المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المقام الثالث:هل هو سنة مؤكدة كفاية، أم عينا - الإنصاف في حكم الإعتكاف

[أبو الحسنات اللكنوي]

الفصل: ‌المقام الثالث:هل هو سنة مؤكدة كفاية، أم عينا

لا يؤكِّد في الاعتكافِ تأكيده في غيره من السننِ، ولا يعيبُ أحدًا من الصَّحابة على ترك الاعتكاف، فإنَّ الاعتكاف إمَّا سُنَّةٌ مُخْتَصَّةٌ به غيرُ مُؤَكَّدة على الأمة، بل بقي في حَقِّهم مثل السُّنن الغير المؤكَّدة، أو كان واجبًا عليه مُختَصًّا به فَفَعَلَهُ؛ لامتثال الوجوب، فلا يكون على الأمَّة سُنَّة، بل مندوبًا مُحْضًا، وهذا غير بعيد. انتهى.

قلت: هذا التحقيق كله من عند نفسِهِ (1)، والحق عندي هو الذي ذَكَرتُ (2).

‌المقامُ الثالث:

هل هو سنَّة مؤكَّدة كفايةً، أم عينًا

؟

فعامَّتهم على أنَّه سُنَّة (3) كفاية؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يُنكر على مَنْ تركه من الصحابة، بخلاف السُّنَن المؤكَّدة، فدلَّ ذلك (4) على أنه سُنَّة كفاية، وبه جَزَم الشُّرُنْبُلالي في "مراقي الفَلاح"، والعلامة

(1)

قوله (من عند نفسه): لأن كونَ الاعتكاف مختصًّا بالنبى صلى الله عليه وسلم لم يثبُت بعد، وأما كونه مندوبًا محضًا، فمخالفٌ لكلامهم.

(2)

يعني: أنه سنة مؤكَّدة كفاية، ولا وَجْهَ للقولِ بالاختصاص به، وقد بينْتُ ما في ذلك الكلام من الخَلَل بوجوهٍ في حواشي المتعلقة بشرح الوقاية لصَدْر الشريعة، فَلْتُطَالع، فإنَّها كافيةٌ لتحقيق المُهِمِّات. (منه) عَمَّ فَيْضُه.

(3)

قوله "على أنَّه سُنَّة": أي مُؤَكَّدة؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يتركه إلَّا بسبب ما وقع من أزواجه، لكنه اعتكف بدلَه عَشْرًا من شوال.

(4)

قوله (فدلَّ ذلك): أي عدم إنكاره صلى الله عليه وسلم على تاركي الاعتكاف على أنَّه -أي الاعتكاف-: سُنَّةُ كفاية، إذا قام به البعضُ ولو فردًا سقطت مَلامَةُ ترك السنَّة المؤكَّدة عن الباقين.

_

[الإِسعاف بتحشية الإِنصاف]

ص: 34

الطَّرابُلُسي (1) في "البرهان في شرح مواهب الرحمن"، وَتَبِعَهُ الحَصكَفيُّ وغيره.

قلتُ: ولم أَرَ منْ صَحَّحَ القولَ بكونه سُنَّة العين، ثُمَّ رأيتُ أنه قال القُهُسْتاني (2) في "شرح خلاصة الكيداني" عند تقسيم السُّنن: قد تنقسم السُّنَّة إلى سُنَّة العين، وسُنَّة الكفاية، كَسَلامٍ واحدٍ من جمع، وقيل: منه الاعتكاف، ورُدَّ بأنَّه روايةٌ شاذة، والحق: أنَّه من سُنَّة العين. انتهى.

(1)

قوله (الطَّرابُلُسي): هو إبراهيم بن موسى بن أبي بكر بن علي الطَّرابُلُسي الحنفي، نزيل القاهرة، مؤلِّف "الإِسْعَاف في حكم الأوقاف"، و"مواهبُ الرَّحمن"، وشرحه "البُرهان"، المتوفَّى بالقاهرة سنة اثنين وعشرين وتسعمائة، وترجمته مبسوطة في "الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع" لشمس الدين محمَّد بن عبد الرحمن السَّخاوي المصري، المتوفى سنة 902، وقد أخطأ الفاضل القنوجي رئيس بهوفال في "إتحاف النبلاء"، حيث ذكر أن وفاته سنة 830.

(2)

قوله (القُهُسْتاني): هو شمسُ الدين محمَّد الخُراسَاني القُهُسْتاني، نزيل بُخارى، المتوفى سنة اثنتين وستين وتسعمائة، وقيل: إنه مات في حدود سنة خمسين وتسعمائة، ومن تصانيفه:"شرح خُلاصة الكيداني"، و"شرح مختصر الوقاية" المشهور بـ "جامع الرموز"، قال المولى عصام الدين في حَقِّهِ: إنه يجمع في شرحه هذا بين الغثِّ والسَّمين، والصحيح والضعيف من غير تصحيحٍ وتدقيق، فهو كحَاطِبِ الليل، جامع بين الرَّطْب واليابس في النَّيْل، وهو العوارض في ذمِّ الروافض (38).

_________

(38)

هكذا في الأصلين، وقوله:"وهو العوارض في ذم الروافض" اسم كتاب لعلي القاري، نقل منه ما يتعلق بالكتب غير المعتمدة في رسالته "ردع الإِخوان" فانظر عبارته هناك.

_

[الإِسعاف بتحشية الإِنصاف]

ص: 35

لكنه لم يعيِّن الرادَّ حتى يُبْحَث عن حالِهِ، والحقُّ: أنَّ قوله: الحق، ليس بحق (1).

ثم رأيتُ الدمْيَاطي (2) قد نَقَلَ كلام القُهُسْتَاني في حاشيتِهِ "تعاليق الأنوار على الدُّرِّ المختار"، والعَجَب أنَّه سَكَتَ عليه.

المقامُ الرابع:

الاعتكاف على تقدير كونه سُنَّةُ كفاية كما هو الحق، هل هو سُنَّة كفايةٍ على أهلِ البلدة (3)، كَصَلاة الجنازة (4)، أم سُنَّة كفايةٍ على أهلِ كُلِّ مَحلَّةٍ، كصلاةِ التراويح بالجمَاعة (5)؟

(1) قوله (ليس بحق): لأنَّ الاعتكاف لو كان سُنَّة العين لما تَرَكَه الصحابة رضي الله عنهم، ولأَنكَرَه صلى الله عليه وسلم على مَنْ تركه بغير عذرٍ، كإنكاره على تاركي السنن.

(2)

قوله (الدِّمْياطي): هو عبد المولى بن عبد الله الدِّميَاطي، تلميذ السيد أحمد الطَّحْطَاوي الحنفي، له حاشيةٌ نفيسة مسمَّاة بـ "تعاليق الأنوار على الدُّر المختار"، شَرعَ في تأليفها ليلة الأربعاء لخمس وعشرين مَضَتْ من ذي الحجَّة سنة اثنتين وثلاثين بعد الألف والمائتين، وفَرَغ عند يوم الجمعة ثالث جمادى الثانية سنة ثمان وثلاثين بعد الألف والمائتين، ولم أطلع على تاريخ ولادته ووفاته، كذا في "التعليقات السنية على الفوائد البهية"(ص 13 - 14) للأستاذ العلامة.

(3)

قوله (على أهل البلدة): حتى لو ترك أهل بلدةٍ بأَسْرهم أساؤوا وأثموا جميعًا، وإلَّا فلا.

(4)

قوله (كصلاة الجنازة): فإنَّها تسقطُ عن أهل بلدةٍ بأداء البعض، ولو تركوها يلحقهم الإساءة.

(5)

قوله (كصلاة التراويح بالجماعة): قيل: إنَّ الجماعةَ فيه سُنَّة لأهل كلِّ مسجد من البلدة، وقيل: لأهل مسجد واحد منها، وقيل: من المحلة، فظاهر كلام =

ص: 36

فظاهِرُ عباراتهم يَقْتضي الأول، ففي "مَجْمَع الأَنْهُر شرحُ مُلْتَقَى الأَبْحُر" (1) عند ذكر الأقوال: وقيل: سنَّةٌ على الكفاية، حتى لو تَرَكَ أهل بلدة بأَسْرِهم يلحقهم الإِسَاءَة، وإلَّا فلا، كالتأْذين (2). انتهى.

= صاحب "الدر المختار": الأول، واستظهر الطَّحْطاوي: الثاني، ومُختار ابن عابدين في "ردِّ المحتار": الثالث؛ لقول "المُنْية": حتى لو تَرَكَ أهلُ محلَّة كلهم الجماعة فقد تركوا السُّنَّة وأثموا.

(1)

قوله (مجمع الأنْهُر): لعبد الرحمن بن شيخ محمَّد بن سليمان المدعو بشيخ زاده، المتوفى سنة ثمان وسبعين بعد الألف، كما ذكره في "الكشف" (2: 1815)، وهو مشتَمِلٌ على المجلَّدين، كتب في آخر المجلَّد الأول: وقد انتهى هذا النِّصْف الأول من شرح "مُلتقى الأبحر"(39) في يوم الخميس رابع عشر من ذي القعدة الشريفة لسنة سبعين وألف، وكتب في خاتمةِ المجلد الثاني: وقد انتهى هذا الشَّرح، وتمَّ بفضله تعالى ببلدة أَدَرْنة قاضيًا بعساكر في ولاية روم إِيلي في ليلةِ الخميس في اليوم التاسع عشر من جُمادى الآخرة من شهور سنة سبع وسبعين وألف من هجرةِ مَنْ له العزُّ والشَّرف. انتهى ملخصًا.

(2)

قوله (كالتأذين): فإنَّه ليس بواجب على الأصح، بل هو سُنَّةٌ كفاية، بمعنى: أنَّ الواحدَ يكفي عن أهل البلدِ لا عن البلاد كلِّها، لعدم حُصولِ الإِظْهارِ به.

فإن قلتَ: قد يُستفاد من كلام محمَّد رحمه الله أنَّه واجبٌ، حيث نقلوا عنه أنه قال: لو اجتمع أهل بلدة على تركه قاتلتهم، ولو تركَهُ واحدٌ ضربتُه وحَبَسْتُهُ.

قلتُ: إنَّ محمدًا رحمه الله لا يخصُّ الحكمَ المذكرر بالواجب، بل هو في سائر السّنن، كذا قال الطحْطَاوي.

_________

(39)

"ملتقى الأبحر" للإمام إبراهيم بن محمَّد الحلبي المتوفى سنة 956 رحمه الله تعالى.

_

[الإِسعاف بتحشية الإِنصاف]

ص: 37

وقال الطَّحْطَاويُّ (1) في شرح قول الحَصْكَفي: أي سُنَّة كفاية، إذا قام بها البعض، ولو فردٌ أُسْقِطَتْ عن الباقين. انتهى.

ومثلُه في "شرح النُّقَاية" لعليٍّ القاري (2) وغيره.

(1)

قوله (الطَّحْطَاوي): أي السيِّد أحمد الطحْطَاوي، مُحَشِّي "الدر المختار"، من رجال المائة الثالثة عشر (40)، كما يظهرُ من كتاب الإِجَارات من "رد المحتار على الدر المختار" لمحمد أمين بن عابدين الشامي، المتوفى سنة 1252.

(2)

قوله (لعليٍّ القاري): أي علي بن سُلطان محمَّد الهروي، نزيل مكة، المعروف بالقاري الحنفي، مات بمكة في شوال سنة أربع عشر بعد الألف، وقد أُعجب الفاضل القِنَّوجي (41) رئيس بهوفال في تصانيفِه، حيث أرَّخ وفاته في موضعٍ منها بسنة عشرة بعد الألف، وفي موضع آخر بسنة أربع عشرة، وفي موضع آخر منها بسنة أربع وأربعين، ولا عَجَبَ منه، فإنَّه غيرُ ملتزم الصحة، جامع لكل يابسة ورَطْبة، كما شَهدت به أنصاره بارتضائه، وأقرَّ هو أيضًا به، وللهِ درُّ الأستاذ العلَّام، حيث أظهر مَكَايِدهُ، وَبيَّنَ مفاسِدَهُ في تصانيفه، كـ "إبراز الغي"، =

_________

(40)

هو العلامة الفقيه الشيخ أحمد بن محمَّد بن إسماعيل الطحْطَاوي، وربما قيل: الطهطاوي، وُلد بِطَحطا (وهي طهطا) بالقرب من أسيوط بمصر، وتعلَّم بالأزهر، ثم تقلَّد مشيخة الحنفية، وخلعَه بعضُ المشايخ، وأُعيد إليها، فاستمرَّ إلى أن تُوفي بالقاهرة خامس عشر شهر رجب سنة 1231 رحمه الله تعالى، وقد اشتهر بكتابه "حاشية الدر المختار" طبع في أربع مجلدات، وحاشية على "نور الإيضاح". له ترجمة في "حلية البشر" 1: 281، و"فهرس الفهارس" 1: 467، و"الأعلام" 1:245.

(41)

هو الأمير صديق حسن خان القنُّوجي البهوبالي الأثري المولود سنة 1248، والمتوفى سنة 1307 رحمه الله تعالى، ولعصريِّه أبي الحسنات اللكنوي تعقُّبات وردودٌ عليه، منها:"إبراز الغي الواقع في شفاء العي"، و"تذكرة الراشد بردِّ تبْصرة الناقد"، و"تنبيه أرباب الخِبْرة على مسامحات مؤلِّف الحِطَّة"، وكلها مطبوعة.

_

[الإِسعاف بتحشية الإِنصاف]

ص: 38