الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[ص 104]
البناء على القبر
(1)
قد يقال: يحتمل أن يراد بالبناء ما كان فيه انتهاك لحرمة القبر، كأن يكون للسكنى، ويدل عليه قرنه بالجلوس.
والجواب: أن البناء في الحديث مطلق، وقرنه بالجلوس يعارضه قرنه بالتجصيص الذي هو تشييد للقبر، لا إهانة، بل هذا أبين دلالة، إذ التجصيص من جنس البناء، مع أن البناء للسكنى لا يستلزم انتهاك حرمة القبر، فقد يترك بجانب من البيت على حاله، بل إن ذلك تعظيمٌ للقبر واحترامٌ له، ولذلك جاء النهي مطلقًا، يتناول البناء للسكنى وغيره.
فإن قيل: الأصل في الكلام الحقيقة، والحقيقة في البناء على القبر البناء على متنه.
قلت: بل الحقيقة في البناء على القبر ما كان مستعليًا عليه، فيتناول البناء حواليه مسقوفًا، إذ هو باعتبار السقف مستَعْلٍ على القبر حقيقةً.
مع أنه لو سُلِّم ما قلتم، أو لم يرد النهي إلا عن التجصيص فقط، لكان في ذلك دليلٌ على النهي عن البناء الضيِّق والواسع، المسقوف وغير المسقوف، بل وعن البناء بقرب القبر غيرَ مشتملٍ عليه، ولكنه لأجله، بل وعن البناء بعيدًا عنه لأجله، كالمَشاهد، وكذا كل ما فيه تمييز للقبر، كرفعه زيادةً على الشبر، ووضع الستور عليه، ونصب الرايات عنده، وإيقاد السُّرُج.
والحاصل: كل شيءٍ يكون فيه إكرامٌ للقبر أو تشييدٌ له مما لم يثبت
(1)
في المسوّدة الثانية (ص 30 ــ 40) هذا البحث مع زيادة فائدة، فأثبتناه للفائدة في آخر الرسالة.
بالسُّنة، فإنَّ كل هذا يدلّ الحديث على النهي عنه بالقياس، سواءً أكانت العلة كراهية تشييد القبور وتزيينها، أم كراهية تمييز القبر الذي يُخْشى أن يؤدي إلى تعظيمه، وقد مر إيضاح هذا آخر الفصل الأول
(1)
.
وقد عورض إطلاق البناء على القبر في النهي بإطلاقات أخر:
منها: الإذن للإنسان أن يصنع في ملكه ما يشاء.
ومنها: الأمر باحترام الصالحين.
ومنها: الأمر بالإحسان إلى الخلق، وإعانتهم على البر.
فعلى الأول؛ يُقَيَّد النهي عن البناء [ص 105] بما إذا لم يكن في الملك.
وعلى الثاني؛ بما إذا لم يكن على قبور الصالحين.
وعلى الثالث؛ بما إذا لم يكن (لتظليل) الزوَّار.
والجواب: أن هذه الأمور ليست مطلقة، بل هي مقيَّدة بما لم ينه عنه الشرع، والبناء مطلقًا مما نهى عنه الشرع، فلا معارضة؛ وإلا لساغ تقييد النهي عن اتخاذ الأصنام بما إذا لم يكن في الملك. وتقييد النهي عن الرياء، بما إذا لم يكن لأجل الإهداء إلى صالح، أو لأجل الصدقة، وتقييد النهي عن تأخير صلاة الصبح مثلًا عن وقتها بما إذا لم يكن لخدمة الوالدين، وغير هذا من المصالح التي لا تُحصى.
ولو سُلِّم التعارض لكان المتعين تقييد تلك المطلقات بالنهي عن البناء على القبر؛ لأن علة النهي عن البناء على القبر موجودة في كل قبر، وذلك دليلٌ أن النهي مطلقٌ لا يقبل التقييد، بل وجودها في الملك أبْيَن وأوضح؛ لأن مجرد الدفن في الملك مع منافاته للسنة في حق الآية، فيه منافاة لما
(1)
(ص 42 ــ 44).
يليق بالموت الذي هو باب البلى، والخروج من الدنيا، والتساوي مع الفقراء، وفيه تمييز للقبر، وتعظيم له، فعِلَّة النهي عن البناء موجودة في مجرد الدفن في الملك، فضلًا عن التجصيص والبناء.
وكذلك وجود العلة في قبر الصالح أشد؛ لأنه أقرب إلى حمل الناس على تعظيمه، وما مثل مَن
(1)
يجيز البناء على قبر الصالح، إلا كمن يبيح شرب القَدْر المُسْكر من الخمر للمجاهدين، فإن البناء على قبر غير الصالح كشرب الجرعة والجرعتين من الخمر، والنهي عن البناء على قبر الصالح، كالنهي عن شرب القَدْر المسكر من الخمر، فإباحة البناء على قبر الصالح ــ لأن فيه احترامًا للصالحين ــ كإباحة السُّكْر للمجاهدين؛ لأن فيه شدة على الكافرين، مع أن علة تحريم الخمر خوف السكر، وعلة تحريم البناء خوف الكفر، وشتان بينهما.
وهكذا تظليل الزوَّار، إن هو إلا تحقيقٌ لوجود العلة؛ لأن الزيارة التي تحتاج إلى التظليل لا تكون غالبًا مشروعة، مع أن التظليل ليس من المصلحة في شيء، لا مصلحة الميت كما هو واضح؛ لأنه إن كان للدعاء له، فإن الله عز وجل بكل شيءٍ عليم، فإن أراد أن يبلغه ثواب الدعاء فسيبلغه، ولو كان الداعي بأقصى الأرض عن قبره.
[ص 106] ولا لمصلحة الزوَّار؛ لأنه إن أريد المصلحة الشرعية التي بيَّنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: "فإنها تذكِّركم الآخرة"
(2)
. فهذه
(1)
تكررت في الأصل.
(2)
أخرجه مسلم رقم (976) بلفظ "إنها تذكركم الموت". عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وأخرجه أحمد رقم (1236) وفي سنده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف.
يصلح لها كل قبر، فلا معنى لتخصيص بعض القبور حتى يحتاج إلى البناء عليها للتظليل.
وإن أريد أن صاحب القبر يشفع لهم إذا فعلوا ما يرضيه، فهو ميت لا يرضيه إلا ما ينفعه عند الله، والذي ينفعه عند الله هو الدعاء له بشرطه.
وقد مر أن الله عز وجل إن أراد أن يبلغه ثواب دعائهم بلغه أينما كان، وإن أريد أنه يحتاج إلى أن يُسأل، فإنهم يزعمون أنه يبلغ، بل يسمع سؤالهم ولو كان بعيدًا.
وعلى كل حال، فهذه مجاراة لهم على باطلهم، وإلا قد بيَّن الإسلام أن النفع والضر بيد الله عز وجل، وأنه لا ينال ما عند الله إلا بطاعته، ولا يُطاع الله إلا بما شرع، ولا يعلم ما شرع إلا بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
وإن فرض أنه حصل لأحدٍ من الناس نفع بشيءٍ من هذه المنهيات، فإنه لا يدل على جوازه، ألا ترى إلى السحر ينتفع به صاحبه، وهو كفر؟
وقد يستدرج الله عز وجل بعض عباده إذا أصرّ على الإعراض عن الحق، فاستوجب الخذلان، قال سبحانه وتعالى:{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام: 44].
وقال جل ذكره: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ
وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [الأنعام: 112 - 117].
يا مقلب القلوب ثبِّت قلوبنا على دينك، واهدنا لِمَا اخْتُلف فيه من الحق بإذنك، ووفقنا والمسلمين لما يرضيك. آمين.
والحاصل: أن التقييد المذكور إن هو إلا تحقيق للمفسدة، وإيغالٌ في الغرور، كما يقال في المثل العامي: أراد أن يكحل عينه فأعماها. فنعوذ بالله من الخذلان.
هذا، مع أن المقرر في الأصول: أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح مطلقًا، وأن درء المفسدة الكبرى بارتكاب الصغرى متعيِّنٌ إذا دار الأمر بينهما، ولا شك أن ذرائع الكفر ــ ومنها تمييز القبر ــ أشد المفاسد، فلو دار الأمر بينها وبين مفسدة أخفّ منها؛ لتعيَّن ركوب الأخف، فكيف إذا لم يقابلها مفسدة أصلًا.
[ص 108] وقال بعضهم: يحتمل أن يكون (البناء المنهي عنه) بناء الخيمة والفُسْطاط؛ لإقامة الحِداد، وتعظيم المصيبة.
والجواب: أن هذا تقييدٌ بمجرَّد التشهِّي، لو صح مثله لأصبح الدين ألعوبة، وأيضًا فما باله قُرِن بالتجصيص؟
وقال آخر
(1)
: هؤلاء المسلمون منذ العصور الأولى إلى اليوم بما فيهم من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، ما زالوا يتقربون إلى الله زُلْفى بتعظيم مقابر الأنبياء والأولياء، وبتعميرها وتشييدها، وإقامة الأبنية الضخمة عليها.
وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو أول من بنى حُجْرة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم باللبن، بعد أن كانت مقوَّمة بجريد النخل، نص على ذلك السمهودي في "كتاب الوفاء"
(2)
، ثم تناوب الخلفاء على تعميرها.
أقول: أسْمَع جعجعةً ولا أرى طِحْنًا، دعنا من حُجرة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإن لها سببًا خاصًّا كما مر بيانه
(3)
. ومع ذلك فما نقلته عن كتاب "الوفا" لا نراه يصح، فإن أم المؤمنين عائشة كانت ساكنةً في الحجرة، ولعله ذهب وَهْم الراوي من عمر بن عبد العزيز إلى عمر بن الخطاب.
وأما غير قبره صلى الله عليه وسلم؛ فقد نزَّه الله الصحابة رضوان الله عليهم، إلا أن يصنع بعض جَهَلة التابعين شيئًا، فيبادرون إلى هدمه، كما سيأتي.
وكذا أتباع التابعين، ومَنْ بعدهم غالبًا، قال الإمام الشافعي
(4)
: لم أر قبور المهاجرين والأنصار مجصصة. وقال: رأيت [من الولاة من يهدم] بمكة [ما يُبنى فيها فلم أر الفقهاء يعيبون ذلك]
(5)
.
(1)
هو حسن الصدر الكاظمي في "الرد على فتاوى الوهابية"(ص 70 ــ 71).
(2)
(2/ 481).
(3)
(ص 37 ــ 38).
(4)
النصان في "الأم": (2/ 631).
(5)
العبارة في الأصل: "وقال: رأيت ا
…
بمكة
…
" وأكملناها من "الأم".
وقال الشعبي: رأيت قبور الشهداء جُثًى مسنَّمة
(1)
.
وأما بعد ذلك؛ فقد وقع بعض ما تزعم، فكان ماذا؟ !
[ص 109] أيكون ذلك ناسخًا لما ثبت بالشرع عن صاحب الشرع، إذًا فَمِن الشرع أن يُسبّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ لأنه دام سبه على المنابر عشرات من السنين؟ ومن الشرع أن يُشْرَب الخمر ويُخْتلى بالأجنبيات؟ فقد استمر ذلك شائعًا في آخر ملك الأمويين، وملك العباسيين، وبعدهم، في أشياء يطول تعدادها.
فأما دعوى الإجماع؛ فسيأتي دحضها في الفصل الثالث
(2)
، إن شاء الله تعالى.
ثم ذكر شيئًا رواه البناني
(3)
(واضع) أهل الحجاز، إن لم يكن كذبًا فليس في الدنيا كذب، ولولا أنني طالعت الرسالة بنفسي لما صدَّقتُ أن
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
كذا، وقد مرّ بعض ذلك. انظر (ص 111، 113) وانظر المسوّدة (ص 37، 59).
(3)
كذا في الأصل في الموضعين، وفي رسالة الصدر "البنائي"، وقد ورد بغير ذلك، وفي مصادر الرافضة التي ذكرت روايته:"أبو عامر الساجي واعظ أهل الحجاز". انظر "وسائل الشيعة"(باب 26 من كتاب المزار)، و"تهذيب الأحكام" للطوسي:(6/ 22، رقم 50، 189). ومع أن هذا الساجي لا يُعرَف إلا أن الراوي عنه "عمارة بن زيد" أشد جهالة منه بل لا وجود له، فقد اختلقه الراوي عنه وهو عبد الله بن محمد البلوي؛ إذ سألوه: مَن عمارة هذا الذي تروي عنه؟ فقال: رجلٌ نزل من السماء فحدّثني ثم عَرَج! انظر "معجم رجال الحديث"(8681) للخوئي.
أقول: وقد كتب المؤلف (واضع) بين هلالين تهكّمًا باللقب الذي ذكروه به (واعظ أهل الحجاز)!
عاقلًا يورد مثل ذلك بمعرض الاستدلال.
ثم قال: قال في "المنهج": "والأصل في بناء القبور وتعميرها ما رواه البناني واعظ أهل الحجاز" اهـ .
أقول: فيا له من أصل! من أراد الاطلاع على تلك الرواية، فلينظرها في رسالة حسن صدر الدين الكاظمي
(1)
.
ثم قال: "
…
إن في الآثار القائمة حول قبور الأنبياء السابقين، كقبر دانيال النبي في شوشتر
(2)
، وقبر هود وصالح ويونس وذي الكفل ويوشع في بابل والقرى
(3)
، وكقبور الأنبياء المدفونين عند البيت المقدس، بل في بناء الحِجْر على قبر إسماعيل وأمه هاجر لأكبر دليل على أن اهتمام الأمم السالفة في تعظيم مراقد أنبيائهم، لم يكن بأقل من اهتمام المسلمين في تعظيم مرقد نبيهم ومراقد أوليائهم" اهـ.
أقول: هذا كله خبط، فقد ذكر العلماء رحمهم الله أنه لا يثبت العِلْم بموضع قبر نبيٍّ غير نبينا صلى الله عليه وآله وسلم.
(1)
كتب المؤلف قبلها: "الرد على الوهابية" ثم ضرب عليها. والكاظمي: حسن بن هادي الحسيني المعروف بالسيد حسن الصدر، من علماء الرافضة، له تصانيف كثيرة قيل: تجاوزت المئة، منها هذه الرسالة المشار إليها. (ت 1354). انظر "الأعلام":(2/ 224) للزركلي.
(2)
هي مدينة (تُسْتَر). انظر "معجم البلدان": (2/ 29).
(3)
هو وادي القرى، بين الشام والمدينة، بين تيماء وخيبر، وفيه قرى كثيرة، وكانت قديمًا منازل ثمود وعاد
…
انظر "معجم البلدان": (4/ 338).
قال العلامة الشيخ محمد [بن] الجزري: "لا يصح تعيين قبر نبيّ غير نبينا عليه السلام، نعم، سيدنا إبراهيم عليه السلام في تلك القرية، لا بخصوص تلك البقعة" انتهى. "الموضوعات"
(1)
لعلي قاري.
قال علي قاري: "ودُفِنَ بمكَّة كثير من الصحابة الكرام، أما مقابرهم فغير معروفة كما ذكره الأعلام، حتى قبر خديجة إنما بُني على ما وقع [ص 110] لبعضهم من المنام، ثم اختلفوا في مكان مولده عليه السلام، وإن اشتهر عند أهل مكة بالموضع المعروف عند الأنام.
أما ما أحدثوا من مواليد أبي بكر وعمر رضي الله عنهم، مع عدم ثبوتها، فلا يظهر وجه التبرك بأرضها إلا باعتبار مآل أمرهم" اهـ.
أقول: وقال ابن كثير في تفسيره
(2)
في سورة الكهف: وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لما وُجِد قبر دانيال في زمانه بالعراق أمر أن يُخْفَى عن الناس، وأن تدفن تلك الرُّقعة التي وجدوها عنده فيها شيءٌ من الملاحم، وغيرها".
أقول: قوله: "أمر أن يُخْفَى عن الناس" ذُكِر أنه أمر بحفر ثلاثة عشر قبرًا، وأن يُدْفن في أحدها ليلًا، وتُطْمَس القبور كلها.
ويكفينا تكذيب ما زعمه الكاتب من أن قبور الأنبياء معروفة كما مر.
فأما بناء الأمم السابقة؛ فقد ثبت بالسنة المتواترة أن من كان قبلنا كانوا إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بنوا على قبره مسجدًا، وثبت في
(1)
(ص 385) وما بين المعكوفين منه.
(2)
(5/ 2153).
الحديث: "لتتبعنَّ سَنَن من كان قبلكم
…
"
(1)
إلخ.
ولكن إقرار الصدر الأول لبناءٍ على قبرٍ مردودٌ لا يثبت منه شيءٌ أصلًا، لا في بابل، ولا في القرى، ولا بيت المقدس، ولا غيره.
وقد علمتَ مما مر تكذيب زعمه أن قبر إسماعيل وأمه في الحِجْر، ويكذِّبه أن الحِجْر من البيت كما ثبت في الصحيح
(2)
، فكيف يستجيز إسماعيل أن يَدْفِن أمه في جوف الكعبة؟ سبحانك هذا بهتان عظيم! !
ثم قال: "إنه يقاس التسريج على القبور باتخاذ الحليّ للكعبة".
فيقال له: وكذا يُصلَّى إلى القبور، ويطاف بها، ويُحجّ إليها، وغير ذلك من مزايا الكعبة، يصنع مثله بالقبور قياسًا! ! ولا يضر مجيء النصوص بعدم استقبال القبور [ص 111] كما لا يضر مجيء النصوص بتسوية القبور، وعدم تمييز بعضها؟ ! !
(1)
أخرجه البخاري رقم (3456)، ومسلم رقم (2669) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(2)
أخرجه البخاري رقم (1584)، ومسلم (1333) من حديث عائشة رضي الله عنها.
[ص 112] آية الكهف
(1)
توهَّم قومٌ أن هذه الآية تدلّ على الجواز، فتشبث بها بعض من لا علم له بالسنة من المتأخرين.
وأجاب قومٌ: بأن المسجد إنما اتُّخِذَ خارجًا عن الكهف، وحملوا قوله:{عَلَيْهِمْ} على المجاز، واختاروا جواز مثل هذا.
وقال آخرون: لا مانع من أن يكونوا اتخذوا المسجد على الفتية أنفسهم، ولكن ليس في الآية ما يدل على الجواز، وتفصيل الكلام على هذا يطول.
فالأولى بنا أن ننقل ما ظفرنا به من تفسير سلف هذه الأمة أولًا، ثم نتكلم بما فتح الله به علينا.
فأقول: قال ابن جرير
(2)
: "يقول جل ثناؤه: قال القوم الذين غلبوا على أمر أصحاب الكهف لنتخذنَّ عليهم مسجدًا.
وقد اختلف في قائلي هذه المقالة؛ أهم الرهط المسلمون، أم هم الكفار".
ثم أسند عن ابن عباس قال في قوله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا
…
} قال: "يعني عدوهم".
(1)
(2)
تفسيره: (15/ 217).
وأسند عن عبد الله بن عبيد بن عُمير قال: "عمَّى الله على الذين أعثرهم على أصحاب الكهف مكانهم، فلم يهتدوا، فقال المشركون: نبني عليهم بنيانًا، فإنهم أبناء [ص 117] آبائنا، ونعبد الله فيها، وقال المسلمون: نحن أحق بهم، هم منا، نبني عليهم مسجدًا نصلي فيه، ونعبد الله فيه".
وفي "الدر المنثور"
(1)
: وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ} قال: "هم الأمراء"، أو قال:"السلاطين".
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جُبير قال: "بنى عليهم الملك بيعة، فكتب في أعلاها: أبناء الأراكنة أبناء الدهاقين".
أقول: ولا تصح القصة التي فيها أن الملك كان مؤمنًا صالحًا.
وقال ابن كثير
(2)
: "حكى ابن جرير في القائلين ذلك قولين: أحدهما: أنهم المسلمون منهم. والثاني: أهل الشرك. فالله أعلم.
والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ، ولكن هل هم محمودون، أم لا؟ فيه نظر؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لعن الله اليهود والنصارى
…
"
(3)
.
وقد رُوِّينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لما وجد
(1)
(4/ 392).
(2)
تفسيره: (15/ 2153).
(3)
سبق تخريجه.
قبر دانيال في زمانه بالعراق، أمر أن يُخْفى عن الناس، وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدوها عنده فيها شيءٌ من الملاحم".
والحاصل: أن السلف مختلفون في تفسير الآية، ولم يثبت من النقل شيءٌ تقوم به الحجة.
فالمتعيِّن علينا تحليل الآية نفسها، وإنعام النظر فيها، ليتبين الحق إن شاء الله تعالى.
قال عز وجل: {إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ} .
فدل على تنازعٍ كان بين القوم في أمر الفتية، ولابد في التنازع من الانقسام.
ثم قال تعالى: {فَقَالُوا} فدل الإتيان بالفاء أن ما بعدها تفصيلٌ لما قبلها، وهو التنازع، وإذا كان التنازع لابد فيه من الانقسام، كان الظاهر أن يكون بعد الفاء ذِكْر قول كلٍّ من الفريقين على حِدَة، كما يقول:"تنازع الفقهاءُ هذا الحكمَ، فقال فريق: يجب، وقال فريق: لا يجب".
فلذلك تعين أن يحمل قوله: {فَقَالُوا} على أنه قول أحد من الفريقين، وأُسْنِد إلى ضمير الجمع مجازًا؛ لأن للقائلين مزية أقيموا لأجلها مقام الجميع، ويؤيد ذلك قولهم:{ابْنُوا} . فلو كان القائلون هم الجميع، لكان الأمر خلاف الظاهر، إذ هو أمرٌ لأنفسهم، ولو أريد: قال بعضهم لبعض، لكان الظاهر أن يصرح به، فكأنه قال ــ والله أعلم ــ فقال الفريق المختار:{ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ} .
[ص 113] فإن قيل: فما معنى قوله: {رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ} ؟
قلت: الذي يعطيه السياق أن الفتية بعد أن رآهم القوم، واستخبروهم، وتقررت الآية، رجعوا إلى مضجعهم في الكهف، وعاد الرُّعب الذي في قوله تعالى:{لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} [الكهف: 18].
فبقي القوم متحَيِّرين لا يدرون أماتوا أم ناموا، ولا يمكنهم الدخول إليهم لمكان الرعب، ثم تنازعوا فيما يصنعون، فقال الفريق الأول:{ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ} أي: أماتوا أم عادوا إلى نومهم؟
ولا يصح أن يقال: إن المراد: ربهم أعلم بهم، مَنْ هُم، وممن هم؟ لأن الظاهر أنهم اجتمعوا بالقوم، وقصّوا عليهم قصتهم، لتتقرر الآية التي هي المقصود من الإعثار عليهم، أعني: قوله تعالى: {لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا} .
فإن قلت: فإذا كان دخول الكهف ممنوعًا، فكيف يقولون:{ابْنُوا عَلَيْهِمْ} ؟
قلت: المراد بالبناء عليهم البناء لسد باب الكهف، بقرينة ما تقدم.
فإن قلت: فما وجه النزاع؟ فهل أبى الفريق الآخر سد باب الكهف؟
قلت: أرادوا ــ والله أعلم ــ أن يبنوا المسجد عند باب الكهف، بحيث يكون جداره سادًّا لباب الكهف.
فالفريق الأول يقولون: ابنوا جدارًا نسدُّ به باب الكهف.
والفريق الآخر قالوا: بل نبني مسجدًا يكون جداره سادًّا لباب الكهف.
[ص 114] إذا تقرر هذا، فقد اختلف المفسرون مَن المحمودُ من الفريقين؟
وقبل أن نفيض في ذلك ينبغي أن تعلم أنه ليس بيدنا دليلٌ صحيحٌ عن أن الملك كان من أهل الحق، بل ولا على أن القوم الذي أعثروا على الفتية كان بعضهم كفارًا كفرًا صريحًا، وإنما في الآية قوله تعالى:{لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا} .
وهذا ليس بصريح الدلالة على أن فيهم من شك، فضلًا عن الدلالة على أن فيهم من يكذب، وقد قال الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ
…
ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المائدة: 94 - 97].
نعم، الظاهر من إظهار الله عز وجل لتلك الآية أن يكون في أولئك القوم من يخالجه الشك في البعث، هذا أقصى ما تدل عليه الآية.
إذا علمت هذا، فأصغ لما يَرِدُ عليك:
فقال بعض المفسرين: الفريق الصالح هو الثاني، بدليل عزمهم على اتخاذ المسجد.
وفي هذا الاستدلال نظر؛ لأنه لم يثبت لدينا أن الفريقين كان أحدُهما مؤمنين، والآخرُ كفارًا مصرِّحين بالكفر حتى ينتفي عنهم العزم على اتخاذ المسجد، فقد يكون الفريقان كلاهما من المسلمين، ولكن أحدهما أهل علم وهدى، والآخر أهل جهل وضلال.
وعليه، فليس أهل العلم والهدى بأحق من الآخرين باتخاذ المسجد، بل الأمر بالعكس كما لا يخفى.
[ص 115] وقال قوم: بل الفريق الأول هو المحمود. وهذا هو الصحيح، ولنا عليه أدلة:
1 -
أن الله عز وجل أقام الفريق الأول مُقام الجميع، بقوله:{فَقَالُوا} ، وهذا لا يكون إلا لمزية، كما تقدم. ولا تكون المزية ههنا إلا دينية؛ لأمرين:
الأول: أن الباري عز وجل اعتبر هذه المزية، حيث جاء في كلامه العزيز إقامة الفريق الأول مقام الجميع لأجلها، وهذا يشعر بأنها محبوبة له عز وجل.
الثاني: أن المزية الدنيوية إنما هي القوة، وقد أثبتها الله عز وجل للفريق الثاني بقوله:{الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ} . فتعين أن تكون مزية الفريق الأول دينية، فهم أهل العلم والهدى.
2 -
أن الله عز وجل حكى من قول هذا الفريق الأول قولهم: {رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ} .
وهذه كلمة عظيمةٌ، يشم منها نفحات الإيمان، وتلوح منها لمحات العلم والإيقان.
3 -
أن الله تبارك وتعالى قدَّم الفريق الأول في الذكر، والتقديم يُشْعِر بمزية للمقدَّم، وقد علمت أن المزية ليست بدنيوية، فتعين كونها دينية.
4 -
أنه جلّ ذكره قال في ذِكْر الفريق الثاني: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ
…
}.
فأشعر أن الحامل لهم على هذا العزم هو الغلبة [ص 116] على ما قرره بعض علماء البيان في باب المسند إليه في مجيئه موصولًا؛ للإيماء إلى وجه بناء الخبر
(1)
، كما في قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60].
واعتراض السعد عليه إنما هو لتفسيره الإيماء بما ذكر لا على نفس المعنى.
وقرَّره علماءُ الأصول في مسالك العلة، بقولهم:"إن ربط الحكم بالمشتق مؤذنٌ بعِلِّية ما منه الاشتقاق"
(2)
. وهو في الموصول أوضح.
والغالب أن الغلبة تكون سببًا للبَطَر والبغي والعدوان، ويعيِّنه أنه لو كان فعلهم محمودًا لرتَّبَه على وصفٍ ظاهر المناسبة للخبر.
إذا تأملت هذه الأوجه، وأنعمتَ النظر، علمت أن الآية تدل بنفسها على أن الفريق الأول هو المحمود، والفريق الثاني هو المذموم.
فالفريق الأول متمسِّكون بعهد نبيهم، واقفون عند حده.
والفريق الثاني أهل جهل وغُلوّ وعدوان، يشرعون ما لم يأذن به الله تعالى، ويحسبون أنهم يحسنون صنعًا.
فهذه دلالة الآية بنفسها، قد علمت حقيقتها، ثم ضمّ إلى ذلك دلالة
(1)
انظر "التلخيص ــ بشرح البرقوقي": (ص 60)، و"المطوّل":(ص 74).
(2)
انظر "البحر المحيط": (5/ 201) للزركشي، و"التحبير شرح التحرير":(7/ 3349 - 3350) للمرداوي.
قوله عز وجل: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} [الجن: 18]. وقد تقدمت
(1)
.
ثم عزِّزها بدلالة السنة المتواترة: بلعن اليهود والنصارى، واشتداد غضب الله عليهم؛ لاتخاذهم قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد
(2)
.
وهذا يتناول القوم الذي أعثروا على الفتية، إن كانوا نصارى أو يهودًا، وكذلك إن كانوا من أمةٍ أقدمَ من اليهود؛ لأن ظاهر الأدلة أن هذا الفعل لم يزل محظورًا.
وظاهرٌ أن الباري تبارك وتعالى قصَّ علينا هذه القصة ليرشدنا إلى أن نقتدي بالفريق الواقف عند حدِّه، المتمسِّك بعهده، ويحذرنا من أن نفعل ما فعل الفريق الآخر من الغلوّ في الدين، وشَرْع ما لم يأذن به الله، والافتراء عليه.
[ص 119] وقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مثل فعلهم، وأخبرنا بأننا سنتبع سَنَنهم، وبشَّرنا أنه لا تزال طائفة مِنَّا قائمة على الحق، لا يضرهم من ناوأهم.
فنسأل الله عز وجل أن يجعلنا من طائفة الحق، ويثبِّت قلوبنا على دينه، ويهدينا لما اخْتُلِف فيه من الحق بإذنه، إن سميع مجيب.
وقد كنتُ كتبتُ سلسلةً من التسليمات الجدلية، وبيان الجواب عنها
(3)
، ثم رأيت الأمر أوضح من ذلك، كما لا يخفى على من له بصيرة.
والله أعلم.
(1)
لم يتقدم شيء هنا في المبيّضة، وقد تكلّم المؤلف عليها في "المسوّدة"(ص 21).
(2)
والأحاديث في ذلك في الصحيحين وغيرهما عن عدد من الصحابة.
(3)
يعني في النسخة الأولى للكتاب (المسوّدة) انظرها (ص 18 - 19).
الخاتمة
(1)
(1)
هكذا في الأصل عنوان لم يكتب تحته شيء. وانظر المقدمة (ص 20).