الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قواعد الجرح والتعديل
إن الكلام في الرواة تعديلاً وتجريحاً ذو شأن كبير، فإن من نتائجه قبول الحديث أو رده، وقبول الحديث معناه قبول ما يفيده من تحليل أو تحريم، أو أمر أو نهي، أو ترغيب أو ترهيب، وإدخال ذلك كله في دائرة الشرع، ثم إن جرح الرواة جرح لا يندمل ويبقى سبة مدى الدهر، فكان لزاماً أن يحاط التعديل والتجريح بسياج من الضوابط والقواعد والآداب تقيه من الزلل والشطط والمحاباة والمغالاة، وتمنع أن يميل صاحبه تأثراً بالحب أو البغض كالصداقة أو القرابة بين الأفراد، أو التنافس والتباغض بين الأقوام.
وإن لهذه القواعد والآداب آثارا كبيرة في مجالات الرواية والشهادة وتقويم الرجال، فإذا كان الكلام في الرواة أو الشهود منضبطاً بتلك القواعد ومتقيدا بها فإنه يكون مَقْبُولا، وإلا كان من قبيل الكلام المهدر الذي لا يلتفت إليه. من تلك القواعد:
1) الجرح واجب عند الحاجة.
أجمع العلماء على أن الجرح ليس بالغيبة المحرمة، بل هو نصيحة يُعرف بها الحق من الباطل ونوع من التدين، وأما تركه مع العلم بخطورته فإثم وخيانة للشرع وأهله. قال الإمام مسلم ((وإنما ألزموا أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث وناقلي الأخبار وأفتوا بذلك حين سئلوا لما فيه من عظيم الخطر، إذ الأخبار في أمر الدين إنما تأتي بتحليل، أو تحريم، أو أمر، أو نهي، أو ترغيب، أو ترهيب، فإذا كان الراوي ليس لها بمعدن للصدق والأمانة، ثم أقدم على الرواية عنه مَنْ قد عرفه، ولم يبين لغيره مِمَّنْ جَهِلَ معرفته، كان آثما
بفعله ذلك، غاشا لعوام المسلمين.)) (1)
وقال الإمام الذهبي في حديث: ((من يحمل رايتك يوم القيامة؟ قال: الذي حملها في الدنيا: علي)) : وقد رواه ابن مردويه من طرق في أمثاله، وما بَيَّنَ بطلانها، إن هذه لخيانة وقلّة وَرَع. (2) وقال أيضا:((كلام الناقد الورع في الضعفاء من النصح لدين الله، والذَّبَّ عن السنة.)) (3)
ولكن العلماء لم يجوزوه مطلقا، وإنما ربطوه بالحاجة الداعية إليه، ولذلك اشترطوا فيه حسن النية وأن يكون خالصا لله تعالى، وكل ما كان بسبب عداوة أو حسد أو تفكه بأعراض الناس أو جريان مع الهوى أو غير ذلك من حظوظ النفس فإثم محرم وإن حصلت به المصلحة بعد ذلك. قال الإمام الشافعي:"من أبغض الرجل لأنه مِنْ بني فلان، فهو متعصب مردود الشهادة".
2) لا يجوز الجرح بما فوق الحاجة.
إذا كان جرح الرواة جائزا دفعا للاعتزاز بهم، بل واجبا للحاجة وضرورة شرعية، فإنه مع ذلك لا يجوز إذا كان زائدا عن الحاجة فمن أمكنه الجرح بالإشارة المفهمة أو بأدنى تصريح لا تجوز له الزيادة على ذلك، فالأمور المرخص بها للحاجة لا يُرتقى فيها إلى زائد على ما يحصل به الغرض
3) لا يجوز نقل الجرح فقط فيمن وُجِدَ فيه الجرح والتعديل.
التعديل والتجريح شهادة من الناقد يلزمهما الصدق والتحري والإنصاف، فلا يجوز أن يصدر تعديل أو تجريح يحكمهما الهوى أو المحاباة
(1) مقدمة صحيح مسلم 1/28.
(2)
ترتيب الموضوعات الكبرى ص 187.
(3)
سير أعلام النبلاء 3/228.
ونحو ذلك، فلا يحل للناقد أن ينقل الجرح فقط فيمن وجد فيه الجرح والتعديل كلاهما فإن ذلك ظلم له: قال الإمام ابن سيرين (110 هـ) : "ظلمت أخاك إذا ذكرت مساوئه ولم تذكر محاسنه"(1) . وقال الإمام الذهبي في ترجمة أبان بن يزيد العطار: "قد أورده العلامة ابن الجوزي في "الضعفاء". ولم يذكر فيه أقوال مَنْ وثَّقه، وهذا من عيوب كتابه يسرد الجرح ويسكت عن التوثيق"(2) .
4) لا يقبل الجرح والتعديل ممن ليست له معرفة بأسبابهما.
اتفق العلماء على عدم قبول الكلام في الرواة الصادر عمن يجهل أسباب الجرح والتزكية، وقال تاج الدين السبكي:"من لا يكون عالما بأسبابهما -أي الجرح والتعديل- لا يقبلان منه لا بإطلاق ولا بتقييد"(3) .
وقال الحافظ ابن حجر: "وينبغي ألَاّ يقبل الجرح والتعديل إلا من عدل متيقظ، فلا يقبل جرح من أفرط فيه فجرح بما لا يقتضيه رد حديث المحدث، كما لا يقبل تزكية من أخذ بمجرد الظاهر فأطلق التزكية"(4) .
5) لا يعدل ويجرح إلا من كان عدلا غير مجروح.
لا يقبل الجرح والتعديل ممن هو مجروح ساقط العدالة، ففي الحديث:"ألا لا تجوز شهادة الخائن ولا الخائنة ولا ذي غمر على أخيه ولا الموقوف على حد". (5)
(1) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب كما نسبه إليه الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية 9/275.
(2)
ميزان الاعتدال 1/9.
(3)
انظر جمع الجوامع 2/112.
(4)
شرح نخبة الفكر ص 41.
(5)
ابن ماجه كتاب الأحكام باب من لا تجوز شهادته.
6) التعديل مقبول من غير ذكر سببه.
هذا على المذهب الصحيح المشهور كما يقول ابن الصلاح، (1) لأن أسبابه كثيرة يصعب ذكرها، فإن ذلك يُحْوِج المعدل إلى أن يقول: لم يفعل كذا لم يرتكب كذا، فيعدد جميع ما يُفَسَّقُ بفعله أو تركه، وذلك شاق جدا.
7) لا يقبل الجرح إلا مفسرا مبين السبب (2) .
والسبب في ذلك يرجع إلى أنه لا يصعب ذكره إذ يجرح الراوي، بالمجرح الواحد. فالراوي قد يكون عدلا، إلا أنه غير متقن مثلا بسبب سوء حفظ أو كثرة غفلة" فيُجرّح بسبب ذلك.
ولا يقبل الجرح إلا مفسرا أيضا لاختلاف الناس فيما يجرح وما لا يجرح. فقد يتكلم بعضهم في الرواة بما لا يوجب الرد تأويلا أو جهلا، فيطلق جرحا مردودا لا يثبت اعتقادا منه أنه مجرح، أو تشدداً منه بحيث يَغْمِز الراوي بالغلطتين والثلاث. (3) فلا بد إذاً من بيان سبب الجرح ليُنظر فيه أهو جائز مقبول أم لا؟.
8) لا يقبل التعديل على الإبهام.
التعديل على الإبهام هو أن يقول القائل: حدثني "الثقة"، أو: "من لا
(1) انظر علوم الحديث ص 106.
(2)
هذا عند تعارض الجرح والتعديل فلابد أن يكون الجرح مفسراً على الراجح كما ذكر الباحث، أمّا إذا خلا المجروح من التعديل، فيقبل الجرح وإن لم يفسّر انظر نزهة النظر/193 وعلوم الحديث لابن الصلاح/106-107 (اللجنة العلمية) .
(3)
انظر تقسيم الإمام الذهبي للنقاد الذين تكلموا في الرواة وذكره لقسم متعنت في الجرح متشدد في التعديل يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث.
أتهم"، من غير أن يُسَمِّيه، وقد وقع ذلك عند العديد من الأئمة كمالك في الموطأ، والشافعي. (1)
هذا التعديل مردود إذا لم يصدر عن إمام من النقاد المجتهدين كمالك والشافعي وأحمد، لأن من أُبْهم وعُدِّل فربما لو ذكر بما يُعرف به كان مِمَّن جَرَّحه غيرُه بجرح قادح، لذلك فإن عدم تسميته سبب في إثارة الشك والريبة حوله، وقد توجب التوقف في قبول حديثه.
9) ليس كل من تُكُلِّم فيه بمجروح
إن مجرد الكلام في الرجل لا يعني أنه مجروح ساقط العدالة، مردود الرواية أو الشهادة، ولو اعتبرنا ذلك لذهب معظم السنة، إذ لم يسلم من كلام الناس إلا من عصمه الله، وما سلم فاضل من طاعن، ولذلك خُرِّج في الصحيحين لخلق ممن تُكُلِّم فيهم منهم جعفر بن سليمان الضبعي، والحارث ابن عبد الله الإيادي، وخالد بن مخلد القطواني وغيرهم.
10) لا يقبل جرح الأقران إلا ببينة وحجة.
امتنع علماء الجرح والتعديل من قبول كلام الأقران بعضهم في بعض، واحتاطوا في تقديم الجرح على التعديل فيما دار بينهم من قدح أو خلاف مذهبي أو غير ذلك.
وقد عقد الحافظ ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم وفضله" بابا لكلام العلماء المتعاصرين بعضهم في بعض (2) .ورأى أن أهل العلم لا يقبل الجرح فيهم إلا ببيان واضح فإذا انضم إلى ذلك عداوة فهو أولى بعدم القبول.
(1) انظر مثلا الرسالة ص 448-450.
(2)
جامع بيان العلم وفضله 2/150 وما بعدها.
11) الجرح (1) مقدم على التعديل ولو كان المعدلون أكثر.
12) لا يجوز جَرْحُ مَنْ لا يُحتاج إلى جرحه.
13) رواية العدل ليست تعديلا لمن روى عنه.
14) عدم العمل بالحديث ليس تجريحا لمن روي عنه.
(1) ولابد من تقييد ذلك "بالجرح المفسّر"،كما تقدم في التعليق على القاعدة رقم (7) . (اللجنة العلمية) .