المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌لما مات الحسن بن الحسن بن علي، ضربت امرأته القبة على قبره - عمارة القبور في الإسلام - المبيضة - ضمن «آثار المعلمي» - ٥ أ

[عبد الرحمن المعلمي اليماني]

الفصل: ‌لما مات الحسن بن الحسن بن علي، ضربت امرأته القبة على قبره

[الأحاديث والآثار الواردة في مسألة البناء على القبر]

[ص 49] البخاري في "صحيحه"

(1)

تعليقًا: "‌

‌لما مات الحسن بن الحسن بن علي، ضربت امرأته القبة على قبره

سنةً، ثم رُفِعت، فسمعت صائحًا يقول: ألا هل وجدوا ما فقدوا، فأجابه آخر: بل يئسوا فانقلبوا".

أقول: علقه البخاري بصيغة الجزم، وقد قالوا: إن ما كان كذلك فهو محمولٌ على أنه صحَّ لديه في الجُمْلة، أي: إما على شرطه، وإما على شرط غيره على الأقل. وفي هذا إجمالٌ، فإن من الأئمة الذين يصدق عليهم أنهم "غيره" من يتساهل في التصحيح.

ومع هذا فقد يصحح أحدهم لمن يكذّبه غيره، فلا بدّ من النظر في رجال السند، وقد راجعنا "فتح الباري"

(2)

، فذكر فيه ما لفظه (جزء 3/ ص 161):"أي: الخيمة، فقد جاء في موضع آخر بلفظ: "الفُسْطاط" كما رُوّيناه في الجزء السادس عشر من حديث الحسين بن إسماعيل بن عبد الله المحاملي ــ رواية الأصبهانيين عنه ــ. وفي كتاب ابن أبي الدنيا، في "القبور"

(3)

، من طريق المغيرة بن مِقْسَم قال: لما مات الحسن بن الحسن ضربت امرأته على قبره فُسطاطًا، فأقامت عليه سنة، فذكر نحوه". اهـ.

[ص 50] ولا ندري ما حال السندَين، إلا أن المغيرة بن مِقْسَم كان أعمى ومدلسًا.

(1)

في كتاب الجنائز، باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور (2/ 88 ــ ط الميرية).

(2)

(3/ 238).

(3)

لم أجده في المطبوع منه، والمطبوع فيه نقص. وهو في "هواتف الجان" له (131).

ص: 45

وقد ذكر البخاري هذه القصة في باب ما يُكره من اتخاذ المساجد على القبور، قال في "الفتح"

(1)

: "ومناسبة هذا الأثر لحديث الباب أن المقيم في الفُسطاط لا يخلو عن الصلاة هناك، فيلزم اتخاذ المسجد عند القبر، وقد يكون القبر في جهة القبلة، فتزداد الكراهة.

وقال ابن المُنيِّر: إنما ضَربت الخيمةَ هناك للاستمتاع بالميت بالقرب منه، تعليلًا للنفس، وتخييلًا

ومكابرةً للحسّ .... فجاءتهم الموعظة على لسان الهاتِفَيْن بتقبيح ما صنعوا

إلخ.

أقول: تعقبه بعضهم بأن الظاهر أنها إنما ضَربت الخيمةَ للاجتماع لقراءة القرآن.

وهذا مع كونه ممنوعًا أيضًا، مردودٌ بقول الهاتِفَيْن: هل وجدوا ما فقدوا، بل يئسوا فانقلبوا.

فالقصة فيها زراية على زوجة الحسن، وهي كما في "الفتح": فاطمة بنت الحسين بن علي رضي الله عنهم، بل وعلى أهل البيت الموجودين حينئذٍ كلهم.

فالذي عندي أن هذه القصة لا تصح، فإن أهل البيت أعلم بالله عز وجل وأكمل عقولًا، وأثبت قلوبًا، من أن يقع لهم مثل هذه القصة، [ص 51] وفي الحديث:"لعن زوَّارات القبور"

(2)

أي: المكثرات لزيارتها، وضَرْب الخيمة على القبر، والإقامة فيها سَنةً أبلغ من إكثار الزيارة، وأهل البيت أولى من

(1)

(3/ 238).

(2)

سبق تخريجه (ص 43).

ص: 46

يُنَزَّه عن ذلك.

هذا، مع عِلْمنا أن مثل هذا لا تقوم به حُجّة، بل القصة بنفسها في ذِكْر كلام الهاتِفَين تدل على قُبح ذلك الصنع، ولكن رأينا حقًّا علينا الذبّ عن أهل البيت رضي الله عنهم.

* * * *

[ص 52] البخاري في "صحيحه"

(1)

تعليقًا أيضًا، في باب الجريد على القبر:"وقال خارجة بن زيد: رأيتني ونحن شُبّان في زمن عثمان رضي الله عنه، وإن أشدنا وثبةً الذي يَثِبُ قبرَ عثمان بن مظعون حتى يجاوزه".

قال في "الفتح"

(2)

: وقد وصله المصنف في "التاريخ الصغير" من طريق ابن إسحاق.

أقول: قال في "التاريخ الصغير"(ص 23)

(3)

طبعة إله آباد: حدثنا عَمْرو بن محمد ثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عَمْرة الأنصاري قال: سمعتُ خارجةَ بن زيد بن ثابت: رأيتني ونحن غلمان شبان زمن عثمان، وإن أشدّنا وثبةً الذي يَثِبُ قبر عثمان بن مظعون حتى يجاوزه. اهـ.

وقد مر قريبًا

(4)

الكلام على ما يعلقه البخاري بصيغة الجزم، وأنه لا يغني ذلك عن النظر في سنده، وقد علم ههنا سنده، فأقول:

(1)

(2/ 95 ــ ط الميرية).

(2)

(3/ 265).

(3)

"التاريخ الأوسط" رقم (126 ــ ط الرشد).

(4)

(ص 45).

ص: 47

شيخ ابن إسحاق لم أر له ترجمة

(1)

، وابن إسحاق كما تقدم في حديث فَضالة أنه قال الذهبي:"ما انفرد به ففيه نكارة، فإنّ في حفظه شيئًا"

(2)

.

1 -

[ص 53] ولا نعلم أحدًا تابعه في هذا الأثر، ولا ثمَّة قرينة تدل على حفظه، ينجبر بها تفرُّده، ففي الأثر نكارة.

2 -

بل على القول بأنه يفهم منه رفع القبر فوق الشبر شذوذٌ، إذ المعروف المشهور أن القبور لم تكن تُرفع في ذلك العصر.

3 -

بل نفس قبر عثمان بن مظعون، ورد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم [وضع] حجرًا، وقال:"أُعَلِّم به قبر أخي"

(3)

، وأسلفنا أن ذلك يدل أنه لم يرفع عن وجه الأرض.

4 -

ومع ذلك فيبعد جدًّا أن يخرج الشباب من أولاد الصحابة يتواثبون على قبر رجل من أفاضل السابقين، بحيث إنه لا يجاوز القبر إلا أشدهم وَثْبة، وغالبهم تقع وثبته على القبر، مع أن بجواره من قبور أبناء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبر إبراهيم، وغيره.

نعم، قد كان بعض الصحابة والتابعين ــ ومنهم خارجة ــ لا يرون بأسًا بالجلوس على القبور، ولكن أين الجلوس من التوثُّب، وقد كان أبناء الصحابة رضي الله عنهم بغاية التمسّك بالآداب الشرعية، ولاسيما مثل خارجة بن زيد.

(1)

ترجم له البخاري في "التاريخ الكبير": (8/ 284)، وابن حبان في "الثقات"(7/ 603).

(2)

"الميزان": (4/ 395).

(3)

سبق تخريجه (ص 23 - 24).

ص: 48

5 -

[ص 54] وفي "تهذيب التهذيب"

(1)

في ترجمة خارجة: قال ابن نُمَير وعَمْرو بن علي: مات سنة (99). وقال ابن المديني وغير واحد: مات سنة مائة. اهـ.

فالأكثر كما ترى أنه مات سنة مائة.

وقال ابن عساكر في "تاريخه"

(2)

: "الصحيح الذي عليه أكثر الروايات أنه توفي سنة مائة". اهـ.

وذكر قبل ذلك ما لفظه: "وقال العجلي: خارجة مدني

وقال: رأيتُ في المنام كأني بنيتُ سبعين درجة، فلما فرغت منها تهورت

(3)

، وهذه السنة لي سبعون سنة قد أكملتها. فمات فيها" اهـ.

أقول: وقد ذكر هذه القصة ابنُ سعد في "الطبقات"

(4)

من روايته عن الواقدي بسنده، ونقلها عنه ابن خلِّكان

(5)

، فإن صحَّ هذا كان مولده سنة (30). فيكون سِنّه يوم قتل عثمان نحو خمس سنين؛ لأن عثمان قتل سابع ذي الحجة سنة (35)، فكيف يكون من الشبّان زمن عثمان.

(1)

(3/ 95).

(2)

(15/ 395 - 396).

(3)

كذا هنا وفي (المسوّدة ص 31) والتاريخ، وفي بعض المصادر:"تدهورت".

(4)

(7/ 258 ــ ط الخانجي).

(5)

في "الوفيات": (2/ 223).

ص: 49