المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المقام الأول:هل الاعتكاف مستحب أو سنة أو مباح أو واجب - الإنصاف في حكم الإعتكاف

[أبو الحسنات اللكنوي]

الفصل: ‌المقام الأول:هل الاعتكاف مستحب أو سنة أو مباح أو واجب

وعلى الثاني: هل هو سُنَّة مؤكَّدة أو غيرُ مؤكَّدة (1)؟

وعلى الأول: هل هو سُنَّةٌ مُطْلقًا أو في العَشْرِ الأواخرِ من رمضان، وهل هو سُنَّةٌ كفايةً أو عَيْنًا؟

فلنذكر منها ما يرفع الحجاب عن وَجْه هذا الباب، مُستعينًا بحبْلِ المولى الوهَّاب، فههنا مقامات:

‌المقام الأول:

هل الاعتكاف مُسْتَحَبٌّ أو سُنَّة أو مباحٌ أو واجبٌ

(2)؟

(1)

قوله (سُنَّةٌ مؤكَّدة أو غير مؤكَّدة): اختار في "البحر" تعريفين للسُّنَّة، الأول: أنَّها الطَّريقة المسْلوكة في الدين من غير لزومٍ على سبيل المواظبة، الثاني: أن السنة ما وَاظَبَ عليها النبي صلى الله عليه وسلم لكن إن كانت لا مَعَ التَّرك، فهي دليلُ السُّنَّة المؤكَّدة، وإن كانت مع الترك أحيانًا فهي دليلُ غيرِ المؤكَّدة، وإن اقْتَرَنَتْ بالإنكار على مَنْ لم يفعله فهي دليل الوجوب، وإن لم تقْترن به فهي دليل السُّنَّة المؤكَّدة على الكفاية، وهذا في غير الواجبِ المُختَصِّ به صلى الله عليه وسلم، أما هوَ فقد لا ينكر على تركِهِ مع وجوبه في حقِّه، كصلاة الضُّحى فافهم، كذا في الطَّحْطاوي. وتفصيل تعريف السُّنَّة وما وقع فيه من الاختلاف مع تنقيح الحقِّ والإنْصاف، ليُطْلب من: رسالة الأستاذ العلامة المُسمَّاة بـ "تُحفة الأخيار في إحياء سنة سيد الأبرار"(5)، وتعليقاته عليها المُسمَّاة بـ "نُخْبة الأنظار".

(2)

قوله (أو واجب): قال ابن عابدين في "حاشية الدر المختار": ما كان فعلُهُ أوْلى من تركِهِ مع منعِ الترك إن ثَبَت بدليلٍ قطعي ففرضٌ، أو بظنيٍّ فواجبٌ، وبلا منع =

_________

(5)

في الأصل الثاني في ذكر عبارات الفقهاء والأصوليين الواقعة في تعريف السنَّة المؤكدة مع ما لها وما عليها ص 68 - 86 وأورد عن اثنين وعشرين فقيهًا أقوالهم في تعريفها، وناقشها، وحاكم بينها.

_

[الإِسعاف بتحشية الإِنصاف]

ص: 16

فَذَهَبَ بعضُ المالكيّة إلى أنَّ الاعتكافَ أمرٌ مباح، وهذا القول ممَّا لا اعتدادَ به.

قال أبو بكر المالكي: قولُ أصحابنا أنَّه جائز (1) جهل.

= الترك إن كان ممَّا واظب عليه الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون من بعده فسنَّة، وإلَّا فمندوب. ويُطْلب تفصيل هذا البحث من "السعاية في كَشف ما في شرح الوقاية"(6) للأستاذ.

(1)

قوله (قول أصحابنا أنَّه جائز): قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": ومن كلام مالك (7) أَخذ بعض أصحابه أنَّ الاعتكاف جائز، وأنكر ذلك عليهم ابن العربي (8)، وقال: إنه سُنَّةٌ مؤكَّدة، وكذا قال ابن بطَّال: في مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم عليه ما يدلُّ على تأكُّده (9)، وقال أبو داود عن أحمد: لا أعلم عن أحدٍ من العلماء خلافًا أنه مسنون (10). انتهى.

_________

(6)

1: 164 - 169.

(7)

وهو قوله: "ما رأيت صحابيًّا اعتكف، وقد اعتكف صلى الله عليه وسلم حتى قُبض، وهم أشدُّ الناس

فلم أزل أفكر حتى أخذ بنفسي أنَّه لشدته؛ نهاره وليله سواء؛ كالوصال المنهي عنه مع وصاله المنهي عنه"، نقله ابن رشد في "بداية المجتهد" 1: 312 وعلَّله بأنَّه كرهه مخافة أنْ لا يوفي بشرطه.

(8)

قال ابن العربي في "عارضة الأحوذي" 4: 3: "وهو سُنَّة وليس ببدعة، ولا يقال فيه: مباح؛ فإنَّه جهلٌ من أصحابنا الذين يقولون في كتبهم: الاعتكاف جائز".

(9)

قال ابن عبد البر في "التمهيد" 23: 51 - 52: "في هذا الحديث، أي حديث أبي سعيد الخدري: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الوسط من رمضان

وهو من أصح حديث يُروى في هذا الباب، دليل على أن الاعتكاف في رمضان سنَّة مسنونة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في رمضان، ويواظب على ذلك، وما واظب عليه فهو سنَّة لأمته، وأجمع علماء المسلمين على أنَّ الاعتكاف ليس بواجب، وأن فاعله محمودٌ عليه مأجور فيه. وهكذا سبيل السُّنن كلها ليست بواجبة فرضًا، ألا ترى إلى إجماعهم على قولهم: هذا فرض، وهذا سنَّة، أي هذا واجب، وهذا مندوب إليه، وهذه فريضة، وهذه فضيلة انتهى.

(10)

فتح الباري 4: 272.

_

[الإِسعاف بتحشية الإِنصاف]

ص: 17

ولم أطَّلع على مَنْ قال بوجوب الاعتكاف مُطْلقًا (1)، بل قد ادَّعى النووي (2) في "شرح صحيح مسلم" الإِجماعَ على عدم وجوبه (3).

وأما أصحابُنا الحنفيّة فَعُلِمَ من اختلافِ عباراتهم أنَّهم تفرّقوا فيه ثلاث فرق:

(1)

قوله (مطلقًا): سواء كان في العَشْر الأواخر من رمضان أو في غيره من الأزمنة.

(2)

قوله (النووي): هو شيخ الإِسلام يحيى بن شرف بن مُرِّي، محيي الدين النووي الشافعي، وُلد سنة إحدى وثلاثين وستمائة، وتوفي بعدما زار القدس في رجب سنة سبع وسبعين وستمائة، وقيل: ست وسبعين (11)، من تصانيفه:"شرح صحيح مسلم"، و"تهذيب الأسماء واللغات"، و"شرح المُهَذَّب"، و"المنهاج"، و"كتاب الأذكار"، و"رياض الصالحين"، و"المناسك"، و"الأربعون"، و"التبيان في آداب حَمَلة القرآن"، و"كتاب المُبْهَمات"، و"التحرير في ألفاظ التنبيه"، و"نكت التنبيه"، و "الخُلَاصة"، و"الإِرشاد" و"التقْريب والتيسير"مختصر "الإِرشاد"، و"تُحفة الطالب"، و"نكت على الوسيط"، و"شرح الوسيط"، و"شرح قطعة من صحيح البخاري"، و"طَبَقات الشافعية"، و"رؤوس المسائل"، و"رسالة في الاستِسْقاء"، و "رسالة في استحباب القيام لأهل الفضل"، وأخرى في "قسمة الغنائم"، و"الأصول والصوابط"، و"الإِشارات على الروضة". وإن شِئْتَ زيادةَ الاطلاع فعليك بـ "التعليقات السنيَّة على الفوائد البهيَّة"(ص 10 - 11) للأستاذ العلامة، وبرسالته المُسَمَّاة بـ "فرحة المدرسين بذكر المؤلَّفات والمؤلفين".

(3)

قوله (الإِجماع على عدم وجوبه): أي اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، حيث قال:"وقد أجمع المسلمون على استحبابِهِ، وأنَّه ليس بواجب"(12). انتهى.

_________

(11)

وهو الصواب فإن وفاته في الرابع والعشرين من رجب سنة ست وسبعين وستمائة كما نصَّ على ذلك تلميذه ابن العطار في "تحفة الطالبين"، والسبكي في "الطبقات".

(12)

شرح صحيح مسلم للنووي 67:8.

_

[الإِسعاف بتحشية الإِنصاف]

ص: 18

فذهب القُدُوري (1) في "مختصره" إلى استحبابه، حيث قال:"ويُسْتَحب"، وغيرُه إلى أنه سُنَّة مُؤَكَّدة.

قال المَرْغيناني (2) في "الهداية": الصحيحُ أنَّه سُنَّةٌ مؤكَّدة؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم واظَبَ عليه في العَشْر الأواخر من رمضان (3)، والمواظَبَةُ دليلُ

(1)

قوله (فَذهب القُدوري): هو أحمد بن محمَّد بن أحمد، أبو الحسين الحنفي البغدادي القُدُوْري -بضم القاف والدال المهملة وسكون الواو بعدها راء مهملة- قيل: إنَّه نسبة إلى قريةٍ من قُرى بغداد، يقال لها "قدورة"، وقيل؛ نسبة إلى بيع القُدُور، صنَّف " المختصر" المشهور، و"شرح مختصر الكرخي"، و"التجريد"، في سبعة أسفار مشتَملٌ على الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي رحمهما الله تعالى، كان ثقةً صدوقًا، سمع الحديث، وروى عنه الخطيب، وكانت ولادتُه سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، مات في رجب سنة ثمان وعشرين وأربعمائة ببغداد. والتفصيل في "الفوائد البهيَّة في تراجم الحنفية"(ص 30 - 31) للأستاذ العلَّامة، وفي "فرحة المدرسين".

(2)

قوله (المَرْغِيْنَاني): هو علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفَرْغَاني المَرْغِيْنَاني، نسبة إلى مَرْغِيْنان -بفتح الميم وسكون الراء المهملة، وكسر الغين المعجمة، وسكون الياء بعدها نون ثم ألف بعدها نون- بلدة من بلاد فَرْغَانة، جمع بين "المختصر" للقُدوري، و"الجامع" وسمَّاه:"بداية المُبْتدي"، وشَرَحه وسمَّاهُ بـ "كفاية المنتهي"، ثم اختصره وسمَّاه بـ "الهداية"، وصنَّف "المنتقى"، و"نشر المذهب"، و"التجْنيس"، و"المزيد" و"مناسك الحج"، و"مختارات النوازل" وكتابًا في الفرائض، توفي في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة. والبَسْط في:"الفوائد البهيَّة"(ص 141 - 144)، و"مقدمة الهداية" (1: 11 - 13)، و"مقدمة السِّعاية"(24 - 25)، كلُّها للأستاذ العلَّامة.

(3)

قوله (وَاظَب عليه

): أخرج الأئمة الستة في كتبهم، واللفظُ للبخاريِّ عن عائشةَ زوجِ النبي صلى الله عليه وسلم: "أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكفُ العشرَ الأواخر من رمضان =

_

[الإِسعاف بتحشية الإِنصاف]

ص: 19

السُّنِّيَّة، وهكذا ذكر في "المحيط"(1) و"البدائع"(2)

= حتى توفَّاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده" (13)، إلَّا ابن ماجه فإنَّه أخرجه عن أُبيِّ بن كَعب قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكفُ العَشْر الأواخرَ من رمضان، فَسَافَر عامًا، فلمَّا كان العام القَابل، اعتكف عشرين يومًا" (14)، وأخرجه أبو داود والنسائي أيضًا، ولفظُهما: "ولم يعتكف عامًا" (15).

(1)

قوله (في المحيط): المراد به حيث أُطْلق "المحيط البُرْهاني" غالبًا، وهو مؤلِّف "الذخيرة"، وقد يُراد به "المحيط" للسَّرَخْسي محمَّد بن محمَّد بن محمَّد الملقَّب برضيِّ الدين السَّرَخْسي، نسبة إلى سَرَخْس بفتح السين والراء وسكون الخاء، بلدةٌ قديمةٌ من بلاد خُراسان، وهو اسمُ رجلٍ سَكَنَ هذا الموضع، وعَمَّره وأتمَّ بناءه ذو القرنين، توفي سنة أربع وأربعين وخمسمائة. وفي تحقيق عدد المحيطات وتعيين مؤلفيها اختلافٌ ذكره الأستاذ العلام -مُدَّ ظله- في "الفوائد"(ص 188 - 191). إنْ شئْتَ فَطَالعها، فلعلَّك لا تجد في غيرها مثلَ هذه الفرائد.

(2)

قوله (والبدائع): لأبي بكر بن مسعود بن أحمد علاء الدين مَلكُ العلماء الكَاساني، نسبة إلى الكاسان بالكاف ثم الألف ثم السين المهملة ثم الألف ثم النون، بلدة وراء الشَّاش، وقد يقال في نسبته: الكاشاني بالمعجمة بدل المهملة، وفي "مشتبه النسبة" للذهبي (2: 495): "قاسان، بلدةٌ كبيرة بتركستان خَلف سَيْحون، وأهلها يقولون: كاسان، وكانت من محاسن الدنيا، خربت باستيلاء الترك عليها". شَرَح "تحفة الفقهاء"، وله كتاب "السُّلطان المبين في أصول الدين"، مات في عاشر رجب سنة سبع وثمانين وخمسمائة، وَدُفِنَ بظاهر حَلَب. ومَنْ شَاءَ الاطِّلاع على أحوالِهِ بالتفصيل فلْيَرجع إلى "الفوائد"(ص 53).

_________

(13)

أخرجه البخاري في كتاب الاعتكاف (2026)، ومسلم في الاعتكاف (1172)، وأبو داود في كتاب الصيام، باب الاعتكاف 3: 194 (2454)(2456)، والترمذي في كتاب الصوم (790)، والنسائي في "الكبرى" 2: 257 (3335).

(14)

أخرجه ابن ماجه في كتاب الصيام (1770).

(15)

أخرجه أبو داود (2455)، والنسائي في "الكبرى" 2: 259 (3344).

_

[الإِسعاف بتحشية الإِنصاف]

ص: 20

و"التحفة"(1).

وقال الزاهديُّ في "المُجْتبى"(2): "قال أستاذنا: الصحيح أنَّه سُنَّة"، ولم أجد في غير مختصر القُدُوريِّ أنه مُسْتَحبٌ، فالظَّاهرُ أنَّه أرادَ بهِ السُّنَّة، كما أنَّه أرادَ أوَّل الكتاب هذا حيث قال:"ويُسْتَحَبُّ للمتوضيء أن ينوي الطَّهارة، ويَسْتَوعبَ رأسَه بالمسْح"، فسمَّاها مُسْتَحَبةً مع أنها من السُّننَ". انتهى.

(1)

قوله (والتُّحفة): لمحمد بن أحمد بن أبي أحمد أبي بكر علاء الدين السَّمرقندي، أستاذ صاحب "البدائع" المتوفَّى سنة سبع وثمانين وخمسمائة (16).

(2)

قوله (قال الزاهدي في المُجْتبى): شرح مُختصر القُدُوري، وهو لمختار بن محمود بن محمَّد أبي الرَّجاء، نجم الدين الزَّاهدي الغَزْمِيْني، نسبة إلى غَزْمِيْن -بفتح الغين المعجمة وسكون الزاي المعجمة ثم الميم المكسورة ثم الياء التحتانية المثنَّاة الساكنة ثم النون- قَصَبة من قَصَبات خُوارزم، مات سنة ثمان وخمسين وستمائة، وقيل: سنة ست وستين وستمائة، ومن تصانيفه:"قُنْيَةُ المُنْيَة لتتميم الغُنْيَة"، و"الرسالة النَّاصِرية"، و"زادُ الأئمة"، و"الجامعُ في الحيض"، وكتاب في الفرائض، و"الحاوي" وغير ذلك، كان معتزلي الاعتقاد، حنفيَّ الفروع، قال ابن عابدين صاحب "رد المحتار" في "تنقيح الفتاوى الحامدية":"نَقْلُ الزاهدي يعارِضُ نَقْلَ المعتَبرات، فإنَّه ذكر ابن وَهْبان: أنَّه لا يُلتفت إلى ما نَقَلَه صاحب "القنية" مخالفًا للقواعد ما لم يعضُد النقل من غيره، ومثله في "النَّهر" أيضًا. وإنْ شئتَ الاطلاع على الكتبِ غير المعْتبَرة فارجع إلى "النافع الكبير لمن يُطالع الجامع الصغير" (ص 27 - 31)، ومقدمة "عمدة الرعاية في حلِّ شرح الوقاية " كلاهُما للأستاذ.

_________

(16)

وكانت وفاة علاء الدين السمرقندي سنة 539 كما ذكر السمعاني في "التحبير في المعجم الكبير" 2: 84 - 85، وقال:"كتب إليَّ الإجازة، وتوفي غُرَّة جمادى الأولى سنة 539 ببخارى". انتهى. ولم يذكر السمعاني نسبة السمرقندي في "الأنساب".

_

[الإِسعاف بتحشية الإِنصاف]

ص: 21

وقال النَّسَفي (1) في "المنافع شرح الفقه النافع": ثم قال في "الكتاب": إنَّه مُستحب، والصحيح: أنَّه سُنَّةٌ، لمواظبةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم على ذلك، وقضائِهِ في شوال حيث تركه (2). فهذان قولان.

(1)

قوله (قَال النسفي): هو عبد الله بن أحمد بن محمود أبو البركات حَافظ الدين النَّسفي، نسبةً إلى نَسَف بفتحتين، من بلاد السِّنْد فيما وراءَ النَّهر، وقيل: بكسر السين وفي النسبة تُفتح. و"النافع" وهو الذي اشتهر بـ "المُسْتصفى"، وله تصانيف أخرى سِوى ذلك، منها "الوافي"، وشرحه "الكافي"، و"كنز الدقائق"، و"المُصَفَّى شرح المنظومة النسفية"، و"المنار، وشرحه "كشْف الأسرار"، و"الاعتماد شرح العمدة"، ودَخَلَ بغداد سنة عشر وسبعمائة، ومات في هذه السَّنَة، وقد أرَّخ القاري وفاته سنة إحدى وسبعمائة، وذكر أنَّ من تصانيفه "المدارك" في التفسير، وشَرحان على المنار، أحدهما: "الكشف"، والثاني: ألطف منه، وفي طبقات تقي الدين من خطِّ ابن الشِّحنة أنه لا يُعرف له شرح على الهداية.

و"الفقه النافع" متنٌ متينٌ لناصر الدين محمَّد بن يوسف أبو القاسم الشهيد الحسيني السَّمَرقندي، اسمُه محمَّد بن يوسف، كما صرَح به صاحب "الكشف" في مواضع، لكن قد وقع منه الاختلاف في تاريخ وفاته، فقال عند ذكر "مصابيح السُّبُل" و"المنافع": أنَّه توفي سنة ست وخمسين وستمائة، وقال عند ذكر "المُلْتَقَط": أنَّه مات سنة ست وخمسين وخمسمائة، وفي "طَبَقات القاري": أنَّه مات في سنة ست وخمسين وخمسمائة، ومن تصانيفه:"خُلاصة المفتي"، وكتاب "الأخصاف" أيضًا. انتهى ملتقطًا من "الفوائد"(ص 220).

(2)

قوله (وقضائه

) إلخ: لما أخرجه البخاري عن عائشة قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكفُ في العشرِ الأواخر من رمضان، فكنت أضرب له خِباءَ (17) فيُصلِّي الصُّبحَ =

_________

(17)

قال ابن الأثير في "جامع الأصول" 1: 327: الخِباء: واحد الأخبية من وَبَرٍ أو صوف، ولا يكون من شعر، وهو على عمودين أو ثلاثة، وما فوق ذلك فهو بيت". انتهى.

_

[الإِسعاف بتحشية الإِنصاف]

ص: 22

وههنا قول ثالث، وهو التفصيل: بأنَّه سُنَّة مؤكَّدة في العَشْر الأواخر من رمضان، ويكون واجبًا بالنذر بلسانه (1)، ولا يكفي مجرَّد النيَّة، وبالشُّروع (2)، وبالتعليق (3)،

= ثم يدخُلُه، فاستأذنَتْ حفصةُ عائشةَ أن تضربَ خِباءَ، فَأَذِنَتْ لها فَضَرَبَتْ خِباءً، فلما رَأَتْهُ زينبُ بنتُ جحش ضَرَبَت خِباءً آخر، فلما أصبحَ النبي صلى الله عليه وسلم رأى الأَخْبيَة، فقال: مَا هَذا؟ فأُخبر.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "آلبرَّ تَرَوْن (18) بهنّ، فتركَ الاعتكافَ ذلك الشَّهرَ، ثم اعتكفَ عشرًا من شوّال"(19).

قال الحافظ في "الفتح": وفي اعتكافه في شَوَّال دَليلٌ على أنَّ النوافِلَ المعتادة إذا فاتَتْ تُقْضَى استحبابًا، واستدلَّ به المالكية على وجوبِ قضاءِ العملِ لمنْ شَرَع فيه ثم أبطله، ولا دلالة فيه لما سيأتي" (20).

(1)

قوله (بالنَّذر بلسانه): كقوله: لله عَليَّ أن أعتكفَ ثلاثةَ أيام مثلًا.

(2)

قوله (وبالشُّروع): عطفٌ على قوله بالنَّذْر، ولكنَّه ضعيف، حيث قال الحَصْكَفيُّ وغيره: فلو شَرَع في نفله ثمَّ تركَهُ لا يلزمه قضاؤه على الظاهر، وما في بعض المعتَبَرات: أنَّه يلزم بالشُّروع مفرَّع على القول الضعيف (21).

(3)

قوله (وبالتعليق): عطفٌ على قوله: بالنَّذْر، وهذا يقتضي أنَّ صورة التعليق ليست بنذر؛ لأنَّ العطفَ يقتضي المغايرة مع أنَّها نذر، فالأَوْلى أن يقول: واجبٌ =

_________

(18)

في سنن أبي داود (2456)، والنسائي (709):"آلْبرَّ تُردْنَ"، قال السندي في حاشيته على النسائي 2: 45: "بمد الهمزة مثل: {آللهُ أَذِنَ لَكُمْ}، والاستفهام للإِنكار، و"آلبرَّ" بالنصب مفعول "يُرِدْنَ"، أي: ما أرَدْنَ البر وإنما أرَدْنَ قضاءَ مقتضى الغَيْرة، والله تعالى أعلم.

(19)

أخرجه البخاري في كتاب الاعتكاف، باب اعتكاف النساء 4: 275 (2033).

(20)

فتح الباري 4: 276 - 277.

(21)

الدر المختار 2: 444، وهو وإن لم يلزمه القضاءُ لكن يُستحبُّ له، وهناك قول آخر عن الحنفية: أنه يقضي المسنون المؤكَّد وهو العشر الأواخر دون غيرها. حاشية ابن عابدين 2: 445.

_

[الإِسعاف بتحشية الإِنصاف]

ص: 23

ذكره ابن الكمال (1)، ومُسْتَحَبٌ في غيرِهِ من الأزمنة.

وهذا القولُ هو الذي صحَّحَهُ العيني (2) في "شرح الكَنز" حيث قال:

= بالنذر مُنْجَزًا كان أو مُعَلَّقًا، وصورةُ التعليق أن يقول: إنْ شَفَى الله مريضي فلانًا لأعتكِفَنَّ كذا (22).

(1)

قوله (ابن الكَمَال): هو أحمد بن سُليمان الرُّومي، الشهير بابن كَمَال باشا، مات في سنة أربعين وتسعمائة بقسطنطينية، وله مصنَّفات تزيد على مائة، منها "الإِصْلاح"، وشرحُه "الإِيضاح"، ومتن في الأصول سماه:"تغيير التنقيح"، وشرحه، ومتنٌ في الكلام وشرحه، ومتن في المعاني والبيان وشرحه، ومتنٌ في الفرائض وشرحه، وحواشي على "شرح المفتاح"، وعلى " الهداية"، وعلى "تهافت الفلاسفة" لخواجه زاده، وغير ذلك.

(2)

قوله (العَيْني): هو محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين ابن يوسف بن محمود، قاضي القضاة بَدر الدين العَيْني، نسبة إلى عَيْن تاب، بلدة كبيرة على ثلاث مراحل من حلب، وُلِدَ بمصر، وقيل: بحلب (23) في نصف رمضان سنة ثنتين وستين وسبعمائة، ومات في ذي الحجة سنة خمس وخمسين وثمانمائة، ومن تصانيفه:"عمدة القاري شرح صحيح البخاري"، و"شرح معاني الآثار"، و"البناية شرح الهداية"، و"رمز الحقائق شرح كنز الدقائق"، و "شرح المجمع"(24)، و"شرح دُرَر البحار"، و "منحة السُّلوك شَرح تُحفة =

_________

(22)

قال العلامة اللكنوي في حاشيته على "الهداية" 2: 290 في تعليق الاعتكاف بشرط: "وبه ظَهَر خطأ صاحب "الكنز" حيث عدَّ الاعتكاف في باب السَّلَم من كتاب البيوع من الأمور التي لا يصحُّ تعليقها بالشرط، وقد نبه على ذلك ابن نجيم في "البحر الرائق" في ذلك الموضع".

(23)

والصواب: أن ولادته بعين تاب من أعمال حلب.

(24)

واسمه: "المُسْتَجمع في شرح المجمع والمنتقى في شرح الملتقى" وهو شرح لكتاب "مجمع البحرين وملتقى النهرين" لابن الساعاتي المتوفى سنة 694 كما في "الجواهر المضية" 1: 80.

_

[الإِسعاف بتحشية الإِنصاف]

ص: 24

"قال الشيخ: إنَّه سُنَّةٌ، وقال القُدُوري: إنه مُسْتَحَبٌّ، وقال صاحب "الهداية": الصحيحُ أنَّه سُنَّة مؤكَّدة، قلت: الصحيحُ التفصيل، فإن كان منذورًا: فواجب، وفي العشر الأواخر من رمضان: سُنَّة، وفي غيره: مستحب". انتهى.

واختاره الزَّيلعيُّ (1) في "شرح الكَنْز" حيث قال: "الحقُّ الانقسام إلى ثلاثة أقسام: واجبٌ، وهو المنذور، وسُنَّة في العشر الأواخر من رمضان، ومُسْتَحَبٌّ في غيره".

= الملوك"، و"طبقات الحنفيَّة"، و"طبقات الشعراء"، و"مختصر تاريخ ابن عساكر"، و"شرح الشَّواهد الصغير"، و"الكبير"، وغير ذلك. هكذا في "الفوائد" (ص 207 - 208)، وغيره من تأليفات الأستاذ العلامة مُدَّ ظلُّه.

(1)

قوله (الزَّيْلعي): هو عثمان بن علي بن محجن، أبو محمَّد فخر الدين الزيلعي، نسبة إلى زَيْلع -بفتح الزاي المعجمة، وسكون الياء المثنَّاة التحتية، ثم اللام المفتوحة، ثم العين المهمَلة-، بلدة بساحل بحر الحبشة، ومن مصنَّفاته:"تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق"، وهو المُراد بالشارح في "البحر الرائق"، و "بركة الكلام على أحاديث الأحكام الواقعة في الهداية وسائر كتب الحنفية"، وشرحان على "الجامع الكبير"، مات في رمضان سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة، ودُفنَ بالقَرِّافة.

واعلم أن صاحبَ الترجمة غيرُ الزيْلعي المخرِّج لأحاديث الهداية، فإنَّ اسمَهُ جمال الدين عبد الله بن يُوسف بن محمَّد، وقيل: ابن يونس بن محمَّد، أخذ عن الزَّيْلَعي صاحبِ الترجمة، مات في المحرم سنة اثنتين وستين وسبعمائة، هكذا حققه الأستاذ في تصانيفه، ولقد أخطأ الفاضل القِنَّوْجي نزيل بهوفال في "إتحاف النبلاء" حيث سماه بيوسف. وليطلب تفصيله من "إبراز الغي الواقع في شفَاء العي"، و"تذكرة الراشد برد تَبْصرة الناقد"، كلاهما للأستاذ العلام.

_

[الإِسعاف بتحشية الإِنصاف]

ص: 25

واختاره أيضًا ابن الهُمَام (1) في "فتح القدير"، وجَزَمَ به الشُّرُنْبُلالي (2) في "نور الإِيضاح"، والتُّمُرْتَاشي (3) في "تنوير الأبْصار"،

(1)

قوله (ابن الهُمَام): هو محمَّد بن عبد الواحد بن عبد الحميد، كمال الدين، الشهير بابن الهُمَام السَّكَنْدري السِّيواسي، وُلد في سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، وقيل: سنة تسعين وسبعمائة، ومات يوم الجمعة سابع رمضان سنة إحدى وستين وثمانمائة، ومن تصانيفه:"فتح القدير شرح الهداية" إلى كتاب الوكالة (25)، و"التحرير في الأصول"، و"المُسَايَرة" في العقائد، و"زاد الفقير" مختصر في مسائل الصلاة، و"رسالة في إعراب: سُبْحان الله وبحمده". كذا في "الفوائد" (ص 180 - 181).

(2)

قوله (الشُّرُنْبُلالي): هو أبو الإِخلاص حَسَن بن عَمَّار بن علي الوفائي المصري الشُّرُنْبُلَالي -بضم الشين مع الراء المهمَلَة، وسُكون النون وضم الباء الموحدة، ثم لام ألف ثم لام-، نسبة إلى شبرابلولة على غير قياس، بلدة تجاه منوف بسَواد مصر، صَنَّف كتبًا كثيرة، أجلُّها:"شرح منظومة ابن وَهْبان"، قال الأستاذ مُدَّ ظلُّه في "التعليقات" (ص 58): وقد طالعتُ من تصانيفه: "نور الإِيضاح"، وشرحه "إمْداد الفتاح"، ومختصره "مراقي الفلاح"، وستين رسالة في مسائل متفرقة. انتهى.

يقول العبد: وقد طَالعتُ من مصنَّفاته: حاشيته على "الدُّرر والغُرر"(26)، أولها: الحمدُ لله الذي أظهر في هذه الدار ببديع قدرته

إلخ، مات رحمه الله في رمضان سنة تسع وستين بعد الألف.

(3)

قوله (والتُّمُرْتَاشي): هو شمسُ الدين محمَّد بن عبد الله بن أحمد الخطيب بن =

_________

(25)

ثم أكمل شرحه شمس الدين قاضي زاده المتوفى سنة 988 وسمَّى هذه التكملة: "نتائج الأفكار في كشف الرموز والأسرار".

(26)

"درر الحكام شرح غُرر الأحكام" كلاهما لمنلا خسرو بن فراموز المتوفى سنة 885 بالقسطنطينية رحمه الله تعالى.

_

[الإِسعاف بتحشية الإِنصاف]

ص: 26

وإليه مَالَ الحَصكَفي (1).

= إبراهيم الخطيب التُّمُرْتاشي الغَزِّي، نسبة إلى تُمُرْتاش -بضم التاء المثنَّاة الفوقيَّة الأولى وضمِّ الميم وسكون الراء المهمَلة-، قريةٌ من قرى خُوارزم، كذا ذكره الطَّحْطاوي في "حواشي الدر المختار"، وذكر ابن عابدين في حاشيته عليه، نسبة إلى جده المسمَّى به، والغَزِّي نسبة إلى غَزَّة البلد المعلوم، ومن تصانيفه:"تنوير الأبصار"، وشرحُه "فتح الغفار"، ورسالة في علم الصرْف، ومنظومة في التوحيد، وشرحُها، و"شرح زاد الفقير" لابن الهُمَام، و"شرح قصيدة بَدْء الأمالي"، و"شرح مختصر المنار"، و"شرح المنار" إلى باب السُّنَّة، و"شرح قطعة من الوقاية"، و"شرح الكنز" إلى باب الأَيْمان، و"حاشية الدرر شرح الغرر" إلى باب الحج، و"تحفة الأقران"، منظومة في الفقه، وشرحها "مواهب الرحمن"، و"رسالة في خصائص العشرة المبشَّرة"، و"رسالة في عصمة الأنبياء"، و"رسالة في جواز الاسْتِنابة في الخطبة"، و"رسالة في القراءة خَلْف الإِمام"، و"النفائس في أحكام الكنائس"، و "مُسْعِف الحكام على الأحكام"، و"رسالة في مسح الخُفيْن"، و"رسالة في دخول الحمَّام"، و"رسالة في النكاح بلفظ: جوَّزْتُك"، و"رسالة في أحكام الدروز"، وغير ذلك، وكانت وفاته في رجب سنة أربع وألف. وليُطْلَب البَسْط في ترجمته، وترجمة مؤلِّف "الدّر المختار شرح تنوير الأبصار" من "طَرَب الأماثل بتراجم الأفاضل" (ص 304 - 305)، للأستاذ العلَّامة، ومن "فرحة المدرسين".

(1)

قوله (الحَصْكَفي): هو علاء الدين محمَّد بن علي بن محمَّد بن علي بن عبد الرحمن الحَصْكَفي الدمشقي الحنفي، والحَصْكَفي -بفتح الحاء وسكون الصَّاد، وفي بعض النسخ: بالسين المهملة، وفتح الكاف بعدها فاء- نسبة إلى حِصْن كيفا على خلاف القياس، والقياس: الحِصْني، وهي بَلدةٌ من بلاد ديار بكر، ألَّف "شرح تنوير الأبصار" المسمَّى بـ "خزائن الأسرار"، ومختصره "الدر المختار"، و"شرح المُلْتَقى" المسمَّى بـ "المنتقى"، و"شرح المنار" المسمى =

_

[الإِسعاف بتحشية الإِنصاف]

ص: 27