المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ أن يكون ظاهرا من غير تجسس ما لم يكن مجاهرا - قواعد مهمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

[حمود الرحيلي]

الفصل: ‌ أن يكون ظاهرا من غير تجسس ما لم يكن مجاهرا

3)‌

‌ أن يكون ظاهرا من غير تجسس ما لم يكن مجاهرا

.

وذلك أن الإسلام ضمن للإنسان أن يعيش في المجتمع آمنا مطمئنا محترما موقرا طالما أنه سلك الطريق الصحيح المستقيم، أما إذا حاد عن الطريق فإن الإسلام جعل لكل أمر معوج ما يناسبه من الإصلاح والتقويم، ومن الأمور التي شرعها الإسلام لاحترام الإنسان وأمنه النهي عن التجسس عليه، فلا يجوز للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يتسور الجدران أو يكسر الأبواب ليطلع على بيوت الناس ويتجسس عليهم ما لم يظهر شئ من ذلك، إذ إن الله تعالى نهانا أن ندخل البيوت إلا بأذن من أصحابها، والأصل في هذا قول الله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (1) .

بل إن الإسلام حرم النظر إلى داخل البيوت من أحد الثقوب أو الفتحات، وأسقط الشارع الحكيم حد القصاص والدية عمن فعل ذلك، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: «لو أنَّ امرأً اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح» (2) .

(1) سورة النور، الآية 27.

(2)

صحيح البخاري مع الفتح، 12 / 243، كتاب الديات، باب من اطلع في بيت قوم ففقأوا عينه فلا دية له رقم 6902.

ص: 24

وإذا كان الإسلام حرم الدخول إلى بيوت الناس والنظر إلى داخلها بغير إذن، فإنه - أيضا - حرم التجسس يقول سبحانه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} (1) .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا» (2) .

وعن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنك إن اتبعت عورات المسلمين أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم» (3) .

أما إذا جاهر الشخص بمعصيته سواء كانت مرئية كأن يخرج عند بابه ويضع الفيديو إلى جواره وفيه أفلام خليعة.. أو كانت مسموعة كأن يضع بآلة التسجيل شريطا به غناء ماجن أو موسيقى وغير ذلك، أو كانت مشمومة كأن تظهر رائحة الخمر والمسكر بحيث يشمها من هو خارج المنزل أو قريبا منه، ويتكلم معه، فإنه إذا فعل ذلك يكون قد أضاع الحق الذي أعطاه الإسلام له، ويكون بذلك قد عرض نفسه للإهانة والردع (4) .

(1) سورة الحجرات، الآية 12.

(2)

صحيح البخاري مع الفتح، 10 / 484، كتاب الأدب، باب (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ) .. رقم 6066.

(3)

سنن أبي داود، 5 / 199، كتاب الأدب، باب في النهي عن التجسس، رقم 4888، وصححه النووي، انظر رياض الصالحين، ص 596، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة.

(4)

انظر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، د / عبد العزيز المسعود، 1 / 221 بتصرف.

ص: 25

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين (1) وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول يا فلان عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عليه» (2) .

قال ابن بطال: (في الجهر بالمعصية استخفاف بحق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وبصالحي المؤمنين، وفيه ضرب من العناد لهم..)(3) .

ومن خلال ما تقدم من أدلة يبدو لي - والله أعلم- أن الأدلة الواردة في النهي عن التجسس إنما هي خاصة بمن لم يجاهر بالمعصية، أما من يعلن معصيته ويجاهر بها، فإنه يشرع للمحتسب الاحتساب عليه، وذلك لردعه وكف شره.

يؤيد ذلك ما رواه الإمام مالك بن أنس عن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أصاب من هذه القاذورات شيئا، فليستتر بستر الله، فإنه من يبدي لنا صفحته نقم عليه كتاب الله» (4) .

(1) ومعنى ((إلا المجاهرين)) أي الذين جاهروا بمعاصيهم وأظهروها وكشفوا ما ستر الله عليهم، فيتحدثون بها لغير ضرورة ولا حاجة انظر شرح النووي على صحيح مسلم، 18 / 119.

(2)

صحيح البخاري مع الفتح، 10 / 486، كتاب الأدب، باب ستر المؤمن على نفسه، رقم 6069 ومسلم 4 / 2291، كتاب الزهد، باب النهي عن هتك الإنسان ستر نفسه، رقم 2990.

(3)

فتح الباري، لابن حجر، 10 / 487.

(4)

الموطأ، 2 / 825، كتاب الحدود، باب ما جاء فيمن اعترف على نفسه بالزنا، وأخرجه البيهقي والحاكم على شرطهما، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وصححه ابن السكن وغيره، انظر جامع الأصول، 3 / 598.

ص: 26