الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا الْبَالِغِ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ عِنْدَنَا وَفِيهِ جَوَازُ اسْتِيهَابِ الْإِمَامِ أَهْلَ جَيْشِهِ بَعْضَ مَا غَنِمُوهُ لِيُفَادِيَ بِهِ مُسْلِمًا أَوْ يَصْرِفَهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ يَتَأَلَّفُ بِهِ مَنْ فِي تَأَلُّفِهِ مَصْلَحَةٌ كَمَا فَعَلَ صلى الله عليه وسلم هُنَا وَفِيِ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ وَفِيهِ جَوَازُ قَوْلِ الْإِنْسَانِ لِلْآخَرِ لِلَّهِ أَبُوكَ وَلِلَّهِ دَرُّكَ وَقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ مَعْنَاهُ وَاضِحًا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ فِي الْفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ
(بَاب حُكْمِ الْفَيْءِ قَوْلُهُ
[1756]
صلى الله عليه وسلم (أَيُّمَا قَرْيَةٍ
أَتَيْتُمُوهَا أَقَمْتُمْ فِيهَا فَسَهْمُكُمْ فِيهَا وَأَيُّمَا قَرْيَةٍ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ خُمُسَهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ثُمَّ هِيَ لَكُمْ) قَالَ الْقَاضِي يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْأُولَى الْفَيْءَ الَّذِي لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ بَلْ جَلَا عَنْهُ أَهْلُهُ أَوْ صَالَحُوا عَلَيْهِ فَيَكُونُ سَهْمُهُمْ فِيهَا أَيْ حَقُّهُمْ مِنَ الْعَطَايَا كَمَا يُصْرَفُ الْفَيْءُ وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالثَّانِيَةِ مَا أُخِذَ عَنْوَةً فَيَكُونُ غَنِيمَةً يُخْرَجُ مِنْهُ الْخُمُسُ وَبَاقِيهِ لِلْغَانِمِينَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ ثُمَّ هِيَ لَكُمْ أَيْ بَاقِيهَا وَقَدْ يَحْتَجُّ مَنْ لَمْ يُوجِبِ الْخُمُسَ فِي الْفَيْءِ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَدْ أَوْجَبَ الشَّافِعِيُّ الْخُمْسَ فِي الْفَيْءِ كَمَا أَوْجَبُوهُ كُلُّهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَقَالَ جَمِيعُ الْعُلَمَاءِ سِوَاهُ لَا خُمُسَ فِي الْفَيْءِ قال بن الْمُنْذِرِ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَبْلَ الشَّافِعِيِّ قَالَ بِالْخُمُسِ فِي الْفَيْءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ
[1757]
(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ عُمَرَ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ)
يَحْيَى أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَهَكَذَا هُوَ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ وَأَكْثَرُهَا عَنْ عَمْرٍو عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ وَكَذَا ذَكَرَهُ خَلَفُ الْوَاسِطِيُّ فِي الْأَطْرَافِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ الصَّوَابُ وَسَقَطَ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ ذِكْرُ الزُّهْرِيِّ فِي الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ فَقَالَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ وَهَذَا غَلَطٌ مِنْ بَعْضِ النَّاقِلِينَ عَنْ مُسْلِمٍ قَطْعًا لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ فِي الْإِسْنَادِ الثَّانِي عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَهُ فِي الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ فَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهُ قَوْلُهُ (كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِمَّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم خَاصَّةً فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ وَمَا بَقِيَ جَعَلَهُ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَمَّا الْكُرَاعُ فَهُوَ الْخَيْلُ وَقَوْلُهُ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ أَيْ يَعْزِلُ لَهُمْ نَفَقَةَ سَنَةٍ وَلَكِنَّهُ كَانَ يُنْفِقُهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ السَّنَةِ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ فَلَا تَتِمُّ عَلَيْهِ السَّنَةُ وَلِهَذَا تُوُفِّيَ صلى الله عليه وسلم وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عَلَى شَعِيرٍ اسْتَدَانَهُ لِأَهْلِهِ وَلَمْ يَشْبَعْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ تِبَاعًا وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِكَثْرَةِ جُوعِهِ صلى الله عليه وسلم وَجُوعِ عِيَالِهِ وَقَوْلُهُ كَانَتْ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم خَاصَّةً هَذَا يُؤَيِّدُ مَذْهَبَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا خُمُسَ فِي الْفَيْءِ كَمَا سَبَقَ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الشَّافِعِيَّ أَوْجَبَهُ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ لَهُ مِنَ الْفَيْءِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ وَخُمُسُ خُمُسِ الْبَاقِي فَكَانَ لَهُ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ سَهْمًا مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ وَالْأَرْبَعَةُ الْبَاقِيَةُ لِذَوِي الْقُرْبَى واليتامى والمساكين وبن السَّبِيلِ وَيُتَأَوَّلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى هَذَا فَنَقُولُ قَوْلُهُ كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ أَيْ مُعْظَمُهَا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ ادِّخَارِ قُوتِ سَنَةٍ وَجَوَازُ الِادِّخَارِ لِلْعِيَالِ وَأَنَّ هَذَا لَا يَقْدَحُ فِي التَّوَكُّلِ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ الِادِّخَارِ فِيمَا يَسْتَغِلُّهُ الْإِنْسَانُ مِنْ قَرْيَتِهِ كَمَا
جَرَى لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَمَّا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنَ السُّوقِ وَيَدَّخِرُهُ لقوت عياله فإن كان في وقت ضيق الطعام لم يجز بل يشتري مالا يَضِيقُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَقُوتِ أَيَّامٍ أَوْ شَهْرٍ وَإِنْ كَانَ فِي وَقْتِ سَعَةٍ اشْتَرَى قُوتَ سَنَةٍ وَأَكْثَرَ هَكَذَا نَقَلَ الْقَاضِي هَذَا التَّفْصِيلَ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَعَنْ قَوْمٍ إِبَاحَتُهُ مُطْلَقًا وأما مالم يُوجِفْ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ فَالْإِيجَافُ الْإِسْرَاعُ قَوْلُهُ (فَجِئْتُهُ حِينَ تَعَالَى النَّهَارُ) أَيْ ارْتَفَعَ وَهُوَ بِمَعْنَى مَتَعَ النَّهَارُ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ قَوْلُهُ (فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِهِ جَالِسًا عَلَى سَرِيرٍ مُفْضِيًا إِلَى رُمَالِهِ) هُوَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا وَهُوَ مَا يُنْسَجُ مِنْ سَعَفِ النَّخْلِ وَنَحْوِهِ لِيُضْطَجَعَ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ مُفْضِيًا إِلَى رُمَالِهِ يَعْنِي لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رُمَالِهِ شَيْءٌ وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ الرُّمَالِ فِرَاشٌ أَوْ غَيْرُهُ قَوْلُهُ (فَقَالَ لِي يَا مَالِ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ يَا مَالِ وَهُوَ تَرْخِيمُ مَالِكٍ بِحَذْفِ الْكَافِ وَيَجُوزُ كَسْرُ اللَّامِ وَضَمُّهَا وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ فَمَنْ كَسَرَهَا تَرَكَهَا عَلَى مَا كَانَتْ وَمَنْ ضَمَّهَا جَعَلَهُ اسْمًا مُسْتَقِلًّا قَوْلُهُ (دَفُّ أَهْلِ أَبْيَاتٍ من قومك) الدف المشي بسرعة كأنهم جاؤوا مُسْرِعِينَ لِلضُّرِّ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ وَقِيلَ السَّيْرُ الْيَسِيرُ قَوْلُهُ (وَقَدْ أَمَرْتُ فِيهِمْ بِرَضْخٍ) هُوَ بإسكان الضاد بالخاء الْمُعْجَمَتَيْنِ وَهِيَ الْعَطِيَّةُ الْقَلِيلَةُ قَوْلُهُ (فَجَاءَ يَرْفَا) هُوَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَبِالْفَاءِ غَيْرُ مَهْمُوزٍ هَكَذَا ذَكَرَهُ الْجُمْهُورُ وَمِنْهُمْ مَنْ هَمَزَهُ وَفِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيِّ فِي بَابِ الْفَيْءِ تُسَمِّيهِ الْيَرْفَا بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَهُوَ حَاجِبُ
عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَوْلُهُ (اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا الْكَاذِبِ إِلَى آخِرِهِ) قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَعْنَاهُ هَذَا الْكَاذِبُ إِنْ لَمْ يُنْصِفْ فَحَذَفَ الْجَوَابَ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَالَ الْمَازِرِيُّ هَذَا اللَّفْظُ الَّذِي وَقَعَ لَا يَلِيقُ ظَاهِرُهُ بِالْعَبَّاسِ وَحَاشَ لِعَلِيٍّ أَنْ يَكُونَ فِيهِ بَعْضُ هَذِهِ الْأَوْصَافِ فَضْلًا عَنْ كُلِّهَا وَلَسْنَا نَقْطَعُ بِالْعِصْمَةِ إِلَّا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلِمَنْ شَهِدَ لَهُ بِهَا لَكِنَّا مَأْمُورُونَ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِالصَّحَابَةِ رضي الله عنهم أَجْمَعِينَ وَنَفْيِ كُلِّ رَذِيلَةٍ عَنْهُمْ وَإِذَا انْسَدَّتْ طُرُقُ تَأْوِيلِهَا نَسَبْنَا الْكَذِبَ إِلَى رُوَاتِهَا قَالَ وَقَدْ حَمَلَ هَذَا الْمَعْنَى بَعْضَ النَّاسِ عَلَى أَنْ أَزَالَ هَذَا اللَّفْظَ مِنْ نُسْخَتِهِ تَوَرُّعًا عَنْ إِثْبَاتِ مِثْلِ هَذَا وَلَعَلَّهُ حَمَلَ الْوَهْمَ عَلَى رُوَاتِهِ قَالَ الْمَازِرِيُّ وَإِذَا كَانَ هَذَا اللَّفْظُ لَا بُدَّ مِنْ إِثْبَاتِهِ وَلَمْ نُضِفِ الْوَهْمَ إِلَى رُوَاتِهِ فَأَجْوَدُ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَدَرَ مِنَ الْعَبَّاسِ عَلَى جِهَةِ الادلال على بن أخيه لأنه بمنزلة ابنه وقال مالا يعتقده وما يعلم براءة ذمة بن أَخِيهِ مِنْهُ وَلَعَلَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ رَدْعَهُ عَمَّا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مُخْطِئٌ فِيهِ وَأَنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ يَتَّصِفُ بِهَا لَوْ كَانَ يَفْعَلُ مَا يَفْعَلُهُ عن قصد وأن عليا كان لا يراها إِلَّا مُوجِبَةً لِذَلِكَ فِي اعْتِقَادِهِ وَهَذَا كَمَا يَقُولُ الْمَالِكِيُّ شَارِبُ النَّبِيذِ نَاقِصُ الدِّينِ وَالْحَنَفِيُّ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَاقِصٍ فَكُلُّ وَاحِدٍ مُحِقٌّ فِي اعْتِقَادِهِ وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ لِأَنَّ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ جَرَتْ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ عُمَرُ رضي الله عنه وَهُوَ الْخَلِيفَةُ وَعُثْمَانُ وَسَعْدٌ وَزُبَيْرٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ رضي الله عنهم وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ هَذَا الْكَلَامَ مَعَ تَشَدُّدِهِمْ فِي إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّهُمْ فَهِمُوا بِقَرِينَةِ الْحَالِ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِمَا لَا يَعْتَقِدُ ظَاهِرَهُ مُبَالَغَةً فِي الزَّجْرِ قَالَ الْمَازِرِيُّ وَكَذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ رضي الله عنه إِنَّكُمَا جِئْتُمَا أَبَا بَكْرٍ فَرَأَيْتُمَاهُ كَاذِبًا آثِمًا غَادِرًا خَائِنًا وَكَذَلِكَ ذَكَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ كَذَلِكَ وَتَأْوِيلُ هَذَا عَلَى نَحْوِ مَا سَبَقَ وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّكُمَا تَعْتَقِدَانِ أَنَّ الْوَاجِبَ أَنْ نَفْعَلَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ خِلَافَ مَا فَعَلْتُهُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ فَنَحْنُ عَلَى مُقْتَضَى رَأْيِكُمَا لَوْ أَتَيْنَا مَا أَتَيْنَا وَنَحْنُ مُعْتَقِدَانِ مَا تَعْتَقِدَانِهِ لَكُنَّا بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ أَوْ يَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا يُخَالَفُ إِذَا كَانَ عَلَى هَذِهِ الْأَوْصَافِ
وَيُتَّهَمُ فِي قَضَايَاهُ فَكَانَ مُخَالَفَتُكُمَا لَنَا تُشْعِرُ مَنْ رَآهَا أَنَّكُمْ تَعْتَقِدَانِ ذَلِكَ فِينَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْمَازِرِيُّ وَأَمَّا الِاعْتِذَارُ عَنْ عَلِيٍّ وَالْعَبَّاسِ رضي الله عنهما فِي أَنَّهُمَا تَرَدَّدَا إِلَى الْخَلِيفَتَيْنِ مَعَ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ وَتَقْرِيرُ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُمَا يَعْلَمَانِ ذَلِكَ فَأَمْثَلُ مَا فِيهِ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمَا طَلَبَا أَنْ يَقْسِمَاهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ينفقان بها على حسب ما ينفعهما الْإِمَامُ بِهَا لَوْ وَلِيَهَا بِنَفْسِهِ فَكَرِهَ عُمَرُ أَنْ يُوقِعَ عَلَيْهَا اسْمَ الْقِسْمَةِ لِئَلَّا يُظَنَّ لِذَلِكَ مَعَ تَطَاوُلِ الْأَزْمَانِ أَنَّهَا مِيرَاثٌ وَأَنَّهُمَا وَرِثَاهُ لَا سِيَّمَا وَقِسْمَةُ الْمِيرَاثِ بَيْنَ الْبِنْتِ وَالْعَمِّ نِصْفَانِ فَيَلْتَبِسُ ذَلِكَ وَيُظَنُّ أَنَّهُمْ تَمَلَّكُوا ذَلِكَ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ مَا قَالَهُ أَبُو دَاوُدَ أَنَّهُ لَمَّا صَارَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى عَلِيٍّ رضي الله عنه لَمْ يُغَيِّرْهَا عَنْ كَوْنِهَا صَدَقَةً وَبِنَحْوِ هَذَا احْتَجَّ السَّفَّاحُ فَإِنَّهُ لَمَّا خَطَبَ أَوَّلَ خُطْبَةٍ قَامَ بِهَا قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مُعَلِّقٌ فِي عُنُقِهِ الْمُصْحَفَ فَقَالَ أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَّا مَا حَكَمْتَ بَيْنِي وَبَيْنَ خَصْمِي بِهَذَا الْمُصْحَفِ فَقَالَ مَنْ هُوَ خَصْمُكَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي مَنْعِهِ فَدَكٍ قَالَ أَظَلَمَكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَمَنْ بَعْدَهُ قَالَ عُمَرُ قَالَ أَظَلَمَكَ قَالَ نَعَمْ وَقَالَ فِي عُثْمَانَ كَذَلِكَ قَالَ فَعَلِيٌّ ظَلَمَكَ فَسَكَتَ الرَّجُلُ فَأَغْلَظَ لَهُ السَّفَّاحُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقَدْ تَأَوَّلَ قَوْمٌ طَلَبَ فَاطِمَةَ رضي الله عنها مِيرَاثَهَا مِنْ أَبِيهَا عَلَى أَنَّهَا تَأَوَّلَتِ الْحَدِيثَ إِنْ كَانَ بَلَغَهَا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم لَا نُورَثُ عَلَى الْأَمْوَالِ الَّتِي لَهَا بَالٌ فَهِيَ الَّتِي لَا تُورَثُ لَا مَا يَتْرُكُونَ مِنْ طَعَامٍ وَأَثَاثٍ وَسِلَاحٍ وَهَذَا التَّأْوِيلُ خِلَافُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم وَأَمَّا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَلَيْسَ مَعْنَاهُ إِرْثُهُنَّ مِنْهُ بَلْ لِكَوْنِهِنَّ مَحْبُوسَاتٍ عَنِ الْأَزْوَاجِ بِسَبَبِهِ أَوْ لِعِظَمِ حَقِّهِنَّ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِفَضْلِهِنَّ وَقِدَمِ هِجْرَتِهِنَّ وَكَوْنِهِنَّ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَكَذَلِكَ اخْتُصِصْنَ بِمَسَاكِنِهِنَّ لَمْ يَرِثْهَا وَرَثَتُهُنَّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَفِي تَرْكِ فَاطِمَةَ مُنَازَعَةَ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَ احْتِجَاجِهِ عَلَيْهَا بِالْحَدِيثِ التَّسْلِيمُ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى قَضِيَّةِ وأنها لَمَّا بَلَّغَهَا الْحَدِيثَ وَبَيَّنَ لَهَا التَّأْوِيلَ تَرَكَتْ رَأْيَهَا ثُمَّ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا وَلَا مِنْ ذُرِّيَّتِهَا بَعْدَ ذَلِكَ طَلَبُ مِيرَاثٍ ثُمَّ وَلِيَ عَلِيٌّ الْخِلَافَةَ فَلَمْ يَعْدِلْ بِهَا عَمَّا فَعَلَهُ أبو بكر وعمر رضي الله عنه فَدَلَّ عَلَى أَنَّ طَلَبَ عَلِيٍّ وَالْعَبَّاسِ إِنَّمَا كَانَ طَلَبَ تَوَلِّي الْقِيَامِ بِهَا بِأَنْفُسِهِمَا وَقِسْمَتِهَا بَيْنَهُمَا كَمَا سَبَقَ قَالَ وَأَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ هِجْرَانِ فَاطِمَةَ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه فَمَعْنَاهُ انْقِبَاضُهَا عَنْ لِقَائِهِ وَلَيْسَ هَذَا مِنَ الْهِجْرَانِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي هُوَ تَرْكُ السَّلَامِ وَالْإِعْرَاضُ عِنْدَ اللِّقَاءِ قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ (فَلَمْ تُكَلِّمْهُ) يَعْنِي فِي هَذَا الْأَمْرِ أَوْ لِانْقِبَاضِهَا لَمْ تَطْلُبْ مِنْهُ حَاجَةً وَلَا اضْطُرَّتْ إلى لقائه فتكلمه ولم ينقل قط أنهما الْتَقَيَا فَلَمْ تُسَلِّمْ عَلَيْهِ
وَلَا كَلَّمَتْهُ قَالَ وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ جِئْتُمَانِي تُكَلِّمَانِي وَكَلَّمْتُكُمَا فِي وَاحِدَةٍ جِئْتَ يَا عَبَّاسُ تسألني نصيبك من بن أَخِيكَ وَجَاءَنِي هَذَا يَسْأَلُنِي نَصِيبَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا فِيهِ إِشْكَالٌ مَعَ إِعْلَامِ أَبِي بَكْرٍ لَهُمْ قَبْلَ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَا نُورَثُ وَجَوَابُهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ إِنَّمَا طَلَبَ الْقِيَامَ وَحْدَهُ عَلَى ذَلِكَ وَيَحْتَجُّ هَذَا بِقُرْبِهِ بِالْعُمُومَةِ وَذَلِكَ بِقُرْبِ امْرَأَتِهِ بِالْبُنُوَّةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمَا طَلَبَا مَا عَلِمَا مَنْعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَمَنَعَهُمَا مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ وَبَيَّنَ لَهُمَا دَلِيلَ الْمَنْعِ وَاعْتَرَفَا لَهُ بِذَلِكَ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُوَلَّى أَمْرَ كُلِّ قَبِيلَةٍ سَيِّدُهُمْ وَتُفَوَّضُ إِلَيْهِ مَصْلَحَتُهُمْ لأنه أعرف بهم وَأَرْفَقُ بِهِمْ وَأَبْعَدُ مِنْ أَنْ يَأْنَفُوا مِنَ الِانْقِيَادِ لَهُ ولِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَابْعَثُوا حكما من أهله وحكما من أهلها وَفِيهِ جَوَازُ نِدَاءِ الرَّجُلِ بِاسْمِهِ مِنْ غَيْرِ كنية وفِيهِ جَوَازُ احْتِجَابِ الْمُتَوَلِّي فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ لِطَعَامِهِ أَوْ وُضُوئِهِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَفِيهِ جَوَازُ قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَفِيهِ اسْتِشْهَادُ الْإِمَامِ عَلَى مَا يَقُولُهُ بِحَضْرَةِ الْخَصْمَيْنِ الْعُدُولِ لِتَقْوَى حُجَّتُهُ فِي إِقَامَةِ الْحَقِّ وَقَمْعِ الْخَصْمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه عنه اتَّئِدَا) أَيْ اصْبِرَا وَأَمْهِلَا قَوْلُهُ (أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ) أَيْ أَسْأَلُكُمْ بِاللَّهِ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّشِيدِ وَهُوَ رفع الصوت يقال أنشدتك ونشدتك بالله قوله صلى الله عليه وسلم (لا نورث ما تركناه صدقة) هو برفع صدقة وما بِمَعْنَى الَّذِي أَيْ الَّذِي تَرَكْنَاهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ بَعْدَ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَفَعَتْهُ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ عَلَى هَذَا لِأَنَّ بَعْضَ جَهَلَةِ الشِّيعَةِ يُصَحِّفُهُ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْحِكْمَةُ فِي أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لَا يُورَثُونَ أَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكُونَ فِي الْوَرَثَةِ مَنْ يَتَمَنَّى مَوْتَهُ فَيَهْلِكُ وَلِئَلَّا يُظَنَّ بِهِمُ الرَّغْبَةُ فِي الدُّنْيَا لِوَارِثِهمِ فَيَهْلِكَ الظَّانُّ وَيَنْفِرَ النَّاسُ عَنْهُمْ
قَوْلُهُ (إِنَّ اللَّهَ كَانَ خَصَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِخَاصَّةٍ لَمْ يَخْصُصْ بِهَا أَحَدًا غَيْرَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مَا أفاء الله على رسوله الْآيَةُ) ذَكَرَ الْقَاضِي فِي مَعْنَى هَذَا احْتِمَالَيْنِ أَحَدُهُمَا تَحْلِيلُ الْغَنِيمَةِ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ وَالثَّانِي تَخْصِيصُهُ بِالْفَيْءِ إِمَّا كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ كَمَا سَبَقَ مِنَ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ قَالَ وَهَذَا الثَّانِي
أَظْهَرُ لِاسْتِشْهَادِ عُمَرَ عَلَى هَذَا بِالْآيَةِ قَوْلُهُ
[1759]
(فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ وَعَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سِتَّةَ أَشْهُرٍ) أَمَّا هِجْرَانُهَا فَسَبَقَ تَأْوِيلُهُ وَأَمَّا كَوْنُهَا عَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَقِيلَ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ وَقِيلَ ثَلَاثَةً وَقِيلَ شَهْرَيْنِ وَقِيلَ سَبْعِينَ يَوْمًا فَعَلَى الصَّحِيحِ قَالُوا تُوُفِّيَتْ لِثَلَاثٍ مَضَيْنَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ قَوْلُهُ (إِنَّ عَلِيًّا دَفَنَ فَاطِمَةَ رضي الله عنها لَيْلًا) فِيهِ جَوَازُ الدَّفْنِ لَيْلًا وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَكِنَّ النَّهَارَ أَفْضَلُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ قَوْلُهُ (وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وِجْهَةٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ رضي الله عنها فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلَيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ رضي الله عنهما وَلَمْ يَكُنْ بَايَعَ تِلْكَ الْأَشْهُرَ) أَمَّا تَأَخُّرُ عَلِيٍّ رضي الله عنه عَنِ الْبَيْعَةِ فَقَدْ ذَكَرَهُ عَلِيٌّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَاعْتَذَرَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه وَمَعَ هَذَا فَتَأَخُّرُهُ لَيْسَ بِقَادِحٍ فِي الْبَيْعَةِ وَلَا فِيهِ أَمَّا الْبَيْعَةُ فَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا مُبَايَعَةُ كُلِّ النَّاسِ وَلَا كُلِّ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعِقْدِ وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ مُبَايَعَةُ مَنْ تَيَسَّرَ إِجْمَاعُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ وَوُجُوهِ النَّاسِ وَأَمَّا عَدَمُ الْقَدْحِ فِيهِ فَلِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَأْتِيَ إِلَى الْإِمَامِ فَيَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ وَيُبَايِعَهُ وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ إِذَا عَقَدَ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ لِلْإِمَامِ الِانْقِيَادُ لَهُ وأن لا يظهر خلافا ولا يشق لعصا وَهَكَذَا كَانَ شَأْنُ عَلِيٍّ رضي الله عنه فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ الَّتِي قَبْلَ بَيْعَتِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يُظْهِرْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ خِلَافًا وَلَا شَقَّ الْعَصَا وَلَكِنَّهُ تَأَخَّرَ عَنِ الْحُضُورِ عِنْدَهُ للعذر
الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ وَلَمْ يَكُنِ انْعِقَادُ الْبَيْعَةِ وَانْبِرَامُهَا مُتَوَقِّفًا عَلَى حُضُورِهِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحُضُورُ لِذَلِكَ وَلَا لِغَيْرِهِ فَلَمَّا لَمْ يَجِبْ لَمْ يَحْضُرْ وَمَا نُقِلَ عَنْهُ قَدْحٌ فِي الْبَيْعَةِ وَلَا مُخَالَفَةٌ وَلَكِنْ بَقِيَ فِي نَفْسِهِ عَتَبٌ فَتَأَخَّرَ حُضُورُهُ إِلَى أَنْ زَالَ الْعَتَبُ وَكَانَ سَبَبُ الْعَتَبِ أَنَّهُ مَعَ وَجَاهَتِهِ وَفَضِيلَتِهِ فِي نَفْسِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَقُرْبِهِ مِنَ النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك رَأَى أَنَّهُ لَا يُسْتَبَدُّ بِأَمْرٍ إِلَّا بِمَشُورَتِهِ وَحُضُورِهِ وَكَانَ عُذْرُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ وَاضِحًا لِأَنَّهُمْ رَأَوُا الْمُبَادَرَةَ بِالْبَيْعَةِ مِنْ أَعْظَمِ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَخَافُوا مِنْ تَأْخِيرِهَا حُصُولَ خِلَافٍ وَنِزَاعٍ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفَاسِدُ عَظِيمَةٌ وَلِهَذَا أَخَّرُوا دَفْنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى عَقَدُوا الْبَيْعَةَ لِكَوْنِهَا كَانَتْ أَهَمَّ الْأُمُورِ كَيْلَا يَقَعَ نِزَاعٌ فِي مَدْفِنِهِ أَوْ كَفَنِهِ أَوْ غُسْلِهِ أَوِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَلَيْسَ لَهُمْ مَنْ يَفْصِلُ الْأُمُورَ فَرَأَوْا تقدم الْبَيْعَةِ أَهَمَّ الْأَشْيَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه أَنْ ائْتِنَا وَلَا يَأْتِنَا مَعَكَ أَحَدٌ كَرَاهِيَةَ مَحْضَرِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه فَقَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه وَاللَّهِ لَا تَدْخُلْ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ) أَمَّا كَرَاهَتُهُمْ لِمَحْضَرِ عمر فلما علموا من شدته وصدعه بما يظهر له فخافوا أن ينتصر لأبي بكر رضي الله عنه فيتكلم بكلام يوحش قُلُوبَهُمْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَكَانَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ طَابَتْ عَلَيْهِ وَانْشَرَحَتْ لَهُ فَخَافُوا أَنْ يَكُونَ حُضُورُ عُمَرَ سَبَبًا لِتَغَيُّرِهَا وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ لَا تَدْخُلْ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ خَافَ أَنْ يُغْلِظُوا عَلَيْهِ فِي الْمُعَاتَبَةِ وَيَحْمِلُهُمْ عَلَى الْإِكْثَارِ مِنْ ذَلِكَ لِينُ أَبِي بَكْرٍ وَصَبْرِهِ عَنِ الْجَوَابِ عَنْ نَفْسِهِ وَرُبَّمَا رَأَى مِنْ كَلَامِهِمْ مَا غَيَّرَ قَلْبَهُ فَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ خَاصَّةٌ أَوْ عَامَّةٌ وَإِذَا حَضَرَ عُمَرُ امْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ وَأَمَّا كَوْنُ عُمَرَ حَلَفَ أَلَّا يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَحْدَهُ فَحَنَّثَهُ أَبُو بَكْرٍ وَدَخَلَ وَحْدَهُ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِبْرَارَ الْقَسَمِ إِنَّمَا يُؤْمَرُ بِهِ الْإِنْسَانُ إذا أمكن
احْتِمَالُهُ بِلَا مَشَقَّةٍ وَلَا تَكُونُ فِيهِ مَفْسَدَةٌ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ الْحَدِيثُ بِإِبْرَارِ الْقَسَمِ قَوْلُهُ (وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ) هُوَ بِفَتْحِ الْفَاءِ يُقَالُ نَفِسْتُ عَلَيْهِ بِكَسْرِ الْفَاءِ أَنْفَسُ بِفَتْحِهَا نَفَاسَةً وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الْحَسَدِ قَوْلُهُ (وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ فَإِنِّي لَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الْحَقِّ) مَعْنَى شَجَرَ الِاخْتِلَافُ وَالْمُنَازَعَةُ وَقَوْلُهُ لَمْ آلُ أَيْ لَمْ أُقَصِّرْ قَوْلُهُ (فَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ مَوْعِدُكَ الْعَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ صَلَاةَ الظُّهْرِ رَقِيَ عَلَى المنبر) هو بكسر القاف يقال رقى يرقى كَعَلِمَ يَعْلَمُ وَالْعَشِيُّ بِحَذْفِ الْهَاءِ هُوَ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ صَلَّى إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ إِمَّا الظُّهْرُ وَإِمَّا الْعَصْرُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ صِحَّةِ خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَانْعِقَادِ الإجماع عليها
قَوْلُهُ (كَانَتَا لِحُقُوقِهِ الَّتِي تَعْرُوهُ وَنَوَائِبِهِ) مَعْنَاهُ مَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ مِنَ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ وَالْمَنْدُوبَةِ وَيُقَالُ عَرَوْتَهُ وَاعْتَرَيْتَهُ وَعَرَرْتَهُ وَاعْتَرَرْتَهُ إِذَا أَتَيْتَهُ تَطْلُبُ مِنْهُ حَاجَةً
[1760]
قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم (لَا تَقْسِمْ وَرَثَتِي دِينَارًا مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ) قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذَا التَّقْيِيدُ بِالدِّينَارِ هُوَ مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ عَلَى مَا سِوَاهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يره وَقَالَ تَعَالَى وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يؤده إليك قَالُوا وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَذَا اللَّفْظِ النَّهْيَ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَنْهَى عَمَّا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ وَإِرْثُهُ صلى الله عليه وسلم غَيْرُ مُمْكِنٍ وَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى الْإِخْبَارِ وَمَعْنَاهُ لَا يَقْتَسِمُونَ شَيْئًا لِأَنِّي لَا أُورَثُ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ وَبِهِ قَالَ جماهيرهم وحكى القاضي عن بن عُلَيَّةَ وَبَعْضِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا لَمْ يُورَثْ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّهُ أَنْ جَعَلَ مَالَهُ كُلَّهُ صَدَقَةً وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِيَاقُ الْحَدِيثِ ثُمَّ إِنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ لَا يُورَثُونَ وَحَكَى الْقَاضِي عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ عَدَمُ الْإِرْثِ بَيْنَهُمْ مُخْتَصٌّ بِنَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم لِقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ زَكَرِيَّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آل يعقوب وَزَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ وِرَاثَةُ الْمَالِ وَقَالَ وَلَوْ أَرَادَ وِرَاثَةَ النُّبُوَّةِ لَمْ يَقُلْ وَإِنِّي خِفْتُ الموالي من ورائي إذ لا يخاف الموالي عَلَى النُّبُوَّةِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَالصَّوَابُ مَا حَكَيْنَاهُ عَنِ الْجُمْهُورِ أَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ لَا يُورَثُونَ وَالْمُرَادُ بِقِصَّةِ زَكَرِيَّا وَدَاوُدَ وِرَاثَةُ النُّبُوَّةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الْإِرْثِ بَلْ قِيَامُهُ مَقَامَهُ وَحُلُولُهُ مَكَانَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم (وَمُؤْنَةُ عَامِلِي
فَقِيلَ هُوَ الْقَائِمُ عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَاتِ وَالنَّاظِرُ فِيهَا وَقِيلَ كُلُّ عَامِلٍ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ خَلِيفَةٍ وَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ عَامِلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَنَائِبٌ عَنْهُ فِي أُمَّتِهِ وَأَمَّا مَؤنَةُ نِسَائِهِ صلى الله عليه وسلم فَسَبَقَ بَيَانُهَا قَرِيبًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رضي الله عنه فِي تَفْسِيرِ صَدَقَاتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ قَالَ صَارَتْ إِلَيْهِ بِثَلَاثَةِ حُقُوقٍ أَحَدُهَا مَا وُهِبَ لَهُ صلى الله عليه وسلم وَذَلِكَ وَصِيَّةُ مُخَيْرِيقٍ الْيَهُودِيِّ لَهُ عِنْدَ إِسْلَامِهِ يَوْمَ أُحُدٍ وَكَانَتْ سَبْعَ حَوَائِطَ فِي بَنِي النَّضِيرِ وما أعطاه الأنصار من أرضهم وهو مالا يَبْلُغُهُ الْمَاءُ وَكَانَ هَذَا مِلْكًا لَهُ صلى الله عليه وسلم الثَّانِي حَقُّهُ مِنَ الْفَيْءِ مِنْ أَرْضِ بَنِي النَّضِيرِ حِينَ أَجْلَاهُمْ كَانَتْ لَهُ خَاصَّةً لِأَنَّهَا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَأَمَّا مَنْقُولَاتُ بَنِي النَّضِيرِ فَحَمَلُوا مِنْهَا مَا حَمَلَتْهُ الْإِبِلُ غَيْرَ السِّلَاحِ كَمَا صَالَحَهُمْ ثُمَّ قَسَمَ صلى الله عليه وسلم الْبَاقِي بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَتِ الْأَرْضُ لِنَفْسِهِ وَيُخْرِجُهَا فِي نَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ نِصْفُ أَرْضِ فَدَكٍ صَالَحَ أَهْلَهَا بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ عَلَى نِصْفِ أَرْضِهَا وَكَانَ خَالِصًا لَهُ وَكَذَلِكَ ثُلُثُ أَرْضِ وَادِي الْقُرَى أَخَذَهُ فِي الصُّلْحِ حِينَ صَالَحَ أَهْلَهَا الْيَهُودَ وَكَذَلِكَ حِصْنَانِ مِنْ حُصُونِ خَيْبَرَ وَهُمَا الْوَطِيخُ وَالسَّلَالِمُ أَخَذَهُمَا صُلْحًا الثَّالِثُ سَهْمُهُ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ وَمَا افْتَتَحَ فِيهَا عَنْوَةً فَكَانَتْ هَذِهِ كُلُّهَا مِلْكًا لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَاصَّةً لَا حَقَّ فيها لأحد غيره لكنه صلى الله عليه وسلم كَانَ لَا يَسْتَأْثِرُ بِهَا بَلْ يُنْفِقُهَا عَلَى أَهْلِهِ وَالْمُسْلِمِينَ وَلِلْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَكُلُّ هَذِهِ صَدَقَاتٌ مُحَرَّمَاتُ التَّمَلُّكِ بَعْدَهُ والله أعلم