المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فاخترتُ رسالتين من رسائل الإِمام محمَّد عبد الحي اللكنوي رحمه - الإنصاف في حكم الإعتكاف

[أبو الحسنات اللكنوي]

الفصل: فاخترتُ رسالتين من رسائل الإِمام محمَّد عبد الحي اللكنوي رحمه

فاخترتُ رسالتين من رسائل الإِمام محمَّد عبد الحي اللكنوي رحمه الله تعالى، لهما ارتباط وثيق بمناسبة هذا الشهر المبارك.

وأما الرسالة الأولى فعنوانها: "رَدع الإِخوان عن مُحْدَثات آخرِ جمعةِ رمضان"، وقد انتهيتُ بفضلِ الله وعونه من خدمتها والعنايةِ اللائقةِ بها.

وأما الرسالة الثانية، فهذه التي بين يديك، وعنوانها:"الإِنصاف في حكم الاعتكاف"، ومعها:"الإِسعاف بتحشية الإِنصاف" لتلميذ المؤلف الشيخ محمَّد عبد الغفور الرَّمْضانفوري.

وأتكلَّم بين يدي هاتين الرسالتين بكلمةٍ موجزة عن الاعتكاف، ثم عن موضوع هاتين الرسالتين، ثم التعريف بصاحب الحاشية، وخدمتي لهما.

وأسألُ الله سبحانه التوفيق لِمَحَابِّه، وخدمة كتابِهِ، وسنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم، إنَّه نعْمَ المولى والنَّصير.

‌حِكمةُ الاعتكاف:

قال الإِمام ابن القيِّم رحمه الله تعالى: "لمَّا كان صلاحُ القلب واستقامتُه على طريق سَيْره إلى الله تعالى، متوقِّفًا على جمعيَّتِهِ على الله، ولمِّ شعثه بإقباله بالكليَّة على الله تعالى؛ فإنَّ شَعَثَ القلب لا يَلُمُّه إلَّا الإِقْبالُ على الله تعالى، ولمَّا كان فُضُولُ الطَّعام والشَّراب، وفُضولُ مخالطة الأنام، وفضولُ الكلام، وفضولُ المنام، ممَّا يزيده شَعَثًا، ويُشَتِّتُهُ في كلِّ واد، ويقطعه عن سَيْره إلى الله تعالى، أو يُضعِفُهُ، أو يعوقُه ويوقِفُه: اقْتَضَتْ رحمة العزيز الرحيم بعباده أنْ شَرَعَ لهم من الصَّوم ما

ص: 6

يُذهبُ فضولَ الطعام والشراب، ويستفرغُ من القلبِ أخلاطَ الشَّهوات المعوِّقة له عن سَيْره إلى الله تعالى، وشَرَعَهُ بقدر المصلحة، بحيث ينتفعُ به العبد في دنياه وأُخراه، ولا يضرُّه ولا يقطعُهُ عن مصالحه العاجلة والآجلة.

وشَرَعَ لهم الاعتكاف الذي مقصودُه وروحُه عكوفُ القلب على الله تعالى، وجمعيَّتُهُ عليه، والخَلْوةُ به، والانقطاعُ عن الاشتغال بالخلق، والاشتغالُ به وحدَهُ سبحانه، بحيث يصيرُ ذكرُهُ وحبُّه والإِقبالُ عليه في مَحَلِّ هموم القلب وخَطَراته، فيستولي عليه بدلَها، ويصيرُ الهمُّ كلُّه به، والخطراتُ كلُّها بذكره، والتفكُّرُ في تحصيل مراضيه، وما يقرِّب منه، فيصيرُ أُنْسُهُ بالله بدلًا من أُنسِهِ بالخَلْق، فيعدُّه بذلك لأنسه به يوم الوَحْشة في القبور حين لا أنيسَ له، ولا ما يفرحُ به سِواه، فهذا مَقْصود الاعتكاف الأعظم" (1).

"فالخَلْوةُ المشروعة لهذه الأُمَّة هي الاعتكاف في المساجد، خصوصًا في شهر رمضان، خصوصًا في العشر الأواخر منه، كما كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يفعله. فالمعتكفُ قد حَبَسَ نفسَه على طاعة الله وذكرِهِ، وقطع عن نفسه كلَّ شاغل يشغلُهُ عنه، وعَكَفَ بقلبه وقالَبِهِ على ربِّه وما يقرِّبه منه، فما بقيَ له همٌّ سوى الله عز وجل وما يرضيه عنه.

فمعنى الاعتكاف وحقيقته: قَطْعُ العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق" (2).

(1) زاد المعاد 2: 86 - 87.

(2)

لطائف المعارف، لابن رجب الحنبلي ص 348 - 349 بتصرف واختصار.

ص: 7