المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌سورة الجن ثمان وعشرون آية وهي مكية قال القرطبي في قول - فتح البيان في مقاصد القرآن - جـ ١٤

[صديق حسن خان]

الفصل: ‌ ‌سورة الجن ثمان وعشرون آية وهي مكية قال القرطبي في قول

‌سورة الجن

ثمان وعشرون آية وهي مكية قال القرطبي في قول الجميع، عن ابن عباس قال نزلت بمكة وعن عائشة وابن الزبير مثله وتسمى سورة قل أوحي.

ص: 347

بسم الله الرحمن الرحيم

قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2)

ص: 349

(قل) يا محمد للناس (أوحي إليّ) ليعرفوا بذلك وأنك مبعوث إلى الجن كالإنس، ولتعلم قريش أن الجن مع تمردهم لما سمعوا القرآن وعرفوا إعجازه آمنوا قرأ الجمهور أوحي رباعياً وقرىء وحي ثلاثياً وهما لغتان، والمعنى أخبرت بالوحي من الله.

(أنه استمع نفر من الجن) واختلف هل رآهم النبي صلى الله عليه وسلم أم لم يرهم، فظاهر القرآن أنه لم يرهم لأن المعنى قل يا محمد لأمتك أوحي إليّ على لسان جبريل أنه استمع نفر من الجن، ومثله قوله (وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن).

ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيح قال " ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن وما رآهم "، وروى ابن مسعود أنه رآهم، ورجحه العلماء والحق صحتهما وإن الأول وقع أولا ثم نزلت السورة، ثم أمر بالخروج إليهم، قال عكرمة والسورة التي كان يقرؤها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي (اقرأ باسم ربك الذين خلق) وقد تقدم في سورة الأحقاف ذكر ما يفيد زيادة في هذا.

والنفر اسم للجماعة ما بين الثلاثة إلى العشرة، قال البغوي كانوا تسعة وقيل سبعة وقد اختلف الناس قديماً وحديثاً في ثبوت وجود الجن فأنكر

ص: 349

وجودهم معظم الفلاسفة، واعترف به جمع منهم وسموهم بالأرواح السفلية، وزعموا أنهم أسرع إجابة من الأرواح الفلكية إلا أنهم أضعف.

وأما جمهور أرباب الملل وهم أتباع الرسل والشرائع فقد اعترفوا بوجودهم، لكن اختلفوا في ماهيتهم وقد نطق الكتاب العزيز والسنة المطهرة بوجودهم فلا اعتداد بمنكريهم، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، قال الضحاك: والجن ولد الجان وليسوا بشياطين، وقال الحسن: إنهم ولد إبليس وقيل هم أجسام عاقلة خفية تغلب عليهم النارية والهوائية، وقيل نوع من الأرواح المجردة وقيل هي النفوس البشرية المفارقة لأبدانها.

وقد اختلف أهل العلم في دخول مؤمني الجن الجنة كما تدخل عصاتهم النار لقوله في سورة تبارك (وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ) وقول الجن فيما سيأتي في هذه السورة (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) وغير ذلك من الآيات، فقال الحسن: يدخلون الجنة وقال مجاهد: لا يدخلونها وإن صرفوا عن النار والأول أولى لقوله في سورة الرحمن.

(لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان) وفي سورة الرحمن آيات غير هذه تدل على ذلك فراجعها، وقد قدمنا أن الحق أنه لم يرسل الله إليهم رسلاً منهم بل الرسل جميعاً من الإنس، وإن أشعر قوله (قد أرسلنا إليكم رسلاً منكم) بخلاف هذا فهو مدفوع الظاهر بآيات كثيرة في الكتاب العزيز دالة على أن الله سبحانه لم يرسل الرسل إلا من بني آدم، وهذه الأبحاث الكلام فيها يطول، والمراد الإشارة بأخصر عبارة، قال ابن مسعود في الآية: كانوا من جن نصيبين.

وقد أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وغيرهم عن ابن عباس " قال انطلق النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا ما لكم، فقيل حيل بيننا وبين خبر السماء

ص: 350

وأرسلت علينا الشهب، قالوا ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها لتعرفوا ما هذا الأمر الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له قالوا هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهناك رجعوا إلى قومهم فقالوا يا قومنا (إنا سمعنا قرآنا عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً) فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم (قل أوحي إليّ أنه استمع نفر من الجن) وإنما أوحي إليه قول الحق.

(فقالوا) لقومهم لما رجعوا إليهم (إنا سمعنا قرآناً) أي كلاما مقروءاً (عجباً) في فصاحته وبلاغته وغزارة معانيه وغير ذلك، وقيل عجباً في مواعظه، وقيل في بركته، وعجباً مصدر وصف به للمبالغة أو على حذف المضاف أي ذا عجب أو المصدر بمعنى اسم الفاعل أي معجباً.

ص: 351

(يهدي إلى الرشد) أي إلى مراشد الأمور، وهي الحق والصواب والإيمان، وقيل إلى معرفة الله والتوحيد، والجملة صفة أخرى للقرآن (فآمنا به) أي صدقنا بأنه من عند الله (ولن نشرك) بعد اليوم (بربنا أحداً) من خلقه ولا نتخذ معه إلهاً آخر لأنه المتفرد بالربوبية، وفيه دليل على أن أولئك النفر كانوا مشركين قيل كانوا يهوداً وقيل كانوا نصارى وقيل مجوساً ومشركين.

وفي هذا توبيخ للكفار من بني آدم حيث آمنت الجن بسماع القرآن مرة واحدة وانتفعوا بسماع آيات يسيرة منه، وأدركوا بعقولهم أنه كلام الله وآمنوا به، ولم ينتفع كفار الإنس لا سيما رؤساؤهم وعظماؤهم بسماعه مراراً متعددة، وتلاوته عليهم في أوقات مختلفة، مع كون الرسول منهم يتلوه عليهم بلسانهم، لا جرم صرعهم الله أذل مصرع وقتلهم أقبح مقتل ولعذاب الآخرة أشد لو كانوا يعلمون.

ص: 351

وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (3) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (4) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (5) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (7)

ص: 352

(وأنه تعالى جد ربنا) قرىء بفتح أن وكذا فيما بعدها وذلك أحد عشر موضعاً إلى قوله (وأنه لما قام عبد الله) وقرىء بالكسر في هذه المواضع كلها إلا في قوله (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ) فإنهم اتفقوا على الفتح، أما من قرأ بالفتح في هذه المواضع فعلى العطف على محل الجار والمجرور في (فآمنا به) كأنه قيل فصدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا الخ.

وأما من قرأ بالكسر في هذه المواضع فعلى العطف على (إنا سمعنا) أي (فقالوا إنا سمعنا قرآنا) وقالوا (إنه تعالى جد ربنا) الخ: واختار أبو حاتم وأبو عبيدة قراءة الكسر لأنه كله من كلام الجن. ومما هو محكي عنهم بقوله (فقالوا إنا سمعنا).

وقرىء بالفتح في ثلاثة مواضع وهي (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا)،

ص: 352

(وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا)، (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ) لأنه من الوحي وكسر ما بقي لأنه من كلام الجن، وقرأ الجمهور (وأنه لما قام عبد الله) بالفتح لأنه معطوف على قوله أنه استمع. وقرىء بالكسر في هذا الموضع عطفاً على (فآمنا به) بذلك التقدير السابق.

واتفقوا على الفتح في (أنه استمع) كما اتفقوا على الفتح في (أن المساجد) وفي (وأن لو استقاموا) واتفقوا على الكسر في (فقالوا إنا سمعنا) وقال إنما أدعو ربي وقل إن أدري وقل إني لا أملك لكم.

والجد عن أهل اللغة العظمة والجلال، يقال جد في عيني أي أعظم، فالمعنى ارتفع عظمة ربنا وجلاله، وبه قال عكرمة ومجاهد وقال الحسن: المراد

ص: 352

تعالى غناؤه ومنه قيل للحظ جد ورجل مجدود أي محظوظ، وفي الحديث " ولا ينفع ذا الجد منك الجد " قال أبو عبيد والخليل أنه لا ينفع ذا الغنى منك الغنى، أي وإنما ينفعه الطاعة، وقال القرطبي والضحاك: جده آلاؤه وعظمته وأمره وقدرته، وقال أبو عبيدة والأخفش: ملكه وسلطانه وقال السدي: أمره وقال سعيد بن جبير.

(وأنه تعالى جد ربنا) أي تعالى ربنا وقيل جده قدرته، وقال محمد بن علي بن الحسن وابنه جعفر الصادق والربيع بن أنس: ليس لله جد، وإنما قالته الجن للجهالة، والجد أيضاًً أبو الأب قرأ الجمهور جد بفتح الجيم وقرىء بكسرها وهو ضد الهزل. وقرىء جدي ربنا أي جدواه ومنفعته وقرىء بتنوين جد ورفع ربنا على أنه بدل من جد.

(ما اتخذ صاحبة ولا ولداً) هذا بيان لتعالى جده سبحانه قال الزجاج: تعالى جلال ربنا وعظمته عن أن يتخذ صاحبة أو ولداً لأن الصاحبة تتخذ للحاجة والولد للاستئناس به، والله تعالى منزه عن كل نقص، وكأن الجن نبهوا بهذا على خطأ الكفار الذين ينسبون إلى الله الصاحبة والولد، ونزهوا الله سبحانه عنهما.

(وأنه كان يقول سفيهنا) أي جاهلنا (على الله شططاً) أي غلواً في الكذب بوصفه بالصاحبة والولد، والضمير في " أنه " للحديث أو الأمر وسفيهنا يجوز أن يكون اسم كان ويقول الخبر، ويجوز أن يكون سفيهنا فاعل يقول، والجملة خبر كان واسمها ضمير يرجع إلى الحديث أو الأمر، ويجوز أن تكون كان زائدة، ومرادهم بسفيههم عصاتهم ومشركوهم.

وقال مجاهد وابن جريج وقتادة: أرادوا به إبليس، عن أبي موسى الأشعري مرفوعاً " قال إبليس "، أخرجه ابن مردويه والديلمي قال السيوطي بسند واه، والشطط الغلو في الغمر، وقال أبو مالك الجور وقال الكلبي الكذب، وأصله البعد عن القصد ومجاوزة الحد.

ص: 353

(وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذباً) أي إنا حسبنا أن

ص: 353