الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كِتَابُ الزَّكَاةِ
ــ
كتابُ الزَّكاةِ
فائدة: الزَّكاةُ فى اللُّغَةِ، النَّماءُ. وقيلَ: النَّماءُ والتَّطْهيرُ؛ لأنَّها تُنَمِّى المالَ وتُطَهِّرُ مُعْطيها. وقيل: تُنَمِّى أجْرَها. وقال الأزْهَرِىُّ: تُنَمِّى الفُقَراءَ. قلْتُ: لو قيلَ: إنَّ هذه المَعانىَ كلَّها فيها. لَكانَ حسناً؛ فتُنَمِّى المالَ، وتُنَمِّى أجْرَها، وتُنَمِّى الفقراءَ، وتُطَهِّرُ مُعْطِيها. وسُمِّيَتْ زكاةً فى الشَّرْعِ للمَعْنَى اللُّغَوِىِّ.
وحدُّها فى الشَّرْعِ، حقٌّ يجبُ فى مالٍ خاصٍّ. قالَه فى «الفُروعِ» .
تَجِبُ الزَّكَاةُ فِى أَرْبَعَةِ أصْنَافٍ مِنَ الْمَالِ، السَّائِمَةِ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَالْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ، وَالْأَثْمَانِ، وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ.
وَلَا تَجِبُ فِى غَيْرِ ذَلِكَ.
ــ
قوله: ولا تَجِبُ فى غيرِ ذلك. يعْنِى، لا تجبُ فى غيرِ السَّائمةِ، والخارِجِ مِنَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأرْضِ، والأَثْمانِ، وعُروضِ التِّجارةِ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: تَجِبُ فِى الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الْوَحْشِىِّ وَالْأَهْلِىِّ.
ــ
وقوْلُه: وقال أصحابُنا: تَجِبُ فى المُتَوَلِّدِ بين الوَحْشِىِّ والأهلىِّ. وهو المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وهو مِنَ المُفْرداتِ. وجزَم به المُصَنِّفُ فى «الهادِى». قال فى «الفُروعِ»: جزَم به الأكثرُ. قال: ولم أجِدْ فيه نصّاً، وإنَّما أوْجبوا فيه، تَغْليباً واحْتِياطاً؛ كتَحْريمِ قتْلِه، وإيجابِ الجزاءِ بقَتْلِه،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والنُّصوصُ تَتَناوَلُه. قال المَجْدُ: تتَنَاولُه بلا شَكٍّ. واخْتارَ المُصَنِّفُ، لا تجبُ الزَّكاةُ فيه. وإليه ميْلُ الشَّارِحِ. وجزَم به فى «الوَجيزِ». قال فى «الفُروعِ»: وهو مُتَّجَهٌ. وأطْلَقَ فى «التَّبْصِرَةِ» فيه وَجْهَيْن. وذكَر ابنُ تَميمٍ، أنَّ القاضىَ ذَكَرَهما، وحكَى فى «الرِّعايَةِ» فيه رِوايتَيْن. وأطْلَقَ الخِلافَ فى «الفائق» .
وَفِى بَقَرِ الْوَحْشِ رِوَايَتَانِ.
ــ
قوله: وفى بَقَرِ الوَحْشِ رِوايَتَان. وأطْلَقَهما فى «الهِدايَةِ» ، و «المُسْتَوْعِبِ» ، و «الهادِى» ، و «المُحَرَّرِ» ، و «الفائقِ» ؛ إحْداهما، تجبُ فيها. وهى المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. قال فى «الفُروعِ»: هو ظاهرُ المذهبِ، اخْتارَه أصحابُنا. قال المَجْدُ: اخْتارَه الأصحابُ. وهو مِنَ المُفْرَداتِ. والروايةُ الثَّانيةُ، لا تجِبُ الزَّكاةُ فيها. اخْتارَها المُصَنِّفُ. وهو ظاهرُ قوْلِه: ولا تَجِبُ فى غيرِ ذلك. قال الشَّارِحُ: وهى أصَحُّ. قال فى «مَجْمَعِ البَحْرَيْن» : ولا زكاةَ فى بقَرِ الوَحْشِ، فى أصحِّ الرِّوايتَيْن. قال ابنُ رَزِينٍ: وهو
أظْهَرُ وصحَّحَه فى «تَصْحيحِ المُحَرَّرِ» . وجزَم به فى «الوَجيزِ» . قال فى «الخُلاصَةِ» : وفائِدَتُه تكْميلُ النِّصابِ ببَقَرَةِ وَحْشٍ.
انتهى. والظَّاهرُ، أنَّه أرادَ فى الغالبِ، وإلَّا فمتى كَمَلَ النِّصابُ منه، وجَبَتْ فيه، عندَ مَن يقولُ ذلك.
فوائد؛ منها، حُكْمُ الغنَمِ الوَحْشِيَّةِ حكمُ البقَرِ الوَحْشِيَّةِ، خِلافاً ومذهباً.
والوُجوبُ فيها مِنَ المُفْرداتِ. ومنها، لا تجبُ الزَّكاةُ فى الظِّباءِ. على الصَّحيحِ مِنَ
وَلَا تَجِبُ إِلَّا بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ؛ الإِسْلَامِ، وَالْحُرِّيَّةِ،
ــ
المذهبِ، ونصَّ عليه. وهو ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا، وعليه الأصحابُ.
وحكَى القاضى فى «الطَّريقَةِ» ، وابنُ عَقِيلٍ فى «المُفْرَداتِ» ، عنِ ابنِ حامِدٍ، وُجوبَ الزَّكاةِ فيها. وحُكِىَ رِوايةً؛ لأنَّها تُشْبِهُ الغَنَمَ. والظَّبْيَةُ تُسَمَّى عَنْزاً. وهو مِنَ المُفْرَداتِ. وأطْلَقَهما فى «المُحَرَّرِ» . ومنها، تجبُ الزَّكاةُ فى مالِ الصَّبِىِّ والمجنونِ، بلا خِلافٍ عندَنا. وهل تجبُ فى المالِ المنْسُوبِ إلى الجَنِينِ، إذا انْفَصَلَ حَيّاً، أم لا؟ قال فى «الفُروعِ»: ظاهِرُ كلامِ الأكْثَرِ، عدَمُ الوُجوب. وجزَم به المَجْدُ فى مسْأَلَةِ زكاةِ مالِ الصَّبِىِّ، مُعَلِّلاً بأنَّه لا مالَ له. بدليلِ سقوطِه مَيِّتاً؛ لاحْتِمالِ أنَّه ليس حَمْلاً، أو أنَّه ليس حيّاً. وقال المُصَنِّفُ، فى فِطْرَةِ الجَنِين: لم يثْبُتْ له أحْكامُ الدُّنْيا إلَّا فى الإِرْثِ والوَصِيَّةِ بشَرْطِ خُروجِه حيّاً. واخْتارَ صاحِبُ «الرِّعايَةِ» الوُجوبَ لحُكْمِنَا له بالمِلْكِ ظاهِراً، حتى مَنَعْنا باقِىَ الوَرَثَةِ. وهما وَجْهان ذكَرَهُما أبو المَعالِى. وتَبِعَه فى «الفُروعِ» .
تنبيه: دخَل فى قَولِه: ولا تَجِبُ إلا بشُروطٍ خَمْسةٍ؛ الإِسلامِ، والحُرِّيَّةِ.
فَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ، وَلَا عَبْدٍ، وَلَا مُكَاتَبٍ.
ــ
المُعْتَقُ بعضُه، فتَجِبُ الزَّكاةُ فيما يَمْلِكُه بجُزْئه الحُرِّ. قالَه الأصحابُ.
قوله: ولا تَجِبُ على كافِرٍ. هذا المذهبُ، وقطَع به الأكثرُ. قال فى «الرِّعايَةِ»: لا تجِبُ على أصْلِىٍّ، على الأشْهَرِ. وكذا المُرْتَدُّ. نصَّ عليه، سواءٌ حكَمْنا ببَقاءِ مِلْكِه مع الرِّدَّةِ أو زَوالِه. جزَم به فى «المُذْهَبِ» ، و «الكافِى» ، و «التَّلْخيصِ» ، وغيرِهم. وقدَّمه فى «المُسْتَوْعِبِ» ، والمَجْدُ فى «شَرْحِه» . ونصَرَه. وذكَرَه فى «الشَّرْحِ» ظاهِرَ المذهبِ. واخْتارَه القاضى فى «المُجَرَّدِ» وغيرِه. وهو ظاهرُ ما قدَّمه فى «الفُروعِ» ، فى كتابِ الصَّلاةِ.
فقيلَ: لكوْنِها عِبادَةً. قلتُ: وهو الصَّوابُ. وقيلَ: لمنْعِه مِن مالِه. وإنْ قُلْنا: يزولُ مِلْكُه. فلا زكاةَ عليه. وأطْلَقَ القوْلَيْن ابنُ تَميمٍ. وعنه، تجِبُ عليه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بمَعْنَى أنَّه يُعاقَبُ عليها إذا ماتَ على كُفْرِه. وعنه، تجِبُ علىَ المُرْتَدِّ. نَصَرَه أبو المعالِى. وصحَّحَه الأزَجِىُّ فى «النِّهايَةِ». وقال ابنُ عَقِيلٍ فى «الفُصولِ»: تجبُ لما مضَى منَ الأحْوالَ على مالِه حالَ رِدَّتِه؛ لأنَّها لا تُزيلُ مِلْكَه، بل هو موْقوفٌ.
وحَكاه ابنُ شَاقْلَا رِوايةً. وأطْلَقَهما فى «المُحَرَّرِ» ، و «مُخْتَصَرِ ابنِ تَميمٍ» ، و «الرِّعايتَيْن» ، و «الحاوِيَيْن» ، و «الفائقِ» . وتقدَّم ذلك بأَتَمِّ مِن هذا فى أوَّلِ كتابِ الصَّلاةِ.
قوله: ولا تَجِبُ على مُكاتبٍ. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ. وعنه، هو
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كالقِنِّ. وعنه، يُزَكِّى بإذْنِ سيِّدِه.
فَإِنْ مَلَّكَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ مَالاً، وَقُلْنَا: إِنَّهُ يَمْلِكُهُ. فَلَا زَكَاةَ فِيهِ.
وَإنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُهُ. فَزَكَاتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ.
ــ
قوله: فإنْ مَلَّكَ السَّيِّدُ عَبْدَه مالاً، وقلنا: إنَّه يَمْلِكُه. فلا زَكاةَ فيه. يعْنِى، على واحدٍ منهما. وهو المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. قال ابنُ تَميمٍ، وابنُ رَجَبٍ فى «قَواعِدِه» ، وصاحِبُ «الحَواشِى» ، و «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ»: قالَه أكثَرُ الأصحابِ. قلتُ: منهم أبو بَكْرٍ، والقاضِى، والزَّرْكَشِىُّ. وهو المذهبُ المعْروفُ المقْطوعُ به. وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى «الفُروعِ» ،
و «المُحَرَّرِ» ، و «ابنِ تَميمٍ» ، و «مَجْمَعِ البَحْرَيْن» ، و «الفائقِ» ، وغيرِهم. وعنه، يُزَكِّيه العَبْدُ. ذَكَرها فى «الإِيضَاحِ» ، وغيرِه. وقالَه ابنُ
حامِدٍ. واخْتارَه فى «الفائقِ» . وعنه، يُزَكِّيه العَبْدُ بإذْنِ سَيِّدِه. قال ابنُ تَميمٍ: والمَنْصوصُ عن أحمدَ، يُزَكِّى العبْدُ مالَه بإذْنِ سيِّدِه. وعنه، التَّوَقُّفُ. وقال فى «الفُروعِ» ، تبَعاً لابنِ تَميمٍ وغيرِه: ويَحْتَمِلُ أنْ يُزَكِّيَه السَّيِّدُ. قال فى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ» : وعنِ ابنِ حامِدٍ، أنَّه ذكَر احْتِمالاً بوُجوبِ زَكاتِه على السَّيِّدِ، على كِلا الرِّوايتَيْن، فيما إذا مَلَّكَ السَّيِّدُ عبْدَه، سواءٌ قُلْنا: يَمْلِكُه، أوْلا؛ لأنَّه إمَّا ملكٌ له، أو فى حُكْمِ مِلْكِه؛ لتَمَكُّنِه مِنَ التَّصَرُّفِ فيه؛ كسائرِ أمْوالِه.
قلتُ: وهو مذهبٌ حسَنٌ. فإنْ قُلْنا: لا يَمْلِكُه. فزَكاتُه على سيِّدِه بلا نِزاعٍ.
تنبيه: أفادَنَا المُصَنِّفُ، رحمه الله، أنَّ العَبْدَ إذا مَلَّكَه سَيِّدُه مالاً، أنَّ فى مِلْكِه خِلافاً؛ لقَوْلِه: وقُلْنا إنَّه يَمْلِكُه. واعْلَمْ أنَّ الصَّحيحَ مِنَ المذهبِ والرِّوايتَيْن، أنَّه لا يَمْلِكُ بالتَّمْليكِ. وعليه أكثرُ الأصحابِ؛ منهم الخِرَقِىُّ، وأبو بَكْرٍ، والقاضى. قالَه ابنُ رَجَبٍ فى «قَواعِدِه» ، و «قَواعِدِ ابنِ اللَّحَّامِ». وقال:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هذه الرِّوايَةُ أشْهَرُ عندَ الأصحابِ. قال فى «التَّلْخيصِ» ، فى بابِ الدُّيونِ المُتَعَلِّقةِ بالرَّقيقِ: والذى عليه الفَتْوَى، أنَّه لا يَمْلِكُ. قال فى «الفُروعِ» ، فى آخِرِ بابِ الحَجْرِ: اخْتارَ الأصحابُ، أنَّه لا يَمْلِكُ. والرِّوايَةُ الثَّانيةُ، يَمْلِكُ بالتَّمْليكِ. اخْتارَه أبو بَكْرٍ. قالَه فى «الفُروعِ» ، وابنُ شَاقْلَا. وصحَّحَها ابنُ عَقِيلٍ، والمُصَنِّفُ فى «المُغْنِى». قال فى «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ»: وهى أظْهَرُ.
قال فى «الفائقِ» ، و «الحاوِى الصَّغيرِ»: ويَمْلِكُ بتَمْليكِ سيِّدِه وغيرِه، فى أصحِّ الرِّوايتَيْن. قال فى «الرِّعايتَيْن»: لو مُلِّكَ، مَلَكَه فى الأقْيَسِ. وأطْلَقَهما فى «الفُروعِ» ، و «التَّلْخيصِ» ، و «مَجْمَع البَحْرَيْن» ، و «الحاوِى الكَبِيرِ» .
فائدة.: تجبُ الزَّكاةُ على المُعْتَقِ بعضُه بقَدْرِ ما يَمْلِكُه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فائدة: لهذا الخِلافِ فوائدُ عديدةٌ. أكْثَرُها مُتَفَرِّقَةٌ فى الكتابِ. ومنها، ما تقدَّم، وهو ما إذا مَلَّكَه سيِّدُه مالاً. ومنها، إذا مَلَّكَه سيِّدُه عبْداً وأهَلَّ عليه هِلالُ الفِطْرِ، فإنْ قُلْنا؛ لا يَمْلِكُه. ففِطْرَتُه على السَّيِّدِ. وإن قُلْنا: يَمْلِكُه. لم تجِبْ على واحدٍ منهما. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. واخْتارَه القاضى، وابنُ عَقِيلٍ، وغيرُهما، اعْتِباراً بزَكاةِ المالِ. وقال فى «الفُروعِ»: فلا فِطْرَةَ إِذَنْ فى الأصحِّ.
وقيل: تجِبُ فِطْرَتُه على السَّيِّدِ. صحَّحَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ. قلتُ: وهو الصَّوابُ. وأطْلَقَهما فى «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ» . ويُؤَدِّى السَّيِّدُ عن عبْدِ عبْدِه، إنْ لم يَمْلِكْ بالتَّمْليكِ. وإنْ ملَك، فلا فِطْرَةَ له؛ العدَمِ مِلْكِ السَّيِّدِ ونقْصِ مِلْكِ العَبْدِ.
وقيل: يَلْزَمُ السَّيِّدَ الحُرَّ كنَفَقَتِه. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ. واخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ. ومنها، تكْفيرُه بالمالِ فى الحَجِّ، والأَيْمانِ، والظِّهارِ، ونحْوِها.
وفيه للأصحابِ طُرُقٌ. ذكَرَها ابنُ رَجَبٍ فى «فَوائِدِه» ، وذَكَرْتُها فى آخرِ كِتابِ الأَيْمانِ. ومنها، إذا باعَ عبْداً، وله مالٌ. وللأصحابِ أيضاً فيها طُرُقٌ. ذكَرْتُها فى آخرِ بابِ بَيْعِ الأُصولِ والثِّمارِ، فى كلامِ المُصَنِّفِ. ومنها، إذا أَذِنَ لعَبْدِه الذِّمِّىِّ أنْ يشْتَرِىَ له بمالِه عبْداً مُسْلِماً، فاشْتَراه؛ فإنْ قُلْنا: يَمْلِكُ بالتَّمْليكِ. لم يصِحَّ شِراؤُه له. وإنْ قُلْنا: لا يَمْلِكُ. صحَّ، وكان مَمْلُوكاً للسَّيِّدِ.
قال المَجْدُ: هذا قِياسُ المذهبِ عندِى. قال ابنُ رَجَبٍ: قلتُ: ويتَخَرَّجُ فيه وَجْهٌ، لا يصِحُّ على القَوْلَيْن، بِناءً على أحَدِ الوَجْهَيْن؛ أنَّه لا يصِحُّ شِراءُ الذِّمِّىِّ لمسْلمٍ بالوَكالَةِ. انتهى. قلتُ: ويتخَرَّجُ الصَّحيحُ على القَوْلَيْن، بِناءً على أحَدِ الوَجْهَيْن؛ أنَّه يَصِحُّ (1) شِراؤه للمُسْلِمِ بالوَكالَةِ. ومنها، عكْسُ هذه المسْأَلَةِ؛ لو أَذِنَ الكافِرُ لعبْدِه المُسْلمِ، الذى يَثْبُتُ مِلْكُه عليه، أنْ يشْتَرِىَ بمالِه رَقِيقاً مُسْلِماً، فإنْ قُلْنا:
(1) فى الأصل، أ:«لا يصح» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَمْلِكُ. صحَّ، وكان العبْدُ له. وإنْ قُلْنا: لا يَمْلِكُ. لم يصِحَّ. ومنها، تَسَرِّى العَبْدِ، وفيه طَرِيقان؛ أحدُهما، بِناؤُه على الخِلافِ فى مِلْكِه. فإنْ قُلْنا: يَمْلِكُ.
جازَ تَسَرِّيه، وإلَّا فلا؛ لأنَّ الوَطْءَ بغيرِ نِكاحٍ ولا مِلْكِ يَمينٍ، مُحَرَّمٌ بنَصِّ الكتابِ والسُّنَّةِ. وهى طرِيقَةُ القاضِى، والأصحابِ بعدَه. قالَه ابنُ رَجَبٍ.
وقدَّمه فى «الفُروعِ» . والثَّانِى، يجوزُ تَسَرِّيه على كلا الرِّوايتَيْن. وهى طرِيقَةُ الخِرَقِىِّ، وأبى بَكْرٍ، وابنِ أبِى مُوسَى، وأبى إسْحاقَ بنِ شَاقْلَا. ذكَره عنه فى «الوَاضِحِ» ، ورَجَّحَها المُصَنِّفُ فى «المُغْنِى». قال ابنُ رَجَبٍ: وهى أصحُّ.
وحَرَّرَها فى «فَوائِدِه» . وتأْتِى هذه الفائِدَةُ فى كلامِ المُصَنِّفِ فى آخرِ بابِ نفَقَةِ الأقارِبِ والمَماليكِ، فى قوْلِه: وللعَبْدِ أنْ يتَسَرَّى بإذْنِ سَيِّدِه. بأَتَمَّ مِن هذا.
ومنها، لو باعَ السَّيِّدُ عبْدَه نفْسَه بمالٍ فى يَدِه، فهل يعْتِقُ؟ المنْصُوصُ، أنَّه يعْتِقُ بذلك. وذكَرَه القاضى (1) مع قوْلِه: إنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ. ونَزَّلَه القاضى على القوْلِ بالمِلْكِ. ومنها، إذا أعْتَقَه سيِّدُه وله مالٌ، فهل يسْتَقِرُّ مِلْكُه للعَبْدِ أم يكونُ للسَّيِّدِ؟ على رِوايتَيْن. فمِنَ الأصحابِ مَن بَناها على القوْلِ بالمِلْكِ وعَدَمِه. فإنْ قُلْنا يَمْلِكُه. اسْتَقَرَّ مِلْكُه عليه بالعِتْقِ، وإلَّا فلا. وهى طريقَةُ أبى بَكْرٍ، والقاضى فى «خِلافِه» ، والمَجْدِ. ومنهم، مَن جعَل الرِّوايتَيْن على القوْلِ بالمِلْكِ. ومنها، لو اشْتَرى العَبْدُ زوْجَتَه الأمَةَ بمالِه. فإنْ قُلْنا: يَمْلِكُ. انفسَخَ نِكاحُه. وإنْ قُلْنا: لا يَمْلِكُ. لم ينْفَسِخْ. ومنها، لو مَلَّكَه سيِّدُه أمَةً فاسْتَوْلَدَها. فإنْ قُلْنا: لا يَمْلِكُ.
فالوَلَدُ مِلْكُ السَّيِّدِ. وإنْ قُلْنا: يَمْلِكُ. فالوَلَدُ مَمْلُوكُ العَبْدِ، لكِنَّه لا يعْتِقُ عليه، حتى يَعْتِقَ، فإذا عَتَق، ولم يَنْزعْه منه قبلَ عِتْقِه، عتَق عليه؛ لتَمامِ مِلْكِه حِينَئذٍ.
ذكَرَه القاضى فى «المُجَرَّدِ» . ومنها، هل ينْفُذُ تَصرُّفُ السَّيِّدِ فى مالِ العَبْدِ دونَ اسْتِرْجاعِه؟ فإنْ قُلْنا: لا يَمْلِكُ. صحَّ بغيرِ إشْكالٍ. وإنْ قُلْنا: يَمْلِكُ. فظاهِرُ
(1) فى القواعد الفقهية ص 421: «الخرقى» . ولعله الصواب.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كلامِ الإِمامِ أحمدَ، أنَّه ينْفُذُ عِتْقُ السَّيِّدِ لرقيقِ عبْدِه قال القاضى: فيَحْتَمِلُ أنْ يكونَ رجَع فيه قبلَ عِتْقِه. قال: وإنْ حُمِلَ على ظاهِرِه، فلأنَّ عتْقَه يتَضَمَّنُ الرُّجوعَ فى التَّمْليكِ. ومنها، الوَقْفُ عليه، فنَصَّ أحمدُ، أنَّهُ لا يصِحُّ.
فقيلَ: ذلك يتَفَرَّعُ على القوْلِ بأنَّه لا يَمْلِكُ. فأمَّا إنْ قيلَ: إنَّه يَمْلِكُ. فيَصِحُّ الوَقْفُ عليه؛ كالمُكاتَبِ فى أظْهَرِ الوَجْهَيْن، والأكْثَرون على أنَّه لا يصِحُّ الوَقْفُ عليه، على الرِّوايتَيْن لضَعْفِ مِلْكِه. ويأْتِى فى كلامِ المُصَنِّفِ فى أوَّلِ الوَقْفِ.
ومنها، وَصِيَّةُ السَّيِّدِ لعبْدِه بشئٍ مِن مالِه، فإنْ كان بجُزْءٍ مُشاعٍ منه، صحَّ وعتَق مِنَ العبْدِ بنِسْبَةِ ذلك الجُزْءِ؛ لدُخولِه فى عُمومِ المالِ، ويَكْمُلُ عِتْقُه مِن بقِيَّةِ الوَصِيَّةِ. نصَّ عليه، وفى تعْلِيلِه ثَلَاثةُ أَوْجُهٍ. ذَكَرَها ابنُ رَجَبٍ فى «فَوائِدِ قَواعِدِه» . وعنه، لا تصِحُّ الوَصِيَّةُ لقِنٍّ. ومنها، ذكَر ابنُ عَقِيلٍ، وإنْ كانتِ الوَصِيَّةُ بجُزْءٍ مُعَيَّن، أو مُقَدَّرٍ، ففى صحَّةِ الوَصِيَّةِ رِوايتان؛ أشْهَرُهما، عَدَمُ الصِّحَّةِ. فمِنَ الأصحابِ مَن بَناهُما على أنَّ العَبْدَ هل يَتَمَلَّكُ أم لا؟ وهي طرِيقَة ابنِ أبِى مُوسى، والشِّيرَازِىِّ، وابنِ عَقِيلٍ، وغيرِهم. وأشارَ إليه الإِمامُ أحمدُ، فى رِوايَةِ صالحٍ. ومنهم مَن حَمَل الصِّحَّةَ على أنَّ الوَصِيَّةَ كَقَدْرِ المُعَيَّنِ، أو المُقَدَّرِ مِنَ التَّرِكَةِ لا بِعَيْنِه، فيَعُودُ إلى الجُزْءِ المُشاعِ. قال ابنُ رَجَبٍ: وهو بعيدٌ جِدّاً.
ويأْتِى ذلك فى كلام المُصَنِّفِ، فى باب المُوصَى له بأَتَمَّ مِن هذا. ومنها، لو غَزَا العَبْدُ على فَرَسٍ مَلَّكَه إيَّاها سيِّدُه. فإن قُلْنا: يَمْلِكُها. لم يُسْهَمْ لها؛ لأنَّها تَبَعٌ لمالِكِها، فيُرْضَخُ لها، كما يُرْضَخُ له. وإنْ قُلْنا: لا يَمْلِكُها. أُسْهِمَ لها؛ لأنَّها لسَيِّدِه. قال ابنُ رَجَبٍ: كذا (1) قال الأصحابُ، والمنْصوصُ عنِ الإِمامِ أحمدَ، أنَّه يُسْهَمُ لفَرَسِ العَبْدِ، وتَوَقَّفَ مرَّةً أُخْرَى، وقال (1): لا يُسْهَمُ لها مُتَّحِداً. ومَوْضِعُ هذه الفوائدِ فى كلامِ الأصحابِ، فى آخرِ بابِ الحَجْرِ، فى أحْكامِ العَبْدِ.
(1) سقط من الأصول، والمثبت من القواعد الفقهية لابن رجب ص 423.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تنبيه: هل الخِلافُ فى مِلْكِ العَبْدِ بالتَّمْليكِ، مُخْتَصٌّ بتَمْليكِ سَيِّدِه أم لا؟ فاخْتارَ فى «التَّلْخيصِ» ، أنَّه مُخْتَصٌّ به، فلا يَمْلِكُ مِن غيرِ جِهَتِه. وقدَّمه فى «الفُروعِ» ، و «الرِّعايتَيْن». وقال فى «التَّلْخيصِ»: وأصحابُنا لم يُقَيِّدوا الرِّوايتَيْن بتَمْليكِ السَّيِّدِ، بل ذكَرُوهما مُطْلَقاً فى مِلْكِ العَبْدِ إذا مُلِّكَ. قلتُ: جزَم به فى «الحاوِيَيْن» ، و «الفائقِ». قال فى «القَواعِدِ»: وكلامُ الأكْثَرين يدُلُّ على خِلافِ ما اخْتارَه صاحِبُ «التَّلْخيصِ» . فإذا عَلِمْتَ ذلك، فيَتَفَرَّعُ على هذا الخِلافِ مَسائِلُ؛ منها، اللُّقَطَةُ بعدَ الحَوْلِ. قال طائِفَةٌ مِنَ الأصحابِ: تَنْبَنِى على رِوايَتَىِ المِلْكِ وعدَمِه، جَعْلاً لتَمْليكِ الشَّارِعِ كتَمْليكِ السَّيِّدِ، منهم صاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ» . وظاهِرُ كلامِ ابنِ أبِى مُوسَى، أنَّه يَمْلِكُ اللُّقطَةَ، وإنْ لم تُمْلَكْ بتَمْليكِ سيِّدِه. وعندَ صاحِبِ «التَّلْخيصِ» ، لا يَمْلِكُها بغيرِ خِلافٍ. وكذلك
فى «الهِدايَةِ» ، و «المُغْنِى» ، و «الكَافِى» ، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى» ، و «الحاوِى الصَّغيرِ» ، و «المُذْهَبِ» ، و «الخُلاصَةِ» ، و «الفائقِ» ،
وغيرِهم، أنَّها مِلْكٌ لسيِّدِه بمُضِىِّ الحَوْلِ. ومنها، حِيازَةُ المُباحاتِ؛ مِن احْتِطابٍ، أو احْتِشاشٍ، أوِ اصْطِيادٍ، أو معْدِنٍ، أو غيرِ ذلك. فمِنَ الأصحابِ مَن قال: هو مِلْكٌ لسيِّدِه دُونَه. رِوايَةً واحدَةً، كالقاضِى، وابنِ عَقِيلٍ، لكنْ لو أَذِنَ له السَّيِّدُ فى ذلك، فهو كتَمْليكِه إيَّاه. ذكَرَه القاضى وغيرُه. وخرَّج طائِفَةٌ المسْألةَ على الخِلافِ فى مِلْكِ العَبْدِ وعدَمِه، منهم المَجْدُ، وقاسَه على اللُّقَطَةِ. وهو ظاهِرُ كلامِ ابنِ عَقِيلٍ فى مَوْضِعٍ آخَرَ. ومنها، لو أُوصِىَ للعَبْدِ، أو وُهِبَ له، وقبِلَه بإذْنِ سيِّدِه، أو بدُونِه، إذا أجَزْنا له ذلك على المنْصوصِ، فالمالُ للسَّيِّدِ. نَصَّ عليه فى رِوايَةِ حَنْبَلٍ. وذكَره القاضى وغيرُه. وبَناه ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه على الخِلافِ فى مِلْكِ السَّيِّدِ. ويأْتِى أيضاً هذا فى كلامِ المُصَنِّفِ، فى بابِ المُوصَى له. ومنها، لو خلَع العَبْدُ زوْجَتَه بعِوَضٍ، فهو للسَّيِّدِ. ذكَرَه الخِرَقِىُّ. وظاهِرُ كلامِ ابنِ
الثَّالِثُ، مِلْكُ نِصَابٍ، فَإِنْ نَقَصَ عَنْهُ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَقْصاً يَسِيراً؛ كَالْحَبَّةِ وَالْحَبَّتَيْنِ.
ــ
عَقِيلٍ، بِناؤُه على الخِلافِ فى مِلْكِ العَبْدِ. قال ابنُ رَجَبٍ: يَعْضُدُه أنَّ العَبْدَ هنا يمْلِكُ البُضْعَ، فمَلَك عِوَضَه بالخُلْعِ؛ لأنَّ مَن مَلَك شيئاً ملَكَ عِوَضَه. فأمَّا مَهْرُ الأمَةِ، فهو للسَّيِّدِ. ذكَر ذلك كلَّه ابنُ رَجَبٍ فى الفائدةِ السَّابعَةِ مِن «قَواعِدِه» بأَبْسطَ مِن هذا.
قوله: الثَّالِثُ، مِلْكُ نِصابٍ، فإنْ نقَص عنه فلا زَكاةَ فيه، إلَّا أنْ يكونَ نَقْصاً يَسِيراً، كالحَبَّةِ والحَبَّتَيْن. فالنِّصابُ تقْريبٌ فى النَّقْدَيْن. وهذا المذهبُ. قال فى «الفُروعِ»: وذهَب إليه الأكْثَرون. قدَّمه ابنُ تَميمٍ، و «الرِّعايتَيْن» ، و «الحاوِيَيْن» ، تبَعاً للمُصَنِّفِ فى «المُغْنِى» ، و «الكافِى» ، وصاحبُ «مَجْمَعِ البَحْرَيْن» ، وقال: قالَه غيرُ الخِرَقِىِّ. قال فى «الفائقِ» : ولو نقَص النِّصابُ ما لا يُضْبَطُ، كحبَّةٍ وجَبَتْ، فى أصحِّ الوَجْهَيْن. قال فى «الحَواشِى»: قالَه الأصحابُ. قال الزَّرْكَشِىُّ: المشْهورُ عندَ الأصحابِ، لا يُعْتَبَرُ النَّقْصُ اليَسِيرُ، كالحَبَّةِ والحبَّتَيْن. وجزَم به فى «التَّلْخيصِ» ، و «النَّظْمِ» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعنه، النِّصابُ تحْديدٌ، فلا زكاةَ فيه، ولو كان النَّقْصُ يسِيراً. قال فى «المُبْهِجِ»: هذا أظْهَرُ وأصحُّ. وجزَم به فى «الوَجيزِ» . قال فى «الشَّرْحِ» : وهو ظاهِرُ الأخْبارِ، فيَنْبَغِى أنْ لا يُعْدَلَ عنه. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ. وهو قوْلُ القاضى، إلَّا أنَّه قال: إلَّا أنْ يكونَ نقْصاً يدْخُلُ فى المَكاييلِ، كالأُوقِيَّةِ، ونحوِها، فلا يُؤَثِّرُ. وأطْلَقَهما فى «الفُروعِ» ، و «حَواشِى المُقْنِعِ» ، و «الكافِى» ،
و «الزَّرْكَشِىِّ» . وعنه، لا يضُرُّ النَّقْصُ، ولو كان أكْثَرَ مِن حبَّتَيْن. وعنه، حتى ثلاثَةِ دَراهِمَ وثُلُثِ مِثْقالٍ. وأطْلقَ فى «الفائقِ» فى ثُلُثِ مِثْقالٍ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الرِّوايتَيْن. وأطْلَقَ ابنُ تَميمٍ في الدَّانِقِ والدَّانِقَيْن، الرِّوايتَيْن. وقيل: الدَّانِقُ والدَّانِقان لا يمْنَعُ في الفِضَّةِ، ويمْنَعُ في الذَّهَبِ. قال أبو المَعالي: وهذا أوْجَهُ.
وقيل: يضُرُّ النَّقْصُ اليسيرُ في أوَّلِ الحوْلِ أو وسَطِه، دُونَ آخرِه. قال الزَّرْكَشِىُّ: لا يُعْتَبَرُ النَّقْصُ اليسيرُ. ثم بعدَ ذلك يؤثر نقْصُ ثَمَن، في رِواية اخْتارَها أبو بَكْرٍ.
وفى أُخْرَى، في الفِضَّةِ ثُلُثُ دِرْهَمٍ. وفى أُخْرَى، في الذَّهبِ نِصْفُ مِثْقالٍ.
ولا يؤثِّرُ الثُّلُثُ.
فائدتان؛ إحْدَاهما، الصَّحيحُ، أنَّ نِصابَ الزَّرْعِ والثَّمَرِ تحْديدٌ. وجزَم به القاضى في «المُجَرَّدِ» ، والسَّامَرِّىُّ في «المُستوْعِبِ» ، والمُصَنِّفُ في «المُغْنِى» ، والمَجْدُ في «شَرْحِه» . وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ. وعنه، نِصابُ ذلك تقْريبٌ. وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّف هنا، وجزَم به في «الوَجيز» . وقدَّمه في «الرِّعايتَيْن» ، و «الحاوِيَيْن». قلتُ: وهو الصَّوابُ. وأطْلَقَهما في «الفُروعِ» ، و «الفائقِ» ، و «ابنِ تَميم» . فعلى المذهبِ، يُوثِّر نحوُ رَطْلَيْن ومُدَّيْن. وعلى الرِّوايَة الثَّانيةِ، لا يُؤثِّرُ. قالَه في «الفُروعِ» ، قال: وجعَلَه في «الرِّعايَة» من فوائدِ الخِلافِ. الثَّانية، لا اعْتِبارَ بنَقْصٍ داخلَ الكَيْلِ، في أصحِّ الوَجْهَيْن. قال في «الفُروعِ»: جزَم به الأئمَّةُ. وقيلَ: يُعْتَبَرُ. وقال في «التَّلْخيص» : إذا نقَصَ ما لو وُزِّعَ على الخَمْسَةِ أوسُقٍ ظهَرَ فيها، سقَطَتِ
وَتَجِبُ فِيمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ بِالْحِسَابِ، إِلَّا فِى السَّائِمَةِ.
ــ
الزَّكاةُ، وإلا فلا.
قوله: وتَجِبُ فيما زادَ على النِّصابِ بالحِسابِ، إلَّا في السَّائِمةِ. لا تجِبُ الزَّكاةُ في وَقْصِ السَّائمةِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطعَ به أكْثَرُهم. وقيل: تجِبُ في وَقْصها. اخْتارَه الشيرازِيُّ. فعلى هذا القوْلِ، لو تَلِفَ بعِير مِن تسْعَةِ أبعِرَةٍ، أو مَلَكَه قبلَ التَّمَكُّنِ، إنِ اعْتَبَرْنا التَّمَكُّنَ، سقَط تسعُ شِيَاهٍ. ولو تَلِفَ مِنَ التِّسْع سِتَّة، زَكَّى الباقِىَ ثُلُثَ شاةٍ. ولو كانتْ مَغْصوبَة فأخَذ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
منها بعيرًا بعدَ الحَوْلِ، زكَّاه بِتُسْع شاةٍ. ولو كان بعضُها ردِيئًا أو صِغارًا، كان الواجِبُ وسَطًا، ويخرجُ مِنَ الأعْلَى بالقيمَةِ. فهذه أربَعُ مسائِلَ مِن فوائدِه. وعلى المذهبِ، يجبُ في الصُّورَةِ الأولَى شاة. وفى الثانية، ثلَاثةُ أخْماسِها. وفي الثَّالثةِ، خُمْسُها. وفي الرَّابعَةِ، يتعَلَّقُ الواجِبُ بالخِيَارِ، ويتعَلَّقُ الردِئُ بالوَقْص؛ لأنَّه أحَظُّ. واخْتارَه أبو الفَرَجِ أيضًا. ومن فوائدِ الخِلافِ أيضًا، لو تَلِفَ عِشْرون بعِيرًا مِن أربَعِين قبلَ التَّمَكُّنِ، فيَجِبُ على المذهب، خمْسَةُ أتساعِ بِنْتِ لبونٍ.
الرَّابعُ، تَمَامُ الْمِلْكِ، فَلَا زَكَاةَ فِي دَيْنِ الْكِتَابَةِ، [43 و] وَلَا فِى السَّائِمَةِ الْمَوْقُوفَةِ،
ــ
وعلى الثاني، يجِبُ نِصْفُ بنْتِ لبونٍ. وعلى المذهبِ، لو كان عليه دَيْن بقَدْرِ الوَقْص، لم يُؤثرْ في وُجوبِ الشَّاةِ المُتَعَلِّقةِ بالنِّصابِ. ذكَرَه ابنُ عَقِيل وغيرُه. قالَه في «الفُروعِ» ، واقْتَصَرَ عليه. قال المَجْدُ، في «شَرْحِه»: وفوائدُ ذلك كثيرةٌ.
فائدة: قال في «الفُروعِ» : في تعَلُّقِ الوُجوبِ بالزَائدِ على نِصاب السَّرِقَةِ احْتِمالان. يعْنِى، أنَ القَطْعَ هل يتَعَلَّقُ بجميعِ المَسْروقِ، أو بالنِّصابِ منه فقط؟ فظاهِرُ ما قطَع به المَجْدُ في «شَرْحِه» ، أنه يتَعَلَّقُ بالجميع. وهى نظِيرُ المسْألةِ التى قبلَها.
قوله: فلا زَكاة في دَيْنِ الكِتابَةِ. هذا المذهبُ، وقطَع به الأصحابُ؛ لعدَم اسْتِقْرارِها. قال في «الفُروعِ»: ولهذا لا يصِحُّ ضمانُ دَيْنِ الكِتابَةِ، وفيه رِواية بصِحّةِ الضمانِ، فدَلَّ على الخِلافِ هنا. انتهى.
قوله: ولا في السَّائِمةِ الموْقُوفَةِ، ولا في حِصَّةِ المُضَارِبِ مِنَ الرِّبْحِ قَبْلَ
وَلَا فِى حِصَّةِ الْمُضَارِبِ مِنَ الرِّبْحِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، عَلَى أحدِ الْوَجْهَيْنِ فِيهِمَا.
ــ
القِسْمَةِ، على أحَدِ الوَجْهَيْن فيهما. أمَّا السَّائمَةُ الموْقوفَةُ، فإنْ كانت على مُعَيَّنين، كالأقاربِ ونحوِهم، ففي وُجوبِ الزكاةِ فيها وَجْهان. وأطْلَقَهما ابنُ تَميم، و «الرِّعايتَيْن» ، و «الحاوِيَيْن» ؛ أحدُهما، تجِبُ الزَّكاةُ فيها. وهو المذهبُ. نَصَّ عليه. قدَّمه في «الفُروعِ» ، و «شَرْحِ المَجْدِ» ، و «الفائقِ». قال في «الرِّعايَة الكُبْرى»: والنَّصُّ، الوُجوبُ. والوَجْهُ الثَّاني، لا زكاةَ فيها. قدَّمه في «الشَّرحِ». قال بعضُ الأصحابِ: الوَجْهان مَبْنِيَّان على مِلْكِ الموْقوفِ عليه وعدَمِه. وجزَم به المَجْدُ في «شَرْحِه» . وعندَ بعضِ الأصحابِ، الوَجْهان مَبْنِيَّان على رِوايَة المِلْكِ فقط. قالَه ابنُ تَميم. فعلى المذهبِ، لا يجوزُ أنْ يُخْرِجَ مِن عَينها؛ لمَنْع نقْلِ المِلْكِ في الوَقْفِ، فيخرجُ مِن غَيْرِها. قلتُ: فيُعايي بها. وإنْ كانتِ السائمةُ أو غيرُها وَقْفًا على غيرِ مُعَيَّن، أو على
المساجدِ والمَدارس، والرُّبُطِ ونحوِها، لم تجِبِ الزكاةُ فيها. وهذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ قاطِبَة، ونَصَّ عليه؛ فقال في أرْض موْقوفَةٍ على المساكينِ: لا عُشْرَ فيها؛ لأنها كلَّها تصيرُ إليهم. قال في «الفُروعِ» : ويتَوجَّهُ خِلافٌ.
فائدة: لو وقَفَ أرضًا أو شجَرًا على مُعَيَّن، وجبَتِ الزَّكاةُ مُطْلَقًا في الغلَّةِ. على الصحيحِ مِنَ المذهبِ؛ لجَوازِ بيْعِها، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، ونَصَّ عليه.
وجزَم به الخِرَقِيُّ، و «التلْخيص» ، وابنُ رَزِين في «شَرْحِه» ، والزرْكَشِيُّ، و «المُسْتَوْعِبِ» ، وقال: رِوايةً واحدَةً. وغيرُهم. وقدَّمه في «الفُروعِ» ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و «ابنِ تَميم» ، و «الرعايَةِ الكُبْرى». وقيل: تجِبُ مع غِنَى الموْقوفِ عليه، دُونَ غيرِه. جزَم به أبو الفَرَجِ، والحَلْوانِي، وابنُه، وصاحِبُ «التبصِرَةِ». قال في «الفُروعِ»: ولعَلَّه ظاهِرُ ما نقلَه عليُّ بنُ سعيدٍ وغيرُه. فحيثُ قُلْنا بالوُجوبِ، فإنْ حصَل لكُل واحدٍ نِصابُ زكاةٍ، وإلَّا خُرِّجَ على الرِّوايتَيْن في تأثيرِ الخُلْطَةِ في غيرِ السَّائمةِ، على ما يأْتِى.
فوائد؛ منها، لو أوْصَى بدَراهِمَ في وُجوهِ البِرِّ، أو ليُشْتَرَى بها ما يُوقف، فاتَّجَرَ بها الوَصِىُّ، فرِبْحُه، مع أصْل المالِ، فيما وصَّى به، ولا زَكاةَ فيهما، وإنْ خَسِرَ، ضَمِنَ النَّقْصَ. نَقَلَه الجماعةُ عنِ الإمامِ أحمدَ. وقيل: رِبْحُه إرْثٌ. وقال في المُؤجَّر، في مَنِ اتَّجرَ بمالِ غيرِه، إنْ رَبِحَ: له أجْرَةُ مِثْلِه. ويأتِى ما إذا نَمَى المُوصَى بوَقْفِه بعدَ الموْتِ وقُبِلَ وَقْفُه، في كتابِ الوَصايا في فوائدِ ما إذا قَبِلَ الوصِيَّةَ بعدَ الموْتِ، متى يَثْبُتُ له المِلْكُ. ومنها، المالُ المُوصَى به يُزَكِّيه مَن حالَ عليه الحَوْلُ على مِلْكِه. ومنها، لو وَصَّى بنَفْع نِصَابِ سائمةٍ، زَكَّاها مالِكُ الأصْلِ.
قال في «الرِّعايتَيْن» ، وتابعَه في «الفُروعِ»: ويَحْتَمِلُ لا زَكاةَ إنْ وَصَّى بها أبدًا.
فيُعايىَ بها. وأنا حِصَّةُ المُضارِبِ مِنَ الرِّبْحِ قبلَ القِسْمةِ؛ فذكَر المُصَنِّفُ في
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وُجوبِ الزَّكاةِ فيها وَجهَيْن، [وأطْلَقَهما في «الفائقِ»] (1). واعْلَمْ أنَّ حصَّةَ المُضارِبِ مِنَ الرِّبْحِ قبلَ القِسْمَةِ لا تخْلُو؛ إمَّا أنْ نقولَ: لا يمْلِكُها بالظهورِ، أو يَمْلِكُها فإنْ قُلْنا: لا يَمْلِكُها بالظُّهُورِ. فلا زَكَاةَ فيها، ولا يَنعَقِدُ عليها الحَوْلُ حتى تُقَسَّمَ. وإنْ قُلْنَا: تُمْلَكُ بمُجَرَّدِ الظهورِ. فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، لا تجبُ فيها الزَّكاةُ أيضًا، ولا ينْعَقِدُ عليها الحَوْلُ قبلَ القِسْمَةِ. نَصَّ عليه، وعليه أكثرُ الأصحابِ؛ منهم أبو بَكْر، وابنُ أبِى مُوسَى، والقاضى. وجزَم به في «الخِلَافِ» ، و «المُجَرَّدِ» . وذكَره في «الوَسِيلَةِ» ظاهِرَ المذهبِ. واخْتارَه المُصَنِّفُ وغيرُه. وصحَّحَه في «تَصْحيحِ المُحَرَّرِ» . وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الشرحِ» ، و «الفُروعِ» ، و «الحَواشِى» ، وغيرِهم.
والوَجْهُ الثَّانِى، تجِبُ الزَّكاةُ فيها، وينْعقِدُ عليها الحَوْلُ. اخْتارَه أبو الخطَّابِ.
وقدَّمه في «المُسْتَوْعِبِ» ، و «الخُلاصَةِ» ، و «الرِّعايتَيْن» ، و «الحاوِيَيْن» . وأطْلَقَهما في «المُذْهَبِ» ، و «شَرْحِ المَجْدِ» ، و «محرَّرِه» ، و «الفائقِ» . وقال في «الفائقِ» ، بعدَ إطلاقِ الوَجْهَيْن: والمُخْتارُ وُجوبُها بعدَ المُحاسَبَةِ. فعلى القوْلِ بالوُجوبِ، يُعْتَبَرُ بلوغُ حِصتِه
نِصابًا، فإنْ كان دُونَه انبنَى على الخُلْطَةِ فيه، على ما يأتِى، ولا يَلْزَمُه إخْراجُها قبلَ القَبْض، كالدَّيْنِ، ولا يجوزُ له إخْراجُها مِن مالِ المُضارَبة بلا إذْن. على الصحيح مِنَ المذهبِ. نَصَّ عليه. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه. قال في «القَواعِدِ»: وأمَّا حقُّ رَبِّ المالِ، فليس للمُضارِبِ تزْكِيَتُه بدُونِ إذْنِه. نَصَّ عليه في رِوايَةِ
(1) زيادة من: ش.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الآجُرِّىِّ، اللَّهُمَّ إلا أنْ يصيرَ المُضارِبُ شرِيكًا، فيكونُ حكْمُه حُكْمَ سائرِ الخُلَطاءِ. وقيل: يجوزُ؛ لدُخولِهما على حُكْمِ الإسْلامِ، ومِن حُكْمِه، وُجوبُ الزَّكاةِ وإخْراجُها مِنَ المالِ. صحَّحَه صاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ» ، و «المُحَرَّرِ» .
وأطْلَقَهما في «المُحَررِ» ، و «الفائقِ» .
فائدة: يَلْزَمُ رَبَّ المالِ زَكاةُ رأْسِ مالِه مع حِصَّتِه مِنَ الرِّبْحِ، وينْعَقِدُ عليها الحَوْلُ بالظُّهورِ. نَصَّ عليه. زادَ بعضُهم، في أظْهَرِ الروايتَيْن. قال في «الفُروعِ»: وهو سَهْوٌ قبل قَبْضِها. وفيه احْتِمالٌ. ويَحْتَمِلُ سقُوطُها قبلَه لتَزَلْزُلِها. انتهى. وأمَّا حِصَّةُ المُضاربِ إذا قُلْنا: لا يَملِكُها
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالظهورِ. فلا يَلْزَمُ رَبَّ المالِ زكاتُها. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وهو قوْلُ القاضى، والأكْثرَين. واخْتارَه المَجْدُ في «شَرْحِه» . وحكَى أبو الخَطابِ في «انْتِصَارِه» عنِ القاضى، يَلْزَمُ رَبَّ المالِ زَكاتُه، إذا قُلْنا: لا يَمْلِكُه العامِلُ بدُونِ القِسْمَةِ. وهو ظاهِرُ كلامِ القاضى في «خِلَافِه» ، في مسْألةِ المُزارَعَةِ. وحَكاه في «المُسْتَوْعِبِ» وَجْهًا. وصحَّحَه. وهو مِنَ المُفْرَداتِ. قال في «القَواعِدِ
الفِقْهِيّة»: وهو ضَعِيفٌ. قال في «الحَواشِي» : وهو بعيدٌ. وقدَّمه المَجْدُ في «شَرْحِه» ، لكنِ اخْتارَ الأوَّلَ.
فائدة: لو أدَّاها رَبُّ المالِ مِن غيرِ مالِ المُضارَبَةِ، فرأسُ المالِ باقٍ، وإنْ أدَّاها منه، حُسِبَ مِنَ المالِ والرِّبْحِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهب. قدَّمه في «الفُروعِ». وقال: ذكَرَه القاضى. وتَبِعَه صاحِبُ «المُستَوْعِبِ» ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و «المُحَررِ» وغيرُهما. فيَنْقُصُ رُبْعُ عُشْرِ رأسِ المالِ. وقال المُصَنِّف، في «المُغْنِى» ، و «الشَّارِحِ»: يُحسَبُ مِنَ الرِّبْحِ فقط، ورأسُ المالِ باقٍ.
وجزَما به؛ لأنَّ الرِّبْحَ وِقايَةٌ لرأْسِ المالَ. وقدَّمه في «الرِّعايَةِ» ، و «الحَواشِى». وقال في «الكافِى»: هى مِن رأس المالِ. ونصَّ عليه الإمامُ
وَمَنْ كانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَلِئٍ مِنْ صَدَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ، زَكَّاهُ إِذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى.
ــ
أحمدُ؛ لأنَّه واجِبٌ عليه كدَيْنِه. وقيل: إنْ قُلْنا: الزَّكاةُ في الذِّمَّةِ. فمِنَ الرِّبْحِ ورأْسِ المالِ. وإنْ قُلْنا: في العَيْنِ. فمِنَ الرِّبْحِ فقط.
قوله: ومَن كان له دَيْنٌ على مَلئٍ، مِن صَداقٍ أو غيرِه، زَكَّاه إذا قَبَضَه. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ. وعنه، لا تجِبُ فيه الزَّكاةُ، فلا يُزَكيه إذا قَبَضَه.
وعنه، يُزَكِّيه إذا قَبَضَه، أو قبلَ قَبْضِه. قال في «الفائقِ»: وعنه، يلْزَمُه في الحالِ. وهو المُخْتارُ.
تنبيه: قوْلُه: على مَلئٍ. مِن شَرْطِه، أنْ يكونَ باذِلًا.
فائدة: الحَوالَةُ به والإبراءُ منه، كالقَبْضِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقيل: إنْ جُعِلا وَفاءً فكالقَبْضِ، وإلَّا فلا.
قوله: زَكَّاه إذا قَبَضَه لما مَضى، يعْنِى، مِنَ الأحْوالِ. وهذا المذهبُ، سواءٌ قصَد ببَقائِه الفِرارَ مِنَ الزَّكاةِ أو لا. وجزَم به في «المُغْنِى» ، و «الشَّرْحِ» ، و «الوَجيزِ» ، وغيرِهم. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه. وعليه الأصحابُ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعنه، يُزَكِّيه لسنَةٍ واحدةٍ، بِناءً على أنَّه يُعْتبرُ لوُجوبِها إمْكانُ الأداءِ، ولم يُوجَدْ فيما مضَى.
فوائد؛ إحْدَاها، يُجْزِئُه إخْراجُ زَكاتِه قبلَ قَبْضِه لزَكاةِ سنِين، ولو منَع التَّعْجيلَ لأكْثَرَ مِن سنَةٍ؛ لقيامِ الوُجوبِ، وإنَّما لم يجِبِ الأداءُ رُخْصةً. الثَّانيةُ، لو ملَك مائِةً نقْدًا، ومائِةً مُؤجَّلَةً، زكَّى النَّقْدَ؛ لتَمامِ حوْلِه، وزَكَّى المُؤجَّلَ إذا قبَضَه. الثَّالثةُ، أوَّلُ حَوْلِ الصَّداقِ، مِن حينِ العَقْدِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، عَيْنًا كان أو دَيْنًا، مُسْتَقِرًّا كان أو لا. نصَّ عليه. وكذا عِوَضُ الخُلْع والأجْرَةِ.
وعنه، ابْتِداءُ حَوْلِه مِن حينِ القَبْضِ لا قبلَه. وعنه، لا زَكاةَ في الصَّداقِ قبلَ الدُّخولِ حتى يُقْبَضَ. فيَثْبُتُ الانْعِقادُ والوُجوبُ قبل الحَوْلِ. قال المَجْدُ: بالإجْماعِ، مع احْتِمالِ الانْفِساخِ. وعنه، تملِكُ قبلَ الدُّخولِ نِصْفَ الصَّداقِ.
وكذا الحُكْمُ خِلافًا ومذهبًا في اعْتِبارِ القَبْضِ في كلِّ دَيْن، إذا كان في غيرِ مُقابلَةِ مالٍ، أو مالٍ زكَوِيٍّ عندَ الكُلِّ. كمُوصًى به، ومَوْروثٍ، وثَمَنِ مَسْكَنٍ.
وعنه، لا حوْلَ لأجْرَةٍ، فيُزَكِّيه في الحالِ كالمَعْدِنِ. اخْتارَه الشيخُ تَقِيُّ الدِّين.
وهو مِنَ المُفْرداتِ. وقيَّدَها بعضُ الأصحابِ بأُجْرَةِ العَقارِ. وهو مِنَ المُفْرداتِ أيضًا، نظرًا إلى كوْنِها غلَّةَ أرْضٍ ممْلوكَةٍ له. وعنه أيضًا، لا حوْلَ لمُسْتفادٍ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وذكرَها أبو المَعالِى في مَن باعَ سمَكًا صادَه بنِصَابِ زَكاةٍ. فعلى الأوَّلِ، لا يَلْزَمُه الِإخْراجُ قبلَ القَبْضِ. الرَّابعةُ، لو كان عليه دَيْنٌ مِن بهِيمَةِ الأنْعامِ، فلا زكاةَ؛ لاشْتِراطِ السَّوْمِ فيها، فإنْ عُيَّنَتْ زُكِّيَتْ كغيْرِها. وكذا الدِّيَةُ الواجِبَةُ، لا تجِبُ فيها الزَّكاةُ؛ لأنَّها لم تتَعَيَّن مالًا زكَوِيًّا؛ لأنَّ الِإبِلَ في الذِّمَّةِ فيها أصْلٌ أو أحدَها.
تنبيه: شَمِلَ قوْلُ المُصَنِّفِ: مِن صَداقٍ أو غيْرِه. القَرْضَ، ودَيْنَ عُروضِ التِّجارَةِ. وكذا المَبِيعَ قبلَ القَبْضِ. جزَم به المَجْدُ وغيرُه، فيُزَكِّيه المُشْتَرِى، ولو زالَ مِلْكُه عنه، أو زالَ، أو انْفَسَخَ العَقْدُ، بتَلَفِ مَطْعومٍ قبلَ قَبْضِه. ويُزَكِّى المَبِيعَ بشَرْطِ الخِيَارِ، أو في خِيَارِ المجْلِس مَن حُكِمَ له بمِلْكِه، ولو فُسِخَ العَقْدُ.
ويُزَكِّى أيضًا دَيْنَ السَّلَمِ إنْ كان للتِّجارَةِ، ولم يكُن أثْمانًا. ويُزَكِّى أيضًا ثَمَنَ المَبِيعَ ورأسَ مالِ السَّلَمِ قبلَ قَبْضِ عِوَضِهم، ولو انْفَسَخَ العَقْدُ. قال فى «الفُروعِ»: جزَم بذلك جماعَةٌ. وقال في «الرِّعاية» : وإنَّما تجِبُ الزَّكاةُ في مِلْكٍ تام مَقْبُوض. وعنه، أو مُمَيَّزٍ لم يُقْبَضْ. ثم قال: قلتُ: وفيما صَحَّ تصَرُّفُ ربِّه فيه قبلَ قبْضِه، أو ضَمِنَه بتَلَفِه. وفى ثَمَنِ المَبِيع، ورأْسِ مالِ
المُسَلَّمِ قبلَ قَبْضِ عِوَضِهما، ودَيْنِ السَّلَمِ إنْ كان للتِّجارَةِ، ولم يكُن أثْمانًا، والمَبِيعِ في مُدَّةِ الخِيَارِ قبل القَبْضِ، رِوايتَان. وللبائعِ إخْراجُ زكاةِ مَبِيعٍ فيه خِيارٌ منه، فيَبْطُل البَيْعُ في قَدْرِه، وفى قِيمَتِه رِوايَتَا تفْريقِ الصَّفْقَةِ، وفى أيَّهما تُقْبَلُ.
قوله: وفى قيمَةِ المُخْرَجِ، وجْهان. وأطْلَقَهما في «الفُروعِ» ، و «ابنِ تَميمٍ». قلتُ: الصَّوابُ قوْلُ المُخْرِجِ. فأمَّا مَبِيعٌ غيرُ مُتعَيَّن ولا مُتمَيَّزٍ فيُزَكِّيه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
البائعُ. الخامسةُ، كلُّ دَيْن سقَط قبلَ قَبْضِه، ولم يُتَعَوَّضْ عنه، تسْقُطُ زكاتُه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وقيل: هل يُزَكيه مَن سقَط عنه؟ يُخَرَّجُ على رِوايتَيْن.
وإنْ أسْقطَه رُّبه زكَّاه. نصَّ عليه. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، كالِإبراءِ مِنَ الصَّداقِ ونحوِه. وقيل: يُزَكِّيه المُبَرَّأ مِنَ الدَّيْنِ؛ لأنَّه مِلْكٌ عليه. وقيل: لا زكاةَ عليهما. وهو احْتِمالٌ في «الكافِي» . وهو مِنَ المُفْرداتِ. وإنْ أخَذ ربُّه به عِوَضًا، أو أحالَ أو احْتالَ، زادَ بعضُهم، وقُلْنا: الحَوالَةُ وَفاءٌ، زكَّاه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، كعَيْنٍ وَهَبَها. وعنه، زَكاةُ التَّعْويضِ على المَدِينِ. وقيل في ذلك وفى الإبراءِ: يُزَكِّيه ربُّه إنْ قدَر وإلَّا المَدِينُ. السَّادسةُ، الصَّداقُ في هذه الأحْكامِ كالدَّيْنِ فيما تقدَّم. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وقيل: سقُوطُه كلُّه لانْفِساخِ النِّكاحِ مِن جهَتِها كإسْقاطِها، وإنْ زكَّتْ صداقَها. قال الزَّرْكَشِىُّ: وقيلَ: لا ينْعَقِدُ الحَوْلُ؛ لأنَّ المِلْكَ فيه غيرُ تامٍّ. وقيلَ: محَلُّ الخِلافِ فيما قبلَ الدُّخولِ.
هذا إذا كان في الذِّمَّةِ. أمَّا إنْ كان مُعَينًا فإنَّ الحَولَ ينْعَقِدُ مِن حينِ المِلْكِ. نَصَّ عليه. انتهى. وإنْ زَكَّتْ صداقَها كلَّه، ثم تنَصَّف بطَلاقٍ، رجَع فيما بَقِىَ بكُلِّ حقِّه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وقيل: إنْ كان مِثْلِيًّا، وإلَّا فقِيمَةُ حقِّه. وقيلَ: يرْجِعُ بنِصْفِ ما بَقِىَ، ونِصْفِ بدَلِ ما أخْرَجَتْ. وفيل: يُخَيَّرُ بينَ ذلك ونِصْفِ قيمَةِ ما أصْدَقَها يومَ العَقْدِ أو مِثْلِه، ولا تُجْزِئُها زَكاتُها منه بعدَ طَلاقِه؛ لأنَّه مُشْتَرَكٌ. وقيل: بلَى، عن حقِّها، وتغْرَمُ له نِصْفَ ما أخْرجَتْ، ومتى لم تزَكِّه رجَع بنصْفِه كامِلًا، وتزَكِّيه هى. فإنْ تعَذَّر، فقال في «الفُروعِ»: يتوجَّهُ لا
وَفِى الدَّيْنِ عَلَى غَيْرِ الْمَلِيءِ، وَالْمُؤَجَّلِ، وَالْمَجْحُودِ، وَالْمَغْصُوبِ، وَالضَّائِعِ، رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا، هُوَ كَالدَّيْنِ عَلَى الْمَلِئِ، وَالثَّانِيَةُ، لَا زَكَاةَ فِيهِ.
ــ
يلْزَمُ الزَّوْجَ. وقال في «الرِّعايَةِ» : يلْزَمُه، ويرْجِعُ عليها إنْ تعَلَّقَتْ بالعَيْنِ.
وقيل: أو بالذِّمَّةِ.
[فائدة: لو وهبَتِ المرأةُ صداقَها لزَوْجِها، لم تسْقُطْ عنها الزَّكاةُ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قالَه القاضى وغيرُه. وعنه، تجِبُ على الزَّوْجِ. وفي «الكافِي» احْتِمالٌ بعدَمِ الوُجوبِ عليها](1).
قوله: وفى الدَّيْنِ على غيرِ المَلئِ، والمؤَجَّلِ، والمجْحُودِ، والمغْصُوبِ، والضائِع، رِوايَتان. وكذا لو كان على مُماطِل، أو كان المالُ مسْروقًا، أو موْروثًا، أو غيرَه، جَهِلَه، أو جَهِلَ عندَ مَن هو. وأطْلَقَهما في «الفُروعِ» ،
(1) زيادة من: ش.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و «الشَّرْحِ» ، و «الرِّعايتَيْن» ، و «الحاوِيَيْن» ، و «المُسْتَوْعِبِ» ، و «المَذْهَبِ الأحْمَدِ» ، و «المُحَرَّرِ» ؛ إحْدَاهما، كالدَّيْنِ على المَلئِ،
فتَجِبُ الزَّكاةُ في ذلك كلِّه إذا قَبَضَه. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. قال في «الفُروعِ» : اختارَه الأكْثرُ. وذكَره أبو الخَطَّابِ، والمَجْدُ ظاهِرَ المذهبِ.
وصحَّحَه ابنُ عَقِيل، وأبو الخَطَّابِ، وابنُ الجَوْزِىِّ، والمَجْدُ في «شَرْحِه» ، وصاحِبُ «الخُلاصَةِ» ، و «تَصْحيحِ المُحَرَّرِ» . ونَصَرَها أبو المَعالي.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال: اخْتارَها الخِرَقِيُّ، وأبو بَكْرٍ. وجزَم به في «الايضاحِ» ، و «الوَجيزِ» . وجزَم به جماعَة في المُؤَجَّلِ؛ وِفاقًا للأئمَّةِ الثَّلاثةِ؛ لصِحَّةِ الحَوالَةِ به والِإبراءِ. وشَمِلَه كلامُ الخِرَقِىِّ. وقطعْ به في «التَّلْخيصِ» ، و «المُغْنِى» ، و «الكافِي» . والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا زكاةَ فيه بحالٍ. صحَّحَها في «التَّلْخيصِ»
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وغيرِه. وجزَم به في «العُمْدَةِ» في غيرِ المُؤَجَّلِ، ورَجَّحَها بعضُهم.
واخْتارَها ابنُ شِهابٍ، والشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وقدَّمه «ابنِ تَميمٍ» ، و «الفائقِ». وقيل: تجِبُ في المدفونِ في دارِه، وفى الدَّيْنِ على المُعْسِرِ والمُماطِلِ. وجزَم في «الكافِى» بوُجوبِها في وَدِيعَةٍ، جَهِلَ عندَ مَن هى. وعليه، مالا يؤملُ رُجُوعُه؛ كالمَسْرُوقِ، والمغْصُوبِ، والمَجْحودِ، لا زكاةَ فيه، وما
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يؤملُ رجُوعُه، كالدَّيْنِ على المُفْلِس، أو الغائبِ المُنْقَطِعِ خَبَرُه، فيه الزَّكاةُ. قال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هذه أقْرَبُ. وعنه، إنْ كان الذى عليه الدَّيْنُ يُؤدِّى زكاتَه، فلا زَكاةَ على ربِّه، وإلَّا فعليه الزَّكاةُ. نَصَّ عليه في المَجْحودِ. ذكَرهما الزَّرْكَشِيُّ وغيرُه. فعلى المذهبِ، يُزَكِّى ذلك كلَّه إذا قَبَضَه لما مضَى مِنَ السِّنِين. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ، وجزَموا به. وقال أبو الفَرجِ، في «المُبْهِجِ»: إذا قُلْنا: تجِبُ في الدَّيْنِ. وقبَضَه، فهل يُزَكِّيه لما مضَى أم لا؟ على
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رِوايتَيْن. قال في «الفُروعِ» : ويتَوجَّه ذلك في بقِيَّةِ الصُّوَرِ.
تنبيه: قوْلُه: المَجْحُودُ. يعْنِى، سواءٌ كان مجْحُودًا باطِنًا أو ظاهِرًا، أو ظاهِرًا وباطِنًا. هذا المذهبُ.، وعليه الأكْثَرُ. وقَيَّدَه في «المُسْتَوْعِبِ» بالمَجْحُودِ ظاهِرًا وباطِنًا. وقال أبو المَعالِى: ظاهِرًا.
فوائد؛ منها، لو كان بالمَجْحُودِ بيِّنَةٌ، وقُلْنا: لا تجِبُ في المَجْحُودِ. ففيه هنا وَجْهان. وأطْلَقَهما في «الفُروعِ» و «ابنِ تَميمٍ» . وقال: ذكَرهما القاضى؛ أحدُهما، تجِبُ. وهو الصَّحيحُ. جزَم به المَجْدُ في «شَرْحِه» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقدَّمه في «الفائقِ» ، و «الرِّعايتَيْن» ، و «الحاوِيَيْن» . والثَّاني، لا تجِبُ.
ومنها، لو وجَبَتْ في نِصابٍ بعضُه دَيْنٌ على مُعْسِرٍ، أو غَصْبٌ أو ضالٌ ونحْوُه، ففى وُجوبِ إخْراجِ زكاةِ ما بيَدِه قبلَ قَبْضِ الدَّيْنِ والغَصْبِ والضَّالِّ وَجْهان. وأطْلَقَهما في «الفُروعِ» ، و «ابنِ تَميمٍ» ؛ أحدُهما، يجِبُ إخْراجُ زكاةِ ما بيَدِه. وهو المذهبُ. قدَّمه في «الرِّعايتَيْن» ، و «الحاوِيَيْن» . وهو ظاهِرُ ما قدَّمه المَجْدُ في «شَرْحِه» . فلو كانت إبِلًا خمْسًا وعِشْرين، منها خَمْسٌ مغْصوبَةٌ أو ضالَّةٌ، أخْرجَ أرْبعَةَ أخْماسِ بِنْتِ مَخَاضٍ. والثَّاني، لا يجِبُ حتى يقْبِضَ ذلك. فعلَى هذا الوَجْهِ، لو كان الدَّيْنُ على مَلئٍ، فوَجْهان. وأطْلَقَهما في «الفُروعِ» ، و «ابنِ تَميمٍ» ، و «الرِّعايتَيْن» ، و «الحاوِيَيْن». قلتُ:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصَّوابُ وجوبُ الإخْراجِ. ومنها، لو قَبَض شيئًا مِنَ الدَّيْنِ، أخْرَجَ زكاتَه ولو لم يبْلُغْ نِصابًا. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، ونَصَّ عليه في رِوايةِ صالحٍ، وأبى طالِبٍ، وابنِ مَنْصُورٍ. وقال: يُخْرِجُ زكاتَه بالحِسَابِ ولو أنه دِرْهَمٌ. وعليه أكثرُ الأصحابِ. وقدَّمه في «الفُروعِ» ، والمَجْدُ في «شَرْحِه» ، و «الفائقِ» ، وغيرِهم. وقال القاضى في «المُجَرَّدِ» ، وابنُ عَقِيل في «الفُصولِ»: لا يلْزَمُه ما لم يكُنِ المَقْبُوضُ نِصابًا، أو يَصِيرُ ما بيَدِه ما يُتَمِّمُ به نِصابًا. ومنها، يرْجِعُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المغْصوبُ منه على الغاصبِ بالزَّكاةِ لنَقْصِه بيَدِه كتَلَفِه. ومنها، لو غُصِبَ ربُّ المالِ بأسْرٍ أو حَبْسٍ. ومُنِعَ مِنَ التَّصَرُّفِ في مالِه، لم تسْقُطْ زكاتُه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ؛ لنُفوذِ تصَرُّفِه فيه. وقيل: تسْقُطُ.
قَالَ الْخِرَقِيُّ: وَاللُّقَطَةُ إِذَا جَاءَ رَبُّهَا زَكَّاهَا لِلْحَوْلِ الَّذِى كَانَ الْملْتَقِطُ مَمْنُوعًا مِنْهَا.
ــ
قوله: قالَ الخِرَقِيُّ: واللقَطَةُ إذا جاءَ رَبُّها زكَّاها للحَولِ الذى كان المُلْتَقِطُ مَمْنُوعًا منها. اللقَطَةُ قبلَ أنْ يعلمَ بها ربُّها، حُكْمُها حكمُ المالِ الضَّائِع. على ما تقدَّم خِلافًا ومذهَبًا. وعندَ الخِرَقِيِّ، أنَّ الزَّكاةَ تجِبُ فيها إذا وجدَها ربُّها لحَوْلِ التَّعْريفِ. وذكَر المُصَنِّفُ الخِرَقِيَّ؛ تأكيدًا لوُجوبِ الزَّكاةِ فيما ذكَرَه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فوائد؛ إذا ملَك المُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ، بعدَ الحَوْلِ، اسْتَقْبلَ بها حوْلًا وزكَّى. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. نصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به الخِرَقِيُّ وغيرُه. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه. وقيل: لا يَلْزَمُه؛ لأنَّه مَدِينٌ بها. وحُكِىَ عنِ القاضى، لا زَكاةَ فيها، نظرا إلى أنَّه ملَكَها مَضْمُونَةً عليه بمِثْلِها، أو قِيمَتِها، فهى دَيْنٌ عليه في الحقِيقَةِ. انتهى. وكذلك قال ابنُ عَقِيلٍ، لكنْ نظَر إلى عدَمِ اسْتِقْرارِ المِلْكِ فيها. انتهى. فعلَى القَوْلِ الثَّانِي؛ لو مَلَك قَدْرَ ما يقابِلُ قَدْرَ
وَلَا زَكَاةَ فِى مَالِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَنْقُصُ النِّصَابَ، إِلَّا فِي الْمَوَاشِى وَالْحُبُوبِ فِى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
ــ
عِوَضِها، زكَّى. على الصَّحيحِ. وقيلَ: لا؛ لعدَمِ اسْتِقْرارِ مِلْكِه لها. وتقدَّم كلامُ ابنِ عَقِيلٍ. وإذا مَلَكَها المُلْتَقِطُ وزَكَّاها، فلا زَكَاةَ إذَنْ على رَبِّها. على الصّحيحِ مِنَ المذهبِ. وعنه، بلَى. وهل يُزَكِّيها ربُّها حَوْلَ التَّعْريفِ أو بعدَه، إذا لم يَمْلِكْها المُلْتَقِطُ؟ فيه الروايَتَان في المالِ الضَّالِّ. وإنْ لم يَمْلِكِ اللُّقَطَةَ، وقُلْنا: له أنْ يتَصدَّقَ بها، لم يضْمَنْ حتى يخْتارَ ربُّها الضَّمانَ، فتَثْبُتُ حِينئذٍ في ذِمَّتِه؛ كدَيْنٍ تجدَّدَ، فإنْ أخْرَجَ المُلْتَقِطُ زَكاتَها عليه منها، ثم أخذَها ربُّها، رجَع عليه بما أخْرَجَ. علي الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وقال القاضي: لا يرْجِعُ عليه، إنْ قُلْنا: لا يَلْزمُ ربَّها زَكاتُها. قال في «الرِّعايةِ» : لوُجوبِها على المُلْتَقِطِ إذَنْ.
قوله: ولا زكاةَ في مالِ مَن عليه دَيْنٌ يَنْقُصُ النِّصابَ. هذا المذهبُ، إلَّا ما
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اسْتَثْنَى. وعليه أكثرُ الأصحابِ. وعنه، لا يَمْنَعُ الدَّيْنُ الزكاةَ مُطْلَقًا. وعنه، يمْنَعُ الدَّيْنُ الحالُّ خاصَّةً. جزَم به في «الإرْشادِ» ، وغيرِه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله: إلَّا في الحُبوبِ والمَوَاشِى في إحْدَى الروايتَيْن. وقدَّمه في «الفائقِ» . والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يمْنَعُ أيضًا. وهى المذهبُ. نَصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا اخْتِيارُ أكثرِ الأصحابِ. قال ابنُ أبي مُوسَى:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هذا الصَّحيحُ مِن مذهبِ أحمدَ. قلتُ: اخْتارَه أبو بكْرٍ، والقاضى، وأصحابُه، والحَلْوانِىُّ، وابنُ الجَوْزِيِّ، وصاحِبُ «الفائِق» ، وغيرُهم. وجزَم به فى «العُمْدَةِ» . وقدَّمه فى «المُسْتَوْعِبِ» ، و «الفُروعِ» . وصحَّحَه فى «تَصْحيحِ المُحَرَّرِ» . وأطْلَقَهما فى «الشَّرْحِ» ، و «المُحَرَّرِ» ، و «الرِّعايتَيْن» ، و «الحاوِيَيْن» . وعنه، يمْنَعُ ما اسْتَدانَه للنَّفقَةِ على ذلك، أو كان ثَمَنَه، ولا يمْنَعُ ما اسْتدانَه لمُؤْنَةِ نفْسِه، أو أهْلِه. قال الزَّرْكَشِىُّ: فعلَى روايةِ عدَمِ المَنْع، ما لَزِمَه مِن مُؤْنَةِ الزَّرْعِ مِن أُجْرَةِ حَصَادٍ، وكِراءِ أرْضٍ ونحوِه يَمْنَعُ. نَصَّ عليه. وذكَره ابن أبِى مُوسَى. وقال: رِوايَةً واحدَةٌ. وتَبِعَه صاحِبُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«التَّلْخِيصِ» . وحكَى أبو البَرَكاتِ رِوايةً؛ أنَّ الدَّيْنَ لا يمْنَعُ فى الظَّاهِرِ مُطْلَقًا. قال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: لم أجِدْ بها نصًّا عن أحمدَ. انتهى. وعنه، يمْنَعُ، خلَا الماشِيَةَ. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ.
فوائد؛ الأُولَى، فى الأمْوالِ، ظاهِرَةً وباطِنَةً. فالظَّاهِرَةُ، ما ذكَره المُصَنِّفُ مِنَ الحُبوبِ والمَواشِى، وكذا الثِّمارُ. والباطِنَةُ، كالأثْمانِ، وقِيمَةِ عُروضِ التِّجارَةِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأكثرُ. وقال أبو الفَرَجِ الشِّيرازىُّ: الأمْوالُ الباطِنَةُ، هى الذَّهبُ والفِضَّةُ فقط. انتهى. وهلِ المعْدِنُ مِنَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأمْوالِ الظَّاهِرَةِ، أو الباطِنَةِ؟ فيه وَجْهان. وأطْلَقَهما فى «الفُروعِ» ، و «ابنِ تَميمٍ» ، و «الرِّعايتَيْن» ، و «الحاوِيَيْن» ؛ أحدُهما، هو مِن الأمْوالِ الظَّاهِرَةِ. وهو ظاهِرُ كلامِ الشِّيرَازِيِّ، على ما تقدَّم. والثَّانى، هو مِنَ الأمْوالَ الباطِنَةِ. قلتُ: وهو الصَّوابُ؛ لأنّه أشْبَهُ بالأثْمانِ، وقِيمَةِ عُروضِ التِّجارَةِ. قال فى «المُغْنِى» (1): الأمْوالُ الظَّاهِرَةُ؛ السَّائمةُ، والحُبوبُ، والثِّمارُ. قال فى «الفائقِ»: وتمنعُ فى المَعْدِنِ. رقيلَ: لا. الثَّانيةُ، لا يمْنَعُ الدَّيْنُ خُمْسَ الرِّكازِ.
(1) 4/ 264.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بلا نِزاع. الثَّالثةُ، لو تعَلَّقَ بعَبْدِ تجارَةٍ أرْشُ جِنايَةٍ، منَع الزَّكاةَ فى قِيمَتِه؛ لأنَّه وجَب جَبْرًا لا مُواساةً، بخِلافِ الزَّكاةِ. وجعَلَه بعضُهم كالدَّيْنِ؛ منهم صاحِبُ «الفُروعِ» فى «حَواشِيه» . الرَّابعةُ، لو كان له عَرَضُ قُنْيَةٍ يُياعُ لو أفْلَسَ يَفِى بما عليه من الدَّيْنِ، جُعِلَ فى مُقابلَةِ ما عليه مِنَ الدَّيْنِ، وزكَّى ما معه مِنَ المالِ، على إحْدَى الروايتَيْن. قال القاضى: هذا قِياسُ المذهبِ. ونصَرَه أبو المَعالِى، اعْتِبارًا بما فيه الحظُّ للمَساكِين. وعنه، يُجْعَلُ فى مقابلَةِ ما معه ولا يُزَكِّيه. صحَّحَه ابنُ عَقِيلٍ. وقدَّمه ابنُ تَميمٍ، وصاحِبُ «الحَواشِى» ، و «الرِّعايتَيْن» ، و «الحاوِيَيْن» . وأطْلَقَهما فى «الفُروعِ» ، و «شَرْحِ المَجْدِ» ، و «الفائقِ» . ويَنْبَنِى على هذا الخِلافِ، ما إذا كان بيَدِه ألْفٌ، وله ألْفٌ دَيْنًا على مَلئٍ، وعليه مِثْلُها؛ فإنَّه يزَكِّى ما معه على الأُولَى لا الثَّانيةِ. قالَه فى «الفُروعِ» . وقدَّم فى «الفائقِ» ، و «الرعايتَيْن» ، و «الحاوِيَيْن» هنا، جَعْلَ الدَّيْن مُقابِلًا لما فى يَدِه. وقالوا: نصَّ عليه. ثم قالوا: أو قيلَ: مُقابِلًا للدَّيْنِ. الخامسةُ، لو كان
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
له عَرَضُ تِجارةٍ بقَدْرِ الدَّيْنِ الذى عليه، ومعه عَيْنٌ بقَدْرِ الدَّيْنِ الذى عليه، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يجْعَلُ الدَّيْنَ فى مُقابلَةِ العَرَضِ، ويُزَكِّى ما معه مِنَ العَيْنِ. نصَّ عليه فى رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ، وأبي الحارِثِ. وقدَّمه فى «الفُروعِ» ، و «الحَواشِى» ، و «ابنِ تَميمٍ». وقيل: إنْ كان فيما معه مِنَ المالِ الزَّكَوِيِّ جِنْسُ الدَّيْنِ، جُعِلَ فى مُقابَلَتِه. وحَكاه ابنُ الزَّاغُونِىِّ روايَةً. وتابعَه فى «الرِّعايتَيْن» ، و «الحاوِيَيْن» ، وغيرهم. وإلَّا اعْتُبِرَ الأحَظُّ. وأطْلَقَهما فى «الرِّعايتَيْن» ، و «الحاوِيَيْن». وقيل: يُعْتَبَرُ الأحَظُّ للفُقَراءِ مُطْلَقًا؛ فمَن له مِائتَا دِرْهَمٍ وعَشَرَةُ دَنانِيرَ، قِيمَتُها مِائَتا دِرْهَم، جَعَل الدَّنانِيرَ قُبالَةَ دَيْنِه، وزَكّى ما معه. ومَن له أَرْبَعُونْ شاةً وعَشرَةُ أبْعِرةٍ، ودَيْنُه قِيمَةُ أحَدِهما، جَعَل قُبالَةَ دَيْنِه الغنَمَ، وزَكَّى شاتَيْن. السَّادِسةُ، دَيْنُ المَضْمونِ عنه، يَمْنَعُ الزَّكاةَ بقَدْرِه فى مالِه، دُونَ الضَّامِنِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، خِلافًا لأبِى المَعالى. السَّابعةُ، لا تجِبُ الزَّكاةُ فى المالِ الذى حجَرَ عليه القاضى للغُرَماءِ، كالمالِ المغْصوبِ، تَشْبِيهًا للمَنْعِ الشَّرعِىِّ بالمَنْع الحِسِّىِّ. هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. اخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ. وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن». وقال الأزَجِىُّ فى «النِّهايَةِ»:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هذا بعيدٌ، بل إلْحاقُه بمالِ الدُّيونِ أقْرَبُ. اخْتارَه أبو المَعالى. وظاهِرُ «الفُروعِ» ، إطْلاقُ الخِلافِ. وقيل: إنْ كان المالُ سائمةً زكَّاها، لحُصولِ النَّماءِ والنِّتاجِ مِن غيرِ تصَرُّفٍ، بخِلافِ غيرِها. وقال أبو المَعالى: إنْ قضَى الحاكِمُ دُيونَه مِن مالِه، ولم يفْضُلْ شئٌ مِن مالِه، فهو الذى ملَك نِصابًا وعليه دَيْنٌ. قال: وإنْ سمَّى لكُلِّ غريمٍ بعضَ أعْيانِ مالِه، فلا زَكاةَ عليه، مع بقَاءِ مِلْكِه؛. لضَعْفِه بتَسْليطِ الحاكمِ لغريمِه على أخْذِ حقِّه. انتهى. وإنْ حجَر عليه بعدَ وُجُوبِها، لم تسْقُطِ الزَّكاةُ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وقيل: تسْقُطُ إنْ كان قبل تَمَكُّنِه مِنَ الإخْراجِ. قال فى «الحَواشِى» ، و «ابنِ تَميمٍ»: وهو بعيدٌ. ولا يَمْلِكُ إخْراجَها مِنَ المالِ؛ لانْقِطاعِ تصَرُّفِه. قالَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ. وقال ابنُ
وَالْكَفَّارَةُ كَالدَّيْنِ في أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
ــ
تَميمٍ: والأوْلَى أنْ يَمْلِكَ ذلك كالرَّاهِنِ. وهما وَجْهان. وأطْلَقهما فى «الفُروعِ» ؛ فإنَّه قال: لا يُقْبَلُ إقْرارُه بها. وجزَم به بعضُهم. ولا يُقْبَلُ إقْرارُ المَحْجورِ عليه بالزَّكاةِ، وتتعَلَّقُ بذِمَّتِه، كدَيْنِ الآدَمِيِّ. ذكَرَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وأبو المَعالِى. وهو ظاهِرُ ما قدَّمه فى «الفُروعِ» . وعنه، يُقْبَلُ، كما لو صدَّقَه الغَرِيمُ. ويأْتِى زكاةُ المرْهُونِ فى فَوائِدِ الخِلافِ الآتِى آخِرَ البابِ.
قوله: والكَفَّارةُ كالدَّيْنِ فى أحَدِ الوَجْهَيْن. وحَكاهما أكْثَرُهم رِوايتَيْن. وأطْلَقَهما فى «الهِدايَةِ» ، و «المُغْنِى» ، و «الشَّرْحِ» ، و «الحاوِيَيْن» ، و «الفائقِ» ، و «الفُروعِ» ، و «الحَواشِى» ، و «ابنِ تَميمٍ» ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و «المُحَرَّرِ» ، إذا لم يَمْنَعْ دَيْنُ الآدَمِىِّ الزَّكاةَ، فدَيْنُ اللهِ، مِنَ الكفَّارَةِ والنَّذْرِ المُطْلَقِ، ودَيْنِ الحَجِّ ونحْوِه، لا يمْنَعُ بطريقٍ أوْلَى. وإنْ منَع الزَّكَاةَ، فهل يمْنَعُ دَيْنُ الله؟ فيه الخِلافُ؛ أحدُهما، هو كالدَّيْنِ الذى للآدَمِىِّ. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. صحَّحَه المَجْدُ، وابنُ حَمْدانَ فى «رِعايَتِه» . وهو قوْلُ القاضى وأتْباعِه. وجزَم به ابنُ لبَنَّا فى «خِلَافِه» فى الكفَّارَةِ، والخَراجِ. وقال: نصَّ عليه. وهو الذى احْتَجَّ به القاضى فى الكفَّارَةِ. والوَجْهُ الثَّانى، لا يمْنَعُ وجُوبَ الزَّكاةِ.
فائدتان؛ إحْداهما، النَّذْرُ المُطْلَقُ ودَيْنُ الحَجِّ ونحوُه كالكفَّارَةِ، كما تقَدَّم. وقال فى «المُحَرَّرِ»: والخَراجُ مِن دَيْنِ اللهِ. وتابَعَه فى «الرِّعايتَيْن» ، و «الحاوِيَيْن» ، وغيرِهم. قالَه القاضى، وابنُ البَنَّا، وغيرُهما. ففِيه الخِلافُ فى إلْحاقِه بدُيونِ الآدَمِيِّين. وأمَّا الإمامُ أحمدُ، فقدَّم الخَراجَ على الزَّكاةِ. وقال الشَّيْخُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَقِىُّ الدِّين: الخَراجُ مُلْحَقٌ بدُيونِ الآدَمِيِّينْ. ويأْتِى، لو كان الدَّيْنُ زَكاةً، هل يمْنَعُ؟ عندَ فَوائدِ الخِلافِ فى أنَّ الزَّكاةَ، هل تجِبُ فى العَيْنِ، أو فى الذِّمَّةِ؟ الثَّانيةُ، لو قال: للهِ علىَّ أنْ أتصَدَّقَ بهذا. أو هو صَدَقَةٌ. فحالَ الحَوْلُ، فلا زكاةَ فيه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وقال ابنُ حامِدٍ: فيه الزَّكاةُ. فقال فى قوله: إنْ شفَى اللهُ مرِيضِى، تصَدَّقْتُ مِن هاتَيْن المِائَتَيْن بمِائَةٍ. فشُفِىَ، ثم حالَ الحَوْلُ قبلَ أنْ يَتَصَدَّقَ بها، وجَبَتِ الزَّكاةُ. وقال فى «الرِّعايَةِ»: إنْ نذَر التَّضْحِيَةَ بنِصَابٍ مُعَيَّن، وقيل: أو قال: جعَلْتُه ضَحايا. فلا زكاةَ، ويَحْتَمِلُ وجُوبُها إذا تَمَّ حوْلُه. قبلَها. انتهى. ولو قال: علىَّ لله أِنْ أتَصَدَّقَ بهذا النِّصابِ إذا حالَ الحَوْلُ. وجَبَتِ الزَّكاةُ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. اخْتارَه المَجْدُ فى «شَرْحِه» . وقيل: هى كالتى قبلَها. اخْتارَه ابنُ عَقِيل، وأطْلَقَهما «ابنِ تَميمٍ» ، و «الفُروعِ» . فعلَى الأوَّلِ؛ تُجْزِئُه الزَّكاةُ منه على أصحِّ الوَجْهَيْن، ويَبْرَأُ بقَدْرِها مِنَ الزَّكاةِ والنَّذْرِ، إنْ نَواهُما معًا؛ لكوْنِ الزَّكاةِ صَدَقَةً. وكذا لو نذَر الصَّدَقَةَ ببعضِ
الْخَامِسُ، مُضِىُّ الْحَوْلِ شَرْطٌ، إِلَّا في الْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ،
ــ
النِّصابِ، هل يُخْرِجُهما، أو يُدْخِلُ النَّذْرَ فى الزَّكاةِ ويَنْوِيهما؟ وقال ابنُ تَميمٍ: وجبَتِ الزَّكاةُ ووجَب إخْراجُهما معًا. وقيل: يُدْخِلُ النَّذْرَ فى الزَّكاةِ ويَنْوِيهما معًا. انتهى.
قوله: الخامِسُ، مُضِىُّ الحوْلِ شَرْطٌ، إلا فى الخارجِ مِنَ الأرْضِ. فيُشْتَرَطُ مُضِىُّ الحَوْلِ فى الأثْمانِ، والماشِيَةِ، وعُروضِ التِّجارَةِ. وظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، - اشْتِراطُ مُضِيِّ الحَوْلِ كامِلًا. وهو أحَدُ الوُجوهِ، وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، والقاضى، لكنْ ذكَرَه إذا كان النَّقْصُ فى أثْناءِ الحَوْلِ. والوَجْهُ الثَّانى،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُعْفَى عن ساعَتَيْن. وهو المذهبُ. قال فى «الفُروعِ» : وهو الأشْهَرُ. قلتُ: عليه أكثرُ الأصحابِ. وقدَّمه ابنُ تَميمٍ. واخْتارَه أبو بَكْرٍ. وقدَّم المَجْدُ فى «شَرْحِه» ، أنَّه لا يُؤثرُ أقَلُّ مِن مُعْظَمِ اليوْم. وقال فى «المُحَرَّرِ» ، و «الفائقِ»: ولا يؤَثِّرُ نقصٌ دُونَ اليومِ. وقيل: يُعْفَى عن نِصْفِ يومٍ. وقال أبو بَكْرٍ: يُعْفَى عن يوْمٍ. اخْتارَه القاضى. وصحَّحَه ابنُ تَميمٍ. قال فى «الفُروعِ» : وجزَم به فى «المُحَرَّرِ» وغيرِه. وليس كما قال، وقد تقدَّم لفْظُه. وقيل: يُعْفَى عن يوْمَيْن. وقيل: الخَمْسَةُ والسَّبْعَةُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْن. وقال فى
فَإِذَا اسْتَفَادَ مَالًا، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَتِمَّ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، إِلَّا نِتَاجَ السَّائِمَةِ، وَرِبْحَ التِّجَارَةِ، فَإِنَّ حَوْلَهُ حَوْلُ أصْلِهِ إِنْ كَانَ نِصَابًا، وَإِنْ لَمْ يَكنْ نِصَابًا فَحَوْلُهُ مِنْ حِينَ كَمَلَ النِّصَابُ.
ــ
«الرَّوْضَة» : يُعْفَى عن أيَّام. قال فى «الفُروعَ» : فإمَّا أن مُرادَه ثَلَاَثةُ أيَّامٍ؛ لِقِلَّتِها، واعْتِبارِها فى مَواضِعَ، أو ما لم يُعَدَّ كثيرًا عُرْفًا. وقيل: يُعْتَبَرُ طرَفَا الحَوْلِ خاصَّةً فى العُروضَ خاصَّةً.
قوله: فإذا اسْتفادَ مالًا، فلا زكاةَ فيه حتى يَتمَّ عليه الحَوْلُ. وهذا المذهبُ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلَّا ما اسْتَثْنَى، وسواءٌ كان المُسْتَفادُ مِن جِنْسِ ما يَمْلِكُه أو لا. وعليه الأصحابُ. وحُكِىَ عنه رِوايةٌ فى الأُجْرَةِ؛ أنَّها تَتْبَعُ المالَ الذى مِن جِنْسِها.
فائدة: يُضَمُّ المُسْتَفَادُ إلى نِصابٍ بيَدِه مِن جِنْسِه أو فى حُكْمِه، ويُزَكِّى كُلَّ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مالٍ إذا تَمَّ بحوْلُه. وهذا الصَّحيح مِنَ المذهبِ. وقيل: يُعْتَبَرُ النِّصابُ فى المُسْتَفادِ أيضًا.
قوله: إلَّا نِتاجَ السَّائمةِ، ورِبْحَ التِّجارَةِ؛ فإنَّ حَوْلَه حولُ أصْلِه إن كان
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نِصابًا، وإنْ لم يَكُنْ نِصابًا فحَوْلُه مِن حِينَ كمَل النِّصابُ. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ. وعنه، حوْلُه مِن حينَ ملَك الأُمَّاتِ. نقَلها حَنْبَلٌ. وقيلَ: حَوْلُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النِّتاجِ منْذُ كمَل أُمَّهاتُه (1) نِصابًا، وحَوْلُ أُمَّهاتِه منْذُ ملَكَهُنَّ. ذكَره فى «الرِّعايَةِ» . ووَجَّه فى «الفُروعِ» تَخْريجًا واحْتِمالًا فى رِبْحِ التِّجارَةِ؛ أنَّ حَوْلَهْ
(1) فى الفروع: «أمَات» . وعلّق على ذلك بقوله: كذا يقال: أمّات، وإنما يقال: أمّهات فى بنات آدم فقط، واستعمل الفقهاء الأمّهات فى المواشى أيضًا، وهو غلط، والله أعلم، كذا ذكره بعضهم، وقول الفقهاء لغة أيضًا، ويقال فى بنى آدم: أمّهات، وفيه لغة: أمَات. انظر: الفروع 2/ 340.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَوْلُ أصْلِه. قلتُ: قال الزَّرْكَشِيُّ: وقيلَ عنهَ: إذا كَمَلَ النِّصابُ بالرِّبْحِ، فحَوْلُه مِن حينَ مَلك الأصْلَ، كالمَاشِيَةِ، فى رِوايَةٍ. فعلَى رِوايَةِ حَنْبَلٍ؛ لو أبْدَلَ بعضَ نِصابٍ بنِصابٍ مِن جِنْسِه، كعِشْرين شاةً بأرْبَعِين، احْتَمَلَ أنْ يَنْبَنِىَ على حَوْلِ الأُولَى، ويَحْتَمِلُ أنْ يَبْتَدِئَ الحَوْلُ. وأطْلَقَهما فى
وَإنْ مَلَكَ نِصَابًا صِغَارًا، انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ حِينَ مَلَكَهُ. وَعَنْهُ، لَا يَنْعَقِدُ حَتَّى يَبْلُغَ سِنًّا يُجْزِى مِثْلُهُ في الزَّكَاةِ.
ــ
«الفُروعِ» . وهما وَجْهان مُطْلَقَان فى «مُخْتَصَرِ ابنِ تَميمٍ» ، ورِوايَتان مُطْلَقتان فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى». قلتُ: الصَّوابُ، الثَّانِى مِنَ الاحْتِمالَيْن.
قوله: وإنْ ملَك نِصابًا صِغارًا، انْعَقَدَ عليه الحوْلُ مِن حينَ مَلَكَه. وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ. وعنه، لا ينْعَقِدُ حتى يبْلُغَ سِنًّا يُجْزِئُ مِثْلُه فى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الواجِبِ. وحكَى ابنُ تَميمٍ، أنَّ القاضىَ قال فى «شَرْحِه الصَّغِيرِ»: تجِبُ الزَّكاةُ فى الحِقاقِ، وفى بَناتِ المَخاضِ، واللَّبُونِ، وَجْهًا، بناءً على السِّخالِ. ونقَل حَرْبٌ، لا زَكاةَ فى بَناتِ المَخاضِ حتى تكونَ فيها كبيرةً. قال فى «الفُروعِ»: كذا قال. فعلَى المذهبِ، لو تغَذَّتْ باللَّبَنِ فقط، لم تجِبْ لعدَمِ السَّوْمِ المُعْتَبَرِ. اخْتارَه المَجْدُ فى «شَرْحِه». وقدَّمه فى «الرِّعايَةِ الكُبْرى». وقيل: تجِبُ لوُجوبِها فيها تَبَعًا للأُمَّاتِ، كما تَتْبَعُها فى الحَوْلِ. وأطْلَقَهما في «الفُروعِ» ، و «الزَّرْكَشِيِّ» ، و «ابنِ تَميمٍ» . وهما احْتِمالان ذكَرهما ابنُ عَقِيل. وعلى الرِّوايَةِ الثانيةِ، ينْقَطِعُ ما لم يَبْقَ واحِدَةٌ مِنَ الأُمَّاتِ. نصَّ عليه، وهو الصَّحيحُ عليها. وقيل: ينْقَطِعُ ما لم يَبْقَ نِصابٌ مِنَ الأُمَّاتِ.
وَمَتَى نَقَصَ النِّصَابُ في بَعْضِ الْحَوْلِ، أَوْ بَاعَهُ، أَوْ أَبْدَلَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، انْقَطَعَ الْحَوْلُ،
ــ
قوله: ومتى نقَص، النِّصابُ فى بَعضِ الحَوْلِ. انْقَطَعَ الحَوْلُ. هذا المذهبُ، وعليه الجمهورُ. وتقدَّم قوْلٌ، بأنَّه لو انْقَطَعَ فى أثْناءِ حوْلِ عُرضِ التِّجارَةِ، وكان كامِلًا فى أوَّلِه وآخِرِه، أنَّه لا يَضُرُّ.
قوله: أو باعَه، أو أبْدَلَه بغيرِ جِنْسِه، انْقَطَعَ الحوْلُ. هذا المذهبُ بشَرْطِه،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعليه الأصحابُ. وقال ابنُ تَميمِ: وإنْ أبْدَلَه لا بمِثْلِه ممَّا فيه الزَّكاةُ، انْقَطَعَ على الأصحِّ. قال فى «القَواعِدِ»: وخرج أبو الخَطَّابِ فى «الانْتِصارِ» رِوايةً بالبِنَاءِ فى الإِبدالِ مِن غيرِ الجِنْسِ مُطْلَقًا.
فائدتان؛ إحْدَاهما، لا ينْقَطِعُ الحَوْلُ بإبْدالِ نِصابِ ذَهَبٍ بفِضَّةٍ، أو بالعَكْسِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهب. فيكونُ ذلك مُسْتَثْنًى مِن كلامِ المُصَنِّفِ وغيرِه ممَّن أطْلَقَ. وفيه رِوايةٌ مُخَرَّجَةٌ مِن عَدَمِ ضَمِّ أحَدِهما إلى الآخرِ، وإخْراجِه عنه. قال ابنُ تَميمٍ: إبْدالُ أحَدِ النَّقْدَيْن بالآخرِ يَنْبَنِى على الضَّمِّ. قال فى «القَواعِدِ» : فيه رِوايَتَان. قال الزَّرْكَشِىُّ: طرِيقَةُ أبي محمدٍ، وطائفَةٍ، وصحَّحَها أبو العَبَّاسِ، مَبْنِيَّةٌ على الضَّمِّ، وطريقَةُ القاضى وجماعَةٍ، منهم المَجْدُ،
إِلَّا أَنْ يَقْصِدَ بِذَلِكَ الْفِرَارَ مِنَ الزَّكَاةِ عِنْدَ قُرْبِ وُجُوبِهَا، فَلَا تَسْقُطُ.
ــ
أنَّ الحَوْلَ لا ينْقَطِعُ مُطْلَقًا، وإنْ لم نَقُلْ بالضَّمِّ.
تنبيه: حيْثُ قُلْنا: لا ينْقَطِعُ الحَوْلُ. فالصَّحيحُ، أنَّه يُخْرِجُ ممَّا مَلَكَه عندَ وُجوبِ الزَّكاةِ. قدَّمه فى «الفُروعِ» . ؤقال القاضى، وتَبعَه فى «شَرْحِ المذْهبِ»: يُخْرِجُ مِمَّا مَلَكَه أكْثَرَ الحَوْلِ. قال ابنُ تَميمٍ: ونصَّ أحمدُ على مِثْلِه. الثَّانيةُ، لا ينْقَطِعُ الحَوْلُ فى أمْوالِ الصَّيارِفَةِ؛ لِئَلَّا يُفْضِىَ إلى سقُوطِها فيما ينْمُو، أو وُجوبِها فى غيرِه. قال فى «الفُروعِ»: والأصُولُ تَقْتَضِى العَكْسَ. وهذا أيضًا يكونُ مُسْتَثْنًى مِن كلامِ المُصَنِّفِ وغيرِه.
قوله: إلَّا أنْ يَقْصِدَ بذلك الفِرارَ مِنَ الزَّكاةِ. الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه إذا قَصَد بالبَيْع أو الهِبَةِ أو الإتْلافِ أو نحوِه الفِرارَ مِنَ الزَّكاةِ، لم تَسْقُطْ. وعليه جماهيرُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأصحابِ، وقطَع به أكثَرُهم. وقال أبو يَعْلَى الصَّغِيرُ فى «مُفْرَداتِهْ» ، عن بعضِ الأصحاب: تسْقُطُ الزَّكاةُ بالتَّحَيُّلِ. وِفَاقًا لأبي حَنِيفَةَ، والشَّافِعِىِّ، كما فى بعدِ الحَوْلِ الأَوَّلِ. قلتُ: وقَواعِدُ المذهبِ وأُصولُه تأْبَى ذلك. فعلَى المذهبِ، اشْتَرَط المُصَنِّفُ أنْ يكونَ ذلك عندَ قُرْبِ وُجوبِها. وجزَم به جماعَةٌ مِنَ الأصحابِ؛ منهم أبو الخَطَّابِ فى «الهِدايَةِ» . وقدَّم فى «الرِّعايتَيْن» ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و «الحاوِيَيْن» ، و «الفائقِ» ، وغيرِهم، عَدَمَ السُّقوطِ إذا فعَله فارًّا قبلَ الحَوْلِ بيَوْمَيْن فأكثرَ. وفى كلامِ القاضى، بيَوْمَيْن أو يوم. وقيل: بشَهْرَيْن. حَكاه فى «الرِّعايَةِ» وغيرِها. وقدَّم فى «الفُروعِ» ، أنَّه متى قصَد بذلك الفِرارَ مِنَ الزَّكاةِ مُطْلَقًا، لم تسْقُط، وسواء كان فى أوَّلِ الحَوْلِ أَوْ وسَطِه أو آخرِه. قال: وأطْلَقَه الإِمامُ أحمدُ، فلِهَذا قال ابنُ عَقِيل: هو ظاهِرُ كلامِه. وهو ظاهِرُ ما جزَم به فى «الخُلاصَةِ» . وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ» . وقال الزَّرْكَشِيُّ: وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ. وهو الغالِبُ على كلامِ كثيرٍ مِن المُتَقَدِّمين، واخْتِيارُ طائِفَةٍ مِنَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المُتأخِّرين، كابنِ عَقِيلٍ، والمَجْدِ، وغيرِهما. وذكَره بعضُهم قوْلًا. وقال فى «الفائقِ»: نصَّ أحمدُ على وُجوبِها فى مَن باعَ قبلَ الحَوْلِ لنصْفِ عام. قال ابنُ تَميمٍ: والصَّحيحُ، تأْثيرُ ذلك بعدَ مُضِىِّ أكْثَرَ الحَوْلِ. وقال المَجْدُ فى «شَرْحِه» وغيره: لا أوَّلَ الحَوْلِ؛ لنُدْرَتِه. وفى كلامِ القاضى، فى أوَّلِ الحَوْلِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَظَرٌ. وقال أيضًا: فى أوَّلِه أو وَسَطِه لم يُوجَدْ لرَبِّ المالِ الغَرَضُ، وهو التَّرَفُّه بأكْثَرِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحَوْلِ والنِّصابِ، وحصُولُ النَّماءِ فيه.
فائدتان؛ إحْدَاهما، يُزَكِّى مِن جِنْسِ المَبيع لذلك الحَوْلِ فقط، إذا قصَد الفِرارَ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وقيلَ: إنْ أبْدلَه بعَقارٍ ونحوِه، وَجَبَتْ زَكاةُ كُلِّ حَوْلٍ. وسألَه ابنُ هانِئً فى مَن ملَك نِصابَ غَنَمٍ سِتَّةَ أشْهُرٍ، ثم باعَها، فمَكَثَتْ عندَه سِتَّةَ أشْهُرٍ؟ قال: إذا فرَّ بها مِنَ الزَّكاةِ، زكَّى ثَمَنَها إذا حالَ عليها الحَوْلُ. وقيل: يُعْتَبَرُ الأحظُّ للفُقَراءِ. الثَّانيةُ، لو ادَّعَى أنَّه لم يقْصِدْ بما فَعَل الفِرارَ مِنَ الزَّكاةِ، قُبِلَ فيما بينَه وبينَ اللهِ تَعالَى. وفى الحُكْمِ وَجْهان. وأطْلَقَهما
وَإنْ أَبْدَلَهُ بِنِصَابٍ مِنْ جِنْسِهِ بَنَى عَلَى حَوْلِهِ، وَيَتَخَرَّجُ أن يَنْقَطِعَ.
ــ
فى «الفُروعَ» ، و «ابنِ تَميمٍ». قلتُ: الأوْلَى أنَّه إنْ غرِفَ بقَرائِنَ أنَّه قَصَد. الفِرارَ، لم يُقْبَلْ قوْلُه، وإلَّا قُبِلَ.
قوله: وإنْ أبْدَلَه بنِصابٍ مِن جِنْسِه، بَنَى على حَوْلِه. وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ. ويتَخَرَّجُ أنْ يَنْقَطِعَ. وهو لأبى الخَطَّاب؛ كالجِنْسَيْن. قال ابنُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَميمٍ: ينْقَطِعْ على الأصحِّ. وقاس حماعةٌ مِنَ الأصحابِ؛ منهم القاضى، وأصحابُه، والمُصَنِّفُ، والمَجْدُ، وغيرُهم، البِناءَ على الحَوْلِ الأوَّلِ فى هذه المسْأَلَةِ على عُروضِ التِّجارَةِ، تُباعُ بنَقْدٍ أو تُشْتَرى به، فإنَّه يُبْنَى. وحُكِىَ الخِلافُ.
تنبيه: اعلمْ أنّ بعضَ الأصحابِ عبَّر فى هذه المسْأَلةِ بالبَيْعِ، كما قالَه المُصَنِّفُ هنا، وعبَّر بعضُهم بالإِبْدالِ. قال فى «الفُروعِ»: ودَلِيلُهم يقْتَضِى التَّسْوِيَةَ. وعبَّر القاضى بالإبْدالِ. ثم قال: نصَّ عليه فى رِوايَةِ أحمدَ بنِ سعيدٍ (1)، فى الرَّجُلِ يكونُ عندَه غنَمٌ سائمةٌ، فيَبيعُها بضِعْفِها مِنَ الغَنَمِ، هل يُزَكِّيها أم يُزَكِّى الأصْلَ؟ فقال: بل يُعْطِى زكاتَها؛ لأَنَّ نَماءَهَا منها. وقال أبو المَعالِى: المُبادَلَةُ، هل هى بَيْعٌ؟ فيه رِوايَتَان. ثم ذكَر نصَّه بجَوازِ إبْدالِ المُصْحَفِ، لا بَيْعِه، وقوْلَ أحمدَ:
(1) أحمد بن سعيد بن صخر الدارمى السرخسى، أبو جعفر، الإِمام العلامة الفقيه الحافظ الثبت، أكثر التطواف، وتوسع فى العلم، وبعد صيته. توفى سنة ثلاث وخمسين ومائتين. تاريخ بغداد 4/ 166 - 169.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المُعاطَاةُ بَيْعٌ، والمُبادَلَةُ مُعاطَاةٌ. وأنَّ هذا أشْبَهُ. قال: فإنْ قُلْنا: هى بَيْعٌ. انْقَطعَ الحوْلُ، كلَفْظِ البَيْعِ؛ لأنَّه ابْتِداءُ مِلْكٍ. نَعَم، المُبادَلَةُ تدُلُّ على وَضْعِ شئٍ مُماثِلٍ له كالتَيّمُّمِ عنِ الوُضوءِ، فكُلُّ بَيْعٍ مُبادَلَةٌ، ولا عَكْسَ. انتهى. وقال أبو بَكْرٍ فى المُبادَلَةِ: هل هى بَيْعٌ أم لا؟ على رِوايتَيْن. وأنْكَر القاضى ذلك. وقال: هى بَيْعٌ بلا خِلافٍ. ذكَره ابنُ رَجَبٍ فى «القَاعِدَةِ الثَّالثَةِ والأرْبَعِين بعدَ المِائَةِ» . ويأْتِى هذا فى أوَائلِ كتابِ البَيْع، عندَ حُكْمِ بَيْع المُصْحَفِ.
فائدة: لو زادَ بالاسْتِبْدالِ، تَبعَ الأُصُولَ فى الحَوْلِ أيضًا. نصَّ عليه كنتَاجٍ، فلو أبْدَل مِائَةَ شاةٍ بمِائتَيْن، لَزِمَه شاتان (1)، إذا حالَ حَوْلُ المِائةِ. نصَّ عليه. وقال أبو المَعالِى: يستأنفُ للزَّائدِ حوْلًا. وقال فى «الانْتِصارِ» : إنْ أبْدَلَه بغيرِ جِنْسِه بَنَى. أوْمَأَ إليه. ثم سَلَّمه وفرَّق. وقال ابنُ تَميمٍ، وابنُ حَمْدانَ: لا يَبْنِى فى الأصَحِّ.
فائدة: لو أبْدَلَه بغيرِ جِنْسِه، ثم رُدَّ عليه بعَيْبٍ ونحوِه، اسْتَأْنفَ الحَوْلَ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وذكَر أبو بَكْرٍ، إذا أَبْدَلَ نِصابًا بغيرِ جِنْسِه، ثم رُدَّ عليه بعَيْبٍ ونحوِه، يَنْبَنِى على الحَوْلِ الأوَّلِ إذا لم تحْصُلِ المُبادَلَةُ بَيْعًا، وفى نُسْخَةٍ، إذا لم نَقُلْ: المُبادَلَةُ بَيْعٌ. ولو أبْدَلَ نِصابَ سائمةٍ بمِثْلِه، ثم ظهَر على عَيْبٍ، بعدَ أنْ وَجَبَتِ الزَّكاةُ، فله الرَّدُّ، ولا تسْقُطُ الزَّكاةُ عنه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وقال ابنُ حامِدٍ: إذا دَلَّسَ البائعُ العَيْبَ، فرُدَّ عليه، فزَكاتُه عليه، فإنْ أخْرَجَ مِنَ النِّصابِ، فله رَدُّ ما بَقِىَ فى أحَدِ الوَجْهَيْن. وفى الآخرِ، يَتَعَيَّنُ له الأرْشُ. قلتُ:
(1) فى ا: «زكاة مائتين» .
وَإذَا تَمَّ الْحَوْلُ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ في عَيْنِ الْمَالِ. وَعَنْهُ، تَجِبُ في الذِّمَّةِ.
ــ
هذا المذهبُ، على ما يأْتِى فى خِيَارِ العَيْبِ. وأطْلَقَهما ابنُ تَميمٍ. فعلى الأوَّلِ، لو اخْتلَفا فى قِيمَةِ المُخْرَجِ، كان القَوْلُ قوْلَ المُخْرِجِ. قلتُ: وهو الصَّوابُ. وقيلَ: القوْلُ قوْلُ صاحِبِه. وأطْلَقَهما ابنُ تميمٍ، و «الفُروعِ» على ما تقدَّم. قوله: وإذا تَمَّ الحَوْلُ وَجَبَتِ الزَّكاةُ فى عَيْنِ المالِ. هذا المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ، ونصَّ عليه فى روايةِ الجماعَةِ. قال فى «الفُروعِ»: نقَله واخْتارَه الجماعةُ. قال الجمهورُ: وهذا ظاهرُ المذهبِ. وحَكاه أبو المَعالِى وغيرُه. انتهى. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: هى الظَّاهرَةُ عندَ أكْثرَ أصحابِنا. وجزَم به فى «الإرْشادِ» ، والقاضى فى «المُجَرَّدِ» ، و «التَّعْليقِ» ، و «الجامِعِ» ، وصاحِبُ «الوَجيزِ» ، وغيرُهم. واخْتارَه أبو الخَطَّابِ فى «خِلافِه الصَّغِيرِ» . وصحَّحَه المَجْدُ فى «شَرْحِه» ، وغيرُه. وقدَّمه فى «الهِدايَةِ» ، و «الخُلاصَةِ» ، و «الرِّعايتَيْن» ، و «الحاوِى الصَّغِيرِ» ، و «الفُروعِ» ، وغيْرِهم. وعنه، تجبُ فى الذِّمَّةِ. قال فى «المُذْهَبِ» ، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»: يَتَعَلَّقُ بالذِّمًّةِ فى أصحِّ الرِّوايتَيْن. قال ابنُ عَقِيل: هو الأشْبَهُ بمَذهَبِنا. وجزَم به الخِرَقِىُّ، وأبو الخَطَّابِ فى «الانْتِصارِ». وقال: رِوايَةٌ واحدَةٌ. وقدَّمه فى «التَّلْخيصِ» ، و «الفائقِ» ، وابنُ رَزِين فى «شَرْحِه» ، و «نِهايَتِه» ، و «نَظْمِها» ، واخْتارَه. وأطْلَقَهما فى «المُبْهِجِ» ، و «الإيضَاحِ» ، و «المُسْتَوْعِبِ» ، و «البُلْغَةِ» ، و «الشَّرْحِ» ، و «الحاوِى الكَبِيرِ». وقيلَ: تجِبُ فى الذِّمَّةِ، وتتَعَلقُ بالنِّصابِ. قال فى «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»: ووَقَع
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذلك فى كلامِ القاضى، وأبى الخَطَّابِ وغيْرِهما، وهى طرِيقَةُ الشَّيْخِ تَقِىِّ الدِّينِ. قال فى «القَواعِدِ»: وفى كلامِ أبي بَكْرٍ إشْعارٌ بتَنْزيلِ الرِّوايتَيْن على اخْتِلافِ حالَيْن؛ وهما يَسارُ المالِكِ وإعْسارُه، فإنْ كان مُوسِرًا وجبَتْ فى ذِمَّتِه، وإنْ كان مُعْسِرًا وجَبَتْ فى عَيْنِ المالِ. قال: وهو غَرِيبٌ.
تنبيه: لهذا الخِلافِ، أعْنِى أنَّها، هل تجِبُ فى العَيْنِ أو فى الذِّمَّةِ؟ فوائدُ جمَّةٌ؛ منها، ما ذكَرَه المُصَنِّفُ هنا، وهو ما إذا مضَى حَوْلان على النِّصابِ، لم تُؤَدَّ زَكاتُهما، فعليه زَكاةٌ واحدَةٌ، إنْ قُلْنا: تجِبُ فى العَيْنِ. وزَكاتَان إنْ قُلْنا: تجبُ فى الذِّمَّةِ. هكذا أطْلَقَ الإمامُ أحمدُ، أنَّ عليه زكاتَيْن، إذا قُلْنا: تجِبُ فى الذِّمَّةِ. وتَبِعَه جماعةٌ مِنَ الأصحابِ؛ منهم المُصَنِّفُ هنا، فأطْلَقُوا، حتى قالَ ابنُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَقِيل، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ»: ولو قُلْنا: إنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ وُجوبَ الزَّكاةِ. لم تسْقُطْ هنا؛ لأنَّ الشئَ لا يُسْقِطُ نفْسَه، وقد يُسْقِطُ غيرَه. وقدَّمه فى «الفُروعِ» . وقال صاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ» ، و «المُحَرَّرِ» ، ومَن تابَعَهُما: إنْ قُلْنا: تجِبُ فى الذِّمَّةِ. زكَّى لكُلِّ حَوْلٍ، إلَّا إذا قُلْنا: دَيْنُ اللهِ يَمْنَعُ. فيُزَكِّى عن حَوْلٍ واحدٍ، ولا زكاةَ للحَوْلِ الثَّانِى؛ لأجْلِ الدَّيْنِ، لا للتَّعَلُّقِ بالعَيْنِ. وجزَم به فى «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ». قال الزَّرْكَشِىُّ: هذا قوْلُ الأكْثَرِ. وزادَ فى «المُسْتَوْعِبِ» ، متى قُلْنا: يَمْنَعُ الدَّيْنُ. فلا زكاةَ للعَامِ الثَّانِى، تعَلَّقَتْ بالعَيْنِ أو بالذِّمَّةِ. وقال: حيْثُ لم يُوجِبْ أحمدُ زكاةَ العامَ الثَّانى، فإنَّه بنَى على روايةِ مَنْع الدَّيْنِ؛ لأنَّ زكاةَ العامِ الأوَّلِ صارتْ ديْنًا على ربِّ المالِ، والعَكْسُ بالعَكْسِ. وجَعَل فَوائدَ الرِّوايتَيْن، إخْراجَ الرَّاهنِ المُوسِرِ مِنَ الرَّهْنِ بلا إذْنٍ، إنْ عُلِّقَتْ بالعَيْنِ، واخْتِيارَه فى سُقُوطِها بالتَّلَفِ وتقْدِيمها على الدَّيْن. قالَه فى «الفُروعِ» ، وقال غيرُه خِلافَه. ويأْتِى أيضًا. وقال فى «القَواعِدِ»: قال فى «المُسْتَوْعِبِ» : تتَكَرَّرُ زَكاتُه لكُلِّ حَوْلٍ على القَوْلَيْن، وتأوَّلَ كلامَ أحمدَ بتَأْويلٍ فاسِدٍ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تنبيه: محَلُّ هذه الفائدَةِ، فى غيرِ ما زكَاتُه الغَنَمُ مِنَ الإِبِلِ، كما قال المُصَنِّفُ. فأمَّا ما زَكاتُه الغَنَمُ مِنَ الإِبِلِ، فإنَّ عليه لكُلِّ حَوْلٍ زَكاةً. على كِلا الرِّوايتَيْن. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم، ونصَّ عليه. قال فى «الفُروعِ»: أمَّا لو كان الواجِبُ غيرَ الجِنْسِ، كالإِبلِ المُزَكَّاةِ بالغَنَمِ، فنَصَّ أحمدُ، أنَّ الواجِبَ فيه فى الذِّمَّةِ، وإنْ كانتِ الزَّكاةُ فيه تتَكَرَّرُ. وفرَّق بينَه وبينَ الواجِبِ مِنَ الجِنْسِ. وقال فى «الرِّعايَةِ»: والشِّياهُ عنِ الإِبِلِ تتَعَلَّقُ بالذِّمَّةِ فتَتَعَدَّدُ وتتَكَرَّرُ. وقلتُ: هذا إن قُلْنا: لا تسْقُطُ بدَيْنِ اللهِ. انتهى. وقال أبو الفَرَجِ الشِّيَرازيُّ فى «المُبْهِجِ» : حُكْمُه حُكْمُ ما لو كان الواجِبُ مِن جِنْسِ المُخْرَجِ عنه. قال فى «الفُروعِ» : وظاهِرُ كلامِ أبي الخَطَّابِ، واخْتَارَه صاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ» ، و «المُحَرَّرِ» ، أنَّه كالواجِبِ مِنَ الجِنْسِ، على ما سبَق مِنَ العَيْن والذِّمَّةِ، لأنَّ تعَلُّقَ الزكاةِ كتعَلُّقِ الأرْشِ بالجَانِى، والدَّيْنِ بالرَّهْنِ. فلا فرقَ إذن. فعلَى المذهبِ، لو لم يكُنْ له سِوَى خَمْسٍ مِنَ الإِبِلِ، ففى امْتِناعِ زَكاةِ الحَوْلِ الثَّانِى، لكَوْنِها دَيْنًا، الخِلافُ. وقال القاضى فى «الخِلَافِ» ، فى هذه المسْأَلةِ؛ لا يَلْزَمُه. وعلى المذهبِ أيضًا، فى خَمْسٍ وعِشْرِين بعِيرًا فى ثلَاثَةِ أحْوالٍ؛ الأولُ، حَوْلُ بِنْتِ مَخاضٍ، ثم ثَمانِ شِيَاهٍ؛ لكُلِّ حَوْلٍ أرْبَعُ شِيَاهٍ. وعلى كلامِ أبي الخَطَّابِ، أنَّها تجِبُ فى العَيْنِ مُطْلَقًا كذلك لأوَّلِ حَوْلٍ، ثم للثَّانِى، ثم إنْ نقَص النِّصابُ بذلك عن عِشْرِ ين بعِيرًا إذا قَوَّمْناه، فلِلثَّالِثِ ثلاثُ شِيَاهٍ وإلَّا أرْبَعٌ. فوائد؛ إحْداها، متى أفْنَتِ الزَّكاةُ المالَ، سقَطَتْ بعدَ ذلك. صرَّح به فى «التَّلْخيصِ» . وجزَم به فى «الفُروعِ» ، لكنْ نصَّ أحمدُ، فى رِوايِة مُهَنَّا على وُجوبِها فى الدَّيْنِ بعدَ اسْتِغْراقِه بالزَّكاةِ. قال فى «القَواعِدِ»: فإمَّا أنْ يُحْمَلَ ذلك على القوْلِ بالوُجوبِ فى الذِّمَّةِ، وإمَّا أنْ يُفَرَّقَ بينَ الدَّيْنِ والعَيْنِ؛ بأنَّ الدَّيْنَ وَصْفٌ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حُكْمِىٌّ لا وُجودَ له فى الخارِجِ، فتَتَعَلَّقُ زكاتُه بالذِّمَّةِ، رِوايةً واحدَةً. ولكنْ نصَّ أحمدُ، فى رِوايَة غيرِ واحدٍ، على التَّسْوِيَةِ بينَ الدَّيْنِ والعَيْنِ فى امْتِناعِ الزَّكاةِ فيما بعدَ الحَوْلِ الأوَّلِ. وصرَّح بذلك أبو بَكْرٍ وغيرُه. الثَّانيةُ، تعَلقُ الزَّكاةِ بالعَيْنِ مانِعٌ مِن وُجوبِ الزَّكاةِ فى الحَوْلِ الثَّانِى وما بعدَه بلا نِزاعٍ. وليس بمانِعٍ مِن انْعِقادِ الحوْلِ الثَّانِى ابْتِداءً. وهو قوْلُ القاضى فى «المُجَرَّدِ» ، وابنِ عَقِيلٍ. ونقَل المَجْدُ الاتِّفاقَ عليه. وهو ظاهِرُ ما ذكَرَه الخَلَّالُ فى «الجامِع». وأوْرَدَ عن أحمدَ مِن روايَةِ حَنْبَلٍ ما يَشْهَدُ له. وقيلَ: إنَّه مانِعٌ مِن انْعِقادِ الحَوْلِ الثَّانِى ابْتِداءً. وهو قوْلُ القاضى فى «شَرْحِ المذهبِ» ، والمُصَنِّفِ فى «المُغْنِى» . وأطْلَقَهما فى «القَواعِدِ» . ويأتِى مَعْنَى ذلك فى الخُلْطَةِ إذا باعَ بعضَ النِّصابِ. الثَّالثةُ، إذا قُلْنا: تجِبُ الزَّكاةُ فى العَيْنِ. فقال فى «الرِّعايتَيْن» ، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»: تتَعَلَّقُ به كتَعلُّقِ أرْشِ جِنايَةِ الرَّقيقِ. برَقَبَتِه، فلِرَبِّه إخْراجُ زكاتِه مِن غيرِه، والتَّصَرُّفُ فيه ببَيْع وغيرِه، بلا إذْنِ السَّاعِى، وكلُّ النَّماءِ له. وإنْ أتْلَفَه، لَزِمَه قِيمَةُ الزَّكاةِ دُونَ جِنْسِه، حيوانًا كان النِّصابُ أو غيرَه. ولو تصَدَّقَ بكُلِّه، بعدَ وُجوبِ الزَّكاةِ ولم يَنْوِها، لم يُجْزِئْه. وإذا كان كلُّه مِلْكًا لرَّبِّه، لم يَنْقُصْ بتَعَلُّقِ الزَّكاةِ، بل يكونُ دَيْنًا يَمْنَعُ الزَّكَاةَ كدَيْنِ آدَمِىٍّ، أو لا يَمْنَعُ لعَدَمِ رُجْحانِها على زكاةِ غيرِها، بخِلافِ دَيْنِ الآدَمِيِّ. وقيل: بل يتَعَلَّقُ به كتَعلُّقِ الدَّيْنِ بالرَّهْنِ، وبمالِ مَن حُجِرَ عليه لفَلَسِه، فلا يصِحُّ تصَرُّفُه فيه قبلَ وَفائِه أو إذْنِ رَبِّه. وقيل: بل كتَعَلُّقِه بالتَّرِكَةِ، قال: وهو أقْيَسُ. قال فى «القاعِدَةِ الخامِسَةِ والثَّمانِين» : تعَلُّقُ الزَّكاةِ بالنِّصابِ، هل هو تعَلُّقُ شَرِكَةٍ أو ارْتِهانٍ، أو تعَلُّقُ اسْتِيفاءٍ كالجِنايَةِ؟ اضْطربَ كلامُ الأصحاب اضْطِرابًا كثيرًا. ويحْصُلُ منه ثلَاثَةُ أوْجُهٍ؛ أحدُها، أنَّه تعَلُّقُ شَرِكَةٍ. وصرَّح به القاضى فى مَوْضِعٍ مِن «شَرْحِ المذهبِ» . وظاهِرُ كلامِ
وَلَا يُعْتَبَرُ في وُجُوبِهَا إِمْكَانُ الأدَاءِ،
ــ
أبي بَكْرٍ يدُلُّ عليه، وقد بيَّنه فى مَوْضِعٍ آخَرَ. والثَّانى، تعَلُّقُ اسْتِيفاءٍ. وصرَّح به غيرُ واحدٍ؛ منهم القاضى. ثم منهم مَن يُشَبِّهُه بتَعَلُّقِ الجِنايَةِ. ومنهم مَن يشَبِّهُه بتَعلُّقِ الدَّيْنِ بالتَّرِكَةِ. والثَّالثُ، أنَّه تعَلُّقُ رَهْنِ. وينْكَشِفُ هذا النِّزاعُ بتَحْريرِ مَسائِلَ؛ منها، أنَّ الحَقَّ هل يتَعَلَّقُ بجميعِ النِّصابِ، أو بمِقْدارِ الزِّكاةِ فيه غَيْرَ مُعَيَّنٍ؟ ونقَل القاضى وابنُ عَقِيلٍ، الاتِّفاقَ على الثَّانِى. ومنها، أنَّه مع التَّعلُّقِ بالمالِ، هل يكونُ ثابِتًا فى ذِمَّةِ المالكِ أم لا؟ ظاهِرُ كلامَ الأكْثرَ، أنَّه على القَوْلَ بالتعَلُّقِ بالعَيْنِ، لا يَثْبُتُ فى الذِّمَّةِ منه شئٌ، إلَّا أنْ يتْلَفَ المالُ، أو يتَصَرَّفَ فيه المالِكُ بعدَ الحَوْلِ، وظاهِرُ كلامِ أبى الخَطَّابِ، والمَجْدِ فى «شَرْحِه». أمَّا إذا قُلْنا: الزَّكاةُ فى الذِّمَّةِ. يتعَلَّقُ بالعَيْنِ تعَلُّقَ اسْتِيفاء مَحْضٍ، كتَعَلُّقِ الدُّيونِ بالتَّرِكَةِ. واخْتارَه الشَّيْخُ تقِيُّ الدِّينِ، وهو حسَنٌ. ومنها، مَنْعُ التَّصَرُّفِ. والمذهبُ لا يَمْنَعُ. انتهى.
قوله: ولا يُعْتَبَرُ فى وجُوبِها إمْكانُ الأَداءِ، ولا تَسْقُطُ بِتَلَفِ المالِ. هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى
وَلَا تَسْقُطُ بِتَلَفِ الْمَالِ. وَعَنْهُ، أَنَّهَا تَسْقُطُ إِذَا لَمْ يُفَرِّطْ.
ــ
«الفُروعِ» وغيرِه. وعنه، أنَّها تسْقُطُ إذا لم يُفَرِّطْ. فيُعْتَبَرُ التَّمَكنُ مِنَ الأداءِ مُطْلقًا. اخْتارَه المُصَنِّفُ. واخْتارَ الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، أنَّ النِّصابَ إذا تَلِفَ بغيرِ تَفْريطٍ مِنَ المالكِ، لم يضْمَنِ الزَّكاةَ على كلا الرِّوايتَيْن. قال: واخْتارَه طائفَةٌ مِن أصحابِنا. وذكَر القاضى، وابنُ عَقِيل رِوايةً باعْتِبارِ إمْكانِ الأداءِ فى غيرِ المالِ الظَّاهِرِ. وذكَر أبو الحُسَيْنِ رِوايةً، لا تسْقُطُ بتَلَفِ النِّصابِ غيرَ الماشِيَةِ. وقال
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المَجْدُ، على الروايَةِ الثَّانيةِ: تسْقُطُ فى الأمْوالِ الظَّاهِرَةِ دُونَ الباطِنَةِ. نصَّ عليه فى رِوايَةِ أبي عبدِ اللهِ النَّيْسابُورِىِّ (1) وغيرِه. قال فى «الفُروعِ» : كذا قال. وقال أبو حَفْصٍ العُكْبَرِيُّ: روَى أبو عبدِ الله. النَّيْسابُورِيُّ، الفَرْقَ بينَ الماشِيَةِ والمالِ. والعَمَلُ على ما روَى الجماعَةُ، أنَّها كالمالِ. ذكَره القاضى وغيرُه. وقال فى «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»: وعنه رِوايةٌ ثانيَةٌ، تسْقُطُ الزَّكاةُ إذا تَلِفَ النِّصابُ أو بعضُه قبلَ التَّمَكُّنِ مِن أداءِ الزَّكاةِ، وبعدَ تمامِ الحَوْلِ، فمنهم مَن قال: هى عامَّةٌ فى جميعِ الأمْوالِ. ومنهم مَن خَصَّها بالمالِ الباطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ. ومنهم مَن عكَسِ ذلك. ومنهم مَن خَصَّها بالمَواشِى.
تنبيه: يُسْتَثْنَى مِن عُمومِ كلامِ المُصَنِّفِ وغيرِه، زكاةُ الزُّروعِ والثِّمارِ إذا تَلِفَتْ بجائِحَةٍ قبلَ القَطْع، فإنَّ زكَاتَها تسْقُطُ. وقد صرَّح به المُصَنِّفُ فى بابِ زكاةِ الخارِجِ مِنَ الأرْضِ، عندَ قوْلِه: فإنْ تَلِفَتْ قبلَه بغيرِ تَعَدٍّ منه، سَقَطَتِ
(1) هو محمد بن رافع بن أبي زيد سابور القشيرى النيسابورى، أبو عبد الله، الإمام الحافظ الحجة القدوة، بقية الأعلام. توفى سنة خمس وأربعين ومائتين. سير أعلام النبلاء 12/ 214 - 218.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الزَّكاةُ. قال فى «القَواعِدِ» : اتِّفاقًا. قال: وخرَّج ابنُ عَقِيل وَجْهًا بوُجوبِ زكاتِها أيضًا. قال: وهو ضَعيف مُخالِف للإِجْماعِ الذى حكَاه ابنُ المُنْذِرِ وغيرُه. قلتُ: قد قالَه غيرُ ابنِ عَقِيلٍ. وذكَرَه ابنُ عقيلٍ فى «عُمَدِ الأدِلَّةِ» رِوايَةً. ذكَرَه ابنُ تَميمٍ. قال فى «الفُروعِ» : وأظُنُّ فى «المُغْنِى» (1) أنَّه قال: قِياسُ مَن جعَل وَقْتَ الوُجوبِ بُدُوَّ الصَّلاحِ، واشْتِدَادَ الحَبِّ، أنَّه كنَقْصِ نِصابٍ بعدَ الوُجوبِ قبلَ التَّمَكنِ. النهى. ويأْتِى ذلك فى بابِ زكاةِ الخارِجِ مِنَ الأرْضِ. فعلى المذهبِ، لو تَلِفَ النِّصابُ بعدَ الحَوْلِ وقبلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الأداءِ، ضَمِنَها.
(1) انظر: المغنى 4/ 170.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعلى الرِّوايَةِ الثَّانيةِ، لا يَضْمَنُها. وجزَم فى «الكافِى» ، و «نِهايَةِ أبِى المَعالِى» ، بالضَّمانِ. وعلى المذهبِ أيضًا، لو تَلِفَ النِّصابُ، ضَمِنَها. وعلى الرِّوايَةِ الثَّانيةِ، لا يَضْمَنُها. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، أنَّه لا يَضْمَنُها مُطْلَقًا. واخْتارَه فى «النَّصِيحَةِ» ، وصاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ» ، والمُصَنِّفُ فى «المُغنِى» ، والشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّين. وذكَرَه جماعةٌ رِوايةً عن الإِمامِ أحمدَ. ولو أمْكَنَه إخْراجُها، لكنْ خافَ رُجوعَ السَّاعِى، فهو كَمَن لم يُمْكِنْه إخْراجُها. فلو نُتِجَتِ السَّائمةُ، لم تُضَمَّ فى حُكْمِ الحَوْلِ الأوَّلِ، على المذهبِ، وتُضَمُّ على الثَّانِيَةِ.
تنبيه: اخْتلَف الأصحابُ فى مأْخَذِ الخِلافِ فى أصْلِ المسْأَلةِ؛ فقيلَ:
وَإذَا مَصى حَوْلَانِ عَلَى نِصَابٍ لَمْ يُؤَدِّ زكَاتَهُمَا، فَعَلَيْهِ ركَاةٌ وَاحِدَةٌ، إِنْ قُلْنَا: تَجِبُ في الْعَيْنِ. وَزَكَاتَانِ، إِنْ قُلْنَا: تَجِبُ في الذِّمَّةِ. إِلَّا مَا كَانَ زَكَاتُهُ الْغَنَمَ مِنَ الإبِلِ، فَإِنَّ عَلَيْهِ لِكُلِّ حَولٍ زَكَاةً.
ــ
الخِلافُ هنا مَبْنِىٌّ على الخِلافِ فى محَلِّ الزَّكاةِ، فإنْ قيلَ: هى فى الذِّمَّةِ. لم تسْقُطْ، وإلَّا سَقَطَتْ. وهو قوْلُ الحَلْوانِيِّ فى «التَّبْصِرَةِ» ، والسَّامَرِّيِّ. وقيل: إنَّه ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ. وفى كلامِ الإِمام أحمدَ إيماءٌ إليه أيضًا، فتكونُ مِن جُمْلَةِ فوائدِ الخِلافِ. والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنًّ هذه المسْأَلةَ ليست مَبْنِيَّةً على الخِلافِ فى مَحَلِّ الزَّكاةِ، هل هى فى الذِّمَّةِ أو فى العَيْنِ؟ قال فى «القَواعِدِ»: وهو قوْلُ القاضى وأكْثَرِ ين. وقدَّمه فى «الفُروعِ» . ومِنَ الفَوائِدِ قوْلُ المُصَنِّفِ: وإنْ كان أكْثَرَ مِن نِصابٍ، فعليه زَكاةُ جَميعِه لكُلِّ حَوْلٍ، إنْ قُلْنا: تجِبُ فى الذِّمَّةِ. وإنْ قُلْنا: تَجِبُ فى العَيْنِ. نقَص مِن زَكاتِه لكُلِّ حَوْلٍ بقَدْرِ نَقْصِه منها.
وَإنْ كَانَ أكْثَرَ مِنْ نِصَابٍ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ جَمِيعِهِ لِكُلِّ حَوْلٍ، إِنْ قُلْنَا: تَجِبُ في الذِّمَّةِ. وَإنْ قُلْنَا: تَجِبُ في الْعَيْنِ. نَقَصَ مِنْ زَكَاتِهِ كُلَّ حَولٍ بِقَدْرِ نَقصِهِ بِهَا.
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَإذَا مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ أُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ اقْتَسَمُوا بِالْحِصَصِ.
ــ
قوله: وإذا ماتَ مَن عليه الزَّكاةُ أُخِذَتْ مِن تَرِكَتِه. هذا المذهبُ. أوْصَى بها أو لم يُوصِ، وعليه الأصحابُ. ونقَل إسْحاقُ بنُ هانِئٍ، فى مَن عليه حَجٌّ لم يُوصِ به، وزكاةٌ وكفَّارَةٌ، مِنَ الثُّلثِ. ونُقِلَ عنه، مِن رأْسِ المالِ، مع عِلْمِ وَرَثَتِه به. ونُقِلَ عنه أيضًا فى زكاةٍ، من رأْسِ مالِه مع صَدَقَةٍ. قال فى «الفُروعِ»: فهذه أرْبَعُ رِواياتٍ فى المسْأَلةِ. ولَفْظُ الرِّوايَةِ الثَّانيةِ يَحْتَمِلُ تقْيِيدُه بعدَمِ وَصِيَّتِه، كما قيَّد الحَجَّ، يَؤيِّدُه أنَّ الزَّكاةَ مِثْلُه أو آكَدُ، ويَحْتَمِلُ أنَّه على إطْلاقِه. ولم أجِدْ فى كلامِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأصحابِ سِوَى النَّصِّ السَّابِقِ. انتهى.
قوله: فإنْ كان عليه دَيْنٌ اقْتَسَموا بالحِصَص. هذا المذهبُ مُطْلَقًا. نصَّ عليه، وعليه أكثرُ الأصحابِ. ونقَل عبدُ اللهِ، يُبْدأُ بالدَّيْنِ. وذكَره جماعةٌ قوْلًا؛ منهم ابنُ تَميمٍ، و «الفائقِ» ، وغيرُهما، كتَقْديمِه بالرَّهْنِيَّةِ. وقيل: تُقدَّمُ الزَّكاةُ. واخْتارَه القاضى فى «المُجَرَّدِ» ، وصاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ» وغيرُهما. قال المَجْدُ: تُقَدَّمُ الزَّكاةُ، كبَقاءِ المالِ الزَّكَوِىِّ. فجَعَلَه أصْلًا. وذكَرَه بعضُهم مِن تَتِمَّةِ القَوْلِ. وحكَى ابنُ تَميم وَجْهًا؛ تُقدَّمُ الزَّكاةُ، ولو عُلِّقَتْ بالذِّمَّةِ. وقال: هو أوْلَى. وقالَه المَجْدُ قبلَه. وقيل: إنْ تَعَلَّقَتِ الزَّكاةُ بالعَينِ، قُدِّمَتْ، وإلَّا فلا. وقال فى «الرِّعايَةِ الكُبْرى»: قُلتُ: إنْ تَعَلَّقَتِ الزَّكاةُ بالذِّمَّةِ تَحاصَّا، وإلَاّ فلا، بل يُقَدَّم دَيْنُ الآدَمِيِّ. ويأْتِى بعضُ ذلك فى آخِرِ كتابِ الوَصايا.
فائدتان؛ إحْداهما، لو كان المالِكُ حيًّا وأفْلَسَ، فصَرَّح المَجْدُ فى «شَرْحِه» ، أنَّ الزَّكاةَ تُقدَّم حتى فى حالِ الحَجْرِ. وقال: سواءٌ قُلْنا: تتعَلَّقُ الزَّكاةُ بالعَيْنِ أو بالذِّمَّةِ. إذا كان النِّصابُ باقِيًا. قال فى «القَواعِدِ» : وهو ظاهِرُ كلامِ القاضى، والأَكْثَرِين. وظاهِرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ، فى رِوايَةِ ابنِ القاسِمِ، تقْديمُ الدَّيْنِ على الزَّكاةِ. الثَّانيةُ، دُيونُ اللهِ كلُّها سواءٌ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نصَّ عليه، وعليه أكثرُ الأصحابِ. وعنه، تُقَدَّمُ الزَّكاةُ. على الحَجِّ. وقالَه بعضُهم. وذكَره بعضُهم قوْلًا. وأمَّا النَّذرُ بمُتَعَينٍ؛ فإنَّه يُقَدَّم على الزَّكاةِ والدَّيْنِ. قالَه الأصحابُ. وقال فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: قلتُ: ويَحْتَمِلُ تقْديمُ الدَّيْنِ. انتهى. ومِنَ الفَوائِدِ، إنْ كان النِّصابُ مَرْهُونًا، ووَجَبَتْ فيه الزَّكاةُ، فهل تُؤَدَّى زكاتُه منه؟ هنا حالَتان؛ إحْداهما، أنْ لا يكونَ له مالٌ غيرُه يُؤَدِّى منه الزَّكاةَ، فهُنا يُؤَدِّى الزَّكاةَ مِن عَيْنِ الرَّهْنِ. صرَّح به الخِرَقِىُّ والأصحابُ. الحَالَةُ الثَّانِيةُ، أنْ يكونَ للمالكِ مالٌ يُودِّي منه الزَّكاةَ غيرُ الرَّهْنِ، فهُنا ليس له أداءُ الزَّكاةِ منه بدُونِ إذْنِ المُرْتَهِنِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وذكَرَه الخِرَقِيُّ أيضًا. وذكَر فى «المُسْتَوْعِبِ» أنَّه متى قُلْنا: الزَّكَاةُ تتعَلَّقُ بالعَيْنِ، فله إخراجُها منه أيضًا؛ لأنَّه تعَلُّقٌ قَهْرِىٌّ. وينْحَصِرُ فى العَيْنِ، فهو كحَقِّ الجِنايَةِ. وقال فى «الفُروعِ»: ويُزَكَّى المرْهونُ على الأصحِّ، ويُخْرِجُها الرَّاهِنُ منه بلا إذْنٍ إنْ عَدِمَ، كجِنايَةِ رَهْن على دَيْنِه. وقيل: منه مُطْلَقًا. وقيل: إنْ عُلِّقَت بالعَيْنِ. وقيل: يُزَكِّى راهِنٌ مُوسِرٌ، وإنْ أيْسَرَ مُعْسِرٌ، جعَل بَدَلَه رَهْنًا. وقيل: لا. انتهى. ومِنَ الفوائدِ، التَّصَرُّفُ فى النِّصابِ أو بعضِه، ببَيْعٍ أو غيرِه. والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، صِحَّتُه. ونصَّ عليه الإمامُ أحمدُ. قال الأصحابُ: وسواءٌ قُلْنا: الزَّكاةُ فى العَيْنِ أو فى الذِّمَّةِ. وذكَر أبو بَكْرٍ فى «الشَّافِى» ، إنْ قُلْنا: الزَّكاةُ فى الذِّمَّةِ. صحَّ التَّصَرُّفُ مُطْلَقًا. وإنْ قُلْنا: فى العَيْنِ. لم يصِحَّ التَّصَرُّفُ فى مِقْدارِ الزَّكاةِ. قال ابنُ رَجَبٍ: وهذا مُتَوجَّهٌ على قوْلِنا: إنَّ تعَلُّقَ الزَّكاةِ تعَلُّقُ شَرِكَةٍ أو رَهْنٍ. صرَّح به بعضُ المُتَأَخِّرين. قلت: تقدَّم ذلك فى الفائدةِ الثَّالثةِ قريبًا. ونزَّل أبو بَكْرٍ هذا على اخْتِلافِ الرِّوايتَيْن المَنْصُوصَتَيْن عن أحمدَ فى المرْأَة إذا وَهَبَتْ زَوْجَها مَهْرَها الذى لها في ذِمَّتِه، فهل تجِبُ زَكاتُه عليه أو عليها؟ قال: فإنْ صحَّحْنا هِبَةَ المَهْرِ جَمِيعِه، فعلَى المرأةِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إخْراجُ زَكاتِه مِن مالِها، وإنْ صحَّحْنا الهِبَةَ فيما عَدَا مِقْدارَ الزَّكاةِ، كان قَدْرُ الزَّكاةِ حقًّا للمَساكِينِ فى ذِمَّةِ الزَّوْجِ، فيَلْزَمُه أداؤُه إليهم، ويسْقُطُ عنه بالهِبَةِ ما عدَاه قال ابنُ رَجَبٍ: وهذا بِناءٌ غريبٌ جِدًّا. وعلى المذهبِ، لو باعَ النِّصابَ كلَّه، تَعَلَّقَتِ الزَّكاةُ بذِمَّتِه حِينَئذٍ، بغيرِ خِلافٍ، كما لو تَلِفَ. فإنْ عجَز عن أدائِها، فقال المَجْدُ: إنْ قُلْنا: الزَّكاةُ فى الذِّمَّةِ ابْتِداءً. لم يُفْسَخِ البَيْعُ. وإنْ قُلْنا: فى العَيْنِ. فُسِخَ البَيْعُ فى قَدْرِها، تقْدِيمًا لحَقِّ المَساكِينِ. وجزَم به فى «القَاعِدَةِ الرَّابعَةِ والعِشْرِين». وقال المُصَنِّفُ: تتَعَيَّنُ فى ذِمَّتِه، كسائرِ الدُّيونِ بكُل حالٍ ثم ذكَر احْتِمالًا بالفَسْخِ فى مِقْدارِ الزَّكاةِ مِن غيرِ بِناءٍ على مَحَلِّ التَّعَلُّقِ. ومِنَ الفَوائِدِ، إذا كان النِّصابُ غائبًا عن مالِكِه، لا يقْدِرُ على الإخْراجِ منه، لم يَلْزَمْه إخْراجُ زَكاتِه حتى يتَمكَّنَ مِنَ الأداءِ منه. نصَّ عليه. وصرَّح به المَجْدُ فى مَوْضِعٍ مِن «شَرْحِه» . ونصَّ أحمدُ فى مَن وجَب عليه زكاةُ مالٍ، فَأَقْرَضَه، لا يلْزَمُهْ أداءُ زَكاتِه حتى يَقْبِضَه. قال فى «القَواعِدِ»: ولَعَلَّه يرْجِعُ إلى أنَّ أداءَ الزَّكاةِ لا يجِبُ على الفَوْرِ. وقال القاضى، وابنُ عَقِيلٍ: يَلْزَمُه أداَءُ زَكاتِه قبلَ قَبْضِه؛ لأنَّه فى يَدِه حُكْمًا، ولهذا يتْلَفُ مِن ضَمانِه، بخِلافِ الدَّيْنِ فى ذِمَّةِ غَرِيمِه. وكذا ذكَرَه المَجْدُ فى مَوْضِع مِن «شَرْحِه». وأشارَ فى مَوْضِع إلى بِنَاء ذلك على محَلِّ الزَّكاةِ. فإنْ قُلْنا: الذِّمَّةُ. لَزِمَه الإِخْراجُ عنه مِن غَرِيمِه؛ لأنًّ زكاتَه لا تسْقُطُ بتَلَفِه، بخِلافِ الدَّيْنِ. وإنْ قُلْنا: العَيْنُ. لم يَلْزَمْه الإخْراجُ حتى يتَمَكَّنَ مِن قَبْضِه. وقال ابنُ تَميمٍ، وصاحِبُ «الفُروعِ»: ومَن كان له مالٌ غائِبٌ، وقُلْنا: الزَّكاةُ فى العَيْنِ. لم يَلْزَمْه الإخْراجُ عنه. وإنْ قُلْنا: فى الذِّمَّةِ. فوَجْهان. قال ابنُ رجَبٍ: والصَّحيحُ الأوَّلُ. وقال: ووُجوبُ الزَّكاةِ على الغائبِ إذا تَلِفَ قبلَ قَبْضِه، مُخالِفٌ لكلامِ أحمدَ. ومِنَ الفَوائدِ، ما تقدَّم على قَوْلٍ؛ وهو ما إذا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أخْرَجَ رب المالِ زكاةَ حقِّه مِن مالِ المُضارَبَةِ مِنه، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يُحْسَبُ ما أخْرَجَه مِن رَأْسِ المالِ ونَصِيبِه مِنَ الرِّبْحِ، كما تقدَّم. وقيل: يُحْسَبُ مِن نَصِيبِه مِنَ الرِّبْحِ خاصَّةً. اخْتارَه المُصَنِّفُ فى «المُغْنِى» (1). وقال فى «الكافِى» : هى مِن رَأْسِ المالِ. فبَعضُ الأصحابِ بنَى الخِلافَ على الخِلافِ فى محَلِّ التَّعلُّقِ .. فإنْ قُلْنا: الذِّمَّةُ. فهى مَحْسوبَةٌ مِنَ الأصْلِ والرِّبْحِ، كقَضاءِ الدُّيونِ. وإنْ قُلْنا: العَيْنُ. حُسِبَتْ مِنَ الرِّبْحِ، كالمُؤْنَةِ. قال ابنُ رَجَبٍ فى «الفَوائدِ»: ويُمْكِنُ أنْ يُبْنَى على هذا الأصْلِ أيضًا، الوَجْهان فى جَوازِ إخْراجِ المُضارِبِ زكاةَ حِصَّتِه مِن مالِ المُضارَبَةِ. فإنْ قُلْنا: الزَّكاةُ تتَعَلَّقُ بالعَيْنِ. فله الإِخْراجُ منه، وإلَّا فلا. قال: وفى كلامِ بعضِهم إيماءٌ إلى ذلك.
فائدة: قال فى «الفُروعِ» : النِّصابُ الزَّكَوِيُّ سبَبْ لوُجوبِ الزَّكاةِ، وكما يدْخُلُ فيه تَمامُ المِلْكِ، يدْخُلُ فيه مَن يجِبُ عليه. أو يُقالُ: الإِسْلامُ والحُرِّيَّةُ شَرْطان للسَّبَبِ، فعَدَمُهما مانِعٌ في صِحَّةِ السَّبَبِ وانْعِقادِه. وذكَر غيرُ واحدٍ هذه الأرْبَعَةَ شُروطًا للوُجوبِ كالحَوْلِ؛ فإنَّه شَرْطٌ للوُجوبِ بلا خِلافٍ، لا أَثرَ له فى السَّبَبِ. وأمَّا إمْكانُ الأداءِ، فشَرْطٌ للزُومِ الأداءِ. وعنه، للوُجوبِ. انتهى.
(1) انظر: المغنى 4/ 261.