الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قلت: لا يبعد أن يُحمَل الاستحبابُ في قولِ القُدوري على استحبابه في نفسِهِ، والسُّنيَّة في قولِ صاحب "الهدايةِ" على الاعتكاف في العشر الأواخر بمقْتضى دليله، فلم يَبْق إلَّا قولٌ واحد، وهو الأصح.
المقام الثاني:
هل هو سُنَّةٌ مؤكَّدة أو غيرُ مؤكَّدة
؟ وعرفتَ من المرغيناني والعيني والزَّيْلعي تصحيح أنَّه سُنَّةٌ مؤكَّدة، واسْتَدلُّوا عليه بأَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قد واظَبَ عليه (1). رواه الشيخان.
= بـ "إفاضة الأنوار"، و"تعليقات على صحيح البخاري"، وغير ذلك، توفي في شوال سنة ثمان وثمانين بعد الألف بدمشق، وعمره ثلاث وستون سنة.
(1)
قوله (قد واظَبَ عليه): قال الحافظ في "الفتح،: "أورد المصنفُ ثلاثةَ أحاديث: أحدها: حديث ابن عمر: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان"، وأخرجه مسلم من هذا الوجه، وزاد: "قال نافع: وقد أراني عبد الله بن عمر المكانَ الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكفُ فيه من المسجد، (27)، وزادَ ابنُ ماجه من وجهٍ آخر: عن نافع عن ابن عمرَ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتكفَ، طُرِح له فراشه أو يوضع له سريره وراءَ أُسطوانة التوبة (28).
ثانيهما: حديث عائشة مثل حديث ابن عمر، وزاد:"حتى توفَّاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده"(29)، فيُؤْخَذُ من الأول: اشتراط المسجد له، ومن الثاني: أنه لم يُنْسخ، وليس من الخصائص" (30). انتهى بقدر الحاجة. =
_________
(27)
أخرجه البخاري في كتاب الاعتكاف (2025)، ومسلم في الاعتكاف (1171)، وأخرجه أبو داود بزيادة مسلم في الاعتكاف 3: 195 (2457).
(28)
أخرجه ابن ماجه في كتاب الصيام 1: 564 (1774).
(29)
أخرجه البخاري في كتاب الاعتكاف 4: 271 (2026).
(30)
فتح الباري 4: 272.
_
[الإِسعاف بتحشية الإِنصاف]
فإنْ قلتَ: المواظَبةُ دليلُ الوجوبِ.
قلتُ: هذا إذا كان مع الإِنكار على التَّرك، وأمَّا المواظَبةُ مع عَلَمِ الإِنكار على مَنْ تَرَكَهُ فهي دليلُ السُّنِّيَّة (1)، ولم يثبتْ إنكارُهُ صلى الله عليه وسلم على مَنْ تَركَه من الصَّحابة.
فإنْ قلتَ: لو كان سُنَّةً مؤكَّدةً لما تركه الصَّحابة (2) مع أنه لم يعتكف الخلفاءُ الأربعة.
قلتُ: إنَّما تركوا لوجهٍ آخر، وهو ما قاله الإِمام مالك: "لم يبلغني أنَّ أبا بكر وعمر وعثمان وابنَ المسيِّب، ولا أحدًا من سَلَف هذه الأمَّة
= فإن قلت: إنَّ قوله: "قد واظب عليه" لم يُخْرِجْهُ الشيخان في صحيحيهما بهذا اللفظ، وما أخرجاه فيهما لم يذكره المصنّف العلَّام أبْقاهُ الله وأدام، قلت: المواظبةُ إنَّما تُفهم من قول عائشة رضي الله عنها: "كان يعتكف" بقرينةِ قولها: "حتى توفَّاه الله"، وهذا من قَبيل روايته بالمعنى.
(1)
قوله (فهي دليل السُّنِّيَّة): واستدلَّ ابن الهُمَام في "فتح القدير" على عدم كون الاعتكاف واجبًا بتركِهِ صلى الله عليه وسلم في العَشْرِ الأخير بسببِ ما وَقَع من أزواجه، واعتكافه صلى الله عليه وسلم بدله عشرًا من شوال، واعترض عليه بحر العلوم في "رسائل الأركان" بقوله: ففيه أنَّ القضاءَ بعد الترك دليل الوجوب. قلتُ: قد مرَّ من قبل من كلام الحافظ ابن حجر أنَّ القضاء في شوال كان على سبيل الاستحباب، ولو كان على سبيل الوجوب لاعتكف معه نساؤه أيضًا في شوال، والله أعلم.
(2)
قوله (لما تركه الصحابة): لأنَّ الصحابةَ رضي الله عنهم كانوا أشدَّ النَّاس حِرصًا على اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وما كانوا تاركي سنةً من سُنَنِهِ إلَّا ما مُنعوا عنه، فلا يُتَصَوَّر أن يتركوا الاعتكافَ مع كونِهِ سُنَّةً مؤكَّدة.
_
[الإِسعاف بتحشية الإِنصاف]
اعتكف إلَّا أبو بكر بن عبد الرحمن (1)، وأراهم تركوه لِشَدَّتِهِ (2)؛ لأنَّ ليلَه ونهارَه سواء".
قال السُّيوطي (3) في "التوشيح شرح صحيح البخاري":
(1)
قوله (إلَّا أبو بكر بن عبد الرحمن)(31): تعقَّب الحافظ ابن حجر في "الفتح" قول مالك: أنَّه لم يعتكف من السَّلف إلَّا أبو بكر بن عبد الرحمن، وقال:"لعله أرادَ صفةً مخصوصةً، وإلَّا فقد حكي عن غير واحد من الصَّحابة أنه اعتكف"(32).
(2)
قوله (وأراهم تركوه لشدته): قال ابن بطَّال: مواظبةُ النبي صلى الله عليه وسلم على الاعتكافِ يدلُّ على أنَّه من السُّنَنِ المؤكَّدةِ، وقد روى ابن المنذر عن ابن شِهَاب أنَّه قال: عَجَبًا للمسلمين تركوا الاعتكاف، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم لم يتركه منذ دخل المدينة حتى قَبَضَهُ الله تعالى. انتهى. وقد تَقَدَّم قولُ مالك: إنَّه لم يعلم أن أحدًا من السَّلف اعتكفَ إلَّا أبا بكر بن عبد الرحمن، وأنَّ تركهم لذلك لما فيه من الشدَّة، كذا في "الفتح"(33) للحافظ.
(3)
قوله (السُّيوطي): هو مُجَدِّد المائة التاسعة خاتم الحفَّاظ، جلال الدين عبد الرحمن بن كمال الدين الأَسْيوطي الشافعي، المتوفى سنة أحد عشر وتسعمائة، وتصانيفُه قد زادت على خمسمائة، وشُهرتُه تُغني عن وصفِهِ.
_________
(31)
أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، الإِمام، أحدُ الفقهاء السبعة بالمدينة النبويَّة المنورة، أبو عبد الرحمن، والصحيح أنَّ اسمه كنيتُه، وهو من سادة بني مخزوم، وكان يقال له: واهب قريش. لكثرة صلانه، وكان مكفوفًا، توفي سنة أربع وتسعين بالمدينة. قال الذهبي:"كان أبو بكر بن عبد الرحمن ممَّن جمع العلم والعمل والشرف، وكان ممَّن خلف أباه في الجلالة".
"سير أعلام النبلاء" 4: 416 - 419.
(32)
فتح الباري 4: 272.
(33)
فتح الباري 4: 285.
_
[الإِسعاف بتحشية الإِنصاف]
قلت (1): تمامه أن يقال: مع اشتغالهم بالكسب لعيالهم، والعمل في أراضيهم، فيشقُّ عليهم تركُ ذلك، وملازمةُ المسجد. انتهى.
قلت: ما يخطُرُ بالبال هو أنَّ الاعتكاف، وإن كان سُنَّة مؤكَّدة، لكنَّه سُنَّةُ كفايةٍ على ما وَرَد، فتركُ الخلفاء في زَمَنهم لا تقْدحُ في شيء؛ لأنَّ أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كُنَّ يعتكفنَ بعد انتقاله في بيوتهنَّ؛ لما أخرجه البخاري ومسلم والنَّسائي وأبو داود والترمذي عن عائشة:"أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يعتكفُ العشرَ الأواخر (2) من رمضان حتى قَبَضَهُ الله تعالى، ثمَّ اعتكفَ أزوَاجُهُ من بعد"، فكفى اعتكافُهُنَّ رَافعًا للإِثم اللازم بِتَركِ السُّنَّة المؤكَّدة، والله أعلم.
قلت: ولم أَرَ من صَرَّح من علمائِنا أنَّ الاعتكافَ سُنَّة غيرُ مُؤَكَّدة إلَّا
(1)
قوله (قلت): تعقَّبَ الأستاذ العلامة لا زالت شمسُ أفضاله طالعة في "تعليقه على موطأ الإِمام محمَّد" رحمه الله قول السيوطي وقال: "قلت: وهو مع تمامه ليس بتام؛ لعدمِ كونه وجْهًا لترك سُنَّةٍ من سُنن النبي صلى الله عليه وسلم والأَوْلى أن يقال: إنَّ الاعتكاف في العشر من رمضان، وإن كان سُنَّةً مؤكَّدة لكنه على الكفاية لا على العين، وقد كانت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعده يعتكفن، فكفى ذلك"(34).
(2)
قوله (العشر الأواخر): قال النووي: "المشهورُ في الاستعمال: تأنيثُ العَشْر
…
وتذكيره أيضًا لغة صحيحة باعتبار الأيام أو الوقت والزمان" (35)، ووصفُها بالجميع؛ لأنَّه يَتَصَوَّرُ في كل ليلةٍ من ليالي العشر الأخير ليلة القدر.
_________
(34)
التعليق الممجَّد على موطأ محمَّد 2: 224.
(35)
شرح صحيح مسلم 8: 61 - 62، وقال: ويكفي في صحتها ثبوت استعمالها في هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم. وللسبكي بحث في "الفتاوى" 2: 641: هل يجوز أن يقال العشر الأخير أو لا؟
_
[الإِسعاف بتحشية الإِنصاف]
القُدُوري في "مختصره"، حيث قال: إنه يُستحب. وقد عَرَفْتَ ما له وما عليه، وأطْلَق النَّسَفِيُّ في"الكَنْز"، حيث قال:"سُنَّ لبثٌ في مسجدٍ بصوم ونيّة". ولا يمكن أن يكونَ المرادُ السنَّة الغير المؤكَّدة؛ لأنَه ردَّ هو القول بالاستحباب في "المنافع" كما قد نقلتُه سابقًا.
ثم رأيتُ في "رسائل الأركان" لبحر العلوم (1) ما نصُّه: اعلم أنَّه لا شكَّ في مُواظَبةِ النبيّ صلى الله عليه وسلم على اعتكافِ العَشْر الأواخرِ من رمضان، لكن قد ثَبَت من الصَّحابة العِظَام تركُ الاعتكاف، ومنهم الخلفاءُ الراشدون، فللاعتكاف نوعُ اختصاصٍ به (2)، وهو أنَّهُ يَلقَى جبريلَ فيدارسُهُ
(1)
قوله (لبحر العلوم): أي أبي العيَّاش مولانا عبد العلي المرحوم، وُلد بمحروسة لكهنؤ، وتلمذ على أبيه أستاذ أساتذة الهند مولانا نظام الدين السِّهالوي اللكنوي، فَرَغ عن تحصيل العلوم وهو ابن سبع عشرة سنة، وله مُصَنَّفات كثيرةٌ، منها:"الأركان الأربع" في الفقه الحنفي، والشَّرح الفارسي للفقهِ الأكبر، ولمنار النسفي، ولمثنوي المعنوي، وحواشي على الزوائد الثلاثة، وشرح السُّلَّم مع مَنهيَّتِهِ، و"العُجَالة النافعة" مع مَنْهِيَّتِها، و"فواتح الرَّحَموت شرح مُسَلَّم الثبوت"، وتكملة شرح أبيه على تحرير ابن الهُمَام، وحاشيته على شرح الصَدر الشيرازي، ورسالة في الصَّرْف، ورسالة في أحوال القيامة، ورسالة في علم الكلام، ورسالة في التوحيد، وغيرها، توفي في رجب سنة ألف ومائتين وخمس وعشرين بأرض مِدْراس، ودُفن هناك، وليُطْلب البَسْط في ترجمته من رسالة الأستاذ المؤلف المسماة بـ "خير العمل في تراجم علماء فرنجي محل"، وهي أحد أجزاء رسالته "إنْباء الخُلَّان بأنْباء علماء هندوستان".
(2)
قوله (فللاعتكافِ نوعُ اختصاص به
…
): أقول: هذا غير صحيح من وجهين: الأول: لما عرفتَ من "الفتح" من أنَّ الاعتكاف ليس من خصائص النبيِّ صلى الله عليه وسلم والثاني: لما تحقَّق من أنَّ مدار الاعتكاف لم يكن على التدارس؛ لأن جبريلَ =
_
[الإِسعاف بتحشية الإِنصاف]
القرآن، ومُدَارَسَةُ القرآن كانت مُختصَّةً به، فلذا كان للاعتكافِ اختصاصٌ به، فتاركُ الاعتكافِ من الأئمة لا يلحقُهُم الإِسَاءة؛ ولذا كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم
= عليه السلام كان يعارضُهُ بالقرآن في الليالي كلِّها من رمضان، بخلاف الاعتكاف، فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكفُ في العشْرِ الأواخر منه فقط، إلَّا العام الذي تُوفي فيه، فإنه اعتكف في عشرين، ولم يَثْبُت استيعابُه شهرَ رمضان بالاعتكاف قط.
فإن قلتَ: ما السَّبب في أنَّ العرض بالقرآن كان مرَّة في كلِّ رمضان، ولمَّا كان العامُ الذي قُبض فيه عارَضَهُ به جبريل مرَّتين، وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكفُ في رمضان عَشَرة أيام، فلما كان العام الذي تُوفي فيه اعتكف عشرين؟
قلتُ: إنَّ السببَ في ذلك أنَّه صلى الله عليه وسلم عَلِمَ بانقضاءِ أجله، فأراد أن يستكثرَ من أعمال الخير؛ لِيَسُنَّ لأَمتِهِ الاجتهادَ في العمل إذا بلغوا أقْصى العُمُر؛ لِيَلْقَوا الله على خير أحوالهم، وقال ابن العربي: يحتمل أن يكون سبب ذلك أنَّه لما تركَ الاعتكافَ في العشر الأخير بسبب ما وقع من أزواجه، واعتكف بدله عشرًا من شوال اعتكف في العام الذي يليه عشرين؛ ليتحققَ قضاء العشر في رمضان. انتهى.
وأقوى من ذلك: أنَّه إنما اعتكفَ في ذلك العام عشرين؛ لأنَّه كان في العام الذي قبله مُسافرًا، ويدل له ما أخرجه النسائي -واللفظ له- وأبو داود وصححه ابن حبان وغيرُه من حديث أبي بن كعب:"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكفُ العَشر الأواخِر من رمضانَ، فسافَرَ عامًا فلم يَعْتكف، فلما كانَ العامُ المُقْبِلِ، اعتكفَ عِشْرِين"(36)، كذا في "الفتح"(37).
_________
(36)
أخرجه أحمد 5: 141، وأبو داود في كتاب الصيام (2455)، والنسائي في الكبرى (3344)، وابن ماجه في الصيام (1770)، وابن خزيمة (2225)، وابن حبان (3663)، والحاكم 1: 439 وصححه، والبيهقي 4:314.
(37)
فتح الباري 4: 285.
_
[الإِسعاف بتحشية الإِنصاف]