المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ حال أبي الزبير - عمارة القبور في الإسلام - المبيضة - ضمن «آثار المعلمي» - ٥ أ

[عبد الرحمن المعلمي اليماني]

الفصل: ‌ حال أبي الزبير

[ص 71]

‌ حال أبي الزبير

(1)

قال الشافعي: "يحتاجُ إلى دِعامة". ومعنى ذلك أنَّ فيما انفرد به نكارة.

وقال أبو زُرْعة وأبو حاتم: "لا يحتج به". وهذه الكلمة من المرتبة التي تلي أخفّ مراتب الجرح، وصاحبها صالح للمتابعة.

وقال شعبة: رأيته يَزِنُ ويسترجح في الميزان.

وأجاب عن هذه ابن حبان بأن ذلك لا يقتضي الترك.

أقول: وغاية هذا المنافاة لكمال المروءة، وليس ذلك بجرح.

وروى عنه سويد بن عبد العزيز أنه قال: لا يحسن يصلي.

وسويد ضعيف.

وقال: بينا أنا جالس عنده، إذا جاء رجل فسأله عن مسألة، فردَّ عليه، فافترى عليه، فقلت له: يا أبا الزبير، أتفتري على رجلٍ مسلم؟ قال: إنه أغضبني. قلت: ومن يغضبك تفتري عليه؟ لا رويتُ عنك حديثًا أبدًا.

أقول: الافتراء حقيقته مطلق الكذب، ولكن ظاهر السياق أنه سَبَّه، والافتراءُ إذا أُطْلِق في حكاية السبّ، فالظاهر أنه أُريد به القذف، والقذف كبيرة تُسقط العدالة.

وجوابه:

(1)

ترجمته في "تهذيب الكمال": (6/ 503)، و"تهذيب التهذيب":(9/ 440)، و"إكمال تهذيب الكمال":(10/ 336)، و"ميزان الاعتدال":(5/ 162).

ص: 77

1 -

أن الافتراء ليس نصًّا في القذف، فقد يُراد به مطلق السبّ، ولاسيما إذا كان شنيع اللفظ، كالإعضاض.

وعليه، فقد يكون السائل أساء الأدب، فأعضَّه أبو الزبير. وفي الحديث:"من تعزَّى بعزاء الجاهلية، فأعِضُّوه بِهَنِ أبيه، ولا تكنوا"

(1)

.

2 -

على تسليم أن شعبة أراد بها القذف، فلم يبين لفظ أبي الزبير. فيحتمل أنه قال كلمةً يراها شعبة قذفًا، وغيره لا يوافقه، ولهذا قال الفقهاء: إذا قال الشاهد [ص 72]: أشهد أن فلانًا قذف فلانًا، لم يُقبل حتى يفسِّر.

ولا يَرِد على هذا قول شعبة: فقلت له: أتفتري

إلخ. وسكوت أبي الزبير عن نفي ذلك؛ لأن شعبة قد يكون إنما قال له: أتقول هذا لرجل مسلم. ثم روى بالمعنى في رأيه. أو يكون أبو الزبير ترك نفي ذلك؛ لأنه على كلِّ حال قد أخطأ، فرأى الأولى الاعتذار بأنها كلمة جرت على لسانه لشدة الغضب، وهذا عذرٌ صحيحٌ، كما سيأتي إن شاء الله.

3 -

على تسليم أنه قَذْف صريح، فقد يكون أبو الزبير مُطَّلعًا أن ذلك هو الواقع، وسكت عن ذكره لشعبة؛ لأنه على حال مما لا يليق، وإنما جرى على لسانه لشدة الغضب.

ويُستأنس لهذه الوجوه بأنه لو كان القذف صريحًا، والمقذوف بريئًا، لذهب فشكاه إلى الوالي، والحدودُ يومئذٍ قائمة.

(1)

أخرجه أحمد رقم (21218)، والنسائي في "الكبرى" رقم (8813)، والبخاري في "الأدب المفرد" رقم (1000)، وابن حبان رقم (3153)، وغيرهم من حديث أُبي بن كعب رضي الله عنه. انظر "السلسلة الصحيحة"(269).

ص: 78

4 -

على كل حال، فقد أجاب أبو الزبير عن نفسه بقوله:"إنه أغضبني" أي: فلشدة الغضب جرت على لسانه ــ وهو لا يشعر ــ كلمة مما اعتاد الناس النطق به.

وقد جاء في الحديث: "لا طلاق في إغلاق"

(1)

، وفُسِّر بشدة الغضب.

وقال الله عز وجل: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} [المائدة: 89].

وقال جل ذكره: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 5].

وفي حديث مسلم

(2)

عن أنس مرفوعًا: "لله أشدّ فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم

ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. أخطأ من شدَّة الفرح".

5 -

قال الذهبي في "الميزان"

(3)

في ترجمة ابن المديني: "ثم ما كلّ مَنْ فيه بدعة، أو له هَفْوة أو ذنوب يُقْدَح فيه بما يوهن حديثه، ولا من شَرْط الثقة أن يكون معصومًا من الخطايا والخطأ". اهـ.

(1)

أخرجه أحمد رقم (26360)، وأبو داود رقم (2193)، وابن ماجه رقم (2046)، والحاكم:(2/ 198)، والبيهقي:(7/ 357). وصححه الحاكم على شرط مسلم، وتعقبه الذهبي بأن فيه محمد بن عبيد ضعَّفه أبو حاتم ولم يحتج به مسلم. وانظر "الإرواء":(2047).

(2)

رقم (2744).

(3)

رقم (4/ 61).

ص: 79

وفي "إرشاد الفحول"

(1)

للشوكاني (ص 49): [ص 73] قال ابن القُشَيري: والذي صحَّ عن الشافعي أنه قال: في الناس من يَمْحَض الطاعةَ، فلا يمزجها بمعصية، و [لأن]

(2)

في المسلمين من يَمْحَض المعصية ولا يمزجها بالطاعة، فلا سبيل إلى ردّ الكل، ولا إلى قبول الكل، فإن كان الأغلب على الرجل من أمره الطاعة والمروءة، قُبِلت شهادته وروايته، وإن كان الأغلب المعصية وخلاف المروءة، ردَدْتهما"

(3)

اهـ .

وفيه من جملة كلام عن الرازي: "والضابط فيه: أن كل ما لا يؤمن مِن

(4)

جراءته على الكذب، ترد الرواية، وما لا، فلا" اهـ .

وفيه: قال الجويني: "الثقة هي المعتمد عليها في الخبر، فمتى حصلت الثقة بالخبر قُبِل" اهـ .

أقول: وهذا هو المعقول، وعليه الأئمة الفحول، فإن الحكمة في اشتراط العدالة في الراوي هي كونها [مانعة له] عن الكذب، فيقوى الظن بصدقه. فإذا جرت منه هفوة لا تخدش قوَّة الظن بصدقه، لم تخدش قبول روايته.

[ص 74] والحاصل: أن تلك الكلمة التي جرت على لسان أبي الزبير بدون شعوره لشدة غضبه، لا ينبغي أن يُهْدَر به مئات الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع التحقُّق بكمال صدقه، وحفظه،

(1)

(1/ 264 ــ دار الفضيلة).

(2)

زيادة من ط المحققة.

(3)

الأصل: "رددتها" والمثبت من المحققة.

(4)

المحققة: "معه".

ص: 80

وضبطه، وتَحَرِّيه، وإتقانه.

6 -

والظاهر من حاله، وما ثبت لدى جمهور الأئمة من عدالته، أنه تاب عنها في الوقت، وإن كانت إنما جرت على لسانه بدون شعور.

ويلوح لي أن بعض أعدائه، بل أعداء الدين دسوا إليه ذلك السائل ليرصده، حتى إذا كان شعبة عنده جاء فأغضبه، ابتغاء أن يسبق لسانه بكلمة ينقمها عليه شعبة، وقد كان كذلك.

ولكن حيلتهم لم تطفئ نورَ الله في صدر أبي الزبير، فاعتمده جمهور الأئمة الأعلام، واحتجوا به.

[ص 75] توثيق الأئمة له نقلًا عن كتب الفن:

ابن المديني: ثقة ثبت.

ابن عون: ليس أبو الزبير بدون عطاء بن أبي رباح.

يعلى بن عطاء: كان أكمل الناس عقلًا وأحفظهم.

عطاء: كنا نكون عند جابر فيحدثنا، فإذا خرجنا تذاكرنا، فكان أبو الزبير أحفظنا.

ابن معين والنسائي وغيرهما: ثقة.

ابن عدي: هو في نفسه ثقة، إلا أن يروي عنه بعض الضعفاء، فيكون الضعف من جهتهم.

عثمان الدارمي: قلت ليحيى: فأبو الزبير؟ قال: ثقة. قلت: محمد ابن المنكدر أحب إليك، أو أبو الزبير؟ فقال: كلاهما ثقتان.

ص: 81

وممن وثّقه مالك، فإنه روى عنه، ولا يروي إلا عن ثقة.

وأحمد والساجي وابن سعد وابن حبان.

وقال الذهبي: هو من أئمة العلم، اعتمده مسلم، وروى له البخاري متابعة.

والظاهر أن الموثِّقين اطلعوا على قصة شعبة، واطلعوا على ما يدفع ما فيها من الإيهام، وفيهم ابن معين والنسائي وابن حبان، وحسبك بهم تعنُّتًا مع أن معهم بضعة عشر إمامًا.

وسيظنّ ظانون أنه ما حدانا إلى الدفاع عن أبي الزبير، إلا حرصنا على صحة حديثه هذا، فليعلموا أن الحجة قائمة بدونه مما مضى، وما سيأتي.

وأنّ رواية أبي الزبير ليست قاصرة على هذا الحديث [ص 76] فدفاعنا عنه هنا يلزمنا أن نقبله لنا وعلينا، وهذا مما يلزمناه الحق نفسه. والله أعلم.

وقد صرح ابن جُريج بالسماع من أبي الزبير، وأبو الزبير بالسماع من جابر في رواية الإمام أحمد ومسلم، فزال ما يُخْشَى من تدليسهما، لكن الروايات التي فيها النهي عن الزيادة والكتابة كلها عنعنها ابن جريج.

وأما قول الذهبي في "الميزان"

(1)

في ترجمة أبي الزبير: "وفي صحيح مسلم عدة أحاديث فيما لم يوضح فيها أبو الزبير السماع عن جابر، ولا هي من طريق الليث، ففي القلب منها، فمن ذلك:

وحديث النهي عن تجصيص القبور، وغير ذلك" اهـ .

(1)

(5/ 164).

ص: 82

فإنما أراد رواية أيوب التي فيها النهي عن تقصيص القبور فقط، فلم يثبت التصريح بالتحديث فيها، ومسلم إنما ساقها متابعة. والله أعلم.

* * * *

ص: 83