيحها، بخلاف كلائب في كليب وحرائر في حرير، فإن الياء لم تتحرك قط لفظا ولا تقديرا، فوجب الهمز، وأصل هذه المسألة فيما رأيت لابن جني في الخصائص، لما تكلم في فك الصيغ، على نقل عشوزن في التكسير من عشوز إلى عشوز، أخذ يستدل على هذا بأنه لو كسره وهو (على) ما كان عليه من سكون واوه دون أن يكون قد حركها لوجب عليه همزها، وأن يقال: عشائز، لسكون الواو في الواحد كسكونها في عجوز ونحوها، قال: فأما انفتاح ما قبلها في عشوز، فلا يمنعها الإعلال، وذلك أن سبب همزها في التكسير (إنما هو) سكونها في الواحد لا غير، فأما اتباعها ما قبلها وغير اتباعها إياه فليس مما يتعلق عليه حال وجوب الهمز أو تركه. ثم استدل على هذا أيضا بقولهم في ألندد: أليدّ، لأنك لما حذفت النون للتصغير بقي ألدد، وهو مثال منكور، فيصير إلى مثال غير منكور وهو أفعل، فلما صار إلى ذلك أدغمه، فصار كألدّ مذكر لداء، فعامله معاملته، قال: فلذلك قالوا في تحقيره أليدّ، فأدغموه ومنعونه الصرف، هذا ما قال، وهو ظاهر كما ترى.
والجواب أن يقال: أما القسم الأول فهو غير داخل عليه؛ لأنه عبر بالمد، والمد على حقيقته إنما هو في تلك الحروف إذا كان ما قبلها من جنسها، وأما إذا خالفها فإنما فيها بعض اللين المشبه للحركة، ولذلك لا تقع الياء ولا الواو
المفتوح ما قبلهما في قافية مع التي قبلها من جنسها، فلم يرد إلا ما فيه حقيقة المد. وأما الثاني فالظاهر لزومه، والله أعلم.
وقوله: همزا يرى في مثل كذا، ضمير (يُرى) عائد على المد، وإنما يريد بذلك ما كان منه موجودا - في بنية التكسير، فإن المدة التي اجتمعت فيها هذه الشروط على قسمين:
أحدهما: أن تقوم بنية التكسير مع وجودها كجهور وجدول (وعثير)، وسائر أشباه ما تقدم، فهذا الذي أراد.
والثاني: ألا تقوم بنية التكسير إلا بحذفها، إما وجوبا وإما تخييرا، نحو: أُباتر، إذا جمعته فإنه لا بد لك من حذف الألف لتقوم بنية التكسير، فتقول: أَباتر، فلا يبقى للمدة هنا ذكر، وكذلك جُخادب وعُذافر، وكذلك إذا جمعت حبارى -على من قال في تصغيره: حبيرى، بحذف الألف الأولى- فقلت: حَبارى، لم تدخل مراده، وكذلك ما أشبهه مما تحذف فيه المدة، فلا كلام له إلا فيما تبقى فيه المدة في الجمع، وربما نبه على ذلك بالمثال، وهو القلائد، جمع قلادة. فيريد في مثل هذا الجمع الذي تبقى فيه المدة التي كانت في المفرد، فعلى هذا لا يوجد هذا الحكم إلا فيما
جمع على فعائل من الثلاثي الأصول، وأما ما كان رباعي الأصول أو ملحقا به فلا بد من حذف المدة.
* * *
كذاك ثاني لينين اكتنفا
…
مد مفاعل كجمع نيفا
هذا موضع رابع من المواضع التي تبدل فيها الهمزة من حروف اللين، ويريد أن مفاعل وما أشبهه من الجمع إذا اكتنف ألفه حرفا لين فإن ثاني الحرفين يبدل همزة وجوبا، وإنما قال:(لينين) ولم يقل: (مدين) ولا (حرفي مد)؛ لأنه لا يريد ما كان فيه المد فقط، وذلك ما كان (ما) قبله من جنسه، وإنما يريد ما هو أعم من ذلك، ومعنى (اكتنفا) هنا: أحاطا، أي أحاط ذانك اللينان بالمد الذي في مفاعل، وهو الألف، فكانا في كنفيه، أي: في جانبيه من ههنا وههنا، والكنف: الجانب، وكنافا الطائر: جناحاه؛ لأنهما يكتنفانه.
وهذا العَقْد يتعلق به مسائل:
إحداها: أن حرفي اللين لم يقيدهما بشيء، وذلك يقتضي أنهما قد يكونان معا واوين أو ياءين أو أحدهما واو والآخر ياء، على وجهين، فالحاصل أربعة أقسام، فأما الواوان فنحو أول وأوائل، أصله أواول، وكذلك إذا بنيت مثل فوعل من القول، فقلت: قوَّل أصله قوول، ثم جمعته لقلت: قوائل، أيضا
وأصله قواول، وأما الياءان فنحو: خيِّر وخيائر، وعيل -وهو الفقير، من عال يعيل إذا يعيل [كذا]: إذا افتقر- الجمع: عيائل والأصل (عيايل) وخياير، (ومثل) فيعل من البيع تقول فيه: بيائع، وأما الواو والياء مع تقدم الواو فنحو) صوائد في جمع صائدة، من صادت تصيد ونحو بوائع في جمع فوعل من البيع، وأما مع تقدم الياء فنحو حيز وحيائز، لأنه فيعل من حاز يحوز، وكذلك صيب من صاب يصوب وصيائب، قيائل جمع فيعل من القول.
فهذه الأوجه الأربعة مضمنة في إطلاقه اللينين وجميعها عنده محكوم عليه بإبدال ثانيهما همزة، والحكم الشائع ذلك إلا أن يشذ الشيء فيحفظ كقولهم في ضيون: ضياون، وكان القياس أن يقال: ضيائن، وظهر من هذا اتباعه لمذهب الخليل وسيبويه والجمهور.
وقد ذهب أبو الحسن إلى أن هذا الإعلال في ثاني اللينين مختص باكتناف الواوين كأوائل، وكان يقول في جميع فيعل من القول قياول، وفي فوعل من البيع: بوايع، وفي خير: خياير، ولا يهمز، وما ذهب إليه الناظم أرجح للقياس والسماع.
أما القياس فإن أصل هذا كله قواول وبيايع، فلما وقعت الألف بين حرفي علة وهي شبيهة بهما، والثاني من حرفي العلة يلي الطرف، وذلك
(مما) يضعفه، هربوا من ذلك إلى الهمزة، ولا فصل بين الياءين والواوين، وبين الياء والواو. قال ابن جني: وأصل التغيير إنما هو لما اجتمعت فيه واوان كأوائل، أصله أواول، فالألف بينهما حرف كالنفس ليس بحاجز حصين، ووليت الأخيرة منهما الطرف - همزوها كما يهمزون الأولى من الواوين إذا وقعتا في أول الكلمة نحو أواصل في جمع واصل، ثم شبهوا الياءين والواو والياء، بالواوين؛ لأن فيهما ما فيهما من الاستثقال، فهمزوا لذلك.
وأما السماع فقال المازني: سألت الأصمعي عن عيل، كيف تكسره العرب؟ فقال: عيائل يهمزون كما يهمزون في الواوين. فقال ابن جني: فإن قال قائل: إن همزهم عيائل من الشاذ فلا ينبغي أن يقاس عليه. قيل: إنما يكون هذا شاذا لو كنت سمعتهم لم يهمزوا نظيره في كثير من المواضع ثم رأيتهم قد همزوا عيائل فبذا كان يمكن أن يقال إن همزهم شاذ (فأما) ولم نرهم صححوا نظيره تصحيحا، وفي الياء ما في الواو من الاستثقال في كثير من المواضع، فليس لك أن تحكم بشذوذه، فإذا جاء السماع بشيء وعضده القياس فذلك ما لا نهاية وراءه .. وحكى أبو زيد أنهم يقولون: سيقة وسيائق، وأما أبو الحسن فزعم أن الهمز غير مطرد في الياءين، ولا في الياء
والواو، وقال: إنما ينبغي أن يطرد في الواوين فقط؛ لأن اجتماع الواوين ليس كاجتماع الياءين، ولا كاجتماع الواو والياء، ألا ترى أن الواوين إذا اجتمعا أولا قلبت الأولى همزة، ولا يكون ذلك في الياءين كبَيْنٍ: اسم موضع، ولا في الواو والياء كويح. قال ابن الضائع: نظرُ سيبويه أسدُّ؛ لأن الواوين غير أول يجتمعان أيضا، وكما سمع أوائل سمع أيضا عيائل، والسماع واحد، والقياس متقارب.
المسألة الثانية: أنه يقيد حرفي اللين بزيادة أو أصالة، فدل ذلك على أن الحكم معهما من إبدال الهمزة من ثانيهما ثابت، اتفق أن يكونا أصلين أو زائدين، أو أحدهما أصل والآخر زائد، وهو إطلاق صحيح، قال سيبويه: وإذا التقت الواوان على هذا المثال فلا تلتفتن إلى الزوائد وغير الزوائد، ألا تراهم قالوا: أول وأوائل، فهمزوا ما جاء من نفس الحرف، فأما كونهما معا أصلين فنحو أول، فإن الواوين معا أصلان، فإن وزنه أفعل، وهو من باب (يين) وأما كونهما معا زائدين فلعله لا يوجد، وأما كون الأول زائدا دون الثاني فنحو صوائد جمع صائدة، وخيائر جمع خير، وأما العكس فنحو قوائل في جمع فعول من القول، فإطلاقه يؤذن بأن الحكم هنا في الإبدال مخالف له في المسألة التي قبل هذه، حيث اشترط هنالك في حرف المد الزيادة ولم يشترط ذلك هنا.
المسألة الثالثة: أنه أتى بمفاعل الذي هو من أبنية الجمع ومثله بجمع نيف، فدل ذلك عنده (على) أنه مختص بالجمع لا حظ له في
المفرد، وجميع ما تقدم إنما هو في الجمع، وأما المفرد فمفهومه أن هذا الحكم لا يكون فيه. فإذا بنيت فواعل من القول قلت على مقتضى هذا: قواول، فلا تهمز، أو من البيع فتقول: بوايع، فلا تهمز أيضا، وكأن الحجة في هذا أن الجمع هو الذي جاء فيه السماع، فقيل بالقياس فيه، وأما المفرد فلم يأت فيه شيء فلا يتعدى به الأصل، وهذا ما يظهر من كلامه، وفيه نظر؛ لأن النحويين في هذه المسألة بين قائلين: قائلٍ يقصر هذا الحكم على ما اكتنف فيه ألف الجمع واوان، فلا بد عنده من شرطين، أحدهما أن تكون المدة ألف جمع، والآخر: أن يكون المكتنفان واوين. وقائلٍ لا يشترط شيئا من ذلك، بل الحكم جار عنده في الجمع والمفرد المشابه له، كفواعل من القول أو من البيع، كما تقدم، فتقول فيهما: قوائل وبوائع، فتهمز بلا بد عند أصحاب هذا القول. فإذا كان الخلاف هكذا ثبت أن ما اختاره الناظم مذهب ثالث، وهو الفرق بين الجمع والمفرد، فيهمز في الجمع دون المفرد، وقد تقدم وجهه، ولا يستنكر مثل هذا للناظم، فقد تقدم في هذا الشرح من هذا النحو بعض مواضع، وليس إحداث قول ثالث في المسألة بخرق إجماع عند طائفة من الأصوليين، لا سيما إن كان القول المحدث لا يرفع ما اتفقوا (عليه كهذا الموضع، فإنه مفصل في القولين، فيوافق الأخفش في نفي الحكم) عن المفرد، ويوافق سيبويه في إثباته في الجمع مطلقا، فكل قول لا يرفع ما اتفقوا عليه فقد أجاز إحداثه طائفة ممن منع الإحداث، وهو الذي اختار ابن الحاجب، وقد يمكن أن يكون الناظم لم يتعرض للمفرد ولا قصد إخراجه عن الحكم، بل سكت عنه لأنه معدوم في السماع
بخلاف الجمع فإنه قد سمع، فيكون إنما تعرض للمسموع وسكت عن غيره، فلا يوجد له خلاف، ويكون المفهوم فيه معطلا لكون الغالب أن هذا الحكم لا يكون إلا في الجمع، وهذا قد ينتهض اعتذارا والله أعلم.
المسألة الرابعة: أن قوله (كجمع نيفا) تمثيل لمفاعل، فإن جمع نيف نيائف، فهو مما اكتنف فيه الألف حرفا اللين، فوجب همز الثانية.
و(نيفا) منصوب على المفعولية بجمع؛ لأن جمعا في كلامه مصدر مقدر بأن والفعل، أي: كأن تجمع هذا المثال الذي هو نيف فتقول: نيائف، فهو كقوله تعالى:{أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما} وأنشد سيبويه:
فلولا رجاء النصر منك ورهبة
…
عقابك قد صاروا لنا كالموارد
ومعنى النيف الزيادة، وأصله من الواو، يقال: عشرة ونيف، (ومائة ونيف)، وكل ما زاد على العقد فهو نيف حتى يبلغ العقد الذي يليه. وقد نيف فلان على السبعين، أي: زاد عليها، وكذلك أناف على السبعين، وقال بعضهم: النيف إن زاد على المائة فكأنه عشرة (أو أقل)، فإن كان مع الألف احتمل عشرة وأكثر. ثم هو مع العدد على قدر ذلك، كلما كثر كثر به، وفرق بينه وبين البضع، فإنه لا يقال إلا مع العشر والعشرين
إلى الستين، ولا يقولون: بضع ومائة، ولا بضع وألف، بخلاف النيف، كما ذكر، والبضع: ما بين الثلاثة إلى التسعة.
وإذا تقرر هذا فقد تضمن هذا التمثيل وصفين بوجودهما يجب إبدال ثاني اللينين همزة.
أحدهما: ألا يكون حرف اللين الثاني بدلا من همزة كما تقدم في الأمثلة، وهو الذي اتصف به نيف الذي مثل به، نَيْوِف كهين وميت، فلو كان ذلك الحرف بدلا من همزة لم يجز إبداله همزة كحوايا في جمع حوية وحيايا في جمع حيية، فإن الياء الثانية فيهما مبدلة من همزة، إذ الأصل أن تقع في موضع هذه الياء همزة فعائل المبدلة من المدة الثانية في المفرد كمدائن في جمع مدينة وسفائن في جمع سفينة، فيقال: حوائي، وحيائي، وكذلك سائرها، ثم أبدلت الهمزة ياء لعلة تأتي إن شاء الله، فلو قلبوا الياء همزة لكانوا قد رجعوا إلى ما منه فروا، وذلك نقض الغرض، وهو ممنوع عندهم.
والوصف الثاني أن يكون حرف اللين الثاني يلي الطرف، ولا يكون بينه وبين الطرف فاصل تحقيقا ولا تقديرا، وذلك ظاهر في نيائف، إذ لا فاصل بين واو نياوف وبين الطرف لا تحقيقا، إذ ليس بموجود، ولا تقديرا، إذ ليس الأصل يناويف، وعلى هذا الحد جرى ما تقدم من المثل. فلو كان بينهما فاصل لم يجز الهمز نحو طواويس في جمع طاووس، وعواوير في جمع عُوَّار، ونواويس (في جمع نَوَّاس)، وسوايير في جمع سايور، وكذلك ما أشبه
هذا لا يبدل فيه حرف اللين همزة لبعده من الطرف، فقوي بذلك عن أن يعتل، كما قوي صُوَّام عن أن يعتل لفصل الألف بينه وبين الطرف، بل صح عند من يقول: صُيَّم. فالخلاف الذي بين سيبويه والأخفش يرتفع ههنا. وكذلك إن كان القياس الفصل لكنه ذهب في ضرورة الشعر، فحكم التصحيح باقٍ؛ لأن الفصل حاصل، في التقدير نحو ما أنشده سيبويه من قول الشاعر:
وكحل العينين بالعواور
أصله: العواوير؛ لأنه جمع عوار، فاعتبر الأصل فترك الهمز؛ لأن المحذوف في حكم الموجود، كما اعتبروا الأصل في رُويا، ونُويٍ، حين خففوا فلم يقلبوا الواو ياء اعتبارا بالأصل، ومثل هذا كثير، وعلى هذا إذا انعكست الضرورة فاضطر الشاعر إلى مد مثل أوائل لقال: أوائيل، فترك الهمزة بحالها، (وإن كانت الياء المزيدة قد حجزت بين العين واللام؛ لأنه لما أراد أوائل فمد مضطرا ترك الهمزة بحالها) لأن الأصل القصر، كما ترك الواو في عواور؛ لأنه عواوير، فلم يعتد بحكم الاضطرار في الموضعين، قاله ابن جني، وهو قياس صحيح، وقد أنشد قول الراجز
الذي أنشده سيبويه:
فيها عيائيل أسود ونُمُر
بالهمز، وفيه حجة لهذه الطريقة.
وقال السيرافي: إن مد في الضرورة جمع عيل فينبغي ألا يهمز وأنشد:
فيها عياييل ..
على رواية ترك الهمز، والقياس قول ابن جني، ويكون عياييل -على ما قال الأعلم- جمع عيال أو جمع عيل، لكن على عدم اعتبار الأصل، فقد قال ابن خروف في العواور في البيت: لو لم ينو الياء لهمز.
فإن قلت: هل يدخل تحت كلام الناظم همزُ نحو أوائيل في الاضطرار كما قاله ابن جني؟
فالجواب: أن تمثيله لا يعطيه بنصه وإنما يعطيه بمعناه، إذ التقدير القياسي كالمنطوق به، لكن قد يقال: إذ كان مفهوم هذا الشرط الذي هو عدم الفصل اقتضى أن الفصل مانع دخل له في المانع للهمز الفصل الاضطراري، فاقتضى أنك إذا قلت: أواييل، لم تهمز؛ لوجود الفاصل حسا، وهذا على خلاف ما قرر ابن جني، ولعله في ذلك على مذهب السيرافي القائل بأن الفصل مطلقا يمنع الهمز ويستشهد بالعياييل، والله أعلم.
ثم أخذ يذكر ما يعرض لهذه الهمزة المبدلة من حرف العلة في النوعين
المذكورين إما لكونه مدة في الواحد، وإما لكونه ثاني لينين اكتنفا مد مفاعل، فقال:
وافتح ورد الهمز يا فيما أعل
…
لاما وفي مثل هرواة جعل
واوا، وهمزا أول الواوين رد
…
في بدء غير شبه ووفي الأشد
يعني أن الهمزة المذكورة تبدل ياء وتبدل واوا، فأما إبدالها ياء ففي كل ما كان معتل اللام بعد ما تفتح تلك الهمزة، والألف واللام في الهمز لتعريف العهد في الذكر، والذي تقدم له ذكره من الهمز ما كان عارضا في الجمع من ياء أو واو أو ألف، وذلك في المسألة المتقدمة آنفا، وفيما قبلها، فإذا وضع المسألة في الهمزة العارضة في الجمع فإنها إن كانت غير عارضة لم تبدل ياء، فجواءٍ في جمع جائية لا يقال فيه: جوايا، ولا في: نواءٍ: نوايا، وهو جمع نائية، لأن الهمزة فيه أصلية، من جاء يجيء، وناء ينوء، وكذلك ما أشبهه، ووجه التصحيح ظاهر، فإن الإعلال أبعد عن الأصلية منه عن العارضة، وأيضا فإنهم أرادوا التفرقة كما سيأتي، وما جاء على خلاف التصحيح فشاذ، نحو قولهم (في) جمع مرآة: مرايا، والقياس فيه مراءٍ، قال الراجز:
مثل المرايا زلقات الأقطار
وكذلك إن عرضت في المفرد فلا تبدل ياء، فلو بنيت فُواعلا من طويت وشويت لقلت: طُواءٍ وشواء. وكذلك في بناء فُعائل من مطوت [طويت] ورميت تقول:
مطاء ورماء، وكذلك فُعائل من حييت أو غير ذلك من المعتل، لا تقول فيه: طُوايا ولا مُطايا ولا حُيايا، ولا ما أشبه ذلك، وهذا صحيح، وقد علل ذلك سيبويه بوجهين:
أحدهما أن هذه الهمزة ليست بعارضة في جمع، وسبب الإبدال عروضها في الجمع كما تقدم، وإنما هي بمنزلة مفاعل من شأوت إذا قتل: مشاءٍ، وبمنزلة فاعل من جئت إذا قلت: جاءٍ؛ لأنها لم تخرج إلى مثل مفاعل من الجمع، فهمزتها بمنزلة همزة فعالٍ من حبيت، أي ليست بعارضة، وإنما هو بمنزلة ما هو من أصل الكلمة، ولذلك تجمعها على مطاء ولا تقول: مطايا.
والثاني: أنك لو قلت: رُمايا ومُطايا لالتبس بالمفرد؛ لأن المفرد يكون على فُعالى نحو حبارى وحلاوى ونعامى، بخلاف فَعالى فإنه لا يكون على زنته مفرد، فأمنوا الالتباس في الجمع فأعلوا، ولم يأمنوه في المفرد فلم يعلوا. فلمجموع هاتين العلتين لم يحكموا للمفرد بحكم الجمع، وإلا فكان للقائل أن [القائل قد] يقول: إذا كانوا قد عاملوا المفرد في نحو فواعل من القول معاملة الجمع فهمزوا الواو الثانية، فهلا عاملوا المفرد هنا معاملته في قلب الهمزة، فيقال في الجواب ما تقدم من العلتين.
ثم شرط في هذا الحكم اعتلال اللام بقوله: (فيما أعل لاما) يريد أن محل هذا الإبدال ما كانت لامه معتلة، فإن كانت لامه صحيحة لم يتعد ما تقدم له من ثبوت الهمزة نحو: رسائل، فلا يقال فيه رسايل، ولا في أوائل: أوايل، لأن لاماتها صحيحة، والاعتلال الذي أراد هو أن يكون ياء غير منقلبة عن شيء كهدية وهدايا، ورمية ورمايا وبقية وبقايا، أو منقلبة عن واو نحو: مطية ومطايا، وألية وألايا، قال كثير:
قليل الألايا حافظ ليمينه
…
وإن سبقت منه الألية برتِ
أو تكون همزة كخطيئة وخطايا ورزيئة ورزايا. وقال المازني: لو بنيت مثل فعيلة من جئت وسؤت كنت قائلا في تكسيره: جيايا وسوايا، وما أشبه ذلك، ولم يخرج من هذا الحكم إلا ما استثناه هو من جمع إداوة ونحوه، مما لامه واو قبلها ألف ظاهرة، فهذا هو الذي قصد، إلا أنه يُنظر في قصده بالإعلال، إذ لا يخلو أن يريد بقوله:(فيما أعل لاما) كون اللام قد دخله الإعلال كما كان ذلك مراده في قوله قبل: (وفي فاعل ما أعل عينا ذا اقتفي) أو يريد ما آخره حرف علة مطلقا، وحروف الاعتلال معروفة، فإن أراد الأول فيصح ويدخل له فيه ما لامه همزة أو واو أو ياء، لأن كل واحد من هذه الحروف يعتل في فعائل، أما الهمزة إذا كانت لاما فلا بد من إعلالها؛ لأنها تجتمع مع الهمزة العارضة في الجمع فيصير خطيئة إلى خطائئ
فلا بد من إبدال الثانية ياء، حذرا من اجتماع الهمزتين، فقد اعتلت الهمزة إذا، ثم إذا تقلبت ياء فإنها تقلب إذا قلت: خطاءَيُ، وكذلك الياء الأصلية والمبدلة من واو، فعلى كل تقدير ما آخره أحد هذه الأحرف إذا جمع على فعائل لزمه إعلال آخره، فكلامه على هذا التقدير صحيح.
وإن أراد الثاني، وهو ما آخره حرف علة، فهذا يمشي (له) فيما آخره ياء أو واو، وأما ما آخره همزة فليست الهمزة عندهم من حروف الاعتلال؛ ألا ترى أنها تجري بوجوه الإعراب مطلقا، وتكون الكلمة معها تجري مجرى ما آخره حرف صحيح، فيظهر إذًا -على هذا الوجه- أن يكون ما آخره همزة خارجا عن قاعدته، وهو خطأ محض، إذ الجميع في هذا الحكم على حد واحد، كما تقدم تمثيله، وليس ثم من يفرق بين ما آخره همزة وما ليس كذلك. لكن يجاب عن هذا بأن الهمزة في باب التصريف معدودة في حروف الاعتلال، لأنها لا تكاد تستقر على حال واحدة لدخول التسهيل عليها بالحذف والإبدال والتخفيف بين بين، فصارت كالواو والياء والألف. وإنما تعد الهمزة كالحروف الصحاح في باب الإعراب لظهوره فيها وجريانها بوجوهه، فلذلك عدها في حروف الاعتلال، والله أعلم.
هذه شروط هذا الحكم المذكور، فإذا اجتمعت فُعِلَ بالكلمة ما ذكر من ترتيب الإعلال بعضه على بعض، إلا ما شذ من قولهم: غفر الله خطائِئَه، وقول
الشاعر، أنشده سيبويه:
له ما رأت عين البصير وفوقه
…
سماء الإله فوق سبع سمائيا
وشبهه. ثم في ذلك مسائلُ:
إحداها: أن الذي ذكر هنا إنما هو فتح الهمزة وإبدالها ياء، وذلك قوله:(وافتح ورد الهمز يا فيما أعل لاما)، فذكر أمرين: فتح الهمزة وقبلها ياء، ولم يبين ما الذي يتقدم على صاحبه منهما، فيحتمل أن يكون الفتح مقدما على قلب الهمزة ياء، فحين قالوا: خطائي كمرائي فتحو الهمزة أولا فصار خطاءا، ثم أبدلوها (ياء) فقالوا: خطايا، وهذا هو الذي يقوله النحويون ويجري على ألسنة المعربين. ويحتمل أن يكون إبدال الهمزة ياء مقدما على الفتح فيكون أولا خطائيُ، ثم خطايا، وهذا ترتيب ما قال الفارسي في الإيضاح، ولا نص في كلام الناظم على وجه الترتيب، إلا أن يعتبر تقديمه لما قدم فيكون على ما رتب الناس سوى الفارسي أو يكون عطف بالواو التي لا تفيد رتبة إشعارا بأنك مخير، أي الأمرين قدمت فهو حسن.
المسألة الثانية: النظر في ترتيب العمل في هذا الإعلال وما الذي يقتضيه كلام الناظم من ذلك، فأما ما آخره همزة نحو خطايا فأول أحواله
خطايْئ، (بياء ساكنة لا تقبل الحركة كما تقدم من قول الخليل، فقلبت همزة لما تقدم ذكره من التقاء الساكنين فصار خطائئ)، بهمزتين فقلبت الثانية ياء فرارا من اجتماعهما في كلمة فصار خطائي، ثم حولت كسرة الهمزة فتحة لما كانت عارضة في الجمع، وإنما حولت فتحة هنا لأنهم قد قالوا في مداري [مدارى] وفي معاي: معايا، فأبدلوا الكسرة فتحة مع أنه ليس في الكلمة همزة عارضة في الجمع، فلما عرضت في خطائي (همزة)، كان ذلك تغييرا لحق الكلمة فاجترئ عليها بعد ذلك، فألزمت الفتح تخفيفا، لأن الفتح أيضا تغير [تغيير] كما أنهم لما لزمهم حذف الهاء من حنيفة (في النسب) اجترءوا على حذف الياء أيضا فقالوا: حنفي وأيضا فإنهم أرادوا أن يكون بين الهمزة العارضة في الجمع والهمزة التي كانت في الواحد فصل، فغيروا الهمزة في خطايا وأثبتوها في جَواءٍ جمع جائية.
فإن قيل: فقد قالوا: قبائل وسفائن، فأقروا الهمزة وإن كانت عارضة في الجمع.
قيل: إنما صحت الهمزة في سفائن لأن اللام صحيحة فلم يمكن تغيير الهمزة، هذا تعليل ابن جني.
ثم نرجع إلى ترتيب العمل، فلما حولت الكسرة فتحة صارت خطاءَيُ، هكذا، فتحركت الياء وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفا على القاعدة الآتية بحول الله
تعالى، فصار: خطاءا، فاستثقلوا اجتماع همزة بين ألفين لأنها بمنزلة ثلاثة أمثال لاتحاد مخرجها، فأبدلوها ياء اعتبارا بالواحد فصار: خطايا، كما ترى، فهذه ست مراتب (في وجه الصناعة في هذه المسألة.
وأما ما آخره حرف علة غير الهمزة فله خمس مراتب)، يسقط من ذلك العمل بالهمزتين، فأول أحوال مطايا: مطائي، بياء ساكنة مجتمعة مع الألف، ثم مطائي، ثم مطاءَيُ، ثم مطاءا، ثم مطايا.
فإذا تقرر هذا فيقال: إن الذي ذكر الناظم من هذه المراتب أربع مراتب، الأولى والثانية ذكرهما في المسألة المتقدمة، وذكر هنا التحويل فتحة والإبدال ياء، وترك إبدال الهمزة الثانية ياء في خطائئ وقلبها ألفا بعد الإبدال. وإنما ترك ذكرهما لأن لكل واحدة منهما قاعدة جُملية يذكرها، فإحداهما قاعدة تسهيل الهمزة، والأخرى قاعدة انقلاب الواو والياء ألفا لتحركهما وانفتاح ما قبلهما. هذا وإن كانت هاتان المرتبتان في أثناء الترتيب فإن كل مرتبة تجذبها قاعدتها فتعمل فيها ما تقتضيه.
المسألة الثالثة: النظر في وجه هذا العمل الذي ذكر، وعلى أي مذهب هو؟ فالذي لا يشك فيه من مذهبه أنه على مذهب الجماعة من أن هذه الهمزة المبدلة ياء إنما هي العارضة في الجمع، لأنه قال:(ورد الهمز يا فيما أعل لاما)، فأحال على الهمز المتقدم المعلوم، ولا همز فيما تقدم إلا العارض (في) الجمع، ونقل عن الخليل خلاف هذا، وأن خطايا ورزايا ونحوهما مما لامه
همزة قد قلبت لامه التي هي الهمزة إلى موضع ياء فعيلة، وكأنها في التقدير: خطائي، ثم قلبت الهمزة فصارت في موضع الياء فصار: خطائيُ، فأبدلت الكسرة فتحة، وعمل بها ذلك العمل المتقدم، فحمله على القلب كما ترى، قال ابن جني: (وكأن الخليل إنما ذهب إلى القلب في هذا لأنه قد رآهم قلبوا نظيره مما لامه صحيحة نحو ما أنشد سيبويه:
تكاد أواليها تفرَّى جلودها
…
ويكتحل التالي بمور وحاصب
أراد أوائلها فقلب.
وقال الآخر:
وكأن أولاها كعاب مقامر
…
ضربت على شُزُن فهن شواعي
أراد: شوائع، وقال الآخر:
لقد زودتني يوم قو حزازةً
…
مكان الشجا تجول حول الترائق
أراد: التراقي، قال: فله أن يقول: إذا قلبوا فيما اللام فيه صحيحة فهم (أن) يقلبوا فيما اللام فيه معتلة أجدر، قال: ولأن القلب ضرب من الإعلال، والإعلال إلى المعتل أسبق منه إلى الصحيح). وقد رجح مذهب الجمهور بوجهين:
أحدهما: أنه قد حكي عنهم: غفر الله خطائِئَه، بوزن خطاععه، وحكى أبو زيد: دريئة ودرائئ، بوزن دراعع، وخطيئة وخطائئ، فنطقوا كما ترى بالهمزتين، كما ذهب إليه غير الخليل، ولو كان على ما قاله لم يكن ثم همزة ثانية البتة.
والثاني: وهو إلزام سيبويه لمن قال بالقلب أن هذا التغيير إنما ثبت في هذا النحو للهمزة العارضة في الجمع (كما تقدم)، بخلاف الهمزة الموجودة في المفرد فإنها لا تغير بل تبقى على حالها، فيقال في جمع جائية جواءٍ لا جوايا، وقد صارت الهمزة على قول الخليل هي الثابتة في المفرد وليست بعارضة في جمع، فكان الواجب أن يقال في خطايا: خطاءٍ وفي رزايا: رزاءٍ، كما يقال: جواء وسواء في جمع جائية وسائية.
وقد أجاب الفارسي عن هذا الأخير إذ سأله ابن جني عنه فقال: (إن) اللام لما قدمت فجعلت في موضع الهمزة العارضة أشبهتها، فجرى عليها حكمها، فغيرت كما تغير العارضة في الجمع، كما تقول في جمع قوس: قسي، وأصله قووس، ولكنهم أخروا العين إلى موضع اللام، فكان يجب أن تصحح لأنها عين الفعل، فيقال: قُسُوٌّ، ولكنهم لما أخروها إلى موضع اللام أعلت كما تُقل [تعل] اللام، فجرى قسي مجرى عتي، وكذلك الأمر هنا، وهذا الاعتذار من
الفارسي (قد يصح) أن يكون توجيها لمسموع لا إثبات لقياس، فالظاهر ما ذهب إليه الناظم والجماعة.
وأما قلب الهمزة واو [واوا] ففيما آخره واو قبلها ألف، وذلك قوله:(وفي مثل هراوة جعل واوا)، يعني أنه يستثنى مما تقدم ما كان آخره كآخر هراوة فتجعل الهمزة العارضة في جمعه واوا لا ياء، ولا شك أن هراوة فيه وصفان، وهما:
كون الواو صحيحة لم تعتل، وكونها بعد ألف، فكذلك يشترط فيما فيه هذا الحكم لأنه اشترط المماثلة لهراوة، فأما كون الواو صحيحة فلا بد منه تحرزا من نحو مطية ومطايا، فإن أصلها مطيوة فعيلة من مطا يمطو، فكان الأولى مثلا (أن يقال) مطاوَى، من أجل القصد الذي قصدوا في هراوَى، لكنهم لما كانوا قد أعلوه في الواحد بقلبه ياءً وإدغامِ الياء في الياء عاملوه معاملة ما أصله الياء، فقالوا: مطايا. فإذا ما جاء على خلاف هذا فمحفوظ نحو: شهية وشهاوى، وكان الأصل شهايا، لأنه كمطية، لكنهم اعتبروا الأصل فيها ولم يعتبروا إعلالها. وقد حكى ابن جني أيضا: مطية ومطاوى. ويحتمل أن يكون شهاوى جمع شهوى، فيكون على القياس. قال المازني:(فإن قال قائل: شهاوى جمع شهوى، فقد قال قولا يجوز)، وقواه ابن جني بقول العجاج:
فهي شهاوَى وهو شهواني
وقال: معنى شهواني (شهوان)، وهو مذكر شهوى.
وأما وقوعها بعد ألف فتحرز من نحو عدوة، فلا يقال فيه على هذا عداوى، وكذلك ما أشبهه؛ لأن الألف لم تقع قبل الواو الصحيحة. وقد اعتبر هذا الشرط في التسهيل أيضا فقال:(مجعولة واوا إن سلمت في الواحد بعد ألف)، وهذا الشرط لم يشترطه غيره، وإنما اشترطوا صحة الواو في الواحد خاصة، فيقال (على) هذا القول في فعول من شأوت: شآوى، وعداوى في عدوة، وقد حكى سيبويه: فلوة وفلاوى. وكأن إنما اشترط هذا (الشرط) لأنه محل السماع الفاشي، ومحل نصوص الأئمة، فاقتصر عليه. وكلام سيبويه محتمل للقياس فيه ولعدم ذلك، ألا تراه بعد ما قرر القياس في إداوة ونحوه قال:(وقالوا: فلوة وفلاوى، لأن الواحد فيه واو، فأبدلوه في الجمع واوا) فيمكن أن يريد أن هذا لاحق في القياس بذلك، ويحتمل أن يكون توجيهه توجيه سماع، ولعل الناظم نحا هذا النحو؛ لأن العادة لسيبويه إذا قال بعد تقرير القياس: وقالوا: كذا، أنه لا يقيسه. فإذا اجتمع الشرطان صح جريان الحكم المذكور من إبدال الهمزة واوا نحو: هراوة وهراوى، وهو ما مثل به. والهراوة: العصا الضخمة، ومن مثله: إداوة وأداوى، وغباوة وغباوى، وشقاوة وشقاوى، وعلاوة وعلاوى.
وقد ظهر من هذا أنه لم يرتض مذهب الأخفش في إبدال ياء نحو هدية واوا، فإنه يقول في هدية: هداوى، وفي رمية: رماوى، وكذلك ما أشبه ذلك مما لام ياء، والقياس القلب إلى الياء كما تقدم. وما اختاره الأخفش مخالف للسماع، وما جاء من هداوى في جمع هدية وأشاوى في جمع أشياء فشاذ لا يقاس عليه.
وإنما أبدلت هنا واوا ولم تجر مجرى ما تقدم؛ لأنه لما ظهرت الواو في الواحد أرادوا أن يظهروا في التكسير ما كان في الواحد، فلم يمكنهم أن يظهروا الواو بنفهسا، لأن الواو التي في أداوى بدل من الهمزة التي هي بدل من ألف إداوة، فأبدلوا من الهمزة التي عرضت في الجمع واوا؛ لأن ذلك موضع تثبت في مثله الواو. قال ابن جني: وإنما فعلوا ذلك لأن اللام إذا كانت واوا رابعة فصاعدا فقد كثر قلبهم إياها إلى الياء نحو أغزيت واستغزيت ومغزيان وملهيان، وغازية ومحنية، فأظهروا الواو هنا من أداوى ونحوها ليعملوا [ليعلموا] أن الواو في إداوة وإن كانت رابعة فإنها كانت صحيحة غير منقلبة وإذا كانوا قد راعوا الزائد في الجمع نحو ياء خطيئة حتى قالوا: خطايا، فهم بمراعاة الأصل أجدر.
ثم قال الناظم: (وهمزا أول الواوين رد) .. إلى آخره، هذا موضع خامس من المواضع التي يبدل فيها حرف العلة همزة. رُد -هنا- بمعنى صَيِّر أو
أبدل، ولا أتحقق الآن هذا لغة، فانظر فيه. والرد ههنا يتعدى إلى مفعولين أولهما قوله: أول الواوين، والثاني قوله: همزا. و (في بدء) متعلق باسم فاعل محذوف حال من أول الواوين، أي: رد أول الواوين كائنا في بدء كذا همزا، ويريد أن الواوين المجتمعين في بدء الكلمة يجب أيضا إبدال السابقة منهما همزة إلا ما استثنى. هذا معنى كلامه في الجملة، إلا أن التفصيل يقتضي النظر في مواضع:
أحدهما: أنه قال: (أول الواوين) فجعل الحكم متعلقا بالواوين المجتمعتين خاصة، وقصرُ ذلك يؤذن باختصاص الحكم بذلك دون ما يتصور من اجتماع حرفي العلة، وذلك لا يخلو من أوجه ثلاثة:
أحدها: أن يكونا معا واوين، كما قال، ولا إشكال في تعلق الحكم بهما كما سيذكر إثر هذا.
والثاني: أن يكونا معا ياءين كما لو بنيت مثل صيقل من اليسر فقلت: ييسر، أو من اليقظة فقلت: ييقظ، أو من يئس مثل يعسوب فقلت: ييئوس، (ومن ذلك في كلام العرب يَيْن، فكل ما كان على هذا النحو) لا تبدل منه الياء السابقة همزة.
والثالث: أن يكون أحدهما واوا والآخر ياء نحو: ويح، وويس، وويل، ويوم ويُوح، ومثل يعسوب من وعد إذا قلت: يوعود، أو فعيل منه
إذا قلت: ويعد، فمثل هذا لا تبدل فيه أول المعتلين همزة، وإنما يكون ذلك في الواوين نحو ما إذا بنيت مثل كوكب أو كوثر من وعد ووزن فتقول: أوعد وأوزن، وأصله ووعد ووزن، وكذلك إذا جمعت وافد فقلت: أوافد، ومثله قول الشاعر وهو عدي بن ربيعة، أو أخوه مهلهل:
ضربت صدرها إلي وقالت
…
يا عديا لقد وقتك الأواقي
فالأواقي جمع واقية، فكذلك إذا جمعت وافية وواعدة وواعية قلت: أوافٍ، وأواعد، وأواعٍ، وكذلك لو صغرت وأدا أو وأيا فقلت: وؤيد ووؤي، ثم سهلت الهمزة فأبدلتها واوا لوجب أن تقول: أويد وتقول في تصغير واو: أُوَيّ.
ووجه هذا الإبدال في الواوين مجموع أمرين:
أحدهما: أن التضعيف في أول الكلمة عزيز قليل، وإنما جاء منه أحرف معلومة نحو: ددن، وكوكب، وأكثر ما يجيء بالفصل بين الحرفين نحو: ديدن، وديدبون، ودودرى، فلما قل التضعيف بالحروف الصحاح في أول الكلمة امتنع في الواو لثقلها.
والثاني: أنهم لما كانوا يجيزون البدل في وجوه ونحوه، وهي واو مفردة، لأجل أنها بالضمة كالواوين كانوا خلقاء أن يلزموا الإبدال إذا وجد الواوان،
لأن واوين أثقل من واو وضمة. وأصل التعليلين لسيبويه، فالأول يشعر بعدم القلب في الواوين المتوسطيتين، والثاني يشعر بعدم القلب همزة في ييسر نحو بيطر من اليسر، وذلك لأن الياء إذا انضمت لم يجز قلبها همزة لخفتها، ولأن الضمة معها كواو قبلها (ياء)، والياء تشبه الألف، فصارت مثل عاود وطاول. وأيضا الياء أخف من الواو، ولذلك تقلب إلى الياء أكثر من العكس، كما إذا اجتمعتا وسبقت إحداهما بالسكون.
وإذا كان الأمر كذلك، فإذا اجتمع ياءان لم نجد لقلب الأولى موجبا إذ كانت الياء مفردة لا موجب لها، وكذلك إذا اجتمعتا، ألا ترى أنهم لم يحذفوا الياء الثانية في نحو ييسر وييبس لما كانت خفيفة وحذفوا الواو في يعد لثقلها في نفسها، وأما إذا اجتمعت الواو والياء فلا نجد للقلب موجبا، إذ كانت الواو مع الياء في يوم ونحوه كالياء مع الضمة، ولا أثر لها، والياء مع الواو في ويح ونحوه كالواو المفتوحة ولا أثر لها أيضا. وما (جاء) من نحو: أناة في وناة، وأجم في وجم، وأحد في وحد، شاذ يحفظ ولا يقاس عليه.
وإنما قلبت همزة ولم تقلب ياء ولا ألفا؛ لأن الألف ساكنة لا يبتدأ بها، والياء في اجتماعها مع الواو ثقل، فهربوا إلى حرف جلد يقرب من حروف العلة في المخرج ويجري مجراها في القلب والإبدال، وهو الهمزة.
الموضع الثاني: أنه شرط في هذا الإبدال أن تكون الواوان في بدء الكلمة لا في وسطها ولا في آخرها، فإنهما إن كانتا في غير الأول لم يسُغْ إجراء ذلك الحكم، مثاله: احووى، افعلَّ من الحوة، فلا يجوز أن تقول: احأوى، ولا احوأى، لفقد التصدير؛ لأن الاعتلال للأطراف أقرب منه إلى الوسط، وأيضا فإن تضعيف الأوساط كثير في كلامهم، فلم ينكر وقوعه في حروف العلة، قال سيبويه: وإذا قلت: افعللت -يعني من ذي الواوين- قلت: احوويت، تثبتان حيث صارتا وسطا، كما أن التضعيف وسطا أقوى نحو: اقتتلتا، فيكون على الأصل. وإذا كان طرفا اعتل، قال: فلما اعتل المضاعف من غير المعتل في الطرف كانوا للواوين تاركين، إذ كانت تعتل وحدها. ولما قوي التضعيف من غير المعتل وسطا جعلوا الواوين وسطا بمنزلته، فأجري احوويت على اقتتلت). قال السيرافي: جاز اجتماع واوين في احووى لما ذكر من قوة التضعيف من غير المعتل وسطا نحو: اقتتل، ولا يقال: ردد، فعُلم أن للتضعيف (في) وسط الكلمة مزية وقوة، فلذلك اجتمع الواوان حشوا وإن لم يجوزا في الطرف.
الموضع الثالث: أنه لم ينص في الواوين على الاجتماع، ولكن هو مأخوذ من قوة كلامه، ألا تراه قال:(في بدء غير شبه ووفي الأشد)، فمثل بالواوين
المجتمعتين، فدل (ذلك) على (أن) الاجتماع والملاصقة شرط فيما قرر من الحكم، فلو كانتا مفترقتين بفاصل فصل بينهما اقتضى ذلك أنه لا تبدل الأولى همزة، كالوسواس والوطواط، ونحو: واوٍ، وكما لو بنيت من واوٍ على فاعَلَ، على قول من جعله مما اجتمع فيه ثلاثة أمثال، فإنك تقول: واوَى، فلا تبدل الواو الأولى همزة إلا إن سمع على قول من قال في وناة: أناة، وأيضا لم ينص على اجتماعهما على صورتها، وإنما يؤخذ له ذلك من إشارة التمثيل بووفي، فيؤخذ له أيضا اشتراط بقائهما على صورتها، فأما الأولى فقد تبدل تاء فيكون ذلك عوضا من إبدال الهمزة منها نحو قولهم: تولج، أصله على مذهب الخليل وسيبويه: وولج، من الولوج، فأبدلوا التاء مكان الواو، لمكان اجتماعهما. وأما الثانية فقد تدغم فيما بعدها من ياء فلا يلزم إبدال الأولى همزة، قال سيبويه:(ومن (قال): رُيَّة -يعني إذا خفف رؤية- قال في فُعل من وأيت، فيمن ترك الهمز: وُيّ، ويدع الواو على حالها، لأنه لم يلتق واوان إلا في قول من قال: أُعِد). ويريد أن الواو وإن كانت منوية الظهور فإنها غير موجودة في اللفظ، فلم يقع ثقل باجتماع واوين، فصارت الواو الأولى كالواو في وُعد، أنت بالخيار فيها.
فالحاصل الآن من كلامه أنه يجب إبدال الواو الأولى من الواوين بثلاثة شروط، أحدها: أن تكونا في أول الكلمة، والثاني: ألا يفصل بينهما فاصل، والثالث: أن تبقى صورتهما على حالها، فالأول مأخوذ من نصه، والثاني والثالث مأخوذان من تمثيله.
الموضع الرابع: استثناء ما استثنى من هذه القاعدة، وذلك أنه لو تركها على إطلاقها لدخل له فيها وجوب الإبدال (في) نحو: ووري، وووفي، وووعد، وما أشبه ذلك مما الواو الثانية فيه مدة مجردة غير أصلية، فأخرج ذلك بقوله:(في بدء غير شبه ووفي الأشد) يعني أن ذلك الحكم إنما هو فيما سوى ووفي وما أشبهه، فما عدا ووفي فهو الذي استقر له ذلك، وأما ووفي فليس كذلك، بل تقول: ووفي، وووري، وووعد، وووفي [وووقي]، وما أشبه ذلك من غير أن يجب إبدال الأولى همزة.
وإنما قال: شبه كذا، ولمي قل: في غير ووفي الأشد، لئلا يفهم منه أن هذا اللفظ بعينه هو المستثنى وحده، وأنه شاذ خارج عن القياس، فأدخل شبه ليدل على أن ما كان مثله في الاشتمال على الأوصاف التي اتصف بها فعدم الإبدال قياس فيه أيضا، ولم يدخل (ووفي) في هذا الحكم بنصه بل بالمعنى، لأنه إنما قال: في [غير] شبه ووفي الأشد، فدخل له المشبه ولم يدخل له المشبه به بذلك النص. نعم دخل له بمعنى الكلام، لأنه إذا علق الحكم بالمشبه لأجل الشبه فتعلقه بنفس المشبه به أولى وهذا ظاهر.
والأوصاف التي اجتمعت في ووفي ثلاثة:
أحدها: أن تكون الواو الثانية مدة، وذلك أن يكون ما قبلها من جنسها، فإن انفتح ما قبلها لم تخرج عن الحكم الأول، كالأمثلة التي تقدمت.
والثاني: أن تكون زائدة كالتي في ووفي، فإن وزنه فُوعِل، فإن كانت أصلية رجعت إلى الحكم الأول، نحو: أُولى، تأنيث أول، إذ وزنها فُعْلى (لأن أول أفعل) وكما إذا بنيت فعلا من الوأي، فإنك تقول: وُؤْي، فإذا خففت الهمزة بالإبدال واوا قلت: أُويٌ، وكذلك تقول: رجل وءود للبنات، ثم تجمعه على وُؤُد كصبر، فإذا أسكنته تخفيفا ثم سهلت قلت: أُود.
وقد وقع الخلاف في هذا الشرط، وأصله مسألة سيبويه، قال:(وسألت الخليل -رحمه الله تعالى- عن فُعْل من وأيت، فقال: وُؤْي، كما ترى، فسألته عنها فيمن خفف الهمزة فقال: أُوي، كما ترى، قال: فأبدل من الواو همزة وقال: لا بد من الهمزة لأنه لا يلتقي واوان في أول الحرف)، ومعنى هذا أن الهمزة لما خففت صارت صورتها صورة الواو، وذلك موجب للاستثقال باجتماع الواوين، وإذا كان كذلك وجب قلبُ الأولى همزة اعتبارا بظاهر اللفظ.
وعلى هذا يجري كلام الناظم في إشارته إلى اشتراط وجود الواوين في اللفظ، ولم يشر إلى استثناء ما أصله الهمز، وقد أنكر المازني والمبرد قول الخليل هذا، أما المازني فلأجل (أن) الثانية في نية الهمزة، لأن البدل عارض، فإذًا لا واوين في التحصيل، فليس إبدال الهمزة بواجب، وشبه هذا بووري في أنه يجوز أن تبدل الأولى همزة لا لاجتماع واوين ولكن لانضمام الأولى. وأما المبرد فأنكره من جهة أن الذين يخففون همزة وُؤي لا يجوزون أن يفروا من همزة ساكنة ويجتلبوا متحركة لهم عنها مندوحة، وقالوا أيضا: إنه متناقض؛ لأنك إذا قلت: وُوي، فإن راعيت اللفظ فيجب أن تهمز وتدغم فتقول: أُيّ، وإن راعيت الهمز بعد التخفيف لم يجب الهمز ولا الإدغام، وقد اعتُذر عن ذلك، ولكن الإشكال ظاهر الورود، فكان رأي الناظم أولى.
والشرط الثالث: أن تكون المدة عارضة غير لازمة، كما في ووفي، فإنه فعل مبني للمفعول من وافى، فالواو عارضة في هذا الفعل، فلو كانت المدة لازمة لزم الإبدال كما مر. وخالف في ذلك المازني أيضا فقال في مسألة الخليل المتقدمة: لو لم يكن أصلها الهمز -يعني الواو الثانية (في وُوي) - لم يلزم الإبدال، لأن الثانية مدة مثل ووري، إذا أردت فُوعِل من واريت قال الفارسي رادا على المازني: لو لم يكن أصلها الهمز للزم إبدال التي هي فاء همزة وإن
كانت الثانية مدة، ألا ترى أن أولى قلبت الفاء منها همزة وإن كانت الواو التي بعدها مدة، قال:(وإنما لمن [لم] تقلب من ووري ونحوه لأنها غير لازمة ألا ترى أنك تقول: وارى، كما لم تدغم في نحو سُوير وبويع لأنها غير لازمة، ولو كانت لازمة لأدغمت وإن كانت مدة، كما أدغمت في مغزو، وفي عتو، وإن كانت مدة، فكما تدغم إذا كانت مدة لازمة كذلك يلزم أن تبدل أيضا إذا كانت المدة لازمة، فوُويٌ ليس مثل ووري، لما ذكرنا)، هذا ما قال الفارسي وهو ظاهر كما ترى.
ومن مثل هذا الأصل ما إذا بنيت من الوعد مثل طومار فإنك تقول: أُوعاد، لا غير، ومن الوزن: أوزان.
ثم إنه يبقى في كلام الناظم سؤالات:
أحدها: أنه تضمن أن الواوين إذا اجتمعتا من غير فاصل وجب إبدال الأولى، وعدم الفصل إنما أشار إليه إشارة مجملة، فيمكن أن يريد عدم الفصل عن الإطلاق، ويمكن أن يريد الفصل الظاهر لا المقدر فيكون الفصل المقدر معتبرا كالظاهر على الأول وغير معتبر على الثاني، فعلى أي الوجهين (تحمله) فإنه (ينبني (على) مسألة، وهي) ما لو بنيت من وأيت مثل اغدودن فإنك تقول: إيأوأى، فإن خففت الهمزة الثانية ألقيت حركتها على الواو الساكنة قبلها وحذفتها، فقلت: ايأوى، وإن خففت الأولى وتركت الهمزة الثانية على حالها من التحقيق فالأصل أن تقول: وَوْأ، لأنك ألقيت حركة الهمزة الأولى على الواو التي صارت ياء لكسرة
همزة الوصل، وحذفت ألف الوصل لما تحرك ما بعدها فرجعت واوا إلى أصلها، فإذا رجعت واوا التقى واوان، وكذلك إن خففت الهمزتين معا فقلت: ووى، اجتمع واوان، فإن اعتبرت اللفظ وجدت واوين متصلتين يحصل بمثلهما الاستثقال الحاصل بفوعل من الوعد إذا قلت: ووعد، فلا بد من الإبدال، وإن اعتبرت الأصل وجدت الواوين منفصلتين، فالعلة لم تستحكم وإن كانت موجودة في ظاهر الأمر كما لم تستحكم علة قلب الياء والواو ألفا حين قلت في: جيأل: جَيَل، وفي موئل: موِل، فقلت: ووأى، لأجل ذلك، فعلى التقدير ليس في كلام الناظم بيان.
والسؤال الثاني: أنه يقتضي أن فُوعل الذي هو وزن ووفي إذا لم يكن أصله فاعل يجب إبدال الواو همزة، لأن من أوصاف ووفي أنه مبني للمفعول من وافى، فإذا بنيت من وعد مثل حوقل وبيطر قلت: أوعد وويعد، فإن بنيتهما للمفعول اقتضى كلامه أنك إنما تقول: أوعد فيهما لا غير، لأنه ليس أصلهما فاعل، بل أصلهما فوعل وفيعل، لكن هذا الحكم خلاف المنصوص من كلامهم، بل نص ابن جني في هذا على جواز ووعد فيهما؛ لأنهما يجريان مجرى فعل من فاعل من وعدت إذا قلت: ووعد، كما جرى حوقل وبوطر مجرى قوول وسوير، لأنهما محمولان على فاعل لانضمام ما قبل الواو وسكونها. قال: (فإذا اجتمعت الواوان هكذا لم يجب قلب الأولى منهما لأن الثانية مدة، فجرت مجرى ألف واعد، فكما لم يجز همزها في واعد كذلك لم يجب همزها في ووعد، لكن
إن شئت همزتها لانضمامها)، وقد نص سيبويه وغيره على أن ياء فيعل وواو فوعل يجريان في بناء المفعول مجرى المدة التي أصلها فاعل، فتقول: قوول وبويع، ولا تدغم، كما لا تدغم قوول من قاول ولا بويع من بايع. وكذلك الأمر في تفوعل من تفاعل (وتفيعل). ولا خلاف في هذه الجملة، فإذا كانوا يعاملون الواو هنا معاملة المنقلبة عن الألف كان (من) مقتضى هذا أن يقال: ووعد من أوعد الذي أصله ووعد، ومن ويعد، فالناظم على (التقدير) مخالف لهذا كله، وكذلك خالف ما يقتضي كلامه في التسهيل، إذ هو على ما ذكره ابن جني.
والسؤال الثالث: أن ما استثني من (ووفي الأشد) وأشباهه يعطي كلامه فيه جواز الإبدال، وذلك أن ووفي ونحوه مستثنى مما يجب فيه الإبدال، فهو قد قال: إن هذا الوجوب مطرد إلا في هذا ونحوه، فاقتضى أن الإبدال فيه غير لازم، وهذا معنى كونه جائزا، وإذا كان كذلك خالف ما قاله غيره من أن الإبدال في ووري ووفي ووعد، ونحو ذلك غير جائز. قال ابن خروف: وأما ووري وأشباهه فلا يجوز فيها إلا ترك الهمز بحملها على فاعل، ولذلك لم تدغم في مثل سوير، هذا هو النظر في الطرف الخاص بمسألته الحاضرة.
والجواب عن الأول بصحة كل واحد من الاحتمالين، أما الاحتمال الأول فظاهر (في) القياس من حيث لم تستحكم علة وجوب القلب، وهو
اجتماع الواوين، كما لم تستحكم علة وجوب الإدغام في نحو: رُويا وتووي (بالتخفيف) و (هو) ظاهر (و) أيضا هو قول الفارسي، ومذهب المؤلف في التسهيل إذ قال:(فإن عرض اتصالهما -يعني الواوين- بحذف همزة فاصلة فوجهان)، فلم يحتم -كما ترى- الحكم بالإبدال، بل حكم الاعتبارين: اعتبار الأصل، واعتبار اللفظ، ولنا أن نقول أيضا: إنه إنما اعتبر الفصل الظاهر، وأما الفصل المقدر فلم يعتبره، بل يجري عنده مجرى ما لا فصل فيه البتة. ولا يضرنا في ذلك مخالفة (من خالف إذا لم تكن مخالفة) إجماع، أما التسهيل فكثيرا ما يخالفه كما رأيت فيما تقدم شرحه، وأما الفارسي فإنما هو رأي رآه بعد ما ذكر المازني أن الحكم فيه وجوب الإبدال كالذي لا فصل فيه، هذا ظاهر كلامه، ألا تراه قال حين أتى ببناء اغدودن من وأيت: وإن خففت الأولى وتركت الهمزة الثانية قلت: أوأى، قال: وكان الأصل ووأى، لأنك ألقيت حركة الهمزة التي هي العين الأولى على الفاء، وكانت واوا في الأصل، فانقلبت ياء للكسرة همزة الوصل، فحذفت ألف الوصل لما تحرك ما بعدها.
قال: (فلما رجعت واوا بعدها الواو الزائدة همزت موضع الفاء لئلا يجتمع واوان في أول الكلمة)، قال:(فإن خففتهما جميعا قلت: أوى). هذا ما قال، فظاهره الوجوب وأن الواوين هنا مثلهما في أواصل. وشرحه ابن جني على ما هو عليه ثم قال: وقد أجاز أبو علي أن يقال: ووى، وأن يقال: ووأى،
ولا تقلب الواو همزة. قال: لأن نية الهمزة فاصلة بين الواوين، لأن الأصل اوأوأى، كما تقدم، فترك الهمزة ههنا نظير تصحيح الواو في تخفيف رؤيا وتؤوي، إذا قلت: رويا وتووي، فلم تقلب الواو وإن كانت ساكنة قبل الياء لأن نية الهمزة تمنع من القلب كما تمنع لو كان حاضرا ملفوظا به.
فالحاصل أن المسألة مختلف فيها، ومذهب الفارسي الذي اتبعه في التسهيل له وجه من القياس حسن، ولكن ما قاله المازني أيضا له وجه، ونظيره رأي الخليل في فُعْل من وأيت إذا خففت فقلت: أُوي، ألا ترى أنه اعتبر اللفظ الذي به حصل الاستثقال فأوجب همز الواو الأولى وإن كانت الثانية أصلها الهمز لما كانت الصورة ذات واوين في التحصيل الظاهر، فكذلك يقول الناظم هنا: إن الحاصل في أيدينا وفي نطقنا واوان في أول كلمة، فحصل بهما من الاستثقال ما حصل في أواصل، فكما يجب هنالك الإبدال همزة فكذلك ههنا، غير أنه يقدح له فيه عدم ارتضائه مذهب الخليل، فتأمله.
والجواب عن الثاني: أنه يدخل له فُوعِل من فيعل وفوعل بقوله: (شبه ووفي الأشد) لأن الواو هنا شبيهة بواو فوعل من فاعل في الزيادة والعُروض، وبالتشبيه بها عوملت معاملتها على ما مر في التعليل، فلذلك كله يشمله كلام الناظم، فلا إشكال فيه.
وعن الثالث: أنا نلتزم ما أفهم كلامه من جواز الإبدال، فإن ظاهر كلام الناس ذلك المقتضى، إذ هم يطلقون القول في الواو المضمومة
ولا يستثنون شيئا مما قال، وإنما يستثنون أمورا أخر ليس هذا منها، فاتبعهم الناظم في هذا الإطلاق، وكذلك فعل في التسهيل، وأيضا فإن ابن جني قد نص على جواز الإبدال فيه بعينه، قال:(وهمز الواو في ووري في غير القرآن جائز)، ثم ذكر أن ذلك لانضمام الواو (لا) لاجتماع الواوين.
ومثل هذا أيضا لابن السراج في الأصول. فإذا ما قاله ابن خروف ينظر في صحته.
وووفي معناه: بُلِغ، ويقال: وافى فلان أي أتى.
وهنا تم ما قصد ذكره مما تبدل منه الهمزة.
وقد نقصه من أحكام هذا الفصل حكم الواو المضمومة والمكسورة إذا وقعتا أول الكلمة في إبدالهما همزة، وعذره ظاهر في كونه لم يقصد لذكر جميع أحكام الأبواب، فلا بد أن ينقصه من كل باب أشياء إلا في القليل. وقد يقال: لعله ترك ذلك مع قصد الاختصار، لأن إبدال الواو المضمومة همزة لا يلزم بل هو جائز، فإذا تركت الواو على حالها فلا عليك منها، ولا تُعد بذلك لاحنا، وذلك نحو: وجوه ووقتت ونحوهما. بل من الواو المضمومة ما يلزم فيه عدم الإبدال، وذلك في خمسة مواضع، هي: أن تكون الضمة عارضة، نحو: لتروُنَّ أو مُشَذَّة نحو التسوُّر أو متصفة بموجب الإبدال المتقدم نحو أُولى، أو زائدة للإلحاق كالتجهوُر، أو في نحو: وُوفي، على مذهب ابن خروف المتقدم. هذا في المضمومة، وأما المكسورة فكذلك أيضا هي في حكم الجواز إذا وقعت
بين ألف وياء مشددة، وكذلك إذا وقعت مصدرة فالأول نحو فعاليل من الرمي إذا قلت: رمايي، والثاني نحو وشاح.
وعلى أنهم قد اختلفوا في اطراد ذلك أو وقفه على السماع، فظاهر المازني في تصريفه اطراد ذلك، ونقل الفارسي في الإغفال عن أبي عمر عدم اطراده، وهو يظهر من سيبويه، فإذا كان غير مطرد فلا حاجة إلى التنبيه عليه، وقد زعم في التسهيل أنه مطرد على لغة، وكأنهه فهم ذلك من كلام المازني في التصريف لأنه قال فيه:(واعلم أن الواو إذا كانت أولا وكانت مكسورة فمن العرب من يبدل مكانها الهمزة ويكون ذلك مطردا، وفي كلام سيبويه أيضا إشعار ما بهذا، وهو قول: (ولكن ناسا كثيرا يجرون الواو إذا كانت مكسورة مجرى المضمومة، فيهمزون الواو المكسورة إذا كانت أولا). ولكن التحقيق أن ذلك ليس بلغة ثابتة، وقد سأل ابن جني شيخه عن ذلك، فنفى أن تكون لغة، بدليل إجماعهم على موشح بغير همز، وبالجملة فإن كانتا لغتين لم يحتج إلى التنبيه عليهما، إذ لا إبدال وإن كان إبدالا فالذي عليه الحذاق كالفارسي وغيره وحمّلوه كلام سيبويه عدم الاطراد (وعلى القبول بالاطراد) فهو غير لازم، فالباني على الأصل من عدم الإبدال مصيب، والله أعلم.
ثم أخذ يذكر ما تبدل إليه الهمزة فقال:
ومدا ابدل ثاني الهمزين من
…
كلمة ان يسكن كآثر وائتمن
إن يفتح اثر ضم او فتح قلب
…
واوا وياء إثر كسر ينقلب
ذو الكسر مطلقا كذا وما يضم
…
واوا أصر ما لم يكن لفظا أتم
فذاك ياء مطلقا جا وأؤم
…
ونحوه وجهين في ثانيه أم
فتكلم -على إبدال إحدى الهمزتين المجتمعتين في كلمة، ولم يتكلم في الهمزة المفردة، بل ترك ذكرها البتة، والناس يذكرون (في) باب الهمز الفصلين معا، والعذر للناظم في تركه ذلك أمران: أحدهما ما تقدم مثله من أن إبدال الهمزة المفردة جائز لا لازم، وإذا كان جائزا فالبقاء على الأصل لا لحن فيه، فلم يعتن به من حيث لا ينبني على تركه فساد ولا خطأ، وتكلم على ما كان الإبدال فيه لازما وذلك مع اجتماع الهمزتين، ولذلك قيد الكلام فيهما بكونهما في كلمة؛ لأن ما في كلمتين لا يلقى في تركه على أصله محذور.
والثاني: أن الناظم إنما بنى هنا في الكلام على الإبدال المحض الذي تصير فيه الهمزة إلى حقيقة أخرى، وهي الواو أو الياء، كسائر ما أبدل من
الحروف التي تقدم ذكرها، أو يأتي بيانها، وأما الهمزة المفردة فليس فيها إبدال في الغالب، وإنما تسهيلها بين بين كالإمالة في بابها، فلم تخرج الهمزة فيه عن حقيقتها، ولذلك تبقى المتحركة بعد التسهيل على زنتها قبله إذا وقعت في شعر، ولذلك جعل النحويون كسيبويه وغيره لتسهيل الهمزة بابا على حدته خارجا عن التصريف.
وإذا تقرر هذا فالهمزتان إذا اجتمعتا في كلمة لم تخل من ستة عشر وجها، فالأولى لا تخلو من أربعة أوجه، أن تكون مفتوحة أو مضمومة أو مكسورة أو ساكنة، وكذلك الثانية لا تخلو من أربعة الأوجه، فإذا أخذت وجها من إحداهما مع كل وجه من الأخرى قام من ذلك اثنا عشر، فإذا فتحت الأولى مثلا كانت الثانية معها على الفتح أو الضم أو الكسر أو السكون، وكذلك إذا ضممتها كانت الثانية معها على أربعة الأوجه، وكذلك إذا كسرتها أو سكنتها، والناظم أخذ يتكلم على هذه الأوجه بقول جُمْلي، لكنه قدم قبل التفصيل فوائد عامة لما تكلم فيه:
إحداها: أن هذا الإبدال إنما يقع في ثاني الهمزتين لا في المبدوء بها، وذلك قوله:(ومدا ابدل ثاني الهمزين) فعين للإعلال الهمزة الثانية، وهذا صحيح، وإنما التزموا إبدال الثانية ولا بد لأن الاستثقال فيها يقع وليس في النطق بالأولى من حيث هي مع ما قبلها استثقال، فكان الإبدال حيث يقع الاستثقال أولى، وذلك في الثانية، وبهذا يُحتج للخليل في اختيار تخفيف الثانية من الهمزتين من كلمتين إذ يقول: الأصل أن يكون
التغيير في موضع التعذر أو الاستثقال، وليس ذلك إلا في الثانية دون الأولى.
والثانية: كونه مختصا بالكلمة الواحدة إذا اجتمعتا فيها، فإنه إذا كان كذلك وجب الإبدال على ما ذكره، فإن كانا من كلمتين نحو: قرأ آية، وجاء أهل فلان، وخيأ أبي، ويحبأ أيوب، واقرأ آية، و (هؤلاء إن كنتم)، وما أشبه ذلك، لم يلزم الإبدال، إذ يجوز التخفيف بين بين على الجملة، والتحقيق وذلك أنهما في الكلمة الواحدة لازما الالتقاء بخلاف ما إذا كانتا من كلمتين، لأنك إذا قلت (جاء) ليس بلازم أن تأتي بعد (جاء) بما أوله همزة، وكذلك إذا استفهمت بالألف ليس بلازم أن يأتي بعدها همزة، ففرقوا بين الالتقاء اللازم وغير اللازم، فكان استثقال المتلازمين أشد من غير المتلازمين إلى هذا النحو من التعليل أشار سيبويه.
ومعنى كونهما من كلمة أن يكون معا في أصل بنيتهما أو ما يجري ذلك المجرى، فآدم وآخر أصلهما أأدم وأأخر، ووزنهما أفعل، فهما من أصل البنية، وكذلك: جاءٍ وناءٍ أصلهما جائئ ونائئ، قال الشاعر:
فإنك لا تدري متى الموت جائئ
…
إليك، ولا ما يحدث الله في غد
وكذلك: أئمة جمع إمام، وما أشبه ذلك، وايت، (و: اوتمر)، و: ايتمن، ونحو ذلك مما أوله همزة الوصل، مما جرى الاجتماع فيه كالكلمة الواحدة، لأن همزة الوصل هي من وجه كالمعدودة من أصل البنية، ومن جهة أخرى معدودة في المنفصلات عنها، ولكنهم عاملوها معاملة المتصل فقالوا: اوتمن، فأبدلوا الثانية واوا، و: ايت، فأبدلوها ياء، وأما ما كان من نحو:(أأنتم)، و (أأشفقتم) ونحوهما، فالهمزة ليست بمعدودة في حروف ما بعدها، وإنما هي كلمة على حدتها على حرف واحد، فليست بداخلة تحت حكم وجوب الإبدال، بل حكمها حكم: جاء أبي، ونحوه.
والثالثة: أن هذا الإبدال محض لا تخفيف بين بين، لقوله:(ومدا ابدل)، وقوله:(قلب واوا، وياء إثر كسر ينقلب)، وقوله:(واوا أصر)، وغير ذلك مما يدل من كلامه على عدم إبقاء رسم الهمزة، ووجه ذلك ظاهر؛ لأن الهمزة المخففة عندهم تتنزل منزلة المحققة، فليس التخفيف بمخرج عن استثقال اجتماع الهمزتين ما لم يكن إبدالا وقلبا محضا، على حد إبدالهم الهمزة الواحدة في قول حسان بن ثابت، رحمه الله تعالى:
سالت هذيل رسول الله فاحشة
…
ضلت هذيل بما سالت ولم تصب
وقول زيد بن عمرو بن نفيل، أنشده هو والذي قبله سيبويه:
سالتاني الطلاق أن رأتاني
…
قل مالي، قد جئتماني بنكر
فهذا إبدال محض لا تسهيل فيه، وإلا انكسر البيت، فكذلك الإبدال في ثاني الهمزتين.
وهذا الحكم الذي قرر من لزوم الإبدال هو مذهب النحويين البصريين، فلم يخرج عن طريقتهم. وأما الكوفيون فيذهبون إلى صحة التحقيق فيهما معا، وبه قرأ كثير منهم، وقد جعل ابن مالك في التسهيل ذلك لغة، فقال:(وتحقيق غير الساكنة مع الاتصال لغة)، ولكن الظاهر من السماع ندور هذا بحيث لا يعتد به في القياس المستمر، مثل ما حكى أبو زيد وأبو الحسن من قولهم: غفر الله خطائئه، وحكى أبو زيد وغيره: دريئة ودرائئ، قال ابن جني: ورينا عن قطرب: لفيئة ولفائئ، وأنشدوا:
فإنك لا تدري متى الموت جائئ
…
إليك ولا ما يحدث الله في غد
والصواب في هذا كله أن يقاس على ما اشتهر ويوقف على السماع خلافه.
وقد تحصَّل من هذا صحة ما بنى عليه الناظم هنا، وبالله التوفيق.
والرابعة: أن أمثلته وقوة كلامه قد أشعرت أن شرط هذا الحكم في الهمزتين ألا يقع بينهما فاصل كما في آثر، اوتمن، وأوُم. ولا شك أن الأمر كذلك، فإنهما إن فصل بينهما بفاصل زال الاستثقال المهروب منه، وأمكن النطق بهما على حالهما من التحقيق بالتسهيل أيضا، فصارا كأنهما في كلمتين مفترقتين، وذلك نحو: آءة، لشجرة معروفة، قال زهير بن أبي سلمى:
أصك، مصلم الأذنين أجنا
…
له بالسي تنُّوم وآءُ
وكذلك: (أنبئاء) جمع نبيء، وهي قراءة نافع، وكذلك: نُبآء، قال عباس بن مرداس السلمي:
يا خاتم النبآء إنك مرسل
…
بالخير، كل هدى السبيل هداكا
وكذلك: امرأة سوآء، أي قبيحة، وعلى هذا يكون قولهم: ذوائب -في جمع ذؤابة، أصله: ذآئب - شاذا، لكن الفصل قد يكون ظاهرا كالأمثلة المذكورة، وقد يكون مقدرا كما تقول: وأدتها فأنا أئدها وأدا، وقع في (بعض) نسخ الكتاب هذا المثال بتحقيق الهمزة الثانية، في المضارع
فأجاز ابن خروف فيه وجهين: التحقيق اعتبارا بالأصل، إذ أصله: أوئدها، لكن حذفت الواو لما سيذكر إن شاء الله، والحذف عارض فكأن الفصل ثابت، فلم يستثقل اجتماع الهمزتين والتسهيل اعتدادا بعارض الاجتماع في اللفظ. وهذا نظير مسألة بناء اغدودن من وأيت إذا سهلت فقلت: وَوَى، هل يعتد بالعارض فيقال: أوى، لا غير، أو لا يعتد به فيقال: ووى.
ثم نرجع إلى كلامه في التفصيل فقوله: (ومدا ابدل ثاني الهمزتين [الهمزين] من كلمة ان يسكن) يعني أن ثاني الهمزتين الذي عليه يرد الإبدال على قسمين: أحدهما أن يكون ساكنا.
والثاني: أن يكون متحركا. فإن كان ساكنا أبدلته مدا، والمد أحد حروف العلة الثلاثة إذا كان ما قبلها من جنسها، وإنما يقال لها حروف مد لأنها ناشئة عن صوت الحركة المتقدمة، فالمفتوح ما قبلها تبدل ألفا نحو ما مثل به من قوله: آثر، وهو أمر (من) آثره بكذا يؤثره به: إذا فضله به على غيره. وكذلك: آثرت فلانا على نفسي، من المأثرة بمعنى المكرمة، لأنك جعلت له بذلك مكرمة تؤثر عنه، أي: تنقل عنه، وأصله أأثر، فأبدل الثانية ألفا. ومثله: آدم، لأنه من الأدمة، وآخر وآمن، وآتى كذا، أي أعطاه، والمضموم ما قبلها تبدل واوا نحو ما مثل به من اوتمن، أصله: اؤتمن، أي جعل أمينا، فهو من الأمانة ضد الخيانة، يقال: أمنته على كذا وائتمنته عليه بمعنى، ومثله: أوتي، وأومر (بكذا
وأوثر) (فلان) بكذا والمكسور ما قبلها تبدل ياء، ولم يأت عليها بمثال، ومثاله: ايتمن يازيد فلانا، و: ايتني أكرمك، و: ايب من كذا، من أبى يأبى، و: ايتمر، وما أشبه ذلك. هذا كلفه مبدل مدة من جنس (حركة ما قبلها).
والثاني من القسمين أن يكون الهمز متحركا، فقسمه الناظم ثلاثة أقسام: أحدها أن يكون مفتوحا، والثاني أن يكون مكسورا، والثالث أن يكون مضموما.
فأما القسم الأول، وهو أن يكون مفتوحا، فهو الذي بدأ به وجعل إبداله على وجهين، أحدهما الإبدال واوا، وذلك بعد الضم أو الفتح، لأنه قال:(إن يفتح اثر ضم او فتح قلب واوا).
ضمير (يفتح) عائد على ثاني الهمزين، يعني أنه يقلب واوا بعد الضمة والفتحة، فأما بعد الضمة فنحو: أويدم -في تصغير آدم- وأويخر -في تصغير آخر- وأويمة- في تصغير أئمة.
وكبنائك من أم مثل أصبع - كجخدب- فتقول: أُوَم، أصله أأمم، فنقلت حركة الميم إلى الهمزة الساكنة طلبا للإدغام، ثم أبدلت فقيل: أوم، وأما بعد الفتحة فنحو أوادم -جمع آدم- وأواخر- وكذلك ما أشبهه. وأما كونها واوا بعد الضمة فظاهر، لطلب الضمة ما يجانسها ولثقل الياء إن وقعت بعدها لو قلت: أييدم، ولتعذر الألف هنالك بعد الضمة، ولذلك قالوا في
تصغير فاعل كقائم: قويئم، وفي ضارب: ضويرب. وأما كونها واوا بعد الفتحة فلأنهم جعلوا هذه الألف المبدلة من الهمزة كالألف الزائدة، لأنها لم يبق لها من أصلها أثر (ولا رسم)، فصارت كألف خالدة وضاربة، فكما تقلب الألف واوا إذا قلت: خوالد وضوارب، فكذلك تقلبها هنا إذا قلت: أوادم وأواخر، في آدم وآخر، إذا جعلتهما اسما كأحمد وأفكل. وكذلك يقال في المضموم ما قبلها.
وقوله: (قلب) وقال بعد: (إثر كسر ينقلب) إشعار بأن الإبدال محض كما تقدم.
(والوجه) الثاني: إبدالها ياء، وذلك إذا وقعت بعد الكسرة لقوله:(وياء إثر كسر ينقلب) يعني أن الهمز ينقلب ياء إذا وقع بعد كسرة، (نحو) بنائك إفعل كإصبع من أم، تقول: إيم، وأصله: إأمم، فوجب نقل الحركة من الميم إلى الهمزة، ثم أدغمت الميم في الميم.
وإنما انقلبت ياء لأن الياء مجانسة للكسرة، بخلاف الواو فإنها غير مجانسة، والألف لا تقع هنا البتة فوجب الإبدال ياء.
وأما القسم الثاني -وهو أن يكون ثاني الهمزين مكسورا- فإن فيه وجها واحدا ذكره، وهو الإبدال ياء، وذلك قوله:(ذو الكسر مطلقا كذا)، وذا إشارة إلى أقرب مذكور وهو المفتوح المكسور ما قبله، فاقتضى من الإبدال ما اقتضاه، وهو الإبدال ياء.
وقوله (مطلقا) تنبيه على أن الحكم هكذا، كان ما قبله مفتوحا أو مكسورا أو مضموما. وإنما تبين معنى الإطلاق مما تقدم من التقييد، إذ قسَّم المفتوح إلى ما قبله مضموم أو مفتوح، وإلى ما قبله مكسور، ولم يطلق الحكم فيه إطلاقا، فدل ذلك على أن الإطلاق هنا بالنسبة إلى ذلك التقييد، فالمفتوح ما قبله نحو: أيمة، والمكسور ما قبله كما إذا بنيت من أم مثل إثمد فإنك تقول: إيِمّ، والمضموم ما قبله كما إذا بنيت من أم مثل أُصبِع فإنك تقول: أُيِم، ووجه الياء هنا أن الأصل أن يكون تسهيل الهمزة إلى مناسب حركتها، كما في تخفيف الهمزة المفردة، ولا يخرج عن ذلك إلا لسبب داع إليه كالمفتوحة بعد الضمة أو الكسرة، (إذ لا يمكن هنالك إلا الإبدال، لتعذر وقوع الألف بعد الضمة والكسرة)، وكذلك إذا انفتح ما قبلها، عاملوها معاملة الألف الزائدة فقلبوها إلى ما يقلبون إليه الزائد. وأما إذا لم يكن ثم سبب مخرج عن ذلك الأصل فلا معدل عنه.
وأما القسم الثالث، وهو أن يكون الهمز مضموما فحكمه الإبدال واوا، وذلك قوله:(وما يضم واوا أصر)، و (ما) موصولة، وهي في موضع نصب بأصِرْ على المفعول الأول (له)، لأن أصر متعد إلى اثنين، وثانيهما (قوله)
(واوًا) وأصر بمعنى صير، أي اجعله واوا، يعني أن الهمز الثاني من الهمزين إذا كان مضموما يبدل واوا من جنس حركته.
وقوله: (واوا أصر) وأطلق القول يريد سواء أكان ما قبلها مفتوحا أو مكسورا أو مضموما، فالمفتوح ما قبلها كما إذا بنيت مثل أصبُع من أم فتقول: أوُم، والمكسور ما قبلها كما إذا بنيت (من أم مثل إصبُع فتقول: إِوُمّ، والمضموم ما قبلها كما إذا بنيت منه) مثل أبلُم فتقول: أوُم. وهذا على ما تقدم من اعتبار التسهيل بحركة الهمز المسهل.
ثم استثنى من كلية هذه الأقسام ما إذا كان ثاني الهمزين (في موضع اللام فقال: ما لم يكن لفظا أتم، فذاك ياء مطلقا جا)، والضمير في (يكن) عائد على ثاني الهمزين) المذكور. و (لفظا) مفعول بأتم، قدم عليه. و (أتم) فعل ماض فاعله ضمير ثاني الهمزين، يعني أن ما تقدم من اعتبار الهمز بحركته أو بحركة ما قبله في تسهيله إنما هو غير الهمز الواقع متمما للكلمة، أي: في موضع لامها، فإنه إن كان كذلك فإنه يبدل ياء مطلقا، ومعنى الإطلاق أنه كذلك كان مفتوحا أو مكسورا أو مضموما، وكذلك ما قبله بأي حركة تحرك، فالياء هي المحكوم بها في الإبدال مطلقا. ومثال ذلك: جاءٍ وشاءٍ، أصله على مذهب سيبويه: جائئ وشائئ، فأبدلت الثانية ياء، وكما (إذا) بنيت من قرأ مثل جعفر لقلت: قرأى، أصله: قرأأ، فأبدلت الثانية ياء، ثم جرى عليها حكم
التصريف فانقلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وكذلك مثال برثن (منه) تقول: قرءٍ، أصله: قرءؤ، فأبدلت الثانية ياء فصار قرؤيٌ، ثم كسرت الهمزة لأجل الياء فقيل: قرئيٌ، ثم فعل به ما فعل بقاض وشجٍ فقيل: قرءٍ ومثل ذلك بناؤك من قرأ مثل قمطر تقول فيه: قرأيٌ، وكذلك مثل معد قرأيٌ أيضا، وإنما كان القلب هنا إلى الياء البتة لأن موضعها موضع الياء؛ لأن حروف العلة إذا وقعت رابعة فصاعدا كانت ياء ولا بد، إما بالأصل وإما بالقلب، ألا ترى أنك تقول: غزوت، فإذا قلت: أغزيت كانت ياء، وكذلك مغزيان، وما أشبه ذلك. ولو بنيت من قرأ أو من غزا مثل دحرجت لقلت: قرأيت وغزويت، وهذا ظاهر فيما إذا كانت حروف العلة في موضع تعتل فيه، فأما إن سكن ما قبلها كقرأي لم يجز (ذلك) فيها، إذ حرف العلة إذا سكن ما قبله وكان آخرا جرى مجرى الصحيح نحو: دلوٍ وظبي، وكذلك قندأو وسندأو وعنزهو، ونحو ذلك. لكن قد اختصت اللام إذا كانت بدلا من همزة بهذا الحكم لأنها أخف من الواو، وهي أغلب على اللامات من الواو. والناظم ذكر هذه الجملة ولم يحك في شيء منها خلافا، وما ذهب إليه هو مذهب أكثر النحويين، وقد وقع الخلاف فيها في أربعة مواضع:
أحدها: الهمز المكسور إذا وقع بعد ضمة، مثل أصبِع من أم، خالف فيه الأخف (فيقول على مذهبه أوِم.
والثاني: الهمز المضموم إذا وقع بعد كسرة مثل إصبع من أم، خالف فيه الأخفش) أيضا فيقول: إيُم.
فأما المسألة الأولى فإن للأخفش أن يحتج على صحة مذهبه فيها بأن الهمزة المضمومة إذا أبدلت بعدها المكسورة ياء فذلك مخالف للقياس، فإن الياء بعد الضمة مستثقل، لأنه جمع بين متنافرين، بخلاف ما إذا أبدلتها واوا فإنك وفقت بينها وبين ما قبلها فهو أخف من حيث التجانس، وإذا كان كذلك كان أتم في القياس. وأيضا فإن ياء مكسورة بعد ضمة لا يوجد له نظير في الكلام فكان غير سائغ أن يبدل إلى ما يؤدي لعدم النظير. وهذا قد يعارض بمثله، فإن القياس أن تبدل الهمزة إلى مجانس حركتها لا إلى مجانس حركة ما قبلها، ما لم يكن ثم مانع من ذلك، وليس ههنا مانع، فوجب أن يتبع فيه القياس. وأما الاستثقال فالقولان مشتركان فيه، وأيضا فإن واوا مكسورة بعد ضمة غير موجود أيضا في كلامهم، فوجب الإبدال إلى ما يؤدي لعدم النظير. فإن أجاب عن هذه المعارضة بأمر لزمه مثله في الطرف الآخر.
وأما المسألة الثانية فقد يحتج للأخفش (فيها) أيضا بنحو مما تقدم، وهو محتج له به في الهمز المفرد، وهو أنه إنما لم يجز أن تقلب الثانية واوا إثر كسرة لأن ذلك لا نظير له؛ إذ ليس في الكلام واو مضمومة قبلها كسرة، وإذا
كان كذلك كان الأولى أن تقلب إلى ما له نظير في الكلام نحو بِيوت وشِيوخ، على لغة الكسر. وأيضا قد قلبت المتحركة إلى مجانس حركة ما قبلها في نحو أوم وإيم، إذ جعلوا الأولى واوا للضمة والثانية ياء للكسرة، ولم يعتبروا حركتها في نفسها، فكذلك تقول هنا بإيجاب القلب إلى مجانس حركة ما قبلها، وهذه الحجة أيضا جارية في القسم الأول.
وللآخرين أن يجيبوا عن الأول بأن عدم النظير هنا غير معتبر؛ لأن محل الضمة هنا أصله السكون، والضمة منقولة له من الميم الأولى في إوُم، وإذا كان كذلك لم يعتد بذلك العارض، كما لا يعتد أيضا بعارض الضم بعد الكسر في بِيوت، لأن الكسر عارض لأجل الياء، والأصل ضم ياء بيوت وشين شيوخ، وهذا أيضا جار في جواب ما تقدم.
وأما الثاني فإن الهمزة المفتوحة هناك أصلها السكون، والساكنة تبدل على حركة ما قبلها، وأيضا فإن مجانس حركتها هنا الألف، والألف لا يمكن أن تقع بعد كسرة ولا ضمة، ولذلك لم يجز تخفيف جُؤن ومئر ونحوهما بين الهمزة والألف، لأن الهمزة بين بين تشبه الألف، فاجتنبوا ذلك إلى إبدالها ياء أو واوا إبدالا محضا، بخلاف نحو إوم فإن مجانس الحركة هنا وهو الواو يمكن وقوعه بعد الكسرة، كما أن مجانس الكسرة فيما تقدم وهو الياء يمكن وقوعه بعد الضمة. ولذلك (أجاز) غيرُ الأخفش
تخفيف (يستهزئون) بين بين، إذ يمكن النطق به كذلك.
والموضع الثالث (من) مواضع الخلاف أن المازني يرى (أن) الهمزة التي قلبت ياء للكسرة التي فيها إذا أزال التصغير أو التكسير تلك الكسرة فإن الياء تبقى على حالها ولا ترجع إلى الواو اعتبارا بما صارت إليه أولا. ومذهب (الناس) غيره - وأصله لأبي الحسن - ما تقدم من اعتبار كل حالة بنفسها، فالتكسير والتصغير يقلب فيهما ثاني الهمزين واوا، فتقول في تصغير أيمة: أويمة، كما تقول في آدم: أويدم، وتقول في تكسيره: أوام، كما تقول: أوادم، في آدم. والمازني يقول: أييمة وأيام، لأنها كانت قبل التصغير والتكسير ياء، وحجة المازني أن الياء قد ثبتت ياء بدلا من الهمزة فسبيلها أن تجري مجرى الياء التي لا حظ لها في الهمز، وهو ألف خالد، فوجب أن يقال: أييمة وأيام، لأن الياء في أييمة تجري مجرى التي لم تنقلب، كما جرت ألف آدم مجرى ألف خالد؛ إذ حقيقة البدل هنا تقتضي تناسي الأصل، إلا أن هذه الهمزة إذا لم يلزمها تحريك فبنيت من الأدمة مثل أبلم قلت: أودُم، ومثل إصبع قلت: إيدم، ومثل أفكل قلت: آدم، فاجعلها ألفا إذا انفتح ما قبلها وياء ساكنة إذا انكسر ما قبلها، وواوا ساكنة إذا انضم ما قبلها، فإذا احتجت إلى تحريكها في تكسير أو تصغير جعلت كل واحدة منهن على لفظها الذي قد بنيت عليه، فاترك الياء ياء، والواو واوا، واقلب الألف واوا، كما فعلت ذلك العرب في تصغير آدم
وتكسيره. قال: فهذا هو القياس عندي. قال ابن جني: وهذا القول ليس بمرضي من أبي عثمان؛ لأن الياء في أيمة إنما انقلبت عن الهمزة لانكسارها، فإذا زالت الكسرة زالت الياء التي وجبت عنها، كما أن الياء في ميزان لما وجب انقلابها عن الواو لانكسار ما قبلها زالت عند زوال الكسرة في قولهم: موازين وموزين، فإن قال: إن الياء في ميزان إذا فارقت هذا الموضع رجعت إلى الواو كموازين ومويزين بخلاف ألف آدم فإنها لا ترجع إلى الهمزة وإن زالت عن هذا الموضع، وإنما يقال: أوادم وأويدم، فما تنكر أن يكون البدل في أيمة أقوى منه في ميزان فلا تزول الياء وإن زالت الكسرة، قيل: هذا غير وارد؛ إذ لو جمعت آدم على فُعل أو فعلان لقلت: أدم وأدمان فرجعت الهمزة لزوال الأولى، كما رجعت الواو في موازين لما زالت الكسرة، وإنما لم ترد فاء الفعل في أوادم وأويدم إلى الهمزة لأنه كان يلزم ما منه هربوا وهو اجتماع همزتين لو قالواك أآدم، وأأيدم، فالعلة الموجبة للإبدال في الواحد موجودة في الجمع والتحقير، وميزان ليس كذلك، لأنك إذا جمعت أو حقرت زال موجب انقلاب الواو ياء، وهو انكسار ما قبلها، فقد وضح الفرق بينهما.
فإن قيل: إذا كان القياس عند سيبويه في تحقير مثل قائم أن تقول: قويئم، بإقرار الهمزة مع زوال موجب قلبها همزة، وهو الألف في
قائم، ويحتج بأن الهمزة قوية بأنها عين، والعين أقوى من اللام، فما تنكر أن يكون البدل في أيمة لازما أيضا فتقر على حالها وإن زال موجب القلب ياء؛ لأن الفاء مثل العين في القوة، أو هي أقوى منها لبعدها عن اللام.
قيل: إن سيبويه شبه ياء التحقير بألف التكسير، فجرت الياء (في) قويئم مجرى الألف في قوائم، كما أجروا أسيود في التصحيح مجرى أساود، لتشبيههم ياء التحقير بألف التكسير، (فلما كان بين ياء التحقير وألف التكسير هذا الاشتباه أقر سيبويه الهمزة في قويئم مع ما انضم إلى ذلك من قوة العين، وأما الياء في أيمة فليست كذلك، لأنها إنما (عن الكسرة وجبت كما وجبت) ياء ميزان عن الكسرة، فلما زالت الكسرة زالت الياء، وأنت إذا حقرت فقلت: أويمة، فقد أزلت الكسرة فلم يكن في موضعها ما يجري مجراها فتقر الياء، كما شبهت ياء التحقير بألف التكسير)، فأقررت الهمزة، وإنما قبلها في أويمة ضمة، والضمة إنما تجب عنها الواو لا الياء، وأيضا لو جاز لقائل أن يقول: لا أزيل الياء في أيمة إذا زالت الكسرة لجاز لآخر أن يقول: لا أرد الواو في ميزان إذا زالت الكسرة بتحقير أو تكسير، وهذا لا يقوله أحد، وقد ألزم المازني أن يقول في جمع آدم: أيادم فيقر الياء ولا يقلبها، لأنها قد ثبتت ياء في الماضي وهو ايدم، لأن آدم اسم فاعل من ايدم كاحمر فهو أحمر، فكما يقول في جمع فعلل من بعت بياعع، كذلك يلزمه أن يقول في جمع آدم: أيادم وفي التصغير: أييدم، وهذا فاسد باتفاق منا ومنه، فكذلك ما أدى إليه.
وقول الناظم: (مطلقا جا) أصله: جاء، ولكنه حذف الآخر، إذ من العرب من يقول: جا يجي، ولكنها قليلة.
والموضع الرابع من المواضع المختلف فيها قد أشار إليه الناظم في الجملة في المسألة التي ذكر إثر هذا، وهو قول:(وأوَم ونحوه وجهين في ثانيه أم) هكذا رأيته في النسخ (أوَم) بفتح الهمزة والواو معا على وزن أعم، وعليه استمر الشرح، وإن كان فيه على مذهب الخليل عيب السناد، وهو اختلاف حركة ما قبل الروي المقيد، وليس بعيب عند غيره لشهرة وروده في كلام العرب.
ومعنى (أم) اقصد، أم الشيء يؤمه: أي قصده، ووجهين: مفعول به، أي اقصد في ثاني أوم وجهين، وثاني أوم لفظا الواو، وأصله: أأمم، فثانيه على الأصل الهمزة الثانية، وهذا هو الذي قصد، فيعني أن الهمزة الثانية من هذا البناء ونحوه لك في إبدالها وجهان، والوجهان المذكوران متعينان مما تقدم، لأنه ذكر الإبدال واوا (والإبدال ياء، وجعل لكل واحد منهما موضعا معينا. ثم ذكر هنا وجهين، فدل على أنهما ذلك الوجهان، وهما الإبدال واوا) أو ياء، فيجوز لك أن تقول: أوم، كما ذكر بالواو، ويجوز أن تقول: أيم، بالياء وذلك أن هذا المثال المذكور مبني من أم على زنة (أفعل) فكان الأصل: أأمم، فكرهوا إظهار التضعيف، فنقلت فتحة الميم إلى الهمزة ثم أدغمت في الميم
الثانية فصار في التقدير: أأمّ، مثل ععم، فوجب إبدال الهمزة واوا أو ياء وكذلك ما كان نحوه فإذا بنيت من أن أو من أز، أو من أل، أو شبه ذلك من المضاعف العين واللام فحكمه ذلك الحكم. فإن شئت قلت: أونّ وأوزّ وأولّ، وإن شئت قلت: أين وأيز وأيل، فهما عند الناظم جائزان، وهما قولان للأخفش والمازني، فالأخفش يلتزم الإبدال واوا، والمازني يلتزم الإبدال ياء، ويتفقان فيما إذا لم يبن من المضاعف، فإذا بنيت أفعل من الأكل أو الأخذ أو الإباق أو نحوها قلت: هذا آكل من هذا وآخذ منه وآبق منه، وكذلك إن بنيت منه مثل إصبع أو أبلم لقلت: إيكل وأوكل، وكذلك الباقي، فلا خلاف بينهم في هذا النحو، وأما ما اختلفوا فيه فوجههأنه لما صار إلى آمم فلك هنا إعلالان لا بد من اجتماعهما، فإذا قدرت إبدال الهمزة أولا صار آمم، وإذا صار كذلك ساوى آدم وشبهه مما ليس بمضاعف، فإن أردت أن تدغم نقلت الحركة إلى الهمزة المبدلة، إذ لا بد من التحريك فيها لأجل الإدغام، فحركت على نحو ما حركت همزة آدم إذا قلت: أوادم وأويدم، لأجل الشبهة بينهما وبين الألف الزائدة في نحو: خالد وقاسم إذا قلت: خوالد وخويلد، وقواسم وقويسم، وإلى هذا العمل يئول قول الأخفش. وإذا قدرت الإدغام بعد نقل الحركة أولا صار أأم، فأبدلت الثانية ياء لأنها أقرب إلى الألف من الواو، ولا أبدلها واوا لذلك وإلى هذا ينظر المازني فيما ذهب إليه. وأيضا يقول المازني: إذا قدرت
الإبدال أولا فقلت: آمم، لزمك إذا أدغمت ألا تحرك شيئا من حيث صارت الهمزة ألفا، والألف عندكم كالألف الزائدة، فيجب الإدغام من غير تحريك، إذ المد في الألف قائم مقام الحركة فكنت تقول: آمّ، كما تقول: هذه شجة آمة، وهي فاعلة من أممت، فأن لم يقولوا في أفعل: آم، دليل واضح على أنهم لم يقبلوا الألف مع التضعيف (كما قلبوها في غير التضعيف) نحو آدم وآخر، فيقول الأخفش مجيبا عن هذا: إن الألف المبدلة من فاء أفعل ليست ألفا زائدة على الحقيقة، وإنما هي بدل من همزة هي فاءُ أفعل، فلولا أن الهمزة قبلها لظهرت، وليست كذلك ألف خالد، لأنها غير منقلبة عن شيء، وإنما هي زائدة، فلذلك لما بنيت من أممت فاعلة قلت: آمة، ولم تحرك الألف بحركة الميم المدغمة لأنها لا حظ لها في الحركة، ولما كان امتداد الصوت نائبا عن الحركة احتملت أن يقع بعدها الساكن، بخلاف ما إذا بنيت أفعل منك من أممت قلت: هذا آمم من هذا، ثم أدغمت، جاز أن تلقى حركة الميم على الهمزة المبدلة، لأنها بدل من فاء الفعل، ولها أصل في الحركة، فإذا تحركت أبدلت (إبدال) ألف آدم لما قلت: أوادم كما تقدم.
فإن قيل: إنك عاملت ألف آدم معاملة ألف خالد وأجريتها في الحكم عليها وعاملتها معاملة ما لا أصل له في الحركة، ثم إنك انتقلت الآن إلى زعم أن ليست كذلك حين عاملتها معاملة أصلها، فهي إذا ليست كألف خالد، لكنك أثبت ذلك، فهذا تناقض ظاهر، وهذه حجة للمازني.
فالجواب: أن للأخفش أن يجيب عن هذا بأن ألف آدم ونحوه وإن أشبهت ألف خالد فجرت مجراها في بعض الأشياء، فلا يمكن أن تجري مجراها في جميع الأشياء، ألا ترى أنه لا يمكننا أن نقضي بزيادة ألف آدم كما نقضي بزيادة ألف خالد، (وكما لا يمكننا أن نقضي بانقلاب)(ألف خالد كما نقضي بانقلابها من آدم)(فقد يشبه الشيء الشيء من وجه ويخالفه) من وجه آخر، فيحكم له بالحكمين على وجه يمكن فيه الجمع بينهما كهذه القضية، فلهذا إذا اضطررنا إلى تحريك هذه الفاء بإلقاء حركة المدغم بعدها (عليها) جاز، لأنها في الجملة قابلة للحركة فقدرنا على تحريكها بخلاف ألف آمة -فاعلة من أم- فإنه لا يجوز لعدم قبولها للحركة فاكتفينا بمدها عن الحركة حيث لم يقدر على غير ذلك.
هذه جملة من الاحتجاج للفريقين أكثرها لابن جني، وهي دلائل تتكافأ أو تكاد، فلأجل هذا التكافؤ الذي اعتبره الناظم اطرح نقل الخلاف، وارتضى كل واحد من القياسين واعتبره، إذ لم يترجح (له) واحد منهما على الآخر، وهذه الطريقة جارية على طريقة من يقول (من أهل الأصول): إذا تكافأت
الدلائل الظنية أعملت، فصا مقتضى كل واحد منهما مخيرا فيه، والمسألة مقررة في الأصول. وهذا الذي ذهب إليه الناظم مذهب من المذاهب المقررة فيها.
ثم قوله: (ونحوه) يحتمل وجهين أحدهما: أن يريد ما كان على صفته من لاتضعيف في العين واللام ووزنه المخصوص الذي هو أفعل ولا زيادة على ذلك، وهي طريقته في نقل الخلاف في التسهيل، إذ قال لما قرر أوجه التسهيل:(خلافا للأخفش في كذا، وللمازني في استصحاب الياء المبدلة منها لكسرة أزالها التصغير أو التكسير، وفي إبدال الياء منها فاء لأفعل)، فقيد ذلك بأفعل وحده دون أفعُل وإفعُل وأفعُل، ونحو ذلك، وهو نقل ابن عصفور عن مذهب المازني، وإياه اتبع المؤلف. ويحتمل أن يريد ما كان على منهاجه وطريقته من كونه مضاعف العين واللام مبنيا مما أوله همزة على مثال المزيد أوله همزة، فيدخل في ذلك بناؤك من أم مثل أبلم فتقول: أيم، أو مثل أصبع فتقول: أيم، أو مثل إصبع فتقول: إيم، أو مثل أحمر فتقول: أيم، أو مثل أصبع فتقول: أيم، أو مثل إصبع فتقول: إيم، وهذا يتعاقبان فيه، وكذلك فيما إذا انكسرت الهمزة المبدلة، فقد يمكن أن يكون المازني مخالفا في هذا كله، وقد قال ابن الضائع في الهمزة الثانية إذا كانت متحركة: إن مذهب المازني قلبها ياء أبدا، أما المكسورة فمن أجل حركتها، وأما المفتوحة فلما تعذرت الألف قلبت ياء؛ لأنها أقرب إلى الألف، وأما المضمومة فلاستثقال الضمة على الواو
مع غلبة الياء على هذه الهمزة. هذا ما قال، وهو نص فيما ذكرته، ولعل كلام المازني في تصريفه يرشد إلى هذا فتأمله، والمذهب الأول قد يظهر منه أيضا، وعلى كلتا الطريقتين فأفعل الذي أراده يحتمل أن يدخل له فيه ما كان اسما وما كان فعلا، نحو بنائك من أم مثل أكرم، فتقول على طريقة الأخفش: أوم، وعلى طريقة المازني: أيم، وهذا ظاهر وعلى الناظم بعد (ذلك) سؤالان:
أحدهما: أن الهمزتين قد تجتمعان ولا يجب فيهما إبدال، وذلك إذا كانت إحداهما حرف مضارعة والهمزة الثانية متحركة، فتقول: أوم وأئن وأؤم وأؤدي وأؤكد، وما كان نحو ذلك، فيجوز هنا التحقيق والتسهيل (بين بين، وليس الإبدال المحض بواجب بنصه في كتابه التسهيل) حيث استثنى هذا الموضع من وجوب الإبدال، فقال:(فإن تحركتا والأولى لغير المضارعة أبدلت الثانية ياء إن انكسرت) إلى آخره، فإذا كان كذلك كان من الواجب أن يستثنى ذلك هنا، لكنه لم يفعل، فلزمه، فلزمه الدرك.
والثاني: أنه دخل له في هذا الحكم المجعم الهمزتان إذا كانتا عينين نحو: سأل ورأس ورأم، وما أشبهها مما الحكم فيه عدم الإبدال، وذلك أن العين المضاعفة إذا كانت همزة تترك على حالها ولا يجب إبدال أحدهما، بل يبقيان على ما كانتا عليه، بخلاف ما إذا ضعفت اللام فإن الثانية تبدل ياء، فإذا بنيت من قرأ مثل قمطر قلت: قرأي، وهذا بين
وإذا بنيت منه مثل معد قلت: قرأي، وإن كان الدالان مضاعفين بخلاف ما إذا بنيت فعالا من: سأل أو رأس، فإنك تقول: سآل ورآس، وكذلك إذا بنيت منه مثل قطَّع قلت: سأَّل ورأَّس، وكذلك مضارعه، قال الطرماح:
من كل ذاقنة يعوم زمامها
…
عوم الخشاش على الصفا يترأَّد
وكذلك اسم فاعله ومفعوله والأمر منه ما لم يكن تضعيف لام فإنه لا يقر، كذلك قال المازني حين بين حكم اللام في تضعيف الهمزة فيه: (وسألت أبا الحسن -وهو الذي بدأ بهذه المقالة- يعني أنه أول من ادعى أنه تقول: قرأي في أنه معد من قرأ- فقلت له: ما بال الهمزة الأولى إذا كان أصلها السكون لا تكون مثل همزة سأل ورأس؟ فقال: من قبل أن العين لا تجيء أبدا إلا وبعدها مثلها، واللام قد تجيء بعدها لام ليست من لفظها، ألا ترى أن قمطرا وهدملة وسبطرا قد جاءت اللامان مختلفتين، وكذلك جميع الأربعة والخمسة، والعينان لا تكونان كذلك، فلذلك فرقت بينهما. قال المازني: والقول عندي كما قال.
ومعنى كلام الأخفش أنه لما اعتبر اللام فوجدها قد تكرر من غير لفظ اللام ووجد العين لا تكرر إلا من لفظ العين نحو طاء قطَّع ولام سلَّم، ووجد
اللامين قد تختلفان في نحو هِدَمْلة وبابها، وكان اجتماع الهمزتين في كلمة واحدة مكروها عنده قال في قمطر من قرأت: قرأي، أصله قرأ، فقلبت الثانية ياء، وكان القلب إلى الياء لأنها أغلب على اللام لأنها رابعة، ولولا أنه لا يوجد في كلامهم عينان بلفظين مختلفين لقيل في سأل ونحوه: سأيال ورأياس، أو سأوال ورأواس، بقلب الثانية، ولكن هذا غير موجود في كلامهم، فأقرت العينان بلفظ واحد، وقلبت الثانية من قرأي كما قلبت في جاءٍ ونحوه.
هذا ما قالوه وهو صحيح في النظر. وقد نبه على هذا في التسهيل فقال: (فإن سكنت الأولى أبدلت الثانية ياء إن كانت موضع اللام، وإلا صححت) فكلامه هنا يقتضي أن تبدل في سأل ونحوه الثانية ياء أو واوا، وذلك لا يكون.
والجواب عن الأول أن نقول: إن الناظم قد التزم الإبدال مطلقا على ما يظهر من كلامه، أما إذا كان ما بعدها همزة المضارعة من الهمز ساكنا فلا خلاف في الإبدال نحو: أومن وأوتي، وما
أشبه ذلك. وأما إن كان متحركا فكذلك أيضا لا بد من الإبدال، وقد نص ابن جني على منع إقراره بعد همزة المضارعة، ولم يحك فيه خلافا، قال شيخنا القاضي -رحمه الله تعالى-: وقد يقوي مذهبه التزام الحذف في أكرم وأعلن وما أشبه ذلك، فلولا [؟ فلو] كان اجتماع الهمزتين جائزا لم يحذفوه، فإذًا لا إشكال عليه، ويكون هنا مخالفا لمذهبه في التسهيل، وكم من مسألة فعل فيها هكذا كما مضى بيانه.
والجواب عن الثاني: أن ما ذكر من سأل ونحوه لا يدخل له تحت ما ذكر حكمه، وذلك أنه إنما تكلم في الساكنة بعد المتحركة، أو في المتحركة بعد المتحركة، ألا تراه قال:(إن يفتح اثر ضم او فتح قلب)، وقال:(وياء إثر كسر ينقلب) ثم قال (ذو الكسر مطلقا) وأراد بالإطلاق بأي حركة تحرك ما قبلها كما تقدم. ثم قال (وأوم ونحوه) حكمه كذا، فلم يتكلم إلا في ساكنة بعد متحركة أو متحركتين، فلم يدخل له غير ذلك إلا حين استثنى كون الهمز أتم لفظا، وهو استثناء من جميع ما ذكر ومن غيره، فدخل له مثل معد ونحوه من قرأ، وبقي سأل ونحوه لم يدخل له في واحد من تلك الأقسام، وإذا كان كذلك ثبت له من مفهوم تلك التقييدات وتلك الأوصاف خروجه عن حكم الإبدال رأسا، وذلك ثلاثة أقسام إذا كانت مختصة بالعين، وهي المفتوحة والمضمومة والمكسورة بعد الساكنة. فقد حصر تحت قاعدته جميع الأقسام الستة عشر، وحكم على كل واحد بما يليق به إلا الساكنة بعد الساكنة فإن ذلك لا يجتمع، ولم ينبه عليه لبيانه، وهذا حسن من التقرير وبديع من الاختصار.
وهذا التفسير إنما هو على أن قوله: (وأوم) ليس بفعل مضارع كما وقع في نسخ من هذه الأرجوزة، والذي شرح عليه ابن الناظم أنه (أوُم) بضم الواو على وزن (أعُمّ)، فإن ثبت كذلك فيريد أن ما كانت الهمزة الأولى فيه للمضارعة ففي همزته الثانية وجهان، أحدهما الإبدال كما
تقدم، والثاني البقاء على الأصل من التحقيق اعتبارا بتقدير انفصال الأولى، لأنها حرف جاءت لمعنى المضارعة، فليست مع الثانية إلا كالكلمة الأخرى كهمزة الاستفهام ونحوها، فتقول: أؤم وأوُم، ويكون هذا المذهب موافقا لما في التسهيل حيث لم يستثن من وجوب الإبدال ما كانت الهمزة الأولى فيه للمضارعة، وغير موافق للنحويين حيث سووا بين ذلك كما تقدم ذكره.
ومعنى قوله (ونحوه) أي ما كان شبه هذا مما الهمزة فيه للمضارعة، نحو أئِنّ وأئطّ، وكذلك المضارع من ألِلَ السقاء إذا قلت (أئلّ) وما أشبه ذلك يجوز لك فيه الإبدال والبقاء على الأصل ما زعم ابنه من أن بعض العرب يحققون الهمزتين هنا. والضبط الأول -إن ثبت- أولى لصواب منحاه، وعموم الفائدة فيه وموافقته لغيره من النحويين.
وياءً اقلب ألفا كسرا تلا
…
أو ياء تصغير، بواوٍ ذا افعلا
في آخر أو قبل تا التأنيث أو
…
زيادتي فعلان ذا أيضا رأوا
في مصدر المعتل عينا والفعل
…
منه صحيح غالبا نحو الحول
أخذ الناظم رحمه الله في الكلام على ما تبدل منه الياء، وهو الثاني من حروف البدل، وذكر هنا من الحروف التي تبدل منها حرفين: الألف
والواو، وقد ذكر ابن جني أن الياء تبدل من ثمانية عشر حرفا، ولكن القياس من ذلك كله بدلها من الألف ومن الواو ومن الهمزة، فقد ذكر إبدالها من الهمزة فبقي الحرفان، فأما ما عدا ذلك فإن إبدال الياء منه محفوظ، ولا بأس بذكر شيء منه ليتبين به صحة ما قصد الناظم ذكره وما قصد تركه، فتبدل من الهاء في دهديت الحجر، أصله دهدهت، قال أبو النجم:
كأن صوت جرعها المستعجل
…
جندلة دهديتها بجندل
وصهصيت بالرجل قلت له: صه صه، ومن السين قول الشاعر:
إذا ما عد أربعة فسالٌ
…
فزوجك خامس وأبوك سادي
وقال الآخر:
عمرو وكعب وعبد الله بينهما
…
وابناهما خمسة والحارث السادي
وأبيات أخر، ومن الياء نحو ديباج، أصله دبَّاج، بدليل قولهم: دبابيج، وقال ابن جني: أخبرني أبو علي أن أبا العباس أحمد بن يحيى حكى عنهم: لا وربْيِك لا أفعل، أي لا وربك.
وأنشد سيبويه:
لها أشارير من لحم تتمره
…
من الثعالي ووخز من أرانيها
قال: أراد الثعالب والأرانب فلم يمكنه أن يسكن الباء فأبدل منها حرفا يسكن في موضع الجر.
ومن الراء في قولهم: قيراط، أصله قِرَّاط بدليل قولهم: قراريط، وكذلك شيراز، أصله شراز، لقولهم: شراريز. وقالوا: تسريت: اتخذت سرية، والسرية فعلية من السر، لأن صاحبها أبدا يخفيها عن زوجه وصاحبة منزله، أو من السر بمعنى الجماع، لأنها متخذة له دون الخدمة، وباقي ذلك ذكره ابن جني وغيره، هذا ما حكوا من الإبدال غير القياسي.
ولنرجع إلى ما ذكره، فأما الألف فذكر أنها تقلب ياء لسببين:
أحدهما: وقوع الألف تالية: أي تابعة للكسر، وذلك قوله:(وياء اقلب ألفا كسرا تلا)، فياء: مفعول ثان لاقلب، وألفا: هو المفعول الأول، وكسرا: مفعول بتلا.
وضمير (تلا) للألف، والجملة في موضع الصفة لألف، يعني أن الألف إذا وقع قبلها كسر فإن تلك الألف تقلب ياء لأجل الكسرة التي قبلها، لأن الألف لا تثبت بعد الكسرة لأنها مدة فلا تأتي إلا بعد ما هي مدة له من الحركات، وهي الفتحة، فتقول في مفتاح: مفاتيح، وفي شملال: شماليل، وفي خلخال: خلاخيل، وما أشبه ذلك، وكذلك في التصغير إذا لت: مفيليح، وشميليل، وخليخيل.
والثاني: وقوعها بعد ياء التصغير، وذلك قوله:(أو ياء تصغير) وهو منصوب عطفا على (كسرا) كأنه قال: أو تلا الألف ياء تصغير، يعني أن الألف إذا وقعت بعد الياء المسوقة للتصغير فإنها لا تقر على ما هي عليه وإن لم يقع قبلها كسرة، لأن ياء التصغير إذا وقع بعدها حرف غير حرف الإعراب فلا بد من كسرة لتقوم به بنية فعيعل، والألف لا تقبل الكسرة، فلا بد من قلبها ياء لذلك فقالوا في كتاب: كتيب، وفي حساب: حسيب، وفي عناق عنيق، وفي دخان دخين، وما أشبه ذلك.
والألف هنا لا بد أن تكون زائدة كما تقدم في المثل، فإن كانت أصلية أو منقلب عن أصل فصارت بعد ذلك ياء أو واوا فأصلها هو الذي ثبت فيه ذلك الحكم، فانقاد واختار إذا بني للمفعول فعيل [؟ فقيل]: اختير وانقيد، ليست ياؤه بدلا من الألف، بل هي الياء الأصلية في اختار، والمنقلبة عن الواو في انقاد.
وأما الواو فقال فيها (بواو ذا افعلا) أراد: وبواو، فحذف العاطف على عادته، وذا: إشارة إلى الحكم المتقدم وهو القلب ياء، وألف (افعلا) مبدلة من نون التأكيد الخفيفة، يعني أن الواو أيضا تبدل ياء في المواضع التي ذكر، لكنه لم يذكر هنا العلة التي لأجلها تنقلب الواو ياء، لأنه أحال على ما تقدم من العلتين، وهما أن تكون تالية للكسر أو لياء التصغير فلا بد أن يجري على هذا الترتيب ما لم ينسخه بغيره.
فمن المواضع التي عينها أن تقع الواو آخرا، وذلك قوله (في آخر) أي في آخر الكلمة، ومعنى كونها آخرا أن يقع عليها الإعراب بحيث لا يكون بعدها غيرها، لا أنه يريد أن تقع لاما للكلمة، لأنه يذكر إثر هذا قسيما له ما فيه تاء التأنيث أو زيادتا فعلان، فدل على أنه يريد الآخر المجرد عن الزوائد بحيث يقع عليه الإعراب، فإذا كانت الواو كذلك انقلبت ياء سواء أكانت زائدة أم أصلية، لا فرق هنا بينهما، بخلاف الألف، إذ لا يمكن ذلك في الألف ويمكن ههنا.
فأما انقلابها لوقوع الكسرة قبلها فنحو رضي، أصله الواو لأنه من الرضوان، ودعي وغزي لأنه من دعوت وغزوت، وكذلك داع وغاز وتال من تلوت، وما أشبه ذلك.
وأما انقلابها لوقوع ياء التصغير قبلها فنحو غَزْو ودلو، فإنك تقول: دُلَيّ، وغُزَيّ، وفي واو: أوي، وشبه ذلك إلا أن هذه الحالة فيها نظر، وهو
أن قلب الواو ياء لوقوع ياء التصغير قبلها في هذا راجع إلى قاعدة أخرى سيذكرها، وهو اجتماع الواو والياء وسبق إحداهما بالسكون، لا من جهة كونها ياء تصغير، ألا ترى أنها لو لم تكن بياء تصغير لكان الحكم القلب ياء أيضا كقولك: سيد وميت وهين، على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى، فإذًا لا أثر لياء التصغير في هذا، وأيضا ليس هذا مخصوصا بالآخر ولا بما يليه تاء التأنيث أو الألف والنون، بل قد يكون فيما كان من الواوات حشوا كالمثل المذكورة، ولا يقال: إن الأمر وإن كان كذلك فهو مما تشمله القاعدتان ما ذكره هنا وما ذكره هنا، ولا يلقى في هذا محذور. لأنا نقول: قد ظهر أن ياء التصغير هنا لا أثر لها لكون ما عداها من الياءات حكمها هذا الحكم، وأيضا فإن خصصنا ياء التصغير بهذا الحكم أوهم مفهوما لا يصح، وهو أن غير ياء التصغير ليس له هذا الحكم، وأيضا فإن مشى هذا الاعتذار في ثلاثة المواضع المذكورة هنا وهي الآخر وما قبل تاء التأنيث والألف والنون لم يجز له فيما يأتي بعد ذلك، فالحاصل أن الناظم كان الواجب عليه أن يعن لهذه الأحكام السبب الواحد، وهو الكسر، وكذلك فعل في التسهيل إذ قال:(تبدل الألف ياء لوعها [؟ لوقوعها] إثر كسرة أو ياء تصغير)، ثم قال:(وكذلك الواو الواقعة إثر كسرة)، فخص ذلك بالكسرة لأن ياء التصغير إنما تكون سببا في قلب الألف فقط.
وفي ذكره وقوع الكسرة قبل الواو ما يشير إلى المباشرة، والحكم كذلك، فإن وقع بين الواو والكسرة فاصل لم يجب ذلك الحكم، ولا تنقلب الواو ياء إلا في الشاذ، وذلك إذا حال بينهما حرف ساكن لضعف الساكن أن يكون فاصلا معتدا به، كقولهم: ناقة بِلْي سفر، وبلو سفر، من بلوت، وأرض عِذْي وطعام عذي، وقالوا في جمع عذاة: عذوات.
ومما شذ في الموضع الثاني قولهم: صبية وقنية، وعلية وقدية بمعنى قدوة وحذية من حذوت.
ومما شذ في الموضع الثالث قولهم: صبيان، أصله الواو من الصبوة.
وهذا كله يحفظ ولا يقاس عليه.
ومن المواضع التي عيَّنها أن تقع الواو قبل تاء التأنيث، فهنالك أيضا تؤثر الكسرة فتقول: غازية، وداعية، ومحنية. وكذلك إذا صغرت قرنوة ومعلوة، وقلنسوة -على حذف النون- فإنك تقول: قرينية، ومعيلية، وقليسية، وما أشبه ذلك، وذلك قوله (أو قبل تا التأنيث) وهو
معطوف على قوله (في آخر) أي افعل هذا في آخر أو في هذا المحل الآخر، وهذا الذي ذكر هو الحكم العام، وقد شذ عن هذه القاعدة ألفاظ مسموعة نحو: مقاتوة، وسواوسة، وأقروة.
ومنها أن تقع الواو قبل زيادتي فعلان، وزيادتا فعلان هما الألف والنون، فكأنه قال: أو قبل الألف والنون الزائدتين.
وقوله: (زيادتي فعلان) مخفوض عطفا على (تا التأنيث)، ويعني أن الواو أيضا تقلب ياء إذا وقعت إثر كسرة قبل الألف والنون المزيدتين، ولا يريد خصوص هذا الوزن بعينه، إذ لا كسرة فيه، ولا الحكم أيضا مختصا بنحوه، فتقول في فَعِلان من الغزو: غزيان، ومن العلو: عليان، ومن القوة أو الحوة: قويان وحويان، وما أشبه ذلك. وفعلوان إذا صغرته فقلت: فعيليان نحو عنيظيان في عنظوان وعنيفيان في عنفوان، وكذلك تقول: العنظيان وأصله الواو، لغة في العنظوان، فليس فعلان في كلام مقصودا، وإنما مراده ما آخره ألف ونون زائدتان، ولذلك قال: زيادتا فعلان، فلم يخص الوزن وإنما خص آخره فقط. لكن الكسر محمول على إطلاقه من كونه ظاهرًا أو
مقدر الظهور، فقد نصوا على أن المسكن من الكسر تخفيفا حكمه حكم مالو (لم) يسكن، فتقول في فلان من الغزو إذا سكن: غزيان، ومن القوة: قويان، ومن الحوة: حويان، وكذلك ما كان نحوه، وعلى هذا يجري حكم ما تقدم من المواضع، فإذا قلت: غزى، فأسكنت الزاي من غزى بقيت الياء كما كانت، وكذلك رضي، إذا قلت فيه: رضي.
ومن ذلك قول الراجز، أنشده ابن جني:
تهزأ مني أخت آل طيسله
…
قالت: أراده آبقا قد دنى له
وهو من الدنو، أصله دنى، فأقر الياء على حالها. وعلى هذا تقول في فعلة من القرو أو الدحو: دحية وغزية، فتقلب للكسرة فإذا سكنت تخفيفا قلت: دحية وغزية، الأمر في هذا كله واحد.
وفي هذه المواضع نظر من وجهين:
أحدهما أنه قيد الواو في بعضها بكونه آخرا، أو قبل تاء التأنيث، أو قبل زيادتي فعلان. وهذا التقييد الذي ذكر مفيد بمفهومه أن الواو إذا وقعت حشوا والكسرة قبلها فليس لها هذا الحكم ولا تبدل فيه الواو، فاستدرك من ذلك الحكم حكم المصدر المعتل عينا، وجمع المعتل العين، وجمع المسكن العين،
وفعلة جمعا، وفعل جمعا، فاقتضى (أن) ما عدا ذلك على الأصل يجري من غير إبدال. وذلك غير صحيح؛ فإن ثم مواضع يجب فيه إبدال الياء من الواو، فمن ذلك كل واو ساكنة قبلها كسرة فاء كانت أو عينا، فالفاء نحو: ميقات، من الوقت، وميعاد من الوعد، وميزان من الوزن، ورجل ميفاء من الوفاء، وميلاد من الولادة. أصل ذلك كله موقات، وموعاد، وموزان، وموفاء، ومولاد، فاستثقلت الواو إثر الكسرة فقلبت إلى حرف مناسب للكسرة، وذلك الياء. والعين/ نحو ديمة من الدوام، وقيمة من القوام، وحيلة من الحول، وثيرة- مسكن الياء- جمع ثور، قال الأعشى:
فظل يأكل منها وهي راتعة
…
صدر النهار يراعى ثيرة رتعا
وكذلك ما أشبهه وهو، كله يجب فيه الإبدال ما لم تكن الواو مضاعفة مدغمة في ضعفها فإن القلب لا يكون إلا شاذا، وذلك نحو اعلواط واجلواذ. وكذلك إن بنيت من القول مثل فعل فإنك تقول: قول وقوال، وذلك لقوتها في المضاعف، فصارت كالمتحركة، والذي شذ من ذلك ديوان، أصله دوان، واجليواذا أصله اجلواذ، فهذا مما فات الناظم الكلام عليه، وهي من المسائل المشهورات الضرورية، مع أن كلامه (وتقييده) يوهم خلاف الحكم فيها.
والجواب أن يقال: هذه المسألة غير مبنية عليها هنا رأسا، ولعله اكتفى عن ذكرها هنا بذكرها في التصغير إشارة لا تقريرا، فإنه كثيرا ما يتكل على الإشارة في هذه النظم وقد قال في التصغير:
واردد لأصل ثانيا لينا قلب
…
فقيمة صير قويمة تصب
وقد تقدم بيانه على الجملة: ففيه أنه أتى بالمثال الذي هو قيمة، وقد حصل فيه القلب لما ذكر هنا من الكسر لكن مع زيادة، وهو سكون ذلك اللين. وإنما تكلم هنا على اللين المحرك، والمحرك أقوى من الساكن فلذلك كان ما عدا الساكن مشروط الإعلام بما يضعف قوته من تطرف، أو إعلال في الأصل، أو غير ذلك، بخلاف الساكن. الذي يؤنس باتكاله على ما تقدم أنه بنى عليه هنا مسألة في هذا الإعلال، وذلك قوله:
وجمع ذي عين أعل أو سكن
…
فاحكم بذا الإعلام فيه حيث عن
فإن من البعيد أن يذكر الإعلال الذي من جملته قلب الساكن للكسرة قبله كديمة وقيمة ولا يذكر أصل ذلك الإعلال البتة، فيكون إحالة على مالا يعلم من كتابه، إذ ليس هذا من شأن التعليم، فإذا الإحالة لا تكون إلا على معلوم عنده في هذا النظم، وليس إلا ما تقدم (له) هنالك. وإلا فعله سقط له (من) هنا بيت كان فيه تقرير ذلك الحكم، كما لو قال مثلا بعد قوله:
وصححوا فعلة وفي فعل
إلى آخره:
كذلك واو سكنت وأفردت
…
تقديرا آو لفظا كنحو ايتعدت
لم يبق عليه إشكال، ولا ورد عليه سؤال.
والوجه الثاني: أنه خص هذا الحكم بما تجرد آخره أو لابس تاء التأنيث أو زيادتي فلان، وكذلك فعل في التسهيل. وليس مقصورا على ذلك فقط، بل يجري فيما إذا كانت الواو المكسور ما قبلها قبل ألفي التأنيث، إذ هي عندهم في الزيادة في الآخر تجري مجرى الألف والنون في كثير من المواضع، ولذلك يجعل سيبويه منع الصرف في فعلان للشبه بألفي حمراء. وقد مر لذلك بيان في باب مالا ينصرف، وإذا كان كذلك فاقتصار الناظم على ما ذكر دون أن يذكر ما يجري الألف والنون. قصور وإيهام أن الحكم مخالف، وليس كذلك. فلو بنيت من الغزو مثل قرفصاء لقلت: غزوياء، أو من العدو لقلت: عدوياء، أصلها غزوواء، وعدوواء، فقبلت الواو ياء للكسرة قبلها، والمقوي للقلب في هذه المواضع كلها إنما وقوعها في موضع اللام، ولام الكلمة ضعيفة يسبقها الإعلال، فلذلك لم يؤثر تحريكها تصحيحا كما لو وقعت حشوا،
كما سيأتي بحول الله تعالى. وهو هنا أعذر منه في التسهيل لبعد ما بين المقصدين في الاقتصار والاستيفاء، فكان أولى به أن يذكر ألفي التأنيث فيما ذكره.
وقد يجاب (عنه) هنا بما هو شأنه من قصد عدم الاستيفاء، والاقتصار على بعض المهمات دون بعض.
ثم قال: "ذا أيضا رأوا، في مصدر المعتل عينا". وهذا أيضا من المواضع التي تقلب فيها الواو ياء للكسرة قبلها، وهو رابع المواضع.
ذا: إشارة إلى الحكم المذكور من قلب الواو ياء للكسرة قبلها؛ إذ العلة هنا لابد منها وإن لم يذكرها اتكالا على تقدمها ذكرا، فيحمل كلامه على اعتبارها، وبذلك تقديره كما تقدم قبيل هذا.
والضمير في "رأوا" راجع إلى العرب، لأن القلب ههنا مسموع ليس من القياس الذي رآه النحويون رأيا قياسا على المسموع كمسألة فعلان المذكورة ونحوها. وقد يمكن رجوعه إلى النحويين اعتبارا بأنهم رأوه قياسا مطردا.
وقوله: "في مصدر المعتل"، (متعلق) برأوا. و "عينا": تمييز منقول من الفاعل، و"المعتل عينا" صفة لموصوف محذوف تقديره: في مصدر الفعل المعتل عينه، يعني أن مصدر الفعل المعتل العين حكمه في قلب الواو فيه ياء للكسرة قبلها حكم ما تقدم. هذا إن كان كما قال مصدر فعل معتل العين، واعتلال العين هنا معناه كون الفعل قد دخله في عينه قلب أو إبدال، ولا يريد ما كان له عين هو حرف من حروف العلة مطلقا وإن لم يقع فيه قلب أو إبدال. بل ما دخله
الإعلال، وذلك نحو: قام قياما، أصله: قواما، لأنه من قام يقوم، وكذلك: صام صياما، وعاذ عياذا، ولاذ لياذا، وحالت الناقة حيالا، وكذلك تقول: انقاد انقيادا، واختار اختيارا، واقتاد اقتيادا، وما أشبه ذلك. وإنما قلبوا الواو هنا- وإن كانت متحركة- لضعفها من جهة أخرى وهي كونها قد اعتلت في الفعل، إذ قالوا: قام وصام، أصله: قوم وصوم، فأنقلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فحملوا المصدر على الفعل معتلا، فلو كانت العين في الفعل غير معتلة لم تعتل في المصدر، وذلك نحو" قاوم قواما، ولا وذ لواذا، وعاوذ عواذا، واعتونوا اعتوانا، واجتوروا اجتوارا، ونحو ذلك، لأن العين في المصدر قوية بالحركة، فلم تعتل لذلك، فإن جاء المصدر مصححا والفعل معتل كان من الشاذ المحفوظ، نحو: نارت المرأة تنور نوارا، ولم يقولوا: نيارا، قال العجاج:
يخلطن بالتأنس النوارا
ثم إن هذا المصدر الذي تقع الكسرة قبل واوه وعين الفعل منه معتلة. على وجهين:
أحدهما: أن يقع بعد واوه الألف نحو: قياما وصياما وسائر ما تقدم مما هو على فعال، فهذا الذي يجري فيه القياس المقتدم.
والثاني: ألا يقع بعد واوه ألف فيكون على فعل، فهذا غير/ داخل في ذلك الحكم عنده وإن كانت عين الفعل منه معتلة وعلة القلب موجودة،
لأن السماع جاء بخلاف ذلك، فلذلك أخرجه بقوله:"والفعل منه صحيح غالبا"، يعني أن العرب لم تعتبر في هذا النوع تلك العلة المذكورة وإن كانت موجودة، ولابد من اتباعها وإجراء الحكم على ما أجرته (العرب)، والغالب في كلامها تصحيح ما كان على فعل نحو: عاض عوضا، وحال حولا، قال الله تعالى:(لا يبغون عنها حولا)، والإعلال قليل، (ومنه قوله تعالى):{التي جعل الله لكم قيما} - وهي قراءة نافع وابن عامر وقوله: {دينا قيما} ، هو وصف بالمصدر، وهي قراءة الكوفيين وابن عامر.
وقوله: (نحو الحول)، هو مصدر حال الشيء يحول حولا، بمعنى تحول وزال، ومنه الآية:{لا يبغون عنها حولا} .
هذا ما قال الناظم، إلا أن فيه نظر من وجهين:
أحدهما: أن كلامه هنا مناقض له في التسهيل في دعوى القياس وفي نقل السماع، أما في دعوى القياس فإن اعتماده هنا على التصحيح قياسا، لأنه جعله الغالب في كلام العرب، وعادته البناء على الغالب والقياس عليه، فهو قد ارتضى هنا فيما كان على فعل من المصادر المعتلة (الفعل) ألا يغير ولا تقلب
واوه: (ياء)، وهو في التسهيل على خلاف ذلك إذ لم يستثن فعلا في القياس، بل أطلق القول فيه بناء على أعمال العله وهو كسر ما قبل الواو في مصدر المعتل العين فقال:"تبدل الياء بعد كسرة من واو هي عين مصدر لفعل معتل العين". ولم يقل: قبل ألف، كما قال ذلك في الجمع وأفرده بذلك دون المصدر، فأحد الموضعين لابد أن يكون دعوى القياس فيه خطأ عنده فضلا (عن) أن يكون خطأ عند غيره؛ إذ لا يصح أن يدعى القياس في فعل وعدم القياس معا إلا أن يكون ذلك في وقتين، وهو رجوع بلا شك.
وأما تناقضه في نقل السماع فإنه زعم هنا أن الغالب في كلام العرب تصحيح فعل والنادر هو الإعلال، وهو صريح في كلامه. وقال في التسهيل:"وقد يصحح ما حقه الإعلال من فعل مصدرا أو جمعا". وهذه إشارة منه إلى السماع المخالف لقياسه المذكور، أتى فيها بقد المفيدة للتقليل في استعماله لها؛ إذ هي عادته إذا أراد تقليل المنقول، فإذا قد صرح هنا بقلة التصحيح، وذلك يقضى بلا بد أنه ليس بأكثر من الإعلال، وكيف يكون أكثر عنده فيترك القياس عليه إلى ما هو أقل منه فيقيس عليه؟ ! هذا ما لا يقبله عقل ولا يرتضيه ذو علم. وقد كان يمكن الجواب عن هذا التناقض لو كان في القياس فقط؛ إذ يكون أحد الرأيين في الكتابين مرجوعا عنه، ولا محذور فيه للمجتهد، ولا أيضا
للمقلد إذا نقل رأيين متضادين في موضعين، لأنه إنما نقل رأي غيره، وإنما المحذور نقل السماع في موضعين على تضاد، إذ يلزم الكذب في أحد النقلين قطعا، لأنه إخبار عن أمر خارجي لا رأي فيه، فأحد الأمرين لازم، إما الكذب في نقله في التسهيل، وإما في نقله هذا.
والوجه الثاني: أنه وضع العلة على عدم الاطراد ولم يحتط فيها، وذلك أنه جعل العلة كسر ما قبل الواو. واعتلالها في الفعل، فهي عله مركبة من جزئين، ثم بعد ذلك أخبر/ أن ما وجدت فيه تلك العلة فمنه ما هي فيه معملة، ومنه مالا تعمل فيه وإن كانت موجودة، وذلك فعل من المصادر. وهذا في التعليل غير صحيح، لأن حقيقة العلة أن تكون جارية في أفرادها معملة فيما وجدت فيه، وإلا فليست بعلة سواء أزعمت أن علل النحو عقلية أو وضعية، لأنها إما باعثة على الحكم، وهي العقلية، فلا بد أن يوجد الحكم بوجودها ويعدم بعدمها، وإما معرفة له أو علامة عليه فلا بد أن توضح في جميع مجال الحكم وإلا لم تكن معرفة إذا وجدن ولم يوجد الحكم. وقد بينت هذا في الأصول العربية. وعلى كل تقدير فتعليل الناظم غير صحيح إذ العلة المركبة التي ذكر موجودة في حلو وعوض ونحوهما والحكم مختلف، ولا يقال: إن تخلف الحكم هنا لعله لوجود مانع أو لفوات شرط، وإذا كان كذلك لم تكن العلة فاسدة، إذ العلة هي الباعث على الحكم، وقد توجد ولا يوجد الحكم لوجود مانع كما تقول في
أي: إن سبب البناء فيها موجود وهو تضمنها معنى الحرف، فكان لأصل أن تبنى، لكن منع (من) ذلك مانع، وهو الحمل على النظير والنقيض، على ما أجاب (به) ابن ملكون تلميذه الشلوبين حين سأله عن ذلك، وكما تقول في جيل، تخفيف جيأل:(كان) الأصل أن تقلب الياء ألفا لوجود سبب القلب وهو تحركها وانفتاح ما قبلها، لكن فقد شرط القلب وهو كون الفتحة غير عارضة بل لازمة، فإن اللزوم شرط في إعمال هذه لعلة، ولا يكون هذا كله إفسادا للعلة أصلا، وإنما تكون العلة فاسدة إذا تخلف عنها جزء من أجزائها، فهذه لمسألة التي بصددها يمكن أن تكون العلة فيها صحيحة، ويكون تخلف الحكم عنها لوجود مانع أو فوات شرط فلا تكون فاسدة- لأنا نقول:(إن) هذا ليس من ذلك، وإنما هو مما فات العلة فيه جزء من أجزائها، وذلك أن العلة في قيام وصيام وجود الكسرة قبل الواو، والألف بعدها، وكونها معتلة في الفعل، فهذه هي العلة الكاملة.
فإن قيل: لعل وجود الألف بعدها شرطا لا جزء علة.
فالجواب: أن قانون التمييز بين الشرط وجزء العلة هو الحكم بيننا، والفرق بينهما أن جزء العلة له مناسبة في التأثير وإثبات الحكم، وأما الشرط فلا مناسبة فيه لوجود حكم ولا لعدمه، ونحن إذا نظرنا وجود الألف بعد الواو
هنا وجدنا فيه مناسبة للتأثير على ما قاله ابن جني، وهو أن الألف أقرب في الشبه بالياء من الواو، والشبه بها اقتضى وجود الياء دون الواو، فقوى الموجب للقلب بهذا الوصف لما فيه من المناسبة المقتضية للتأثير، بخلاف وصف لأصالة لفتحة قوم فإن ذلك ليس بمناسب للقلب ألفا، لأن الاستثقال لفظي، والأصالة والعروض غير راجعين إلى اللفظ، فمسألتنا (من قبيل) ما وجود الألف فيه (لها) تأثير في الحكم، فوجب أن يجعل جزء علة، وقد بين السيرافي معنى ما تقرر من كون الألف لها تأثير ما في الإعلال، وبين وجه ذلك فقال: اعلم أن كون الألف بعد الواو يوجب لها إعلالا ما، فإذا انضم إلى ذلك كسر ما قبل الواو، وأن تكون في مصدر قد اعتل فعله، أو في جمع قد سكنت في واحدة، فيجب/ قبلها ياء، ولذلك لم تعتل في قاوم قواما، قال: ولا تعتل في خوان لأنه واحد، ولا تعتل في كوز وكوزة لأن الألف تشبه الياء، فتصير الواو بعد الكسرة وقبل ما يشبه الياء مع ما ذكر بمنزلة واو معها ياء ساكنة، فقبلت كسيد، قال: وأيضا لما كانت الفتحة قبل الألف ليست خالصة للحرف الذي قبلها، إذ يقل، وهو كما ترى ظاهر في أن الألف جزء علة، وإذ ذاك تكون علته التي ذكر غير صحيحة.
والجواب عن الاعتراض الأول أن مخالفة كلامه في القياس اختلاف رأي في وقتين، فرأى هنا أن ذلك إنما يكون قياسا فيما بعد واوه ألف دون الآخر، ورأى في التسهيل القياس مطلقا في القسمين، ولا نكير في مثل هذا لاسيما وهو مجتهد مصرح في كتبه بالانتصاب في منصب الاجتهاد، فالاعتراض بهذا ساقط وإنما يلزمه الاعتراض في التسهيل حيث ذهب مذهبا مخالفا لمذهب النحويين، لأنهم يجعلون باب قديم شاذا مسموعا ولا يعلمون فيه القياس. وقد نص الفارسي في الحجة على شذوذ ما اعتل من فعل، وهو ظاهر كلام سيبويه، إذ جعل الحول والعوض نظير باب زوجة وعودة حيث قال:"وإذا قلت: فعلة، فجمعت ما في واحده الواو أثبت الواو، كما قلت: فعل، فأثبت ذلك، وذلك قولك: حول وعوض، لأن الواحد قد ثبتت فيه وليس بعدها ألف فيكون كالسياط، وذلك قولك: كوز وكوزة .. " إلى آخره. فإذا كان كذلك فهو في التسهيل مخالف للإجماع فيما يظهر بخلاف ما ذهب إليه ههنا فإنه لم يجعله قياسا، ذهابا إلى ما ذهب إليه الناس، فإن كان ما ههنا هو آخر رأييه فلله دره فيما رأى! وإن كان الأول فرب مرجوع عنه يكون هو الراجح الصحيح. وأما تناقضه في نقل السماع فلا بد أن ينظر في النقلين وأيهما الصادق فنجعله هو المعتمد، وما عداه خطأ في النقل، ولا شك أن ما نقله هنا
من كثرة التصحيح وقلة الإعلال هو الصحيح الموافق لما نقل غيره، وما ذكر في التسهيل من قلة التصحيح مشيرا إلى ذلك بقد الصريحة عنده في التعليل غير صحيح.
وقد أجاب شيخنا القاضي- رحمه الله تعالى- عن كلامه في التسهيل من بعد ما أورد عليه الإشكال، وقال: إن النحويين قد نصوا على أن فعلا في المصادر شاذ، وأن حكم القلب فيه شاذ، وكان ما أجاب به أن قال: إن كلام المؤلف صحيح وكلام النحاة صحيح، وذلك أن النحويين يجعلون المصادر على فعل من الشاذ القليل، وهذا صحيح، والمؤلف يدعي أن ما جاء منه معتلا فهو على مقتضى القياس، وهذا أيضا صحيح لا إشكال فيه.
هذا معنى ما أدركته من كلامه الذي سمعته منه عند قراءتنا عليه تصريف التسهيل. ويظهر لي الآن أنه لا يرفع الإشكال الذي أوردته عليه، فإن فعلا وإن كان قليلا في نفسه فالذي يدعي فيه النحويون قياسا هو التصحيح، والمؤلف قد نافقهم في هذا، ثم إن النحويين لا/ يقولون في فعل بكثرة سماعه معتلا، بل يجعلون الاعتلال فيه (أيضا) شاذا، والكثير فيه الذي يجري عليه القياس التصحيح، وإلا فلو كان التصحيح في فعل هو الشاذ (في ذلك)، (الشاذ) لم يمكنهم أن يدعوا فيه (نفسه) القياس، وقد جعل هو التصحيح قليلا، فقد خالفهم في القياس والنقل، ولاشك أن يد الله مع الجماعة.
وقد يتخرج كلام التسهيل على وجه لا يليق ذكره بهذا الوضع وقد حصل من مجموع هذا أن ما قاله هنا لا غبار فيه.
والجواب عن الثاني: أن كلام الناظم قد يصح على مقتضى ما تقرر في السؤال، وذلك على أن يكون قوله:"والفعل منه صحيح" من تمام التقسيم، لأن قوة كلامه يعطى تقسيم المصدر إلى ما بعد الواو فيه ألف، وإلى ما ليس كذلك، وحكم على ما ليس فيه ألف بالتصحيح، فإذا الألف جزء موجب الإعلال. وقوله:"والفعل منه صحيح"، أي: لأجل المانع، وهو سقوط جزء العلة، فإذا كانت قوة كلامه تعطي اعتبار الألف في هذا الحكم فقد حصل تمام العلة المقررة، والله أعلم.
وجمع ذي عين أعل أو سكن
…
فاحكم بذا الإعلال فيه حيث عن
وصححوا فعلة وفي فعل
…
وجهان والإعلال أولى كالحيل
هذان موضعان من المواضع التي تقلب فيها الواو ياء لكسرة قبلها، وهما الخامس والسادس، وهما جمع المفرد الذي أعلت عينه، وجمع المفرد الذي سكنه عينه وإن لم تعتل، وكلاهما لا يكون إلا فيما كان عينه واوا؛ إذ معنى الاعتلال في كلامه التغيير والانقلاب، ولا يعني به كون العين من حروف العلة كما
تقدم قبل هذا. فيريد أن ما كان من المجموع جمعا لمفرد اعتلت عينه بقلب أو إبدال أو جمعا لمفرد سكنت عينه وتلك العين في الأصل واو، ووقع قبل تلك الواو كسرة حكمه أن تقلب واوه ياء مطلقا. وإطلاقه القول في الإعلال ليشمل جميع وجوهه من البدل ألفا أو ياء أو همزة، فأما جمع المفرد المعتل المعين فنحو: صائم وصيام، وقائم وقيام، ونائم ونيام، أصله: صاوم، وقاوم، وناوم، فكان الأصل في الجمع أن يقال: صوام وقوام ونوام، لكنهم أعلوها بالقلب، كما أعلوا مفردها. فالعلة هنا مجموع (أمرين):
أحدهما: كسر ما قبل الواو في الجمع، فإن للكسرة تأثيرا في الإعلال، لكن الواو إذا كانت متحركة لم تقوا الكسرة (وحدها) عليها، فانضم إليها الأمر الثاني وهو الإعلال في المفرد، إذ الإعلال إضعاف، فقاوم ضعف الإعلال في المفرد قوتها بالحركة فقويت الكسرة معها على الإعلال، ولذلك لا يعل فعال، إذا كان مفردا نحو خوان، لقوة الواو بالحركة، وما اعتل منه فشاذ نحو: لياح وصيار، قال الشاعر:
أقط الظهر خفاق الحشايا
…
يضيء الليل كالقمر اللياح
وهو من لاح يلوح. والصيار لغة في الصوار، قال ابن جني: "يمكن أن يكون لغتين، ويمكن أنه قلب الواو ياء للتخفيف والشبه بالمصدر والجمع، قال: وهذا الوجه/ كأنه أمثل لقولهم في جمعه: أصورة، ولم نسمعهم قالوا: أصيرة، وقال الأعشى:
إذا تقوم يصوغ المسك أصورة
…
والنبر الورد من أردانها شمل
ومن ذلك أيضا: دار وديار، وريح ورياح، وناقة ونياق، أنشد أبو زيد للقلاخ:
أبعدكن الله من نياق
…
إن لم تنجين من الوثاق
وكذلك: تارة وتير، قال:
تقوم تارات وتمشي تيرا
فهذه كلها معتلة لعين (في) المفرد، فاعتلت في الجمع لذلك، فلو لم تعتل العين في المفرد لم تقلب الواو في الجمع، نحو قولك: راو ورواء، وناو ونواء.
قال:
إلا يا حمز للشرف النواء
…
وهن معقلات بالفناء
وما أشبه ذلك.
وأما جمع المفرد الساكن العين فنحو: روضة ورياض، وحوض وحياض، وثوب وثياب، وسوعط وسياط، وما أشبه ذلك؛ قال المازني:"لما كانت الواو في الواحد ساكنة وجاء الجمع وقبل الواو منه كسرة قلبوها ياء، لأن الجمع أثقل من الواحد، وما يعرض فيه أثقل مما يعرض في الواحد، والواو مع الكسرة تثقل". فعلى هذا (لو كان فعال مفردا غير جمع لصحت الواو كما تقدم، وكذلك) لو كانت الواو في الواحد محركة غير معتلة لم تعتل في الجمع، كما قالوا: راو ورواء، وطويل وطوال. هذا هو القياس والمشهور في هذه اللفظة، وقد جاء (فيه) القلب نادرا، فقالوا: طيال، أنشد المبرد والسيرافي وغيرهما:
تبين لي أن القماءة ذلة
…
وأن أشداء الرجال طيالها
قال أبن جني: "شبهه بثياب، وليس مثله". وهذا من النادر الذي لا يقاس عليه.
وقوله: "فاحكم بذا الإعلال فيه حيث عن". يريد أن هذا الإعلال المذكور محكوم به مطلقا في هذا الجمع حيث وجد وكيف كان، فالضمير في "فيه"راجع إلى الجمع المذكور الموصوف بذلك الوصف، وضمير "عن" الفاعل عائد إما على الجمع أي: حيث كان ذلك الجمع، لا يستثنى من مواضعه شيء، وهو الذي اعتلت عين واحدة أو سكنت ووجدت الكسرة فيه. وإما أن يعود على السبب المذكور الفاعل للإعلال، وهو الكسر قبل الواو المعتلة أو الساكنة في الواحد. ولما كان كلامه يقتضي إطلاق الحكم بالإعلال في موضعين، أحدهما: مسألة زوج وزوجة، والآخر: مسألة قيمة وقيم، وكان ذلك فيهما (غير) صحيح استثناهما بقله:"وصححوا فعلة". إلى آخره. فأما الموضع الأول فإن النحويين قد نصوا على عدم القلب في زوج وزوجة، وعود وعودة، وثور وثورة، (ونحو ذلك)، نص على لذلك فيه سيبويه والمازني وابن جني وغيرهم، وكذلك المؤلف في التسهيل، لأنه شرط في الجمع وجود الألف بعد الواو كحوض وحياض، قال سيبويه:"وإذا قلت: فعلة، فجمعت ما في واحده، والواو أثبت الواو كما قلت فعل فأثبت ذلك، وذلك قولك: حول وعوض، لأن الواحد قد ثبتت فيه". قال: "وليس بعدها ألف فتكون كالسياط". قال: "وذلك قولك كوز وكوزة" ثم مثل، ثم قال:"فهذا قبيل آخر"، قال: "وقد قالوا: ثورة وثيرة، قلبوها حيث كانت بعد
كسرة، واستثقلوا/ ذلك كما استثقلوا أن تثبت في ديم". قال:"وهذا ليس بمطرد، يعني ثيرة"، وهذا معنى قول الناظم:"وصححوا فعلة"، أي: لم يقلبوا الواو في هذا المثال كما قلبوا في فعال، ويعني في الأمر العام، وأما وثيرة، فقال:(كان) قياسه ثورة، لأن ثورا كزوج، وهو عندهم من الشاذ، أعني في القياس، فأما في الاستعمال فمطرد وكثير كما أن استحوذ وإن كان في القياس شاذا فمطرد في الاستعمال.
وقال أبو العباس: "إنما قالوا: ثيرة، ليفرقوا بين الثور من البقر وبين الثور من الأقط". وقال أيضا: "بنوه على فعلة فانقلبت الواو لسكونها وانكسار ما قبلها، ثم حركت الياء وأقرت بحالها لأن الأصل ههنا السكون.
قال ابن جني: "وأخبرني ابن مقسم، عن ثعلب قال: جمع ثور ثورة، وثيرة، وأثوار، وثيران، . قال: وإذا كان الأمر هكذا فقد جمعوا ثورا من الحيوان ثيرة. وذهب ابن السراج إلى أنه مقصور من فعالة، كأنه في الأصل ثيارة، فوجب القلب كما وجب في سياط، ثم قصرت الكلمة بحذف الألف، فيبقى القلب بحاله. قال ابن جني: "وهذا آخر قول أبي بكر".
قال: وكأنهم لما قصروا الكلمة بقوا العين مقلوبة ليكون قلبها دلالة على أنها مقصورة، ويكون بينها وبين ما أصله فعلة، غير مقصور فرق نحو زوجه. قال الفارسي:"وقد أومأ سيبويه في باب أسد إلى أنه مقصور من فعول، كأنه قال أسود، ثم حذف الواو، ثم أسكن العين"، ثم تكلم بعد ذلك بأشياء، لا حاجة إلى إيرادها.
والحاصل أن شرط وجود الألف بعد الواو لم يفت الناظم ذكره، لأنه لما استثنى ما ليس فيه ألف عن ذلك الحكم دل على أن الألف مشترطة كما تقدم تأويله قبل هذا.
وأما الموضع الثاني فإنه حكي في فعل وجهين إذ قال: "وفي فعل وجهان"، ولعله يعني بالوجهين ما ذكر غيره من القولين في المسألة، فإن كون قيم ونحوه قياسا هو مذهب سيبويه وأكثر النحويين على خلاف ما إذا كان فعل (مصدرا) كما تقدم، قال سيبويه:"وأما (ما) كان قد قلب في الواحد فإنه لا يثبت في الجمع إذا كان قبله الكسر، لأنهم قد يكرهون الواو بعد الكسرة حتى يقلبوها فيما قد ثبتت في واحده". قال: "فلما كان ذلك من كلامهم ألزموا البدل ما قلب في الواحد، وذلك قولهم: ديمة وديم، وحيلة وحيل"
…
، إلى آخر
المثل ثم قال: "وهذا أجدر أن يكون إذا كانت بعدها لألف"، قال:"فلما كانت الياء أخف عليهم والعمل من وجه واحد جسروا عليه في الجمع إذ كان في الواحد محولا واستثقلت الواو بعد الكسرة كما تستثقل بعد الياء". وقد خالف بعض الناس في قياس مثل هذا وجعله سماعا، (والأصح ما ذهب إليه غيره، لأن عليه كلام العرب وموافقة الجماعة)، وهو الذي اختاره الناظم إذ قال:"والإعلال (أولى) "، يعني أن القول بالإعلال هو أولى وإن كان قد جاء فيه التصحيح نحو: حاجة وحوج، وحيلة وحول، والأكثر: حيل، حكاهما ابن السكيت. فهذا شاذ يحفظ ولا يقاس عليه. ومثل الناظم بحيل جمع حيلة، وأصله الواو، لأنه من الحول.
هذا ما حرر الناظم إلا أنه/ يقتضي إطلاقه شيئين:
أحدهما: أن نحو ريان ورواء عنده ليس بقياس.
والثاني: أن نحو كوة وكواء ليس بقياس أيضا.
أما المسألة الأولى فإنه من نحو ريان وطيان بجمع على رياء وطياء، وفي
قي- للقفر الخالي، لغة في (القواء-: قياء). وهذا مشكل، فإنه مخالف لكلام الناس والكلام والعرب، أما مخالفته لكلام الناس فإن ابن جني والزمخشري وغيرهما على استثناء ما اعتلت لامه من هذا الفصل، وأنك إنما تقول: وطراء في طيان، ورواء في ريان، ولم يحكوا في ذلك خلافا. وأما مخالفته لكلام العرب فإن العرب لا تجمع في كلامها بين إعلالين في كلمة، وهذه الألفاظ وما أشبهها لو قلبت فيها الواو ياء لزم ذلك بلا بد، وقد قال المبرد في تصريفه: لا خلاف في أنه لا تجتمع على الحرف علتان. يعني في القياس، وأيضا المسوع من كلام العرب- على ما نقل قوم- رواء من الماء، جمع ربان، وأصله رويان، فاعتلت عينه لأجل الياء، وجعله المبرد ري، وأصله روى كقي، وعلل الصحة بما تقدم. فهذا الإطلاق من الناظم فيه ما ترى.
وأما المسألة الثانية فإن الناس اشترطوا أيضا فيما كانت واوه في الواحد ظاهرة ما اشترطوا فيما إذا كانت فيه معتلة من صحة اللام، والناظم لم يفعل ذلك، بل أكد انتفاء هذا الشرط في الوجهين معا بقوله:"بذا الإعلال فيه حيث عن". وهذا كله غير صحيح، وقد اشترط في التسهيل الشرطين معا في الساكن العين في المفرد، وهما وقوع الألف بعد الواو في الجمع، وصحة اللام في المفرد، فاقتضى كلامه هنالك أنك تقول في كوة: كواء، ولا تقول: كياء، لئلا
يجتمع على الكلمة إعلالان، وهو لا يكون إلا شاذا، كما تقدم ذكره. واقتضى كلامه هنا أن يقال: كياء، إذ لم يشترط صحة اللام، ومعنى صحة اللام في هذا الشرط على خلاف معناها فيما تقدم، إذ معناها هنالك ألا تتغير اللام كانت حرف علة أولا، وأما هنا فمعنى الصحة ألا يكون اللام حرف علة سواء اعتل أم (لا)، ككوة وكواء. وكما لو جمعت هوة أو دوى فقلت: هواء: ودواء، فلابد من التصحيح للواو في الجمع هروبا من إعلالين في كلمة. وقد جعل ابن جني العلة في قلب الواو الساكنة في المفرد إذا قلبتها في الجمع مركبة من خمسة أجزاء لابد منها، إذ كان الأصل أن تصح في الجمع كما صحت في المفرد، فكنت تقول: حوض وحواض، وروض ورواض. فإنما قلبت عنده لمجموع خمسة أشياء:
أحدها: أن الكلمة جمع، والجمع أثقل من الواحد.
والثاني: أن الواو في المفرد ضعيفة بالسكون في حوض وروض وثوب.
والثالث: أن قبل الواو في الجمع كسرة، لأن الأصل: حواض، ورواض.
والرابع: أن بعد الواو ألفا، والألف قريبة الشبه بالياء.
والخامس: أن اللام صحيحة، إنما ي باء أو ضاد أو نحوهما، وإذا صحت اللام أمكن إعلال العين.
فقد صار مجموع/ هذه الأسباب عنده هو العلة، فإذا انفرد بعضها لم يؤثر ولم يكن علة، ألا ترى أن مالا ينصرف إذا كانت فيه سبب واحد من شبه الفعل لم يمنع الصرف، فإذا انضم إليه سبب آخر منع من الصرف. قال: وهذا هو القياس ليكون بين السبب الأقوى وبين السبب الأضعف فرق. فإذا متى لم تذكر هذه الأسباب كلها وأخللت بعضها انكسر القول، ولم تجد هناك علة؛ ألا ترى أن طوالا جمع، وقبل واوه كسرة، وبعد واوه ألف، ولامه صحيحة، ومع ذلك فعينه سالمة لما تحركت في الواحد الذي هو طويل. فلما نقص بعض تلك الأوصاف لم يجب الإعلال. وكذلك: زوج وزوجة، ونحوه، وقد اجتمع فيه سكون واو الواحد، والكسرة التي قبل الواو في الجمع، وأنه جمع، ولامه صحيحة، إلا أنه لما لم يقع بعد واوه ألف صحت الواو. وكذلك: رواء جمع ريان، وطواء جمع طيان، هو مثال جمع، وقد انكسر ما قبل واوه، وبعدها ألف، والواو في واحده ساكنة بل معتلة، لأن الأصل: رويان وطويان، إلا أنه لما كانت لامه معتلة صححت عينه ولم تعلل.
إلى هنا انتهى تمثيل ابن جني فقد أحد الشروط، وبقى تمثيل تخلف شرط الجمع، وشرط انكسار ما قبل الواو في الجمع، وذلك (ظاهر)،
أما الأول فلو لم يكن فعال جمعا لم يعل نحو: خوان، وصوار، (وسوار) وإن كان مكسورا قبل الواو وبعدها ألف. وما جاء من قولهم: صيار، فقد تقدم ما فيه. وأما الثاني فظاهر أيضا، إذ لو لم ينكسر ما قبل الواو لم تنقلب نحو: زوج وأزواج، وعود وأعواد، وثور وأثوار وإن كان جمعا، والواو في واحده ساكنة، وبعد واوه في الجمع ألف، واللام منه صحيحة، وما جاء من قولهم: عيد وأعياد، فشاذ، وكأنهم أرادوا التفرقة بين أعواد جمع عود وبينه إذا كان جمع عيد.
ثم قال ابن جني "فاعرف ما ذكرته فإن أحدا من أصحابنا لم يحتط في بابه وذكر علته الموجبة لقلبه هذا الاحتياط، (ولا) قيدوه هذا التقييد". وهو كما قال ضابط حسن. ولم يذكر الناظم من أجزاء هذه العلة صحة اللام، كما أنه لم يذكر من أجزاد العلة في المعتل العين في المفرد صحة اللام أيضا، وهي مجموعة من ثلاثة أجزاء هذا أحدها، والثاني كسر ما قبل الواو في الجمع، وكونه جمعا، وقد تقدم تمثيلها وتمثيل فقدها في التفسير والاعتراض. على أن ابن عصفور لم يشترط صحة اللام بل حكاه عن ابن جني ثم شاحه في المثال وقل: "يجوز عندي أن يكون رواء جمع روى لا جمع ريان، فتكون صحة
الواو في الجمع لتحركها في المفرد". وكأن الناظم يشير إلى هذا النظر الذي أشار إليه ابن عصفور من عدم اشتراط هذا الشرط. ولا شك أن كلام ابن جني في صحة الاشتراط أرجح، والله أعلم.
وقوله: "وجمع ذي عين" منصوب بإضمار فعل من باب لاشتغال، يفسره قوله:"فاحكم"، لأنه قد اشتغل بضميره المجرور، كأنه قال: أعل جمع/ ذي عين احكم بذا الإعلال فيه. والفاء في قوله: "فاحكم" دالة على معنى الشرط، كأنه في تقدير: مهما يكن من شيء فاحكم بذا لإعلال في جمع ذي عين أعل أو سكن.
ومعنى عن: عرض، عن لي الشيء بمعنى عرض لي، يعن ويعن عننا. ويقال: لا أفعل كذا ماعن في السماء نجم، أي: عرض وظهر. والمعن: الخطيب. وعلى هذا (المعنى) يجري تصاريف هذه المادة. فمعنى "عن" في كلامه حيث وجد هذا الجمع، وحيث ظهر من جميع المواضع.
والواو لاما بعد فتح انقلب
…
كالمعطيان يرضيان ووجب
إبدال واو بعد ضم من ألف
…
ويا كموقن بذا لها اعترف
هنا نسخ المِؤلف- رحمه الله تعالى- حكم انقلاب الواو ياء لأجل الكسرة قبلها إلى سبب آخر ذكره. وهذا موضع سابع من المواضع التي تقلب فيها الواو ياء.
فقوله: "والواو لاما بعد فتح يا انقلب"، والواو: مبتدأ خبره "انقلب"، والضمير عائد، إليه، و"يا" منصوب بانقلب على المفعول به، وأصله: ياء انقلب، لكن قصره. على قول من قال: شربت ما يا هذا. فصار: يا انقلب، فحذف التنوين لالقاء الساكنين على (قول) من قال- وهو أبو الأسود-:
ولا ذاكر الله إلا قليلا
فصار: يا انقلب. وهذا إجحاف كثير؛ إذ ترك الاسم على حرف واحد من غير تنوين، فهو أكثر حذفا من أيش. وقد كان شيخنا الأستاذ- رحمه الله-يلغز علينا: ما كلمة ثلاثية لحقها الحذف حتى لم يبق منها إلا حركة، فهذا أقل من حرف لكنه في المبنيات لا في المعربات، وفي الأفعال لا في السماء، إلا أن الناظم لا يبالي بهذا الإجحاف حرصا على تحصيل المعاني الكثيرة في العبارة اليسيرة، وما أكثر استعماله لنحو: شربت ما يا هذا، وقد مضى منه الكثير، نبه على بعضه وترك التنبيه على بعض لكثرة ذلك، وسيأتي منه أيضاً أشياء
وقوله: "لاما" منصوب على الحال من الواو، [و] العامل فيها إما الفعل بعدها، وإما مقدر، أي: إذا كان لاما.
يعني أن الواو تقلب أيضا ياء لغير كسرة قبلها إذا اجتمع في تلك الواو وصفان، أحدهما: أن تكون الواو لاما. والثاني: أن ينفتح ما قبلها. فأما كون الواو لاما فذلك نص قوله: "والواو لاما"، وهو تحرز من أن تكون عنيا (فإنها إن كانت عينا) لم تنقلب لغير كسرة، كقولك: اجتوروا، واعتونوا، يجتورون ويعتونون، فهم مجتورون ومعتونون. وكذلك: احتوشوا فهم محتوشون، وتعاونوا، وتراودوا. وما أشبه ذلك، لأنه لا موجب لهذا القلب إذا لم تكن متطرفة، فإن للحشو قوة ليس للطرف، فالطرف لضعفه يلحق من الإعلال بأدنى سبب ما (لا) يلحق الحشو.
وقوله: "لاما"، ولم يقل: طرفا، مقصود له، ليدخل له فيه ما كان في آخره زيادة غير معتد بها كهاء التأنيث، فإن هاء التأنيث لا اعتداد بها فكأنها لم تزد، فمغزاة، ومدعاة، ومصطفاة، الألف فيها وفيما أشبهها منقلبه عن الياء التي انقلبت عن الواو، بدليل أنك إذا أزلت التاء فثنيت أو جمعت بالتاء قلت:
مغزيان، ومدعيان/، ومصطفيان، والمصطفيات، وأصلها الواو، لأنها من الغزو والدعوة وصفو الشيء وصفوته. وكذلك إذا لحقه علامتا التثنية أو الجمع فالحكم بالانقلاب لا يتخلف، فتقول: المصطفيان والمصطفيات، كما ذكر. فيظهر على هذا أن عبارته هنا أخص من قوله في التسهيل:"وكذلك الواقعة إثر فتحة رابعة فصاعدا طرفا أو قبل هاء التأنيث". إلا أن عبارته غير صحيحة بخلاف كلامه في التسهيل فإنه صحيح، وبيان ذلك أنه ليس كون الواو لاما هو المراد، وإنما المراد أن تقع الواو طرفا لا يكون بعدها إلا هاء التأنيث أو مالا يعد من حروف الكلمة، وعلى هذا التقرير جرى التفسير المتقدم، وإلا فإذا حكمنا عبارته في اللام فيقتضي أن اللام إذا لم تقع طرفا فالحكم كذلك، وليس هذا بصحيح؛ ألا ترى أنك إذا بنيت من الغزو مثل عنكبوت فقلت: غزووت، فإنك تقدر أصله: غزوووت، فاللام الثانية تقدر واوا لكونها حشوا وإن كانت لام الكلمة وليست طرفا، وعن تلك (الواو) انقلبت الألف، ثم حذفت في قول الجمهور، ومن رأى أنها لا تحذف قال: غزوووت، ولا يقول: غزويوت؛ إذ لا معتبر بكونها لاما. فهذا اعتراض وارد على الناظم إلى اعتراض آخر يذكر إثر هذا إن شاء الله تعالى.
وأما كون الواو مفتوحا ما قبلها فتحرز من أن يكون مضموما أو مكسورا، فإنه إن كان ما قبلها مكسورا فقد تقدم له قبل هذا أنها تقلب واوا
للكسرة قبلها، فمغز، ومله، ويغزى، ويلهى، ويصطفى، وما أشبه ذلك قد قلبت فيها الواو لأجل الكسرة، لأنك تقول: مغزيان، وملهيان، ويغزيان، ويلهيان، ويصطفيان، فانقلابها إلى الياء على ما ينبغي، فلم يكن لإدخال ذلك هنا وجه، لأنه مجرد تكرار. وأما إن كان ما قبلها مضموما فهي أبعد من أن تقلب ياء، لأن الضمة طالبة بالواو لا بالياء، ولذلك تقلب لها الياء واوا كما سيأتي في كلام الناظم. حيث نبه على هذا المعنى، كما إذا بنيت من الرمي مثل مقدرة فإنك تقول: مرموة، فتقلب الياء واوا، إذ أصلها مرمية، فاستثقلت الياء بعد الضمة فقلبت إليها، وإنما يكون هذا الحكم الذي ذكره إذا انفتح ما قبل الواو كما قال، فإذا ما جاء على خلاف ذلك مما اجتمعت فيه الشروط فمحفوظ نحو: مذروان، القاعدة فيه أن يقال: مذريان، كما تقول: مدريان، لكن لما لم يفرد (له) واحد جرت الألف للزومها مجرى ألف عنفوان في منعها انقلاب الواو ياء، قال عنترة:
أحولي تنفض استك مذرويها
…
لتقتلني؟ فهأنذا عمارا
ثم أتى بمثالين، (مثال) من الاسم، وذلك: المعطيان، وهي صفة مبنية للمفعول بالقصد ليكون ما قبل الواو مفتوحا، ومثال من الفعل وهو يرضيان، من رضى، ولم يأت برضيا ولا بيرضيان، للمعنى الذي ذكر من فتح ما قبل الواو، وكلاهما أيضا منبه على ما في حيزه، فمثال الاسم منبه على دخول هذا الحكم في الأسماء، ومثال الفعل منبه على دخوله في الأفعال، وإنما أتى بالمثالين (للمثنى) ليظهر بذلك حقيقة الانقلاب؛ إذ لو أتي بقولك/ المعطى ويرضى لم يتبين بذلك مقصوده، فكان يكون الإتيان بالمثال ضائعا.
ثم إذا تقرر هذا فاعلم أن الناظم- رحمه الله ذكر في هذا القلب شرطين ونقصه عمدة الشروط، وذلك أن قولك: قفا وعصا وقنا، وما كان نحو ذلك، قد اجتمع فيه الشرطان، ومع ذلك فلا يصح أن تقلب واوه التي انقلبت عنها الألف ياء البتة، بل تقول: قفوان وعصوان وقنوان، وإن كانت الواو لاما وانفتح ما قبلها، وسبب ذلك تخلف شرط كون اللام رابعة فصاعدا، هذا هو الضابط الأعظم لتلك الواو، فإن كانت ثالثة لم تنقلب
ياء، وسبب هذا أن انقلاب الواو (ياء) في هذه المسألة إنما هو بالحمل على ما انقلبت فيه للكسرة، قال سيبويه:"سألت الخليل عن ذلك- يعني عن قلب الواو الرابعة ياء دون الثالثة- فقال: إنما قلبت من قبل أنك إذا قلت: يفعل، لم تثبت الواو للكسر قبلها، وذلك يغزي ويغازي، فلم يكن لتكون فعلت على الأصل، وقد خرجت يفعل وجميع المضارعة إلى الياء"، قال:"فقلت: ما بال تغازينا وترجينا وأنت إذا قلت يفعل منهما كان بمنزلة يفعل من غزوت"- يعني لا تقلب الواو لكسرة قبلها، لأنك تقول في المضارع: نتغازى ونترجى، فلا ينكسر ما قبلها كما تقول: يغزو، في غزا، ويدعو في دعا، فلا ينكسر ما قبل الواو؟ - فقال الخليل: الألف هنا- يعني في تغازينا وترجينا- (بدل من الياء التي أبدلت من الواو، وإنما أدخلت التاء على غازينا ورجينا) - يعني أن أصل الفعل دون التاء أن تقول: نغازي ونرجي، ثم لحقت التاء بعد أن لم تكن، فعاملوا الفعل على أصله لوجود سبب القلب، وذلك للكسرة في المضارع. هذا ما قال الخليل، ثم بني غيره على علته فقالوا: إذا كان المضارع من الثلاثي، وكان الماضي منه على فعل فإن الحكم كذلك، فكما حمل الخليل الماضي في قلب الواو ياء على المضارع كذلك نحمل المضارع على الماضي. فقالوا في مضارع
رضي: يرضيان، وفي شقي: يشقيان، لأن الماضي قد انقلبت فيه اللام ياء للكسرة، فكذلك نفعل بالمضارع لئلا يختلف الباب، وهو كلام العرب. فإن كان الكسر لا يدخل في واحد منهما بقيت اللام على أصلها غير منقلبة، فتقول في محا يمحي- على لغة الواو: يمحوان، وفي يضحى على لغة الواو-: يضحوان. وكذلك ما أشبهه مما لم ينكسر فيه ما قبل الواو في أحد الفعلين.
فالحاصل أن ما ذكر من الشرطين لا يكفي في تحصيل الحكم دون أن يذكر شرط كونها رابعة فصاعدا.
فإن قيل: تمثيله أعطى كونها رابعة فصاعدا، وأعطى كون ذلك الحكم فيما يكون القلب فيه بالحمل، فأما إعطاء كونها رابعة فصاعدا فظاهر، لأن "المعطى" كذلك، ولا شك أن فعله كذلك وهو أعطى، وكذلك "يرضى" الواو فيه رابعة إذا عددت حرف المضارعة. وأما إعطاء كون القلب بالحمل فظاهر أيضا، لأن معطى اسم مفعول وأصله قد انقلبت واوه للكسرة في معطى، وكذلك ما أشبهه من أسماء المفعولين، أو تقول: أو تقول: القلب فيه بالحمل على الفعل الذي جرى عليه، لأن معطى محمول على يعطى المنقلبة ياؤه حملا على أعطى أو على يعطى/. فعلى كل تقدير هو محمول على غيره، وذلك الغير قد وجد فيه موجب القلب. وأما يرضى
فمحمول على رضي كما استدركه الناس قياسا على تعليل الخليل، وإذا كان ذلك فالتمثيل ناب الإتيان به عن النص على ذلك الشرط، وهذه عادته أن يعطى الشروط والأحكام من الأمثلة.
فالجواب: أن التمثيل قد تقدم من عادته (فيه) أنه إنما يجعله عوضا عن النص على الشروط إذا قال مثلا: الحكم كذا فيما كان نحو كذا، أو في كذا وشبهه، دون أن ينص على بعض الشروط، ويعطى بالمثال باقيها، كما قال:
وارفع بواو، وبيا اجرر وانصب
…
سالم جمع عامر ومذنب
وشبه ذين
…
...
…
.....
إلى غير، ذلك من المواضع المتقدمة والمتأخرة، أما كونه يذكر شروطا بالنص عليها، ثم يشير بعد ذلك بالمثال إلى شروط أخر فهذا يحتاج إلى ثبوت ذلك من كلامه، وكونه يفهم من مقصده. وأيضا فنردد هذا المعنى في تقسيم فنقول: لا يخلو أن يكون أراد بالتمثيل الإشارة إلى أوصاف وشروط محتاج إليها أو لم يشر بها إلى شيء، فإن كان لم يشر بها إلى شيء بل أتى بها لمجرد البيان للقاعدة بالمثال لزمه السؤال الأول حتما، وإن كان أشار به إلى
شروط معتبرة فذلك لا يعطيه المقصود كما أراد، لأن المثالين معا فيهما من الأوصاف ما ليس بمعتبر في هذا القلب اتفاقا، أما معطى ففيه أنه جار على فعل جريانا قياسا، ومشتق من مصدره قياسا، فاقتضى أن هذا الكلام مختص من الأسماء بما هو جار على الفعل ومشتق من مصدره، فلا يدخل له فيه إلا اسم المفعول، واسم المصدر، والزمان والمكان، نحو: ملهى، ومدعى، ومرسى، ومستدعى، ومتراغى، وما أشبه ذلك، وأما غير ذلك فلا. وهذا غير صحيح، فقد قالوا إذا بنيت من الغزو مثل جعفر قلت: غزوى، فألفه منقلبة عن ياء لا عن واو، وكذلك في مثل فوعلل: غوزوي، إلى غير ذلك من الأمثلة التي لا تحصى، وكل ذلك ليس بجار على فعل ولا مشتق منه لا قياسا ولا سماعا، ومع ذلك فلابد من قلب الآخرة ياء وذلك بالحمل على الغير، على ما سأبينه بحول الله تعالى.
فاعلم أنهم قالوا: إذا وقعت الواو آخر الاسم رابعة فصاعدا فلا يخلو أن يمكن أن يصاغ منه فعل أولا يمكن، فإن أمكن فحكم الواو حكمها لو كانت آخر فعل، فتقول في ملهى: ملهيان، وفي مغزى: مغزيان، وفي مستدنى: مستدنيان. ومن ذلك ما تقدم من الأمثلة، إذ يمكن أن تقول في غزوى وغزوى:
غزويت، وفي غزوى: اغزويت، كما (تقول) في ملهى لو بنيت منه فعلا: ملهيت، وفي مغزى: مغزيت، وفي مستدنى: استدنيت، فتكون الواو في الفعل منقلبة في الماضي حملا على المضارع كما تقدم في الفعل، فصارت كأنها جارية على الفعل هذا الاعتبار وإن لم تكن كذلك في الحقيقة، وإن لم/ يمكن أن تبني منه فعلا لم تقلب الواو ياء نحو مغزو، ألا ترى أن الفعل لا يكون قبل (آخره) حرف مد ولين زائد.
فإن قيل: ملهيت وما أشبهه لي من أوزان الفعل، لأن مفعلت غير موجود إلا شاذا نحو: مرحبك الله ومسهلك، ولذلك إذا وقعت الميم أول الفعل لم يقض بزيادتها، وكذلك غزوى وغزوى ونحو ذلك لا يبنى منها (فعل) فكيف اعتبرت الفعل هنا؟
فالجواب: أن المراعي أن يجيء على رنته في الحركات والسكنات فقط دون لفظ الزيادة.
ولا تنقلب في شقاوة لأنه لا يمكن مع الألف فيها وزن فعل، وكذلك نص سيبويه وغيره أنك تقول في فوعلة ممن غزوت: غوزوة، وفي أفعلة:
أغزوة. ولا تقول: غوزية، فتقلب الواو الأخيرة ياء لأنها آخر وإن كنت تقلبها في الفعل الذي لفظه إذا قلت: غوزيت، لأن الواو مدغمة في غوزوة فلا يكون منها فعل على لفظها، كما لا تقلب الواو في شقاوة ونحوها. ويدل على ذلك من كلام العرب قولهم: أدعوة، وهو أفعولة، وهي تنقلب في أفعلت من ذلك، وكذلك: مغزو، وهي تتقلب في مغزى، ولكن لا تقلب هنا البتة للعلة المتقدمة. وتقول على هذا في قوعلل منا لغزو: غوزوي، لأنه ملحق بفعلل، وفعلل من الغزو تقول فيه: غزوى، لأنك تقول: غزويت، فتجرى الملحق مجرى أصله، إذ قد كانت الألف منقلبة ياء قبل الإلحاق. وأيضا لو لم يكن ملحقا لكنت تقول في التثنية غوزويان، لأنك تقول منه: اغوزويت.
فهذه القاعدة هي التي اعتمدوها في الباب، وتمثيل الناظم لا يشعر بشيء منها، وإنما فيه إشعار باختصاص ذلك بما كان اسم مفعول أو نحوه كما تقدم.
وأما "يرضى" ففيه أن الواو رابعة بحرف المضارعة، فاقتضى أن المضارع إذا كان على يفعل مطلقا فألفه منقلبة عن ياء، كان الماضي منه على فعل أو على فعل، إذ لا دليل على الاقتصار على دون فعل. وهذا غير صحيح؛ لأن يفعل الذي ماضيه على فعل لا تقلب واوه ياء إن كان من ذوات الواو، بل ترد إلى أصلها كالثلاثي كما تقدم، وما جاء من نحو يشأيان فشاذ يحفظ ولا يقاس عليه،
وقد جعله المازني غلطا لأن الألف بدل من الواو، فكان الأصل أن يقال: يشأوان، فقلبها ياء مخالف لقياسهم وكلامهم.
فالذي تحصل من هذا- على فرض أنه أتى بالأمثلة مقيدة بشروط وأوصاف- أنه أعطى من الشروط أيضا ما لا يشترط، وترك ما هو الواجب أن يشترط، وإن فرضت حرف المضارعة غير معتد به كان فيه إشارة إلى القضاء لقلب الواو ألفا وإن كانت ثالثة. وهذا كله فاسد.
وقد يجاب عن هذا بأن الأمثلة تعطي أيضا أوصافا محتاجا إليها، لأنه قال:"والواو لاما بعد فتح يا انقلب"، كهذا المثال، والكاف في موضع نصب على الحال من ضمير انقلب، أي انقلب ياء حالة كونه بالصفة التي في المعطى ويرضى، وطاهر أن المعطى فيه للواو أوصاف، وهي كونها طرفا/، ورابعة، والفتحة التي قبلها محولة من كسر، لأن المعطى محول للمفعول من بنية الفاعل، ثم إنه اسم فاعل واسم الفاعل قد تقرر فيه في غير هذا الموضع أنه جار مجرى فعله، وأن الفعل مثله في الإعلال وغيره من الأحكام التصريفية، فتبين أن الفعل كذلك، فإذا الواو إذا وقعت في الفعل طرفا ورابعة ومحولة من كسر إلى فتح فحكمها ذلك الحكم، بل الفعل أحرى بذلك من الاسم، ثم إن الاسم الممثل به جار على فعله في الحركات والسكنات وعدد الحروف، كما تقرر في باب اسم الفاعل، فاقتضى أن كل اسم جار على فعله كذلك، فالحكم المذكور متعلق به، وقد تقدم أنك إذا بنيت مثل جعفر من الغزو فقلت: غزوى، فالألف منقلبة عن
الياء، لأنك لو بنيت منه فعلا لقلت: غزويت، فالاسم الجامد إذا (قد) قدر له فعل يجرى عليه، وذلك الجريان (كان سبب الانقلاب، فصار الجريان) على الفعل في المعطى معتبرا، لكن تارة يكون الجريان تحقيقا كالمعطى، وتارة يكون تقديرا كغزوى، فحصل المقصود من التمثيل باسم الفاعل.
وأما "يرضى" فإنه فعل مضارع ماضيه على فعل، أصله الواو، فقلبت ياء، فيجري ذلك الحكم في كل مضارع كان ماضيه على فعل وكانت لامه واوا، (و) لا نبالي أكانت الواو رابعة أم لا، وحرف المضارعة معتدا به أم لا، وهذا هو الذي أراد بلابد.
وعلى هذا فلو قيد الواو بكونها رابعة لم يحل له مقصود؛ إذ كان ذلك يوهم في "يرضى" الاعتداد بحرف المضارعة، والمحققون على أنه لا اعتداد به، وأن الواو إنما انقلبت لانقلابها في الماضي لا لكونها رابعة. ولهذا لما قيد المؤلف في التسهيل الواو بكونها رابعة استشكله بعض الشيوخ الأندلسيين وقال: إن المؤلف لم يتعرض لبيان ما تصير به الألف رابعة من الزوائد التي تلحق الكلمة، قال: ولا تعتبر حروف المضارعة في الأفعال، ولذلك يقال: يمحوان. قال: (و) ذكر ابن الضائع اعتبارها في مثل يرضيان ويشقيان ويدعيان، وهو ومشكل باستشكال النحويين ليشأيان في مضارع شأى، وبغير ذلك من
كلامهم، ثم ذكر أن الانقلاب إنما هو الأجل الكسر في الماضي كما تقدم، وهذا في مثاله هنا ظاهر جدا، بخلاف التقييد بالرابعة على الإطلاق في كتابه التسهيل فإنه ليس بقيد محرز. فقد حصل مقصود الناظم بالتمثيل بيرضى ظاهرا، وأما التمثيل بالمعطى ففي تحرير مقصده تكلف كما رأيت، ولو بين أكثر من هذا لكان أولى!
ثم قال: "ووجب إبدال واو بعد ضم من ألف (ويا) "، لما أتم الكلام على إبدال الواو إلى غيرها أخذ في إبدال غيرها إليها، فذكر أن الواو تبدل وجوبا لا جوازا من كل ألف وياء وقعت بعد ضمة، ويعني إذا وردت الضمة على حرف بعده ألف أو ياء فإن الألف لا تثبت بعد الضمة، وكذلك الياء لا تثبت بعد كذلك بعد الضمة، لاستثقال ذلك في الكلام، لكن على شرط يذكر. أما الألف فلم يشترط في انقلابها شرطا، ولذلك لما يأت لها بمثال، ومثال ذلك/ ضويرب في ضارب، وخويرج في خارج، وكذلك فاعل وتفاعل إذا بنيتهما للمفعول فقلت: فوعل، وتفوعل، نحو: ضورب زيد، وتقوتل في الدار وكذلك (تقول) في ساباط: سويبط، وفي هاجر: هو يجر، فقلبت الألف واوا لطلب الضمة بذلك.
وأما الياء فاشترط فيها شروطا، وذلك ما أشار إليه المثال وهو موقن، وذلك أنه مفرد، ذوياء ساكنة، (مفردة) غير لام. فهذه أربعة أوصاف:
أحدها: كونه مفردًا، وذلك أن موقنا اسم فاعل من أيقن، فهو مشتق من اليقين، فواوه ياء في الأصل، قلبت للضمة قبلها، وهو أيضا جار صفة على مفرد فهو مفرد، ومثله موسر من اليسر، وموقظ من اليقظة، ونحو ذلك. (وإذا ذكرت الصفة جرى في حكمها فعل الذي في حكمها، فإذا (قلت): يوقن، قلبت الياء واو، وكذلك يوسر ويوقظ) على هذا كل ما كان من الأسماء مفردا فحكمه هذا الحكم. فإذا بنيت من البيع مثال فعل (قلت): بوع، أصله: بيع، فصار إلى ما صار إليه موقن. وكذلك إذا بنيت مثل ترتب من البيع قلت: تبوع، أو مثل مفعلة من عاش (قلت) معوشة، أصله: معيشة، فنقلت الضمة إلى العين فصارت الياء ساكنة بعد ضمة، فقلبت واوا فقيل: معوشة، ومنه قول الشاعر:
وكنت إذا جارى دعا لمضوفة
…
أشمر حتى ينصف الساق (مئزري)
وأما معيشة فهي على هذا مفعلة- بكسر العين- إذ لو كانت مفعلة لكانت معوشة، كما تقدم.
فلو كان جمعا نحو بيض جمع أبيض فحكمه خلاف هذا على ما سيأتي إثر هذا إن شاء الله تعالى.
وقد جرى الناظم في هذا الحكم على مذهب أبي الحسن، وهو الذي اتبع في التسهيل، وأما الخليل وسيبويه والجمهور فمذهبهم أن فعلا من البيع يقال فيه: بيع، وأن مثال ترتب منه يقال فيه: تبيع، وأن مفعلة من عاش يقال فيه: معيشة. فمعيشة المسموع يحتمل على مذهب الجمهور أن يكون مفعلة- بكسر العين- أو مفعلة بضمها، وما جاء من قوله:
وكنت إذا جارى دعا لمضوفة
شاذ. وكذلك (ديك) وقيل يحتمل عندهم أن يكون فعلا وفعلا، (وعند الناظم لا يكون إلا فعلا بالكسر، وكذلك التيه يجوز أن يكون فعلا وفعلا) عند الجمهور.
وأما التوه فلا يجوز عندهم أن يكون إلا من الواو، (و) عند الناظم يجوز أن يكون من الواو أو من الياء على ذلك التقرير. والتفريع على القولين يتسع، ولكن حجة ما ذهب إليه الناظم أن قلب الضمة كسرة إنما استقر في الجمع نحو: بيض في جمع أبيض، ولم يستقر في المفرد، والقياس يقتضي التفرقة بين الجمع والمفرد، لأن الجمع أثقل من الواحد فهو أدعى للتخفيف، فلذلك قلبت الضمة كسرة في الجمع لتصح الياء، ولم تقلب الياء واوا، لأن الياء أخف من الواو. وأما المفرد فإنه أخف من الجمع فاحتمل الواو.
ومن الدليل على الفرق بينهما في ذلك أنا قد وجدنا الجمع يقلب فيه ما لا يقلب في الواحد، ألا ترى أن الواوين المتطرفتين تقلبان ياءين في الجمع كعتي وجثي في جمع عات، وجاث، ولا تقلبان في المفرد إلا شذوذا كمرضى ومسنية، بخلاف المفرد/ فإن عدم القلب هو الباب، ولا يكون الجمع إلا شاذا، نحو ما حكاه سيبويه من قولهم: إنكم لتنظرون في نحو كثيرة، وكذلك (قالوا) صيم في جمع صائم، ولا يجوز في حول المفرد: حيل. وقد احتجوا أيضا بمضوفة المتقدم، وهو من من ضاف يضيف إذا حذر وخاف. والذي رجحوا مذهب سيبويه والخليل، وذلك لأن العلة التي لأجلها انقلبت الواو ياء في الجمع موجودة في المفرد، وسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى. وقد فرق الأخفش بما تقدم، وأيضا فإنه لم يجيء فعل مما عينه ياء على مذهب الأخفش، وكل ما جاء على لفظ فعل بالواو فتصريفه بالواو لا بالياء.
فإن قيل: إنما كان ذلك لكراهية قلب الياء واوا.
قيل: فلم جاء في الفاء (القلب) ولم يجيء في العين؟ ما ذاك إلا لأن العين حكم لها بحكم اللام، فقلبت الضمة لأجلها، وهو ما نزع سيبويه نحوه. وأما مضوفة فمن الشاذ على مذهب الجمهور.
وقد استدل الأخفش بقولهم للريح الحارة: هيف وهوف، والأصل الياء، فهوف- بلا شك- فعل منه، انقلبت ياؤه واوا كما كان ذلك في
مضوفة، وفي ذلك تقوية لما قال وإضعاف للدليل المتقدم من أنه لم يجيء فعل مما عينه ياء. وقد رام ابن عصفور الانفصال عن هذا باحتمال أن يكون هيف وهوف لغتين كالتيه والتوه، واحتمال أن يكون هيف أصله هيوف مثل ميت وهين، ثم أدغمت الياء في الواو، فصار "هيف"، ثم خفف فصار هيف كميت. وهذا عند غيره ضعيف؛ قال ابن الضائع: تركيب هـ وف لم يأت، وهو نادر. وأيضا فالهيف هو الريح ذات السموم المعطشة؛ وقالوا: رجل هيوف ومهياف: إذا كان لا يصبر عن الماء، وهو اشتقاق صحيح وتصريف دال على خلاف ما قال ابن عصفور، وأيضا فإنهم لم يقولوا: هيف كما قالوا: ميت، فلو كان أصله ذلك لنطقوا به كما نطقوا بأصل ما كان عليه فيعل، وقال الفارسي في التذكرة: أظن القاسم حكى في مصنفه عن الفراء: رجل ضورة، للذليل الفقير، فإن يكن ذلك كما أظن ففيه حجة لقول أبي الحسن في قلب الياء واوا في نحو بيض إذا لم يكن جميعا كما كان قوله:
وكنت إذا جارى دعا لمضوفة
حجة له. يعني- والله أعلم- أنه من الضير، بمعنى الضر، فهو إذا من الياء. على أن الجوهري حكى في كتابه: ضاره (يضوره) يضيره ضورا وضيرا، فلا يكون فيه على هذا حجة لإمكان كونه من الواو، إلا أن يثبت أنه على لغة الياء. وقال فيها أيضا: فعول عزيز في الواحد مطرد في المصدر
والتكسير، فدل على هذا مشابهة المصدر لعمومه وشياعه التكسير لتجاوزه وكثرته. قال: وإذا كان كذلك لم يكن لصاحب الكتاب حجة في العيسة مصدرا لأعيس على أبي الحسن فيما يقوله في ديك وقيل.
قال: مثله أعين بين العينة، حكاها الفراء. وعلى هذا فدليل الأخفش قد يظهر وجهه، ولهذا- والله أعلم- ارتضى الناظم مذهبه.
فإن قيل: فلم حملت مذهب الناظم على أنه مذهب الأخفش ويمكن أن يكون مذهبه هنا مذهب سيبويه والجماعة/ من جهة أنه إنما مثل بموقن، وهذا المثال وما كان نحوه لا يختلف فيه سيبويه والأخفش، لأن الحرف المبدل قد بعد من الطرف، وإذا كان كذلك فقد قال سيبويه في فعلل من الكيل: كولل. وكذلك فعلل فعلا تقول فيه:
كولل، كما تقول في بيطر: بوطر، وقد أنشد سيبويه:
مظاهرة نيا عتيقا وعوططا
…
فقد أحكما خلقا لها متباينا
وعوطط: فعلل من تعيطت الناقة. وإنما لم يخالف في هذا لبعد الياء من الطرف، فقويت الضمة عليها، فإذا لم تكن بعيدة من الطرف كفعل
من البيع اختلف الأخفش وسيبويه كما تقدم، ومثاله (إنما) يشير إلى موضع الوفاق؟
فالجواب: أنه وإن احتمل هذا فالأولى أن يحمل على أنه يشمل المتفق عليه والمختلف فيه؛ إذ لو كان ذلك مراده لم يقل بعد ذلك: "ويكسر المضموم في جمع"، فخصه بالجمع، بل كان يعم به فعلا كان من الجموع أو من المفردات، (وإلا) فكان ينقصه من أجزاء المسألة جزء كبير، فلذلك كان الأولى التفسير المتقدم، مع أنه يمكن أن يكون ذكر الجزأين المتفق عليهما وهما ما بعد حرف العلة فيه عن الطرف، إذ كان من فعل جمعا وترك بينهما واسطة هي في محل الاجتهاد، والله أعلم. والوصف الثاني من أوصاف المثال المتقدم: كون يائه ساكنة، فإنها إذا كانت كذلك قويت الحركة عليها فقلبتها، وذلك أن الياء والواو أختان بمنزلة ما تدانت مخارجه من الحروف كالدال والتاء والذال والثاء ونحو ذلك، وقد رأيناهم يغلبون إحداهما على الأخرى إذا سكنت نحو: سيد وميت، أصله: سيود وميوت، فقلبت الواو ياء ليكون العمل (من جنس واحد، وكذلك طيه ولية، ففعلوا مثل ذلك ليخف العمل) فيهما، ولما وجب هذا في الواو والياء لما فيه من الخفة وجب نحو ذلك في أميهما،
فأجريت الضمة مجرى الواو، والكسرة مجرى الياء، لأنهما بعضهما، فكما قلبت الواو للكسرة قبلها ياء، كذلك قلبت الياء للضمة قبلها واوا. وإنما قويت الحركتان وإن كانتا ضعيفتين على قلب الياء والواو، من قبل أنهما لما سكنتا ضعفتا، فقويت الحركة على إعلالها وقلبهما، فكما تقلب الواو المتحركة في نحو سيد وقيم، كذلك قلبت الكسرة الواو الساكنة، والضمة الياء الساكنة، أما الأول فنحو ميقات، وأما الثاني فنحو موسر، وذلك أن الحرف أقوى من الحركة، فلما قلبت الياء بقوتها الواو المتحركة كذلك قلبت الضمة والكسرة والياء الواو الساكنتين دون المتحركتين لضعفهما. هذا ما قال ابن جني. فأما لو تحركت الياء فلا تنقلب إلا قليلا لقوتها بالحركة، وذلك نحو شييخ وبييت، في تصغير شيخ وبيت، وما أشبه ذلك. والذي جاء من ذلك قليلا ما نقل السيرافي عن بعضهم في شيخ: شويخ وفي بيت: بويت. وقد حكى سيبويه في ناب: نويب، ووجه ذلك بأن الألف في ناب ونحوه لما كان الأكثر فيها أن تكون منقلبة عن واو غلبوا الواو عليها حملا على الأكثر. قال ابن الضائع: وهاتان اللغتان- يعني القلب وعدمه- نظيرتا قيل وبيع، وقول وبوع، فيما بني للمفعول، قال: وعلى هذا يجوز في الناب (نييب، بالضم والكسر، وقد حكي فيه سيبويه/ نويب)، قال: ويقوي توجيه سيبويه ضم الأول، ألا ترى أن الضم هو الموجب للواو في تصغير بيت فقط. فإذا ثبت أن هذا القلب لغة قليلة لم يعتد بها الناظم
ولا عدها، وأيضا (فإن) هذه اللغة لا تكون في جميع الباب، ألا ترى أنك لا تقول في عيبة: عوبة، ولا في هيام: هوام، ولا ما كان نحو ذلك. فإذا القلب ههنا غير قوي ولا مطرد.
والوصف الثالث: أن تكون الياء مفردة، وذلك في موقن ظاهر، فإن لم تكن مفردة بل كانت مع ياء أخرى ضاعفتها لم يحكم بالانقلاب واوا وإن كانت الياء ساكنة، فبيع فعل من البيع على وزن سلم، أو من الحيض إذا قلت: حيض لا جمع حائض، لا تبدل فيه الياء واوا، فلا تقول: بويع ولا حويض، وكذلك ما أشبهه. ووجه ذلك أن الياء إذا أدغمت بعدت عن الاعتلال وعن شبه الألف، لأن الألف لا تدغم أبدا، فإذا قويت لم تتسلط الحركة قبلها عليها فتقلبها كما لم تتسلط عليها عين تحركت.
ثم اعلم أن هذا الإفراد المشار إليه بالمثال تارة يكون تحقيقا كجميع ما تقدم من المثل، وتارة يكون مقدرا وإن كان ظاهر الأمر أن الياء غير مفردة، فيحكم إذ ذاك بما هي عليه في الحقيقة من الإفراد، فتقلب واوا للضمة، فإذا بنيت نحو بيطر من البيع قلت: بيع فتدغم بالضرورة، فإذا بنيته للمفعول قلت: بويع، فتقلب الياء الساكنة واوا للضمة لأنها غير مضاعفة، والإدغام هنا في بنية الفاعل عارض، وإنما الياء هنا كياء بيطر، وأنت تقول فيه: بوطر، فكذلك بويع، لكون الياء الثانية كالحرف الأجنبي، وكذلك إذا بنيت مثل بيطر من القول فهذا يقال فيه: قيل، أصله: قيول، فإذا بني للمفعول قيل: قوول. وكذلك ما كان نحو هذا. وهو تنبيه حسن في معناه، فتنبه له، وقد مضى منه شيء قبل هذا،
ولم ينبه عليه في التسهيل في هذه المسألة، وإن كان قد نبه عليه في مسألة قلب الواو (الساكنة) ياء للكسرة.
والوصف الرابع: كون الياء غير لازم. هذا أيضا ظاهر فيما تقدم من المثل، فإن كانت الياء لاما ولا تكون ساكنة أيضا فإن لها حكما سيأتي إن شاء الله تعالى، حيث ذكره، حاصله أن الياء لا تقلب للضمة.
وقول الناظم: "بذا لها اعترف"، الاعتراف: الإقرار، اعترفت بحق فلان قلبي.
وكأن الاعتراف يدور على معنى الإقرار بثبوت حق قبل المقر، لثبوت الحجة عليه؛ إذ لا يقال في الغالب إلا فيما كان عليه من الحقوق حجة ظاهره. ولكن يقال: ما فائدة ذكر هذا هنا؟ وإنما يظهر أنه فضل لا مزيد فائدة فيه كبعض أشياء تندر منه لا يكون فيها زيادة.
والجواب عن ذلك أنه لم يقصد بهذا الكلام تمام لفظ البيت فقط، وإنما أراد به شد عضده فيما ذهب إليه من مخالفة الجماعة عند ارتكابه مذهب الأخفش وحده، وذلك أنه قد نصب نفسه في منصة الاجتهاد كما تقدم مرارا، وعادة المجتهد أن يتبع الدليل فيصير إلى ما صيره إليه، فكأن قائلا قال له: لم تركت الجماعة/ واتبعت مذهب غيرهم؟ فأجاب بأن الدليل قام عليه حتى أقر أنه الحق والذي ينبغي أن يتبع، وإن كان المذهب الآخر عليه الجمهور فليس ذلك بحجة عليه تلزمه الرجوع إليهم، بل المسألة بعد اجتهادية ما لم ينعقد الإجماع فيكون الراجع عنه مخطئاً،
ويكون الدليل شبهة غير صحيحة. فلم يأت بهذا الكلام إلا لينبهك على هذا المعنى، والله أعلم.
وقوله: "ووجب (إبدال واو)
…
" إلى آخره، تضمن في الشعر، وهو فيه قبيح، وأقبح قبيحه أن يتصل آخر كلمة من البيت الأول بأول كلمة من البيت الذي يعده، كهذا الذي فعل الناظم، وهو في النظم كثير جدا. وقد مر التنبيه عليه.
ثم أخذ في ذكر ما استثنى من الجمع فقال:
ويكسر المضموم في جمع كما
…
يقال: هيم، عند جمع أهيما
يعني أن الياء إذا وقعت قبلها الضمة، وكانت الياء على الأوصاف المذكورة، من كونها ساكنة مفردة غير لام فإنها لا تقلب واوا لأجل الضمة قبلها كما فعل بالمفرد، بل ينعكس الحكم في الجمع فتقلب الضمة لأجل الياء كسرة، فتقول في جمع أهيم: هيم، وهو مثاله، أصله هيم، من الهيام وهو أشد العطش، ورجل أهيم وامرأة هيماء، وكذلك بعير أهيم، أي: أخذه الهيام، وهو داء يأخذ الإبل فتهيم، أي: تذهب في الأرض لا ترعى، وناقة هيماء، قال كثير عزة:
وإني قد أبللت من دنف لها
…
كما دنفت هيماء ثم استسلت
فاستثقلوا الياء بعد الضمة لتباينهما فأدى ذلك إلى إعلال أحد المتباينين؛ إما الضمة للياء، وإما الياء للضمة، لكن الياء لما كانت تلي الطرف عوملت معاملة الطرف، فكما أن الياء إذا كانت طرفا وقبلها ضمة تقلب الضمة كسرة كأظب، أصله: أظبى كأفلس، فكذلك إذا كانت تلي الطرف؛ ولذلك قالوا: صيم وقيم قفلبوا الواو ياء: لما كانت تلي الطرف، ثم لما تباعدت عنه حين قالوا: صوام وقوام، لما يقلبوا. وهذا ظاهر. ومثل ذلك بيض في جمع أبيض، وعين في جمع عيناء أو أعين، وكذلك صيد في جمع أصيد، ورجل أميل ورجال ميل، قال الأعشي:
غير ميل ولا عواوير في الهيجا ولا عزل ولا أكفال
(وهو كثير).
فإن فقد وصف السكون لم تقلب الضمة وجوبا نحو: غير في جمع غيور، وبيض في جمع بيوض، وكذلك ما أشبهه. فلا تقلب الضمة كسرة لأجل تحرك الياء، نعم لو فرضت تخفيفها بإسكان ضم الياء على حد قولهم في رسل: رسل، لقلت: بيض، فكسرت؛ لأنه قد صار- بالتسكين- إلى وزان فعل؛ فيصار به مصير فعل؛ فنقول: بيض وغير، وما أشبه ذلك.
وإن فقد وصف الإفراد فلا يكون ذلك الحكم أيضا، وذلك نحو بيه جمع بائع، وحيض جمع حائض لا يقال فيه: حيض ولا بيع. وكذلك في عيل جمع عائل، وسيل جمع سائل، قال أبو النجم:
كأن ريح المسك والقرنفل
…
نباته بين التلاع السيل
وأنشد ابن جني"
فتركن بهزا عيلا أبناؤها
…
وبني فزارة كاللصوت المرد
فلا تقلب الضمة في شيء/ من هذا. ووجه هذا (أن الياء المشددة قوية ليس لها ضعف المفردة كما تقدم قبل هذا، فكما) أن الياء إذا كانت مشددة لا تقلب للضمة قبلها (واوا) فلا تقول في مثل سلم من البيع: بويع، فكذلك لا تقلب الضمة لها، كانهم قصدوا بهذا نوعا من الموازنة. وكذلك الواو المشددة لا تقلب ياء للكسرة قبلها، فكذلك الضمة لا تقلب كسرة للياء المشددة، وأما نحو لي جمع ألوى فإن فيه جائز والضم جائز وذلك لأجل أن العين باللام مضاعفة فاعتبر فيها، هذا النحو، لكن لما كان
هذا التضعيف باللام لا بالعين (وحدها) اعتبر فيها ذلك المقدار، فكان الكسر أولى عندهم. فالحكم في مثل هذا مذبذب، إذ كانت اللام ليست بأجنبية من العين، لأنهما أصلان، بخلاف الحرف الزائد فإنه أجنبي، فلذلك لم يعتبر تضعيف العين (به) كما تقدم. وإن فقد وصف كون الياء غير لام فكانت لاما فحكمها أيضا حكم هيم ونحوه، لكنه سيذكرها بعد هذا على تفصيل (غير تفصيل) الحكم في هيم، فلذلك أخر ذكر ذلك عن هذه المسألة، والله أعلم.
وواوا آثر الضم رد اليامتي
…
ألفى لام فعل أو من قبل يا
كتاء بان من رمى كمقدره
…
كذا إذا كسبعان صيره
وإن يكن عينا لفعلي وصفا
…
فذاك بالوجهين عنهم يلفى
هذه مواضع أخر من قلب الياء واوا للضمة قبلها، فأولها أن تقع الياء لاما في فعل، وذلك قوله:"وواوا اثر الضم رد اليا متي. ألفى لام فعل". يعني أن الياء إذا وجدت في الكلام لاما لفعل لا لاسم فإن الياء ترد إلى الواو للضم
الذي قبلها؛ وذلك أن الضمة توجد كذلك على وجه واحد، وهو أن يكون الفعل ماضيا، فإنه إن كان مضارعا كان على يفعل لا على يفعل، فلا تقع فيه (الياء بعد الضمة)، ولا يوجد في الماضي غير محول إلا في فعل واحد، وذلك نهو، أصله: نهي، من نهيت. وإنما امتنع ذلك في كلامهم لما يؤدي إليه من الخروج من الأخف إلى الأثقل؛ إذ يلزم فيه قلب الياء واوا كما فعلوا في نهو، لأن حركة العين تقوى على اللام وإن تحركت، من حيث كانت (اللام) ضعيفة، بخلاف ما إذا كانت عينا وهي متحركة فإن الضمة لا تقوى عليها كما تقدم، وإذا كان كذلك لم يكن بد من قلب الياء واوا، والياء أخف من الواو، مع أنهم إذا أتوا بالمضارع كان ولابد على يفعل، لأن باب فعل أن يكون على يفعل، فكنت تقول مثلا: رمو يرمو، فيجتمع في الماضي والمضارع واو، والضمة كالواو، فكان كاجتماع واوين، وذلك ثقيل، فهربوا مما كان مؤديا إلى ذلك. بخلاف الواو إذا وقعت لاما نحو: سرو، فإنه لا يلزم فيه خروج من خفة إلى ثقل، فاستعملوه وأهملوا الآخر. فإذا ثبت هذا لم يبق مما يقع عليه هذا القانون من الماضي إلا المحول إلى فعل من غيره، وذلك فعل اللازم له معنى التعجب، (وذلك) نحو: كرم الرجل زيد، وما/ أشبه ذلك. فإذا بني مثله من فعل لامه ياء
لزم فيه لأجل قصد التعجب فعل، ولا ينقل إلى فعل لئلا يلتبس به، فاعتزموا عليه وقالوا: لقضو الرجل، من قضي يقضي، ورمو من الرمي، ونهو من النهي، وهدو من هدى يهدي، وكذلك ما أشبهه، فقلبوا فيه الياء واوا؛ إذ لم يمكنهم غير ذلك، فالفعل الذي أراد هو الفعل الماضي المبني على فعل، وهو عنده من المطرد في القياس، ولو فرضنا أن ليس بمقيس لكانت عبارته فيه صحيحة، لأنه إنما قال:"متى ألفى لام فعل"، أي: إذا وجد هذا في كلام العرب فحكمه هذا، بل لم يلتزم هو أن يوجد، فلا يعترض عليه بأن ذلك سماع فكيف تثبت له هنا قاعدة مطردة، لأن هذا من القواعد التصريفية الجارية في القياس وجد مقتضاها في السماع أو لم يوجد؛ ألا ترى أنهم يفرضون أشياء فيه أن لو كانت كيف تكون.
الثاني من المواضع: أن تكون الياء الواقعة بعد الضمة في آخر اسم لاما له أو غير لام، لكنها قبل تاء التأنيث، وكأن هذا الكلام من الناظم في (قوة) تقسيم، وهو أنه لما ذكر أولا حكم العين وما في حيزها في القلب وعدمه أخذ يذكر الآن اللام وما في حيزها أيضا، فكأنه يقول: إذا وقعت الياء بعد الضمة في آخر كلمة فإنها تبدل واوا في موضعين:
أحدهما: أن تقع لاما لفعل. ولم يستثن من ذلك شيئا، لأنها لا تكون آخر الفعل إلا لاما له.
والثاني: أن تقع آخر اسم، لكن بشرط أن يكون في آخره هاء التأنيث أو الألف والنون.
وماعدا هذين الموضعين فلا تقلب فيه الياء واوا على ما سيذكر إن شاء الله تعالى.
فأما ما آخره الهاء فهو الذي نبه عليه بقوله: "أو من قبل تا". وهو معطوف على معنى "لام فعل"، لأن معناه: في موضع اللام، إذ ليست لام التمثيل بعينها، فجاء قوله:"من قبل تا" معطوفا على هذا المعنى، كأنه قال: ألفى في موضع اللام، أو من قبل تاء. لكن لما كان قوله "من قبل تا" لا وجود له في كلام العرب على هذا المثال الذي يذكره؛ إذ لم يسمع مثال مقدرة من الرمي في الكلام، وإنما هو فرض فرضوه على قولهم عرقوة وقمحدوة ونحوهما- لم يترك كلامه مبهما (فقال):"لتاء بان من رمى كمقدرة"، أي: كالتاء الموجودة في بناء من بنى من رمى مثل مقدرة. فقوله: "كتاء بان" على حذف مضاف، أي: بناء بان، إذ الباني بنفسه ليس له تاء إلا في بنائه الذي بني، وبناؤه المبني على هذا المثال هو قولك: مرموة، لأن شرط البناء مقابلة الأصلي بالأصلي والزائد بالزائد، كما هو مذكور في الكتب المبسوطة، فالأصل أن يقال هنا في البناء من رمى: مرمية. وهذا الذي أشار إليه بأن تقلب ياؤه واوا للضمة، وكذلك ما كان نحوه من بنائك على مثال مقدرة من سرى يسري فتقول: مسروة، أو من بني فتقول: مبنوة أو من عنى يعني فتقول: معنوة. وكذلك ما أشبهه، فتقلب الياء واوا، ولا تقلب الضمة كسرة فتصح الياء، قالوا:
لأن الكلمة لما بنيت على هاء التأنيث فصارت غير مفارقة لها صارت الواو فيها بمنزلة واو قمحدوة/ وقلنسوة وعرقوة وترقوة، فقد جرت الهاء هنا مجرى الألف والنون على ما يأتي في كون الكلمة مبنية كلها لم تكن الكلمة موجودة قبل الألف والنون في نحو: عثمان وعمران، فكنت أولا تستعمل عثم وعمر ثم دخلتا عليهما، فكذلك المسألة الأخرى، لم يكون قمحدو، وعرقو، ونحوهما، هكذا مستعملا ثم دخلت عليه التاء.
ويتعلق بكلامه هنا مسألتان:
إحداهما: أن من شرط هذا الحكم الذي قرر في مثال مقدرة من الرمي أن يكون مبنيا على تاء التأنيث كما تقدم في التعليل أنفا، فإنها أن لم تكن الكلمة مبينية عليها لم يصح هذا الحكم، بل ينعكس الأمر، فتحكم اللام على الضمة فتنقلب كسرة، فتقول في مرموة: مرمية، كما لو قدرت سقوطها من قمحدوة لقلت: قمحدية. إلا أن العرب عاملته على لزوم التاء، ولأجل هذا الشرط يقول المازني وغيره حين يذكرون هذا: تقول في مفعله من رميت: مرموة، إذا بنيتها على التأنيث، ومرمية، إذا بنيتها على التذكير. ومعنى ذلك أن تقدر الكلمة من أول أحوالها غير منفكة من التاء أو تقدرها منفكة وإن لم ينطق بها إلا بالتاء، فهو عندهم أمر تقديري، ؤإذا كان كذلك فالناظم لم يشترط هذا الشرط، ولا ظهر من كلامه إشارة إليه، فاقتضي أنك تقول: مرموة، وإن قدرت
أنه أتى (به) على التذكير. وذلك غير صحيح، بل الحكم عندهم- كما ذكرت- لك، فكلامه إذا مشكل.
والجواب عن هذا: (أن) في كلامه ما يرفع عنه الاعتراض، وذلك أنه قد تقرر من مذهبه في هذا النحو على ما بينه لنا شيخنا القاضي أبو القاسم الشريف- رحمه الله أن اللزوم وعدمه عنده ليس إلا من جهة السماع فما سمع في مثاله النطق بالمذكر فهو الذي يصح فيه عنده وعند غيره البناء على التذكير، (و) مالم يسمع فيه المذكر فهو المبني على التأنيث، وهو مذهب سيبويه والحذاق، ولذلك قيد هنا التاء بكونها في مثال لم يسمع له بمذكر (وهو مقدرة)، فقال:"كتاء بان من رمى كمقدرة"، والكاف هنا في موضع الصفة لتاء، كأنه قال: أو من قبل تاء هذه صفتها. فالمثال فيه تقيد ضروري هو هذا، فإذا بنيت من الرمي مثلا مثل فعله قلت: رمية، إن لم تقدر بناءه على التاء، لأنك بنيت على مثال مالا يلزمه التاء، بخلاف ما إذا بنيت منه مثال مقدرة فإنك (لا) تقول إلا مرموة، ولا تقول في هذا: مرمية، كما (لا) تقول في الأول: رموة، لأنه ليس لك الخيرة في ذلك دون العرب. هذا قياس ما قال: ولذلك بنت العرب في عرقوة (و) قمحدوة على التأنيث البته؛ إذ ليس في الكلام وزان
فعلو ولا فعلو، ولم تنطق العرب قط بعرق ولا قمحد على معناه وهو بالتاء. وأما القلنسي والعرقي فجمع لا مفرد. فإذا ثبت هذا مقدرة الذي مثل به مما بنى على التاء في مذهبه البتة، لأنه لم ينطق له بمذكر، ولا في الكلام مثال مفعل، وأما مكرم ومعون فهو إما/ غير ثابت وإما شاذ، فلا يكون ما بني على مثاله إلا كذلك، وهذا واضح فلا اعتراض عليه حيث اختار اصح المذهبين. وقد أثمر اشتراطه لكون التاء مثلها في نحو مرموة أن يجري ذلك الحكم في كل تاء شانها أن تبني عليها الكلمة إما سماعا كما تقدم، وإما اعتقادا لذلك فيها، فإنك إذا بنيت مثال ما فيه التاء فلك أن تعتقد بناء الكلمة عليها مع كونها قد سمع سقوطها في مثاله، وأن تعتقد سقوطها، وتبني الحكم على الاعتقادين؛ فإذا بنيت من الرمي مثل مفعلة قلت على اعتقاد البناء على التاء: مرموة، بمقتضى كلام الناظم، لأنه شرط في قلب الياء واوا للضمة بناء الكلمة على التاء، وتقول على اعتقاد السقوط: مرمية، فلا تترك الضمة بل تقبلها كسرة والواو ياء؛ إذ تخلف شرطه، فيدخل في باب أدل وأجر. وكذلك إذا بنيت من الرمي مثل حذرة قلت: رموة على البناء، ورمية على عدمه. ومنه ما تقدم من بناء فعلة، ومن ذلك كثير، فكل ما اعتقد فيه البناء على التاء فلا حق بمرموة، وكل ما لحظ فيه لحظ السقوط فخارج عن حكمه، وهذا ظاهر.
والمسألة الثانية: أنه فرض ههنا بناء مثال آخر وأجازه، أما فرض البناء فكأنه (غير) متفق على صحته عند الحذاق في الجملة، وقد بوب عليه سيبويه، وهو أن تبنى من المعتل ما له نظير من الصحيح وتبين وجه اعتلاله. وتعدى به الناس إلى البناء (من) الصحيح ما له نظير من الصحيح، وهو من الاختراع الحسن في معناه، وهو في المفردات نظير باب الإخبار في المركبات وكثيرا ما يغلط (الناس) فيه كغلطهم في الأخبار أو أشد، لصعوبة مرامه، وبعد أغراضه، ولطف الصنعة، فيه، وخفاء مبانيه. لكن من تنبه له وتمرن فيه عد نبيل القوم، ورافع راية الإمامة في التصريف. والناظم قد ظهر منه إجازة ذلك كمذهب الجمهور، وذهب الجرمي إلى المنع من ذلك رأسا محتجا بأن النحوي إنما كلامه فيما تكلمت به العرب، وفيه تقع الفائدة المطلوبة من النحو، لأن اختراع اللغة باطل، وإذا كان كذلك فلا معنى لها الفن، وإذ هو تشاغل بما لم تتكلم به العرب، فهو تعطيل للزمان من غير ثمرة. والذين أجازوا اختلفوا على القولين:
أحدهما: جواز البناء مطلا كان له نظير في كلام العرب أو لم يكن. وهو مذهب الأخفش، وحجته أنك بنيت مثلا مثل جالينوس أو
مرزنجوش أو آجر، فلا يعني أن ذلك من كلام العرب، وإنما ذلك على جهة التدريب والتعليم، أي: لو بنت العرب مثل هذا من الغزو مثلا أو من الرد لكان على ماثبت من أقيسة كلامهم، فكما يتشاغل بالتعليل والتوجيه فيما أعتل من كلامهم وما لم يعتل على أن القصد من ذلك تثبيت القوانين وتأكيد تعليمها، كذلك في هذا أيضا تثبيت القوانين الثابتة من كلامهم وتأكيد. وكان أبو الحسن لأجل هذا يبني جميع ما يسأل عنه، فيقول: مسألتك/ ليست بخطأ وتمثيلي عليها صواب. قال: فإن أبي صاحبك فقل له: فلو جاء فكيف كان ينبغي أن يكون، فإنه لا يجد بدا من الرجوع إليك. وأيضا فإن ضرنببا إذا بني على مثال جحنفل لا معنى له في كلام العرب، فلم لا نبني على ما لا مثال له أيضا، وكلاهما ليس من كلامهم. قال السيرافي: ويقومه أن القائل: ابن لي مثل جالينوس لم يكلف أن يجعل هذا (البناء) من كلامهم.
والقول الثاني: مذهب سيبويه، وهو المتوسط، وهو أن في البناء من المعتل المضاعف مثل ما ورد في الصحيح كفاية في التدريب، من أنا لا نخرج بالجملة، عن نظائر كلامهم، وأما البناء من الصحيح فليس فيه تدريب، فلا ينبني منه (شيء)، لأن لنا شغلا فيما نقل من كلامهم.
قال ابن الضائع: وجميع هذه المذاهب صحيح. قال: وعندي أنه لا خلاف بينهم، وإنما هي مذاهب في زيادة التعليم. يريد: لا أنها مذاهب في
الإلحاق بكلام العرب ما لم يوجد فيه. وذكر أن وضع مثل هذا وضع لغة لم تكلم بها العرب.
وقد نقل هذا الخلاف على معنى أنه ينطق به في الكلام، ويلحق بكلام العرب، ويجوز استعمال تلك الأبنية في ضرائر الشعر أو غيرها، وهو مذهب ابن جنى نصا. وليس الكلام في ذلك هنا، وإنما الكلام هنا على جواز البناء على الجملة أو عدمه، ولا شك أن الناظم حين فرض البناء قائل بقول الجمهور في الجواز لكن لا يتعين هنا مذهب الأخفش من غيره، لأنه بني على ما وجد مثله في كلام العرب، وأيضا فهو بناء من المعتل إذ هو من رميت على مثال الصحيح، وهو مقدرة، وسبعان، وهو الراجح في النظر عندهم لما فيه من التدريب والاعتياد لقوانين التصريف وغيره حتى يصير هذا العلم ملكة في قريب من الزمان. وإن أردت بسط الخلاف على أتم من هذا فابن جنى في المنصف قد أتى فيه ببسط على وجه آخر وطريقة أخرى، وذكر ذلك السيرافي وغيره.
وأما ما آخره ألف ونون فهو الذي أشار إليه بقوله: "كذا إذا كسبعان صيرة" الهاء في "صيره" عائد على البناء المتقدم وهو البناء من رمى، يعني أن هذا الحكم المذكور من قلب الياء واوا للضمة قبلها ثابت فيما إذا بنيت من رمى مثل سبعان، فالأصل أن تقول: رميان، بإظهار الياء، لكن لما كانت الياء ضعيفة لأنها لام، واللام أضعف من العين قويت الضمة عليها ولم تقو على العين، ألا ترى أنك تقول: رجل عيبة، فلم تقلب الياء واوا لكونها عينا، بخلاف اللام لضعفها، ولم تقلب الضمة كسرة للياء لكون الكلمة قد بنيت عليها فصارت
حشوًا بالألف والنون، وهما أشد في بناء الكلمة عليهما من التاء، لأن الهاء قد تعد كالكلمة المنفصلة، بخلاف الألف والنون فإنها حروف الكلمة البتة، وعلى هذا تقول في فعلان من حييت: حيوان فتقلب الياء الثانية واوا للضمة كما فعلت ذلك في رموان وما أشبه ذلك.
فإذا تقرر هذا فاعلم أنه يتعلق/ بكلام الناظم أشياء:
أحدهما: أن قوله: "واوا آثر الضم رد اليا"، ظاهره أنه يريد الضم على اطلاقه والضم تارة يكون ظاهرا كما تقدم من الأمثلة وتارة يكون خفيا وذلك حيث يسكن تخفيفا، فنص سيبويه وغيره على أن الحكم في ذلك واحد، فإن ذهاب الضمة للتخفيف لا يرفع حكمها، لأن زوالها عارض، فأما في فعل من الفعل فإنك تقول: لقضو الرجل، وهو من قضى يقضي، وهذا مسموع فتركوا الواو على حالها بعد التكسير لأنه في حكم الظهور، وعلى هذا تقول في رمو: رمو، وفي نهو، نهو، ولا ترد الواو إلى أصلها. وأما في فعلان فتقول في: رموان: رموان، وفي حيوان: حيوان، ونترك الواو على حالها لو ظهرت الضمة، لأنها مقدرة الظهور. وكذلك إذا بنيت فعلان من الرمي ثم سكنت العين لقلت: رموان، كما أنك إذا قلت في بناء فعلة أو فعلة منه: رموه ورموة ثم سكنت لقلت: رموة ورموة. والمسائل كثيرة، والتفريع متأت.
والثاني: أنه قد ظهر من استقراء كلام الناظم أن تمثيله في هذه المسألة إنما هو بالمعتل اللام وحدها، فظهر بذلك قصده إلى ذكر ذلك وحده دون المعتل
العين واللام معا، فإن ذلك إنما يتأتى فيما مثل به لا في غيره، فإنك لو أردت أن تبني من طويت أو حييت مثل فعل لم يجز، لأنك تقول في المبني من حيى: حيو، وليس ذلك بموجود في الكلام، أعني أن يكون ما عينه ولامه ياءان على فعل، وكذلك لو قلت: طوو، لم يكن لذلك نظير في الكلام لما فيه من ثقل التضعيف. ولذلك أمتنع أن تبني من القوة والحوة على فعل، وأيضا لو فرضناه لوجب الإدغام كما تقول في فعلان من طويت: طيان. وكذلك لو بنيت منهما نحو مقدرة لم يجز، لأنك كنت تقول في طويت: مطووة، وهذا غير جائز لأجتماع الواواين ولذلك قال سيبويه والخليل في ترقوة من الغزو: غزوية، لا غير، ولم يجز غزووة لاجتماع الواواين، وإنما يجوز من ذلك البناء من حيى فتقول: محيوة، وكذلك إذا بنيت منه فعلان قلت: حيوان ذكره المازني على أنه منازع فيه (وفيما قبله) غير متفق عليهما. وكذلك يجوز- على خلاف- أن تقول من طويت: طووان، على إجازة سيبويه قووان من القوة، وغيره يمنع ذلك. وقد اضطرب الناس في ذلك اضطرابا كثيرا.
والثالث: أنه ذكر حكم الآخر مع التاء، ومع الألف والنون، ولم يذكر حكمه مع ألفي التأنيث مع أنهما كالألف والنون في ذلك، فإنك تقول إذا بنيت مثال الأربعاء من الرمي: أرمواء، أصله أرمياء، وكذلك مثال الأربعاء: أرمواء،
أصله أرمياء، فكان من حقه أن يذكر ذلك، وقد نبه عليه في التسهيل حيث قال:"وتبدل الألف واوا لوقوعها إثر الضمة"، ثم قال: "والواقعة آخر فعل، أو قبل علامة تأنيث بنيت الكلمة عليها. وأطلق في علامة التأنيث ولم يقيدها بهاء دون غيرها، إلا أنه جرى على عادة الجمهور إذ لم يفرضوا ألفي التأنيث في هذه المسألة كسيبويه والمازني وابن جني وغيرهم.
والرابع: أن/ هذا الفصل تقرر فيه أن الضمة إذا وقعت بعدها الياء وكانت آخرا تقلب واوا للضمة، وذلك إذا كانت أحد تلك الأشياء، فاقتضى أنها إذا لم تكن على تلك الأوجه فإن الياء لا تقلب (واوا)، وذلك نحو: أظب جمع ظبي، أصله أظبى. وكذلك إذا بنيت من رمى مثل ترتم قلت: رمي أصله: رميى، أو من بنى قلت: بني، (أصله): بنيى وإذا كان كذلك فلابد من الإعلام، لأن حرف العلة إذا كان آخرا فهو أضعف منه إذا كان وسطا، فلابد من أحد الأمرين، امتنع أحدهما بإشارة الناظم إلى ذلك، وهو إبدال واوا (لأنه) قد خصه بفعل
ومفعلة وفعلان ونحوهما، فلو دخل مثل أظب في هذا الحكم لم يكن لتخصيصه ما خصص ذكره وجه، فلم يبق إلا أن يكون خارجا عنه، وإذا خرج عنه لم يعط المفهوم فيه إلا أن الياء لا تقلب واوا، فيبقى إذا الحكم في المسألة مجهولا غير معلوم؛ إذ ليس عدم القلب ياء بمعين لشيء فكيف وهو دائر بين التصحيح وبين قلب الياء واوا للضمة، وإذا كان كذلك ثبت أن مسألة أظب مغفلة في هذا النظم على شهرتها وكثيرة دورها مضمومة إلى مسألة أدل وأجر ونحوهما مما آخره واو قبلها ضمة، ومثل هذا يعترض عليه في إغفاله إياه، وليس كل داء يعالجه الطبيب!
ثم قال: "وإن تكن عينا لفعلى وصفا"
…
إلى اخره. ضمير "تكن" عائد على الياء التي انضم ما قبلها، والإشارة بذلك إلى البناء على فعلى الذي عينه ياء، وهو وصف، ويريد أن فعلى- بضم الفاء- إذا كان عينها ياء، وكانت وصفا لا اسما فإن فيها وجهين من الإعلال، وهما المتقدمان، ولذلك أتى بالألف واللام التي للعهد في الذكر، وذلك أنه ذكر فيما إذا انضم ما قبل الياء على الجملة وجهين من الإعلال، وهما انقلاب الضمة كسرة لأجل الياء، وانقلاب الياء واوا لأجل الضمة، هذا الذي تقدم له، فلابد أن تكون الألف واللام محالا بها على ذلك، فكأنه يقول أنت بالخيار في أن تقلب الضمة كسرة لأجل الياء فتقول: المراة الكيسي، من الكيس، والمرأة الطيبى من الطيب، وكذلك قسمة ضيزى، وامرأة حيكي، أصله فعلى بالضم (لا فعلى)، والدليل على ذلك
أن فِعْلى- بكسر العين- في الصفات معدوم عند الأكثر ونادر عند المؤلف، إذ حكي منه: عزهى وضئزى، بالهمز. وتأول غيره ضئزى على أنه مصدر وصف به، وإذا كان كذلك ثبت أنه فعلى، فكان الأصل كيسي وطيبي، لكنهم قلبوا الصمة كسرة لتصح الياء، كما فعلوا ذلك في فعل الذي هو جمع كبيض، أو تقلب الياء واوا لأجل الضمة قبلها فتقول: الطوبي والكوسي وحوكي وضوزي، وضوزي أشبه بذلك، كما فعلت (ذلك) في فعل من البيع. حين قلت على مذهبه بوغ. وإنما مثلت بالطوبي والكوسي وإن كانا من فعلي التفضيل بناء على مذهبه فيها في التسهيل. وتقييده فعلي بالوصفية يخرج ما لم يكن منها وصفا. فكل ما كان من الأسماء على فعلى وعينه ياء فليس يدخل تحت الحكم بالوجهين، وإنما فيه وجه واحد/، إلا أن هذا الوجه لم يتعين هنا، فيحتمل أحد هذين الوجهين، والذي يتعين هنا هو قلب الياء لتصح الضمة نحو قولك: طوبي لزيد، قال تعالى ك {طوبي لهم وحسن مآب} . وهذه ليست بصفة ولا هي تأنيث الأطيب وإلا لزمت الألف واللام أو الإضافة، فثبت (أنها) اسم. وكذلك ما كان من الفعلى اسما غير صفة، ولذلك لو بنيت فعلي من البيع لقلت: بوعى، أو من الخير لقلت: خوري، أو من العين لقلت: عوني. وكذلك ما أشبهه.
فإن قيل: ما الذي يدل من كلامه على تعيين هذا الوجه دون الوجه الأول؟
فالجواب: أنه قد قدم أن الياء تقلب واوا إذا سكنت لأجل الضمة قبلها، ففعلي الاسم والصفة في الحقيقة كانا داخلين في ضمن عقده هناك، إلا أنه أخرج الصفة لما جاز (فيها) من الوجهين عنده، فبقى الاسم على ذلك الأصل، وهذا ظاهر جدا، فليس (حكم) فعلي الاسم بمأخوذ من المفهوم هنا، بل من النص هنالك.
ثم ههنا على الناظم سؤالات:
أحدهما: أنه قال: "فذاك بالوجهين"، يعني المتقدمين، ولم يتقدم له في الياء التي قبلها ضمة وجهان فقط، بل ثلاثة (أوجه)، أحدها: التصحيح فتبقى الضمة على أصلها غير منقلبة والياء كذلك على أصلها، والثاني والثالث هما هذان، وعلى هذا فيحتمل كلامه (من حيث) لم يقتصر على وجهي الإعلال أن يكون الوجهان هنا يريد بهما التصحيح والإعلال على وجهيه كليهما، أو على أحدهما، لكن هذا غير صحيح؛ إذ ليس الوجهان هنا إلا وجها الإعلال خاصة، وأما التصحيح فلا يصح ولا تكلمت به العرب قط، فكان كلامه على هذا مشكلا.
والثاني: على "تسليم أنه أراد وجهي الإعلال لم يذكر أن أحدهما أكثر من الأخر، (بل) قال: "فذاك بالوجهين عنهم يلفى"، فأطلق، فاقتضى أنهما
على حد سواء، كيف وسيبويه وغيره يقولون: ليس لهم في هذا إلا وجه واحد، وهو قلب الضمة كسرة كما قلبت في بيض، ولم يجيزوا غيره، وما جاء من ذلك فشاذ محفوظ لا يقاس عليه، ووجه مخالفة الصفة الاسم هنا التفرقة بينهما كما فرقوا بين الأسم والصفة في فعلي و (في) فعلي، كما يأتي بحول الله تعالى، وقد جعل قلب الياء واوا في التسهيل قليلا، فعلى كل تقدير لم يرتكب ما قال النحويون، ولا ما قاله في التسهيل.
والثالث: أنه حين ذكر الوجهين في الصفة كان من حقه أن يذكر الوجهين في الاسم؛ لأنه قد حكاهما في التسهيل، فقال:"وتبدل الضمة في الجمع كسرة فيتعين الصحيح"، ثم قال:"ويفعل ذلك بالفعلي صفة كثيرا، وبمفرد غيرها قليلا". فدخل في هذا القليل فعلي الاسم، فإذ ذكر في الصفة الوجهين على اختلافهما فكان من حقه أن يذكر مثل (ذلك). في الاسم وإن كان ذلك ليس مذهب سيبويه فإنه قد جاء أيضا في السماع، فكي ابن جني عن أبي حاتم قال:"قرأ على أعرابي بالحرم (طيبى لهم وحسن مآب) قفلت له: طوبي فقال: طيبى. قلت: طوبى! قال: طيبى. فلما طال على قلت له: طوطو/ فقال: طي طي". فظهر أن طيبي لغة هذا
القارئ، ولا يكون ذلك إلا لأنها لغة لبعض العرب وإن كان الأكثر إبدال الياء واوا. فإذا قوله:"وصفا"، زيادة على طريقته لا يحتاج إليها.
والرابع: أن كلامه حصر قسمين، قسم الاسم المحض كطوبي، وقسم الصفة المحضة كحيكى. وبقى له قسم ثالث مذبذب، وهو الفعلى تأنيث الأفعل، وهذا القسم متردد، بين الأسماء والصفات، ولذلك يشكل حكمه في كلام المؤلف، فمن حيث هو صفة في الأصل يتوهم دخوله في قسم الصفات، فيكون إذ ذاك حكمه فيه حكم الصفة في جواز الوجهين، وهذا غير ما ذكره النحويون سيبويه وغيره، لأنهم ألزموا في فعلي تأنيث الأفعل نحو الطيبي والكيسي الإجراء مجرى الأسماء فتقول فيه: الطوبي والكوسي لا غير، وما جاء على خلاف ذلك فنادر لامبالاة به، وأيضا فيوهم على هذا أن يكون من الصفات المحضة، وهو خلاف ما قاله الناس أجمعون؛ إذ ليس الفعلي أنثى الأفعل عندهم إلا في حيز الأسماء [و] من حيث هو جاز مجرى الأسماء يوهم أنه يحكم عليه بحكم الأسماء، وهو خلاف لما نص عليه في التهسيل، إذا جعل الفعلي تأنيث الأفعل من الصفات المحضة فقال:"والصفة المحضة كالعليا والدنيا تأنيث الأدنى، والجارية مجرى الأسماء الدنيا إذا أريد بها هذه الدار". فإذا كان هذا عنده كذلك كان هذا القسم في كلامه مشكلا جدا، ولو لم يكن مترددا بين القسمين لم يقع في كلامه إشكال.
والجواب عن السؤال الأول: أن الوجهين المحال عليهما ليسا إلا وجهي الإعلال، والتصحيح لا يمكن إجراؤه، لأن الياء ساكنة، ولم يتقدم له في الياء
الساكنة التي قبلها ضمة تصحيح أصلا، وإنما جاء في المتحركة، وهذه ليست بمتحركة، فلم يبق إلا ما تقدم من وجهي الإعلال.
والجواب عن الثاني: أنه قد مضى له مثل هذا مما أحد الوجهين فيه أرجح من الآخر، ولم ينبه على ذلك اتكالا على إطلاق الجواز فيهما (معا، إلا أن إطلاق الجواز) فيه مخالفة لمذاهب الناس؛ إذ لا أعلم في الصفة خلافا في أنها على وجه واحد، وهو قلب الضمة كسرة وتصحيح الياء إلا ما يجري على مذهب الأخفش في نحو فعل من البيع وما أشبهه، ولم أره منصوصا عنه هكذا. ولعل الناظم إذ كان مذهبه هنالك مذهب لأخفش، وكان قد سمع هنا شيء مما يقتضيه وإن كان نادرا أخذ به، مع ما جاء في السماع الفاشي من موافقة مذهب سيبويه، فجعلهما وجهين متساويين عنده، لأن أحدهما عضده جريانه عنده على القياس وإن كان في السماع قليلا، (والآخر) عضده السماع الفاشي وإن كان ليس بموافق للقياس عنده، فاستويا عنده من هذه الجهة، فأطلق الوجهين إطلاقا إعمالا للدليلين وجمعا بين المذهبين. وعلى هذا يجري الجواب عن السؤال الثالث، لأن طيبي، ونحوه مما جاء قليلا في الأسماء لا قياس (له) يعضده حتى يقاوم عنده/ الوجه الآخر أو يدانيه، فلم يجعله وجها جائزا مع لآخر الذي عليه
الجماعة، بل جعله لقتله معتد به. وهذا حسن من الاستنباط لا يبعد عن أغراض الناظم في هذا النظم، وأيضا فقد يكون الجواب عن هذين مبنيا على الجواب عن الرابع، وهو أن مذهبه في التسهيل أن الفعلي تأنيث الأفعل من قبيل الصفات المحضة لا مما جرى مجرى الأسماء، ولذلك عني بتمثيل ذلك والتعريف به حيث قال:"والصفة المحضة كالعليا والدنيا تأنيث الأدنى" .. إلى آخره، وقد مر ذكره فوق هذا، قال شيخنا القاضي- رحمه الله: هذا تبيين لما اصطلح عليه لنفسه؛ إذ هو مخالف لسائر النحويين، فلذلك أتى به، وإلا فكان يكون من قبيل الفضول، إذ ليس من شأنه التمثيل، فإذا إنما بني هنا على ما بينه هنالك، فيجوز عنده فيه الوجهان. وقد أجاز غير الناظم في فعلي التفضيل الوجهين بناء على الاعتبارين لابناء على مذهب الناظم؛ إذ هو في هذه المسألة مخالف للنحويين، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. فنقول على هذا: الكيسي والكوسي، والطيبي والطوبي، وكذلك الميلي والمولى، والبيني والبوني، في تأنيث الأميل والأبين، وكذلك ما أشبهه، (وإذا كان كذلك) فسيبويه حين كان مذهبه في فعلي الأفعل القلب واوا للضمة، لأنه عنده اسم، وكان مذهبه في الصفة قلبه الضمة لأجل الياء فهذا وجهان قياسان عنده، فأخذ الناظم المذهبين في الصفة على الجملة، لأن فعلي الأفعل عنده صفة، فقد ثبت فيه قلب الياء واوا، وحيكي وضيزي ثبت فيهما وفيما أشبهها قلب الضمة كسرة، مع أن كلا القسمين قد سمعت فيه المخالفة، فقالوا في فعلي الأفصل: الكيسي. وقالوا في تصريف ضيزي: صزته، قال ابن جني في الضم الذي هو دليل على الواو: يحتمل أن