المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فَفِي صِحَّةِ بَيْعِهَا خِلَافٌ مَشْهُورٌ لِأَصْحَابِنَا مِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ لِظَاهِرِ - شرح النووي على مسلم - جـ ١١

[النووي]

فهرس الكتاب

- ‌(باب تحريم بيع الخمر[1578]قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم (إِنَّ

- ‌(بَاب تَحْرِيمِ بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ

- ‌(بَابُ الرِّبَا)

- ‌(بَاب أَخْذِ الْحَلَالِ وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ)

- ‌(بَاب بَيْعِ الْبَعِيرِ وَاسْتِثْنَاءِ رُكُوبِهِ فِيهِ حَدِيثُ جَابِرٍ وَهُوَ

- ‌(باب جواز اقتراض الحيوان واستحباب توفيته خيرا مما

- ‌(باب جواز بيع الحيوان بالحيوان من جنسه متفاضلا

- ‌(بَابُ السَّلَمِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ السَّلَمُ وَالسَّلَفُ وَأَسْلَمَ

- ‌(بَاب تَحْرِيمِ الِاحْتِكَارِ فِي الْأَقْوَاتِ[1605]قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

- ‌(بَاب النَّهْيِ عَنْ الْحَلِفِ فِي الْبَيْعِ[1606]قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

- ‌(باب الشفعة[1608]قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم مَنْ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ

- ‌(باب غرز الخشب في جدار الجار[1609]قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

- ‌(بَاب تَحْرِيمِ الظُّلْمِ وَغَصْبِ الْأَرْضِ وَغَيْرِهَا[1610]قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ

- ‌(بَاب قَدْرِ الطَّرِيقِ إِذَا اخْتَلَفُوا فِيهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

- ‌(كِتَاب الْفَرَائِضِ هِيَ جَمْعُ فَرِيضَةٍ مِنَ الْفَرْضِ وَهُوَ التَّقْدِيرُ

- ‌كتاب الهبات)

- ‌(باب كراهة شراء الإنسان ما تصدق به ممن تصدق عليه

- ‌(باب تحريم الرجوع في الصدقة والهبة بعد القبض (إلا

- ‌(باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة[1623]قَوْلُهُ (عَنِ

- ‌(بَاب الْعُمْرَى قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم (أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْمَرَ

- ‌(كِتَابُ الْوَصِيَّةِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ وَصَيْتُ الشَّيْءَ

- ‌(بَاب وُصُولِ ثَوَابِ الصَّدَقَاتِ إِلَى الْمَيِّتِ[1630]قَوْلُهُ (إِنَّ أَبِي مَاتَ

- ‌(باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته[1631]قَوْلُهُ صَلَّى

- ‌قَوْلُهُ (أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

- ‌(بَاب تَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ له شئ يُوصِي فِيهِ قَوْلُهُ (عَنْ

- ‌قَوْلُهُ (اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

- ‌(كِتَاب الْأَيْمَانِ)

- ‌(بَاب النَّهْيِ عَنْ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ[1646]قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

- ‌(بَاب نَدْبِ مَنْ حَلَفَ يَمِينًا فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا أَنْ يَأْتِيَ

- ‌(باب اليمين عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ[1653]قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

- ‌(باب الإستثناء فِي ذَلِكَ وَلَا اعْتِبَارَ بِنِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ غَيْرِ

- ‌(باب النهي عن الإصرار على اليمين فيما (يتأذى به أهل

- ‌فِيهِ حَدِيثُ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ لَيْلَةً

- ‌(باب صحبة المماليك[1657]قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم (مَنْ لَطَمَ

- ‌(بَاب جَوَازِ بيع المدبر[997]قول هـ (إَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَعْتَقَ

- ‌كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات)

- ‌(باب القسامة[1669]ذَكَرَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ حُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ بِاخْتِلَافِ

- ‌فِيهِ حَدِيثُ الْعُرَنِيِّينَ أَنَّهُمْ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ وَأَسْلَمُوا

- ‌قَوْلُهُ (إَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا فَقَتَلَهَا

- ‌(باب الصائل على نفس الإنسان أو عضوه إذا دفعه

- ‌(باب إثبات القصاص في الأسنان وما في معناها[1675]قَوْلُهُ (عَنْ

- ‌(بَاب مَا يُبَاحُ بِهِ دَمُ الْمُسْلِمِ[1676]قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم

- ‌(باب ببان إثم من سن القتل[1677]قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَاب الْمُجَازَاةِ بِالدِّمَاءِ فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّهَا أَوَّلُ (مَا يُقْضَى

- ‌((فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُهُ يَكُونُ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ)

- ‌(بَاب صِحَّةِ الْإِقْرَارِ بِالْقَتْلِ (وَتَمْكِينِ وَلِيِّ الْقَتِيلِ مِنْ

- ‌(بَاب دِيَةِ الْجَنِينِ وَوُجُوبِ الدِّيَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ (وَشِبْهِ

- ‌(كِتَاب الْحُدُودِ)

- ‌(بَابُ حَدِّ السَّرِقَةِ وَنِصَابِهَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رضي الله

- ‌(بَاب قَطْعِ السَّارِقِ الشَّرِيفِ وَغَيْرِهِ (وَالنَّهْيِ عَنْ الشَّفَاعَةِ فِي

- ‌(باب حد الزنى[1690]قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم (خُذُوا عَنِّي

- ‌(بَاب حَدِّ الْخَمْرِ قَوْلُهُ (إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ

- ‌(بَاب قَدْرِ أَسْوَاطِ التَّعْزِيرِ[1708]قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم (لَا

- ‌(بَاب الْحُدُودُ كَفَّارَاتٌ لِأَهْلِهَا[1709]قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم

- ‌(باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار أي هدر[1710]قَوْلُهُ

الفصل: فَفِي صِحَّةِ بَيْعِهَا خِلَافٌ مَشْهُورٌ لِأَصْحَابِنَا مِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ لِظَاهِرِ

فَفِي صِحَّةِ بَيْعِهَا خِلَافٌ مَشْهُورٌ لِأَصْحَابِنَا مِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ لِظَاهِرِ النَّهْيِ وَإِطْلَاقِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ اعْتِمَادًا عَلَى الِانْتِفَاعِ وَتَأَوَّلَ الْحَدِيثَ عَلَى مالم يُنْتَفَعْ بِرُضَاضِهِ أَوْ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ فِي الْأَصْنَامِ خَاصَّةً وَأَمَّا الْمَيْتَةُ وَالْخَمْرُ وَالْخِنْزِيرُ فَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْقَاضِي تَضَمَّنَ هَذَا الْحَدِيثُ أن مالا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ ثَمَنِهِ كَمَا فِي الشُّحُومِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ فَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْيَهُودِ وَالْمَلَاحِدَةِ بِأَنَّ الِابْنَ إِذَا وَرِثَ مِنْ أَبِيهِ جَارِيَةً كَانَ الْأَبُ وَطِئَهَا فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَى الِابْنِ وَيَحِلُّ لَهُ بَيْعُهَا بِالْإِجْمَاعِ وَأَكْلُ ثَمَنِهَا قَالَ الْقَاضِي وَهَذَا تَمْوِيهٌ عَلَى مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ لِأَنَّ جَارِيَةَ الْأَبِ لَمْ يَحْرُمْ عَلَى الِابْنِ مِنْهَا غَيْرُ الِاسْتِمْتَاعِ عَلَى هَذَا الْوَلَدِ دون غير مِنَ النَّاسِ وَيَحِلُّ لِهَذَا الِابْنِ الِانْتِفَاعُ بِهَا فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ سِوَى الِاسْتِمْتَاعِ وَيَحِلُّ لِغَيْرِهِ الِاسْتِمْتَاعُ وَغَيْرُهُ بِخِلَافِ الشُّحُومِ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ الْمَقْصُودِ مِنْهَا وَهُوَ الْأَكْلُ مِنْهَا عَلَى جَمِيعِ الْيَهُودِ وَكَذَلِكَ شُحُومُ الْمَيْتَةِ مُحَرَّمَةُ الْأَكْلِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ وَكَانَ مَا عَدَا الْأَكْلِ تَابِعًا لَهُ بخلاف موطوت الْأَبِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(بَابُ الرِّبَا)

مَقْصُورٌ وَهُوَ مِنْ رَبَا يَرْبُو فَيُكْتَبُ بِالْأَلِفِ وَتَثْنِيَتُهُ رِبَوَانِ وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ كَتْبُهُ وَتَثْنِيَتُهُ بِالْيَاءِ لِسَبَبِ الْكَسْرَةِ فِي أَوَّلِهِ وَغَلَّطَهُمُ الْبَصْرِيُّونَ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَقَدْ كَتَبُوهُ فِي الْمُصْحَفِ بِالْوَاوِ وَقَالَ الْفَرَّاءُ إِنَّمَا كَتَبُوهُ بِالْوَاوِ لِأَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ تَعَلَّمُوا الْخَطَّ مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ وَلُغَتُهُمُ الرَّبْوُ فَعَلَّمُوهُمْ صُورَةَ الْخَطِّ عَلَى لُغَتِهِمْ قَالَ وَكَذَا قَرَأَهَا أَبُو سِمَاكٍ الْعَدَوِيُّ بِالْوَاوِ وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِالْإِمَالَةِ بِسَبَبِ كَسْرَةِ الرَّاءِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّفْخِيمِ لِفَتْحَةِ الْيَاءِ قَالَ وَيَجُوزُ كَتْبُهُ بِالْأَلِفِ وَالْوَاوِ وَالْيَاءِ وقال أهل اللغة

ص: 8

والرماء بِالْمِيمِ وَالْمَدِّ هُوَ الرِّبَا وَكَذَلِكَ الرُّبْيَةُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَالتَّخْفِيفِ لُغَةٌ فِي الرِّبَا وَأَصْلُ الرِّبَا الزِّيَادَةُ يُقَالُ رَبَا الشَّيْءُ يَرْبُو إِذَا زَادَ وَأَرْبَى الرَّجُلُ وَأَرْمَى عَامَلَ بِالرِّبَا وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي الْجُمْلَةِ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي ضَابِطِهِ وَتَفَارِيعِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وأحل الله البيع وحرم الربا وَالْأَحَادِيثُ فِيهِ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ وَنَصَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي سِتَّةِ أَشْيَاءَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالْمِلْحِ فَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ لَا رِبَا فِي غَيْرِ هَذِهِ السِّتَّةِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ فِي نَفْيِ الْقِيَاسِ قَالَ جَمِيعُ الْعُلَمَاءِ سِوَاهُمْ لَا يَخْتَصُّ بِالسِّتَّةِ بَلْ يَتَعَدَّى إِلَى مَا فِي مَعْنَاهَا وَهُوَ مَا يُشَارِكُهَا فِي الْعِلَّةِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ سَبَبُ تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي السِّتَّةِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْعِلَّةُ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَوْنُهُمَا جِنْسُ الْأَثْمَانِ فَلَا يَتَعَدَّى الرِّبَا مِنْهُمَا إِلَى غَيْرِهِمَا مِنَ الْمَوْزُونَاتِ وَغَيْرِهَا لِعَدَمِ الْمُشَارَكَةِ قَالَ وَالْعِلَّةُ فِي الْأَرْبَعَةِ الْبَاقِيَةِ كَوْنُهَا مَطْعُومَةً فَيَتَعَدَّى الرِّبَا مِنْهَا إِلَى كُلِّ مَطْعُومٍ وَأَمَّا مَالِكٌ فَقَالَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه وَقَالَ فِي الْأَرْبَعَةِ الْعِلَّةُ فِيهَا كَوْنُهَا تُدَّخَرُ لِلْقُوتِ وَتَصْلُحُ لَهُ فَعَدَّاهُ إِلَى الزَّبِيبِ لِأَنَّهُ كَالتَّمْرِ وَإِلَى الْقُطْنِيَّةِ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ الْعِلَّةُ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الْوَزْنُ وَفِي الْأَرْبَعَةِ الْكَيْلُ فَيَتَعَدَّى إِلَى كُلِّ مَوْزُونٍ مِنْ نُحَاسٍ وَحَدِيدٍ وَغَيْرِهِمَا وَإِلَى كُلِّ مَكِيلٍ كَالْجِصِّ وَالْأُشْنَانِ وَغَيْرِهِمَا وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ الْعِلَّةُ فِي الْأَرْبَعَةِ كَوْنُهَا مَطْعُومَةً مَوْزُونَةً أَوْ مَكِيلَةً بِشَرْطِ الْأَمْرَيْنِ فَعَلَى هَذَا لَا رِبَا فِي الْبِطِّيخِ وَالسَّفَرْجَلِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الرِّبَوِيِّ بِرِبَوِيٍّ لَا يُشَارِكُهُ فِي الْعِلَّةِ مُتَفَاضِلًا وَمُؤَجَّلًا وَذَلِكَ كَبَيْعِ الذَّهَبِ بِالْحِنْطَةِ وَبَيْعِ الْفِضَّةِ بِالشَّعِيرِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَكِيلِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الرِّبَوِيِّ بِجِنْسِهِ وَأَحَدُهُمَا مُؤَجَّلٌ وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ إِذَا بِيعَ بِجِنْسِهِ حَالًّا كَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّفَرُّقُ قَبْلَ التَّقَابُضِ إِذَا بَاعَهُ بِجِنْسِهِ أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهِ مِمَّا يُشَارِكُهُ فِي الْعِلَّةِ كَالذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ وَالْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ وَعَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ كَصَاعِ حِنْطَةٍ بِصَاعَيْ شَعِيرٍ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا إِلَّا مَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ بن عَبَّاسٍ فِي تَخْصِيصِ الرِّبَا بِالنَّسِيئَةِ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَإِذَا بِيعَ الذَّهَبُ بِذَهَبٍ أَوِ الْفِضَّةُ بِفِضَّةٍ سُمِّيَتْ مُرَاطَلَةً وَإِذَا بِيعَتِ الْفِضَّةُ بِذَهَبٍ سُمِّيَ

ص: 9

صَرْفًا لِصَرْفِهِ عَنْ مُقْتَضَى الْبِيَاعَاتِ مِنْ جَوَازِ الفاضل وَالتَّفَرُّقِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَالتَّأْجِيلِ وَقِيلَ مِنْ صَرِيفِهِمَا وَهُوَ تَصْوِيتُهُمَا فِي الْمِيزَانِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم (لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ

[1584]

بِالذَّهَبِ وَلَا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ) قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذَا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ مِنْ جَيِّدٍ وَرَدِيءٍ وَصَحِيحٍ وَمَكْسُورٍ وَحُلِيٍّ وَتِبْرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَسَوَاءٌ الْخَالِصُ وَالْمَخْلُوطُ بِغَيْرِهِ وَهَذَا كُلُّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم (وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ) هُوَ بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيْ لَا تُفَضِّلُوا وَالشِّفُّ بِكَسْرِ الشِّينِ وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى النُّقْصَانِ فَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ يُقَالُ شَفَّ الدِّرْهَمُ بِفَتْحِ الشِّينِ يَشِفُّ بِكَسْرِهَا إِذَا زَادَ وَإِذَا نَقَصَ وَأَشَفَّهُ غَيْرُهُ يَشِفُّهُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم (وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ) الْمُرَادُ بِالنَّاجِزِ الْحَاضِرُ وَبِالْغَائِبِ الْمُؤَجَّلُ وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ أَوْ بِالْفِضَّةِ مُؤَجَّلًا وَكَذَلِكَ الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ أَوْ بِالشَّعِيرِ وَكَذَلِكَ كُلُّ شَيْئَيْنِ اشْتَرَكَا فِي عِلَّةِ الرِّبَا أَمَّا إِذَا بَاعَ دِينَارًا بِدِينَارٍ كِلَاهُمَا فِي الذِّمَّةِ ثُمَّ أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ الدِّينَارَ أَوْ بَعَثَ مَنْ أَحْضَرَ لَهُ دِينَارًا مِنْ بَيْتِهِ وَتَقَابَضَا فِي الْمَجْلِسِ فَيَجُوزُ

ص: 10

بِلَا خِلَافٍ عِنْدَ أَصْحَابِنَا لِأَنَّ الشَّرْطَ أَنْ لا يَتَفَرَّقَا بِلَا قَبْضٍ وَقَدْ حَصَلَ وَلِهَذَا قَالَ صلى الله عليه وسلم فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بعد هذه ولا تبيعوا شيئا غائبا منها بِنَاجِزٍ إِلَّا يَدًا بِيَدٍ وَأَمَّا قَوْلُ الْقَاضِي عياض أنفق الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مُؤَجَّلًا أَوْ غَابَ عَنِ الْمَجْلِسِ فَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ وَأَصْحَابَهُ وَغَيْرَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى جَوَازِ الصُّوَرِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم (وَزْنًا بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ

ص: 11

الْأَلْفَاظِ تَوْكِيدًا وَمُبَالَغَةً فِي الْإِيضَاحِ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم (الْوَرِقُ بِالذَّهَبِ رَبًّا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ)

[1586]

فِيهِ لُغَتَانِ الْمَدُّ وَالْقَصْرُ وَالْمَدُّ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ وَأَصْلُهُ هَاكَ فَأُبْدِلَتِ الْمَدَّةُ مِنَ الْكَافِ وَمَعْنَاهُ خُذْ هَذَا وَيَقُولُ صَاحِبُهُ مِثْلَهُ وَالْمَدَّةُ مَفْتُوحَةٌ وَيُقَالُ بِالْكَسْرِ أَيْضًا وَمَنْ قَصَرَهُ قَالَ وَزْنُهُ وَزْنُ خَفْ يُقَالُ لِلْوَاحِدِ هَا كخف والاثنين هاءا كخافا وللجمع هاؤا كَخَافُوا وَالْمُؤَنَّثَةِ هَاكِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُثَنِّي وَلَا يَجْمَعُ عَلَى هَذِهِ اللُّغَةِ وَلَا يُغَيِّرُهَا فِي التَّأْنِيثِ بَلْ يَقُولُ فِي الْجَمِيعِ هَا قَالَ السِّيرَافِيُّ كَأَنَّهُمْ جَعَلُوهَا صَوْتًا كَصَهْ وَمَنْ ثَنَّى وَجَمَعَ قَالَ لِلْمُؤَنَّثَةِ هَاكِ وَهَا لُغَتَانِ وَيُقَالُ فِي لُغَةٍ هَاءِ بِالْمَدِّ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ للذكر وللأنثى هاتي بزيادة ثاء وَأَكْثَرُ أَهْلِ اللُّغَةِ يُنْكِرُونَ هَا بِالْقَصْرِ وَغَلَّطَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ الْمُحَدِّثِينَ فِي رِوَايَةِ الْقَصْرِ وَقَالَ الصَّوَابُ الْمَدُّ وَالْفَتْحُ وَلَيْسَتْ بِغَلَطٍ بَلْ هِيَ صَحِيحَةٌ كَمَا ذَكَرْنَا وَإِنْ كَانَتْ قَلِيلَةً قَالَ الْقَاضِي وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى هَاءَكَ بِالْمَدِّ وَالْكَافِ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَمَعْنَاهُ التَّقَابُضُ

ص: 12

فَفِيهِ اشْتِرَاطُ التَّقَابُضِ فِي بَيْعِ الرِّبَوِيِّ بِالرِّبَوِيِّ إِذَا اتَّفَقَا فِي عِلَّةِ الرِّبَا سَوَاءٌ اتَّفَقَ جِنْسُهُمَا كَذَهَبٍ بِذَهَبٍ أَمِ اخْتَلَفَ كَذَهَبٍ بِفِضَّةٍ وَنَبَّهَ صلى الله عليه وسلم فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِمُخْتَلِفِ الْجِنْسِ عَلَى مُتَّفِقِهِ وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُ مَالِكٍ بِهَذَا عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ عَقِبَ الْعَقْدِ حَتَّى لَوْ أَخَّرَهُ عَنِ الْعَقْدِ وَقَبَضَ فِي الْمَجْلِسِ لَا يَصِحُّ عِنْدَهُمْ وَمَذْهَبُنَا صِحَّةُ الْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنِ الْعَقْدِ يوما أو أياما واكثر مالم يَتَفَرَّقَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَآخَرُونَ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِأَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه أَرَادَ أَنْ يُصَارِفَ صَاحِبَ الذَّهَبِ فَيَأْخُذَ الذَّهَبَ وَيُؤَخِّرَ دَفْعَ الدَّرَاهِمِ إِلَى مَجِيءِ الْخَادِمِ فَإِنَّمَا قَالَهُ لِأَنَّهُ ظَنَّ جَوَازَهُ كَسَائِرِ الْبِيَاعَاتِ وَمَا كَانَ بلغة حكم المسألة فأبلغه اياه عُمَرُ رضي الله عنه فَتَرَكَ الْمُصَارَفَةَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم

[1587]

(الْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ) فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ هَذَا دَلِيلٌ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْبُرَّ وَالشَّعِيرَ صِنْفَانِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَفُقَهَاءِ الْمُحَدِّثِينَ وَآخَرِينَ وَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمُعْظَمُ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ إِنَّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَسَعِيدٍ وَغَيْرِهِمَا مِنَ السَّلَفِ رضي الله عنهم وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الدَّخَنَ صِنْفٌ وَالذُّرَةَ صِنْفٌ والارز صنف الا الليث بن سعد وبن وهب فقالا هذه الثلاثة صنف وَاحِدٌ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم (فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى) مَعْنَاهُ فَقَدْ فَعَلَ الرِّبَا الْمُحَرَّمَ فَدَافِعُ الزِّيَادَةِ وَآخُذُهَا عَاصِيَانِ مُرْبِيَانِ قَوْلُهُ (فَرَدَّ النَّاسُ) مَا أَخَذُوا هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ الْمَذْكُورَ بَاطِلٌ قَوْلُهُ (أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ قَالَ لَنُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَإِنْ كَرِهَ مُعَاوِيَةُ) أو قَالَ وَإِنْ رَغِمَ يُقَالُ رَغِمَ

ص: 13

بكسر الغين وفتحها ومعناه ذلك وَصَارَ كَاللَّاصِقِ بِالرُّغَامِ وَهُوَ التُّرَابُ وَفِي هَذَا الِاهْتِمَامُ بِتَبْلِيغِ السُّنَنِ وَنَشْرِ الْعِلْمِ وَإِنْ كَرِهَهُ مَنْ كَرِهَهُ لِمَعْنًى وَفِيهِ الْقَوْلُ بِالْحَقِّ وَإِنْ كَانَ الْمَقُولُ لَهُ كَبِيرًا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم (يَدًا بِيَدٍ) حُجَّةٌ لِلْعُلَمَاءِ كَافَّةً فِي وُجُوبِ التَّقَابُضِ وَإِنِ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ وَجَوَّزَ إسماعيل بن عليه التقرق عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِالْأَحَادِيثِ وَالْإِجْمَاعِ وَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ فَلَوْ بَلَغَهُ

ص: 14

لَمَا خَالَفَهُ قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ الرَّبَعِيُّ) هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ مَنْسُوبٌ إِلَى بَنِي رَبِيعَةَ

[1588]

قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم (إِلَّا مَا اخْتَلَفَتْ أَلْوَانُهُ) يَعْنِي أَجْنَاسَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْأَحَادِيثِ الْبَاقِيَةِ

ص: 15

قَوْلُهُ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ الْوَرِقِ بِالذَّهَبِ دَيْنًا) يَعْنِي مُؤَجَّلًا أَمَّا إِذَا بَاعَهُ بِعِوَضٍ فِي الذِّمَّةِ حَالٍّ فَيَجُوزُ كَمَا سَبَقَ قَوْلُهُ (أَمَرَنَا أَنْ نَشْتَرِيَ الْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كَيْفَ شِئْنَا)

[1590]

يَعْنِي سَوَاءً وَمُتَفَاضِلًا وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ حَالًّا وَيَتَقَابَضَا فِي المجلس

ص: 16

قَوْلُهُ (سَمِعَ عُلَيَّ بْنَ رَبَاحٍ) هُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ بِفَتْحِهَا وَقِيلَ يُقَالُ بِالْوَجْهَيْنِ فَالْفَتْحُ اسْمٌ وَالضَّمُّ لَقَبٌ قَوْلُهُ (عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ اشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ فَفَصَلْتُهَا فَوَجَدَتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفْصَلَ) هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخٍ مُعْتَمَدَةٍ قِلَادَةً بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا وَفِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ قِلَادَةً فِيهَا اثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا وَنَقَلَ الْقَاضِي أَنَّهُ وَقَعَ لِمُعْظَمِ شُيُوخِهِمْ قِلَادَةً فِيهَا اثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا وَأَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَ أَصْحَابِ الْحَافِظِ أَبِي عَلِيٍّ الْغَسَّانِيِّ مُصَلَّحَةً قِلَادَةً بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا قَالَ وَهَذَا لَهُ وَجْهٌ حَسَنٌ وَبِهِ يَصِحُّ الْكَلَامُ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا بِاثْنَيْ عَشَرَ وَهُوَ الَّذِي أَصْلَحَهُ صَاحِبُ أَبِي عَلِيٍّ الْغَسَّانِيِّ وَاسْتَحْسَنَهُ الْقَاضِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ ذَهَبٍ مَعَ غَيْرِهِ بِذَهَبٍ حَتَّى يُفَصَّلَ فَيُبَاعَ الذَّهَبُ بِوَزْنِهِ ذَهَبًا وَيُبَاعَ الْآخَرُ بِمَا أَرَادَ وَكَذَا لَا تُبَاعُ فِضَّةٌ مَعَ غَيْرِهَا

ص: 17

بِفِضَّةٍ وَكَذَا الْحِنْطَةُ مَعَ غَيْرِهَا بِحِنْطَةٍ وَالْمِلْحُ مَعَ غَيْرِهِ بِمِلْحٍ وَكَذَا سَائِرُ الرِّبَوِيَّاتِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ فَصْلِهَا وَسَوَاءٌ كَانَ الذَّهَبُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ أَوَّلًا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا وَكَذَلِكَ بَاقِي الرِّبَوِيَّاتِ وَهَذِهِ هِيَ الْمَسْأَلَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ الْمَعْرُوفَةُ بِمَسْأَلَةِ مدعجوة وصورتها باع مدعجوة وَدِرْهَمًا بِمُدَّيْ عَجْوَةٍ أَوْ بِدِرْهَمَيْنِ لَا يَجُوزُ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَهَذَا مَنْقُولٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه وَابْنِهِ وَجَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَمُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الْمَالِكِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا فِيهِ مِنَ الذَّهَبِ وَلَا يَجُوزُ بِمِثْلِهِ وَلَا بِدُونِهِ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَآخَرُونَ يَجُوزُ بَيْعُ السَّيْفِ الْمُحَلَّى بِذَهَبٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُ مِمَّا فِيهِ ذَهَبٌ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِالذَّهَبِ إِذَا كَانَ الذَّهَبُ فِي الْمَبِيعِ تَابِعًا لِغَيْرِهِ وَقَدَّرُوهُ بِأَنْ يَكُونَ الثُّلُثَ فَمَا دُونَهُ وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالذَّهَبِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ بَاعَهُ بِمِثْلِهِ مِنَ الذَّهَبِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ وَهَذَا غَلَطٌ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ الْحَدِيثِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ الْقِلَادَةِ وَأَجَابَتِ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الذَّهَبَ كَانَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا وَقَدِ اشْتَرَاهَا بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا قَالُوا وَنَحْنُ لَا نُجِيزُ هَذَا وَإِنَّمَا نُجِيزُ الْبَيْعَ إِذَا بَاعَهَا بِذَهَبٍ أَكْثَرَ مِمَّا فِيهَا فَيَكُونُ مَا زَادَ مِنَ الذَّهَبِ الْمُنْفَرِدِ فِي مُقَابَلَةِ الْخَرَزِ وَنَحْوِهِ مِمَّا هُوَ مَعَ الذَّهَبِ الْمَبِيعِ فَيَصِيرُ كَعِقْدَيْنِ وَأَجَابَ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّهُ إِنَّمَا نُهِيَ عَنْهُ لِأَنَّهُ كَانَ فِي بَيْعِ الْغَنَائِمِ لِئَلَّا يُغْبَنَ الْمُسْلِمُونَ فِي بَيْعِهَا قَالَ أَصْحَابُنَا وَهَذَانِ الْجَوَابَانِ ضَعِيفَانِ لَا سِيَّمَا جَوَابُ الطَّحَاوِيِّ فَإِنَّهُ دَعْوًى مُجَرَّدَةٌ قَالَ أَصْحَابُنَا وَدَلِيلُ صِحَّةِ قَوْلِنَا وَفَسَادِ التَّأْوِيلَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَا يُبَاعُ حَتَّى يُفَصَّلَ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي اشْتِرَاطِ فَصْلِ أَحَدِهِمَا عن الآخر في البيع وانه لافرق بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الذَّهَبُ الْمَبِيعُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ بَيْعِ الْغَنَائِمِ وَغَيْرِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (عَنِ الْجُلَاحِ أَبِي كَثِيرٍ) هُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ قَوْلُهُ (كُنَّا

ص: 18

نُبَايِعُ الْيَهُودَ الْأُوقِيَّةَ الذَّهَبَ بِالدِّينَارَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ) يُحْتَمَلُ أَنَّ مُرَادَهُ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ الْأُوقِيَّةَ مِنْ ذَهَبٍ وَخَرَزٍ وَغَيْرِهِ بِدِينَارَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَإِلَّا فَالْأُوقِيَّةُ وَزْنُ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَحَدًا لَا يَبْتَاعُ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ ذَهَبٍ خَالِصٍ بِدِينَارَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَهَذَا سَبَبُ مُبَايَعَةِ الصَّحَابَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ظَنُّوا جَوَازَهُ لِاخْتِلَاطِ الذَّهَبِ بِغَيْرِهِ فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ حرام حتى يميز وَيُبَاعَ الذَّهَبُ بِوَزْنِهِ ذَهَبًا وَوَقَعَ هُنَا فِي النُّسَخِ الْوُقِيَّةَ الذَّهَبَ وَهِيَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ وَالْأَشْهُرُ الْأُوقِيَّةُ بِالْهَمْزِ فِي أَوَّلِهِ وَسَبَقَ بَيَانُهَا مَرَّاتٍ قَوْلُهُ (فَطَارَتْ لِي وَلِأَصْحَابِي قِلَادَةٌ) أَيْ حَصَلَتْ لَنَا مِنَ الْغَنِيمَةِ قَوْلُهُ (وَاجْعَلْ ذَهَبَكَ فِي كِفَّةٍ) هِيَ بِكَسْرِ الْكَافِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ كِفَّةُ الْمِيزَانِ وَكُلُّ مُسْتَدِيرٍ بِكَسْرِ الْكَافِ وَكُفَّةُ الثَّوْبِ وَالصَّائِدِ بِضَمِّهَا وَكَذَلِكَ كُلُّ مُسْتَطِيلٍ وَقِيلَ بالوجهين فيهما معا

ص: 19

[1592]

قَوْلُهُ (إِنَّ مَعْمَرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَرْسَلَ غُلَامَهُ بِصَاعِ قَمْحٍ لِيَبِيعَهُ وَيَشْتَرِيَ بِثَمَنِهِ شَعِيرًا فَبَاعَهُ بِصَاعٍ وَزِيَادَةٍ فَقَالَ لَهُ مَعْمَرٌ رُدَّهُ وَلَا تَأْخُذْهُ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم الطَّعَامُ مِثْلًا بِمِثْلٍ قَالَ وَكَانَ طَعَامُنَا يَوْمئِذٍ الشَّعِيرَ فَقِيلَ لَهُ إِنَّهُ لَيْسَ بِمِثْلِهِ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُضَارِعَ) مَعْنَى يُضَارِعُ يُشَابِهُ وَيُشَارِكُ وَمَعْنَاهُ أَخَافُ أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى الْمُمَاثِلِ فَيَكُونَ لَهُ حُكْمُهُ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي كَوْنِ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ صِنْفًا وَاحِدًا لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ مُتَفَاضِلًا وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُمَا صِنْفَانِ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا كَالْحِنْطَةِ مَعَ الْأَرُزِّ وَدَلِيلُنَا مَا سَبَقَ عِنْدَ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ مَعَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ وَالشَّعِيرُ أَكْثَرُهُمَا يَدًا بِيَدٍ وَأَمَّا حَدِيثُ مَعْمَرٍ هَذَا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِأَنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ وَإِنَّمَا خَافَ مِنْ ذَلِكَ فَتَوَرَّعَ عَنْهُ احْتِيَاطًا قَوْلُهُ (قَدِمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ فَقَالَ لَهُ

[1593]

رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا قَالَ لَا وَاللَّهِ يارسول اللَّهِ إِنَّا لَنَشْتَرِي الصَّاعَ

ص: 20

بِالصَّاعَيْنِ مِنَ الْجَمْعِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا تَفْعَلُوا وَلَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ أَوْ بِيعُوا هَذَا وَاشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ) أَمَّا الْجَنِيبُ فَبِجِيمٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ نُونٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ تَحْتُ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ التَّمْرِ مِنْ أَعْلَاهُ وَأَمَّا الْجَمْعُ فَبِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ وَهُوَ تَمْرٌ رَدِيءٌ وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ بِأَنَّهُ الْخَلْطُ مِنَ التَّمْرِ وَمَعْنَاهُ مَجْمُوعٌ مِنْ أَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ وَهَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الْعَامِلَ الَّذِي بَاعَ صَاعًا بِصَاعَيْنِ لَمْ يَعْلَمْ تَحْرِيمَ هَذَا لِكَوْنِهِ كَانَ فِي أَوَائِلِ تَحْرِيمِ الرِّبَا أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَصْحَابُنَا وَمُوَافِقُوهُمْ فِي أَنَّ مَسْأَلَةَ الْعِينَةِ لَيْسَتْ بِحَرَامٍ وَهِيَ الْحِيلَةُ الَّتِي يَعْمَلُهَا بَعْضُ النَّاسِ تَوَصُّلًا إِلَى مَقْصُودِ الرِّبَا بِأَنْ يُرِيدَ أَنْ يُعْطِيَهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ بِمِائَتَيْنِ فَيَبِيعَهُ ثَوْبًا بِمِائَتَيْنِ ثُمَّ يَشْتَرِيهِ مِنْهُ بِمِائَةٍ وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ بِيعُوا هَذَا وَاشْتَرَوْا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنَ الْمُشْتَرِي أَوْ مِنْ غَيْرِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ وَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَآخَرِينَ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ هُوَ حَرَامٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم وَكَذَا الْمِيزَانُ فَيَسْتَدِلُّ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا وَمُوَافِقُوهُمْ بِأَنَّ مَعْنَاهُ

ص: 21

وكذلك الميزان لا يجوز التفاصل فِيهِ فِيمَا كَانَ رِبَوِيًّا مَوْزُونًا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم (أَوَّهْ عَيْنُ الرِّبَا)

[1594]

قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ هِيَ كَلِمَةُ تَوَجُّعٍ وَتَحَزُّنٍ وَمَعْنَى عَيْنُ الرِّبَا أَنَّهُ حَقِيقَةُ الرِّبَا الْمُحَرَّمِ وَفِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ لُغَاتٌ الْفَصِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي الرِّوَايَاتِ أَوَّهْ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَوَاوٍ مَفْتُوحَةٍ مُشَدَّدَةٍ وَهَاءٍ سَاكِنَةٍ وَيُقَالُ بِنَصَبِ الْهَاءِ مُنَوَّنَةً وَيُقَالُ أُوهِ بِإِسْكَانِ الْوَاو وَكَسْرِ الْهَاءِ مُنَوَّنَةً وَغَيْرُ مُنَوَّنَةٍ وَيُقَالُ أَوٍّ بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ مَكْسُورَةٍ مُنَوَّنَةٍ بِلَا هَاءٍ وَيُقَالُ آهْ بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَتَنْوِينِ الْهَاءِ سَاكِنَةً مِنْ غَيْرِ وَاوٍ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ لِمَنِ اشْتَرَى صَاعًا بِصَاعَيْنِ (هَذَا الرِّبَا فَرُدُّوهُ) هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَقْبُوضَ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ يَجِبُ رَدُّهُ عَلَى بَائِعِهِ وَإِذَا رَدَّهُ اسْتَرَدَّ الثَّمَنَ فَإِنْ قِيلَ فَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِرَدِّهِ فَالْجَوَابُ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا قَضِيَّةٌ وَاحِدَةٌ وَأَمَرَ فِيهَا بِرَدِّهِ فَبَعْضُ الرُّوَاةِ حَفِظَ ذَلِكَ وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَحْفَظْهُ فَقَبِلْنَا زِيَادَةَ الثِّقَةِ وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ لَحُمِلَتِ الْأُولَى عَلَى أَنَّهُ أَيْضًا أَمَرَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْنَا ذَلِكَ وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ مَعَ أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ لَحَمَلْنَاهَا عَلَى أَنَّهُ جَهِلَ بَائِعَهُ وَلَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ فَصَارَ مَالًا ضَائِعًا لِمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِقِيمَتِهِ وَهُوَ

ص: 22

التَّمْرُ الَّذِي قَبَضَهُ عِوَضًا فَحَصَلَ أَنَّهُ لَا إِشْكَالَ فِي الْحَدِيثِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ قَوْلُهُ (سَأَلْتُ بن عَبَّاسٍ

[1594]

عَنِ الصَّرْفِ فَقَالَ أَيَدًا بِيَدٍ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ) وَفِي رِوَايَةٍ سألت بن عمر وبن عَبَّاسٍ عَنِ الصَّرْفِ فَلَمْ يَرَيَا بِهِ بَأْسًا قَالَ فَسَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فَقَالَ مَا زَادَ فَهُوَ رِبًا فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِمَا فَذَكَرَ أَبُو سَعِيدٍ حَدِيثَ نَهْيِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنِ بَيْعِ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ وَذَكَرْتُ رجوع بن عمر وبن عَبَّاسٍ عَنْ إِبَاحَتِهِ إِلَى مَنْعِهِ وَفِي الْحَدِيثِ الذي بعده أن بن عَبَّاسٍ قَالَ حَدَّثَنِي أُسَامَةُ

[1596]

أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ وَفِي رِوَايَةٍ إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ وَفِي رِوَايَةٍ لَا رِبًا فِيمَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ معنى ما ذكره أولا عن بن عمر وبن عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَعْتَقِدَانِ أَنَّهُ لَا رِبًا فِيمَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ وَأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ وَدِينَارٍ بِدِينَارَيْنِ وَصَاعِ تَمْرٍ بِصَاعَيْنِ مِنَ التَّمْرِ وَكَذَا الْحِنْطَةُ وَسَائِرُ الرِّبَوِيَّاتِ كَانَا يَرَيَانِ جَوَازَ بَيْعِ الْجِنْسِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا وَأَنَّ الرِّبَا لَا يَحْرُمُ

ص: 23

فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا إِذَا كَانَ نَسِيئَةً وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ إِنَّهُ سَأَلَهُمَا عَنِ الصَّرْفِ فَلَمْ يَرَيَا بِهِ بَأْسًا يَعْنِي الصَّرْفَ مُتَفَاضِلًا كَدِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ وَكَانَ مُعْتَمَدَهُمَا حَدِيثُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ ثُمَّ رجع بن عمر وبن عَبَّاسٍ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَا بِتَحْرِيمِ بَيْعِ الْجِنْسِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا حِينَ بَلَغَهُمَا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رُجُوعِهِمَا صَرِيحًا وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ تَدُلُّ عَلَى أن بن عمر وبن عَبَّاسٍ لَمْ يَكُنْ بَلَغَهُمَا حَدِيثُ النَّهْيِ عَنِ التَّفَاضُلِ فِي غَيْرِ النَّسِيئَةِ فَلَمَّا بَلَغَهُمَا

ص: 24

رَجَعَا إِلَيْهِ وَأَمَّا حَدِيثُ أُسَامَةَ لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ فَقَدْ قَالَ قَائِلُونَ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِظَاهِرِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى نَسْخِهِ وَتَأَوَّلَهُ آخَرُونَ تَأْوِيلَاتٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الرِّبَوِيَّاتِ وَهُوَ كَبَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ مُؤَجَّلًا بِأَنْ يَكُونَ لَهُ عِنْدَهُ ثَوْبٌ مَوْصُوفٌ فَيَبِيعُهُ بِعَبْدٍ مَوْصُوفٍ مُؤَجَّلًا فَإِنْ بَاعَهُ بِهِ حَالًّا جَازَ الثَّانِي أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ فَإِنَّهُ لَا رِبًا فِيهَا مِنْ حَيْثُ التَّفَاضُلِ بَلْ يَجُوزُ تَفَاضُلُهَا يَدًا بِيَدٍ الثَّالِثُ أَنَّهُ مُجْمَلٌ وَحَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَغَيْرِهِمَا مُبَيِّنٌ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِالْمُبَيِّنِ وَتَنْزِيلُ الْمُجْمَلِ عَلَيْهِ هَذَا جَوَابُ الشَّافِعِيِّ

ص: 25

رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا هِقْلٌ) هُوَ بِكَسْرِ الهاء واسكان القاف قَوْلُهُ (سَأَلَ شِبَاكٌ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ مُخَفَّفَةٍ قَوْلُهُ (لَعَنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم

[1598]

آكل الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ هُمْ سَوَاءٌ) هذا تصريح بتحريم كتابة المبايعة بين المترابيين والشهادة عليهما وَفِيهِ تَحْرِيمُ الْإِعَانَةِ عَلَى الْبَاطِلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

ص: 26