المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌تابع الفصل الأول: في طبه صلى الله عليه وسلم لذوي الأمراض والعاهات - شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - جـ ١٠

[الزرقاني، محمد بن عبد الباقي]

الفصل: ‌تابع الفصل الأول: في طبه صلى الله عليه وسلم لذوي الأمراض والعاهات

‌المجلد العاشر

‌تابع المقصد الثامن: في طبه صلى الله عليه وسلم لذوي الأمراض والعاهات وتعبيره الرؤيا وإنبائه بالأنباء المغيبات

‌تابع الفصل الأول: في طبه صلى الله عليه وسلم لذوي الأمراض والعاهات

بسم الله الرحمن الرحيم

تابع المقصد الثامن: في طبه صلى الله عليه وسلم لذوي الأمراض والعاهات وتعبيره الرؤيا وإنبائه بالأنباء المغيبات

تابع الفصل الأول: في طبه صلى الله عليه وسلم لذوي الأمراض والعاهات

النوع الثالث: في طبه عليه الصلاة والسلام بالأدوية المركبة من الإلهية والطبيعية:

"ذكر طبه عليه الصلاة والسلام من القرحة والجرح وكل شكوى":

عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول للمريض: "بسم الله تربة أرضنا، وريقة بعضنا، يشفى سقيمنا".

وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول في الرقية: "بسم الله تربة أرضنا، وريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا". رواه البخاري.

وفي رواية مسلم: كان إذا اشتكى الإنسان، أو كانت به قرحة أو جرح قال بإصبعه هكذا، ووضع سفيان سبابته بالأرض، الحديث.

"النوع الثالث":

"في طبه عليه الصلاة والسلام بالأدوية المركبة من الإلهية والطبيعية: ذكر طبه عليه الصلاة والسلام من القرحة والجرح وكل شكوى" أي مرض، "عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول للمريض" بأي مرض كان:"بسم الله" هذه "تربة أرضنا" المدينة خاصة لبركتها، أو كل أرض "وريقة" بالواو، وفي رواية أبي ذر للبخاري ولغيره: بريقة "بالباء متعلقة بمحذوف خبر ثان""بعضنا يشفى سقيمنا".

زاد في رواية: غير أبي ذر بإذن ربنا، "وفي رواية: أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول في الرقية" للمريض "بسم الله، تربة أرضنا، وريقة بعضنا".

قال المجد: الريق بالكسر: الرضاب، وماء الفم والريقة أخص جمعه أرياق، "يشفى سقيمنا بإذن ربنا" رواه"، أي المذكور من الرواتين "البخاري" في الطب، الأولى عن شيخه ابن المديني، عن ابن عيينة، عن عبد ربه بن سعيد، عن عمر، عن عائشة، والثانية عن شيخه صدقة بن الفضل، عن ابن عيينة بإسناده المذكور.

"وفي رواية مسلم" عن شيخه ابن أبي عمر، عن سفيان عن عبد ربه، عن عمرة، عن عائشة:"كان إذا اشتكى الإنسان" ذكرا أو أنثى، "أو كانت به قرحة" واحدة القروح، "أو جرح، قال: بإصبعه" في موضع الحال من فاعل، قال:"هكذا، ووضع سفيان" بن عيينة راوي الحديث مبينا معنى الإشارة، بقوله: هكذا "سبابته بالأرض

الحديث" بقيته، ثم رفعها قال: "بسم الله"،

ص: 3

وقوله: "تربة أرضنا" خبر مبتدأ محذوف، أي هذه تربة أرضنا.

وقوله: "يشفى سقيمنا" ضبط بوجهين، بضم أوله على البناء للمجهول، وسقيمنا بالرفع، وبفتح أوله على أن الفاعل مقدر، وسقيمنا بالنصب على المفعولية.

قال النووي: معنى الحديث: أنه أخذ من ريق نفسه، على أصبعه السبابة، ثم وضعها على التراب فعلق بها شيء منه، ثم مسح به الموضع العليل أو الجرح قائلا الكلام المذكور في حالة المسح.

وقال القرطبي: زعم بعض علمائنا أن السر في أن تراب الأرض لبرودته ويبسه يبرئ الموضع الذي فيه الألم، ويمنع انصباب المواد إليه ليبسه، مع منفعته في تجفيف الجراح واندمالها. وقال في الريق: إنه يختص بالتحليل والإنضاج وإبراء الجرح والورم، ولا سيما من الصائم والجائع.

فذكره، إلا أنه ما كان ينبغي للمصنف حذف قوله: ثم رفعها، لأنه من تتمة ما بين سفيان بفعله معنى الإشارة، ولذا أتى الحافظ به، وقوله:"تربة أرضنا" خبر مبتدأ محذوف، أي هذه تربة أرضنا، وقوله:"يشفى سقيمنا ضبط"، "أي روي "بوجهين بضم أوله على البناء للمجهول، وسقيمنا بالرفع" نائب الفاعل، ويقدر فيه: بهما يشفى سقيمنا، "وبفتح أوله" وكسر الفاء، "على أن الفاعل مقدر" أي ضمير مستتر يعود على ما ذكر من التربة والريقة، "وسقيمنا بالنصب على المفعولية" وعزاها المصنف لرواية أبي ذر عن الكشميهني، وصدر بالأولى، فهي رواية الأكثر.

"قال النووي: معنى الحديث أنه أخذ من ريق نفسه على أصبعه السبابة، ثم وضعها على التراب، فعلق""بكسر اللام" لصق "بها شيء منه" أي التراب، "ثم مسح به الموضع العليل، أو الجرح" حالة كونه، "قائلا الكلام المذكور في حالة المسح"، فجمع بين الطب الإلهي والطبيعي، وفي الفتح قوله:"ريقة بعضنا" يدل على أنه كان يتفل عند الرقية.

"وقال القرطبي" أبو العباس في شرح مسلم: "زعم بعض علمائنا" يعني المازري: "أن السر فيه أن تراب الأرض لبرودته ويبسه يبرئ الموضع الذي فيه الألم، ويمنع انصباب المواد إليه ليبسه مع منفعته في تجفيف الجراح واندمالها" عبارة القرطبي: وإدمالها، واختصاص بعض الأرض بتحليل الأوجاع والأورام، هكذا في كلام المازري.

"وقال في الريق: إنه يختص بالتحليل والإنضاج وإبراء الجرح والورم، ولا سيما من الصائم والجائع"، وإن لم يكن صائما لبعد عهده بالأكل والشرب، وذلك بانفراده في الأجسام

ص: 4

وتعقبه القرطبي: بأن ذلك إنما يتم إذا وقعت المعالجة على قوانينها من مراعاة مقدار التراب والريق، وملازمة ذلك في أوقاته، وإلا فالنفث ووضع السبابة على الأرض إنما يعلق بها ما ليس له بال ولا أثر، وإنما هذا من باب التبرك بأسماء الله تعالى وآثار رسوله صلى الله عليه وسلم وأما وضع الأصبع بالأرض فلعله لخاصية في ذلك، أو لحكمة إخفاء آثار القدرة بمباشرة الأسباب المعتادة.

وقال البيضاوي: قد شهدت المباحث الطبية على أن للريق مدخلا في النضج وتعديل المزاج، وتراب الوطن له تأثير في حفظ المزاج ودفع الضرر، فقد ذكروا أنه ينبغي للمسافر أن يستصحب تراب أرضه إن عجز عن استصحاب مائها، حتى إذا ورد المياه المختلفة جعل شيئا منه في سقائه ليأمن مضرة ذلك، ثم إن الرقى والعزائم لها آثار عجيبة تتقاعد العقول عن الوصول إلى كنهها.

وقال التوربشتي: كأن المراد بالتربة الإشارة إلى النطفة، كأنه تضرع بلسان

الرخصة، وأما في القوية، فقد يضاف إليها في علاج الأورام الحطة الممضوغة وأشباهه من المحللات المنضجات، وخص ذلك بعضهم بأرض المدينة تبركا بتربتها لفضلها، والصواب ما ذكرناه، هذا كله كلام المازري.

"وتعقبه القرطبي: بأن ذلك إنما يتم إذا وقعت المعالجة على قوانينها من مراعاة مقدار التراب والريق وملازمة ذلك في أوقاته، وإلا فالنفث ووضع السبابة على الأرض إنما يعلق" بفتح اللام، أي يلصق "بها ما ليس له بال ولا أثر، وإنما هذا من باب التبرك بأسماء الله تعالى وآثار رسوله صلى الله عليه وسلم، وأما وضع الإصبع بالأرض فلعله لخاصية في ذلك، أو لحكمة إخفاء" إضافة بيانية، أي هي إخفاء "آثار القدرة بمباشرة الأسباب المعتادة".

"وقال البيضاوي" في شرح المصابيح: "قد شهدت المباحث الطبية على أن للريق مدخلا في النضج وتعديل المزاج، وتراب الوطن له تأثير في حفظ المزاج" الطبع الذي يتألف منه الجسد "ودفع الضرر" عنه، "فقد ذكروا أنه ينبغي للمسافر أن ستصحب تراب أرضه إن عجز عن استصحاب مائها" لبعد المسافة، "حتى إذا ورد المياه المختلفة جعل شيئا منه في سقائه" إنائه الذي يجعل فيه الماء "ليأمن من مضرة ذلك" الماء المختلف، "ثم إن الرقى والعزائم لها آثار عجيبة تتقاعد" أي تقتصر "العقول عن الوصول إلى كنهها، "أي حقيقتها.

"وقال التوربشتي" شارح المصابيح -بضم الفوقية ثم واو ساكنة ثم راء مكسورة ثم

ص: 5

الحال: إنك اخترعت الأصل الأول من التراب ثم أبدعته من ماء مهين، فهين عليك أن تشفي من كانت هذه نشأته.

وقال النووي: قيل المراد "بأرضنا" أرض المدينة لبركتها، و"بعضنا" ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم لشرف ريقه، فيكون ذلك مخصوصا بريقه وفيه نظر.

وفي حديث عائشة عند أبي داود والنسائي: أنه صلى الله عليه وسلم دخل على ثابت بن قيس بن شماس وهو مريض، فقال:"اكشف الباس رب الناس"، ثم أخذ ترابا من بطحان فجعله في قدح ثم نفث عليه، ثم صبه عليه، قال الحافظ ابن حجر: هذا الحديث تفرد به الشخص المرقي.

موحدة مكسورة ثم شين معجمة ساكنة ثم فوقية- نسبة إلى توربشت من شيراز، ذكره السبكي في الطبقات، قاله في اللب وضبط في السبل الراء بالفتح، ولعله سبق قلم:"كأن المراد بالتربة الإشارة" إلى فطرة آدم، والريقة الإشارة "إلى النطفة" التي خلق منها الإنسان، هذا لفظ التوربشتي، كما في الفتح وشرح المصنف للبخاري، فسقط ذلك من قلم المصنف، "كأنه تضرع بلسان الحال"، وتعرض بفحوى المقال، فقال:"إنك اخترعت الأصل الأول" آدم "من التراب ثم أبدعته"، لفظه: ثم أبدعت بنيه "من ماء مهين" ضعيف، "فهين عليك أن تشفي من كانت هذه نشأته" من الأمراض.

"وقال النووي: قيل المراد بأرضنا أرض المدينة لبركتها، وبعضنا ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم لشرف ريقه، فيكون ذلك مخصوصا بريقه" وتربة المدينة، "وفيه نظر" إذ لا دليل على التخصيص وإن نحا إليه الطيبي، فقال في شرح المشكاة إضافة تربة أرضنا، وريقة بعضنا تدل على الاختصاص، وأن تلك التربة والريقة مختصان بمكان شريف يتبرك به، بل بذي نفس شريفة، قدسية، طاهرة، زكية عن أوصاف الذنوب وأوساخ الآثام، فلما تبرك بسم الله الشافي، ونطق بها ضم إليها تلك التربة، ولريقة وسيلة إلى المطلوب، ويعضده أنه صلى الله عليه وسلم بزق في عين علي، فبرئ من الرمد، وفي بئر الحديبية، فامتلأ ماء.

"وفي حديث عائشة عند أبي داود والنسائي أنه صلى الله عليه وسلم دخل على ثابت بن قيس بن شماس""بفتح الشين المعجمة والميم الثقيلة وسين مهملة" الأنصاري، الخزرجي، خطيب الأنصار، من كبار الصحابة، بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، واستشهد باليمامة، فنفذت وصيته بمنام رآه خالد بن الوليد، قدمته قبل هذا الموضع، وهو مريض، فقال:"اكشف الباس" بغير همز للمواخاة، لقوله:"رب الناس"، "ثم أخذ ترابا من بطحان" بضم الموحدة، وحكي فتحها وسكون الطاء المهملة فيهما، وقيل: بفتح أوله وكسر الطاء" ونسب عياض الأول للمحدثين، والثالث للغويين واد بالمدينة، "فجعله في قدح، ثم نفث" تفل قليلا "عليه" أي الماء، "ثم صبه عليه" أي: على ثابت.

"قال الحافظ ابن حجر: هذا الحديث تفرد به الشخص المرقي" أي أنه اختص بفعله معه على هذه الصفة، وليس المراد تفرد بروايته؛ لأنه لم يروه، إنما روته عائشة كما ترى.

ص: 6

"ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من لدغة العقرب":

عن عبد الله بن مسعود قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إذ سجد فلدغته عقرب في إصبعه، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:"لعن الله العقرب، ما تدع نبيا ولا غيره"، ثم دعا بإناء فيه ماء وملح فجعل يضع موضع اللدغة في الماء والملح، ويقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} والمعوذتين حتى سكنت، رواه ابن أبي شيبة في مسنده.

وقال ابن عبد البر: رقى صلى الله عليه وسلم من العقرب بالمعوذتين، وكان يمسح الموضع

ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من لدغة العقرب:

بدال مهملة فغين معجمة، "عن عبد الله بن مسعود، قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، إذ سجد، فلدغته عقرب في إصبعه، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم" بعدما أتم صلاته، إذ هو اللائق بحاله وتحمله المشاق، وهذا الإمام مالك لدغته العقرب ست عشرة مرة في درس حديثه وما قطعه، فكيف بالمصطفى في صلاته، وقد جاء في حديث علي: فلما فرغ، أي من صلاته، قال:"لعن الله العقرب" أي طرده عن الرحمة "ما تدع نبيا ولا غيره" زاد في حديث علي: "إلا لدغتهم" وهذا تعجب منها، لأن كثيرا من الحيوان يخلق فيه قوة تمييز، فمقتضى الأمر أنها لا تلدغ الأنبياء.

وفي حديث عائشة عند ابن ماجه: "لعن الله العقرب ما تدع المصلي وغير المصلي، اقتلوها في الحل والحرم".

وروى أبو يعلى عن عائشة: كان صلى الله عليه وسلم لا يرى بقتلها في الصلاة بأسا، "ثم دعا بإناء فيه ماء وملح، فجعل يضع موضع اللدغة في الماء والملح"، ويقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] ، "والمعوذتين حتى سكنت" اللدغة، أي ألمها، "رواه ابن أبي شيبة في مسنده"، ورواه البيهقي والطبراني في الصغير بإسناد حسن عن علي بنحوه، لكنه قال: ثم دعا بماء وملح ومسح عليهما، وقرأ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] والمعوذتين، "و" لذا "قال ابن عبد البر: قى صلى الله عليه وسلم نفسه لما لدغ "من العقرب بالمعوذتين، وكان يمسح الموضع" الذي

ص: 7

بماء فيه ملح.

وهذا طب مركب من الطبيعي والإلهي، فإن سورة الإخلاص قد جمعت الأصول الثلاثة التي هي مجامع التوحيد، وفي المعوذتين الاستعاذة من كل مكروه جملة وتفصيلا. ولهذا أوصى صلى الله عليه وسلم عقبة بن عامر أن يقرأ بهما عقب كل صلاة. رواه الترمذي.

وفي هذا سر عظيم في استدفاع الشرور من الصلاة إلى الصلاة الأخرى التي تليها. وقال: "ما تعوذ المتعوذون بمثلهما".

وأما الماء والملح فهو الطب الطبيعي، فإن في الملح نفعا كثيرا من السموم ولا سيما لدغة العقرب، وفيه من القوة الجاذبة المحللة ما يجذب السموم ويحللها من البدن، ولما كان في لسعها قوة نارية تحتاج إلى تبريد وجذب استعمل صلى الله عليه وسلم الماء والملح لذلك.

لدغ "بماء فيه ملح" كما في حديث علي، فليست الرقيا لغيره، "وهذا طب مركب من الطبيعي والإلهي، فإن سورة الإخلاص قد جمعت الأصول الثلاثة لتي هي مجامع التوحيد"، وهي توحده في ذاته وصفاته، فلا تعدد له بحيث يكون معه إله، ولا رتكب في ذاته، لأنه من عوارض الجسم وهو محال عليه، وصمديته، أي كونه مقصودا لجميع الخلق في حوائجهم، ومستغنيا عما سواه، {إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} ، وقدمه وبقاؤه، فلم يسبق بعدم بحيث يكون متولدا عن غيره، ولا يلحقه الفناء، فلا يحتاج إلى من يخلف عنه، فهو موجود أزلا وأبدا.

"وفي المعوذتين: الاستعاذة من كل مكروه جملة وتفصيلا"، تقدم بيان ذلك في النوع الأول، "ولهذا أوصى صلى الله عليه وسلم عقبة بن عامر" الجهني، الصحابي، الفقيه، الفاضل، مات قرب الستين "أن يقرأ بهما عقب كل صلاة، رواه الترمذي" عن عقبة، "وفي هذا" أي أمره المذكور "سر عظيم في استدفاع الشرور من الصلاة إلى الصلاة الأخرى التي تليها"، وظاهره، ولو حصل له عذر، كنوم منعه من الصلاة أياما، ولا مانع من ذلك، كذا قال شيخنا.

"وقال" صلى الله عليه وسلم: "ما تعوذ" أي: اعتصم "المتعوذون بمثلهما". "وأما الماء والملح، فهو الطب الطبيعي، فإن في الملح نفعا كثيرا من السموم، ولا سيما لدغة العقرب".

قال ابن سينا: يتضمد به مع بزر الكتان للسعة العقرب، "وفيه من القوة الجاذبة المحللة ما يجذب السموم ويحللها من البدن، ولما كان في لسعها" بمهملتين "قوة نارية تحتاج إلى تبريد وجذب استعمل صلى الله عليه وسلم الماء والملح لذلك" تنبيها على أن علاج السميات بالتبريد والجذب.

وفي البخاري عن عائشة: رخص صلى الله عليه وسلم في الرقية من كل ذي حمة "بضم ففتح مخففا"، أي ذي سموم.

وفي السنن عن أبي هريرة: جاء رجل فقال: يا رسول الله ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة، فقال صلى الله عليه وسلم:"أما إنك لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضرك إن شاء الله".

وفي التمهيد عن سعيد بن المسيب قال: بلغني أن من قال حين يمسي: سلام على نوح في العالمين لم يلدغه عقرب، وفي تفسير القشيري عن بعض التفاسير: أن الحية والعقرب أتيا نوحا، فقالتا: احملنا، فقال: لا أحملكما، لأنكما سبب الضرر، فقالتا احملنا ونحن نضمن لك أن لا نضر أحدًا ذكرك.

ص: 8

"ذكر الطب من النملة":

وهي بفتح النون وإسكان الميم، قروح تخرج في الجنب، وسمي نملة لأن صاحبه يحس في مكانه كأن نملة تدب عليه وتعضه.

وفي حديث مسلم عن أنس أنه صلى الله عليه وسلم رخص في الرقية من الحمة والعين والنملة.

ذكر الطب من النملة:

"وهي بفتح النون وإسكان الميم قروح تخرج في الجنب" وقد تكون على غيره، قال ابن قتيبة وغيره: زعمت المجوس أن ولد الرجل من أخته إذا خط على الرمل شفي صاحبها، وفيه قال الشاعر:

ولا عيب فينا غير عرف لمعشر

كرام وأنا لا نخط على الرمل

والنملة أيضا التميمة، وحكى الهروي: فيها الضم، والنملة بالكسر المشية المتقاربة، قاله عياض. "وسمي" هذا المرض "نملة؛ لأن صاحبه يحس" بضم الياء وكسر الحاء من أحس الشيء علم به، وبفتح الياء وضم الحاء من حس، كنصر لغة "في مكانه، كأن نملة تدب""بكسر الدال" تسير "عليه وتعضه""بفتح العين" في الأكثر، وحكى ابن القطاع ضمها.

"وفي حديث مسلم عن أنس: أنه صلى الله عليه وسلم رخص في الرقية من الحمة" بضم المهملة وخفة الميم" أي ذوات السموم، "والعين والنملة" أي أذن فيها بعد النهي عنها، كما أشعر به قوله: رخص لأنه صلى الله عليه وسلم كان نهى عن الرقى لما عسى أن يكون فيها من ألفاظ الجاهلية، ثم

ص: 9

وروى الخلال أن الشفاء بنت عبد الله كانت ترقي في الجاهلية من النملة، فلما هاجرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكانت قد بايعته بمكة قالت: يا رسول الله إني كنت أرقي في الجاهلية من النملة، فأريد أن أعرضها عليك، فعرضتها عليه، فقالت: بسم الله ضلت حتى تعود من أفواهها ولا تضر أحدا، اللهم اكشف الباس رب الناس. قال: ترقي بها على عود سبع مرات، وتقصد مكانا نظيفا وتدلكه على حجر بخل خمر حاذق وتطليه على النملة.

رخص لهم فيها إذا عريت عن ذلك.

"وروى الخلال""بالخاء المعجمة وشد اللام""أن الشفاء""بكسر المعجمة وفاء خفيفة، والمد" عند ابن الأثير في الجامع، والقصر عند ابن نقطة، ورجح "بنت عبد الله" بن عبد شمس، القرشية، العدوية، قيل: اسمها ليلى أسلمت قبل الهجرة وبايعت، وهي من المهاجرات الأول وعقلاء النساء وفضلائهن وكان صلى الله عليه وسلم يزورها ويقيل عندها في بيتها، واتخذت له فراشا وإزارا ينام فيه، فلم يزل ذلك عند ولدها حتى أخذه منهم مروان وهي أم سليمان بن أبي حثمة، ولها أحاديث "كانت ترقي في الجاهلية من النملة، فلما هاجرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم" بعد هجرته بقليل، "وكانت قد بايعته بمكة" على الإسلام، "قالت: يا رسول الله إني كنت أرقي في الجاهلية من النملة، فأريد أن أعرضها عليك".

زاد في رواية ابن منده، قال:"فاعرضيها". "فعرضتها عليه" بسكون التاء لا بضمها لقوله: "فقالت": أهو بضمها، وقولها: فقالت التفات، ويؤيده رواية ابن منده قالت: فعرضتها عليه، فقال:"ارقي بها وعلميها حفصة"، وهذه بضم التاء قطعا "بسم الله ضلت" النملة بضاد معجمة أي تاهت عن طريق قصدها "حتى تعود" ترجع "من أفواهها ولا تضر أحدا، اللهم اكشف الباس رب الناس، قال: ترقي بها" لعل هذا إخبار من الراوي عن صفة فعلها وحذف النون منه ومن تقصد؛ لأنه إخبار عن فعل المؤنثة الغائبة "على عود" زاد في رواية أبي نعيم: كريم ولعل معناه اهر نظيف "سبع مرات، وتقصد مكانا نظيفا وتدلكه على حجر بخل خمر حاذق وتطليه""بفتح التاء وكسر اللام""على النملة"، وهذا الحديث أخرجه أبو نعيم من حديث الشفاء بتمامه، ومن قبله ابن منده، إلى قوله: ترقي ورويا أيضا عنها، قالت: دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا قاعدة عند حفصة، فقال:"ما عليك أن تعلمي هذه رقية النملة كما علمتها الكتابة".

ص: 10

"ذكر طبه عليه الصلاة والسلام من البثرة":

روى النسائي عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لها: "عندك ذريرة؟ " فقلت: نعم، فدعا بها فوضعها على بثرة بين أصبعين من أصابع رجله، ثم قال:"اللهم مطفئ الكبير، ومكبر الصغير، أطفئها عني". فطفئت.

ذكر طبه عليه الصلاة والسلام من البثرة:

بموحدة ومثلثة، أي الخراج الصغير. "روى النسائي" من طريق عبد الله بن زيد الجرمي "عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم" هي عائشة كما في التقريب:"أنه قال لها": "عندك" بتقدير همزة الاستفهام، أي: أعندك "ذريرة". "بذال معجمة مفتوحة وراء مكسورة، فتحتية ساكنة، فراء، فهاء": نوع من الطيب معروف، كما في مقدمة الفتح.

قال الزمخشري: هي فتات قصب الطيب، وهو قصب يؤتى به من الهند، كقصب النشاب، زاد الصفاني: وأنبوبه محشوه من شيء أبيض مثل نسج العنكبوت، ومسحوقة عطر إلى الصفرة والبياض، "فقلت: نعم" عندي، "فدعا بها"، أي طلبها، "فوضعها على بثرة بين أصبعين من أصابع رجله، ثم قال:"اللهم مطفئ الكبير". "بطاء مهملة، ففاء" أي: مذهبه استعارة من أطفأت النار إذا أخمدتها، "ومكبر الصغير أطفئها" أخمدها وأذهبها "عني". "فطفئت" خمدت وذهبت.

ص: 11

"ذكر طبه عليه الصلاة والسلام من حرق النار":

روى النسائي عن محمد بن حاطب قال: تناولت قدرا، فأصاب كفي من مائها، فاحترق ظهر كفي، فانطلقت بي أمي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:"أذهب الباس رب الناس"، وأحسبه قال: و "اشف أنت الشافي" ويتفل.

ذكر طبه عليه الصلاة والسلام من حرق النار:

"روى النسائي عن محمد بن حاطب" بن الحارث بن معمرة القرشي، الجمحي، صحابي صغير ولد قبل أن يصلوا إلى الحبشة، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أمه، وعن علي، ومات سنة أربع وسبعين، وقيل: سنة ست وثمانين وأبوه صحابي، مات بالحبشة، فقدمت به أمه المدينة مع أهل السفينة، "قال: تناولت قدرا" "بكسر القاف مؤنثة" وقيل: يذكر ويؤنث، "فأصاب كفي من مائها، فاحترق ظهر كفي، فانطلقت بي أمي" هي أم جميل، بفتح الجيم بنت المجلل "بجيم ولامين" القرشية، العامرية، من السابقات إلى الإسلام، وبايعت وهاجرت إلى الحبشة الهجرة الثانية.

روى الإمام أحمد عن محمد بن حاطب، عن أمه أم جميل بنت المجلل، قالت: أقبلت بك من الحبشة حتى إذا كنت من المدينة على ليلة أو ليلتين طبخت طبيخا، ففني الحطب، فذهبت أطلبه، فتناولت القدر، فانكفأت على ذراعك، فذهبت بك "إلى النبي صلى الله عليه وسلم"، فقلت: يا رسول الله هذا محمد بن حاطب، وهو أول من سمي باسمك، وقد أصابه هذا الحرق، قالت: فمسح على رأسك، وتفل في فيك، ودعا لك بالبركة، فقال:"أذهب الباس رب الناس". "وأحسبه" أي أظنه "قال: "واشف أنت الشافي"، ويتفل" على موضع الحرق، والجملة حالية، أي: فقال ذلك، والحال أنه يتفل، وفي نسخة: وتفل، أي فقال، وتفل.

ص: 11

"ذكر طبه صلى الله عليه وسلم بالحمية":

وهي قسمان: حمية عما يجلب المرض، وحمية عما يزيده فيقف على حاله.

فالأولى: حمية الأصحاء.

والثانية: حمية المرضى، فإن المريض إذا احتمى وقف مرضه عن الزائد، وأخذت القوى في دفعه.

والأصل في الحمية قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} إلى قوله: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] فحمى المريض من استعمال الماء

ذكر طبه صلى الله عليه وسلم بالحمية:

بكسر الحاء وسكون الميم، أي المنع من تناول ما يضر، "وهي قسمان: حمية عما يجلب المريض" قبل أن يأتي "وحمية عما يزيده فيقف على حاله، فالأولى حمية الأصحاء، والثانية حمية المرضى، فإن المريض إذا احتمى وقف مرضه عن الزائد" أي زيادته، "وأخذت" "بمعجمتين ففوقية" أي شرعت "القوى في دفعه" وإن قرئ: أحدث "بمهملتين فمثلثة" فمعناه: أحدث القوى شيئا، أي سببا في دفعه، ولم يذكر أن من أنواع الحمية ما يكون سببا لإزالة المرض إلا أن يؤخذ من هذا، لأنه يترتب على الحمية المانعة من زيادة المرض زواله، لكن من نفس القوى لا من خصوص الحمية، على أنه قد يقال: إنهم لا يكتفون في دفع المرض بمجرد الحمية، بل يستعملون معها أدوية لإزالته، فلذا لم يذكره.

"والأصل في الحمية قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} ، إلى قوله: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] ، فحمى المريض، أي: منعه "من استعمال الماء؛ لأنه

ص: 12

لأنه يضره، كما وقعت الإشارة لذلك في أوائل هذا المقصد.

وقد قال بعض فضلاء الأطباء: رأس الطب الحمية.

والحمية للصحيح عندهم في المضرة بمنزلة التخليط للمريض والناقه، وأنفع ما تكون الحمية للناقه من المرض، لأن التخليط يوجب الانتكاس، والانتكاس أصعب من ابتداء المرض.

والفاكهة تضر بالناقه من المرض، لسرعة استحالتها وضعف الطبيعة عن دفعها لعدم القوة، وفي سنن ابن ماجه عن صهيب قال: قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم وبين يديه خبز وتمر، فقال:"ادن وكل". فأخذت تمرا فأكلت، فقال:"أتأكل تمرا وبك رمد"؟. فقلت: يا رسول الله أمضغ من الناحية الأخرى، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ففيه الإشارة إلى الحمية وعدم التخليط، وأن الرمد يضر به التمر.

يضره، كما وقعت الإشارة لذلك في أوائل هذا المقصد"، وأنه تنبيه على الحمية من كل مؤذ له من داخل أو خارج.

"وقد قال بعض فضلاء الأطباء: رأس الطب الحمية، والحمية للصحيح عندهم" أي الأطباء "في المضرة بمنزلة التخليط للمريض والناقه" بالنون والقاف، أي الذي برئ من المرض، لكنه في عقبه، والمراد الحمية المطلقة للصحيح عن كل شيء ولو وافق مزاجه، فلا ينافي قوله أولا "حمية الأصحاء""وأنفع ما تكون الحمية للناقه من المرض؛ لأن التخليط يوجب الانتكاس" أي معاودة المرض، "والانتكاس أصعب من ابتداء المرض"؛ لأنه يأتي على قوة، والانتكاس يأتي على ضعف، "والفاكهة تضر""بضم الفوقية وكسر الضاد""بالناقه من المرض، لسرعة استحالتها وضعف الطبيعة عن دفعها لعدم القوة".

"وفي سنن ابن ماجه، عن صهيب" بن سنان الرومي، "قال: قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم وبين يديه خبز وتمر"، فقال: "ادن وكل"، فأخذت تمرا فأكلت، فقال: "أتأكل تمرا وبك رمد؟ " استفهام وتوبيخ، وأمره بالأكل صادق بالخبز أو علم أنه لا يضره أكل التمر، وإنما قصد المباسطة بالاسفهام، "فقلت: يا رسول لله أمضغ من الناحية الأخرى" أي ناحية العين التي لا رمد فيها، لأنه كان بإحدى عينيه، "فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم" تعجبا؛ لأنه لا يفيده المضغ من تلك الناحية في دفع ضرره إن كان يضره، وهذا الحديث بعزوه قدمه المصنف في النوع الثاني استدلالا على طبه للمرض، وأعاده هنا لقوله: "ففيه الإشارة إلى الحمية وعدم التخليط، وأن الرمد يضر به

ص: 13

وعن أم المنذر بنت قيس الأنصارية قالت: دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه علي، وهو ناقه من مرض، ولنا دوال معلقة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل منها، وقام علي يأكل منها، فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يقول لعلي:"إنك ناقه"، حتى كف. قالت: وصنعت شعيرا وسلقا فجئت به فقال صلى الله عليه وسلم لعلي: "من هذا فأصب فإنه أنفع لك"، رواه ابن ماجه.

وإنما منعه صلى الله عليه وسلم من أكله من الدوالي لأن في الفاكهة نوع ثقل على المعدة، ولم يمنعه من السلق والشعير لأنه من أنفع الأغذية للناقه، ففي ماء الشعير التغذية والتلطيف والتليين وتقوية الطبيعة.

فالحمية من أكبر الأدوية للناقه قبل زوال الداء لكي تمنع تزايده وانتشاره.

وقال ابن القيم: ومما ينبغي أن يعلم أن كثيرا مما يحمى منه العليل والناقه والصحيح إذا اشتدت الشهوة إليه، ومالت إليه الطبيعة، فتناول منه الشيء اليسير الذي لا تعجز الطبيعة عن هضمه لم يضره تناوله، بل ربما انتفع به، فإن الطبيعة والمعدة تتلقيانه بالقبول والمحبة، فيصلحان ما يخشى من ضرره، وقد يكون أنفع

التمر" لحرارته، فيقوى الرمد، "وعن أم المنذر بنت قيس" بن عمرو "الأنصارية" من بني النجار، يقال اسمها سلمى، وضعفه في الإصابة، "قالت: دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه علي" ابن عمه، "وهو ناقه من مرض" كان به، "ولنا دوال" أشجر عنب "معلقة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل منها، وقام علي يأكل منها، فطفق"، أي شر "النبي صلى الله عليه وسلم يقول لعلي: "إنك ناقه" حتى كف" عن الأكل، "قالت" أم المنذر: "وصنعت شعيرا وسلقا" "بكسر السين وإسكان اللام "بقل معروف، فجئت به، فقال صلى الله عليه وسلم لعلي: "من هذا فأصب، فإنه أنفع لك" ، وفي رواية أبي داود: فإنه أوفق لك، "رواه ابن ماجه" وأبو داود والترمذي، وقال: حسن غريب، "وإنما منعه صلى الله عليه وسلم من أكله من الدوالي، لأن في الفاكهة نوع ثقل على المعدة" فلا تتحمله معدة الناقه، "ولم يمنعه من السلق والشعير؛ لأنه من أنفع الأغذية للناقة، ففي ماء الشعير التغذية والتلطيف والتليين وتقوية الطبيعة"، والسلق يجلو ويحلل ويلين ويفتح السدد ويسر النفس، "فالحمية من أكبر الأدوية للناقه قبل زوال الداء" عنه، "لكي تمنع تزايده وانتشاره" فيه.

"وقال ابن القيم: ومما ينبغي أن يعلم أن كثيرا مما يحمى منه العليل والناقه والصحيح إذا اشتدت الشهوة إليه ومالت إليه الطبيعة، فتناول منه الشيء اليسير الذي لا تعجز الطبيعة عن هضمه،" أي دفعه "لم يضره تناوله، بل ربما انتفع به، فإن الطبيعة والمعدة

ص: 14

من تناول ما تكرهه الطبيعة وتدفعه من الدواء، ولهذا أقر النبي صلى الله عليه وسلم صهيبا وهو أرمد على تناول التمرات اليسيرة وعلم أنها لا تضره. ففي هذا الحديث -يعني حديث صهيب- سر طبي لطيف، فإن المريض إذا تناول ما يشتهيه عن جوع صادق وكان فيه ضرر ما، كان أنفع وأقل ضررا مما لا يشتهيه وإن كان نافعا في نفسه. فإن صدق شهوته ومحبة الطبيعة له تدفع ضرره، وكذلك العكس.

تتلقيانه بالقبول" "بفتح القاف وضمها لغة" "والمحبة، فيصلحان ما يخشى من ضرره، وقد يكون أنفع من تناول ما تكرهه الطبيعة وتدفعه من الدواء" وهذا معلوم بالمشاهدة، "ولهذ أقر النبي صلى الله عليه وسلم صهيبا، وهو أرمد على تناول"، أي: أكل "التمرات اليسيرة، وعلم أنها لا تضره" لاشتداد شهوته إليها.

"ففي هذا الحديث يعني حديث صهيب سر طبي لطيف، فإن المريض إذا تناول ما يشتهيه عن جوع صادق، وكان فيه ضرر ما، أي: قليل، "كان أنفع وأقل ضررا مما لا يشتهيه، وإن كان نافعا في نفسه، فإن صدق شهوته ومحبة الطبيعة له تدفع ضرره، وكذلك بالعكس" وبهذا التوجيه الوجيه علم أنه لا حاجة إلى قول من قال:"هذا مبني على التوكل، وأنه تعالى هو الشافي، وقد روى ابن ماجه عن ابن عباس، قال: عاد النبي صلى الله عليه وسلم رجلا، فقال: "ما تشتهي"، قال: خبز بر، فقال: "من كان عنده خبز بر فليبعث إلى أخيه" ثم قال: "إذا اشتهى مريض أحدكم شيئا فليطعمه".

ص: 15

"ذكر حمية المريض من الماء":

عن قتادة بن النعمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أحب الله العبد حماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء". قال الترمذي: حديث حسن غريب.

ذكر حمية المريض من الماء:

"عن قتادة بن النعمان" بن زيد بن عامر الأنصاري الظفري "بمعجمة وفاء مفتوحتين"، شهد بدرا ومات سنة ثلاث وعشرين على الصحيح، "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم" قال:"إذا أحب الله العبد"، وفي رواية:"عبدا" بالتنكير "أحماه" وفي رواية: "حماه" بدون ألف، أي منعه "الدنيا" أي حال بينه وبين شهواتها، ووقاه أن يتلوث بزهرتها؛ لئلا يمرض قلبه بداء محبتها وممارستها، ويألفها ويكره الآخرة، "كما يظل" أي يستمر "أحدكم يحمي" يمنع "سقيمه الماء" أي شربه إذا كان يضره، فهو سبحانه يزوي الدنيا عمن أحبه حتى لا يتدنس بها وبقذارتها، ولا يشرق بغصصها، كيف وهي للكبار مؤذية، وللخواص داعية، وللعارفين شاغلة، وللمريدين حائلة، ولعامة

ص: 15

وروى الحميدي مرفوعا: "لو أن الناس أقلوا من شرب الماء لاستقامت أبدانهم".

وللطبراني في الأوسط عن أبي سعيد مرفوعا: "من شرب الماء على الريق انتقصت قوته". وفيه محمد بن مخلد الرعيني، وهو ضعيف.

المؤمنين قاطعة، والله لأوليائه ناصر ولهم منها حافظ، وإن أرادوها.

"قال الترمذي" بعد أن رواه: "حديث حسن غريب"، ورواه الحاكم وصححه، وأقره الذهبي، "وروى الحميدي مرفوعا:"لو أن الناس" حتى الأصحاء "أقلوا من شرب الماء لاستقامت أبدانهم" صلحت وحسنت، وللماء حالة مشهورة في الحماية عند الأطباء، بل هو منهي عنه للصحيح أيضا إلا بأقل ممكن، فإنه يبلد الخاطر ويضعف المعدة، فلذا نبه على التقلل منه.

"وللطبراني في الأوسط عن أبي سعيد" الخدري سعد بن مالك بن سنان، مرفوعا:"من شرب الماء على الريق انتقصت" لغة في نقصت "قوته" أي: ذهب منها شيء، "وفيه محمد بن مخلد الرعيني" بضم الراء وعين مهملة ونون" نسبة إلى ذي رعين من أقيال اليمن، "وهو ضعيف" لكن ليس هذا من أحاديث الأحكام.

ص: 16

"ذكر طبه صلى الله عليه وسلم بالحمية من الماء المشمس خوف البرص":

روى الدارقطني عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لا تغتسلوا بالماء المشمس فإنه يورث البرص.

وروى الدارقطني هذا المعنى مرفوعا من حديث عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ضعيف.

ذكر طبه:

وفي نسخة: أمره "صلى الله عليه وسلم بالحمية من الماء المشمس خوف البرص"، أي ما سخنته الشمس.

"روى الدارقطني" بإسناد صحيح "عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: لا تغتسلوا بالماء المشمس، فإنه يورث البرص،" لأن الشمس بحدتها تفصل منه زهومة تعلو الماء كالهباء، فإذا لاقت البدن بسخونتها قبضت على مسام الشعر، فيحدث منها البرص، والظاهر أن عمر قاله توقيفا إذ لا مجال للرأي فيه، قاله في الإيعاب.

"وروى الدارقطني هذا المعنى مرفوعا من حديث عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو" أي عامر الذي في سنده "ضعيف"، فلا حجة فيه، لكن تأيد بخبر عمر الموقوف عليه، ولفظ

ص: 16

وكذا خرج العقيلي نحوه عن أنس بن مالك، ورواه الشافعي عن عمر.

فعلى هذا يكره استعمال الماء المشمس شرعا خوف البرص، لكنهم اشترطوا شروطا: أن يكون في البلاد الحارة، والأوقات الحارة دون الباردة، وفي الأواني المنطبعة على الأصح دون الحجر والخشب ونحوهما، واستثنى النقدان لصفائهما. وقال الجويني بالتسوية، حكاه ابن الصلاح. ولا يكره المشمس في الحياض والبرك قطعا، وأن يكون الاستعمال في البدن لا في الثوب، وأن يكون مستعملا حال حرارته، فلو برد زالت الكراهة في الأصح في الروضة وصحح في الشرح الصغير عدم الزوال. واشترط صاحب التهذيب -كما قاله الجبلي- أن يكون

الحديث عند الدارقطني وأبي نعيم، عن عائشة أنها سخنت للنبي صلى الله عليه وسلم، ماء في الشمس، فقال:"لا تفعلي يا حميراء، فإنه يورث البرص".

"وكذا خرج العقيلي نحوه عن أنس بن مالك، ورواه الشافعي عن عمر" بن الخطاب موقوفا عليه، كرواية الدارقطني المبدأ بها، "فعلى هذا يكره" تنزيها "استعمال الماء المشمس، شرعا" لا طبا "خوف البرص، لكنهم"، أي القائلين بالكراهية "اشترطوا شروطا أن يكون" استعمال ذلك "في البلاد والأوقات الحارة" كالحجاز في الصيف "دون الباردة" كالشام والحجاز في الشتاء "و" أن يكون التشميس "في الأواني المنطبعة" أي التي تقبل الطبع، بأن تتأثر وتمتد تحت المطرقة في يد الصائغ، كحديد ونحاس "على الأصح دون الحجر والخشب، ونحوهما" الخزف والجلود لانتفاء الزهومة المتولد عنها برص، "واستنثى النقدان" أي أخرج المتقدمون، وجرى عليه في أصل الروضة من ذلك الذهب والفضة "لصفائهما" أي صفاء جوهرهما، فلا ينفصل عنهما شيء.

"وقال الجويني بالتسوية" بين النقدين وغيرهما في الكراهة "حكاه ابن الصلاح" وغيره، والمعتمد الأول، "ولا يكره المشمس في الحياض والبرك قطع" لفقد العلة، "وأن يكون الاستعمال في البدن"، اغتسالا، أو وضوءا أو شربا "لا في الثوب"، فلا يكره لبسه إذا غسل بماء مشمس قال في الإيعاب: إلا إن مس البدن، وهو رطب أخذا من قول الاستقصاء: لا معنى لاختصاصه بالبدن دون الثوب الذي هو لابسه، لأنه يصل أثر للبدن في حال لبسه رطبا، أو مع العرق. انتهى.

"وأن يكون" المشمس "مستعملا حال حرارته، فلو برد" بفتح الراء وضمها" قال المجد: كنصر وكرم، أي زالت حرارته، "زالت الكراهة في الأصح" عند النووي "في الروضة، وصحح" الرافعي "في الشرح الصغير" على وجيز الغزالي "عدم الزوال" لأن العلة انفصال شيء

ص: 17

رأس الإناء منسدا لتنجس الحرارة، وفي شرح المهذب أنها شرعية يثاب تاركها وقال في شرح التنبيه: إن اعتبرنا القصد فشرعية وإلا فإرشادية، وإذا قلنا بالكراهة فكراهة تنزيه لا تمنع صحة الطهارة. وقال الطبري: إن خاف الأذى حرم، وقال ابن عبد السلام: لو لم يجد غيره وجب استعماله، واختار النووي في الروضة عدم الكراهة مطلقا، وحكاه الروياني في البحر عن النص.

من أجزاء الإناء المورثة للبرص باقية، ورد بأن محل كونها تورثه إذا استعمل حارا، فإن زالت فلا قوة لها على الوصول للمسام، فلا يخاف منها تولد برص، كما شهدت بذلك قواعد الطب أنه إذا برد زال ضرره "واشترط صاحب التهذيب، كما قاله الجبلي""بجيم وتحتية""أن يكون رأس الإناء" أي أعلاه وفمه "منسدا" أي مغطى "لتنحبس الحرارة" فإن كان مكشوفا لم يكره لعدم انحباسها، والراجح عدم اشتراط ذلك، بل قال في نهاية المحتاج: يكره إذا كان الإناء مغطى حيث أثرت فيه الشمس السخونة، بحيث تنفصل من الإناء أجزاء سمية تؤثر في البدن، لا مجرد انتقاله من حالة إلى أخرى، وإن كان المكشوف أشد كراهة لشدة تأثيرها فيه.

"وفي شرح المهذب" للنووي نقلا عن الأصحاب. ورجحه: "أنها" أي كراهة المشمس "شرعية يثاب تاركها" ولا يعاقب فاعلها، خلافا لما اختاره ابن الصلاح، تبعا للغزالي أنها إرشادية لمصلحة دنيوية، لا يتعلق بتركها الثواب، كالأمر بالإشهاد عند التبايع.

"وقال" النووي "في شرح التنبيه: إن اعتبرنا القصد"، أي إن قصد تارك امتثال نهي الشارع "فشرعية، وإلا" يقصد ذلك، بل خاف ضرره، "فإرشادية" لا ثواب فيها، قال السبكي: التحقيق إن فاعل الإرشاد لمجرد غرضه لا يثاب، ولمجرد الامتثال يثاب، ولهما يثاب ثوابا أنقص من ثواب من محض قصد الامتثال، "وإذا قلنا بالكراهة، فكراهة تنزيه لا تمنع صحة الطهارة" بل تصح به اتفاقا، لأن كراهته ليست ذاتية.

"وقال الطبري: إن خاف الأذى" منه بتجربة من نفسه، أو إخبار طبيب عارف "حرم" عليه استعماله.

"وقال" عز الدين "بن عبد السلام: لو لم يجد غيره وجب استعماله"؛ لأنه قادر على طهور بيقين، وضرر استعماله غير محقق ولا مظنون، إلا في جنسه على ندور، فلا يباح له التيمم مع وجوده إلا لخوف ضرر، كالتيمم فيجوز.

"واختار النووي في الروضة" من حيث الدليل لا المذهب "عدم الكراهة مطلقا" وإن وجدت فيه الشروط، وقال في تنقيحه: إنه الأصح، وفي مجموعه: إن الصواب الموافق للدليل، ولنص الأم حيث قال فيها: لا أكرهه إلا أن يكون من جهة الطب.

قال الرافعي: أي أكرهه شرعا حيث يقتضي الطب محذور فيه، "وحكاه الروياني في البحر عن النص"، أي نص الإمام الشافعي، وإليه ذهب أكثر العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة، لكن اختار المتأخرون من المالكية، كالقاضي سند كراهته بالشروط، وأنها شرعية، والله أعلم.

ص: 18

"ذكر الحمية من طعام البخلاء":

عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"طعام البخيل داء وطعام الأسخياء شفاء". رواه التنيسي عن مالك في غير الموطأ، كما ذكره عبد الحق في الأحكام.

ذكر الحمية من طعام البخلاء:

جمع بخيل، وهو لغة: منع السائل مما يفضل عنه، وشرعا: منع الواجب، "عند عبد الله بن عمر" بن الخطاب "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"طعام البخيل" أعم من اللغوي والشرعي "داء" لأنه يطعم الضيف مع ثقل وتضجر وعدم طيب نفس، ولذا قيل: إنه يظلم القلب، "وطعام الأسخياء" جمع سخي، وهو الجواد الكريم "شفاء" وفي رواية:"دواء" وعبر بالمفرد في البخيل إشارة إلى حقارة البخل وأهله، وأنهم وإن كثروا فهم في الحقارة، وعدم النظر إليهم كالعدم، وفي الثاني بالجمع إشارة إلى أنهم في غاية العزة والشرف، فالواحد منهم يقوم مقام الكثير.

نعم في رواية الخطيب: "طعام السخي دواء" أو قال: "شفاء وطعام الشحيح داء" وفي لفظ: "طعام الكريم"، وفي آخر:"طعام الجواد""رواه" عبد الله بن يوسف "التنيسي""بكسر الفوقية والنون المشددة بعدها تحتية ثم مهملة" نسبة إلى تنيس بلد قرب دمياط -بناها تنيس بن حام بن نوح- أبو محمد الكلاعي، أصله من دمشق، ثقة، متقن، من أثبت الناس في الموطأ، ولذا اعتمده البخاري فرواه عنه، مات سنة ثمان عشرة ومائتين، "عن مالك"، عن نافع، عن ابن عمر "في غير الموطأ، كما ذكره عبد الحق في" كتاب "الأحكام" ولم ينفرد به التنيسي، بل تابعه روح بن عبادة، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر.

أخرجه الدارقطني في غرائب مالك والخطيب في "المؤتلف" وفي كتاب "البخلاء" والديلمي والحاكم، وأبو علي الصدقي في عواليه، وابن عدي في كامله، لكنه قال: إنه بطل عن مالك فيه مجاهيل وضعفاء، ولا يثبت، وقال الذهبي: إنه كذب، لكن قال الحافظ الزين العراقي: رجاله ثقات، أئمة، قال ابن القطان: وإنهم لمشاهير ثقات إلا مقدام بن داود، فإن أهل مصر تكلموا فيه، وحاصل هذا أنه حديث ضعيف، وبه يصرح قول ختام الحفاظ العسقلاني حديث منكر. انتهى، والمنكر من أقسام الضعيف.

ص: 19

"ذكر الحمية من داء الكسل":

روى أبو داود في المراسيل عن يونس عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه رآه مضطجعا في الشمس، قال يونس فنهاني وقال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنها تورث الكسل وتثير الداء الدفين".

ذكر الحمية من داء الكسل:

"روى أبو داود في المراسيل، عن يونس" بن يزيد الأيلي، بفتح الهمزة وسكون التحتية ولام، ثقة روى له الجميع، إلا أن في روايته عن الزهري وهما قليلا، وفي غير الزهري خطأ، مات سنة تسع وخمسين ومائة على الصحيح. وقيل: سنة ستين، "عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن" التيمي، مولاهم المدني، المعروف بربيعة الرأي، واسم أبيه فروخ، ثقة، فقيه مشهور "أنه" أي ربيعة "رآه" أي يونس "مضطجعا في الشمس، قال يونس: فنهاني وقال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم" قال: "إنها" أي الشمس "تورث الكسل" بفتحتين عدم النشاط، "وتثير" تحرك "الداء الدفين" أي المدفون في البدن، وظاهره ولو في الشتاء فالكون فيها منهي عنه إرشادا لضرره، وبه صرح جمع من الأطباء، وقال الحارث بن كلدة: إياكم والقعود في الشمس فإن كنتم لا بد فاعلين فتنكبوها بعد طلوع النجم أربعين يوما، ثم أنتم وهي سائر السنة، وعن ابن عباس مرفوعا:"إياكم والجلوس في الشمس، فإنها تبلي الثوب وتنتن الريح وتظهر الداء الدفين"، أخرجه الحاكم في المستدرك من طريق محمد بن زياد الطحان، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، لكن قال الذهبي: هو من وضع الطحان.

ص: 20

"ذكر الحمية من داء البواسير":

عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يجامعن أحدكم وبه حقن خلاء، فإنه يكون منه البواسير" رواه أبو أحمد الحاكم.

ذكر الحمية من داء البواسير:

جمع باسور، قيل: هو ورم تدفعه الطبيعة إلى كل موضع في البدن يقبل الرطوبة من المقعدة، والأنثيين والأشفار وغير ذلك، فإن كان في المقعدة لم يكن حدوثه دون انتفاخ أفواه العروق، وقد تبدل السين صادا، فيقال: باصور، وقيل: غير عربي، كذا في المصباح، عن الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يجامعن أحدكم" حليلته "وبه حقن" بفتح فسكون مصدر حقن، كنصر، أي احتباس "خلاء" بالمد وخاء معجمة المتوضأ، "فإنه يكون منه البواسير" أي: من احتباس البول الزائد المحوج إلى الخروج إلى الخلاء، فلعل إضافة حقن إليه للإشارة إلى أن الذي يورث البواسير هو الاحتباس الزائد، بحيث يحتاج صاحبه إلى تفريغ نفسه في المحل المعد لذلك.

"رواه أبو أحمد" محمد بن محمد النيسابوري، "الحاكم،" الكبير، الحافظ، الجهبذ، محدث خراسان مع العبادة والصلاح والمشي على سنن السلف وكثرة التصانيف، سمع ابن خزيمة والبغوي الكبير، وخلقا بالعراق والشام والجزيرة، وعنه أبو عبد الرحمن السلمي، والحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الموافق له في الاسم والنسبة واللقب، وإنما افترقا في الكنية واسم الأب، وقال: إنه إمام عصره في هذه الصنعة، مات في ربيع الأول سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة وله ثلاث وسبعون سنة، ومات تلميذه الحاكم سنة خمس وأربعمائة، هذا هو المنقول في غير ما كتاب.

ص: 20

"ذكر حماية الشراب من سم أحد جناحي الذباب بإغماس الثاني":

عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء".

ذكر حماية الشراب من سم أحد جناحي الذباب بإغماس الثاني:

أي الجناح الذي لم يقدمه الذباب، وهو بمعجمة جمع ذبابة بالهاء، ويجمع أيضا على أذبة وذبان، "بالكسر وذب، بالضم"، وهو أجهل الخلق، لأنه يلقي نفسه في الهلاك ويتولد من العفونة، ولم يخلق له أجفان لصغرحدقته، ومن شأن الأجفان صقل مرآة الحدقة من الغبار، فجعل الله له يدين يصقل بهما مرآة حدقته، فلذا تراه أبدا يمسح عينيه بيديه.

"عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا وقع" سقط "الذباب في إناء أحدكم" هذا لفظ رواية البخاري في الطب، ولفظه في بدء الخلق في "شراب أحدكم"، وهو شامل لكل مائع ماء أو غيره.

وفي حديث أبي سعيد عند النسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان: "إذا وقع في الطعام"، والأولى أشمل، لأن الإناء يكون فيه كل شيء من مأكول ومشروب ماء أو غيره، "فليغمسه كله" فيما وقع فيه، والأمر إرشادي لمقابلة الداء بالدواء، وسقط التأكيد من رواية بدء الخلق:"ثم ليطرحه" بعد استخراجه من الإناء وللبخاري في بدء الخلق: "ثم لينزعه" ولبعض رواته: "ثم لينتزعه". "بزيادة فوقية قبل الزاي""فإن في أحد جناحيه شفاء" بتذكير أحد عند البخاري في الطب، ولبعض رواته فيه كبدء الخلق:"فإن في إحدى"، "بكسر الهمزة وسكون الحاء مؤنثا"، إما لأن الجناح يذكر ويؤنث، أو أنث باعتبار اليد، وجزم الصغاني بأنه لا يؤنث، وصوب الأول، "وفي الآخر داء" بالتذكير وفي بدء الخلق:"والأخرى" بضم الهمزة والتأنيث وحذف حرف

ص: 21

وفي رواية أبي داود: "فإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء فليغمسه كله".

وفي رواية الطحاوي: "فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء".

وفي قوله: "كله" رفع توهم المجاز في الاكتفاء بالبعض.

قال شيخ شيوخنا: لم يقع لي في شيء من الطرق تعيين الجناح الذي فيه الشفاء من غيره. لكن ذكر بعض العلماء أنه تأمله فوجده يتقي بجناحه الأيسر، فعرف أن الأيمن هو الذي فيه الشفاء.

الجر، ففيه شاهد لمن يجيز العطف على معمولي عاملين، كالأخفش، وقد استبان لك أن هذا الحديث رواه البخاري في الطب، باللفظ الذي ساقه المصنف، وكذا رواه ابن ماجه في الطب، ورواه البخاري أيضا قبل ذلك في بدء الخلق بتغيير قليل في اللفظ علمته.

وفي رواية أبي داود: "فإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء، فليغمسه كله"، زاد في رواية البزار: برجال ثقات ثلاثا مع قول بسم الله.

وفي رواية الطحاوي: "فإنه يقدم السم" أي الجناح الذي فيه السم فيضعه في الإناء، "ويؤخر الشفاء" أي جناحه فلا يضعه.

"وفي قوله: "كله" رفع توهم المجاز في الاكتفاء بالبعض" أي يغمس بعضه.

"قال شيخ شيوخنا" الحافظ ابن حجر في فتح الباري: "لم يقع لي في شيء من الطرق" للحديث "تعيين الجناح الذي فيه الشفاء من غيره، لكن ذكر بعض العلماء" يعني الدميري، فإنه ذكر في حياة الحيوان "أنه تأمله فوجده يتقي بجناحه الأيسر"، وهو مناسب للداء، كما أن الأيمن مناسب للشفاء، هذا كلام الدميري، "فعرف أن الأيمن هو الذي فيه الشفاء" حقيقة، فأمر الشارع، بمقابلة السمية بالشفاء، ولا بعد في حكمة الله أن يجعلهما جزئي واحد، كالعقرب بأبرتها السم، ويتداوى منه بجرمها، فلا ضرورة للعدول عن الحقيقة هنا وجعله مجازا، كما وقع لبعضهم، حيث جعله من الطب الروحاني بمعنى إصلاح الأخلاق وتقويم الطباع، بإخراج فاسدها وتبقية صالحها.

قال التوربشتي: وجدنا لهذا الحديث فيما أقامه الله لنا من عجائب خلقته وبديع فطرته شواهد ونظائر، منها: النحلة يخرج من بطنها شراب نافع، وبث في إبرتها السم الناقع، والعقرب تهيج الداء بإبرتها، ويتداوى من ذلك بجرمها، وأما اتقاؤه بالجناح الذي فيه الداء، فإنه تعالى ألهم الحيوان بطبعه ما هو أعجب منه، فلينظر المتعجب من ذلك إلى النملة كيف تسعى في جمع القوت، وتصون الحب عن الندى، وتجفف الحب إذا أثر فيه الندى، ثم تقطع الحب لئلا ينبت

ص: 22

وأخرج أبو يعلى عن ابن عمر مرفوعا: "عمر الذباب أربعون ليلة والذباب كله في النار إلا النحل". وسنده لا بأس به.

قال الجاحظ: كونه في النار ليس تعذيبا له بل ليعذب به أهل النار، ويتولد من العفونة. ومن عجيب أمره أن رجيعه يقع على الثوب الأسود أبيض وبالعكس، وأكثر ما يظهر في أماكن العفونة، ومبدأ خلقه منها ثم من التوالد، وهو أكثر الطيور سفادا، وربما بقي عامة اليوم على الأنثى. ويحكى أن بعض الخلفاء سأل الشافعي: لأي علة خلق الذباب؟ فقال: مذلة للملوك، وكانت ألحت عليه ذبابة. قال الشافعي: سألني ولم يكن عندي جواب فاستنبطت ذلك من الهيئة الحاصلة، فرحمة الله عليه ورضوانه.

وتترك الكزبرة، لأنها لا تنبت وهي صحيحة، فتبارك الله أحسن الخالقين.

"وأخرج أبو يعلى عن ابن عمر، مرفوعا: "عمر الذباب أربعون ليلة" أي غايته ذلك، وإلا فقد يموت قبل ذلك، "والذباب كله" بسائر أنواعه، فالعرب تجعل هذا الطائر والفراش والنحل والدبر والناموس والبعوض، كلها من الذباب "في النار إلا النحل". "وسنده لا بأس به".

"قال الجاحظ" بجيم، فألف، فحاء مهملة، فظاء معجمة عمرو بن بحر في كتاب الحيوان له، "كونه في النار ليس تعذيبا له، بل ليعذب به أهل النار، ويتولد من العفونة" كالزبل، ويكثر إذا هاجت ريح الجنوب، ويخلق تلك الساعة، وإذا هاجت ريح الشمال خف وتلاشى، "ومن عجيب أمره أن رجيعه" أي روثه فعيل بمعنى فاعل، لأنه رجع عن حاله الأولى بعد أن كان علفا أو طعاما "يقع على الثوب الأسود أبيض، وبالعكس، وأكثر ما يظهر في أماكن العفونة ومبدأ خلقه منها، ثم من التوالد، وهو أكثر الطيور سفادا""بكسر السين"، أي وقوعا لى أنثاه، "وربما بقي عامة اليوم على الأنثى، ويحكى أن بعض الخلفاء" هو المأمون ابن الخليفة الرشيد العباسي، "سأل الشافعي: لأي علة خلق الذباب؟ " أي: هل له حكمة؟ ، وإلا فأفعال الله لا تعلل، "فقال: مذلة الملوك، وكانت ألحت" أي لازمت وتكرر ترددها "عليه" أي على ذلك الملك "ذبابة".

"قال الشافعي: سألني ولم يكن عندي جواب، فاستنبطت ذلك من الهيئة الحاصلة"، وعبارة الدميري في حياة الحيوان: وفي مناقب الشافعي أن المأمون سأله: لأي علة خلق الله الذباب، فقال: مذلة للملوك، فضحك المأمون، وقال: رأيته قد وقع على جسدي، قال: نعم، ولقد سألتني عنه وما عندي جواب، فلما رأيته قد سقط منك بموضع لا يناله منك أحد، فتح الله لي فيه بالجواب، فقال: لله درك، "فرحمة الله عليه ورضوانه" وقد سبقا بذلك، ففي حياة

ص: 23

عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "غطوا الإناء، وأوكوا السقاء فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء أو سقاء ليس عليه وكاء إلا ينزل فيه من ذلك الوباء". رواه مسلم في صحيحه قيل: وذلك في آخر شهور السنة الرومية.

الحيوان أيضا حدث يحيى بن معاذ أن أبا جعفر المنصور ألح على وجهه ذباب حتى أضجره، فقال: انظروا من بالباب، قالوا: مقاتل بن سليمان، فقال: عليّ به، فلما دخل عليه، قال: هل تعلم لماذا خلق الله الذباب؟ قال: نعم ليذب به الجبابرة. انتهى.

وأبو جعفر ثاني خلفاء بني العباس، والمأمون سابعهم، وفي الشفاء لابن سبع وتاريخ ابن النجار مسندا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يقع على جسده ذباب أصلا، ومر في الخصائص. ذكر أمره صلى الله عليه وسلم بالحمية من الوباء النازل في الإناء بالليل بتغطيته أي ستره، "عن جابر" بن عبد الله الأنصاري، "قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم": "غطوا الإناء" أي استروه، والأمر للندب، "وأوكوا" بفتح الهمزة وسكون الواو وضم الكاف بلا همز، أي شدوا واربطوا "السقاء"، "بكسر السين والمد" القربة، أي شدوا رأسها بالوكاء، وهو الخيط مع ذكر اسم الله تعالى في الخصلتين، كما صرح به في رواية أخرى، فاسم الله هو السور الطويل العريض، والحجاب الغليظ المنيع من كل سوء.

قال القرطبي: هذا الباب من الإرشاد إلى المصلحة الدنيوية، نحو: أشهدوا إذا تبايعتم وليس للأمر الذي قصد به الإيجاب، وغايته أن يكون من باب الندب، بل جعله جمع من أهل الأصول قسما منفردا عن الوجوب والندب، "فإن في السنة ليلة ينزل" من السماء "فيها وباء"، "بالمد والقصر" وهو أشهر مرض عظيم عام الله أعلم بحقيقته.

وفي رواية لمسلم أيضا: "يوما" مكان: "ليلة". ولا منافاة بينهما، إذ ليس في أحدهما نفي الآخر، فهما ثابتان، قاله النووي:"لا يمر بإناء ليس عليه غطاء"، "بالكسر والمد" أي ستر، وهو ما يغطي به، جمعه أغطية، "أو سقاء ليس عليه وكاء"، "بكسر الواو ممدود" أي خيط مربوط به وفي رواية: بإناء لم يغط، ولا سقاء لم يوك "إلا ينزل فيه من ذلك الوباء" وخص ذلك أبو حميد الصحابي بالليل، وقوفا مع ظاهر قوله:"ليلة" لكن قال النووي: ليس في الحديث ما يدل عليه، والمختار عند أكثر الأصوليين، وهو مذهب الشافعي وغيره، أن تفسير الصحابي إذا كان خلاف ظاهر اللفظ ليس بحجة، ولا يلزم غيره من المجتهدين موافقته على تفسيره أما إذا لم يكن في ظاهر اللفظ ما يخالفه، بأن كان مجملا، فيرجع إلى تأويله، ويجب الحمل عليه، لأنه لا يحل حمل المحمل على شيء إلا بتوقيف. انتهى.

وإنما يحسن الرد عليه برواية "يوما" المفيدة مع رواية "ليلة"، أنه يغطي ليلا ونهارا، وإلا فظاهر "ليلة" لا يخالفه، ولعله لم يسمع "يوما".

"رواه مسلم في صحيحه" في الأشربة، "قيل: وذلك في آخر شهور السنة الرومية" وفي مسلم قال الليث: فالأعاجم عندنا يتقون ذلك في كانون الأول، قال النووي: أي يحذرونه ويخافونه وكانون غير مصروف، لأنه علم أعجمي، وهو الشهر المعروف. انتهى. قال غيره: والظاهر أنه في أواخره إما في السابع والعشرين، أو التاسع والعشرين، وأوله خامس كيهك من الشهور القبطية.

ص: 24

"ذكر حمية الولد من إرضاع الحمقى":

روى أبو داود في المراسيل بإسناد صحيح عن زياد السهمي قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسترضع الحمقى، فإن اللبن يشبه. وعند ابن حبيب: يعدي، وعند القضاعي بسند حسن من حديث ابن عباس مرفوعا:"الرضاع يغير الطباع".

ذكر حمية الولد من إرضاع الحمقى:

مؤنث أحمق، أي فاسدة العقل، قاله الزهري، "روى أبو داود في المراسيل، بإسناد صحيح عن زياد السهمي" مجهول أرسل حديثا، ويقال: هو مولى عمرو بن العاصي من الثالثة، قاله في التقريب، "قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسترضع الحمقى، فإن اللبن يشبه" أي: يورث شبها بين الرضيع والمرضعة.

"وعند ابن حبيب: يعدي" بدل يشبه، إذ العادة جارية أن الرضيع يغلب عليه أخلاق المرضعة من خير وشر.

"وعند القضاعي" وكذا ابن لال والديلمي "بسند حسن" كما قال بعض شراح القضاعي، وتعقب بأن فيه صالح بن عبد الجبار، قال في الميزان: أتى بخبر منكر جدا، وساق هذا الحديث، ثم قال فيه انقطاع، وفيه أيضا عبد الملك بن مسلمة، مدني، ضعيف، "من حديث ابن عباس، مرفوعا: "الرضاع يغير الطباع" " أي يغير الصبي عن لحوقه بطبع والديه إلى طبع مرضعته، لصغره ولطف مزاجه، والمراد حث الوالدين على توخي مرضعة طاهرة العنصر، زكية الأصل، ذات عقل ودين وخلق جميل، والطباع ما تركب في الإنسان من جميع الأخلاق التي لا يكاد يزايلها من خير وشر، كما في النهاية.

وفي المصباح: الطبع بالسكون الجبلة التي خلق الإنسان عليها، وللحديث طريق ثان عند أبي الشيخ من حديث ابن عمر، مثل حديث ابن عباس: فاعتضد ومن ثلم لما دخل الشيخ أبو محمد الجويني بيته ووجد ابنه الإمام أبا المعالي يرضع ثدي غير أمه، اختطفه منها، ثم نكس رأسه ومسح بطنه، وأدخل أصبعه في فيه، فلم يزل يفعل ذلك حتى خرج ذلك اللبن، قائلا:

ص: 25

وعند ابن حبيب أيضا مرفوعا أنه نهى عن استرضاع الفاجرة.

وعن عمر بن الخطاب: أن اللبن ينزع لمن تسترضع له.

وأما الحمية من البرد فاشتهر على الألسنة: اتقوا البرد فإنه قتل أبا الدرداء. لكن قال شيخ الحفاظ ابن حجر: لا أعرفه، فإن كان واردا فيحتاج إلى تأويل، فإن أبا الدرداء عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم دهرا. انتهى.

وأما ما اشتهر أيضا: أصل كل داء البردة، فقال شيخنا: رواه أبو نعيم والمستغفري معا في الطب النبوي والدارقطني في العلل، كلهم من طريق تمام بن نجيح عن الحسن البصري عن أنس رفعه. وتمام ضعفه الدارقطني وغيره، ووثقه ابن معين وغيره.

يسهل عليّ موته، ولا تفسد طباعه بشرب لبن غير أمه، ثم لما كبر الإمام كان إذا حصل له كبوة في المناظرة، يقول: هذه من بقايا تلك الرضعة.

"وعند ابن حبيب أيضا مرفوعا أنه نهى عن استرضاع الفاجرة" أي الفاسقة، "وعن عمر بن الخطاب أن اللبن ينزع"، أي يميل بالشبه "لمن تسترضع له" أي لمرضعته في الخير وضده.

"وأما الحمية من البرد" بالتدفي، "فاشتهر على الألسنة: اتقوا البرد، فإنه قتل أبا الدرداء" عويمرا العجلاني "لكن قال شيخ الحفاظ ابن حجر: لا أعرفه، فإن كان واردا فيحتاج إلى تأويل"، كأن يقال: كاد يقتله. "فإن أبا الدرداء: عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم دهرا. انتهى".

حتى مات في خلافة عثمان، وقيل: عاش بعد ذلك، "وأما ما اشتهر أيضا أصل كل داء البردة" أي قاعدته التي لو توهمت مرتفعة لارتفع بارتفاعها سائره، قاله الرابغ، "فقال شيخنا" السخاوي في المقاصد:"رواه أبو نعيم" أحمد بن عبد الله الحافظ، "والمستغفري" الحافظ أبو العباس جعفر بن محمد بن المعتز بن محمد بن المستغفر نسبة إلى جده، هذا ابن الفتح النسفي، صاحب التصانيف، ولد بعد سنة خمسين وثلاثمائة، ومات بنسف سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة "معا في الطب النبوي، والدارقطني في" كتاب "العلل، كلهم من طريق تمام بن نجيح" الأسدي، الدمشقي، نزيل حلب، "عن الحسن البصري، عن أنس، رفعه" به "وتمام، ضعفه الدارقطني وغيره"، كبن حبان، فقال: تمام منكر الحديث يروي أشياء موضوعات عن الثقات، كان يتعمدهم، وقال ابن عدي والعقيلي: حديثه منكر، وعامة ما يرويه لا يتابع عليه، "ووثقه ابن معين وغيره" واعتمد في التقريب الأول، فقال: ضعيف، "ولأبي نعيم أيضا من

ص: 26

ولأبي نعيم أيضا من حديث ابن المبارك عن السائب بن عبد الله عن علي بن زحر عن ابن عباس مثله.

ومن حديث عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد رفعه: "أصل كل داء من البردة".

وقد قال الدارقطني عقب حديث أنس من علله: عباد بن منصور عن الحسن البصري من قوله، وهو أشبه بالصواب.

وجعله الزمخشري في "الفائق" من كلام ابن مسعود.

قال الدارقطني في كتاب التصحيف: قال أهل اللغة رواه المحدثون البردة يعني بإسكان الراء، والصواب "البردة" يعني الفتح، وهي التخمة، لأنها تبرد حرارة الشهوة، أو لأنها ثقيلة على المعدة بطيئة الذهاب. من "برد" إذا ثبت وسكن.

حديث" عبد الله "بن المبارك عن السائب بن عبد الله، عن علي بن زحر" "بفتح الزاي وسكون الحاء المهملة" "عن ابن عباس مثله"، أي مثل لفظ حديث أنس.

"ومن حديث عمرو بن الحارث، عن دراج""بفتح الدل المهملة والراء الثقيلة" فألف فجيم، ابن سمعان السهمي، مولاهم المصري، القاص في حديثه عن أبي الهيثم، ضعف قيل اسمه عبد الرحمن ودراج لقب، وكنيته أبو السمح "بمهلتين، الأولى مفتوحة الميم ساكنة"، مات سنة عشرين ومائة، "عن أبي الهيثم" المصري، مولى عقبة بن عامر، مقبول روى له أبو داود والنسائي "عن أبي سعيد رفعه:"أصل كل داء البردة"، ورواه أبو نعيم أيضا وابن السني، كلاهما في الطب من حديث علي وأبي سعيد.

قال السخاوي: ومفرداتهها ضعيف، "و" قد "قال الدارقطني عقب" روايته "حديث أنس من علله" وقد رواه "عباد بن منصور،" فسقط من قلم المصنف لفظ، وقد رواه وهو ثابت عند شيخه، "عن الحسن البصري، من قوله" فلم يذكر أنسا ولا النبي صلى الله عليه وسلم "وهو أشبه بالصواب" من رفعه "وجعل الزمخشري في الفائق من كلام ابن مسعود" لا من كلام المصطفى.

"قال الدارقطني في كتاب التصحيف: قال أهل اللغة: رواه المحدثون: البردة، يعني بإسكان الراء، والصواب البردة، يعني بالفتح" للراء، "وهي التخمة" سميت بذلك، "لأنها تبرد حرارة الشهوة، أو لأنها ثقيلة على المعدة بطيئة الذهاب من برد إذا ثبت وسكن"، وتعقب زعم أن الصواب الفتح بأن القاموس قدم السكون، فال البردة، وتحرك التخمة، فجعل اللغة الكثيرة السكون.

وقال ابن الأثير وغيره: سميت بذلك لأنها تبرد المعدة، فلا تستمرئ الطعام، وذلك بمعنى

ص: 27