المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌سورة التكوير تسع وعشرون آية وهي مكية بلا خلاف قال ابن - فتح البيان في مقاصد القرآن - جـ ١٥

[صديق حسن خان]

الفصل: ‌ ‌سورة التكوير تسع وعشرون آية وهي مكية بلا خلاف قال ابن

‌سورة التكوير

تسع وعشرون آية وهي مكية بلا خلاف قال ابن عباس نزلت بمكة وعن عائشة وابن الزبير مثله.

وعن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأى عين فليقرأ (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ)، و (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ)، (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) "، أخرجه الترمذي وحسنه وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه (1).

قال الكازروني: مناسبتها لما قبلها أنه لما ذكر بعض أحوال القيامة فيما قبلها أردفه ببعض أحوالها الآخر.

(1) أخرجه أحمد في " المسند " رقم 4816 و4934 و4941 و5755 وإسناده صحيح، والترمذي 2/ 168، والحاكم 2/ 515، وصححه ووافقه الذهبي، وأورده السيوطي في " الدر " 6/ 319 وزاد نسبته لابن المنذر وابن مردويه.

ص: 91

بسم الله الرحمن الرحيم

إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9)

ص: 93

(إذا الشمس كورت) أي أظلمت، قاله ابن عباس، ارتفاع الشمس بفعل محذوف يفسره ما بعده على الاشتغال، وهذا عند البصريين، وأعرب الزمخشري الشمس فاعلاً لفعل مقدر يدل عليه كورت، ومنع أن يرتفع بالإبتداء لأن " إذا " تطلب الفعل لما فيها من معنى الشرط، وما منعه من وقوع المبتدأ بعدها أجازه الأخفش والكوفيون، وأجازوا إذا زيد أكرمك فأكرمه، ولكن الأولى ما ذكره.

والتكوير الجمع وهو مأخوذ من كار العمامة على رأسه يكورها قال الزجاج لفت كما تلف العمامة يقال كورت العمامة على رأسي أكورها كوراً وكورتها تكويراً إذا لففتها.

قال أبو عبيدة كورت مثل تكوير العمامة تلف فتجمع، قال الربيع بن خثيم كورت أي رمى بها ومنه كورته فتكور أي سقط قال مقاتل وقتادة والكلبي ذهب ضوؤها، وقال مجاهد اضمحلت وقيل غورت.

قال الواحدي قال المفسرون تجمع الشمس بعضها إلى بعض ثم تلف فيرمى بها. فالحاصل أن التكوير إما بمعنى لف جرمها أو لف ضوئها أو الرمي بها، والمعنى طويت كطي السجل.

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " الشمس والقمر

ص: 93

يكوران يوم القيامة " أخرجه (1) البخاري، قيل أنهما جمادان فإلقاؤهما في النار يكون سبباً لازدياد الحر في جهنم، وإذا ظرف في هذه المواضع الاثنى عشر وجوابها (علمت نفس) كما سيأتي.

(1) وقد ورد في حديث مرفوع أخرجه الطماوي وإسناده صحيح.

ص: 94

(وإذا النجوم انكدرت) أي تهافتت وتساقطت وانقضت وتناثرت، يقال انكدر الطائر من الهوى إذا انقض، والأصل في الانكدار الانصباب. قال الخليل يقال انكدر عليهم القوم إذا جاؤوا أرسالاً فانصبوا عليهم، قال أبو عبيدة انصبت كما ينصب العقاب، قال الكلبي وعطاء تمطر السماء يومئذ نجوماً فلا يبقى نجم في السماء إلا وقع على الأرض وقيل انكدارها طمس نورها، وقال ابن عباس تغيرت.

وعن أبي مريم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " كورت في جهنم وانكدرت في جهنم فكل من عبد دون الله فهو في جهنم إلا ما كان من عيسى وأمه ولو رضيا أن يعبدا، لدخلاها " أخرجه ابن أبي حاتم والديلمي.

ص: 94

(وإذا الجبال سيرت) أي قلعت عن وجه الأرض وأبعدت ورفعت عن مكانها بعد تفتيتها وسيرت في الهواء سير السحاب، ومنه قوله (ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة).

ص: 94

(وإذا العشار عطلت) العشار النوق الحوامل التي في بطونها أولادها، الواحدة عشراء وهي التي قد أتى عليها في الحمل عشرة أشهر، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع، وخص العشار لأنها أنفس مال عند العرب وأعزه عندهم. ومعنى عطلت تركت هملاً بلا راع وبلا حلب، قال أبيّ بن كعب أي أهملها أهلها، وذلك لما شاهدوا من الهول العظيم، أو لاشتغالهم بأنفسهم.

قيل وهذا على وجه المثل لأن يوم القيامة لا يكون فيه ناقة عشراء. بل

ص: 94

المراد أنه لو كان للرجل ناقة عشراء في ذلك اليوم أو نوق عشار لتركها ولم يلتفت إليها اشتغالاً بما هو فيه من هول يوم القيامة، وسيأتي ما يفيد أن هذا في الدنيا.

وقيل العشار السحاب فإن العرب تشبهها بالحامل، ومنه قوله تعالى (فالحاملات وقراً) وتعطيلها عدم إمطارها، وقيل المراد أن الديار تعطل فلا تسكن، وقيل الأرض التي تعشر زرعها تعطل فلا تزرع، قرأ الجمهور عطلت بالتشديد وقرأ ابن كثير في رواية عنه بالتخفيف.

ص: 95

(وإذا الوحوش) أي ما توحش من دواب البر (حشرت) قرأ الجمهور بالتخفيف، وقرىء بالتشديد أي بعثت وجمعت بعد البعث من كل ناحية حتى يقتص بعضها من بعض، فيقتص للجماء من القرناء.

قال قتادة يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص، فإذا اقتص منها ردت تراباً فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم وإعجاب بصورته كالطاووس ونحوه.

وقيل حشرها موتها وقيل أنها مع نفرتها اليوم من الناس وتبددها في الصحاري تضم ذلك اليوم إليهم، قال أبيّ بن كعب حشرت اختلطت.

قال الشهاب في ريحانة الألباء: وههنا أمر نفيس نمحو به السيئات وبحث عظيم نحيي به عظام الرفات وهو أن الحيوانات هل يحييها الله تعالى وتحشر ويقتص لبعضها من بعض؟ فأكثر أهل الحديث والسنة والأصول على أنه كذلك لوروده في القرآن في قوله تعالى (وإذا الوحوش حشرت) ولقول سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم في خبر القصاص يوم القيامة يؤخذ للجماء من القرناء.

وخالفهم أبو الحسن الأشعري فقال في كتاب الإيجاز ما نصه لا يجب على الله أن يعوض البهائم والأطفال والمجانين وجميع الخلق الذين خلق فيهم الألم خلافاً للقدرية حيث قالوا إن الله تعالى إذا آلم الحيوان لا على سبيل

ص: 95

الإستحقاق ويجب عليه أن يعوضهم وإلا يكون ظالماً.

ودليلنا أن العقل لا يوجب على الله شيئاًً، وإذا ثبت أن البهائم وغيرها من الحيوان الذي خلق فيه الألم من غير جرم ولا ذنب لا يستحقون ذلك لم تجب إعادتهم ولا نشرهم ولا حشرهم يوم القيامة.

وقال القدرية إن لم يعوضهم في الدنيا فإنه يجب عليه حشرهم في الآخرة وبعثهم كبعث المكلفين.

فإن قالوا قد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خبر القصاص " حتى يؤخذ للجماء من القرناء ".

قلنا المراد به حتى يؤخذ للضعيف من القوي، فكنى بذلك عنهم لأن الدليل قد قام على أنهم غير مكلفين، ومن لا تكليف عليه لا يعاقب ولا يقتص منه انتهى.

وفي سراج الملوك اختلف السلف في هذا فقال ابن عباس حشرها موتها، وهو تأويل بعيد لأن الحشر الجمع، وليس في موتها جمعها، بل تفريقها بتمزيقها، ومعظم المفسرين على أنها تحشر كلها حتى الذباب يقتص منها ثم يقال لها كوني تراباً.

وقال بعضهم لا نقطع بإعادتها كالمجانين ومن لم تبلغه الدعوة، وتوقف بعضهم في ذلك والدليل عليه الآية المذكورة والحديث الصحيح عن أبي هريرة " ليؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء " وأنكرها الأشعري لأنها غير مكلفة والخبر تمثيل لشدة التقصي في الحساب.

وقال الأسفراييني يقتص منها بما تفعله في الدنيا، ورد بأنها ليست بمكلفة فهي في المشيئة يفعل بها ما أراد انتهى.

ص: 96

أقول قد تصل بهذا التفصيل الوقوف على الأقوال الأربعة وأدلتها، والحق الذي تشتفي به الصدور أن لا تؤول الآية والحديث بما هو خلاف الظاهر، والشبهة الداعية له بأنها غير عاقلة ولا مكلفة، والحشر والحساب مبني على ذلك، فإذا سقط الأساس سقط ما بني عليه.

فالجواب عنها أن نسلم أنها غير مكلفة لأنها لا تعقل، والنزاع فيه مكابرة إلا أنها لما كانت في المشيئة يفعل الله بها ما يريد، وهو لا يسأل عما يفعل باتفاق أهل السنة بل العقلاء فنقول إن الله تعالى يعيدها وينصف بعضها من بعض بما فعلته بإرداتها لإدراكها للجزئيات، وليس هذا بتكليف ولا مبني عليه، لأن جزاء التكليف إنما يكون في داري الخلود والنار وهي تعود تراباً قبل دخول أهليهما فيهما.

وأما فعل الحكيم القدير لذلك فليعرف أهل المحشر أنه عز وجل لا يترك مثقال ذرة من العدل، ليتحقق أهل النعيم ما لهم من النعيم المقيم وأهل الجحيم ما أعد لهم من العذاب الأليم تنويراً لهم وإرشاداً لأن يعلموا عظمة كبريائه، وتساوي جمع مخلوقاته عنده بالنسبة لذلك.

ولك أن تقول قول ابن عباس حشرها موتها معناه أن حشرها لأجل أن يفنيها ويقول لها كوني تراباً، ولولا بعد كلام الأشعري بتصريحه بما ينافيه حملنا أنه تمثيل على ما ذكر، أو قلنا أنه إنما أنكر الوجوب، ولكن الحق أحق أن يتبع، وهذا مما ينبغي أن يكتب بالنور، على صفحات خدود الحور، وإنما ذكرنا هذا مع طوله وعدم مناسبته لموضوع التفسير تصدقاً على من طالعه بجواهر الفرائد.

ص: 97

(وإذا البحار سجرت)(1) أي أوقدت فصارت ناراً تضطرم وقال الفراء

(1) في هذه الآية عجيبة قرآنية تقطع ألسنة الملحدين الذين يقولون إن القرآن من عند محمد، من أين لمحمد أو لعصر محمد ما في هذه الآية من علوم لم يعرفها العالم إلا في العصر الحديث.

لم يكن عصر محمد يعرف في البحار إلا الري والإنبات، أما أن البحار تنقلب ناراً فهذا ما لم يخطر لهم

⦗ص: 98⦘

ببال. وإليك كلمة لأستاذ جامعي.

ونرى كذلك أن المعامل الطبيعية والكيميائية أثبتت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صادق فيما بلغه من كتاب الله، ذلك أن قوله تعالى (وإذا البحار سجرت) معناه التهبت وصارت ناراً. والبحوث العلمية أثبتت أن الماء مكون من عنصرين: أكسوجين وهيدروجين، وأن الهيدروجين يشتعل. والأكسوجين يساعد على الاشتعال. فإذا فصلت القدرة بين عنصري الماء تحولت البحار إلى نيران. وهذا دليل جديد على صدق القرآن. الناشر.

ص: 97

ملئت بأن صارت بحراً واحداً وكثر ماؤها وبه قال الربيع بن خيثم والكلبي ومقاتل والحسن والضحاك، وقيل أرسل عذبها على مالحها، ومالحها على عذبها حتى امتلأت. وقيل فجرت فصارت بحراً واحداً وروي عن قتادة وابن حبان أن معنى الآية يبست ولا يبقى فيها قطرة يقال سجرت الحوض أسجره سجراً إذا ملأته، وقال القشيري هو من سجرت التنور أسجره سجراً إذا أحميته.

قال ابن زيد وعطية وسفيان ووهب وغيرهم أوقدت فصارت ناراً، وقيل معنى سجرت أنها صارت حمراء كالدم من قولهم عين سجراء أي حمراء.

قرأ الجمهور سجِّرت بتشديد الجيم وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتخفيفها عن أبي العالية قال ست من آيات هذه السورة في الدنيا والناس ينظرون إليها، وست في الآخرة (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ -إلى- وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ) هذه في الدنيا والناس ينظرون إليها، (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ - إلى- وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ) هذه في الآخرة أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر.

وعن أبيّ بن كعب قال ست آيات قيل يوم القيامة بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض فتحركت واضطربت واختلطت، وفزعت الجن إلى الإنس، والإنس إلى الجن، واختلطت الدواب والطير والوحوش، فماجوا بعضهم في بعض.

وقال أيضاًً في الآية قال الجن للإنس نحن نأتيكم بالخبر فانطلقوا إلى البحر، فإذا هو نار تأجج فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض صدعة واحدة

ص: 98