المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌سورة الإخلاص ولها أسماء كثيرة ذكرها الخطيب، وزيادة أسماء تدل على - فتح البيان في مقاصد القرآن - جـ ١٥

[صديق حسن خان]

الفصل: ‌ ‌سورة الإخلاص ولها أسماء كثيرة ذكرها الخطيب، وزيادة أسماء تدل على

‌سورة الإخلاص

ولها أسماء كثيرة ذكرها الخطيب، وزيادة أسماء تدل على شرف المسمى، وهذه السورة مصرحة بالتوحيد رادة على عباد الأصنام والأوثان والقائلين بالثنوية والتثليث، هي أربع أو خمس آيات وهي مكية في قول ابن مسعود والحسن وعطاء وعكرمة وجابر، ومدنية في أحد قولي ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي.

عن أبيّ بن كعب " أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يا محمد انسب لنا ربك فأنزل الله (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) إلخ أليس شيء يولد إلا سيموت وليس شيء يموت إلا سيورث وإن الله لا يموت ولا يورث ولم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء " رواه أحمد والبخاري في تاريخه وابن خزيمة والحاكم وصححه وغيرهم، ورواه الترمذي من طريق أخرى عن أبي العالية مرسلاً ولم يذكر أبياً ثم قال وهذا أصح.

وعن جابر قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال انسب لنا ربك فأنزل الله (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) إلى آخر السورة أخرجه الطبراني والبيهقي وأبو نعيم وغيرهم وحسن السيوطي إسناده (1).

وعن ابن مسعود قال: قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انسب لنا ربك فنزلت هذه السورة " أخرجه أبو الشيخ في العظمة والطبراني.

(1) رواه أحمد في " المسند " 5/ 133، والترمذي 2/ 172، والطبري 30/ 342، والواحدي في " أسباب النزول " 346 من حديث أبي سعد الصغاني عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبيّ بن كعب وفي سنده ضعف، ورواه الحاكم في " المستدرك " 3/ 540 أيضاً من حديث أبي سعد الصغاني به، وصححه، ووافقه الذهبي، وأورده السيوطي في " الدر " 6/ 409 وزاد نسبته للبخاري في " تاريخه "، وابن خزيمة، وابن أبي حاتم في " السنة " والبغوي في " معجمه "، وابن المنذر في " العظمة "، والبيهقي في " الأسماء والصفات " عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه. ورواه الترمذي 2/ 172 عن عبد بن حميد عن عبيد الله بن موسى عن أبي جعفر عن الربيع عن أبي العالية فذكره مرسلاً، ولم يذكر فيه عن أبيّ بن كعب، وقال: وهذا أصح من حديث أبي سعد الصغاني.

ورواه الطبري عن محمد بن عوف عن شريح بن إسماعيل بن مجالد عن مجالد عن الشعبي عن جابر، وذكره ابن كثير من رواية أبي يعلى الموصلي من طريق مجالد بن سعيد عن الشعبي عن جابر، وأورده الحافظ الهيثمي في " مجمع الزوائد " 7/ 146 من رواية الطبراني في " الأوسط ".

ص: 443

وعن ابن عباس " أن اليهود جاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب فقالوا يا محمد صف لنا ربك الذي بعثك فأنزل الله (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ) فيخرج من الولد (وَلَمْ يُولَدْ) فيخرج من شيء " رواه البيهقي وغيره.

وعن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من قرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فكأنما قرأ ثلث القرآن " أخرجه أحمد والنسائي وغيرهما).

ص: 444

وعن أنس قال " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني أحب هذه السورة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حبك إياها أدخلك الجنة " رواه أحمد والترمذي وابن الضريس والبيهقي في سننه.

وقد وردت أحاديث كثيرة في أن من قرأ هذه السورة كذا غفر له ذنوب كذا وكذا، وهي في السنن وغيرها ولكنها ضعيفة غريبة، وفيها من هو متهم بالوضع، وقد روي من غير وجه أنها تعدل ثلث القرآن (1) وفيها ما هو صحيح وفيها ما هو حسن.

فمن ذلك ما أخرجه أحمد والبخاري وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن يعني (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) "(2)، قيل ولاشتمال هذه السورة مع قصرها على جميع المعارف الإلهية، والرد على من ألحد فيها جاء في الحديث أنها تعدل ثلث القرآن، فإن مقاصده محصورة في بيان العقائد والأحكام والقصص، وما في الكشاف من أنها تعدل القرآن كله قال الدواني لم أره في شيء من كتب التفسير والحديث انتهى.

ولو لم يرد في فضل هذه السورة إلا حديث عائشة عند البخاري ومسلم وغيرهما، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث رجلاً في سرية فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بقل هو الله أحد، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " سلوه لأي شيء يصنع ذلك " فسألوه فقال لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها فقال " أخبروه أن الله تعالى يحبه ".

هذا لفظ البخاري في كتاب التوحيد، وأخرج البخاري أيضاً في كتاب الصلاة من حديث أنس قال كان رجلاً من الأنصار في مسجد قباء فكان كلما افتتح سورة فقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح بقل هو الله أحد حتى يفرغ منها ثم يقرأ سورة أخرى معها وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه فقالوا إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزيك حتى تقرأ بالأخرى، فإما أن تقرأ بها وإما أن تدعها وتقرأ

(1) رواه مسلم في " صحيحه " 1/ 557 ولفظه بتمامه: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احشدوا (اجتمعوا) فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن، فحشد من حشد، ثم خرج نبي الله صلى الله عليه وسلم فقرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ثم دخل، فقال بعضنا لبعض: إني أرى هذا خبرٌ جاء من السماء، فذاك الذي أدخله، ثم خرج نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال:" إني قلت لكم: سأقرأ عليكم ثلث القرآن، ألا إنها تعدل ثلث القرآن ".

(2)

رواه البخاري في " صحيحه " 6/ 105 باب فضل (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ولفظه بتمامه: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع رجلاً يقرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) يردِّدها، فلما أصبح جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقالُها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن ".

ص: 445

بأخرى قال ما أنا بتاركها إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم، فكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبروه الخبر فقال " يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك وما حملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة "، فقال إني أحبها قال " حبك إياها أدخلك الجنة " وقد روي بهذا اللفظ من غير وجه عند غير البخاري.

وهذه السورة قد تجردت للتوحيد والصفات، وفيه دليل على شرف علم التوحيد وكيف لا والعلم يشرف بشرف المعلوم، ويتضع بضعته، ومعلوم هذا العلم هو الله سبحانه وصفاته وما يجوز عليه وما لا يجوز عليه، فما ظنك بشرف منزلته وجلالة محله.

وفي التوحيد وصفاته سبحانه كتب ورسائل مستقلة مفرزة تصدّي لجمعها وتأليفها عصابة من أهل العلم بالكتاب العزيز والسنة المطهرة منهم شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني وتلميذه الحافظ محمد بن أبي بكر بن القيم وغيرهما من سلف الأئمة وخلفها كالمقريزي والشوكاني ومحمد بن إسماعيل الأمير اليماني ومحمد بن إسماعيل واحشرنا في زمرة العالمين بك العاملين لك، الراجين لثوابك الخائفين من عقابك المكرمين بلقائك، وتقبل منا إنك أنت السميع العليم.

ص: 446

بسم الله الرحمن الرحيم

قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)

ص: 447

(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) الضمير يجوز أن يكون عائداً إلى ما يفهم من السياق لما قدمنا من بيان سبب النزول وإن المشركين قالوا يا محمد انسب لنا ربك فيكون مبتدأ، والله مبتدأ ثان واحداً خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول، ويجوز أن يكون الله بدلاً من هو والخبر أحد، ويجوز أن يكون الله خبراً أول وأحد خبراً ثانياً، ويجوز أن يكون أحد خبراً لمبتدأ محذوف أي هو أحد، ويجوز أن يكون هو ضمير شأن لأنه موضع تعظيم، والجملة بعده مفسرة له وخبر عنه والأول أولى.

قال الزجاج هو كناية عن ذكر الله والمعنى أن ما سألتم تبيين نسبته هو الله أحد، قيل وهمزة أحد بدل من الواو وأصله واحد، ومن جملة القائلين بالقلب الخليل، وقال أبو البقاء همزة أحد أصل بنفسها غير مقلوبة، وذكر أن أحد يفيد العموم دون واحد.

ومما يفيد الفرق بينهما ما قاله الأزهري أنه لا يوصف بالأحدية غير الله تعالى، لا يقال رجل أحد ولا درهم أحد كما يقال رجل واحد ودرهم واحد، قيل والواحد يدخل في الأحد والأحد لا يدخل فيه، فإذا قلت لا يقاومه واحد جاز أن يقال لكنه يقاومه إثنان بخلاف قولك لا يقاومه أحد.

وفرق ثعلب بين واحد وبين أحد بأن الواحد يدخل في العدد، وأحد لا يدخل فيه ورد عليه أبو حيان بأنه يقال أحد وعشرون ونحوه فقد دخله العدد، وهذا كما ترى انتهى.

ص: 447

وذكر أحد في الإثبات مع أن المشهور أنه يستعمل بعد النفي كما أن الواحد لا يستعمل إلا بعد الإثبات يقال في الدار واحد وما في الدار أحد.

فالجواب عنه ما قال ابن عباس أنه لا فرق بينهما في المعنى، واختاره أبو عبيدة ويؤيده قوله تعالى (فابعثوا أحدكم بورقكم) وعليه فلا يختص أحدهما بمحل دون آخر، وإن اشتهر استعمال أحدهما في النفي والآخر في الإثبات.

ويجوز أن يكون العدول عن المشهور هنا رعاية الفاصلة بعد فدل بقوله (الله) على جميع صفات الكمال وهي الثبوتية كالعلم والقدرة والإرادة وبالأحد على صفات الجلال وهي الصفات السلبية كالقدم والبقاء كذا قال الكرخي.

قرأ الجمهور قل هو الله بإثبات قل، وقرأ ابن مسعود وأبيّ (الله أحد) بدون قل، وقرىء (قل هو الله الواحد) وقرأ الجمهور بتنوين أحد وهو الأصل وقرىء بحذفه للخفة، وقيل إن ترك التنوين لملاقاته لام التعريف فيكون الترك لأجل الفرار من التقاء الساكنين، ويجاب عنه بأن الفرار من التقاء الساكنين قد حصل مع التنوين بتحريك الأول منهما بالكسر.

ص: 448

(الله الصمد) الإسم الشريف مبتدأ والصمد خبره، والصمد هو الذي يصمد إليه في الحاجات أي يقصد لكونه قادراً على قضائها فهو فعل بمعنى مفعول كالقبض بمعنى المقبوض، لأنه مصمود إليه أي مقصود إليه.

قال الزجاج: الصمد السيد الذي انتهى إليه السؤدد فلا سيد فوقه، وقيل معنى الصمد الدائم الباقي الذي لم يزل ولا يزول، وقيل معنى الصمد ما ذكر بعده من أنه الذي لم يلد ولم يولد، وقيل هو المستغني عن كل أحد، والمحتاج إليه كل أحد، وقيل هو المقصود في الرغائب والمستعان به في المصائب، وهذان القولان يرجعان إلى معنى القول الأول، وقيل هو الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وقيل هو الكامل الذي لا عيب فيه.

وقال الحسن وعكرمة والضحاك وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب

ص: 448

ومجاهد وعبد الله بن بريدة وعطاء وعطية العوفي والسدي: (الصمد) هو المصمت الذي لا جوف له، وهذا لا ينافي القول الأول لجواز أن يكون هذا أصل معنى الصمد ثم استعمل في السيد المصمود إليه في الحوائج، ولهذا أطبق على القول الأول أهل اللغة وجمهور أهل التفسير.

وتكرير الإسم الجليل للإشعار بأن من لم يتصف بذلك فهو بمعزل عن استحقاق الألوهية، وحذف العاطف من هذه الجملة لأنها كالنتيجة للجملة الأولى.

وقيل أن الصمد صفة للإسم الشريف، والخبر هو ما بعده والأول أولى لأن السياق يقتضي استقلال كل جملة.

وعن بريد قال: (الصمد) الذي لا جوف له وروي عنه مرفوعاً ولا يصح رفعه وعن ابن مسعود مثله وفي لفظ ليس له أحشاء، وعن ابن عباس مثله، وعنه قال الصمد الذي لا يطعم وهو المصمت، وقد روي عنه أنه الذي يصمد إليه في الحوائج، وفي لفظ الصمد السيد الذي قد كمل في سؤدده الشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه، هذه صفة لا تنبغي إلا له، ليس له كفء وليس كمثله شيء.

وعن ابن مسعود قال الصمد وهو السيد الذي قد انتهى سؤدده فلا شيء أسود منه، وعن ابن عباس قال الصمد الذي تصمد إليه الأشياء إذا نزل بهم كربة أو بلاء.

ص: 449

(لم يلد ولم يولد) أي لم يصدر عنه ولد كما ولدت مريم. ولم يصدر هو عن شيء كما ولد عيسى وعزير لأنه لا يجانسه شيء، ولاستحالة نسبة العدم إليه سابقاً ولاحقاً وقد دل على هذا قوله تعالى (أنى يكون له ولد ولم

ص: 449

تكن له صاحبة) قال قتادة إن مشركي العرب قالوا الملائكة بنات الله، وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله، فأكذبهم الله فقال لم يلد ولم يولد.

قال الرازي قدم ذكر نفي الولد مع أن الوالد مقدم للإهتمام لأجل ما كان يقوله الكفار من المشركين الملائكة بنات الله واليهود عزير ابن الله والنصارى المسيح ابن الله، ولم يدع أحد أن له والداً فلهذا السبب بدأ بالأهم فقال لم يلد.

ثم أشار إلى الحجة فقال ولم يولد كأنه قيل الدليل على امتناع الولد اتفاقنا على أنه ما كان ولداً لغيره، وإنما عبر سبحانه بما يفيد انتفاء كونه لم يلد ولم يولد في الماضي ولم يذكر ما يفيد انتفاء كونه كذلك في المستقبل لأنه ورد جواباً عن قولهم (ولد الله) كما حكى الله عنهم بقوله ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله.

فلما كان المقصود من هذه الآية تكذيب قولهم وهم إنما قالوا ذلك بلفظ يفيد المنفي فيما مضى وردت الآية لدفع قولهم هذا.

ص: 450

(ولم يكن له كفواً أحد) هذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها لأنه سبحانه إذا كان متصفاً بالصفات المتقدمة كان متصفاً بكونه لم يكافئه أحد ولم يماثله ولا يشاركه في شيء، وآخر اسم كان لرعاية الفواصل.

وقوله (له) متعلق بقوله كفواً قدم عليه لرعاية الاهتمام لأن المقصود نفي المكافأة عن ذاته. وقيل أنه في محل نصب على الحال والأول أولى.

وقد رد المبرد على سيبويه بهذه الآية لأن سيبويه قال: إنه إذا تقدم الظرف كان هو الخبر وههنا لم يجعل خبراً مع تقدمه، وقد رد على المبرد بوجهين.

(أحدهما) أن سيبويه لم يجعل ذلك حتماً بل جوزه.

ص: 450

(والثاني) أنا لا نسلم كون الظرف هنا ليس بخبر بل يجوز أن يكون خبراً ويكون كفواً منتصباً على الحال.

وحكي في الكشاف عن سيبويه أن الكلام العربي الفصيح أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر، واقتصر في هذه الحكاية على نقل أول كلام سيبويه ولم ينظر إلى آخره فإنه قال في آخر كلامه: والتقديم والتأخير والإلغاء والاستقرار عربي جيد كثير انتهى.

قال الشهاب ولعل الوصل بين هذه الجمل الثلاث وهي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد بالعاطف دون ما عداها من هذه السورة لأنها سيقت لمعنى وغرض واحد وهو نفي المماثلة والمناسبة عنه تعالى بوجه من الوجوه وهذه أقسامها لأن المماثل إما ولد أو والد أو نظير، فلتغاير الأقسام واجتماعها في المقسم لزم العطف فيها بالواو وكما هو مقتضى قواعد المعاني. وترك العطف في الله الصمد لأنه محقق ومقرر لما قبله. وكذا ترك العطف في لم يلد لأنه مؤكد للصمدية لأن الغني عن كل شيء المحتاج إليه كل ما سواه لا يكون والداً ولا مولوداً انتهى.

قرأ الجمهور كفواً بضم الكاف والفاء وتسهيل الهمزة، وقرأ الأعرج وسيبويه ونافع في رواية عنه بإسكان الفاء مع إبدال الهمزة واواً في الوقف وأبدلت الواو وصلاً ووقفاً أيضاً وقرىء كفاً بكسر الكاف وفتح الفاء من غير مد وكذلك مع المد، والكفء في لغة العرب النظير، تقول هذا كفؤك أي نظيرك والاسم الكفاءة بالفتح قال ابن عباس ليس له كفء ولا مثل، ومن زعم أن نفي الكفء وهو المثل في الماضي لا يدل على نفيه للحال والكفار يدعونه في الحال فقد تاه في غيه، لأنه إذا لم يكن فيما مضى لم يكن في الحال ضرورة إذ الحادث لا يكون كفاً للقديم، وحاصل كلام الكفرة يؤول إلى الإشراك والتشبيه والتعطيل والسورة الكريمة تدفع الكل.

أخرج البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال

ص: 451

" كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك: فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولداً وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ".

ص: 452