الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة الكوثر
وتسمى سورة النحر هي ثلاث آيات وهي مكية في قول ابن عباس والكلبي ومقاتل ومدنية في قول الحسن وعكرمة ومجاهد وقتادة، وعن ابن عباس وابن الزبير وعائشة أنها نزلت سورة الكوثر بمكة.
بسم الله الرحمن الرحيم
إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)
(إنا أعطيناك الكوثر) قرأ الجمهور هكذا، وقرأ الحسن وابن محيصن وطلحة والزعفراني أنطيناك بالنون قيل هي لغة العرب العاربة أي قضينا لك وخصصناك به فهو لك ولأمتك من قبل وجودك وإن لم تستول عليه وتتصرف فيه إلا في القيامة، فالعطاء ناجز والتمكن والاستيلاء مستقبل، والكوثر فوعل من الكثرة وصف به للمبالغة في الكثرة مثل النوفل من النفل، والجوهر من الجهر، والعرب تسمي كل شيء كثير في العدد أو القدر أو الخطر كوثراً.
فالمعنى على هذا إنا أعطيناك يا محمد الخير الكثير البالغ في الكثرة إلى الغاية، وذهب أكثر المفسرين كما حكاه الواحدي إلى أن الكوثر نهر في الجنة، وقيل هو حوض النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الموقف، قاله عطاء وقال عكرمة الكوثر النبوة، وقال الحسن هو القرآن وقال الحسن بن الفضل هو تفسير القرآن وتخفيف الشرائع.
وقال أبو بكر بن عياش هو كثرة الأصحاب والأمة، وقال ابن كيسان هو الإيثار، وقيل هو الإسلام، وقيل رفعة الذكر، وقيل نور القلب، وقيل الشفاعة، وقيل المعجزات، وقيل إجابة الدعوة، وقيل لا إله إلا الله وقيل الفقه في الدين، وقيل الصلوات الخمس، وسيأتي بيان ما هو الحق.
وعن أنس قال أغفى رسول الله إغفاءة فرفع رأسه متبسماً فقال: " إنه أنزل عليّ آنفاً سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر، حتى ختمها قال هل تدرون ما الكوثر، قالوا الله ورسوله أعلم، قال هو نهر أعطانيه
ربي في الجنة عليه خير كثير، ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته كعدد الكواكب يختلج العبد منهم فأقول يا رب إنه من أمتي فيقال إنك لا تدري ما أحدث بعدك " أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في سننه، وأخرجه أيضاًً مسلم في صحيحه (1).
وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " دخلت الجنة فإذا أنا بنهر حافتاه خيام اللؤلؤ فضربت بيدي إلى ما يجري فيه الماء فإذا مسك أذفر، قلت ما هذا يا جبريل؟ " قال هذا الكوثر الذي أعطاكه الله " أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما (2).
وقد روي عن أنس من طرق كلها مصرحة بأن الكوثر هو النهر الذي في الجنة، وعن عائشة قالت هو نهر أعطيه نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم في بطنان الجنة، وعن ابن عباس أنه نهر في الجنة وعن حذيفة قال " نهر في الجنة " وحسن السيوطي إسناده.
وعن أسامة بن زيد مرفوعاً أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إنك أعطيت نهراً في الجنة يدعى الكوثر فقال أجل وأرضه ياقوت ومرجان وزبرجد ولؤلؤ، هو نهر من أنهار الجنة أعطانيه الله " أخرجه ابن مردويه.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً قال يا رسول الله ما الكوثر؟ قال " هو نهر من أنهار الجنة أعطانيه الله " أخرجه ابن مردويه.
(1) رواه البخاري في " صحيحه " بهذا اللفظ في كتاب الرقاق، باب الحوض 11/ 412 وشك الراوي في آخره، وهو (هدبة بن خالد) في رواية، " فإذا طينه أو طيبه " قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " 11/ 412: أراد بذلك أن أبا الوليد لم يشك في روايته، أنه بالنون، وهو المعتمد. قال: وتقدم في تفسير سورة الكوثر من طريق شيبان عن قتادة: فأهوى الملك بيده فاستخرج من طينه مسكاً أذفر. والأذفر: طيب الريح.
(2)
أي ليلة الإسراء، كما في رواية البخاري في التفسير 8/ 562: عن أنس رضي الله عنه قال: لما عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء قال: " أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ مجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر ".
فهذه الأحاديث تدل على أن الكوثر هو النهر الذي في الجنة فيتعين المصير إليها، وعدم التعويل على غيرها، وإن كان معنى الكوثر هو الخير الكثير في لغة العرب، فمن فسره بما هو أعم مما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو تفسير ناظر إلى المعنى اللغوي كما أخرج أحمد والترمذي وصححه وابن ماجة وغيرهم عن عطاء بن السائب قال: قال محارب بن دثار قال سعيد بن عبيد في الكوثر قلت حدثنا عن ابن عباس أنه قال هو الخير الكثير فقال صدق أنه للخير الكثير، ولكن حدثنا ابن عمر قال نزلت إنا أعطيناك الكوثر فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب يجري على الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك وماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل ".
وأخرج البخاري وابن جرير والحاكم من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال في الكوثر هو الخير الذي أعطاه الله إياه، قال أبو بشر قلت لسعيد ابن جبير فإن ناساً يزعمون أنه نهر في الجنة قال النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه.
وهذا التفسير من حبر الأمة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ناظر إلى المعنى اللغوي كما عرفناك ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد فسره فيما صح عنه أنه النهر الذي في الجنة، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل.
قال القرطبي أصح هذه الأقوال أنه النهر أو الحوض لأنه ثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نصاً في الكوثر.
قال القاضي عياض: أحاديث الحوض صحيحة والإيمان به فرض والتصديق به من الإيمان وهو على ظاهره عند أهل السنة والجماعة لا يتأول ولا يختلف فيه، وحديثه متواتر النقل، رواه خلائق من الصحابة، وقد جمع ذلك كله البيهقي في كتابه البعث والنشور بأسانيده وطرقه المتكاثرة.
وذهب صاحب القوت وغيره إلى أن حوض النبي صلى الله عليه وآله
وسلم إنما هو بعد الصراط، والصحيح أن له صلى الله عليه وآله وسلم حوضين وكلاهما يسمى كوثراً.
واختلف في الميزان والحوض أيهما قبل الآخر فقيل الميزان وقيل الحوض قال أبو الحسن الفاسي والصحيح أن الحوض قبل.
قلت والمعنى يقتضيه فإن الناس يخرجون من قبورهم عطاشاً فيقدم قبل الصراط والميزان والله أعلم.
(فصل لربك) وكان الظاهر أن يقول لنا فانتقل إلى الاسم المظهر على طريق الالتفات لأنه يوجب عظمة ومهابة، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، والمراد الأمر له صلى الله عليه وآله وسلم بالدوام على إقامة الصلوات المفروضة، قال ابن عباس الصلاة المكتوبة وقيل صلاة عيد النحر، وهذا يناسب كونها مدنية، والأول يناسب كونها مكية.
(وانحر) البدن التي هي خيار أموال العرب، قال محمد بن كعب: أن ناساً كانوا يصلون لغير الله وينحرون لغير الله فأمر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون صلاته ونحره له، وقال قتادة وعطاء وعكرمة المراد صلاة العيد ونحر الأضحية، وقال سعيد بن جبير: صل لربك صلاة الصبح المفروضة بجمع، وانحر البدن في منى.
وقيل النحر وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة حذاء النحر، قاله محمد بن كعب، وقيل هو أن يرفع يديه في الصلاة عند التكبيرة إلى حذاء نحره، وقيل هو أن يستقبل القبلة بنحره، قاله الفراء والكلبي وأبو الأحوص، قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول نتناحر أي نتقابل نحر هذا إلى نحر هذا أي قبالته.
وقال ابن الأعرابي هو انتصاب الرجل في الصلاة بإزاء المحراب، من قولهم: منازلهم تتناحر أي تتقابل، وروي عن عطاء أنه قال أمره أن يستوي بين السجدتين جالساً حتى يبدو نحره، وقال سليمان التيمي المعنى وارفع
يديك بالدعاء إلى نحرك.
وظاهر الآية الأمر له صلى الله عليه وآله وسلم بمطلق الصلاة ومطلق النحر، وأن يجعلهما لله عز وجل لا لغيره، وما ورد في السنة من بيان هذا المطلق بنوع خاص فهو في حكم المقيد له.
عن علي بن أبي طالب قال لما نزلت هذه السورة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لجبريل " ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي، فقال إنها ليست بنحيرة ولكن يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك من الركوع فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذين هم في السموات السبع، وأن لكل شيء زينة، وزينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم رفع اليدين من الإستكانة التي قال الله (فما استكانوا لربهم وما يتضرعون) " أخرجه ابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في سننه وهو من طريق مقاتل بن حيان عن الأصبغ بن نباتة عن علي.
وعن ابن عباس في الآية قال إن الله أوحى إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن ارفع يديك حذاء نحرك إذا كبرت للصلاة، فذاك النحر، وعن علي في الآية قال:" وضع يده اليمنى على وسط ساعده اليسرى ثم وضعهما على صدره في الصلاة " وعن أنس " عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثله " أخرجه أبو الشيخ والبيهقي في سننه.
وعن ابن عباس أيضاًً إذا صليت فرفعت رأسك من الركوع فاستو قائماً، وعنه قال هو الذبح يوم الأضحى يقول اذبح يوم النحر.
(إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) أي مبغضك هو المنقطع عن الخير على العموم، فيعم خيري الدنيا والآخرة، أو الذي لا عقب له أو الذي لا يبقى ذكره بعد موته.
وطْاهر الآية العموم، وإن هذا شأن كل من يبغض النبي صلى الله عليه
وسلم ولا ينافي ذلك كون سبب النزول هو العاص بن وائل كما سيأتي فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما مر غير مرة.
قيل كان أهل الجاهلية إذا مات المذكور من أولاد الرجل قالوا قد بتر فلان، فلما مات ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم خرج أبو جهل إلى أصحابه فقال بتر محمد، فنزلت الآية، وقيل القائل بذلك عقبة بن أبي معيط.
قال أهل اللغة الأبتر من الرجال الذي لا ولد له، ومن الدواب الذي لا ذنب له، وكل أمر انقطع من الخير أثره فهو أبتر، وأصل البتر القطع، يقال بترت الشيء بتراً قطعته، وفي المختار بتره قطعه قبل التمام، وبابه نصر، والانبتار الانقطاع، والأبتر المقطوع الذنب، وبابه طرب.
وعن ابن عباس قال: " قدم كعب بن الأشرف مكة فقالت له قريش أنت خير أهل المدينة وسيدهم، ألا ترى إلى هذا الصابيء المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج وأهل السقاية وأهل السدانة، قال أنتم خير منه فنزلت (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ)، ونزلت (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ -إلى قوله- فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا) " أخرجه البزار وابن أبي حاتم وابن مردويه، قال ابن كثير وإسناده صحيح.
وعن أبي أيوب قال: " لما مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مشى المشركون بعضهم إلى بعض فقالوا إن هذا الصابيء قد بتر الليلة، فأنزل الله (إنا أعطيناك الكوثر) إلى آخر السورة أخرجه الطبراني وابن مردويه.
وأخرج ابن سعد وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال " كان أكبر ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، القاسم ثم زينب ثم عبد الله ثم أم كلثوم ثم فاطمة ثم رقية رضي الله تعالى عنهم، فمات القاسم وهو أول ميت من أهله وولده بمكة، ثم مات عبد الله فقال العاص بن
وائل السهمي قد انقطع نسله فهو أبتر، فأنزل الله (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) " وفي إسناده الكلبي، وعنه قال هو أبو جهل وعنه قال يقول عدوك وقيل ولد القاسم ثم زينب ثم عبد الله قال الكلبي: ولدت زينب ثم القاسم ثم أم كلثوم ثم فاطمة ثم رقية ثم عبد الله، وكان يقال له الطيب والطاهر، قال وهذا هو الصحيح، وغيره تخليط.