المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثالث: في إنبائه صلى الله عليه وسلم بالأنباء المغيبات - شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - جـ ١٠

[الزرقاني، محمد بن عبد الباقي]

الفصل: ‌الفصل الثالث: في إنبائه صلى الله عليه وسلم بالأنباء المغيبات

العبارات، ولا تدرك حقيقة كنهه الإشارات، وإذا كان هذا ابن سيرين واحد من أمته عليه الصلاة والسلام نقل عنه من فن التعبير ما لا يعد فكيف به صلى الله عليه وسلم وزاده فضلا وشرفا لديه، وأفاض علينا من سحائب علومه ومعارفه، وتعطف علينا بعواطفه.

التابعي المشهور، "من لطائف التعبير مما شاع وذاع وامتلأت به الأسماع طبق الأرض صدقا وصوابا وعجبا عجابا، بل بحرا عبابا"، "بضم العين وموحدتين، أي كثير الماء"، "قضيت" جواب إذا تأملت "بأن ما منحه صلى الله عليه وسلم" من العلوم والمعارف لا تحيط به العبارات، ولا تدرك حقيقة كنهه" إضافة بيانية، ففي المصباح كنه الشيء: حقيقته ونهايته "الإشارات وإذا كان هذا ابن سيرين" بدل من اسم الإشارة "واحد"، "بالرفع" صفة ابن "من أمته عليه الصلاة والسلام" والخبر "نقل عنه من فن التعبير ما لا يعد" لكثرته، "فكيف به صلى الله عليه وسلم" عليه، "وزاده فضلا وشرفا لديه، وأفاض علينا من سحائب علومه ومعارفه، وتعطف علينا بعواطفه".

ص: 111

‌الفصل الثالث: في إنبائه صلى الله عليه وسلم بالأنباء المغيبات

اعلم أن علم الغيب يختص بالله تعالى، وما وقع منه على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام وغيره فمن الله تعالى، إما بوحي أو إلهام، والشاهد لهذا قوله تعالى:{عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن: 27] ، ليكون معجزة له.

واستدل به على إبطال الكرامات.

وأجيب: بتخصيص الرسول بالملك، والإظهار بما يكون بغير توسطه،

الفصل الثالث: في إنبائه

"بكسر الهمزة" أي إخباره "صلى الله عليه وسلم بالأنباء""بفتح الهمز" جمع نبأ "بالهمز" أي الأخبار "المغيبات" أي الأمور التي بعدت عنا، فلم يتعلق علمنا بها.

"اعلم أن علم الغيب" أي ما غاب عنا جمعه غيوب، "يختص بالله تعالى" علام الغيوب، "وما وقع منه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم" وعلى لسان "غيره" من الأنبياء والصالحين، "فمن الله تعالى، إما بوحي" للأنبياء "أو إلهام" لغيرهم، "والشاهد لهذا" أي الدليل عليه "قوله تعالى:{عَالِمُ الْغَيْبِ} ما غاب عن العباد، {فَلَا يُظْهِرُ} يطلع {عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا} من الناس {إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} ، "ليكون" العلم به "معجزة له" أي لمن أظهر على يديه.

ص: 111

وكرامات الأولياء على المغيبات إنما تكون برؤيا الملائكة، كإطلاق اطلاعنا على أحوال الآخرة بتوسط الأنبياء، وفي حديث مر: أنه عليه الصلاة والسلام قال: "والله إني لا أعلم إلا ما علمني ربي". فكل ما ورد عنه عليه الصلاة والسلام من الأنباء المنبئة عن الغيوب ليس هو إلا من إعلام الله له به، إعلاما على ثبوت نبوته، ودلائل على صدق رسالته، وقد اشتهر وانتشر أمره عليه الصلاة والسلام بين أصحابه بالاطلاع على الغيوب، حتى إن كان بعضهم ليقول لصاحبه: اسكت فوالله لو لم يكن عنده من يخبره لأخبرته حجارة البطحاء، ويشهد له قول ابن رواحة:

وفينا رسول الله يتلو كتابه

إذا انشق معروف من الصبح ساطع

"واستدل به على إبطال الكرامات" لأنها إذا كانت إخبارا عن غيب، فالعلم بها مناف لقوله:{إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} ، فإن المستثنى منه شامل لما يظهر على يد بعض الأولياء من اغيب.

"وأجيب بتخصيص الرسول بالملك والإظهار بما يكون بغير توسطه" أي الملك "وكرامات الأولياء" الحاصلة باطلاعهم "على المغيبات" فهو متعلق بمحذوف، "إنما تكون برؤيا الملائكة" للغيوب، ويلقون ما يطلعون عليه إلى من شاء الله بوحي أو إلهام، فلا حاجة إلى تأويل رؤيا براءة الملاكئة للناس، وأن يطلعوهم على ذلك بطريق من الطرق، "كإطلاق اطلاعنا على أحوال الآخرة" أي علمنا بها "بتوسط الأنبياء".

"وفي حديث مر" في غزوة تبوك: "أنه عليه الصلاة والسلام قال" لما ضلت ناقته وقال بعض المنافقين: لو كان نبيا لعلم مكانها فقال صلى الله عليه وسلم: "والله إني لا أعلم إلا ما علمني ربي" وأنه أخبرني أنها بمكان، كذا حبستها شجرة، وأرسل فأتى بها، "فكل ما ورد عنه عليه الصلاة والسلام من الأنباء المنبئة عن الغيوب ليس هو إلا من إعلام الله له به" لتكون تلك الغيوب "أعلاما""بفتح الهمزة" جمع علم، أي دلائل "على ثبوت نبوته ودلائل" أي علامات "على صدق رسالته""عطف تفسير"، وقد تواترت الأخبار واتفقت معانيها على اطلاعه صلى الله عليه وسلم على الغيب، كما قال عياض، ولا ينافي الآيات الدالة على أنه لا يعلم الغيب إلا الله، وقوله:{لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ} ، لأن المنفي علمه من غير واسطة، كما أفاده المتن، أما اطلاعه عليه بإعلام الله، فمحقق لقوله:{إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} .

قال في لطائف المنن: اطلاع العبد على غيب من غيوب الله بنور منه، لدليل خبر:"اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله" لا يستغرب، وهو معنى "كنت بصره الذي يبصر به"، فمن كان الحق بصره أطلعه على غيبه، فلا يستغرب.

ص: 112

أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا

به موقنات أن ما قال واقع

وقول حسان بن ثابت:

وقال بعض العارفين: قوله: {إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} ، لا ينافي قول العارف المرسي في تفسيرها، أو صديق، أو ولي، ولا زيادة فيه على النص، فإن السلطان إذا قال: لا يدخل علي اليوم إلا الوزير، لا ينافي دخول أتباع الوزير معه، فكذلك الولي إذا أطلعه الله على غيبه لم يره بنور نفسه، وإنما رآه بنور متبوعه، وما كلفنا الله الإيمان بالغيب إلا وقد يفتح لنا باب غيبه، وإلى هذا أشار الغزالي في أماليه على الإحياء، ثم قال: ويحتمل أن المراد بالرسول في الآية ملك الوحي، الذي بواسطته تنكشف الغيوب، فيرسله للإعلام بمشافهة، أو إلقاء في روع، أو ضرب مثل في يقظة، أو منام، ليطلع على الغيب من أراد، وفائدة ذلك الامتنان على من رزقه الله ذلك، وإعلامه بأنه لم يصل إليه بحوله وقوته، فلا يظهر على غيبه أحدا من عباده إلا على يدي رسول من ملائكته، أرسله لمن فرغ قلبه لانصباب أنهار العلوم الغيبية في أوديته، حتى يصل لأسرار الغيب المكنونة في خزائن الألوهية. انتهى.

وهو نفيس من المهمات، والثاني: هو ما أشار إليه المصنف بقول: واستدل

إلخ، تبعا للبيضاوي، لكن لم ينمقه هذا التنميق الحسن.

"وقد اشتهر وانتشر أمره عليه الصلاة والسلام بين أصحابه" ولو ظاهرا كالمنافقين والمؤلفة، "بالاطلاع على الغيوب، حتى أن" مخففة من الثقيلة، أي أنه "كان بعضهم" أي بعض أصحابه بحسب الظاهر، وهم بعض المؤلفة قبل خلوص إسلامهم والمنافقون، "ليقول لصاحبه" أي من هو معه: إذا أراد أن يتكلم بشيء في حقه صلى الله عليه وسلم "اسكت": لا تنطق بشيء من أمره، "فوالله لو لم يكن عنده من يخبره" بما نقوله في شأنه من ملك ونحوه، "لأخبرته حجارة البطحاء" أرض مستوية يسيل فيها، وحجارتها ما فيها من الحصباء، أي أنها تخبره بما غاب عنه حقيقة، إن فرض أنه ليس عنده من يخبره غيرها، فلا داعي لجعله مبالغة في هذا المقام.

روي أنه صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة وأمر بلالا، بأن يؤذن فوق الكعبة، قال عتاب بن أسيد: لقد أكرم الله أسيدا إذا لم ير هذا اليوم، وقال الحارث بن هشام: أما وجد محمد مؤذنا غير هذا الغراب الأسود.

وقال أبو سفيان بن حرب: لا أقول شيئا، ولو تكلمت لأخبرته هذه الحصباء، فخرج صلى الله عليه وسلم وقال: قد علمت الذي قلتم، وذكر مقالتهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله، ما كان معنا أحد فنقول: أخبرك، ثم حسن إسلام الثلاثة بعد، فالغاية إنما تتعلق ببعض المؤلفة والمنافقين، وسماهم أصحابه بحسب الظاهر، كما أشرت إليه، فأما أصحابه المؤمنون، فإنهم جازمون بإطلاعه

ص: 113

نبي يرى ما لا يرى الناس حوله

ويتلو كتاب الله في كل مشهد

فإن قال في يوم مقالة غائب

فتصديقها في ضحوة اليوم أو غد

وهذا الفصل ينقسم قسمين:

الأول: فيما أخبر به عليه الصلاة والسلام مما نطق به القرآن العظيم.

من ذلك: في قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} إلى قوله: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا} [البقرة: 24]، فقوله:{وَلَنْ تَفْعَلُوا} إخبار عن غيب تقضي العادة بخلافه.

ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} [الأنعام: 7] الآية فإنها كان لقريش قافلتان:

على الغيب، لكنهم لا يتكلمون بشيء في حقه، ولا يريدون إخفاء كلام عنه حتى يأمر بعضهم بعضا بالسكوت، ولذا قصر في شفاء الغاية على المنافقين، "ويشهد له قول ابن رواحة" عبد الله الأنصاري، الأمير، الشهيد بموته من قصيدة:"وفينا رسول الله يتلو كتابه" القرآن "إذا انشق معروف من الصبح ساطع" أي مرتفع، يقال: سطع الصبح يسطع "بفتحتين": ارتفع "أرانا الهدى" يعني الإيمان "بعد العمى" أي الكفر "فقلوبنا به" أي بالهدى "موقنات أن ما قال واقع" لا محالة.

"وقول حسان بن ثابت" الأنصاري في جملة قصيدة: "نبي يرى ما لا يرى الناس حوله" كرؤيته لجبريل وغيره من الملائكة، وكرؤيته الجنة والنار وغيرهما في صلاة الكسوف دون الناس وهم حوله.

وقد قال: إني أرى ما لا ترون، "ويتلو كتاب الله" القرآن العظيم "في كل مشهد" محضر، "فإن قال في يوم مقالة غائب" أي مقالة أخبر بها عن أمر غائب، "فتصديقها" أي نسبتها إلى الصدق حاصل بسرعة، فيظهر "في ضحوة اليوم" الذي قالها فيه، "أو غد" أي ما يليه "وهذا الفصل ينقسم قسمين: الأول: فيما أخبر به عليه الصلاة والسلام مما نطق به القرآن العظيم، من ذلك قوله تعالى:{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ} شك {مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن أنه من عند الله، {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} " أي المنزل، ومن للبيان، أي هي مثله في البلاغة وحسن النظم والأخبار عن الغيب، فإنكم عربيون فصحاء، مثله، "إلى قوله: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا} " ما ذكر لعجزكم، {وَلَنْ تَفْعَلُوا} ذلك أبدًا لظهور إعجازه، "فقوله: {وَلَنْ تَفْعَلُوا} إخبار عن غيب" هو عدم

ص: 114

إحداهما ذات غنيمة دون الأخرى، فأخبر الله تعالى عما في ضمائرهم، وأنجز لهم ما وعد، ولا شك أن الوعد كان قبل اللقاء، لأن الوعد بالشيء بعد وقوعه غير جائز.

ومن ذلك قوله تعالى: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45] ، وهذا إخبار عن المستقبل، لأن "السين" تعين الاستقبال، يعني كفار قريش يوم بدر، وقد كان عددهم ما بين تسعمائة إلى ألف، وكانوا مستعدين بالمال والسلاح، وكان عدد المسلمين ثلاثمائة عشر رجلا، وليس معهم إلا فرسان، إحداهما للزبير بن العوام، والأخرى للمقداد بن الأسود فهزم الله المشركين ومكن المسلمين من قتل أبطالهم واغتنام أموالهم.

إتيانهم بسورة من مثله "تقضي العادة بخلافه" لأنهم كانوا غاية في البلاغة، مع استنكافهم أن يغلبوا خصوصا في الفصاحة، فما فعلوا ولا قدروا، ومر بسط هذا في المعجزات.

"ومن ذلك قوله تعالى": اذكر {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ} [الأنفال: 7] ، العير أو النفير {أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ} تريدون {أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ} ، أي البأس والسلاح {تَكُونُ لَكُمْ} " لقلة عَددها، وعُددها بخلاف النفير، "الآية فإنها" أي القصة، وفي نسخة: فإنه، أي الشأن "كان لقريش قافلتان، إحداهما ذات غنيمة دون الأخرى، فأخبر الله تعالى عما في ضمائرهم" وهو ودهم للغنيمة دون القتال، "وأنجز لهم ما وعد" من النصر البالغ يوم بدر، "ولا شك أن الوعد كان قبل اللقاء، لأن الوعد بالشيء بعد وقوعه غير جائز" إذ هو مجرد عبث.

"ومن ذلك قوله تعالى: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45] ، قال الزجاج: يعني الأدبار، لأن اسم الواحد يقع على الجمع، أي سيفرق جمعهم ويغلبون، "وهذا إخبار عن المستقبل، لأن السين تعين الاستقبال يعني" بالجمع "كفار قريش يوم بدر" وفيه علم من أعلام النبوة، لأن الآية: نزلت بمكة، وأخبرهم أنهم سيهزمون في الحرب، فكان كما قال.

وعند ابن أبي حاتم عن عكرمة، وعبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة أن عمر بن الخطاب قال: لما نزلت، أي جمع يهزم، أي جمع يغلب، قال: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم تثبت في الدرع، وهو يقول:{سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} ، فعرفت تأويلها يومئذ، "وقد كان عددهم ما بين تسعمائة إلى ألف" أي تسعمائة وخمسين مقاتلا عند ابن عقبة وابن عائذ.

وفي صحيح مسلم عن عمر: كانوا ألفا، وهو أولى بالصواب على أنه يمكن الجمع، بأن الخمسين غير مقاتلين، لأنهما قيدا بمقاتلا، ومر بسط ذلك، "وكانوا مستعدين بالمال والسلاح،

ص: 115

ومن ذلك في كفار قريش: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} [آل عمران: 151] ، يريد ما قذف في قلوبهم من الخوف يوم أحد حتى تركوا القتال ورجعوا من غير سبب، ونادى أبو سفيان: يا محمد! موعدنا موسم بدر القابل إن شئت، فقال عليه الصلاة والسلام:"إن شاء الله تعالى". قيل: لما رجعوا وكانوا ببعض الطريق ندموا، وعزموا أن يعودوا عليهم ليستأصلوهم، فألقى الله تعالى الرعب في قلوبهم.

ومن ذلك قوله تعالى: {الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ} [الروم: 601] إلى قوله: {لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ} ، وسبب نزول هذه الآية أن كسرى وقيصر تقاتلا فغلب كسرى قيصر، فساء المسلمين ذلك، لأن الروم أهل كتاب، ولتعظيم قيصر كتاب النبي صلى الله عليه وسلم وتمزيق كسرى كتابه، وفرح المشركون به، فأخبر الله تعالى بأن الروم بعد أن غلبوا سيغلبون في بضع سنين، والبضع ما بين

وكان عدد المسلمين ثلاثمائة وثلاثة عشر رلا" على أرجح الأقوال، "وليس معهم إلا فرسان، أحدهما للزبير بن العوم، والأخرى للمقداد بن الأسود، فهزم الله المشركين ومكن المسلمين، من قتل أبطالهم" سبعين، "و" من "اغتنام أموالهم" وأسر سبعين.

"ومن ذلك في كفار قريش: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} بسكون العين وضمها {بِمَا أَشْرَكُوا} بسبب إشراكهم {بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} حجة على عبادته، وهو الأصنام، "يريد ما قذف" تفسير نلقي "في قلوبهم من الخوف" تفسير الرعب "يوم أحد حتى تركوا القتال، ورجعوا من غير سبب" بحسب الظاهر، "ونادى أبو سفيان" صخر بن حرب: "يا محمد! موعدنا موسم بدر القابل" أي الآتي بعد هذا، وفي نسخ: لقابل، أي لعام قابل "إن شئت فقال عليه الصلاة والسلام" لعمر بن الخطاب: قل: "نعم هو موعد بيننا وبينكم إن شاء الله تعالى".

"قيل: لما رجعوا وكانوا ببعض الطريق ندموا، وعزموا أن يعودوا عليهم" على المؤمنين "ليستأصلوهم" بالقتل، "فألقى الله تعالى الرعب في قلوبهم" فاستمروا راجعين.

ومن ذلك قوله تعالى: {الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ} [الروم: 1-3] ، أي أقرب أرض الروم إلى فارس، بالجزيرة التي التقى فيها الجيشان والبادئ بالغزو الفرس {وَهُمْ} أي الروم {مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ} .

أضيف المصدر إلى المفعول به، أي غلبة فارس إياهم، {سَيَغْلِبُونَ} فارس {فِي بِضْعِ

ص: 116

الثلاثة إلى العشرة، فغلبت الروم أهل فارس يوم الحديبية، وأخرجوهم من بلادهم، وذلك بعد سبع سنين.

ومن ذلك، قوله تعالى:{فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا} [الجمعة: 7] ، فأخبر أنهم لا يتمنون الموت بالقلب ولا بالنطق باللسان مع قدرتهم عليه أبدا، فأخبر فوجد مخبره كما أخبر، فلو لم يعلموا ما يلحقهم من الموت لسارعوا إلى تكذيبه، بالتمني، ولو لم يعلم ذلك لخشي أن يجيبوا إليه فيقضى عليه بالكذب، قال البيضاوي: وهذه الجملة إخبار بالغيب وكان كما أخبر، لأنهم لو تمنوا الموت ثقل وانتشر، فإن التمني ليس من عمل القلب فيخفى، وروي مرفوعا:"لو تمنوا الموت لغص كل إنسان منهم بريقه فمات مكانه وما بقي يهودي على وجه الأرض".

ومن ذلك قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ

سِنِينَ} إلى قوله: {لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ} بالنصر، "وسبب نزول هذه الآية أن كسرى" ملك الفرس، "وقيصر" ملك الروم "تقاتلا، فغلب كسرى قيصر، فساء" أحزن "المسلمين ذلك، لأن الروم أهل كتاب" وفارس عباد أوثان، "ولتعظيم قيصر كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، وتمزيق كسرى كتابه" من باب العلة الغائية، وإلا فالآية مكية، والكتابة إليهما وإلى غيرهما من الملوك إنما كانت سنة سبع من الهجرة، "وفرح المشركون به" وقالوا للمسلمين: نحن نغلبكم كما غلبت فارس الروم، وهذا السبب رواه ابن أبي حاتم عن الزهري بلاغا، "فأخبر الله تعالى بأن الروم بعد أن غلبوا سيغلبون في بضع سنين، والبضع ما بين الثلاثة إلى العشرة، فغلبت الروم أهل فارس يوم الحديبية وأخرجوهم من بلادهم، وذلك بعد سبع سنين" من غلبة فارس على الروم.

"ومن ذلك قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 94] تعلق بتمنيه الشرطان على أن الأول قيد في الثاني، أي إن صدقتم في زعمكم أنها لكم، ومن كانت له يؤثرها والموصل إليها، فتمنوه {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [البقرة: 94] "فأخبر" بالبناء للمفعول النبي، أي أخبره الله "أنهم لا يتمنون الموت بالقلب، ولا" يتمنونه "بالنطق باللسان مع قدرتهم عليه أبدا" فنفى عنهم تمنيه في جميع الأزمنة المستقبلة بقوله:{أَبَدًا} ، وبقوله:{لَنْ} ، "فأخبر" صلى الله عليه وسلم بذلك الذي أوحي إليه، "فوجد مخبره، كما أخبره فلو لم يعلموا ما يلحقهم من الموت"، أي العذاب الأليم بعده "لسارعوا إلى تكذيبه بالتمني"، إذ هم أحرص شيء على تكذيبه لو قدروا "ولو لم يعلم ذلك" صلى الله عليه وسلم "لخشي أن يجيبوا إليه، فيقضى عليه بالكذب،" فظهر

ص: 117

لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور: 55] الآية.

هذا وعد من الله لرسوله عليه الصلاة والسلام بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أئمة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد،

بذلك معجزته، وبانت حجته بصدق خبره عن الغيب.

"قال البيضاوي: وهذه الجملة إخبار بالغيب، وكان كما أخبر، لأنهم لو تمنوا الموت لثقل وانتشر، فإن التمني ليس من عمل القلب فيخفى"، بل هو أن يقول: ليت كذا، ولو كان بالقلب لقالوا تمنينا، هذا كلام البيضاوي، وهو اختصار لقول الكشاف: إن قلت التمني من أعمال القلوب، وهو سر لا يطلع عليه أحد، فمن أين علم أنهم لن يتمنوه، قلت: ليس التمني من أعمال القلوب، وإنما هو قول الإنسان بلسانه: ليت لي كذا، وليت كلمة تمنٍ، ومحال أن يقع التحدي بما في الضمائر والقلوب، ولو كان بالقلوب لقالوا: قد تمنيناه بقلوبنا، ولم ينقل أنهم قالوه.

قال القطب في حواشيه: استدل على أن التمني ليس من أفعال القلوب، بأن التحدي إنما يكون بأمر ظاهر، وفيه أن التحدي إنما يكون بإظهار المعجز لإلزام من لم يقبل الدعوى، والتمني ليس بمعجز، فهو كقول الخصم: احلف لي إن كنت صادقا، ويمكن أن يقال التحدي هنا لطلب دفع المعجزة، فإن إخباره بأنهم لن يتمنوه أبداً معجزة، طلب دفعها بتمنيهم، والدفع إنما يكون بأمر ظاهر.

"وروي مرفوعا: لو تمنوا الموت لغص""بفتح المعجمة والصاد المهملة"، أي مات، كما جز به التلمساني وضبطه غيره "بضم المعجمة وفتح المهملة المشددة"، وهما لغتان، "كل إنسان منهم بريقه" أي رضاب فمه، وخصه لأنه إذا جف فمه أسرع هلاكه، "فمات مكانه" سريعا، "وما بقي يهودي على وجه الأرض"، كذا ساق الحديث البيضاوي، وأشار محشيه الحافظ السيوطي، إلى أنه لم يرد بهذ اللفظ، فقال: أخرج البخاري والترمذي عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه" ولابن جرير من وجه آخر عن ابن عباس، موقوفا:"لو تمنوه يوم قال ذلك ما بقي على وجه الأرض يهودي إلا مات"، وللبيهقي عنه، رفعه:"لا يقولها رجل منهم إلا غص بريقه". انتهى.

وأخرجه أحمد بسند جيد عن ابن عباس، مرفوعا:"لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا" وأخرجه البيهقي من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، رفعه:"والذي نفسي بيده، لا يقولها رجل منهم إلا غص بريقه"، وبهذا اللفظ الأخير، أورده في الشفاء وقال: يعني يموت مكانه، وقدمت هذا وما قبله في وجوه إعجاز القرآن.

"ومن ذلك قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ

ص: 118

{وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ} من الناس {أَمْنًا} وحكما فيهم، وقد فعل ذلك فيهم ولله الحمد والمنة، فإنه لم يمت عليه الصلاة والسلام حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها، وأخذ الجزية من مجوس هجر، ومن بعد أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم، وصاحب مصر والإسكندرية، وهو المقوقس، وملوك عمان، والنجاشي ملك الحبشة الذي تولى بعد أصحمة رحمه الله.

ثم لما مات رسول الله عليه الصلاة والسلام واختار الله له ما عنده من الكرامة، قام بالأمر بعد خليفته أبو بكر الصديق رضي الله عنه فلمَّ شعث ما

فِي الأَرْضِ} ، بدلا من الكفار، {كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور: 55] من بني إسرائيل بدلا عن الجبابرة، "الآية" سبب نزولها ما أخرجه ابن مردويه في تفسيره والدارمي، ومن طريقه الطبراني والضياء في المختارة، والحاكم، وصححه عن أبي بن كعب، قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة، وآوتهم الأنصار، رمتهم العرب عن قوس واحدة، فكانوا لا يبيتون إلا بالسلاح، ولا يصبحون إلا فيه، فقالوا: ترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين، لا نخاف إلا الله، "هذا وعد من الله لرسول صلى الله عليه وسلم بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أئمة الناس" قادتهم، "و" يجعلهم "الولاة" أي الحكام "عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع" وتذل "لهم العباد" وهذا كالتفسير لقوله: {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ} ، وهو الإسلام، بأن يظهره على جميع الأديان، ويوسع لهم في البلاد فيملكونها، {وَلَيُبِدِّلَنَّهُمْ} "بالتخفيف والتشديد"، " {مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ} من الناس" الكفار " {أَمْنًا} وحكما فيهم"، "لفظا ومعنى"، "وقد فعل تعالى ذلك فيهم، والحمد لله والمنة"؛ لأن وعده عز وجل متحتم الوقوع، "فإنه لم يمت صلى الله عليه وسلم حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين" بلفظ تثنية بحر اسم لموضع بين البصرة وعمان، "وسائر جزيرة العرب".

قال أبو عبيدة: هي ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى تهامة طولا، وأما العرض فما بين يبرين إلى منقطع السماوة.

وقال الأصمعي: هي ما بين عدن أبين إلى أطراف الشام طولا، وأما العرض فمن جدة وما والاها من شاطئ البحر إلى ريف العراق "وأرض اليمن بكمالها"، وهو إقليم كبير معروف، "وأخذ الجزية من مجوس هجر"، "بفتحتين" إقليم معلوم، "ومن بعد أطراف الشام" كأيلة وغيرها، "وهاداه هرقل ملك الروم وصاحب مصر والإسكندرية، وهو المقوقس" مع أنه لم يسلم واحدة منهما "وملوك عمان"، "بضم العين وتخفيف الميم" موضع باليمن، أما عمان:

ص: 119

وهي عند موته عليه الصلاة والسلام وأطد جزيرة العرب ومهدها، وبعث الجيوش الإسلامية إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد ففتحوا منها طرفا، وجيشا آخر صحبة أبي عبيدة إلى أرض الشام، وجيشا ثالثا صحبة عمرو بن العاصي إلى بلاد مصر، ففتح الله للجيش الشامي في أيامه بصرى ودمشق ومخاليفها من بلاد حوران وما والاها. وتوفاه الله واختار له ما عنده. ومنّ على الإسلام وأهله بأن ألهم الصديق أن يستخلف عمر الفاروق.

فقام في الأمر بعده قياما تاما، لم يدر الفلك بعد الأنبياء على مثله في قوة سيره وكمال عدله، وتم في أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها، وديار مصر إلى آخرها، وأكثر إقليم فارس، وكسر كسرى وأهانه غاية الهوان وتقهقر إلى أقصى مملكته، وقصر قيصر وانتزع يده من بلاد الشام، فانحاز إلى قسطنطينية، وأنفق

"بالفتح والتشديد" بلدة بطرف الشام من بلاد البلقاء، فلا تراها هنا، "والنجاشي ملك الحبشة الذي تولى بعد أطحمة رحمه الله" دعاء لأصحمة كما هو ظاهر، إذ هو الذي أسلم، وكان رد المهاجرين إلى الحبشة، ونعاه النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوم موته وصلى عليه، أما الذي تولى بعده فكافر، لم يعرف له إسلام ولا اسم، والنجاشي لقب لكل من ملك الحبشة، "ثم لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم واختار الله له ما عنده من الكرامة" التي لا يدرك مداها، "قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق رضي الله عنه فلمَّ": جمع "شعث ما وهى" تفرق "عند موته عليه الصلاة والسلام" من ضعف الأمر بردة قبائل تقدم ذكرها في الرؤيا، ومنع الزكاة حتى رجعوا إلى الحق وهو جواب لما دخلته "الفاء على قلة"، "وأطد"، "بفتح الهمزة والطاء المهملة المشددة ودال مهملة ثبت"، "جزيرة العرب ومهدها، وبعث الجيوش الإسلامية إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد" سيف الله، "ففتحوا منها طرفا، وجيشا آخر صحبة أبي عبيدة" عامر بن الجراح، أمين هذه الأمة "إلى أرض الشام، وجيشا ثالثا صحبة عمرو بن العاصي إلى بلاد مصر، ففتح الله للجيش الشامي في أيامه بصرى"، "بضم

الموحدة"، "ودمشق" بكسر الدال وفتح الميم وقد تكسر"، "ومخالفيها جمع مخلاف "بكسر الميم والحاء معجمة" بناء على استعمال مخلاف في غير اليمن، بمعنى الناحية، أي نواحيها "من بلاد حوران" وما والها، وتوفاه الله واختار له ما عنده ومنّ على الإسلام وأهله بأن ألهم الصديق أن يستخلف عمر الفاروق، فقام في الأمر بعده قياما تاما، لم يدر الفلك"، "بفتحتين" بعد الأنبياء" وبعد أبي بكر، كما زاده السخاوي "على مثله في قوة سيره وكمال عدله، وتم في أيامه فتح البلاد

ص: 120

أموالهما في سبيل الله، كما أمر بذلك ووعد به صلى الله عليه وسلم.

ثم لما كانت الدولة العثمانية امتدت الممالك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك أندلس وقيروان وسبتة مما يلي البحر المحيط ومن ناحية المشرق إلى أقصى بلاد الصين، وقتل كسرى، وباد ملكه بالكلية، وفتحت مدائن العراق وخراسان والأهواز، وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جدا، وجيء بالخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمعه الأمة على حفظ القرآن، فها نحن نتقلب فيما وعدنا الله، ورسوله، وصدق الله ورسوله.

ومن ذلك قوله تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ} [البقرة: 61] ، فاليهود أذل الكفار في كل مكان وزمان كما أخبر.

الشامية بكمالها، وديار مصر إلى آخرها، وأكثر إقليم فارس، وكسر": هزم "كسرى، وأهانه غاية الهوان، وتقهقر" رجع "إلى أقصى مملكته، وقصر قيصر وانتزع يده من بلاد الشام، فانحاز إلى قسطنطينية"، "بضم القاف"، "وأنفق أموالهما في سبيل الله، كما أخبر بذلك ووعد به صلى الله عليه وسلم".

وقد قال بعض السلف: خلافة أبي بكر وعمر حق في كتاب الله، ثم تلا هذه الآية، وفي المجالسة عن ابن قتيبة: هذه الآية شاهدة لخلافة الصديق، وقوله:{لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ} ، أي بعد النبي صلى الله عليه وسلم والمراد بقوله: من بعد خوفهم أمنا الصحابة، لأنهم كانوا الخائفين في صدر الإسلام وقبل الهجرة المستضعفين، ثم وجدوا بعد هذا جميع ما وعدهم الله من النصر والظهور والعز، قاله في التماس السعد، "ثم لما كانت الدولة العثمانية" أي خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، "امتدت الممالك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك أندلس"، "بفتح الهمزة والدال وضم اللام" إقليم بالمغرب، "وقيروان"، "بفتح القاف والراء والواو" بلد بإفريقية "وسبتة"، "بفتح المهملة وسكون الموحدة وفوقية" مدينة "مما يلي البحر والمحيط و" فتح "من ناحية المشرق إلى أقصى بلا الصين"، بكسر الصاد: إقليم "وقتل كسرى وباد" هلك "ملكه بالكلية" تصديقا لقوله صلى الله عليه وسلم لما مزق كتابه: "والله ممزقه وملكه". "وفتحت مدائن العراق وخراسان"، "بضم المعجمة والتخفيف" إقليم من الري إلى مطلع الشمس "والأهواز"، "بفتح الهمزة والواو بينهما هاء ساكنة، ثم ألف فزاي" بلد مشهور "وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جدا، وجيء بالخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمعه الأمة على حفظ

ص: 121

ومن ذلك قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33] ، وهذا ظاهر في العيان بأن دين الإسلام كما أخبر عال على جميع الأديان.

ومن ذلك، قوله تعالى:{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} إلى آخرها، فكان كما أخبر، دخل الناس في دين الله أفواجا، فما مات عليه الصلاة والسلام وفي بلاد العرب كلها موضع لم يدخله الإسلام، إلى غير ذلك مما يطول استقصاؤه.

القرآن، فها نحن نتقلب فيما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله" وهذا جاء به المصنف من مؤلف لطيف لشيخه السخاوي، سماه التماس السعد في الوفاء بالوعد، وقال عقب هذا: وبهذا ظهر قوله صلى الله عليه وسلم، الذي ثبت في الصحيح: "إن الذي زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها". وقوله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم حين وفد عليه:"أتعرف الحرة"؟. قلت: لم أرها، سمعت بها. قال:"فوالذي نفسي بيده ليتمنَّ الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز". قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: "نعم كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد". قال عدي: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة، فتطوف بالبيت في غير جوار، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قالها، وقوله:"بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة، والدين والنصر، والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة نصيب".

"ومن ذلك قوله تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ} [آل عمران: 112] ، الذل والهوان {وَالْمَسْكَنَةُ} أي أثر الفقر من السكون والخزي، فهي لازمة لهم وإن كانوا أغنياء لزوم الدرهم المضروب لسكته، "فاليهود أذل الكفار في كل مكان وزمان، كما أخبر" الله تعالى، ومن ذلك أنه ليس لهم مملكة قط، بل هم مبددون في البلدان.

"ومن ذلك قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ} محمدًا صلى الله عليه وسلم: {بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ} يعليه {عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} جميع الأديان المخالفة له {وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33] ، ذلك "وهذا ظاهر في العيان"، "بكسر العين" المشاهدة، "بأن دين الإسلام كما أخبر"، بأنه يظهره "عال" مرتفع "على جميع الأديان" باعتبار زاعميها {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} .

"ومن ذلك" الإخبار بالغيب "قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ} [النصر: 1] نبيه صلى الله عليه وسلم

ص: 122

القسم الثاني: في ما أخبر به عليه الصلاة والسلام من الغيوب سوى ما في القرءان العزيز فكان كما أخبر به في حياته وبعد مماته.

أخرج الطبراني عن ابن عمر قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "إن الله قد رفع لي الدنيا، فأنا أنظر إليها وإلى ما هو كائن فيها إلى يوم القيامة، كأنما أنظر إلى كفي هذه".

وعن حذيفة قال: قام فينا رسول الله عليه الصلاة والسلام مقاما، فما ترك شيئا في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدث به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته فأراه فأعرفه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه، ثم قال

على أعدائه "والفتح" فتح مكة "إلى آخرها" أي السورة، "فكان كما أخبر، دخل الناس في دين الله أفواجا": جماعات بعدما كان فيه واحد واحد، بعد فتح مكة جاءته العرب من أقطار الأرض طائعين، "فما مات صلى الله عليه وسلم وفي بلاد العرب كلها موضع لم يدخله الإسلام، إلى غير ذلك مما يطول استقصاؤه" تتبعه والكشف عنه.

"القسم الثاني" بيان "ما" أي شيء كثير "أخبر به عليه الصلاة والسلام من الغيوب سوى ما في القرآن العزيز" الغالب على غيره، "فكان" فوجد بعد إخباره "كما أخبر" أي على الوجه الذي أخبر "به" بعضه وقع "في حياته" بعضه وقع "بعد مماته" على طبق ما قال.

"أخرج الطبراني عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله قد رفع" أي أظهر وكشف "لي الدنيا"، بحيث أحطت بجميع ما فيها، "فأنا أنظر إليها وإلى ما هو كائن فيها إلى يوم القيامة، كأنما أنظر إلى كفي هذه" إشارة إلى أنه نظر حقيقة، دفع به احتمال أنه أريد النظر العلم، ولا يرد أنه إخبار عن مشاهدة، فلا يلاقي الترجمة، لأن إخباره بذلك إخبار عن غيب عن الناس ثم يعلم باعتبار صدقه ووجوب اعتقاد ما يقوله أن كل ما علمه الناس بعده من جملة ما رآه رفعت له الدنيا صلى الله عليه وسلم.

"وعن حذيفة" بن اليمان رضي الله عنهما، "قال: قام" أي خطيبا، فعبر بالقيام عن الخطبة، لأن الخطيب يخطب قائما "فينا"، أي الصحابة، أي قام ونحن عنده، فالظرفية مجازية "رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما"، "بفتح الميم" اسم لموضع القيام، ومنه: {لَا مُقَامَ لَكُمْ} ، أي لا موضع، أما على قراءة "ضم الميم" فالمراد موضع الإقامة أو نفس الإقامة، بجعله مصدرا من أقام، "فما ترك

ص: 123

حذيفة: ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوه؟ والله ما ترك رسول الله عليه الصلاة والسلام من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلثمائة فصاعدا إلا سماه لنا باسمه واسم أبيه وقبيلته. رواه أبو داود.

وروى مسلم من حديث ابن مسعود في الدجال: فيبعثون عشرة فوارس طليعة، قال رسول الله عليه الصلاة والسلام:"إني لأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم وألوان خيولهم، هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ".

شيئا" يكون كما في أبي داود، أي يوجد ويحدث بعده من فهم أحوال المسلمين، ومن يتولى أمورهم بعده، وما يكون بعده من الفتن، والحرب، فيكون تامة، والجملة صفة "شيئا"، "في مقامه ذلك" من وضع الظاهر موضع المضمر، لكمال العناية به "إلى قيام الساعة" القيامة "إلا حدث به" أي ذكر أنه سيوجد، والفعل في تأويل الاسم، كقولهم: أنشدك الله لا فعلت، والاستثناء متصل لدخول المحدث به في "شيئا"، وقيل: منقطع بمعنى لكن، "حفظه" أي ما حدث به "من حفظه" أي استمر على حفظه بعض من سمعه لاعتنائهم به، "ونسيه من نسيه" ممن سمعه، أي لم يداوموا بذكرهم له فنسوه، وأفرد ضمير حفظه ونسيه رعاية للفظ "شيئا"، "قد علمه أصحابي هؤلاء" الحاضرون عنده من الصحابة، "وأنه" أي الشأن "ليكون" يوجد "منه الشيء" في الخارج، "قد نسيته" لطول العهد "فأراه" بعد وجوده، "فأعرفه فأذكره" أي أتذكره وأستحضره، "كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه" فيه تقديم وتأخير أي كما أن الرجل إذا غاب عنه رجل كان يعرف وهه وسمته، وهو في مخيلته، لكنه لم يذكره، فإذا رآه تذكره وعرفه، فليس إذا متعلقا بيذكر، بل ينسى المعلوم من الكلام، وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس تشبيها تمثيليا "ثم قال حذيفة: ما أدري أنسي أصحابي" هذا الحديث "أم تناسوه"، أي أظهروا نسيانه خوف الفتنة، لا لقلة الاهتمام به، كما زعم، بل لأنه من الأسرار التي لا ينبغي أن يحدث بها كل أحد، "والله" أقسم للتأكيد "ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم من قائد"، "بقاف ودال مهملة" ومن زائدة، أي محرك "فتنة" محاربة وإيقاع ضرر بالمسلمين، كالحجاج وغيره الذين معهم جند تتبعهم، كما يتبع الجمل والفرس من يقوده، وفيه استعارة بالكناية، شبه الفتنة بخيل تقاد بمقاودها، وأثبت لها القائد تخييلا، "إلى أن تنقضي الدنيا" تتم وتنتهي مدتها، ويخرب العالم "يبلغ" يصل "من معه" من أتباعه، والضمير للقائد "ثلاثمائة فصاعدا إلا" قد "سماه لنا" صلى الله عليه وسلم "باسمه واسم أبيه وقبيلته" التي عرف بها أعم من كونها منها نسبا أو حلفا أو مقيما عندهم أو غير ذلك، بحيث لم يبق فيه شبهة، والجملة صفة قائد فتنة، أي أنه إنما ذكر منهم من جمعه ثلاثمائة، فأزيد، فإن نقص عنها لم يذكره

ص: 124

فوضح من هذا الخبر وغيره مما سيأتي من الأخبار، وسنح من خواطر الأبرار الأخيار أنه عليه الصلاة والسلام عرفهم بما يقع في حياته وبعد موته، وما قد انحتم وقوعه فلا سبيل إلى فوته.

"رواه أبو داود" من طريق أبي وائل، عن حذيفة به، وروى صدره الشيخان، حتى قوله: عرفه، ولذا عزاه المصنف لأبي داود لزيادة، ثم قال حذيفة إلى آخر الحديث.

"وروى مسلم" في أواخر صحيحه، في كتاب الفتن، "من حديث ابن مسعود في" أمر "الدجال" من طريق أبي قتادة العدوي، عن يسير بن جابر "بضم التحتية فسين مهملة مصغر" أو يقال أصله أسير، فسهلت الهمزة، قال: هاجت ريح حمراء بالكوفة، فجاء رجل ليس له هجيري، ألا يا عبد الله بن مسعود جاءت الساعة، قال: فقعد وكان متكئا، فقال: إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح بغنيمة، ثم قال: بيده هكذا ونحاها نحو الشام، فقال: عدو يجتمعون لأهل الشام، ويجتمع لهم أهل الشام، قلت: الروم، يعني قال: نعم، ويكون عند ذلكم القتال ردة شديدة "بفتح الراء" أي هزيمة، فيشترط المسلمون شرطة الموت، لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيبقى هؤلاء وهؤلاء، كل غير غالب وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة الموت، لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يمسوا، فيبقى هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب وتفنى الشرطة، فإذا كان اليوم الرابع نهد إليهم بقية الإسلام، فيجعل الله الدبرة عليهم فيقتتلون مقتلة إما قال لا يرى مثلها، وإما قال لم ير مثلها، حتى أن الطائر ليمر بجنبتهم، فما يخلفهم حتى يخر ميتا، فيتعاد بنو الأب، كانوا مائة فلا يجدون بقي منهم إلا الرجل الواحد، فبأي غنيمة يفرح، أو أي ميراث يقاسم، فبينما هم كذلك إذ سمعوا بناس هم أكثر من ذلك، فجاءهم الصريخ أن الدجال قد خلفهم في ذراريهم، فيرفضون ما في أيديهم، ويقبلون، "فيبعثون عشرة فوارس طليعة"، "بطاء مهملة بوزن فعيلة" القوم، يبعثون أما الجيش، يتعرفون طلع العدو "بالكسر" أي خبره.

"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم": "إني لأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم، وألوان خيولهم" التي يركبون عليها، "هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ" أو من خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ، هكذا في مسلم بالشك لبذلهم نفوسهم في نصر دين الله تعالى، وقوله: ليس له هجيري "بكسر الهاء والجيم مشددة والقصر"، أي شأن ودأب، وقوله: فيشترط المسلمون ضبط بوجهين "بتحتية ثم فوقية، وفتح الشين والراء المشددة، فطاء وبتحتية فشين ساكنة، ففوقية فطاء مهملة"، والشرطة "بضم المعجمة" أول طائفة من الجند تتقدم للقتال، ومعنى نهد بدال مهملة نهض، والدبرة "بفتح المهملة وسكون الموحدة" أي الهزيمة على الروح، وقوله فما يخلفهم، أي

ص: 125

وقال أبو ذر: لقد تركنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علما.

ولا شك أن الله تعالى قد أطلعه على أزيد من ذلك، وألقى عليه علم الأولين والآخرين. وأما علم عوارف المعارف الإلهية فتلك لا يتناهى عددها، وإليه عليه الصلاة والسلام ينتهي مددها.

ومن ذلك ما رواه الشيخان عن أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام نعى النجاشي للناس في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وصلى عليه وكبر أربع تكبيرات.

وفي حديث أنس عند أحمد والبخاري: أن النبي عليه الصلاة والسلام صعد أحدًا، ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم الجبل فضربه برجله وقال له: "اثبت

يتجاوزهم، "فوضح" انكشف وانجلى "من هذا الخبر وغيره مما سيأتي من الأخبار، وسنح"، "بمهملتين بينهما نون"، أي ظهر وعبر به تفننا، إذ هو بمعنى وضح "من خواطر الأبرار الأخيار أنه صلى الله عليه وسلم عرفهم" أعلمهم "بما يقع في حياته وبعد موته، وما قد انحتم وقوعه" أي وجب وجوبا لا يمكن إسقاطه، "فلا سبيل إلى فوته" بل لا بد منه.

"وقال أبو ذر" في حديث رواه أحمد والطبراني وغيرهما: "لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي ذهب عنا وانتقل إلى الآخرة "و" الحال أنه "ما يحرك طائر جناحيه في" جو "السماء إلا ذكرنا منه علما" أي عرفنا بعلامات فيه تدل على أشياء تقصد من طيرانه على الصفة التي هو عليها، كذا في الشرح.

وقال غيره: أي ذكر لنا من طيرانه علما يتعلق به، فكيف بغيره مما يهمنا في الأرض، وهذا تمثيل لبيان كل شيء تفصيلا تارة، وإجمالا أخرى، والمعنى لم يدع شيئا إلا بينه لنا، بحيث لا يخفى علينا شيء بعده، وقد كان خطب قبل وفاته خطبا، أطال فيها مرة من الصباح إلى الظهر ومرة من الظهر إلى قبيل الغروب، لم يدع شيئا إلا بينه لأصحابه.

وفي رواية: إلا ذكر لنا منه علما، "ولا شك أن الله تعالى قد أطلعه على أزيد من ذلك، وألقى عليه علم الأولين والآخرين" وعطف على ما فهم مما سبق أنه فيما يتعلق بأحوال الدنيا مما يمكن علمها والاطلاع عليها قوله: "وأما علم عوارف المعارف الإلهية، فتلك لا يتناهى عددها، وإليه صلى الله عليه وسلم ينتهي مددها" لا إلى غيره، إذ لا يصل إلى ذلك، "ومن ذلك" الغيب الذي أخبر به قبل وقوعه "ما رواه الشيخان" من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، "عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي"، "بفتح النون" واسمه أصحمة

ص: 126

أحد! فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان". فكان كما أخبر عليه الصلاة والسلام.

ومن ذلك: ما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال: "إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي

"للناس" أي أخبرهم بموته "في اليوم الذي مات فيه" في رجب سنة تسع، قاله ابن جرير وجماعة، وقيل: مات قبل الفتح، وفيه جواز الإعلام بالجنازة ليجتمع الناس للصلاة، والنعي المنهي عنه هو ما يكون معه صياح، خلافا لزاعم أنه الإعلام بالموت للاجتماع، فإن شهود الجنائز خير، والدعاء إلى الخير خير جماعا، قاله ابن عبد البر.

وفي رواية للبخاري: نعى لنا النجاشي يوم مات، فقال:"استغفروا لأخيكم". "وخرج بهم إلى المصلى" مكان ببطحان، فقوله في رواية ابن ماجه: فخرج وأصحابه إلى البقيع، أي بقيع بطحان، أو المراد موضع معد للجنائز ببقيع الغرقد غير مصلى العيدين، والأول أظهر، قاله الحافظ.

وفي الصحيحين عن جابر، مرفوعا:"قد توفي اليوم رجل صالح من الحبش، فهلم فصلوا عليه" وللبخاري: "فقوموا، فصلوا على أخيكم أصحمة"، ولمسلم:"مات عبد الله صالح أصحمة". وفي الإصابة: جاء في بعض طرق حديث أبي هريرة: أصبحنا ذات يوم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه جبريل، فقال: إن أخاك أصحمة النجاشي، قد توفي، فصلوا عليه، فوثب ووثبنا معه حتى جاء المصلى، "فصف بهم" لازم والباء بمعنى مع"، أي صف معهم، أو متعد والباء زائدة للتوكيد، أصفهم، لأن الظاهر أن الإمام متقدم فلا يوصف بأنه صاف معهم إلا على المعنى الآخر، قاله الحافظ، "وصلى عليه وكبر أربع تكبيرات" إشاعة لموته على الإسلام، لأن بعض الناس لم يعلم بأنه أسلم.

وفي صحيح ابن حبان، عن عمران بن حصين: فقاموا وصلوا خلفه وهم لا يظنون، إلا أن جنازته بين يديه.

وفي صحيح أبي عوانة، عن عمران: فصلينا خلفه ونحن لا نرى، إلا أن جنازته قدامنا.

وذكر الواحدي: بلا سند، عن ابن عباس قال: كشف للنبي صلى الله عليه وسلم عن سرير النجاشي، حتى رآه وصلى عليه، وعلى هذا فصلاته كصلاة الإمام على ميت رآه، ولم يره المأموم، ولا خلاف في جوازها، وقد أشبعت الكلام على هذا الحديث في شرح الموطأ، ولله الحمد.

"وفي حديث أنس عند أحمد والبخاري" وأبي داود والترمذي والنسائي "أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد"، "بكسر العين" علا "أحدا" الجبل المعروف بالمدينة، ولمسلم عن أبي سعيد، وأحمد بإسناد صحيح عن بريدة حراء، وجمع بتعدد القصة لما في مسلم، عن أبي هريرة أنه كان على حراء ومعه المذكورون هنا، وزاد: وعلي وطلحة والزبير "ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فرجف" أي

ص: 127

نفسي بيده لتنفقن في سبيل الله، قال النووي قال الشافعي وسائر العلماء: معنا لا يكون كسرى بالعراق ولا قيصر بالشام، كما كان في زمنه عليه الصلاة والسلام، فأعلمنا عليه الصلاة والسلام بانقطاع ملكهما من هذين الإقليمين، فكان كما قال، فأما كسرى فانقطع ملكه بالكلية من جميع الأرض، وتمزق ملكه كل ممزق، واضمحل بدعوة النبي عليه الصلاة والسلام، وأما قيصر فانهزم من الشام ودخل أقصى بلاده، فافتتح المسلمون بلاده واستقرت للمسلمين، ولله الحمد.

وقد وقع ذلك في خلافة سيدنا عمر بن الخطاب كما قدمته. وقال عليه

تحرك واضطرب "بهم الجبل، فضربه برجله" الشريفة صلى الله عليه وسلم، "وقال له":"اثبت أحد" منادى بحذف الأداة ونداؤه خطابه، وهو يحتمل المجاز والحقيقة، وهو الظاهر، ويؤيده ضربه برجله، "فإنما عليك نبي وصديق"، "بكسر الصاد وشد الدال" ملازم للصدق.

وفي الطبراني: برجال ثقات أن عليا كان يحلف أن الله أنزل اسم أبي بكر من السماء الصديق، "وشهيدان" عمر وعثمان.

قال ابن المنير: قيل: حكمة ذلك أنه لما رجف أراد صلى الله عليه وسلم أن يبين أن هذه الرجفة ليست من جنس رجفة الجبل بقوم موسى لما حرفوا الكلم، وأن تلك رجفة الغضب، وهذه رجفة الطرب، ولذا نص على مقام النبوة والصديقية والشهادة التي توجب سرور ما اتصلت به لا رجفانه، فأقر الجبل بذلك فاستقر وتقدم لهذا مزيد، "فكان كما أخبر عليه الصلاة والسلام، ومن ذلك ما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا هلك كسرى"، "بكسر الكاف" على الأفصح، وقد تفتح لقب لكل من ملك الفرس، أي إذا مات كسرى أنوشروان بن هرمز، "فلا كسرى بعده" بالعراق، "وإذا هلك" مات "قيصر" لقب لكل من ملك الروم، والمراد هرقل، "فلا قيصر بعده" بالشام، "والذي نفسي بيده لتنفقن"، "بضم الفوقية وسكون النون وكسر الفاء وضم القاف"، " كنوزهما" مالهما المدفون، أو الذي جمع وادخر "في سبيل الله" عز وجل، وقد وقع ذلك.

وفي نسخة: الناصرية "بفتح الفاء والقاف" مصلحة، ورفع كنوزهما قاله المصنف.

"قال النووي: قال الشافعي" الإمام "وسائر العلماء: معناه لا يكون كسرى بالعراق، ولا قيصر بالشام، كما كان في زمنه عليه الصلاة والسلام" فلا يشكل ببقاء مملكة الفرس مدة، لأن آخرهم قتل في زمن عثمان، وببقاء مملكة الروم إلى الآن، "فأعلمنا صلى الله عليه وسلم، بانقطاع ملكهما من هذين الإقليمين، فكان كما قال، فأما كسرى، فانقطع ملكه بالكلية من جميع الأرض، وتمزق ملكه كل ممزق" فرق جيشه في البلاد كل تفريق، "واضمحل بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم" لما مزق

ص: 128

الصلاة والسلام لسراقة: "كيف بك إذا لبست سواري كسرى"؟ ، فلما أتى بهما عمر ألبسهما إياه وقال: الحمد لله الذي سلبهما كسرى وألبسهما سراقة.

ومن ذلك: إخباره عليه الصلاة والسلام بالمال الذي تركه عمه العباس عند أم الفضل، بعد أن كتمه، فقال: ما علمه غيري وغيرها وأسلم كما تقدم ذلك في غزوة بدر من المقصد الأول.

كتابه إليه أن يمزق ملكه كل ممزق، وأحسن القائل:

وكسر كسرى بتمزيق الكتاب فقد

أذاقه الله تمزيقا بتمزيق

"وأما قيصر، فانهزم من الشام ودخل أقصى بلاده، فافتتح المسلمون بلاده" الشامية كلها وما والاها، "واستقر للمسلمين ولله الحمد" وإنما بقي ملكه في غيرها، لأنه قبل كتاب النبي صلى الله عليه وسلم وأجله، وكاد أن يسلم. انتهى.

قال الشافعي: وسبب الحديث أن قريشا كانوا يأتون الشام والعراق تجارا، فلما أسلموا خافوا انقطاع سفرهم إليهم لدخولهم في الإسلام فقال، النبي صلى الله عليه وسلم لهم ذلك تطييبا لقلوبهم، وتبشيرا لهم، بأن ملكهما سيزول عن الإقليمين المذكورين.

وقال الخطابي: معناه: فلا قيصر بعده يملك مثل ما ملك، وذلك أنه كان بالشام وبها بيت المقدس الذي لا يتم للنصارى نسك إلا به، ولا يملك على الروم أحد إلا إذا كان دخله إما سرا وإما جهرا فانجلى عنها قيصر، واستفتحت خزائنه، ولم يخلفه أحد من القياصرة في تلك البلاد بعده.

"وقد وقع ذلك في خلافة سيدنا عمر كما قدمته" وعاش قيصر إلى سنة عشرين على الصحيح، وقيل مات في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والذي حارب المسلمين بالشام ولده، ولقبه أيضا قيصر وأما كسرى بن هرمز الذي كتب إليه صلى الله عليه وسلم، فهلك في زمنه وتولى ابنه شيرويه، ثم هلك عن قرب، فأمروا عليهم بنته توران، فقال صلى الله عليه وسلم:"لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة". "وقال عليه الصلاة والسلام" كما رواه البيهقي "لسراقة" المدلجي، الذي تعرض له ليرده عن الهجرة، فساخت قوائم فرسه، فطلب الأمان:"كيف بك" جواب عما أبهم من الأحوال، وهو استخبار يتضمن التعجب من حاله التي هو عليها، لأن كل أحد لا ينفك عن حال من الأحوال إذا طرأ عليه ما لم يعهد مثله ونال ما لم ينال أمثاله، فكني عنه بما ذكر، وفيه من البلاغة ما لا يخفى "إذا لبست" أي وضعت ساعديك "سواري كسرى"، "مثنى سوار بضم السين وكسرها" ومثل هذا يسمى لبسا في اللغة، "فلما أتى بهما عمر ألبسهما إياه" أي سراقة تحقيقا للمعجزة، وهذا جاء على القلب، والأصل ألبسه إياهما، "وقال" عمر:"الحمد لله" على تصديق كلمة النبوة وإعزاز دينه

ص: 129

وإخباره عليه الصلاة والسلام بشأن كتاب حاطب إلى أهل مكة.

وبموضع ناقته حين ضلت وكيف تعلقت بخطامها في الشجرة.

ولما رجع المشركون يوم الأحزاب، قال النبي عليه الصلاة والسلام:"الآن نغزوهم ولا يغزونا". فلم يُغْزَ رسول الله عليه الصلاة والسلام.

وبعث عليه الصلاة والسلام جيشا إلى مؤته، وأمر عليهم زيد بن حارثة ثم قال:"فإن أصيب فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب فعبد الله بن رواحة". فلما التقى المسلمون بمؤتة جلس النبي عليه الصلاة والسلام على المنبر، فكشف له حتى

وزوال شوكة أعدائه وما فتح الله على يديه "الذي سلبهما كسرى وألبسهما سراقة" أعرابي بدوي من بني مدلج متقشف.

وفي رواية البيهقي أنه وضعهما في يديه، فبلغا منكبيه، فقال عمر: الحمد لله الذي جعل سواري كسرى بن هرمز في يدي سراقة بن مالك، ثم قال له: قل: الله أكبر الله أكبر وحمدًا لله على منه بنعمة الفتح وإعزاز الدين، وكبر تعظيما لمالك الملك الذي يؤتي ملكه من يشاء وينزعه ممن يشاء، فتبارك الله الذي بيده الملك، الذي قصم من نازعه رداء كبريائه، فلا سلطان إلا سلطانه، ولا عز لغير من أعزه، وليس في هذا استعمال الذهب وهو حرام؛ لأنه إنما فعله تحقيقا لمعجزة الرسول من غير أن يقرهما، فإنه روي أنه أمره، فنزعهما وجعلهما في الغنيمة، ومثل هذا لا يعد استعمالا.

"ومن ذلك إخباره عليه الصلاة والسلام بالمال" أي الذهب "الذي تركه عمه العباس" لما خرج إلى بدر ومعه عشرون أوقية من ذهب ليطم بها المشركين، فأخذت منه في الحرب "عند أم الفضل" زوجته لتربية الأولاد إن مات "بعد أن كتمه" وسأل أن يحسب العشرين أوقية من فدائه، فأتى صلى الله عليه وسلم فقال: تتركني أتكفف قريضا، فقال:"فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة". "فقال: ما علمه غيري وغيرها" وما يدريك؟ فقال: "أخبرني ربي". "وأسلم كما تقدم ذلك في غزوة بدر" العظمى "من المقصد الأول".

"وإخباره صلى الله عليه وسلم بشأن كتاب حاطب إلى أهل مكة" لما عزم على فتحها، ومر ما فيه من الإشكال، وجوابه ثمة "وبموضع ناقته حين ضلت" ببعض طريق تبوك، فقال بعض المنافقين: لو كان نبيا لعلم أين هي، فقال:"إني لا أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها". "وكيف تعلقت بخطامها في الشجرة" فقال: "وهي في الوادي في شعب كذا وكذا، وقد حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتوني بها". كما مر، "ولما رجع" انصرف "المشركون يوم الأحزاب، قال صلى الله عليه وسلم: "الآن" ، أي من الآن "نغزوهم" نقصدهم بالحرب، "ولا يغزونا" لا يقصدونا به، فكان

ص: 130

نظر إلى معتركهم فقال: "أخذ الراية زيد بن حارثة حتى استشهد". فصلى عليه، ثم قال:"استغفروا له، ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب حتى استشهد". فصلى عليه، ثم قال:"استغفروا لأخيكم جعفر، ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فاستشهد". فصلى عليه، ثم قال:"استغفروا لأخيكم". فأخبر أصحابه بقتلهم في الساعة التي قتلوا فيها، ومؤته دون دمشق بأرض البلقاء.

وعن أسماء بنت عميس قالت: دخل رسول الله عليه الصلاة والسلام صبيحة اليوم الذي قتل فيه جعفر وأصحابه فقال: "يا أسماء! أين بنو جعفر"؟. فجئت بهم، فضمهم وشمهم ثم ذرفت عيناه بالدموع فبكى، فقلت: يا رسول الله! أبلغك

كذلك، "فلم يغز رسول الله صلى الله عليه وسلم" بعد، فإنه اعتمر في سنة فصدوه، ووقعت الهدنة بينهم إلى أن نقضوها، فغزاهم وفتح مكة، "وبعث صلى الله عليه وسلم جيشا" عدته ثلاثة آلاف "إلى مؤتة"، "بضم الميم وسكون الواو بغير همز عند الأكثر، وعند الأقل بالهمز"، "وأمر عليهم زيد بن حارثة" حبه ومولاه أبا أسامة، "ثم قال:"فإن أصيب" أي قتل "فجعفر بن أبي طالب" أميرهم، "فإن أصيب فعبد الله بن رواحة الأمير، فإن أصيب فليرتض المسلمون برجل من بينهم يجعلونه عليهم". كما هو بقية الحديث، "فلما التقى المسلمون بمؤتة جلس النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، فكشف له حتى نظر إلى معتركهم"، "بضم الميم وفتح الراء" موضع العراك والمعاركة، أي: القتال، وفي نسخة: معركتهم، "فقال:"أخذ الراية زيد بن حارثة" أي حملها على العادة أن حاملها الأمير، وقد يدفعها لمقدم عسكره وإلا فهي معه من حين دفعها له صلى الله عليه وسلم بالمدينة، كما قدم المصنف، أنه عقد لواء أبيض، ودفعه إلى زيد "حتى استشهد" طعنا بالرماح، "فصلى عليه" أي دعا له، "ثم قال":"استغفروا له، ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب" فقاتل على فرسه فأحاط به القتال، فنزل عنها وقاتل "حتى استشهد" بضربة رجل من النصارى، فقطعه نصفين "فصلى عليه" دعا له "ثم قال":"استغفروا لأخيكم جعفر، ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة، فاستشهد". "فصلى عليه" دعا له، فليس المراد صلاة الجنازة، إذ هم شهداء معركة، "ثم قال":"استغفروا لأخيكم". "فأخبر أصحابه بقتلهم في الساعة التي قتلوا فيها، ومؤتة دون دمشق بأرض البلقاء"، "بفتح الموحدة وسكون اللام وبالقاف والمد" مدينة معروفة هناك.

قال عياض: وبينه عليه السلام وبينهم مسيرة شهر أو أزيد، واعترض بأن بين المدينة ومؤتة نحو عشر مراحل يعرف ذلك من سلك طريقها، لكنه لم يعرفه لبعد بلاده، ورد بأنه يقتضي أنه قاله من عند نفسه بلا ثبت وليس كذلك، فإنه يختلف باختلاف الأحوال، كالماشي، وسير الجمال بأحمالها بخلاف الفرسان، وبطول الأيام وقصرها.

ص: 131

عن جعفر شيء؟ قال: "نعم قتل اليوم"، رواه يعقوب الإسفراييني في كتابه دلائل الإعجاز، وخرجه ابن إسحاق والبغوي.

ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: "زويت لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها". فكان كذلك امتدت في المشارق والمغارب ما بين أقصى الهند إلى أقصى المشرق إلى بحر طنجة حيث لا عمارة وراءه، وذلك ما لم يملكه أحد من الأمم.

ومن ذلك: إعلامه قريشا بأكل الأرضة ما في صحيفتهم التي تظاهروا بها

"وعن أسماء بنت عميس"، "بمهملتين" مصغر زوجة جعفر، "قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة اليوم الذي قتل فيه جعفر وأصحابه" ثلاثة عشر بجعفر، وقدمت أسماءهم بغزوة مؤتة، وأن الكفار كانوا أكثر من مائتي ألف، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وأصابوا غنيمة، وفي هذا مزيد عز ظاهر للإسلام كما لا يخفى، "فقال": "يا أسماء أين بنو جعفر"؟ عبد الله ومحمد وعون، "فجئت بهم، فضمهم وشمهم، ثم ذرفت"، "بفتح الذال والراء وبالفاء" أي سالت "عيناه بالدموع، فبكى، فقلت: يا رسول الله أبلغك عن جعفر"، زاد في رواية ابن إسحاق وأصحابه: "شيء؟ قال": "نعم قتل اليوم". وعند ابن إسحاق: "نعم أصيبوا هذا اليوم". "رواه يعقوب الإسفراييني"، "بكسر الهمزة وسكون السين وفتح الفاء والراء وكسر التحتية بلا همز" نسبة إلى إسفرايين بليدة بنواحي نيسابور "في كتابه دلائل الإعجاز، وخرجه ابن إسحاق" محمد في السير، "والبغوي" الكبير عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، عاش مائة وثلاث سنين.

"ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: "زويت"، "بضم الزاي مبني للمجهول"، أي جمعت "لي الأرض" وضم بعضها لبعض لأطلع على جميعها، كما جزم به عياض، وجوز بعض أنه كناية عن رفع الحجب وسعة الاطلاع والخروج من صفة البشر إلى صفة غيره، والمراد غالب الأرض، أطلق عليه اسم الكل مبالغة في الكثرة والإسراع، ثم يحتمل أن ذلك ليلة الإسراء أو غيرها من الليالي أو الأيام، "فرأيت مشارقها ومغاربها" كناية عن جميعها، كما في قوله: {رَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ} ، أو الجمع باعتبار تعدد المطالع، أو أنه لم يذكر الجنوب والشمال؛ لأن معظم امتداد هذه الأمة في جهتي المشرق والمغرب، "وسيبلغ ملك أمتي ما زوي" ضم وجمع "لي منها" أي الأرض أو المشارق والمغارب، وهذا الحديث أخرجه مسلم عن ثوبان، مرفوعا: "إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وإني أعطيت الكنزين الأحمر والأبيض". الحديث.

ص: 132

على بني هاشم، وقطعوا بها رحمهم، وأنها أبقت فيها كل اسم لله، فوجدوها كما قال عليه الصلاة والسلام.

ومن ذلك: ما رواه الطبراني في الكبير، والبزار من حديث ابن عمر قال: كنت جالسا مع النبي عليه الصلاة والسلام في مسجد منى، فأتاه رجل من الأنصار ورجل من ثقيف فسلما ثم قالا: يا رسول الله! جئنا نسألك فقال: "إن شئتما أن أخبركما بما جئتما تسألاني عنه فعلت، وإن شئتما أن أمسك وتسألاني فعلت". فقالا: أخبرنا يا رسول الله! فقال الثقفي للأنصاري: سل. فقال: أخبرني يا رسول الله! فقال: "جئتني تسألني عن مخرجك من بيتك تؤم البيت الحرام وما لك فيه، وعن ركعتيك بعد الطواف وما لك فيهما، وعن سعيك بين الصفا والمروة وما لك فيه، وعن وقوفك عشية عرفة وما لك فيه، وعن رميك الجمار وما لك

قال عياض: إنهما الذهب والفضة كنزا كسرى وقيصر ملكي الشام والعراق، لأنه في حديث آخر أضاف الدرهم إلى العراق، وكانت مملكة كسرى والدينار إلى الشام وهي مملكة قيصر، "فكان كذلك امتدت" اتسعت أو انتشرت "في المشارق والمغارب ما بين أقصى أرض الهند إلى أقصى أرض المشرق إلى بحر طنجة"، "بفتح الطاء المهملة وسكون النون وفتح الجيم" بلد بساحل بحر المغرب "حيث لا عمارة"، "بكسر العين"، "وراءه" أي ليس بعده بلاد ولا جزائر معمورة، "وذلك" الذي امتد لهذه الأمة "ما" أي قدر "لم يملكه أحد من الأمم" السالفة.

"ومن ذلك إعلامه قريشا بأكل الأرضة"، "بفتح الهمزة والراء والضاد المعجمة" دويبة "ما في صحيفتهم"، وفي نسخة: ما في الصحيفة وهو موصول مفعول أكل الصدر، والأرضة فاعل، أي إعلامه أن الأرضة أكلت الحروف المكتوبة في الصحيفة، "التي تظاهروا بها على بني هاشم وقطعوا بها رحمهم، وأنها أبقت فيها كل اسم لله، فوجدوها كما قال عليه الصلاة والسلام" وسبقت القصة مفصلة في المقصد الأول.

"ومن ذلك ما رواه الطبراني في الكبير، والبزار" واللفظ له برجال ثقات، كما قال المنذري، ورواه ابن حبان بنحوه: كلهم "من حديث ابن عمر" عبد الله، "قال: كنت جالسا مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد منى" هو مسجد الخيف، "فأتاه رجل من الأنصار ورجل من ثقيف، فسلما" فرد عليهما ولم يذكره؛ لأنه معلوم، "ثم قالا: يا رسول الله جئنا نسألك" كل عن سؤال، "فقال": "إن شئتما أن أخبركما بما جئتما تسألاني عنه فعلت"، "بتاء المتكلم"، "وإن شئتما أن أمسك" عن الإخبار "وتسألاني فعلت". "فقالا: أخبرنا يا رسول الله".

ص: 133

فيه، وعن نحرك، وعن حلاقك رأسك وما لك فيه مع الإضافة". فقال: والذي بعثك بالحق لعن هذا جئت أسألك.

ومن ذلك: ما روي عن واثلة بن الأسقع قال: أتيت رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو في نفر من أصحابه يحدثهم، فجلست وسط الحلقة، فقال بعضهم: يا واثلة قم عن هذا المجلس، فقد نهينا عنه، فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام:

زاد في حديث أنس عند البيهقي: لنزداد إيمانا ونزداد يقينا، "فقال الثقفي للأنصاري: سل" وفي رواية ابن حبان عن ابن عمر: جاء أنصاري فقال: يا رسول الله كلمات أسأل عنهن، قال: "اجلس"، وجاء ثقفي فقال: يا رسول الله كلمات أسأل عنهن، فقال: "سبقك الأنصاري"، فقال الأنصاري: إنه غريب وإن للغريب حقا، فابدأ به، فأقبل على الثقفي، فقال: "إن شئت"

إلخ، فذكر الحديث إلى أن قال: فقام الثقفي، ثم أقبل على الأنصاري، فذكر نحوه.

وفي حديث أنس عند البيهقي فقال الأنصاري للثقفي: سل، فقال: بل أنت فسله، فإني أعرف حقك، فظاهر هذا كالرواية التي ساقها المصنف، أن الأنصاري تقدم بالسؤال، وصريح رواية ابن حبان أن المتقدم هو الثقفي؛ لأنه رتب ثم بعد ذكر سؤاله، وإخبار المصطفى بما جاء يسأل عنه، وقوله: فقام الثقفي، ثم أقبل على الأنصاري، ولعل وجه الجمع أن الأنصاري لما علم أن الحق له في التقديم، وطلب تقديم الثقفي لكون غريبا، وأبى الثقفي، وقال:"بل أنت فسله، فإني أعرف حقك، أي: بسبق السؤال وسبق الإسلام، ولم يرض بذلك الأنصاري، وصمم على تقديم الثقفي عليه إكراما له لغربته ولمعرفته حقه، "فقال" الأنصاري "أخبرني يا رسول الله! فقال": "جئتني تسألني عن مخرجك" خروجك "من بيتك، تؤم" تقصد "البيت الحرام وما لك فيه" من الثواب، "وعن ركعتيك بعد الطواف فيهما، وعن سعيك بين الصفا والمروة وما لك فيه، وعن وقوفك عشية عرفة" بها "وما لك فيه، وعن رميك الجمار" يوم النحر وبعده "وما لك فيه وعن نحرك" هديك، "وعن حلاقك رأسك وما لك فيه مع الإضافة"، فقال: والذي بعثك بالحق لعن هذا جئت أسألك" قال صلى الله عليه وسلم: "فإنك إذا خرجت من بيتك تؤم البيت الحرام لم تضع ناقتك خفا، ولم ترفعه إلا كتب الله لك به حسنة ومحا به عنك خطيئة، وترفع بها لك درجة، وأما ركعتاك بعد الطواف، فإنهما كعتق رقبة من بني إسماعيل، وأما طوافك بالصفا والمروة، فكعتق سبعين رقبة، وأما وقوفك عشية عرفة، فإن الله يهبط إلى السماء الدنيا، فيباهي بكم الملائكة، فيقول: هؤلاء عبادي، جاءوني شعثا غبرا من كل فج عميق، يرجون رحمتي ومغفرتي، فلو كانت ذنوبكم عدد الرمال وزبد البحر لغفرتها، أفيضوا عبادي مغفورا لكم ولمن شفعتم له، وأما رميك الجمار فلك بكل حصاة رميتها تكفير كبيرة من الكبائر الموبقات، وأما

ص: 134

"دعوني وإياه فإني أعلم ما الذي أخرجه من منزله". فقلت: يا رسول الله ما الذي أخرجني من منزلي؟ قال: "أخرجك من منزلك لتسأل عن البر وعن الشك". قال: قلت: والذي بعثك بالحق ما أخرجني غيره، فقال عليه الصلاة والسلام:"البر ما استقر في الصدر، واطمأن إليه القلب، والشك ما لم يستقر في الصدر، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك وإن أفتاك المفتون".

ومن ذلك: قوله لفاطمة رضي الله عنها في مرضه: "وإنك أول أهلي لحاقا

نحرك فهو خير لك عند ربك، وأما حلاق رأسك فلك بكل شعرة حلقتها حسنة، ويمحي عنك بها خطيئة". قلت: يا رسول الله فإن كانت الذنوب أقل من ذلك، قال:"يدخر لك في حسناتك، وأما طوافك بالبيت بعد ذلك، فإنك تطوف ولا ذنب لك، يأتي ملك حتى يقع بين كتفيك، ثم يقول اعمل لما يستقبل فقد غفر لك ما مضى".

قال الثقفي: أخبرني يا رسول الله، قال:"جئت تسألني عن الصلاة، إذا غسلت وجهك انتثرت الذنوب من أشفار عينيك، وإذا غسلت يديك انتثرت الذنوب من أظفار يديك، وإذا مسحت برأسك انتثرت الذنوب عن رأسك، وإذا غسلت رجليك انتثرت الذنوب من أظفار قدميك"

الحديث، وفيه ذكر الرجوع والسجود والصلاة والصوم، فاقتصر المصنف على حاجته منه وهو الإخبار بالغيب، أما بقية الحديث، فمعلوم عند أصحابه، فلا يقال اقتصاره يقتضي أنه صلى الله عليه وسلم لم يجبه عن سؤاله، وأن الثقفي اكتفى بسؤال الأنصاري وليس كذلك، لا سيما والثقفي هو السابق بالسؤال.

"ومن ذلك ما روي"، "عن واثلة"، "بمثلثة"، "ابن الأسقع"، "بقاف" ابن كعب الليثي، نزل الشام ومات في سنة خمس وثمانين وله مائة وخمس سنين، "قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في نفر من أصحابه يحدثهم، فجلست وسط الحلقة"، "بفتح السين وسكونها"، "فقال بعضهم: يا واثلة قم عن هذا المجلس فقد نهينا عنه"، "بضم النون للعلم بالناهي" صلى الله عليه وسلم.

روى أبو داود عن حذيفة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن من جلس وسط الحلقة وهو عند الترمذي، وقال حسن صحيح، بلفظ: إن رجلا جلس وسط الحلقة، فقال حذيفة: ملعون على لسان محمد، أو لعن الله على لسان محمد من جلس وسط الحلقة، قال الحاكم على شرط الشيخين، "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم":"دعني" اتركوني "وإياه" يستفاد منه أن محل النهي ما لم يكن لحاجة، " "فإني أعلم ما الذي أخرجه من منزله"، فقلت: يا رسول الله ما الذي أخرجني من منزلي"؟ ، أي أخبرني به لأزداد إيمانا، قال:"أخرجك من منزلك لتسأل"، أي إرادة وصولك إليّ لتسأل "عن البر وعن الشك". "قال" واثلة: "قلت: والذي بعثك بالحق ما أخرجني غيره،

ص: 135

بي". فعاشت بعده ثمانية أشهر، وقيل: ستة أشهر.

وقوله عليه الصلاة والسلام لنسائه: "أسرعكن بي لحاقا، أطولكن يدا". فكانت

فقال صلى الله عليه وسلم: "البر"، "بالكسر" أي الفعل المرضي الذي هو في تزكية النفس كالبر "بالضم" في تغذية البدن، والحصر مجازي، فالمراد معظم البر "ما استقر" أي ثبت "في الصدر" المحتوي على القلب "واطمأن إليه القلب" لأنه سبحانه فطر عباده على الميل إلى الحق والسكون إليه، وركز في طبعهم حبه.

قال عياض: البر مشترك بين الصلة والصدق واللطف والمبرة وحسن الصحبة والعشرة، وهذه يجمعها حسن الخلق، أي يستلزمها، ولذا قال صلى الله عليه وسلم في حديث النواس:"البر حسن الخلق". "والشك ما لم يستقر" يثبت ويرسخ "في الصدر" بل تحرك وخطر، ولم يمازج نور القلب ولم يطمئن إليه، "فدع" أترك "ما يريبك إلى ما لا يريبك". "بفتح الياء وضمها فيهما، والفتح أكثر" رواية: وأفصح، أي أترك ما اعترض لك الشك فيه منقلبا إلى ما شك فيه، فإذا شككت في كون الشيء حسنا أو قبيحا أو حلالا أو حراما فاركه، واعدل إلى ما تيقنت حسنه وحله والأمر للندب، لأن اتقاء الشبهات مستحب لا واجب على الأصح، لحديث:"فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه". "وإن أفتاك المفتون"، أي جعلوا لك رخصة، وذلك لأن على قلب المؤمن نورا يتقد، فإذا ورد عليه الحق التقى هو ونور القلب فامتزجا وائتلفا، فاطمأن القلب وهش، وإذا ورد عليه الباطل نفر نور القلب، ولم يمازجه، فاضطرب القلب.

قال القرطبي: وإنما أحاله في الجواب على هذا الإدراك القلبي، لعلمه بجودة فهمه وتنوير قلبه، كما في الحديث الآخر:"العلم حزار القلوب"، أي القلوب المنشرحة للإيمان، المستضيئة بنور العلم، التي قال فيها مالك: العلم نور يضعه الله حيث شاء، وهذا الجواب لا يحسن لغليظ الطبع يعيد الفهم، وإنما يحسن أن يجاب، بأن يفسر له الأوامر والنواهي وأحكام الشرع.

وقال غيره: الكلام في نفوس ماتت منها الشهوات وزالت عنها حجب الظلمات، لا في النفوس المرتكبة في الكدورات المحفوظة بحجب اللذات، فإنها تطمئن إلى الشك والجهل، أو تسكن إليه وتستقر فيها، فليس لأهل التخليط من هذه العلامات شيء لأن الحق لا يثبت إلا في قلوب طاهرة، وكذا الحكمة واليقين، ونحو هذا السؤال سأله وابصة بن معبد، وأخبره صلى الله عليه وسلم بما جاء يسأل عنه.

أيضا أخرج أحمد والدارمي وغيرهما عن وابصة بن معبد أنه جاء يتخطى الناس حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا وابصة تحدثني بما جئت له أو أحدثك"؟، قال: بل أنت يا رسول الله، فهو أحب إليّ، قال:"جئت تسأل عن البر والإثم"، قلت: نعم، قال: "استفت نفسك، البر ما

ص: 136

زينب بنت جحش لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق.

ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لعلي: "أتدري من أشقى الآخرين"؟.

سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والأثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتوك".

وأخرج مسلم عن النواس بن سمعان، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم، فقال:"البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس".

وأخرج أحمد برجال ثقات، عن أبي ثعلبة الخشني، قال: قلت: يا رسول الله أخبرني بما يحل لي وبما يحرم، فصعد النبي صلى الله عليه وسلم وصوب في البصر، ثم قال:"البر ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما لا تسكن إليه النفس ولم يطمئن إليه القلب وإن أفتاك المفتون".

"ومن ذلك قوله لفاطمة رضي الله عنها في مرضه" الذي توفي فيه، كما في الصحيحين من طريق مسروق عن عائشة، قالت: أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشية النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:"مرحبا بابنتي". ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم أسر إليها حديثا فبكت، ثم أسر إليها حديثا فضحكت، فقلت: ما رأيت كاليوم أقرب فرحا من حزن، فسألتها عما قال، فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قبض، فسألتها، فقالت: أسر إليّ "إن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني الآن مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي، وإنك أول أهلي لحاقا بي". "بفتح اللام والحاء المهملة"، وفي رواية:"لحوقا بي". وبقية الحديث: فبكيت، فقال:"أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة أو نساء المؤمنين"؟. فضحكت.

وفي الصحيحين أيضا من رواية عروة، عن عائشة عن اطمة: سارني فأخبرني أنه يقبض في وجعه، فبكيت، ثم سارني فأخبرني أني أول أهل بيته أتبعه، فضكحت، واتفقت الروايات على أن بكاءها لإعلامه إياها بموته، وضم مسروق لذلك: كونها أول أهله لحوقا به، واختلف في سبب ضحكها.

ففي رواية مسروق: إخباره أنها سيدة نساء أهل الجنة، وفي رواية عروة كونها أول أهله لحاقا به، ورجح الحافظ رواية مسروق لاشتمالها على زيادة ليست في رواية عروة، وهو من الثقات الضابطين.

وللنسائي من طريق أبي سلمة، عن عائشة في سبب البكاء أنه ميت، وفي سبب الضحك الأمرين، "فعاشت بعده ثمانية أشهر" في قول ضعيف.

"وقيل: ستة أشهر" وهو الصحيح المشهور الذي في البخاري وغيره عن عائشة، ورجحه الواقدي قائلا: وذلك لثلاث خلون من رمضان سنة إحدى عشرة.

ص: 137

قلت: الله ورسوله أعلم، قال:"قاتلك"، أخرجه أحمد في المناقب. وعند ابن أبي حاتم:"الذي يضربك على هذا" وأشار إلى يافوخه، وعند المحاملي: قال علي: عهد إليّ رسول الله عليه الصلاة والسلام: "لتخضبن هذه من هذه". وأشار إلى لحيته ورأسه. وعند الضحاك: "الذي يضربك على هذه فتبتل منها هذه". وأخذ بلحيته. فضربه عبد الرحمن بن ملجم، وعند الطبراني وأبي نعيم، من حديث جابر مرفوعا:"إنك مؤمر مستخلف، وإنك مقتول، وإن هذه مخضوبة من هذه".

وقال عليه الصلاة والسلام لمعاوية: "أما إنك ستلي أمر أمتي من بعدي، فإذا

"وقوله عليه الصلاة والسلام لنسائه" فيما رواه مسلم والنسائي، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أسرعكن بي لحاقا أطولكن يدا". قالت: فكنا نتطاول أيتنا أطول يدا، قالت:"فكانت" أطولنا يدا "زينب بنت جحش، لأنها كانت تعمل بيديها" أي تدبغ وتخرز كما في رواية، "وتتصدق" به في سبيل الله.

قال عياض: معنى نتطاول نتقايس، لأنهن حملن الطول على حقيقته، فكانت سودة أطولهن يدا، أي جارحة، فكانت تظن أنها هي حتى انكشف ذلك بموت زينب، فعلم أنه إنما أراد طول اليد بالصدقة، فإنه يعبر به عن الجود والكرم، يقال: فلان طويل اليد والباع، وفي ضده: قصير اليد وجعد الأنامل. ا. هـ. وماتت بالمدينة سنة عشرين، وقيل: إحدى وعشرين.

"ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لعلي" بن أبي طالب: "أتدري من أشقى الآخرين"، قلت: الله ورسوله أعلم، قال:"قاتلك". أخرجه أحمد في المناقب. وفي رواية قال صلى الله عليه وسلم لعلي: "من أشقى الأولين"؟. قال: عاقر الناقة، قال:"فمن أشقى الآخرين"؟. قال: الله ورسوله أعلم.

"وعند ابن أبي حاتم" قال: "الذي يضربك على هذا" بدل قوله: قاتلك، "وأشار إلى يافوخه"، "بتحتية وفاء وخاء معجمة".

"وعند المحاملي"، "بفتح الميم الأولى وكسر الثانية" نسبة إلى بيع المحامل التي يحمل عليها الناس في السفر، الحافظ أبي عبد الله الحسين بن إسماعيل بن محمد الضبي، البغدادي محدثها، كان فاضلا، دينا، صدوقا، صنف وجمع وكان يحضر مجلسه عشرة آلاف رجل، ولي قضاء الكوفة ستين سنة ثم استعفي، ولد سنة خمس وثلاثين ومائتين، ومات سنة ثلاثين وثلاثمائة.

"قال علي: عهد إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتخضبن هذه من هذه". وأشار إلى لحيته" بقوله: هذه الأولى، "ورأسه" بهذه الثانية، وأنت باعتبار الهامة وإلا فالرأس مذكر، أي يضربه على رأسه

ص: 138

كان ذلك فاقبل من محسنهم وتجاوز عن مسيئهم". قال معاوية: فما زلت أرجوها حتى قمت مقامي هذا. رواه ابن عساكر.

وأخرج ابن عساكر أيضا عن عروة بن رويم: لن يغلب معاوية أبدا، وإن عليا قال يوم صفين: لو ذكرت هذا الحديث ما قاتلت معاوية أبدا.

ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: "يقتل هذا مظلوما"، وأشار إلى عثمان رضي الله عنه. خرجه البغوي في المصابيح من الحسان والترمذي وقال: حديث غريب، وخرجه أحمد، فكان كما قال عليه الصلاة والسلام فاستشهد في الدار

ضربة يسيل بها دمه حتى يبل لحيته، فشبه دمه بالخضاب الصبغ، المعروف لتغييره لونها كما يغير الخضاب، ففيه استعارة.

"وعند الضحاك: "الذي يضربك على هذه" أي رأسه باعتبار الهامة، "فتبتل منها" من دمها "هذه". وأخذ بلحيته" بيان للإشارة، "فضربه" بسيف مسموم في جبهته، فوصلت إلى دماغه "عبد الرحمن بن ملجم"، "بضم الميم وسكون اللام وفتح الجيم"، جزم به النووي وغيره، وحكى بعضهم كسرها، المرادي أحد الخوارج الذين يكفرون مرتكب الكبيرة.

"وعند الطبراني وأبي نعيم من حديث جابر مرفوعا" أنه صلى الله عليه وسلم قال لعلي: "إنك مؤمر"، "بضم الميم الأولى وفتح الثانية شديدة" أي مولى "مستخلف"، "بفتح اللام" أي مولى الخلافة "عطف بيان على مؤمر" لأن التأمير أعم، "وإنك مقتول، وإن هذه" لحيته "مخضوبة من" دم "هذه" أي رأسه.

"وقال صلى الله عليه وسلم لمعاوية": "أما إنك ستلي أمر أمتي من بعدي، فإذا كان ذلك" أي ولايتك "فاقبل"، "بفتح الموحدة"، "من محسنهم وتجاوز"، "بفتح الواو"، "عن مسيئهم" مخصوص بغير الحدود.

"قال معاوية: فما زلت أرجوها" أي البشارة المذكورة "حتى قمت مقامي هذا"، أي استقرت لي الخلافة، "رواه ابن عساكر" بسند ضعيف "وأخرجه ابن عساكر أيضا عن عروة بن رويم"، "بالراء مصغرا" اللخمي، صدوق، يرسل كثيرا، مات سنة خمس وثلاثين ومائة على الصحيح، وهو من صغار التابعين، الذين رأوا الواحد والاثنين من الصحابة، ولم يثبت له سماع من أحد منهم، فحديثه معضل، وهو:"لن يغلب معاوية أبدا، وأن عليا قال يوم صفين"، "بكسر المهملة والفاء الشديدة" موضع قرب الرقة بشاطئ الفرات، كانت به الوقعة بين علي ومعاوية في غرة صفر سنة سبع وثلاثين، ودامت أياما كثيرة: "لو ذكرت هذا الحديث ما قاتلت معاوية

ص: 139

وبين يديه المصحف، فنضح الدم على هذه الآية:{فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 137] .

وفي الشفاء أنه عليه الصلاة والسلام قال: "يقتل عثمان وهو يقرأ في المصحف، وإن الله عسى أن يلبسه قميصا، وإنهم يريدون خلعه وإنه سيقطر دمه على قوله: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} ". انتهى. وقد أخرجه الحاكم عن ابن عباس بلفظ: إن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: "يا عثمان تقتل وأنت تقرأ سورة البقرة فتقع قطرة من دمك على: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ} ". لكن قال الذهبي: إنه حديث موضوع.

أبدا،" وهو معضل كما علمت، بل قيل: إنه موضوع، ولوائح الوضع ظاهرة فيه، فإن عليا ما رجع عن رأيه، بل كان عازما على قتاله، ثم شغله عنه قتال الخوارج كما بين في التواريخ.

"ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: "يقتل هذا مظلوما". وأشار إلى عثمان رضي الله عنه، خرجه البغوي" محيي السنة المتأخر "في المصابيح" وجعله "من" الأحاديث "الحسان" لأنه قسم المصابيح إلى صحاح، وهو ما أخرجه الشيخان، وإلى حسان، وهو ما رواه أصحاب السنن، وتعقب بأن في السنن الضعيف "و" هذا خرجه "الترمذي وقال: حديث غريب"، فلم يصرح بأنه حسن، "وخرجه أحمد، فكان كما قال عليه الصلاة والسلام" فإنه بويع بالخلافة بإجماع الصحابة بعد موت عمر في المحرم سنة أربع وعشرن، "فاستشهد في الدار" بعد عصر يوم الجمعة من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، فكانت خلافته دون اثنتي عشرة سنة بأيام، "وبين يديه المصحف، فنضح الدم على هذه الآية" أي سقط عليها {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} إشارة إلى أنه لم يحصل منه ما يأثم به، بل ينال عظيم الثواب بصبره.

"وفي الشفاء" لعياض: "أنه عليه الصلاة والسلام قال: "يقتل عثمان وهو يقرأ في المصحف، وإن الله عسى"، أي أرجو منه، والرجاء منه واقع "أن يلبسه قميصا" يعني الخلافة، استعار لها اسم القميص استعارة تحقيقية، ورشحها بقوله: "وإنهم يريدون خلعه"، أي عزله من الخلافة، وهم مائتان من أهل الكوفة، ومائتان وخمسون من أهل البصرة، وستمائة من أهل مصر، طلبوا ذلك منه لأمور يطول شرحها، مفصلة في التواريخ، فامتنع لما جاء أنه صلى الله عليه وسلم قال له: "لعل الله يقمصك قميصا، فإن راودوك على خلعه، فلا تخلعه حتى يخلعوه". "وإنه سيقطر دمه على قوله:{فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} أي يأخذ ثأرك ممن قتلك. "انتهى".

"وقد أخرجه الحاكم عن ابن عباس بلفظ: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا عثمان تقتل

ص: 140

وقد روى مسلم عن أسامة بن زيد أن رسول الله عليه الصلاة والسلام أشرف على أطم من آطام المدينة ثم قال: "هل ترون ما أرى، إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر" فكانت فتنة قتل عثمان وتتابعت الفتن إلى فتنة الحرة وكانت لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين من الهجرة، وجرت فيها وقائع كثيرة موجودة في كتب التواريخ.

وأخرج البيهقي عن الحسن قال: لما كان يوم الحرة قتل أهلي، حتى لا يكاد ينفلت منهم أحد. وأخرج أيضا عن أنس بن مالك قال: قتل يوم الحرة سبعمائة رجل من حملة القرآن، منهم ثلاثمائة من الصحابة، وذلك في خلافة يزيد. وأخرج أيضا عن مغيرة قال: انتهب أبو مسلم بن عقبة المدينة ثلاثة أيام وافتض بها ألف

وأنت تقرأ سورة البقرة، فتقع قطرة من دمك على" قوله:{فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ} الظاهر منه أن دمه قطر على رسم هذه الآية في المصحف الذي كان يقرأ فيه، واستبعد احتمال أنه أريق دمه عند آخر تلاوة الآية، "لكن قال الذهبي: إنه حديث موضوع" وأقره السيوطي، كما أقره المصنف.

"وقد روى مسلم" في الفتن، والبخاري في أواخر الحج، وفي المظالم وفي علامات النبوة، وفي الفتن فما هذا الإيهام من المصنف؟ كلاهما من طريق ابن شهاب عن عروة "عن أسامة بن زيد" رضي الله عنهما "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرف" نظر من مكان مرتفع "على أطم"، "بضم الهمزة والطاء"، "من آطام"، "بفتح الهمزة والطاء والمد"، "المدينة" أي حصن من حصونها، "ثم قال" لأصحابه:"هل ترون ما أرى؟ إني لأرى" ببصري "مواقع" أي مواضع سقوط "الفتن خلال بيوتكم" أي نواحيها بأن تكون الفتن مثلت له حتى رآها، كما مثلت له الجنة والنار في القبلة حتى رآهما وهو يصلي، أو تكون الرؤية بمعنى العلم، "كمواقع القطر" شبه سقوط الفتن وكثرتها بالمدينة، بسقوط القطر في الكثرة والعموم، "فكانت فتنة قتل عثمان" التي هي المبدأ، "وتتابعت الفتن" بعده، كالجمل وصفين والنهروان وقتل الحسين "إلى فتنة الحرة"، "بفتح الحاء المهملة والراء الثقيلة" أرض ذات حجارة سود، كأنها أحرقت بالنار بظاهر المدينة، "وكانت" بها الوقعة "لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين من الهجرة، وجرت فيها وقائع كثيرة موجودة في كتب التاريخ" لا حاجة إلى الإطالة بذكرها.

"وأخرج البيهقي عن الحسن"، "بفتحتين" البصري، لأنه المراد عند الإطلاق عند أهل الحديث، ونسخة: الحسين بالتصغير خطأ، لأن الحسين بن علي قتل يوم عاشوراء سنة إحدى

ص: 141

عذراء.

وقال عليه الصلاة والسلام لأبي موسى وهو على قف بئر أريس، لما طرق عثمان الباب:"ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه" إشارة إلى ما يقع من استشهاده يوم الدار، بل أصرح من ذلك كله ما رواه أحمد عن ابن عمر قال ذكر رسول الله عليه الصلاة والسلام فتنة، فمر رجل فقال:"يقتل فيها هذا يومئذ ظلما". قال: فنظرت فإذا هو عثمان. وإسناده صحيح.

وستين قبل وقعة الحرة بسنتين، فأخطأ من زعم أنها الصواب، لأن الحسن لم يدرك زمن الحرة، فيقال له، وكذلك أخوه الحسين، وسبب الوهم ظنه أن المراد بالحسن المكبر السبط، وهو خطأ، فإنما المراد البصيري، "قال: لما كان يوم الحرة قتل أهلي حتى لا يكاد ينفلت منهم أحد".

"وأخرج" البيهقي "أيضا" عن أنس بن مالك قال: قتل يوم الحرة سبعمائة رجل من حملة القرآن" أي حفظته، "منهم ثلاثمائة من الصحابة".

وفي البخاري عن سعيد بن المسيب أن هذه الوقعة لم تبق من أصحاب الحديبية أحدًا، "وذلك في خلافة يزيد" أي زمن ملكه قبحه الله وعامله بعدله، وسبب ذلك أن أهل المدينة لما ظهر فسق يزيد، خلعوه، وأخرجوا عامله عثمان بن محمد بن أبي سفيان من بينهم، فبعث إليهم عسكرا، عدته سبعة وعشرون ألف فارس وخمسة عشر ألف راجل.

"وأخرج أيضا عن مغيرة، قال: انتهب أبو مسلم بن عقبة" أمير جيش يزيد "المدينة" أي أباح الجيش نهبها والقتل فيها "ثلاثة أيام، وافتض"، "بالقاف، أو الفاء مبني للمجهول"، "بها ألف عذراء" قيل: وحملت في تلك الأيام ألف امرأة من غير زوج، وبلغت القتلى من الموالي والنساء والعبيد والصبيان عشرة آلاف، ثم بعد الثلاثة أيام أخذ عليهم البيعة ليزيد على أنهم عبيده، إن شاء أعتق وإن شاء قتل، ثم سار بالجيش إلى مكة لقتال ابن الزبير، فمات بقديد، واستخلف على الجيش حصين بن نمير بعهد يزيد إليه بذلك، فنزل مكة وحاصرها، ورمى الكعبة بالمنجنيق، فجاء الخبر بموت يزيد، فرحل بالجي إلى الشام.

"وقال عليه الصلاة والسلام" في حديث "لأبي موسى" الأشعري، "وهو" أي النبي صلى الله عليه وسلم "على قف"، "بضم القاف وشد الفاء" دكة حول "بئر أريس": بفتح الهمزة وكسر الراء وسكون التحتية فسين مهلمة" بستان بالقرب من قباء، يجوز فيه الصرف وعدمه، وأصل القف ما غلظ من الأرض وارتفع، والجمع قفاف كما في الفتح.

وقال المصنف: القف حافة البئر أو الدكة التي حولها "لما طرق عثمان الباب" أي باب

ص: 142

وأخبر عليه الصلاة والسلام بوقعة الجمل وصفين وقتال عائشة والزبير عليا، كما أخرجه الحاكم وصححه والبيهقي عن أم سلمة قال: ذكر رسول الله عليه الصلاة والسلام خروج بعض أمهات المؤمنين، فضحكت عائشة فقال:"انظري يا حميرا أن لا تكوني أنت". ثم التفت إلى عليٍّ فقال له: "إن وليت من أمرها شيئا

الحديقة، قال أبو موسى: وبابها من جريد، فجلست عنده، فجاء إنسان يحرك الباب، فقلت: من هذا؟ قال: عثمان بن عفان، فقلت: على رسلك، فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال:"ائذن له وبشره بالجنة على"، قيل: بمعنى مع، والأقرب أنها بمعنى اللام "بلوى تصيبه"،" فجئته، فقلت له: ادخل وبشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم على بلوى تصيبك، فحمد الله، ثم قال: الله المستعان، فدخل، وذلك "إشارة إلى ما يقع من استشهاده يوم الدار" وأذى المحاصرة قبل القتل مدة، ومنع الماء عنه فيها.

وروي عند البيهقي: أن عثمان قال: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق ما تغنيت ولا تمنيت ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعتك، فأي بلاء يصيبني، قال:"هو ذاك". "بل أصرح من ذلك كله ما رواه أحمد عن ابن عمر" بن الخطاب، "قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة"، أي أخبر بوقوعها، "فمر رجل، فقال:"يقتل فيها هذا يومئذ ظلما". قال ابن عمر: "فنظرت" تأملت الرجل الذي أشار إليه حين مر، "فإذ هو عثمان" بن عفان، "وإسناده صحيح" فصرح بأن المراد بالبلوى القتل.

وفي الطبراني الكبير ن زيد بن ثابت، مرفوعا:"مر بي عثمان وعندي جيل من الملائكة، فقالوا: شهيد من الآدميين يقتله قومه، إنا نستحيي منه".

"وأخبر عليه الصلاة والسلام بوقعة الجمل" يوم الخميس عاشر جمادى الأولى، وقيل: خامس عشرة سنة ست وثلاثين، أضيفت إلى الجمل الذي ركبته عائشة في مسيرها، واسمه عسكر، اشتراه لها يعلى بن أمية الصحابي بمائتي درهم على الصحيح، وقيل: بأربعمائة، وكانت حاجة بمكة، فبلغها قتل عثمان، فحضت الناس على طلب دمه، وكان أهل العقد والحل قد بايعوا عليا بالخلافة، منهم: طلحة والزبير، واستأذناه في العمرة، فخرجا إلى مكة، فلقيا عائشة، فاتفقا معها على طلب دمه حتى يقتلوا قتلته، فخرجوا في ثلاثة آلاف رجل، ألف من مكة والمدينة، ولما بلغ ذلك عليا بالمدينة، خرج إليهم خوف الفتنة في تسعمائة راكب، وبعث ابنه الحسن وعمار بن ياسر إلى الكوفة، فصعدا المنبر، فكان الحسن في أعلاه، وعمار أسفل منه، فقال عمار كما عند البخاري: إن عائشة قد سارت إلى البصرة، ووالله إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي.

ص: 143

فارفق بها".

وعند الإسماعيلي صعد عمار المنبر، فحرض الناس في الخروج إلى قتال عائشة، وفي رواية: فقال الحسن: إن عليا يقول: إني أذكر الله رجلا رعى الله حقا إلا نفر، فإن كنت مظلوما أعانني، وإن كنت ظالما أخذ مني، والله إن طلحة والزبير لأول من بايعني، ثم نكثا، ولم استأثر بمال ولا بدلت حكما، فخرج إليه اثنا عشر ألف رجل، ومراد عمار بما قال: إن الصواب مع علي، وإن عائشة مع ذلك لم تخرج عن كونها زوج النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، وذلك من إنصاف عمار وشدة ورعه وصدق لهجته وتحريه قول الحق، فلم تستخفه الخصومة إلى تنقيص خصمه، بل شهد لعائشة بمزيد الفضل مع ما بينهما من الحرب، لصدور ذلك منها عن اجتهاد.

"و" أخبر بوقعة "صفين" كسجين: موضع قرب الرقة بشاطئ الفرات كانت به الوقعة العظمى بين علي ومعاوية غرة صفر سنة سبع وثلاثين، فمن ثم احترز الناس السفر في صفر، وذلك أن عليا بايعه أهل الحل والعقد بعد قتل عثمان، وامتنع معاوية في أهل الشام، فكتب إليه علي مع جرير البجلي بالدخول في الطاعة فأبى.

وذكر يحيى بن سليمان الجعفي، أحد شيوخ البخاري في تأليفه في صفين بسند جيد، عن أبي مسلم الخولاني أنه قال لمعاوية: أأنت تنازع عليا في الخلافة، أو أنت مثله؟ قال: لا وإني لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما وأنا ابن عمه ووليه أطلب بدمه، فائتوا عليا، فقولوا له: يدفع لنا قتلة عثمان، فأتوه فكلموه، فقال: يدخل في البيعة ويحاكمهم إلي، فامتنع معاوية، فخرج إليه علي في أهل العراق في سبعين ألفا، فيهم تسعون بدريا وسبعمائة من أهل بيعة الرضوان، وأربعمائة من سائر المهاجرين والأنصار، وخرج معاوية في أهل الشام في ثمانين ألفا وخمسة آلاف، ليس فيهم من الأنصار إلا النعمان بن بشير ومسلمة بن مخلد، فالتقى الجمعان بصفين، فتراسلوا، فلم يتم لهم أمر، فوقع القتال، ودامت الحرب مائة يوم وعشرة أيام، فقتل من أهل الشام سبعون ألفا ومن العراق عشرون ألفا، وقيل: من الشام خمسة وأربعون ألفا، ومن العراق خمسة وعشرون ألفا، وآل الأمر في معاوية ومن معه إلى طلب التحكيم، ثم رجع عليّ إلى العراق، فخرجت عليه الحرورية، فقتلهم بالنهروان، ومات بعد ذلك رضي الله عنه، وظهر بقتل عمار مع علي أنه المصيب.

وقد روى ابن عساكر أنه صلى الله عليه وسلم قال: "يا علي ستقتلك الفئة الباغية وأنت على الحق، فمن لم ينصرك، يومئذ فليس مني". "وأخبر بقتال عائشة والزبير عليا" في وقعة الجمل ولم يكن معهم معاوية.

"كما أخرجه الحاكم وصححه، والبيهقي عن أم سلمة" هند بنت أبي أمية أم المؤمنين، "قالت: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم خروج بعض أمهات المؤمنين" على الخليفة، "فضحكت عائشة"

ص: 144

وعن ابن عباس مرفوعا: "أيتكن صاحبة الجمل الأدبب، تخرج حتى تنبحها كلاب الحوأب، ويقتل حولها قتلى كثيرة، تنجو بعدما كادت". رواه البزار وأبو نعيم.

وأخرج الحاكم وصحح البيهقي عن أبي الأسود قال: شهدت الزبير خرج يريد عليا فقال له علي: أنشدك الله، هل سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول:

تعجبا من خروج المرأة على الخليفة، فقال:"انظري يا حميراء"، "تصغير حمراء للتحبب"، وهي البيضاء المشرب بياضها بالحمرة، وهو أحسن الألوان، فهذا حديث صحيح، فيه حميراء، فيرد على زاعم أن كل حديث فيه ذلك موضوع، "أن لا تكوني أنت". "ثم التفت" صلى الله عليه وسلم "إلى علي" رضي الله عنه، "فقال":"إن وليت من أمرها شيئا فارفق بها". فامتثل الأمر، فإنه لما عقر الجمل وانهزموا، حمل أخوها محمد وعبد الرحمن بن أبزى هودجها، فوضعاه بين يدي علي، فأمر بها، فأدخلت بيتا كما عند أبي شيبة بإسناد جيد.

وفي رواية: أن عليا أمر بحمل الهودج من بين القتلى، فاحتمله أخوها محمد وعمار بن ياسر، وجهز علي عائشة وأخرج أخاها محمدا معها، وشيعها علي بنفسه أميالا، وسرح بنيه معها يوما.

"وعن ابن عباس رضي الله عنهما، مرفوعا" اختصارا لقوله أنه صلى الله عليه وسلم قال لنسائه: "أيتكن صاحبة الجمل الأدبب"، "بهمزة مفتوحة ودال مهملة ساكنة فموحدتين" كما ضبطه المصنف في شرح البخاري.

وفي القاموس: الأدب الجمل الكثير الشعر، وبإظهار التضعيف جاء في الحديث صاحبة الجمل الأدبب. ا. هـ. وفك إدغامه لمشاكلة الحوأب، ونسخة الأحمر من تصحيف الجهال "تخرج حتى تنبحها كلاب الحوأب" بحاء مهملة مفتوحة فواو ساكنة فمزة مفتوحة فموحدة" وبعضهم يقول "بضم الحاء وشد الواو" والمشهور الأول اسم ماء أو قرية فيها ماء بطريق البصرة قيل: سمي باسم حوأب بنت كلب بن وبرة لنزولها به، فكان كما قال: فلما وصلت عائشة إلى حوأب وأناخوا جملها نبحتها الكلاب، فسألت عن اسمه، فقيل: الحوأب، فقالت: ردوني وأخبرت بالحديث، فقال لها الزبير: يا أم المؤمنين أصلحي بين الناس، فسارت وكان ما كان، وقيل: حلف لها بعض من معها أنه ليس بالحوأب، وليس توجهها للصلح بين علي والزبير، كما زعم، إنما هو للطلب بدم عثمان كما مر، "ويقتل حولها" لفظ رواية البزار: يقتل عن يمينها وعن شمالها "قتلى كثيرة" ثمانية آلاف، وقيل: سبعة عشر ألفا. ومن أصحاب علي نحو ألف، وقيل: من أصحابه خمسة آلاف ومن أصحابها عشرة، وقيل: من كل فريق خمسة

ص: 145

"تقاتله وأنت له ظالم"، فمضى الزبير منصرفا. وفي رواية أبي يعلى والبيهقي فقال الزبير: بلى ولكن نسيت.

ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في الحسن بن علي: "إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين". رواه البخاري، فكان كما قال عليه الصلاة والسلام، لأنه لما قتل علي بن أبي طالب بايع الحسن أكثر

آلاف "تنجو" تسلم، هي "بعدما كادت" قاربت عدم النجاة، "رواه البزار وأبو نعيم" وصريحه كسابقه أن المراد عائشة، وأن الجواب الماء القريب من البصرة، وقيل: المراد بالحوأب مخلاف بالطائف قتلت به سلمى مولاة عائشة، وكانت مع نسائه لما حدثهن بذلك، وهذا لا يصح، لأنه صرح بأنها تنجو، وتلك قتلت، وبأنها صاحبة جمل، ويقتل حولها قتلى كثيرة، ولم يكن لسلمى شيء من ذلك.

"وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي عن أبي الأسود" الديلي "بكسر المهملة وسكون التحتية" ويقال: الدؤلي "بالضم بعدها همزة مفتوحة" البصرى، اسمه ظالم بن عمرو بن سفيان ويقال: عمرو بن ظالم، ويقال: بالتصغير فيهما، ثقة، من رجال الجميع، فاضل، مخضرم، مات سنة تسع وستين.

"قال: شهدت الزبير" بن العوام "خرج" من الصف يوم الجمل "يريد عليا" لما نادى علي وهو على بغلة النبي صلى الله عليه وسلم ادعوا لي الزبير، فدعي له، فأقبل، "فقال له علي: أنشدك الله هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول" لما مر بنا ونحن في مكان كذا وكذا وكل منا يضحك لصاحبه، فقال: "يا زبير تحب عليا"؟. فقلت: ألا أحب ابن خالي وأنا ابن عمته وعلى ديني، فقال: "تقاتله"، وعند أبي يلى: "أما والله لا تقاتلنه". "وأنت له ظالم" لأنه لم يفعل ما يوجب قتاله، "فمضى الزبير منصرفا" تاركا للقتال.

"وفي رواية أبي يعلى والبيهقي، فقال الزير: بلى ولكن نسيت"، وفي رواية قال: نعم، ولم أذكر ذلك إلا الآن، فانصرف، وفي رواية: أن سبب رجوعه أنه قال لأصحاب علي: أفيكم عمار بن ياسر، قالوا: نعم، فأغمد سيفه وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعمار: "تقتلك الفئة الباغية". ولا مانع أنه قال ذلك، ثم ذكره الحديث زيادة في إعلامه، ثم سار على فرسه فقتله عمرو بن جرموز بوادي السباع غيلة وهو نائم وجاء إلى علي متقربا بذلك، فبشره بالنار، فأخرجه أحمد والترمذي وغيرهما، وصححه الحاكم من طرق، بعضها مرفوع كما في الفتح، وقد كانت الحرب من ارتفاع الشمس إلى العصر، فلما غلب علي نادى مناديه: لا تتبعوا مدبرا، ولا تجهزوا جريحا، ولا تدخلوا دار أحد، ثم دخل البصرة وجمع الناس وبايعهم، ورجع إلى الكوفة واستعمل

ص: 146

من أربعين ألفا، فبقي سبعة أشهر خليفة بالعراق وما وراء النهر من خراسان، ثم سار إلى معاوية وسار معاوية إليه، فلما تراءى الجمعان بموضع يقال له بستكين بناحية الأنبار من أرض السواد، فعلم أن لن تغلب إحدى الفئتين حتى يذهب أكثر الأخرى، فكتب إلى معاوية يخبره أنه يصير الأمر إليه على أن يشترط عليه أن لا يطالب أحدًا من أهل المدينة والحجاز والعراق بشيء مما كان في أيام أبيه، فأجابه معاوية إلا عشرة، فلم يزل يراجعه حتى بعث إليه برق أبيض وقال: اكتب ما شئت فأنا ألتزمه، واصطلحا على ذلك، فكان الأمر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله سيصلح

ابن عباس على البصرة.

"ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في الحسن بن علي" خاتم خلافة النبوة، قال أبو بكرة: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه، وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى، وفي رواية: ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة، ويقول:"إن ابني هذا سيد" أي شريف رئيس مسود في قومه لشرف نسبه وذاته وفضله على غيره من جهات، وكفاه فضلا وشرفا قول سيد الخلق صلى الله عليه وسلم فيه سيد "وسيصلح الله" ، كذا في نسخ، والذي في البخاري في الأربعة مواضع:"ولعل الله أن يصلح". "به" أي بسببه، نعم وقع مثل ما هنا في الشفاء، لكنه لم يعزه للبخاري، فلا تعقب عليه بخلاف المصنف "بين فئتين" تثنية فئة، أي فرقتين، وقوله:"عظيمتين" كبيرتين، ثبت عند البخاري في الصلح دون باقي المواضع "من المسلمين" يعني من كان معه ومن كان مع معاوية، وفيه أنه لم يخرج أحد من الطائفتين في تلك الفتنة بقول أو عمل عن الإسلام، إذ إحداهما مصيبة، والأخرى مخطئة، وكل مأجور، واستعمل لعل استعمال عسى لاشتراكهما في الرجاء، والأشهر في خبر لعل أن لا يقترن بأن، كقوله تعالى:{لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ} [الطلاق: 1] وفيه أن السيادة إنما يستحقها من ينتفع به الناس، لأنه علق السيادة بالإصلاح "رواه البخاري" في الصلح، وعلامات النبوة، والمناقب والفتن، وفيه علم من أعلام النبوة ظاهر، فإنه أخبر عن غيب "فكان كما قال عليه الصلاة والسلام، لأنه لما قتل علي بن أبي طالب" كرم الله وجهه، "بايع الحسن أكثر من أربعين ألفا" على الموت، وكانوا أطوع وأحب له من أبيه، كما في الاستيعاب وغيره، "فبقي سبعة أشهر خليفة بالعراق وما وراء النهر من خراسان، ثم سار إلى معاوية، وسار معاوية إليه، فلما تراءى الجمعان" نظر بعضهم إلى بعض "بموضع يقال له بستكين بناحية الأنبار"، "بفتح الهمزة وإسكان النون وموحدة" بلد على الفرت "من أرض السواد"، "بالفتح والتخفيف"، أي سواد العراق، "فعلم" الحسن أن لن تغلب إحدى الفئتين حتى يذهب" يهلك "أكثر الأخرى" فدعاه ورعه وشفقته على خلق الله تعالى

ص: 147

به بين فئتين عظيمتين من المسلمين".

وأخرج الدولابي أن الحسن قال: كانت جماجم العرب بيدي يسالمون من سالمت ويحاربون من حاربت، فتركتها ابتغاء وجه الله تعالى وحقن دماء المسلمين.

ومن ذلك: إعلامه عليه الصلاة والسلام بقتل الحسين بالطف، وأخرج بيده تربته وقال: فيها مضجعه، رواه البغوي في معجمه من حديث أنس بن مالك بلفظ: استأذن ملك القطر ربه أن يزور النبي عليه الصلاة والسلام فأذن له وكان في يوم

إلى ترك الملك والنزول عنه، "فكتب إلى معاوية يخبره أنه يصير الأمر إليه على أن يشترط عليه أن لا يطالب أحدًا من أهل المدينة والحجاز والعراق بشيء مما كان في أيام أبيه" علي، "فأجابه معاوية" وقد طار فرحا إلى ما طلب، لكنه قال:"إلا عشرة" فأطالبهم بما كان، منهم: قيس بن سعد، "فلم يزل يراجعه" الحسن وقال: لا أصالحك وأنت تطلب أحدًا منهم، لا قيس ولا غيره "حتى بعث إليه" معاوية "برق"، "بكسر الراء وفتحها" جلد رقيق يكتب فيه "أبيض، وقال: اكتب ما شئت فأنا ألتزمه، واصطلحا على ذلك" وعلى أن الأمر للحسن بعد معاوية، وساء ذلك أكثر الناس حتى كانوا يقولون للحسن: يا ذل المسلمين وعار المؤمنين، فيقول: العار خير من النار، "فكان الأمر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله سيصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين".

"وأخرج الدولابي"، "بضم الدال وفتحها"، "أن الحسن" بن علي رضي الله عنهما "قال: كانت جماجم العرب" ساداتهم وقبائلهم التي تنسب إليها البطون "بيدي يسالمون من سالمت، ويحاربون من حاربت، فتركتها" أي الخلافة، وكان أحق الناس بها، كما قاله غير واحد "ابتغاء وجه الله تعالى وحقن دماء المسلمين" لا لقلة ولا لذلة ولا لعلة.

وفي البخاري عن الحسن البصري: استقبل والله الحسن بن على معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاصي: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها، فقال معاوية: وكان والله خير الرجلين: أي عمرو إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء، من لي بأمور الناس، من لي بنسائهم، من لي بضيعتهم، فبعث إليه رجلين من قريش من بني شمس، عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر، فقال: اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه، أي الصلح، وقولا له واطلبا إليه، فأتياه فدخلا عليه، فذكرا له ذلك، فقال لهما: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عائت في دمائها، قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك، قال: فمن لي بهذا، قالا: نحن.

ص: 148

أم سلمة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام:"يا أم سلمة احفظي علينا الباب لا يدخل علينا أحد". فبينما هي على الباب إذ دخل الحسين واقتحم فدخل على رسول الله عليه الصلاة والسلام فجعل رسول الله عليه الصلاة والسلام يلثمه ويقبله، فقال له الملك، أتحبه؟ قال:"نعم"، قال: إن أمتك ستقتله وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل به، فأراه فجاء بسهلة أو تراب أحمر، فأخذته أم سلمة فجعلته في ثوبها. قال ثابت: كنا نقول: إنها كربلاء. وخرجه أبو حاتم في صحيحه ورواه

وفي الكامل لابن الأثير: أن معاوية أرسل رسوليه المذكورين قبل وصول كتاب الحسن إليه ومعهما صحيفة بيضاء، مختوم على أسفلها، وكتب إليه معاوية أن اكتب إليّ في هذه الصحيفة التي ختمت أسفلها بما شئت فهو لك، وذكر ابن سعد عن عمر بن دينار، أن معاوية كان يعلم أن الحسن أكره الناس للفتنة، فراسله وأصلح الذي بينهما، وأعطاه عهدا إن حدث به حدث والحسن حي، ليجعلن هذا الأمر إليه، وعن عبد الله بن جعفر: قال لي الحسن إني رأيت رأيا أحب أن تتابعني عليه، قلت: ما هو؟ قال: رأيت أن أعمد إلى المدينة فأنزلها وأخلي الأمر لمعاوية، فقد طالت الفتنة وسفكت الدماء وقطعت السبل، فقلت: جزاك الله خيرا عن أمة محمد، فبعث إلى حسين، فقال: أعيذك، فلم يزل به حتى رضي، ثم سار الحسن إلى المدينة، وعاش بعد ذلك عشر سنين، ومات مسموما في حياة معاوية.

"ومن ذلك إعلامه عليه الصلاة والسلام بقتل الحسين بالطف" بفتح الظاء المهملة وشد الفاء، موضع بناحية الكوفة على شاطئ نهر الفرات، "وأخرج بيده تربته" أي الطف، "وقال: فيها مضجعه"، "بفتح الجيم وتكسر"، والأول أقيس وأفصح، والتعبير به إيماء إلى أنه حي شهيد، لأن أصله محل يضطجع فيه النائم، "رواه البغوي" الكبير، الحافظ أبو القاسم عبد الله بن محمد "في معجمه" في الصحابة "من حديث أنس بن مالك، بلفظ: استأذن ملك القطر" هو إسرافيل الموكل به وبالنبات، كما عند البيهقي وغيره عن عبد الرحمن بن سابط، وعند أحمد وابن سعد عن عائشة رفعاه: "أخبرني جبريل أن حسينا يقتل بشاطئ الفرات". لفظ علي ولفظ عائشة: "أخبرني جبريل أن ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف، وجاءني بهذه التربة وأخبرني أن فيها مضجعه". والجمع بينهما أنهما معا أخبراه بذلك في وقتين. "ربه" تبارك وتعالى "أن يزور النبي صلى الله عليه وسلم فأذن له وكان في يوم أم سلمة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"يا أم سلمة احفظي علينا الباب، لا يدخل علينا أحد". فبينا هي على الباب" تحفظه، "إذ دخل الحسين واقتحم" دخل بسرعة، "فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يلثمه"، "بكسر المثلثة وتفتح"، "ويقبله"، "بموحدة عطف تفسير"، "فقال له الملك: أتحبه، قال:"نعم"، قال: إن أمتك

ص: 149

أحمد بنحوه.

والسهلة بالكسر الرمل الخشن ليس بالدقاق الناعم.

وفي رواية الملاء، قالت: ثم ناولني كفا من تراب أحمر، وقال:"إن هذا من تربة الأرض التي يقتل فيها فمتى صار دما فاعلمي أنه قد قتل". قالت أم سلمة: فوضعته في قارورة عندي وكنت أقول: إن يوما يتحول فيه دما ليوم عظيم. الحديث.

فاستشهد الحسين كما قال عليه الصلاة والسلام بكربلاء من أرض العراق، بناحية الكوفة، ويعرف الموضع بالطف، وقتله سنان بن أنس النخعي وقيل: غيره، ولما قتلوه بعثوا برأسه إلى يزيد، فنزلوا أول مرحلة فجعلوا يشربون بالرأس، فبينما

ستقتله" بغيا وعدوانا، "وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل به، فأراه" إياه، "فجاء بسهلة"، "بكسر فسكون"، "أو تراب أحمر،" شك الرواي، "فأخذته أم سلمة، فجعلته في ثوبها" أي: ثم وضعته في القارورة، كما في الرواية الآتية، "قال ثابت" البناني راويه عن أنس:"كنا نقول إنها" أي الأرض المعبر عنها بالمكان "كربلاء" وجاء في رواية: شم صلى الله عليه وسلم التراب، وقال:"ريح كربلاء".

"وخرجه أبو حاتم" محمد بن حبان الحافظ "في صحيحه، ورواه أحمد بنحوه، والسهلة "بالكسر" للسين المهملة، كما في الصحاح والقاموس، وقول بعض: المعجمة سبق قلم وإسكان الهاء "الرمل الخشن ليس بالدقاق" بضم الدال "الناعم".

"وفي رواية الملاء"، "بفتح الميم واللام الشديدة" عمر الموصلي، لأنه كان يملأ بجامع المسجد بالموصل احتسابا "قالت" أم سلمة:"ثم ناولني"، "كفا من تراب أحمر، وقال: "إن هذا من تربة الأرض التي يقتل فيها" الحسين، "فمتى صار دما، فاعلمي أنه قد قتل" فيه معجزة أخرى هي الإخبار بأن أم سلمة تعيش بعد قتل الحسين، "قالت أم سلمة: فوضعته في قارورة عندي، وكنت أقول: إن يوما يتحول فيه دما ليوم عظيم. الحديث" وتفصيل قصته يحرق الأكباد ويذيب الأجساد، وقد أفردها خلائق بالتأليف، واختصارها أنه لما مات معاوية تولى ابنه يزيد أبى الحسين أن يبايعه، وكتب إليه رجال من الكوفة: هلم إلينا نبايعك، فأنت أحق من يزيد، فنهاه جمع، منهم: ابن عمر عن الخروج إلى الكوفة، لأنهم لو صدقوا لأخرجوا عامل يزيد من بينهم، فأبى إلا الخروج، فقالوا لا تخرج بأهلك، فأبى إلا أن يصحبهم معه، فخرج من مكة إلى العراق، فأخرج إليه عبيد الله بن زياد عامل الكوفة جيشا، فالتقيا بكربلاء، وقتل

ص: 150

هم كذلك إذ خرجت عليهم من الحائط يد معها قلم من حديد فكتبت سطرا بدم:

أترجو أمة قتلت حسينا

شفاعة جده يوم الحساب

فهربوا وتركوا الرأس. خرجه منصور بن عمار.

وذكر أبو نعيم الحافظ في كتاب دلائل النبوة عن نضرة الأزدية أنها قالت: لما قتل الحسين بن علي أمطرت السماء دما فأصبحنا وحبابنا وجرارنا مملوءة دما، وكذا روي في أحاديث غير هذه.

الحسين من عسكر ابن زياد قتلى كثيرة حتى قتل، وخذله الذين بعثوا إليه، "فاستشهد الحسين، كما قال عليه الصلاة والسلام بكربلاء من أرض العراق بناحية الكوفة، ويعرف الموضع أيضا بالطف" إشارة إلى الجمع بين الروايتين، وقال غيره: كربلاء قريب من الطف، "وقتله" أي باشر قتله "سنان""بكسر السين المهملة ونونين""ابن أنس النخعي، وقيل: غيره" يعني شمر بن ذي الجوشن الضبابي.

وعند البيهقي: كسفت الشمس عن قتله كسفة أبدت الكواكب نصف النهار، وفي رواية: واستمرت ثلاثة أيام وسمعت الجن تنوح عليه، "ولما قتلوه بعثوا برأسه" أولا إلى ابن زياد، فجعل في طست، فجعل ينكت كما في البخاري، أي يضرب بقضيب في أنفه وعينيه، ثم بعث به "إلى يزيد" بن معاوية مع نساء الحسين مكشفات الوجوه كالأسرى، "فنزلوا أول مرحلة، فجعلوا يشربون بالرأس" أي جعلوه ظرفا للخمر، "فبينما هم كذلك إذ خرجت عليهم من الحائط يد معها قلم من حديد، فكتبت سطرا بدم":

"أترجو أمة قتلت حسينا

شفاعة جده يوم الحساب"

"فهربوا وتركوا الرأس، خرجه منصور بن عمار" زاد غيره: ثم عادوا وأخذوه، أو أخذه غيرهم، وقدم به على يزيد بدمشق، فطيف به فيه وبين يديه رجل يقرأ سورة الكهف، حتى بلغ:{أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا} ، فأنطق الله الرأس بلسان ذرب، فقال: حالي أعجب من أصحاب الكهف قتلي وحملي.

أخرجه ابن عساكر عن منهال بن عمر، وثم طيف به في البلاد إلى أن انتهى إلى عسقلان، فدفنه أميرها بها، فلما غلب الفرنج على عسقلان، استنقذ الرأس منهم الصالح طلائع رزيك وزير الفاطميين بمال جزيل، وبني عليه المشهد بالقاهرة، كما أشار لذلك القاضي الفاضل في قصيدة مدح بها الصالح، ونقله عنه الحافظ ابن حجر وأقره، لكن نازع في ذلك بعضهم بأن الحافظ أبا العلاء الهمداني ذكر أن ابن معاوية أرسل الرأس إلى المدينة، فكفنه عامله بها عمرو بن سعيد بن

ص: 151

وقال عليه الصلاة والسلام لعمار: "تقتلك الفئة الباغية" ، رواه البخاري ومسلم فكان كما قال عليه الصلاة والسلام.

ومن ذلك: ما رواه أبو عمر بن عبد البر أن عبد الله بن عمر رأى رجلا مع النبي عليه الصلاة والسلام فلم يعرفه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام:"أرأيته"؟.

العاصي، ودفنه عند قبر أمه بالبقيع، قال: وهذا أصح ما قيل، وكذا قال الزبير بن بكار، ورجحه القرطبي، بأن الزبير أعلم أهل النسب، قال: وما ذكر أنه بمشهد في عسقلان أو القاهرة فباطل لا يصح، وقيل: أعيد إلى جثته، ودفن بكربلاء بعد أربعين يوما من مقتله.

وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال: أوحى الله إلى محمد إني قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفا، وإني قاتل بابن ابنتك سبعين ألفا وسبعين ألفا، قال الحاكم: صحيح. قال الذهبي: على شرط مسلم، قال الحافظ: ورد من طريق واه عن علي مرفوعا: "قاتل الحسين في تابوت من نار عليه نصف عذاب أهل الدنيا".

"وذكر أبو نعيم الحافظ" أحمد بن عبد الله الأصبهاني "في كتاب دلائل النبوة عن نضرة الأزدية، أنها قالت: لما قتل الحسين بن علي أمطرت السماء دما، فأصبحنا وحبابنا"، "بكسر الحاء المهملة وموحدتين جمع حب وهو الخابية"، "وجرارنا"، "بكسر الجيم جمع جرة بفتحها"، "مملوءة دما، وكذا روي في أحاديث غير هذه، أي آثار، وفي ذلك عبرة لمن اعتبر.

"وقال عليه الصلاة والسلام لعمار" بن ياسر: "تقتلك الفئة الباغية" الخارجة على الإمام الواجب الطاعة، وهي معاوية ومن معه، "رواه البخاري ومسلم،" واللفظ له من حديث أم سلمة، أما البخاري، فرواه من حديث أبي سعيد، قال: كنا نحمل لبنة لبنة.

وفي لفظ عنده: كنا ننقل لبن المجد لبنة لبنة، وعمار لبنتين لبنتين، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم، فينفض التراب عنه ويقول:"ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار"، قال عمار: أعوذ بالله من الفتن، وفي لفظ عنده:"يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النار" ، أي إلى طاعة الله، لأن طاعة الإمام من طاعة الله، ومن رواة البخاري من قال:"ويح عمار يدعوهم"

إلخ، وأسقط ما بينهما.

وفي مسلم عن أبي سعيد: أخبرني من هو خير مني أبو قتادة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار حين يحفر الخندق، وجعل يمسح رأسه ويقول:"بؤس ابن سمية تقتلك فئة باغية"، "بضم الموحدة" في بؤس، وهو المكروه، أي ما أعظمه وأشده، وفي لفظ له: "ويس -أو يا ويس-

ص: 152

قال: نعم، قال:"ذاك جبريل، أما أنك ستفقد بصرك"، فعمي في آخر عمره.

ابن سمية، وويس:"بفتح الواو وإسكان التحتية ومهملة" كلمة ترحم كويح، "فكان كما قال عليه الصلاة والسلام" فقتل مع علي بصفين، ودفن بها سنة سبع وثلاثين عن ثلاث أو أربع وتسعين سنة.

وأخرج الطبراني في الكبير بإسناد حسن، عن أبي سنان الدؤلي الصحابي، قال: رأيت عمار بن ياسر دعا غلاما له بشراب، فأتاه بقدح لبن، فشرب منه ثم قال: صدق الله ورسوله، اليوم ألقى الأحبة محمدا وحزبه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن آخر شيء تزوده من الدنيا صبحة لبن"، ثم قال: والله لو هزمونا حتى بلغوا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق، وأنهم على الباطل، واستشكل بأن معاوية كان معه جماعة من الصحابة، فكيف يجوز عليهم الدعاء إلى النار، أي إلى سببها.

وأجيب بأنهم ظنوا أنهم يدعونه إلى الجنة وهم مجتهدون لا لوم عليهم، وإن كان في نفس الأمر بخلاف ذلك، لأن الإمام الواجب الطاعة إذ ذاك هو علي الذي كان عمار يدعوهم إليه، كما أرشد لذلك بقوله:"يدعوهم إلى الجنة"، أي إلى سببها، وبجعله قتلة عمار بغاة، وهذا الحديث متواتر.

قال القرطبي: ولما لم يقدر معاوية على إنكاره قال: إنما قتله من أخرجه، فأجابه علي بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قتل حمزة حين أخرجه.

قال ابن دحية: وهذا من الإلزام المفحم الذي لا جواب عنه، وحجة لا اعتراض عليها.

قال القرطبي: فرجع معاوية وتأله على الطلب، وقال: نحن الفئة الباغية، أي الطالبة لدم عثمان، من البغاء "بضم الباء والمد"، وهو الطالب، قال الأبي: البغي عرفا الخروج عن طاعة الإمام مغالبة له، ولا يخفى بعد التأويلين أو خطأهما، والأول واضح، وكذا الثاني لأن ترك علي القصاص من قتلة عثمان، الذين قاموا بطلبه ورأوه مستند اجتهادهم، ليس لأنه تركه جملة واحدة، وإنما تركه لما تقدم، أي حتى يدخلوا في الطاعة، ثم يدعو على من قتل، قال: وأيضا عدم القصاص منكر قاموا لتغييره، والقيام لتغيير المنكر إنما هو ما لم يرد إلى مفسدة أشد، وأيضا المجتهد إنما حسن به الظن إذا لم يبين مستند اجتهاده، أما إذا بينه وكان خطأ فلا، ولله در الشيخ، يعني ابن عرفة، حيث كان يقول الصحبة حصنت من حارب عليا. انتهى.

وقال الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتاب الإمامة: أجمع فقهاء الحجاز والعراق من فريقي أهل الحديث والرأي، منهم: مالك والشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي، والجمهور الأعظم من المسلمين والمتكلمين، على أن عليا مصيب في قتاله لأهل صفين، كما هو مصيب في أهل

ص: 153

ومن ذلك: قوله عليه الصلاة والسلام لثابت بن قيس بن شماس: "تعيش حميدا وتقتل شهيدا". رواه الحاكم وصححه، والبيهقي وأبو نعيم، فقتل يوم مسيلمة الكذاب باليمامة.

ومن ذلك: قوله لعبد الله بن الزبير: "ويل لك من الناس، وويل للناس منك". فكان من أمره مع الحجاج ما كان.

الجمل، وأن الذين قاتلوه بغاة ظالمون له، لكن لا يكفرون ببغيهم.

وقال الإمام أبو منصور الماتريدي: أجمعوا على أن عليا كان مصيبا في قتال أهل الجمل: طلحة والزبير وعائشة بالبصرة، وأهل صفين معاوية وعسكره.

وفي روض السهيلي: أن عاملا لعمر قال له: رأيت الليلة كأن الشمس والقمر يقتتلان، ومع كل نجوم قال عمر: مع أيهما كنت؟ قال: مع القمر، قال: كنت مع الآية المحمودة، اذهب لا تعمل لي عملا أبدا، وعزله فقتل بصفين مع معاوية واسمه حابس بن سعد.

"ومن ذلك ما رواه أبو عمر" يوسف "بن عبد البر: أن عبد الله بن عمر رأى رجلا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعرفه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أرأيته" قال: نعم، قال: "ذاك جبريل، أما"، "بالفتح والتخفيف" "إنك ستفقد بصرك". "فعمى في آخر عمره".

ذكره الغزالي وجماعة: أن رؤية الملائكة ممكنة، لأنها كرامة يكرم الله بها من يشاء من أوليائه، ووقع ذلك لجماعة من الصحابة، ولما رأى ابن عباس جبريل، قال له النبي صلى الله عليه وسلم:"لن يراه خلق إلا عمي إلا أن يكون نبيا، ولكن يكون ذلك آخر عمرك"، رواه الحاكم، وكذا رأته عائشة وزيد بن أرقم، وخلق لما جاء يسأل عن الإيمان ولم يعموا؛ لأن الظاهر أن المراد من رآه منفردا به كرامة له، قاله بعض المحققين، وهو وجيه، ورده بأن رؤية ابن عباس ليست كذلك، بل كرؤيته لما جاء يسأل عن الإيمان وهم، لأنه لما سأل عن الإيمان رآه جميع الحاضرين بخلاف قصة ابن عباس، فانفرد برؤيته دون من حضر.

"ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لثابت بن قيس بن شماس"، "بفتح المعجمة والميم الثقيلة فألف فمهملة" خطيبه، وخطيب الأنصار لما افتقده حين نزل:{لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} الآية، فخاف أن تكون نزلت فيه، لأنه رفيع الصوت، فدعا به، فقال:"تعيش حميدا" محمودا في أفعالك وأقوالك عند الله وعند الناس، "وتقتل شهيدا" زاد في رواية وتدخل الجنة.

"رواه الحاكم وصححه، والبيهقي وأبو نعيم، فقتل يوم مسيلمة الكذاب باليمامة،" وعند ابن أبي حاتم عن أنس: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا، ونحن نعلم أنه من أهل الجنة، فلما

ص: 154

ومن ذلك: حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: "إن هذا الدين بدأ نبوة ورحمة ثم يكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملكا عضوضا، ثم يكون سلطانا وجبرية".

وقوله: ملكا عضوضا أي يصيب الرعية فيه عسف وظلم، كأنهم يعضون فيه عضا.

وفي حديث سفينة عند أبي داود والترمذي قال: قال رسول الله عليه الصلاة

كان يوم اليمامة كان في بعضنا بعض الانكشاف، فأقبل وقد تكفن وتحنط، فقاتل حتى قتل، ومر مزيد لذلك في المقصد الثاني.

"ومن ذلك قوله لعبد الله بن الزبير" لما احتجم وأعطاه الدم، وقال:"اذهب فواره حيث لا يراه أحد"، قال: فذهبت، فشربته ثم أتيته، فقال:"ما صنعت بالدم"؟. "قلت: غيبته"، قال:"لعلك شربت"، قلت: شربته، قال:"ويل" للتحسر والتألم "لك من الناس" إشارة إلى محاصرته وتعذيبه وقتله وصلبه، "وويل للناس منك" لما أصابهم من حربه ومحاصرة مكة بسببه، وقتل من قتل، وما أصاب أمه وأهله من المصائب، وما لحق قاتليه من الإثم العظيم وتخريب الكعبة، فهو بيان لما تسبب عن شرب دمه، لأنه بضعة من النبوة، نورانية قوت قلبه حتى زادت شجاعته وعلت همته عن الانقياد لغيره ممن لا يستحق إمارة فضلا عن الخلافة، "فكان من أمره مع الحجاج" الثقفي لما بعثه عبد الملك بن مروان لقتاله بجيش عظيم "ما كان" من حصاره ورميه الكعبة بالمنجنيق، ثم قتله وصلبه أياما إلى غير ذلك، وجاء أنه لما شرب دمه صلى الله عليه وسلم تضوع فمه مسكا، وبقيت رائحته موجودة في فمه إلى أن صلب بعد قتله سنة ثلاث وسبعين، وكانت خلافته تسع سنين، قال الإمام مالك: وكان أحق بها من عبد الملك وأبيه مروان.

"ومن ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه صلى الله عليه وسلم قال: "إن هذا الدين" أي الإسلام "بدأ" بهمزة آخره، أي ابتدأ أول أمر، وبألف مقصورة أي ظهر من العدم إلى الخارج، قيل: والأول أظهر هنا "نبوة ورحمة" بالنصب حال أو تمييز، أو بنزع الخافض، أي بدأ نبوته صلى الله عليه وسلم ورحمته للعالمين بإنقاذهم من الضلال والكفر.

وأمر الجاهلية في الحياة النبوية، "ثم" بعده "يكون خلافة ورحمة" زمن الخلفاء الراشدين، وفي الشفاء: ثم يكون رحمة وخلافة بتقديم الرحمة لكونها قبلهم، واستمرت زمنهم وأخرها أولا، لأنها نشأت من النبوة، "ثم يكون" الدين بعد الخلافة "ملكا"، "بتثليث الميم"، "عضوضا"، "بفتح العين المهملة ومعجمتين"، "ثم يكون"، "بتحتية" الدين "سلطانا".

وفي رواية: عتوا "بضم المهملة والفوقية"، أي خروجا عن طاعة الله تعالى "وجبرية"

ص: 155

والسلام: "الخلافة بعدي في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك" قال سعيد بن جمعان: أمسك خلافة أبي بكر وخلافة عمر وخلافة عثمان وخلافة علي فوجدناها ثلاثين سنة، فقيل له: إن بني أمية يزعمون أن الخلافة فيهم فقال: كذب بنو الزرقاء، بل هم ملوك من شر الملوك.

وأخرج أبو نعيم عن ابن عباس أن أم الفضل مرت به عليه الصلاة والسلام فقال: "إنك حامل بغلام فإذا ولدتيه فائتني"، قالت فلما ولدته أتيته به فأذن في

"بفتح الجيم وسكون الموحدة وفتحها، فراء مكسورة، فتحتية ثقيلة" أي قهرا وتكبرا.

"وقوله: "ملكا عضوضا"، أي يصيب الرعية فيه عسف"، "بفتح العين وسكون السين المهملتين وفاء" أي أخذ بذنب الغير، "وظلم"، "عطف عام على خاص"، "كأنهم يعضون"، "بفتح الياء أي يعض بعضهم على بعض "فيه عضا"، وهو استعارة شبه ظلمهم وعسفهم بعض حيوان مفترس يعض من رآه.

"وفي حديث سفينة" مولى النبي صلى الله عليه وسلم، سماه بذلك لأنه كان معه في سفر، فأعيا بعض القوم، فألقوا عليه أمتعة كثيرة، فحملها، واسمه مهران، أو رومان، أو غير ذلك، كما تقدم "عند أبي داود والترمذي" والنسائي وأحمد وأبي يعلى وابن حبان.

"قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم": "الخلافة بعدي في أمتي" قال الحافظ: أراد خلافة النبوة، وأما معاوية فمن بعده، فعلى طريق الملوك ولو سموا خلفاء.

وأخرج البيهقي في المدخل عن سفينة أول الملوك معاوية "ثلاثون سنة" فلم يكن فيها إلا الأربعة والحسن بن علي ختامهم، فإن مدة الصديق سنتان وثلاثة أشهر وتسعة أيام، وعمر عشر سنين وستة أشهر ومسة أيام، وعثمان إحدى عشرة سنة وإحدى عشر شهرا وتسعة أيام، وعلي أربع سنين وتسعة أشهر وسبعة أيام، والحسن باقي الثلاثين إلى أن نزل لمعاوية في نصف جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين من الهجرة، "ثم ملك بعد ذلك" لأن اسم الخلافة إنما هو لمن صدق عليه هذا الاسم بعمله بالسنة، والمخالفون ملوك وإن تسموا خلفاء.

"قال سعيد"، "بكسر العين"، "ابن جمعان" بضم الجيم وإسكان الميم، الأسلمي، أبو حفص البصري، تابعي صغير، صدوق، له أفراد، روى له أصحاب السنن، مات سنة ست وثلاثين ومائة، "أمسك" عليك، كما في رواية أبي داود "خلافة أبي بكر وخلافة عمر وخلافة عثمان وخلافة علي" أي احبس نفسك على عد خلافتهم ولا تتجاوزه لغيره، فإنا حسبناها، "فوجدناها ثلاثين سنة" يعني بمدة الحسن، كما في الشفاء، ومن لم يعدها فلأنها لم تطل، ولم يدن له ما دان للأربعة، فكأنه اندرج في خلافة أبيه، فهما كرجل واحد فهو من الأربعة، "فقيل له: إن بني أمية

ص: 156

أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى وألبأه من ريقه وسماه عبد الله وقال: "اذهبي بأبي الخلفاء" قالت: فأخبرت العباس، فأتاه فذكر له ذلك فقال:"هو ما أخبرتك، هذا أبو الخلفاء حتى يكون منهم السفاح، حتى يكون منهم المهدي، حتى يكون منهم من يصلي بعيسى ابن مريم".

وأخرج أبو يعلى عن معاوية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لتظهرن الترك على العرب حتى تلحقها بمنابت الشيح والقيصوم".

ومن ذلك: إخباره عليه الصلاة والسلام بعالم المدينة، أخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوشك الناس أن

يزعمون أن الخلافة فيهم، فقال: كذب بنو الزرقاء، بل هم ملوك من شر الملوك" لأنهم غيروا أمر الدين وعتوا وتجبروا، وأولهم يزيد بن معاوية.

"وأخرج أبو نعيم عن ابن عباس أن أم الفضل" لبابة بنت الحارث زوج العباس، ولفظ الرواية عند أبي نعيم وابن حبان، وغيرهما عن ابن عباس، قال: حدثتني أم الفضل أنها "مرت به صلى الله عليه وسلم" وهو جالس في الحجر "فقال: "إنك حامل بغلام، فإذا ولدتيه فائتني به"، قالت: فلما ولدته" قبل الهجرة بثلاث سنين بالشعب قبل خروج بني هاشم منه "أتيته به، فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى" فيه إشكال، لأن الأذان والإقامة إنما كانا بالمدينة، اللهم إلا أن يكون صلى الله عليه وسلم كان يعلم كلمات الأذان والإقامة، ولم يوح إليه أنه يدعو بهما إلى الصلاة حتى استشار أصحابه، وكانت الرؤيا ولعلم عند الله، "وألبأه"، "بفتح الهمزة وإسكان اللام، فموحدة، فهمزة" أي صب في فيه "من ريقه" كما يصب اللبأ في فم الصبي، وهو أول ما يحلب عند الولادة، "وسماه عبد الله"، وقال:"اذهبي بأبي الخلفاء"، زاد في رواية:"فلتجديه كيسا"، "قالت: فأخبرت العباس، فأتاه فذكر له ذلك" الذي حدثته به عنه، "فقال: "هو ما أخبرتك، هذا أبو الخلفاء حتى يكون منهم السفاح"، لقب أول خلفائهم عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، "حتى يكون منهم المهدي" بن المنصور أخي السفاح، وليها عشر سنين حتى مات سنة تسع وستين ومائة، "حتى يكون منهم من يصلي بعيسى ابن مريم" إشارة إلى بقائهم إلى آخر الزمان.

"وأخرج أبو يعلى عن معاوية" بن أبي سفيان، وأوله عند أبي يعلى عن معاوية بن خديج، قال: كنت عند معاوية، فأتاه كتاب عامله، أنه وقع بالترك وهزمهم، فغضب معاوية من ذلك، ثم كتب إليه لا تقاتلهم حتى يأتيك أمري فإني "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لتظهرن الترك

ص: 157

يضربوا أكباد الإبل فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة". قال سفيان بن عيينة: نرى هذا العالم مالك بن أنس، وقال عبد الرزاق: ولم يعرف بهذا الاسم

على العرب حتى تلحقها بمنابت الشيح"، "بالكسر" نبت معروف، "والقيصوم" نبت، وهو صنفان أنثى وذكر، والنافع منه أطرافه، وزهره مر جدا، ويدلك البدن منه للنافض، فلا يقشعر إلا يسيرا، ودخانه يطرد الهوام، وشرب سحيقه نيئا نافع لعسر النفس والبول والطمث ولعرق النسا، وينبت الشعر ويقتل الدود، قاله في القاموس.

قال في فتح الباري: قد ظهر مصداق هذا الخبر، وقد كان مشهورا في زمن الصحابة حديث:"اتركوا الترك ما تركوكم" وقد رواه الطبراني عن معاوية، مرفوعا وقاتل المسلمون الترك في زمن بني أمية، وكان ما بينهم وبين المسلمين مسدود إلى أن فتح ذلك شيئا بعد شيء، وكثر السبي منهم، وتنافس فيهم الملوك لما فيهم من الشدة والبأس حتى كان أكثر عسكر المعتصم منهم، ثم غلب الأتراك على الملك، فقتلوا ابنه المتوكل، ثم أولاده واحدا بعد واحد إلى أن خالط المملكة الديلم، ثم كان الملوك الساسانية من الترك أيضا، فملكوا بلاد العجم، ثم غلب على ملك الممالك آل سبكتكين، ثم آل سلجوق، وامتدت مملكتهم إلى العراق والشام والروم، ثم كان بقايا أتباعهم بالشام، وهم آل زنكي وأتباع هؤلاء وهي بيت أيوب، واستكثر هؤلاء من الترك، فغلبوهم على الشام ومصر والحجاز، وخرج على آل سلجوق في المائة الخامسة الغز، فخربوا البلاد وفتكوا في العباد، ثم كانت الطامة الكبرى بالططر، فخرج جنكيزخان بعد الستمائة، فاستعرت بهم الدنيا نارا، خصوصا المشرق بأسره حتى لم يبق بلد منه حتى دخله شرهم، ثم كان خراب بغداد، وقتل الخليفة المعتصم آخر خلفائهم على أيديهم في سنة أربع وستين وستمائة، ثم لم تزل بقايهم يخرجون إلى أن كان اللنك، ومعناه الأعرج، واسمه تمر "بفتح المثناة وضم الميم" وربما أشبعت، فطرق البلاد الشامية، وعاث فيها، وأحرق دمشق حتى صارت خاوية على عروشها، ودخل الروم والهند وما بين ذلك، وطالت مدته إلى أن أخذه الله، وتفرق بنوه بالبلاد، فظهر بذلك مصداق قوله صلى الله عليه وسلم:"إن بني قنطوراء أول من يسلب أمتي ملكهم".

أخرج الطبراني عن معاوية، وهم الترك وقنطوراء "بالمد والقصر" قيل: كانت جارية لإبرهيم الخليل، فولدت له أولادا فانتشر منهم الترك، حكاه ابن الأثير واستبعده، وأما شيخنا في القاموس، فجزم به وحكى قولا آخر: أن المراد به السودان، وكأنه يعني بقوله أمتي أمة النسب لا أمة الدعوة، يعني العرب. انتهى.

"ومن ذلك إخباره عليه الصلاة والسلام بعالم المدينة" النبوية، "أخرج" الترمذي

ص: 158

غيره ولا ضربت أكباد الإبل إلى أحد مثل ما ضربت إليه، وقال أبو مصعب: كان الناس يزدحمون على باب مالك ويقتتلون عليه من الزحام، يعني لطلب العلم. وممن روى عنه من الأئمة المشهورين: محمد بن شهاب الزهري، والسفيانان

وحسنه، والنسائي و"الحاكم، وصححه عن أبي هريرة، قال: قال صلى الله عليه وسلم "يوشك الناس أن يضربوا" وفي رواية: "يوشك أن يضرب الناس". "أكباد الإبل" يطلبون العلم، هكذا في الرواية عند الترمذي والحاكم قبل قوله: "فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة".

وفي رواية: "أفقه من عالم المدينة" وفي أخرى: "آباط الإبل" مكان "أكباد الإبل"، وفي أخرى "يلتمسون العلم" مكان "يطلبون العلم"، وفي رواية:"لا تنقضي الساعة حتى يضرب الناس أكباد الإبل من كل ناحية إلى عالم المدينة يطلبون علمه".

"قال سفيان بن عيينة" الهلالي، أبو محمد الكوفي، ثم المكي الثقة، الحافظ، الفقيه، الإمام، الحجة، مات سنة ثمان وتسعين ومائة وله إحدى وتسعون سنة:"نرى هذا العالم مالك بن أنس".

وفي رواية عن سفيان: كنت أقول هو ابن المسيب، حتى قلت: كان في زمنه سليمان وسالم وغيرهما، ثم أصبحت اليوم أقول: إنه مالك، وذلك أنه عاش حتى لم يبق له نظير بالمدينة.

وفي رواية عن سفيان: كانوا يرونه مالك بن أنس، قال ابن مهدي: يعني بقوله: كانوا التابعين وقال غيره: هو إخبار عن غيره من نظرائه، أو ممن هو فوقه، قال القاضي عبد الوهاب: لا ينازعنا في هذا الحديث أحد من أرباب المذاهب، إذ ليس منهم من له إمام من أهل المدينة، فيقول: هو إمامي، ونحن نقول: إنه صاحبنا بشهادة السلف له، وبأنه إذا أطلق بين العلماء قال عالم المدينة وإمام دار الهجرة، فالمراد به مالك دون غيره من علمائها، قال القاضي عياض: فوجه احتجاجنا بهذا الحديث من ثلاثة أوجه: الأول تأويل السلف، وما كانوا ليقولوا ذلك إلا عن تحقيق، الثاني: شهادة السلف الصالح له، وإجماعهم على تقديمه يظهر أنه المراد، إذ لم يحصل الأوصاف التي فيه لغيره، ولا أطبقوا على هذه الشهادة لسواه، الثالث: ما نبه عليه بعض الشيوخ أن طلبة العلم لم يضربوا أكباد الإبل من شرق الأرض وغربها إلى عالم ولا رحلوا إليه من الآفاق رحلتهم إلى مالك شعر:

فالناس أكيس من أن يحمدوا رجلا

من غير أن يجدوا آثارا حسان

"وقال عبد الرزاق" بن همام الصنعاني، الحافظ الثقة، أحد تلامذة مالك:"ولم يعرف بهذا الاسم" أي عالم المدينة "غيره" من علمائها، "ولا ضربت أكباد الإبل إلى أحد مثل ما

ص: 159

والشافعي والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث بن سعد إمام أهل مصر، وأبو حنيفة النعمان بن ثابت الإمام، وصاحباه: أبو يوسف ومحمد بن الحسن، وعبد الرحمن بن مهدي شيخ الإمام أحمد، ويحيى بن يحيى شيخ البخاري ومسلم، وأبو رجاء قتيبة بن سعيد شيخ البخاري ومسلم، وذو النون المصري، والفضيل بن عياض، وعبد الله بن المبارك، وإبراهيم بن أدهم. كما نقله العلامة عيسى بن مسعود الزواوي في كتاب

ضربت إليه" من شرق الأرض وغربها.

"وقال أبو مصعب" أحمد بن أبي بكر واسمه القاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب الزهري، المدني، الفقيه الصدوق، مات سنة ثنتين وأربعين ومائتين، وقد أناف على التسعين، وهو من تلامذة مالك:"كان الناس يزدحمون على باب مالك ويقتتلون عليه من الزحام، يعني لطلب العلم" وكان له حاجب يأذن أولا للخاصة، فإذا فرغوا أذن للعامة.

"وممن روى عنه من الأئمة المشهورين محمد" بن مسلم بن عبيد الله "بضم العين" ابن عبد الله "بفتحها" ابن شهاب" القرشي "الزهري" شيخ مالك ومات قبله بخمس وخمسين سنة، "والسفيانان" ابن سعيد الثوري وابن عيينة، وهما من أقرانه، "والشافعي" الإمام، "والأوزاعي" عبد الرحمن بن عمرو الثقة الفقيه، "إمام أهل الشام" من أقران مالك، مات سنة سبع وخمسين ومائة قبل مالك بأزيد من عشرين سنة، "والليث بن سعد" بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري، ثقة، فقيه، إمام مشهور، "إمام أهل مصر" مات في شعبان سنة خمس وسبعين ومائة قبل مالك بقليل وهو من أقرانه.

"و" روى عنه من أقرانه أيضا الإمام "أبو حنيفة النعمان بن ثابت" الكوفي، يقال أصله من فارس، ويقال: مولى بني تميم الفقيه، العلم الشهير، مات وله سبعون سنة في سنة خمسين ومائة على الصحيح قبل مالك بنحو ثلاثين سنة.

ذكر السيوطي: أنه روى عنه حديثين، أخرجهما الخطيب، أحدهما من طريق القاسم بن الحكم العرني "بضم العين المهملة وفتح الراء ونون"، قال: حدثنا أبو حنيفة عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: أتى كعب بن مالك النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن راعية له كانت ترعى في غنمه، فتخوفت على الشاة الموت، فذبحتها بحجر، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يأكلها، وثانيهما من طريق إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، عن أبي حنيفة، عن مالك، عن عبد الله بن الفضل، عن نافع، عن جبير بن مطعم، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر، وصمتها إقرارها". انتهى.

وقال ابن عبد البر في الحديث الثاني: قيل: رواه أبو حنيفة عن مالك، ولا يصح، لكن

ص: 160

"المنهج السالك إلى معرفة قدر الإمام مالك".

وإخباره بعالم قريش، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله عليه الصلاة

جزم تلميذ تلاميذه عياض، بأنه رواه عنه، وزاد في تزيين الممالك ثالثا عن أبي حنيفة، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال:"إذا صليت الفجر والمغرب ثم أدركتهما" فلا تعدهما، وقد أورد في الشفاء فيما أخبر به صلى الله عليه وسلم من الغيب حديث ابن مسعود، رفعه:"لو كان العلم معلقا بالثريا لتناوله رجال من فارس". وفي لفظ: لتناوله رجل بالإفراد، فجزم السيوطي، بأنه أبو حنيفة، لأنه لم يبلغ من أبناء فارس في العلم مبلغه أحد، ولا مبلغ أصحابه، والمراد بفارس الفرس جنس من العجم، كان جد "الإمام" منهم لا البلد المعروف، لكن هذا على أنه منهم، أما على أنه مولى تيم، فلا يفسر به، وهما قولان، حكاهما الحافظ في تقريبه، "وصاحباه أبو يوسف" يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، الكوفي، ثقة حافظ، كثير الحديث، صدوق، مات سنة اثنتين وثمانين ومائة وله تسع وسبعون، "ومحمد بن الحسن" الشيباني أقام عند مالك مدة، وكان يحبه، فأسمعه ثلاثمائة حديث من لفظه، "وعبد الرحمن بن مهدي" بن حسان العنبري، أحد الحفاظ الثقات، الأثبات، "شيخ الإمام أحمد" وشخ غيره، وخصه لشهرته وجلالته، "ويحيى بن يحيى" بن بكير بن عبد الرحمن التميمي أبو زكريا النيسابوري، "شيخ البخاري ومسلم" ثقة، ثبت إمام، وهو غير يحيى بن يحيى بن كثير الليثي، الأندلسي، وقد يلتبسان على من لم يعلم، وهما معا كابن مهدي وابن الحسن من رواة الموطأ، أما أبو يوسف، فإنما روى الموطأ عن مالك بواسطة، "وأبو رجاء قتيبة بن سعيد" بن جميل "بفتح الجيم" ابن طريف الثقفي، البغلاني "بفتح الموحدة وسكون المعجمة" اسمه يحيى، وقيل: علي. ثقة، ثبت، مات سنة أربعين ومائتين عن تسعين سنة، "شيخ البخاري ومسلم" وشيخ باقي الأئمة الستة، وهو من رواة الموطأ، "وذو النون المصري" ثوبان بن إبراهيم أبو الفيض النوبي، أوحد وقته علما وورعا وأدبا، ولد بإخميم، وهو أول من عبر عن علوم النازلات، وأنكر عليه أهل مصر، وقالوا: أحدث علما، لم تتكلم فيه الصحابة، وسعوا به إلى الخليفة المتوكل، ورموه عنده بالزندقة، فأحضره من مصر، فلما دخل عليه وعظه، فبكى المتوكل ورده مكرما، مات سنة خمس وأربعين ومائتين، وقد قارب سبعين.

قال ابن السبكي: كان أهل مصر يسمونه الزنديق، فلما مات أظلت الطير الخضر جنازته، ترفرف عليه إلى أن وصل إلى قبره، فلما دفن غابت، فاحترم أهل مصر قبره. انتهى.

وعده بعض الحفاظ من رواة الموطأ، "والفضيل بن عياض" ابن مسعود التميمي، أبو علي الزاهد المشهور، العابد، الثقة، الإمام، أصله من خراسان، وسكن مكة ومات سنة سبع وثمانين ومائة، وقيل: قبلها، "وعبد الله بن المبارك" المروزي، الحنظلي، مولاهم، ثقة ثبت، فقيه، عالم، جواد، مجاهد، جمعت فيه خصال الخير، مات سنة إحدى وثمانين ومائة وله ثلاث وستون

ص: 161

والسلام: "لا تسبوا قريشا فإن عالمها يملأ طباق الأرض علما". رواه أبو داود الطيالسي في مسنده، وفيه الجارود مجهول، لكن له شواهد عن أبي هريرة في تاريخ بغداد للخطيب وعن علي وابن عباس في المدخل للبيهقي. قال الإمام أحمد وغيره: هذا العالم هو الشافعي، لأنه لم ينتشر في طباق الأرض من علم عالم قريش من الصحابة وغيرهم ما انتشر من علم الشافعي، وما كان الإمام أحمد ليذكر حديثا موضوعا يحتج أو يستأنس به في أمر شيخه الشافعي. وأما قوله:

سنة، "وإبراهيم بن أدهم" بن منصور العجلي، وقيل: التميمي أبو إسحاق البلخي، الزاهد، صدوق، مات سنة اثنتين وستين ومائة قبل مالك بمدة، وهو من أقرانه، "كما نقله العلامة عيسى بن مسعود" بن منصور بن يحيى بن يونس "الزواوي" الفقيه، العالم، المتفنن، انتفع به الناس، وانتهت إليه رياسة المالكية بالديار المصرية.

وشرح المدونة وصحيح مسلم في اثني عشر مجلدا وتاريخ نحو عشر مجلدات، ورد على ابن تيمية في مسألة الطلاق وابن الحاجب سبع مجلدات إلى كتاب الصيد وغير ذلك، ولد بالمغرب سنة أربع وستين، وستمائة، ومات بالقاهرة سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة.

"في كتاب المنهج السالك إلى معرفة قدر الإمام مالك،" قال ابن عبد البر: ألف الناس في فضائل مالك كتبا كثيرة. انتهى.

والرواة عنه كثيرون جدا، بحيث لا يعرف لأحد من الأئمة رواة كرواته، ذكر عياض أنه ألف فيهم كتابا، ذكر فيه نيفا على ألف وثلاثمائة، وعد في مداركه نيفا على ألف، ثم قال: إنما ذكرنا المشاهير وتركنا كثيرا.

وقال الدارقطني: لا نعلم أحدًا ممن تقدم أو تأخر اجتمع له ما اجتمع لمالك، روى عنه رجلان حديثا واحدا بين وفاتيهما نحو من مائة وثاثين سنة: الزهري، عن شيخه، توفي سنة خمس وعشرين ومائة، وأبو حذافة السهمي توفي بعد الخمسين ومائتين، رويا عنه الحديث الفريعة بنت مالك في سكنى المعتدة.

"و" من ذلك "إخباره بعالم قريش، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا قريشا، فإن عالمها يملأ طباق"، "بكسر الطاء جمع طبق"، أي نواحي "الأرض"، كأنه غطاها من جميع جوانبها "علما" اللهم إنك أذقت أولها نكالا ووبالا، فأذق آخرها نوالا، هذا بقية الحديث الذي "رواه أبو داود" سليمان بن داود بن الجارود "الطيالسي" الحافظ "في مسنده، وفيه الجارود"، "بالجيم" راويه عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود "مجهول" والرواي عنه مختلف فيه كما في المقاصد، "لكن له شواهد" تقويه" عن أبي هريرة في تاريخ بغداد للخطيب" من

ص: 162

وروي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: "عالم قريش يملأ الأرض علما" أتى بصيغة التمريض احتياطا للشك في ضعفه، فإن إسناده لا يخلو من الضعف. قاله العراقي ردا على الصغاني في زعمه أنه حديث موضوع، وقد جمع الحافظ ابن حجر طرقه في كتاب سماه: لذة العيش في طرق حديث الأئمة من قريش، كما أفاده شيخنا.

وأخبر عليه الصلاة والسلام بأن طائفة من أمته لا يزالون ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله. رواه الشيخان من حديث المغيرة بن شعبة وبأن الله يبعث إلى

حديث وهب بن كيسان عنه، رفعه:"اللهم اهد قريشا، فإن عالمها يملأ طباق الأرض علما، اللهم كما أذقتهم عذابا، فأذقهم نوالا". دعا بها ثلاث مرات، وراويه عن وهب فيه ضعف كما في المقاصد.

"وعن علي وابن عباس في" كتاب "المدخل للبيهقي" وثانيهما، أي حديث ابن عباس عند أحمد والترمذي، وقال: حسن بلفظ "اللهم اهد قريشا" فإن علم العالم يسع طباق الأرض.

"قال الإمام أحمد وغيره: هذا العالم هو الشافعي" الإمام، "لأنه لم ينتشر في طباق الأرض من علم عالم قرشي من الصحابة وغيرهم ما انتشر من علم الشافعي" التعليل بهذا الغير أحمد.

قال السخاوي: الحديث منطبق على الشافعي، ويؤيده قول أحمد كما في المدخل، إذا سئلت عن مسألة لا أعرف فيها خبرا أخذت فيها بقول الشافعي، لأنه إمام عالم من قريش، قال: وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "عالم قريش يملأ الأرض علما"، "وما كان الإمام أحمد ليذكر حديثا موضوعا يحتج به أو يستأنس به في أمر شيخه الشافعي" لفظ السخاوي، به للأخذ في الأحكام بقول شيخ الشافعي.

"وأما قوله: وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "عالم قريش يملأ الأرض علما أتى" أي فأتى. وعبارة شيخه: وإنما أورده "بصيغة التمريض" المقتضية للضعف "احتياطا للشك في ضعفه، فإن إسناده لا يخلو من الضعف، قاله العراقي" الحافظ زين الدين "ردا على الصغاني في زعمه أنه حديث موضوع" ولا وجه له، فغاية ما فيه أن مفرداته ضعيفة، وبتعددها وبالشواهد يرتقي إلى درجة الحسن لغيره.

"وقد جمع الحافظ ابن حجر طرقه في كتاب سماه لذة العيش في طرق حديث الأئمة من قريش، كما أفاده شيخنا" السخاوي في المقاصد الحسنة، فكيف يتصور وضعه، ولا

ص: 163

هذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها. رواه الحاكم وصححه عن أبي هريرة. وبذهاب الأمثل فالأمثل رواه الحاكم وصححه قال: "تذهبون الخير فالخير".

كذاب فيه ولا متهم؟

"وأخبر عليه الصلاة والسلام بأن طائفة من أمته لا يزالون ظاهرين على الحق" أي غالبين من خالفهم، وفي رواية لمسلم: يقاتلون على الحق ظاهرين "حتى يأتي أمر الله" وفي رواية: حتى تأتيهم الساعة، وقال النووي: أمر الله هو الريح الذي يأتي، فيأخذ روح كل مؤمن ومؤمنة، واستدل به أكثر الحنابلة وبعض من غيرهم على أنه لا يجوز خلو الزمان عن مجتهد، وعورض بحديث ابن عمر، مرفوعا عند البخاري وغيره:"أن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاهموه، ولكن ينزعه منه بقبض العلماء بعلمهم، فتبقى ناس جهال يستفتون، فيفتون برأيهم، فيضلون ويضلون". وفيه دلالة على جواز خلو الزمان عن مجتهد، وهو قول الجمهور، لأنه صرح في رفع العلم بقبض العلماء وترئيس الجهال وإذا انتفى العلم ومن يحكم به، استلزم انتفاء الاجتهاد والمجتهد.

"رواه الشيخان" البخاري في آخر العلامات والاعتصام والتوحيد ومسلم في الجهاد "من حديث المغيرة بن شعبة" عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزال ناس". وفي رواية: "طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون". قال البخاري: هم أهل العلم.

وفي الترمذي، عن البخاري، عن شيخه علي بن المديني: هم أصحاب الحديث، وقال النووي: يجوز أن الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين، ما بين شجاع وبصير بالحرب، وفقيه ومحدث ومفسر، وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وزاهد وعابد، قال: ولا يلزم اجتماعهم بلد واحد، بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد، وتفرقهم في الأقطار، وأن يكونوا في بعض دون بعض، ويجوز إخلاء الأرض كلها من بعضهم أولا فأولا إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة ببلد واحد، فإذا انقرضوا أتى أمر الله. انتهى.

وفي مسلم عن سعد بن أبي وقاص، مرفوعا:"لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة" قال علي بن المديني: هم العرب، لأنهم المخصوصون بالسقي بالغرب، وهي الدلو العظيمة، وقال غيره: هم أهل المغرب "بالميم" لوروده بميم في بعض الطرق.

وفي حديث أبي أمامة عند الطبراني: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، قاهرين لعدوهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك". قيل: يا رسول الله وأين هم؟ قال: "ببيت المقدس". والمراد بهم الذين يحصرهم الدجال فينزل عيسى إليهم فيقتله.

ص: 164

وبالخوارج: رواه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: بينما نحن عند رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو يقسم قسما إذ أتاه ذو الخويصرة، فقال: يا

وفي البخاري عن معاذ وهم بالشام، وفي المفهم رواية أهل المغرب "بالميم" تدل على إبطال التأويلات فيه، قال: والمراد بالمغرب جهة المغرب، من المدينة إلى أقصى بلاد المغرب فيدخل فيه الشام وبيت المقدس، فلا منافاة بين الروايات.

وأرسل الطرطوسي رسالة لأهل المغرب، ذكر فيها الحديث، وقال: هل أراكم صلى الله عليه وسلم إلا لما أنتم عليه من التمسك بالسنة وطهارتكم من البدع واقتفاء أثر السلف، وقد جمع بين هذا وبين حديث مسلم، عن عبد الله بن عمر، مرفوعا:"لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس"

الحديث، بأن المراد بهم قوم يكونون بموضع مخصوص، ويكون بموضع آخر طائفة ظاهرون على الحق، وبأن ذلك بعد هبوب الريح بعد موت عيسى، فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته، ويبقى شرار الناس، فعليهم تقوم الساعة، وهناك يتحقق خلو الأرض عن مسلم، فضلا عن هذه الطائفة الكريمة، قال الحافظ: وهذا أولى ما يتمسك به في الجمع بين الحديثين. انتهى.

ومر في الخصائص شيء من هذا، "و" أخبر "بأن الله يبعث" يفيض "إلى هذه الأمة على رأس" أي أول "كل مائة سنة" من الهجرة، كما صرح به السبكي وغيره، وتجويز أن المراد من المولد النبوي، أو البعثة، أو الوفاة بعيد، إذ التاريخ من الهجرة "من يجدد لها دينها" أي يبين السنة من البدعة، ويكثر العلم وينصر أهله، ويكسر أهل البدع ويذلهم، قالوا: ولا يكون إلا عالما بالعلوم الدينية الظاهرة والباطنة.

قال ابن كثير: وقد ادعى كل قوم في إمامهم، أنه المراد بهذا الحديث، والظاهر أنه يعم حملة العلم من كل طائفة، وكل صنف من مفسر ومحدث وفقيه ونحوي ولغوي وغيرهم.

وفي الفتح: نبه بعض الأئمة على أنه لا يلزم أن يكون في رأس كل قرن واحد فقط، بل الأمر فيه، كما ذكر النووي في حديث:"لا تزال طائفة"، وسبق كلامه: ولا يشترط أن يكون المجدد مجتهدا، واشترطه بعضهم: ولا أن يكون هاشميا، وأما خبر أبي داود:"المجدد منا أهل البيت"، فذاك لما ورد مرفوعا:"آل محمد كل تقي" وأسانيده وإن كانت ضعيفة، لكنها تعددت وشواهده كثيرة، "رواه الحاكم" في الفتن "وصححه" لأن رجاله كلهم ثقات، وقد رواه أبو داود في الملاحم من سننه، والطبراني في الأوسط، والبيهقي في المعرفة، كلهم "عن أبي هريرة" عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:"إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها".

"و" من ذلك إخباره صلى الله عليه وسلم "بذهاب" أي موت "الأمثل، فالأمثل" أي الأفضل فالأفضل، "رواه الحاكم وصححه" والطبراني والبخاري في التاريخ، كلهم عن رويفع بن ثابت أنه صلى الله عليه وسلم

ص: 165

رسول الله، اعدل، فقال:"ويلك، ومن يعدل إن لم أعدل، خبت وخسرت إن لم أعدل". فقال: عمر يا رسول الله دعني أضرب عنقه، فقال عليه الصلاة والسلام: "دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يخرج السهم من الرمية، آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر، يخرجون على

قال: "تذهبون"، "بفوقية أوله"، "الخير فالخير" بالتشديد، حتى لا يبقى منكم إلا مثل هذه، وأخذ حشفة من تمر، وأشار بها، هذا بقية الحديث.

"و" أخبر "بالخوارج، رواه الشيخان من حديث أبي سعيد" سعد بن مالك بن سنان "الخدري" الصحابي ابن الصحابي، "بلفظ: بينما"، "بالميم" نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسما"، "بفتح القاف، مصدر قسمت الشيء فانقسم، سمي الشيء المقسوم بالمصدر، والواو للحال" زاد في رواية: يوم حنين، وفي أخرى للبخاري: أن المقسوم كان تبرا، بعثه علي بن أبي طالب من اليمن، قسمه بين عيينة وأقرع بن حابس وزيد الخيل، والرابع إما علقمة وإما عامر بن الطفيل، وبين الحافظ أن الشك في عامر، وهم من بعض رواته، لأنه مات قبل ذلك كافرا، فالصواب أنه علقمة بن علاثة "بضم المهملة وخفة اللام ومثلثة"، "إذ أتاه ذو الخويصرة"، "بضم الخاء المعجمة وفتح الواو وسكون التحتية وكسر الصاد المهملة، بعدها راء واسمه نافع،" كما عند أبي داود، ورجحه السهيلي، وقيل: اسمه حرقوص بن زهير، وفي الرواية: وهو رجل من بني تميم، "فقال: يا رسول الله اعدل" في القسمة، "فقال" صلى الله عليه وسلم: "ويك ومن يعدل إن لم أعدل" وفي رواية للبخاري، فقال: يا رسول الله اتق الله، قال: "ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله، خبت وخسرت إن لم أعدل".

قال المصنف: لم يضبط في اليونينية، تاءي خبت وخسرت هنا، وضبطهما في غيرهما "الضم والفتح"، على المتكلم، والمخاطب والفتح أشهر وأوجه.

قال التوربتشي: هو على ضمير المخاطب، لا على ضمير المتكلم، وإنما رد الخيبة والخسران إلى المخاطب على تقدير عدم العدل منه، لأن الله تعالى بعثه رحمة للعالمين، وليقوم بالعدل فيهم، فإذا قدر أنه لم يعدل، فقد خاب المعترف، بأنه مبعوث إليهم، وخسر لأن الله لا يحب الخائنين، فضلا أن يرسلهم إلى عباده.

وقال الكرماني: أي خبت أنت وخسرت لكونك تابعا ومقتديا لمن لا يعدل، "فقال عمر: يا رسول الله دعني" وفي رواية: ائذن لي فيه "أضرب" بالجزم جواب الأمر، وفي رواية.

ص: 166

حين فرقة من الناس". قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل

فأضرب "بالنصب" بقاء الجواب "عنقه، فقال عليه الصلاة والسلام: "دعه" لا تضرب عنقه، فإن قلت: كيف منع من قتله مع أنه قال: "لئن أدركتهم لأقتلنهم".

أجاب في شرح السنة بأنه إنما أباح قتلهم إذا كثروا وامتنعوا بالسلاح واستعرضوا للناس، ولم تكن هذه المعاني موجودة حين منع من قتلهم، وأول ما نجم ذلك في زمان علي رضي الله عنه، فقاتلهم حتى قتل كثيرا منهم. انتهى.

ولمسلم عن جابر: فقال عمر: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق، فقال:"معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي"، وقال الإسماعيلي: إنما ترك قتله لأنه لم يكن أظهر ما يستدل به على ما وراءه، فلو قتل من ظاهره الصلاح عند الناس قبل استحكام الإسلام ورسوخه في القلوب، نفرهم عن الدخول في الإسلام، وأما بعده صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز ترك قتالهم إذا أظهروا رأيهم وخرجوا عن الجماعة، وخالفوا الأئمة مع القدرة على قتالهم.

وفي رواية للبخاري: فسأله رجل أظنه خالد بن الوليد قتله، ولمسلم: فقال خالد بن الوليد بالجزم، وجمع بينهما، بأن كلا منهما سأل ذلك، ويؤيده ما في مسلم، فقام عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله ألا أضرب عنقه، قال: لا، ثم أدبر، فقام إليه خالد بن الوليد سيف الله، فقال: يا رسول الله ألا أضرب عنقه، قال: لا.

قال في فتح الباري: فهذا نص في أن كلا منهما سأل، وقد استشكل سؤال خالد في ذلك، لأن بعث علي إلى اليمن كان عقب بعث خالد إليها، والذهب المقسوم كان أرسله علي من اليمن، وأجيب بأن عليا لما وصل إلى اليمن رجع خالد منها إلى المدينة، فأرسل علي بالذهب، فحضر خالد قسمته، "فإن له أصحابا" ليست الفاء للتعليل، بل لتعقيب الأخبار، أي قال: دعه، ثم عقب مقالته بقصتهم، فقال:"يحقر"، "بكسر القاف" يستقل "أحدكم صلاته مع صلاتهم" لما يراه عليهم من إظهار الخشوع ونحوه، "وصيامه مع صيامهم".

وعند الطبري من رواية عاصم بن شمخ، عن أبي سعيد:"تحقرون أعمالكم مع أعمالهم" ، ووصف عاصم أصحاب نجدة الحروي، بأنهم يصومون النهار ويقومون الليل.

وللطبراني عن ابن عباس في قصة مناظراته للخوارج، قال: فأتيتهم، فلم أر أشد اجتهادا منهم. "يقرءون القرآن، لا يجاوز تراقيهم"، "بفوقية وقاف جمع ترقوة، بفتح فسكون وضم القاف" قال في القاموس: ولا تضم تاؤه العظيم ما بين ثغرة النحر والعاتق، يريد أن قراءتهم، لا يرفعها الله ولا يقبلها لعلمه باعتقادهم، أو لأنهم لا يفقهونها، ويحملونها على غير المراد بها، فلا يثابون عليها، أو ليس لهم حظ إلا مروره على لسانهم، فلا يصل إلى حلوقهم، فضلا عن أن

ص: 167

فالتمس فوجد فأتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله عليه الصلاة والسلام

يصل إلى قلوبهم، لأن المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب، "يمرقون" يخرجون سريعا "من الإسلام" هكذا رواه البخاري في التوحيد، ورواه في العلامات وغيره "يمرقون من الدين".

قال الحافظ في المغازي، في قوله:"من الإسلام". رد على من أول الدين هنا بالطاعة، وقال: المراد أنهم يخرجون من طاعة الإمام، وهي صفة الخوارج الذين كانوا لا يطيعون الخلفاء، والذي يظهر أن المراد بالدين الإسلام، كما فسرته الرواية الأخرى، وخرج الكلام مخرج الزجر، وأنهم بفعلهم ذلك يخرجون من الإسلام الكامل، "كما يخرج السهم من الرمية"، "بفتح الراء وكسر الميم وشد التحتية، فعلية بمعنى مفعولة" وهو الصيد المرمي شبه مروقهم من الدين بالسهم الذي يصيب الصيد، فيدخل فيه ويخرج منه، ومن شدة سرعة خروجه لقوة الرامي لا يعلق من جسد الصيد بشيء.

زاد في التوحيد: يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان: "لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد"، وحذف المصنف من رواية الشيخين عقب قوله:"الرمية". "ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافة، فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه وهو قدحه، لا يوجد فيه شيء، ثم ينطر إلى قذذه، فلا يوجد فيه شيء قد سبق للفرث والدم" وينظر بالبناء للمجهول في الجميع، والنصل حديدة السهم، ورصافة "براء مكسورة فمهملة ففاء"، أي عصبته التي تكون فوق مدخل النصل، جمع رصفة بحركات، ونضيه "بفتح النون" وحكي ضمها، وكسر الضاد المعجمة، فتحتية ثقيلة، فسره في الحديث بالقدح "بكسر القاف وسكون الدال"، أي عود السهم قبل أن يراش وينصل، وقيل: هو ما بين الريش والنصل، قاله الخطابي. قال ابن فارس: سمي بذلك لأنه بري حتى عاد نضوا، أي هزيلا.

وحكى الجوهري عن بعض أهل اللغة: أن النضي النصل، والأول أولى وقذذه "بضم القاف ومعجمتين، الأولى مفتوحة": جمع قذة وهي ريش السهم، يقال لكل واحدة قذه، ويقال هو أشبه بالقذة، لأنها تجعل على مثال واحد، والفرث "بفاء ومثلثه" ما يجتمع في الكرش والدم، يعني لم يظهر أثرهما فيه، وكذلك هؤلاء لم يتعلقوا بشيء من الإسلام، "آيتهم"، "بالمد"، أي علامتهم "رجل أسود" اسمه نافع، كما عند ابن أبي شيبة.

وقال ابن هشام: ذو الخويصرة "إحدى عضديه" ما بين المرفق والكتف، "مثل ثدي المرأة"، "بفتح المثلثة وسكون الدال المهملة"، "أو" قال:"مثل البضعة"، "بفتح الموحدة وسكون المعجمة" القطعة من اللحم "تدردر"، "بفتح الفوقية والدالين المهملتين بينهما راء ساكنة وآخره راء أخرى، وأصله تتدردر، حذفت إحدى التاءين تخفيفا، أي تتحرك وتذهب

ص: 168

الذي نعته.

وأخبر عليه الصلاة والسلام أيضا بالرافضة، أخرجه البيهقي عن علي قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "يكون في أمتي قوم يسمون الرافضة، يرفضون الإسلام".

وتجيء، وأصله حكاية صوت الماء في بطن الوادي إذا تدافع، "يخرجون على حين"، "بكسر المهملة وسكون الياء ونون" أي زمان "فرقة"، "بضم الفاء" أي افتراق وفي رواية الكشميهني، وهي رواية الإسماعيلي: على خير "بخاء معجمة وراء" أي أفضل، وفرقة "بكسر الفاء"، أي أفضل طائفة "من الناس" علي وأصحابه، ولأحمد وغيره: على حين فترة "بفتح الفاء وسكون الفوقية".

قال الحافظ: رواية فرقة "بضم الفاء" هي المعتمدة، وهي التي عند مسلم وغيره، ويؤيدها ما في مسلم أيضا: تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين، تقتلها أولى الطائفتين بالحق، أخرجه هكذا مختصرا من وجهين، وفي هذا وفي قوله صلى الله عليه وسلم "يقتل عمار الفئة الباغية" دلالة واضحة على أن عليا ومن معه كانوا على الحق، وأن من قاتلهم كانوا مخطئين في تأويلهم.

"قال أبو سعيد" الخدري: "فأشهد أني سمعت هذا" الحديث "من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه" بالنهروان.

وفي رواية البخاري: وأشهد أن عليا قتلهم، ونسبة قتلهم له لأنه القائم بذلك "فأمر بذلك، الرجل" الذي قال صلى الله عليه وسلم: "آيتهم"

إلخ، "فالتمس"، "بضم الفوقية" مبنيا للمفعول، أي طلب في القتلى، "فوجد".

وفي مسلم: فلما قتلهم علي قال: انظروا، فلم ينظروا شيئا، فقال: ارجعوا فوالله ما كذبت ولا كذبت مرتين أو ثلاثا، ثم وجدوه في خربة، "فأتي به".

وعند الطبري: فقال علي: اطلبوا ذا الثدية، فطلبوه فلم يجدوه، فقال: ما كذبت ولا كذبت، فوجدوه في وهدة من الأرض عليه ناس من القتلى، فإذا رجل على يديه مثل سلاسل السد نور، فكبر علي والناس "حتى نظرت إليه على نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نعته" يريد ما تقدم من كونه أسود

إلخ.

قال بعض أهل اللغة: النعت يختص بالمعاني، كالطول والقصر، والعمى والخرس، والصفة بالفعل كالضرب والجرح، وقال غيره: النعت للشيء الخاص والصفة أعم.

وعند أحمد والطبراني والحاكم عن عبد الله بن شداد أنه دخل على عائشة مرجعه من العراق، فقالت: حدثني عن أمر هؤلاء الذين قتلهم علي، قال: إن عليا لما كاتب معاوية، وحكَّما الحكمين خرج عليه ثمانية آلاف من قراء الناس، فنزلوا بأرض يقال لها حروراء بجانب الكوفة،

ص: 169

وأخبر أيضا بالقدرية والمرجئة وقال: "هم مجوس هذه الأمة"، رواه الطبراني في الأوسط عن أنس.

وقد أخبر عليه الصلاة والسلام أصحابه بأشياء بين موته وبين الساعة، وحذر من مفاجأتها، كما يحذر من حاد عن الطاعة، وأن الساعة لا تقوم حتى تظهر

وعتبوا عليه، فقالوا: انسلخت من قميص ألبسكه الله، ومن اسم سماك الله به، ثم حكمت الرجال في دين الله، ولا حكم إلا لله، فبلغ ذلك عليا، فجمع الناس، فدعا بمصحف عظيم، فجعل يقول: أيها المصحف حدث الناس، فقالوا: ماذا إنسان، إنما هو مداد وورق ونحن نتكلم بما روينا منه، فقال: كتاب الله بيني وبين هؤلاء، يقول الله في امرأة ورجل:{وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} [النساء: 35] ، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم أعظم من امرأة ورجل، ونقموا عليَّ أن كاتبت معاوية، وقد كاتب صلى الله عليه وسلم سهيل بن عمر، و {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} ثم بعث إليهم ابن عباس، فناظرهم، فرجع منهم أربعة آلاف، منهم: عبد الله بن الكواء، فبعث علي إلى الآخرين أن يرجعوا، فأبوا، فأرسل إليهم: كونوا حيث شئتم وبيننا وبينكم أن لا تسفكوا دما حراما، ولا تقطعوا سبيلا ولا تظلموا، أحدا فإن فعلتم تندب إليكم الحرب.

قال عبد الله بن شداد: فوالله ما قتلهم حتى قطعوا السبيل وفكوا الدم الحرام.

"وأخبر عليه الصلاة والسلام أيضا بالرافضة" فرقة من الشيعة تابعوا زيد بن علي بن الحسين، ثم قالوا له: تبرأ من الشيخين، فأبى وقال: كانا وزيري جدي، فتركوه ورفضوه، فأرفضوا، والروافض كل جند تركوا قائدهم، والرافضة فرقة منهم.

"أخرجه البيهقي عن علي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يكون في أمتي قوم يسمون الرافضة يرفضون الإسلام"، "بكسر الفاء وضمها"، يتركونه بالخروج عن الطاعة والاعتقاد الفاسد، "وأخبر أيضا بالقدرية" سموا بذلك لإنكارهم القدر، وإسنادهم أفعال العباد إلى قدرتهم.

وفي الحديث: "القدر سر الله، فلا تفشوا سر الله". رواه أبو نعيم عن ابن عمر، وابن عدي عن عائشة، مرفوعا بإسنادين ضعيفين، ورواه الديلمي، بلفظ: فلا تتكلفوا عليه "والمرجئة" القائلين بالإرجاء وهو تأخير العمل عن النية والاعتقاد، أو بأنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة.

وعند البيهقي عن ابن عباس، رفعه: صنفان من أمتي لا سهم لهم في الإسلام المرجئة والقدرية، قيل: وما المرجئة، قال: الذي يقولون الإيمان قول ولا عمل، قيل: وما القدرية، قال: الذين يقولون لم يقدر الله الشر، "وقال: هم مجوس هذه الأمة" لأن إضافة القدرية الخير إلى الله والشر لغيره تشبه إضافة المجوس الكوائن إلى خالقين: خالق الخير وخالق الشر، لكن يقولون

ص: 170

جملة من الأمارات في العالم، فإذا جاءت الطامة الكبرى، يطيش منها الجاهل والعالم. كما روي من رفع الأمانة والقرآن، واشتهار الخيانة وحسد الأقران وقلة الرجال، وكثرة النسوان، إلى غير ذلك مما شهدت بصحته الأخبار، وقضى بحقيقة وقوعه الاعتبار، وقد تعين أن نلم بطرف من الآثار الصحاح والحسان.

فروى البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان يكون بينهما مقتلة عظيمة، دعواهما

ذلك في الأعيان والأحداث، والقدرية يقولونه في الأحداث دون الأعيان، وتركيب الحديث من قبيل القلم أحد اللسانين، ولفظه: هذه إشارة إلى تعظيم المشار إليه وإلى النعي على القدرية والتعجب منهم، أي انظروا إلى هؤلاء كيف امتازوا من هذه الأمة المكرمة بهذه الهيئة الشنيعة، حيث نزلوا من أوج المنازل الرفيعة إلى حضيض السفالة والرذيلة، قاله الطيبي.

"رواه الطبراني في الأوسط عن أنس" وأخرجه بدون ذكر المرجئة أبو داود والحاكم من حديث أبي حازم، عن ابن عمر، رفعه:"القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم"، ورواته ثقات لكنه منقطع، لأن أبا حازم لم يسمع من ابن عمر، وإليه أشار الحاكم، فقال: على شرطهما إن صح أن أبا حازم سمع من ابن عمر.

قال بعضهم: استأثر الله بسر القدر ونهى عن طلبه، ولو كشف لهم عنه وعن عاقبته لما صح التكليف، كما لا يصح عند كف الغطاء يوم القيامة، فالسعادة فضله والشقاوة عدله، وإنما ينكشف سر الله للخلائق إذا دخلوا الجنة، ولا ينكشف لهم قبل دخولها.

"وقد أخبر عليه الصلاة والسلام أصحابه بأشياء بين موته وبين" قيام "الساعة، وحذر من مفاجأتها" إتيانها بغتة، بمعنى أنه حذر الإنسان من الغفلة، بحيث تفجؤه على غير تأهب، وإلا ففجأتها لا يمكن التحذير منها، "كما يحذر من حاد عن الطاعة، وإن الساعة لا تقوم حتى تظهر جملة من الأمارات" العلامات الدالة على دنوها "في العالم، فإذا جاءت الطامة" الداهية التي تطم، أي تعلو على سائر الدواهي "الكبرى" أكبر الدواهي، "يطيش منها الجاهل والعالم، كما روي من رفع الأمانة والقرآن" من الصدور والمصاحف، "واشتهار الخيانة وحسد الأقران" بعضهم لبعض، "وقلة الرجال وكثرة النسوان"، بحيث يكون لخمسين امرأة قيم واحد، "إلى غير ذلك مما شهدت بصحته الأخبار، وقضى بحقيقة وقوعه الاعتبار" وظاهر هذا أنه بيان للطامة، فالمراد بها غير المراد بها في الآية، فهي هنا المصيبة التي تعم الناس من الأشياء المذكورة، أما في الآية، فقال البيضاوي: القيامة أو النفخة الثانية أو الساعة التي يساق فيها أهل الجنة إليها وأهل النار إليها، ويحتمل أن يقدر في المصنف مضاف نحو، فإذا جاءت مقدمات

ص: 171

واحدة، وحتى يبعث دجالون كذابون قريبا من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج -وهو القتل- وحتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم الرجل من يقبل صدقته، وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي به، وحتى يتطاول الناس في

الطامة، "وقد تعين أن نلم" أن نذكر من ألم بالشيء إذا فعله "بطرف من الآثار الصحاح والحسان، فروى البخاري" من أفراده، عن مسلم "من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال":"لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان"، "بكسر الفاء بعدها همزة مفتوحة تثنية فئة" أي جماعتان "عظيمتان" أي كثيرتان، والمراد علي ومن معه ومعاوية ومن معه لما تحاربا بصفين، "يكون بينهما مقتلة"، "بفتح الميم مصدر ميمي"، "عظيمة" أي قتل عظيم، فقتل من الفريقين سبعون ألفا، وقيل: أكثر، "دعواهما واحدة" أي دينهما، لأن كلا منهما كان يتسمى بالإسلام، أو المراد أن كلا منهما يدعي أنه المحق، وقد كان علي هو الإمام والأفضل، يومئذ باتفاق أهل السنة، ولأن أهل الحل والعقد بايعوه بعد عثمان فهو المصيب، فله أجران، ومخالفه مخطئ وليس المراد البعث بمعنى الإرسال المقارن للنبوة، بل هو كقوله تعالى:{أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ} [مريم: 83] ، "دجالون" جمع دجال، يقال: دجل فلان الحق بالباطل، أي غطاه، ومنه الدجال ودجله سحره، ويقال: سمي بذلك لتمويهه وتخليطه على الناس، ويطلق أيضا على الكذب، فقوله:"كذابون" تأكيد، ولا يجمع ما كان على فعال جمع تكسير عند الجمهور لئلا تذهب المبالغة منه وإنه كان قد جاء مكسرا فهو شاذ كما قال مالك في محمد بن إسحاق، إنما هو دجال من الدجاجلة، قال عبد الله بن إدريس الأودي: ما علمت أن دجالا يجمع على دجاجلة حتى سمعتها من مالك بن أنس، "قريبا" بالنصب حال من النكرة الموصوفة.

وفي رواية أحمد: قريب، بالرفع على الصفة "من ثلاثين".

وفي مسلم عن جابر بن سمرة أن بين يدي الساعة ثلاثين كذابا دجالا، كلهم يزعم أنه نبي، فجزم بالثلاثين، ولأبي داود والترمذي، وصححه ابن حبان عن ثوبان:"وأنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون". "كلهم يزعم أنه رسول الله" زاد في حديث ثوبان: "وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي".

وروى أبو يعلى بإسناد حسن عن ابن الزبير: "لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا، منهم: مسيلمة والعنسي والمختار". فعين بعضهم، وجمع بينهما بأنه جبر الكسر، وقد ظهر

ص: 172

البنيان، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه، وحتى تطلع الشمس

مصداق ذلك في آخر زمنه صلى الله عليه وسلم فخرج مسيلمة باليمامة، والأسود باليمن، ثم خرج في خلاف الصديق طليحة بن خويلد في بني أسد بن خزيمة وسجاح التميمية في بني تميم، وفيها يقول شبيب بن ربعي:

أضحت نبيتنا أنثى نطيف بها

وأصبت أنبياء الناس ذكرانا

فقتل الأسود قبل موته صلى الله عليه وسلم، وقتل مسيلمة في خلافة أبي بكر، وتاب طليحة ومات على الإسلام على الصحيح في خلافة عمر، وقيل: أن سجاح تابت، ثم كان أول من خرج بعدهم المختار بن أبي عبيد الثقفي، غلب على الكوفة في أول خلافة ابن الزبير، فأظهر محبة أهل البيت، ودعاء الناس إلى طلب قتلة الحسين، فتتبعهم، فقتل كثيرا ممن باشر ذلك، أو أعان عليه، فأحبه الناس، ثم زين له الشيطان، فادعى النبوة، وزعم أن جبريل يأتيه، فروى أبو داود الطيالسي بإسناد صحيح عن رفاعة بن عبد الله، قال: كنت أبطن شيء بالمختار، فدخلت عليه يوما، فقال: دلت وقد قام جبريل قبلك من هذا الكرسي.

وروى يعقوب بن سفيان بإسناد حسن عن الشعبي أن الأحنف بن قيس أراه كتاب المختار إليه يذكر أنه نبي، وروى أبو داود في السير عن إبراهيم النخعي، قال: قلت لعبيدة بن عمرو: أترى المختار منهم؟ قال: أما إنه من الرءوس. ومنهم: الحارث الكذاب، خرج في خلافة عبد الملك بن مروان، فقتل، وخرج في خلافة بني العباس جماعة، وليس المراد بالحديث من ادعى النبوة مطلقا، فإنهم لا يحصون كثرة؛ لكون غالبهم ينشأ لهم ذلك من جنون أو سوداء وإنما المراد من قامت له شوكة، وبدت له شبهة، كمن وصفنا.

وقد أهلك الله تعالى من وقع له ذلك منهم وبقي منهم من يلحقه بأصحابه، وآخرهم الدجال الأكبر، قاله في فتح الباري "و" لا تقوم الساعة "حتى يقبض العلم" بقبض العلماء، وقد وقع ذلك، فلم يبق إلا رسمه، "وتكثر الزلازل" وقد كثر ذلك في البلاد الشمالية والشرقية والغربية، حتى قيل إنها استمرت في بلدة من بلاد الروم التي للمسلمين ثلاثة عشر شهرا.

وفي حديث سلمة بن نفيل عند أحمد: وبين يدي الساعة سنوات الزلازل، "ويتقارب الزمان" عند زمان المهدي، لوقوع الأمن في الأرض، فيستلذ العيش عند ذلك لانبساط عدله، فتقصر مدته؛ لأنهم يستقصرون مدة أيام الرخاء وإن طالت، ويستطيلون أيام الشدة وإن قصرت، أو المراد يتقارب أهل الزمان في الجهل، فيكونون كلهم جهلاء، أو المراد الحقيقة، بأن يعتدل الليل والنهار دائما بأن تنطبق منطقة البروج على معدل الليل والنهار.

وروى أحمد والترمذي عن أنس، مرفوعا: "لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة

ص: 173

من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، ولتقومن الساعة وقد نشر

كالضرمة بالنار"، "وتظهر الفتن" أي تكثر وتشتهر فلا تكتم، "ويكثر الهرج"، "بفتح الهاء وسكون الراء بعدها جيم" "وهو القتل".

وعند ابن أبي شيبة: قالوا: يا رسول الله وما الهرج؟ قال: "القتل". وهو صريح في أن تفسير الهرج مرفوع، ولا يعارضه كونه جاء موقوفا في غير هذه الرواية، ولا كونه بلسان الحبشة، "وحتى يكثر فيكم المال فيفيض"، "بفتح الياء والنصب عطفا على سابقه"، أي يكثر حتى يسيل "حتى يهم"، "بضم التحتية وكسر الهاء وشد الميم": يحزن "الرجل" الذي في البخاري رب المال "مفعول"، "من يقبل صدقته"، "فاعل".

وفي رواية: "بفتح الياء وضم الهاء"، ورب المال "فاعل، ومن مفعوله"، كما في الفتح وغيره، "وحتى يعرضه"، "بفتح الياء" يظهره.

قال الطيبي: معطوف على مقدر، المعنى: حتى يهم طلب من يقبل الصدقة صاحب المال، فيطلبه حتى يجده وتى يعرضه، "فيقول الذي يعرضه عليه لا أرب"، "بفتحتين" لا حاجة "لي به" لاستغنائي عنه.

قال القرطبي في التذكرة: هذا مما لم يقع، بل يكون فيما يأتي، وقال الحافظ: التقييد بقوله: فيكم يشعر بأنه في زمن الصحابة، وأما قوله:"فيفيض"

إلخ، فهو إشارة إلى ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز، أن الرجل كان لا يجد من يقبل صدقته لبسط عدله وإيصال الحقوق لأهلها حتى استغنوا، وقوله:"حتى يعرضه"

إلخ إشارة إلى ما سيقع زمن عيسى، فيكون فيه إشارة إلى ثلاثة أحوال: الأولى: كثرة المال فقط في زمن الصحابة، الثانية: فيضه بحيث يكثر ويحصل استغناء كل أحد عن أخذ مال غيره، ووقع ذلك في زمن عمر بن عبد العزيز.

أخرج يعقوب ابن سفيان في تاريخه بسند جيد، عن يحيى بن أسيد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، قال: والله ما مات عمر بن عبد العزيز حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم، فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء، فما يبرح حتى يرجع بماله، فيتذكر من يضعه فيهم فلا يجده، فيرجع به قد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس، وسبب ذلك بسطه العدل وإيصال الحقوق لأهلها حتى استغنوا، الثالثة: كثرته وحصول الاستغناء عنه حتى يهم صاحب المال، لكونه لا يجد من يقبل صدقته، ويزداد بأن يعرضه على غيره، ولو كان يستحق الصدقة فيأبى أخذه، وهذا في زمن عيسى عليه السلام، ويحتمل أن يكون هذا الأخير عند خروج النار واشتغال الناس بالمحشر، فلا يلتفت أحد إلى شيء، بل نقصد نجاة نفسه ومن استطاع من أهله وولده، "وحتى يتطاول الناس في البنيان" بأن يكون كل ممن يبني، يريد ارتفاعه أعلى من ارتفاع الآخر، أو

ص: 174

الرجلان ثوبهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها".

المراد المباهاة به في الزينة والزخرفة، أو أعم من ذلك، وقد وجد ذلك وهو في ازدياد، "وحتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه" لما يرى من عظم البلاء ورياسة الجهلاء وخمول العلماء، واستيلاء الباطل في الأحكام، وعموم الظلم واستحلال الحرام، والتحكم بغير حق في الأموال والأعراض والأبدان، كما في هذه الأزمان، فقد علا الباطل على الحق، وتغلب العبيد على الأحرار من سادات الخلق، فباعوا الأحكام، ورضي بذلك منهم الحكام، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ولا ملجأ ولا منجا من الله إلا إليه.

وقيل: ذلك لما يقع لبعضهم من مصيبة في نفسه، أو أهله، أو ماله، وإن لم يكن في ذلك شيء يتعلق بدينه.

وفي مسلم عن أبي هريرة، مرفوعا:"لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر، فيتمرغ عليه ويقول: يا ليتني مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدين إلا البلاء". وسبب ذلك أنه يقع البلاء والشدة حتى يكون الموت الذي هو أعظم المصائب أهون على الرجل، فيتمنى أهون المصيبتين في اعتقاده، وذكر الرجل للغالب، وإلا فالمرأة يمكن أن تتمنى الموت لذلك أيضا، إلا أنه لما كان الغالب أن الرجال هم المبتلون بالشدائد، والنساء محجبات لا يصلين نار الفتنة، خصهم، ثم لا يلزم كونه في جميع الناس والبلاد والأزمان بل يصدق باتفاقه لبعض الناس في بعض البلاد في بعض الأزمان، وهو إخبار عما يكون لا تعرض لحكم شرعي، فلا ينافي النهي عن تمني الموت، وعلى التفسير الأول: بفساد الدين، فيجوز تمنيه ليسلم دينه، لحديث:"وإذا أردت بالناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون". كما قال ابن عبد البر: "و" لا تقوم الساعة "حتى تطلع الشمس من مغربها" غاية لعدم قيامها.

قال الكرماني: فإن قيل بين أهل الهيئة، أن الفلكيات بسيطة، لا تختلف مقتضاياتها، ولا يتطرق إليها خلاف ما هي عليه، قلت: قواعدهم منقوضة، ومقدماتهم ممنوعة، ولئن سلمنا صحتها، فلا امتناع في انطباق منطقة البروج على معدل الليل، بحيث يصير المشرق مغربا والمغرب مشرقا. انتهى.

وآية ذلك أن يطول الليل حتى يكون قدر ليلتين، رواه ابن مردويه عن حذيفة، رفعه:"فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل" صفة نفسا، "أو كسبت في إيمانها خيرا"، "عطف على آمنت"، والمعنى لا ينفع الإيمان حينئذ

ص: 175

فهذه ثلاثة عشر علامة جمعها أبو هريرة في حديث واحد، ولم يبق بعد

نفسا غير مقدمة إيمانها، أو مقدمة إيمانها غير كاسبة في إيمانها خيرا.

قال الناصر بن المنير رام الزمخشري: الاستدلال بالآية على مذهبه أن الكافر والعاصي في الخلود سواء، لأنه سوى بينهما في عدم الانتفاع بما يستدركان بعد ظهور الآيات ولا يتم ذلك، فإن هذا الكلام في البلاغة يلقب باللف، وأصله يوم يأتي بعض آيات ربك، لا ينفع نفسا إيمانها، لم تكن مؤمنة قبل إيمانها بعد، ولا نفسا لم تكسب خيرا قبل ما تكسبه من الخير بعد، فلف الكلامين، فجعلهما كلاما واحدا مجازا وبلاغة، ويظهر بذلك أنها لا تخالف مذهب أهل الحق، فلا ينفع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير، وإن نفع الإيمان المتقدم من الخلود، فهي بالرد على مذهبه أولى من أن تدل له. انتهى.

وفي مسلم عن أبي هريرة، مرفوعا:"ثلاث إذا خرجن لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدابة".

قال الحافظ: والذي يترجح من مجموع الأخبار أن خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغيير الأحوال العامة في معظم الأرض، وينتهي ذلك بموت عيسى عليه السلام، وأن طلوع الشمس من مغربها هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغيير أحوال العالم العلوي، وينتهي ذلك بقيام الساعة.

وفي مسلم عن عبد الله بن عمر، ورفعه:"أول الآيات طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى، فأيهما خرجت قبل الأخرى، فالأخرى منها قريب".

وقال أبو عبد الله الحاكم: الذي يظهر أن طلوع الشمس يسبق خروج الدابة، ثم تخرج الدابة في ذلك اليوم أو الذي يقرب منه.

قال الحافظ: والحكمة في ذلك أن عند طلوعها من مغربها يغلق باب التوبة، فتخرج الدابة تميز المؤمن من الكافر، تكميلا للمقصود من إغلاق باب التوبة، وأول الآيات المؤذنة بقيام الساعة النار التي تحشر الناس، كما سبق في بدء الخلق من حديث أنس.

وروى عبد بن حميد والطبراني بسند صحيح عن عائشة: إذا خرجت أول الآيات طرحت الأقلام وطويت الصحف وخلصت الحفظة وشهدت الأجسام على الأعمال، وهذا موقوف وحكمه الرفع، "ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما" بغير تحتية بعد الموحدة ليتبايعانه، "فلا يتبايعانه ولا يطويانه" وللحاكم عن عقبة بن عامر، رفعه:"تطلع عليكم قبل الساعة سحابة سوداء من قبل المغرب مثل الترس، فما تزال ترتفع حتى تملأ السماء، ثم ينادي مناد: يا أيها الناس ثلاثا، يقول في الثالثة: أتى أمر الله". قال: "والذي نفسي بيده إن الرجلين لينشران الثوب بينهما

ص: 176

هذا ما ينظر من صحيح العلامات والأشراط. وقد ظهر أكثر هذه العلامات.

فأما قوله: "حتى تقتتل فئتان عظيمتان دعواهما واحدة"، فيريد فتنة معاوية وعلي بصفين. قال القاضي أبو بكر بن العربي: وهذا أول خطب طرق الإسلام.

وتعقبه القرطبي بأن أول أمر دهم الإسلام موت النبي عليه الصلاة والسلام، ثم بعده موت عمر، لأن بموته عليه الصلاة والسلام انقطع الوحي وكان أول ظهور الشر ارتداد العرب وغير ذلك، وبموت عمر سل سيف الفتنة فقتل عثمان. وكان من قضاء الله وقدره ما كان وما يكون.

فلا يطويانه"، "ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته"، "بكسر اللام وسكون القاف فحاء مهملة" أي ناقته اللبون "فلا يطعمه" أي فلا يشربه، "ولتقومن الساعة وهو يليط"، "بضم التحتية وكسر اللام وسكون التحتية فطاء مهملة" أي يصلح بالطين "حوضه" فيسد شقوقه ليملأه ويسقي منه دوابه، "فلا يسقي فيه" أي تقوم القيامة قبل أن يسقي فيه، "ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته"، "بضم الهمزة" لقمته "إلى فيه" فمه "فلا يطعمها" أي تقوم الساعة قبل أن يضع لقمته في فيه، أو قبل أن يمضغها، أو يبتلعها. وعند البيهقي عن أبي هريرة، رفعه: "تقوم الساعة على رجل أكلته في فيه يلوكها فلا يسيغها ولا يلفظها". وهذا كله إشارة إلى أنها تقوم بغتة، وأسرها رفع اللقمة إلى الفم.

"فهذه ثلاثة عشر علامة، جمعها أبو هريرة في حديث واحد" كما سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم "ولم يبق بعد هذا ما ينظر من صحيح العلامات والأشراط" لقيام الساعة، "وقد ظهر أكثر هذه العلامات، فأما قوله": "حتى تقتتل فئتان عظيمتان دعواهما واحدة" الإسلام، أو أن كلا على الحق، "فيريد فتنة معاوية وعلي بصفين".

"قال القاضي أبو بكر" محمد "بن العربي" الحافظ الفقيه: "وهذا أول خطب طرق الإسلام، وتعقبه القرطبي بأن أول أمر دهم" أي فجأ "الإسلام موت النبي صلى الله عليه وسلم" لانقطاع خبر السماء مع ما آذن به من إقبال الفتن والحوادث والكرب، فهو الخطب الكالح والرزء لأهل الإسلام الفادح، وقد سمع أبو ذؤيب الهذلي في نومه الهاتف يقول:

خطب أجل أناخ بالإسلام

بين النخيل ومعقد الآطام

قبض النبي محمد محبوبنا

تهمي الدموع عليه بالنسجام

وهو المصيبة العامة كما قال صلى الله عليه وسلم: "لتعز المسلمين في مصائبهم، المصيبة بي"، يعني لأن

ص: 177

وأما قوله: "دجالون كذابون قريب من ثلاثين" فقد جاء عددهم معينا من حديث حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يكون في أمتي دجالون كذابون سبعة وعشرون، منهم أربع نسوة منهن سجاح وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي". أخرجه الحافظ أبو نعيم وقال: هذا حديث غريب. قال القاضي عياض: هذا الحديث قد ظهر، فلو عد من تنبأ من زمن النبي عليه الصلاة والسلام إلى الآن ممن اشتهر بذلك لوجد هذا العدد، ومن طالع كتب التواريخ عرف صحة هذا.

وقوله: "حتى يقبض العلم" فقد قبض العلم ولم يبق إلا رسمه.

وأما: "الزلازل" فوقع منها شيء كثير، وقد شاهدنا بعضها.

وأما قوله: "حتى يكثر فيكم المال أو حتى يهم رب المال" فهذا مما لم

كل مصاب به دونها، إذ كل مصاب به عنه عوض ولا عوض عنه صلى الله عليه وسلم:"ثم بعده موت عمر" بن الخطاب "لأن بموته صلى الله عليه وسلم انقطع الوحي".

وقال جمع من الصحابة: أنكرنا قلوبنا، أي لم يشاهدوا فيها تلك الأنوار التي كانت في حياته، "وكان أول ظهور الشر ارتداد العرب وغير ذلك" كرفع المنافقين رءوسهم، "وبموت عمر، سل سيف الفتنة" لأنه كان قفلها، وصح أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أن الفتن لا تظهر ما دام عمر حيا، "فقتل عثمان، وكان من قضاء الله وقدره ما كان" من الحروب الكثيرة وغيرها، "وما يكون" من ذلك إلى قيام الساعة.

"وأما قوله: "دجالون كذابون قريب من ثلاثين"، فقد جاء عددهم معينا من حديث حذيفة" بن اليمان الذي أعلمه صلى الله عليه وسلم بما كان وما يكون إلى قيام الساعة، "قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يكون في أمتي دجالون كذابون سبعة"، "بسين فمودة"، "وعشرون: منهم أربع نسوة، منهن: سجاح" التميمية "وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي".

"أخرجه الحافظ أبو نعيم" أحمد بن عبد الله الأصبهاني، "وقال: هذا حديث غريب" تفرد به معاوية بن هشام، لكن أخرجه أحمد بسند جيد، وسبق الجمع بينه وبين حديث جابر بن سمرة وثوبان وابن الزبير من الجزم بالثلاثين؛ بأنه على طريق جبر الكسر، وأما ما رواه أحمد وأبو يعلى عن ابن عمر: ثلاثون كذابون أو أكثر، للطبراني عنه: "لا تقوم الساعة حتى يخرج سبعون كذابا" فسندهما ضعيف، وعلى تقدير الثبوت فيحمل على المبالغة في الكثرة لا التحديد.

"قال القاضي عياض: هذا الحديث قد ظهر، فلو عد من تنبأ من زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى الآن ممن اشتهر بذلك، لوجد هذا العدد، ومن طالع كتب التواريخ عرف صحة هذا" قال:

ص: 178

يقع.

وقوله: "حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه" لما يرى من عظيم البلاء ورياسة الجهلاء وخمول العلماء وغير ذلك، مما ظهر كثير منه.

وفي حديث أبي هريرة عند الشيخين أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز يضيء لها أعناق الإبل ببصرى". وقد خرجت نار عظيمة على قرب مرحلة من المدينة، وكان بدؤها زلزلة

ولولا الإطالة لنقلنا ذلك، والفرق بين هؤلاء وبين الدجال الأكبر أنهم يدعون النبوة، وذاك يدعي الألوهية مع اشتراك الكل في التمويه والادعاء الباطل.

قال الأبي: دعوى النبوة لفظ أو معنى حتى يدخل فيه ما يقع لكثير، أن يقول: قيل لي أو أذن لي، وقد كان الشيخ ينكر هذه المقالة ويقول: لا أقبلها ولا من المرجاني الذي صحت ولايته قال: وقد اختلف مم يعرف النبي أن الذي يخاطبه ملك، فكيف يصح لغيره أن يأتي بكلام فيه تعمية توهم أن الذي يقول له ذلك ملك، كذا قال وفيه نظر، لأن المراد كما مر عن الحافظ من قامت له شكوة، لا مطلق من ادعى النبوة، إذ لا يحصون كثرة، وغالبهم ينشأ له ذلك من جنون أو سوداء، وليس قول من قال من الأولياء: قيل لي أو أذن لي من دعوى النبوة في شيء، إنما هو من باب الإلهام والإلقاء في القلب المشار إليه بحديث:"اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله" ثم قرأ: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: 75] .

أخرجه الترمذي مرفوعا، "وقوله: حتى يقبض العلم، فقد قبض العلم ولم يبق إلى رسمه" أثره الدال عليه، "وأما الزلازل فوقع منها شيء كثير، وقد شاهدنا بعضها".

"وأما قوله: حتى يكثر فيكم المال، أو حتى يهم رب المال" كذا في نسخ، وفي بعضها: الرجل موافقة لما قدم، لكن الذي في البخاري رب المال كما مر، "فهذا مما لم يقع" وقدمت تفصيله.

"وقوله: حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه" ذلك "لما يرى من عظيم البلاء ورياسة الجهلاء وخمول""بضمتين""العلماء" سقوطهم وعدم حظهم، مأخوذ من خمل المنزل خمولا إذا عفا ودرس "وغير ذلك مما ظهر كثير منه".

زاد عياض: أو لما يرى من البلاء والمحن والفتنة، كما قال في الحديث الآخر:"والذي نفسي بيده ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شيء قتل، ولا المقتول على أي شيء قتل" رواه مسلم، وعلى الوجهين: فقد وقع ما أخبره به صلى الله عليه وسلم.

ص: 179

عظيمة في ليلة الأربعاء بعد العشاء ثالث جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة وفي يوم الثلاثاء اشتدت حركتها، وعظمت رجفتها، وتتابعت حطمتها، وارتجت الأرض بمن عليها، وعجت الأصوات لبارئها، ودامت الحركة إثر الحركة، حتى أيقن أهل المدينة بوقوع الهلكة، وزلزلوا زلزالا شديدا، من جملة ثمانية عشر حركة في يوم واحد دون ليلته.

قال القرطبي: وكان يأتي المدينة ببركته عليه الصلاة والسلام نسيم بارد، وشوهد من هذه النار غليان كغليان البحر، وانتهت إلى قرية من قرى اليمن

"وفي حديث أبي هريرة عند الشيخين" كليهما في الفتن، "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تقوم الساعة حتى تخرج نار" أي تنفجر "من أرض الحجاز، يضيء لها أعناق الإبل ببصرى"، "بضم الموحدة وفتح الراء" مقصور، ونصب أعناق مفعول يضيء على أنه متعد والفاعل النار، أي تجعل على أعناق الإبل ضوءا، وبصرى مدينة معروفة بالشام، وهي مدينة حوران، بينها وبين دمشق نحو ثلاثة مراحل، وفي كامل بن عدي عن عمر، رفعه:"لا تقوم الساعة حتى يسيل واد من أودية الحجاز بالنار، يضيء له أعناق الإبل ببصرى"، وفي إسناده عمر بن سعيد التنوخي.

قال الحافظ: ذكره ابن حبان، ولينه ابن عدي والدارقطني، وهذا ينطبق على النار المذكورة، "وقد خرجت نار عظيمة على قرب مرحلة من المدينة، وكان بدؤها زلزلة عظيمة في ليلة الأربعاء بعد العشاء ثالث جمادى الآخرة، سنة أربع وخمسين وستمائة" لا خلاف في السنة، وأما اليوم فجزم القرطبي في التذكرة، بما قال المصنف، وقال في جمل الإيجاز: اضطرب الناقلون في تحقيق اليوم الذي ابتدأت فيه، فالأكثر أن ابتداءها كان يوم الأحد، مستهل جمادى الآخرة.

وقيل: ابتدأت ثالث الشهر، وجمع بأن القائل بالأول، لأنها كانت خفيفة إلى ليلة الثلاثاء بيومها، ثم ظهرت ظهورا اشترك فيه الخاص والعام، "وفي يوم الثلاثاء اشتدت حركتها، وعظمت رجفتها، وتتابعت حطمتها" كسرها كلما أتت عليه، "وارتجت" اضطربت "الأرض بمن عليها وعجت" ارتفعت "الأصوات لبائها" خالقها، "ودامت الحركة أثر الحركة حتى أيقن أهل المدينة بوقوع الهلكة"، "بفتحتين" بمعنى الهلاك "وزلزلوا" حركوا "زلزالا شديدا" من شدة الفزع، وهذا إنما نقله المصنف في شرح البخاري، عن القطب القسطلاني في جمل الإيجاز بعد يوم الثلاثاء، ولفظه، وجمع بأن القائل بالأول بأنها كانت خفيفة إلى ليلة الثلاثاء بيومها، ثم ظهرت ظهورا شديدا، واشتدت حركتها إلى آخر ما هنا، وقال عقب قوله: زلزلوا زلزالا

ص: 180

فأحرقتها. قال: وقال لي بعض أصحابنا: ولقد رأيتها صاعدة في الهواء من مسيرة خمسة أيام، قال: وسمعت أنها رئيت من مكة ومن جيال بصرى.

وقال الشيخ قطب الدين القسطلاني: أقامت اثنين وخمسين يوما، قال وكان انطفاؤها في السامع والعشرين من شهر رجب ليلة الإسراء والمعراج.

وبالجملة فاستيفاء الكلام على هذه النار يخرج عن المقصود، وقد نبه عليها القرطبي في التذكرة، وأفردها بالتأليف الشيخ قطب الدين القسطلاني في كتاب سماه "جمل الإيجاز بنار الحجاز" فأتى فيه من رقائق الحقائق

شديدا، فلما كان يوم الجمعة نصف النهار، ثار في الجو دخان متراكم أمره متفاقم، ثم شاع شعاع النار، وعلا حتى غشي الأبصار. انتهى

فهو صريح في وقوع الاشتداد الموصوف بما ذكر في يوم الأربعاء لا في يوم الثلاثاء كما قال المصنف، فقوله "من جملة ثمانية عشر حركة في يوم واحد دون ليلته" صريحه أنه يوم الثلاثاء، والمنقول أنه يوم الأربعاء كما علم.

"قال القرطبي" في تذكرته: كان بدؤها زلزلة عظيمة ليلة الأربعاء، ثالث جمادى الآخرة، سنة أربع وخمسين وستمائة، إلى ضحوة النهار يوم الجمعة، فسكنت بقريظة عند قاع التنعيم بطرف الحرة، ترى في صورة البلد العظيم، عليها سور محيط عليه شراريف كشراريف الحصون، وأبراج ومواذن، ويرى رجال يقودونها، لا تمر على جبل إلا دكته وأذابته، ويخرج من مجموع ذلك نهر أحمر ونهر أزرق له دوي كدوي الرعد، يأخذ الصخور والجبال بين يديه، وينتهي بها إلى محط الركب العراقي، فاجتمع من ذلك ردم صار كالجبل العظيم، وانتهت النار إلى قرب المدينة.

قال: "وكان يأتي المدينة ببركته صلى الله عليه وسلم نسيم بارد، وشوهد من هذه النار" غليان البحر لفظ القرطبي "غليان كغليان البحر، وانتهت إلى قرية من قرى اليمن فأحرقتها".

"قال" القرطبي: "وقال لي بعض أصحابنا: ولقد رأتها صاعدة في الهواء من مسيرة خمسة أيام" من المدينة، "قال: وسمعت أنها رئيت من مكة ومن جبال بصرى" مصداق قوله صلى الله عليه وسلم: "تضيء لها أعناق الإبل ببصرى" وقال أبو شامة: وردت كتب من المدينة في بعضها، أنه ظهر نار بالمدينة، انفجرت من الأرض، وسال منها واد من نار حتى حاذى جبل أحد، وفي آخر: سال منا واد يكون مقداره أربع فراسخ وعرضه أربعة أميال، يجري على وجوه الأرض، يخرج منه مهاد وجبال صغار.

"وقال الشيخ قطب الدين القسطلاني: أقامت اثنين وخمسين يوما، قال: وكان

ص: 181