الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
-[ص:
باب نِعْمَ وبِئْسَ
وليسا باسْمَينِ فَيَلِيَا عواملَ الأسماء، خلافًا للفراء، بل هما فعلان لا يتصرفان للزومهما إنشاء المدح والذمّ على سبيل المبالغة. وأصلهما فَعِلَ، وقد يَردانِ كذلك، أو بسكون العين وفتح الفاء أو كسرها، أو بكسرهما، وكذا كل ذي عين حلقية من فَعِلَ فعلاً أو اسمًا، وقد تُجعل العين الحلقيَّة مُتبَعةَ الفاء في فَعيِل، وتابعتَها في فَعْل، وقد يُتبَع الثاني الأولَ في مثل نَحَوٍ ومَحَمُول، وقد يقال في بئس: بَيْسَ.]-
ش: مناسبة هذا الباب لِما قبله هي أنَّ نِعمَ وبئسَ قد يكون معهما تمييز كما كان ذلك في الباب الذي قبله، وقد ذكره بعض النحويين عقب باب الفاعل، وهو مناسب وأفرد بالذكر لأنه جرى الفاعل فيهما على طريقة لم /في غيرها.
وقوله وليسا باسْمَين إلى قوله بل هما فِعلان أورد النحويون الخلاف في نعم وبئس على طريقتين:
الطريقة الأولى: قالوا: في كونهما فعلين خلاف: ذهب أكثر النحويين ومنهم البصريون والكسائي ــ إلى أنهما فعلان. واستدلّوا على ذلك بوجوه:
أحدها: أنه يرتفع بعدهما الفاعل كما يرتفع بعد الفعل، فتقول: زيدُ نِعمَ الرجلُ، وبكرُ بئسَ الرجلُ.
الثاني: أنه يُضمر فيهما كما يُضمر في الفعل، تقول: نِعمَ رجلاً زيدُ، ويبرز في بعض الكلام على ما حكي، وسيأتي بيانه، فتقول: نعما رجلَين الزيدان، ونِعمُوا رجالاً الزيدون، ونَعِمْن نساء الهنداتُ، حكاه الكسائي والأخفش.
والثالث: أنهما تلحقهما تاء التأنيث مع المؤنث، وتسقط مع المذكر على حد غيرهما، فتقول: نعمَ الرجلُ زيدُ، ونعْمَت المرأةُ هندُ.
والرابع: بناؤهما على الفتح كسائر الأفعال الماضية.
والخامس: أنا لم نجد في كلامهم مضمرًا فيه المرفوع على شريطه التفسير إلا فعلاً، نحو: ضَربَني وضربتُ زيدًا.
وذهب الفراء وكثير من الكوفيين إلى أنهما اسمان. واستدلُّوا على ذلك بوجوه:
أحدها: كونهما لا مصدر لهما.
الثاني: كونهما لا يتصرفان.
الثالث: الإخبار عنهما بجعلهما مبتدأ، قال الرؤاسي: سمعت العرب تقول: فيك نِعمَتِ الخَصلةُ.
الرابع: عطفهما على الاسم. قال الفراء: سمعت العرب تقول: الصالحُ وبئسَ الرجلُ في الحقِّ سواُء.
الخامس: دخول حرف الجر عليهما، قال رجل من بني عُقيل، وقد وُلدت له بنت، فقيل له: نِعمُ الولدُ، فقال: «والله ما هي بِنِعْمَ الولدُ، نَصرُها بكاءُ، وبرُّها
سَرِقةُ». وقال بعضهم: «سِرتُ على عَيري هذا خمسةَ عشرَ ميلاً» ، فقيل له:«نِعْمَ السَّيرُ على بِئسَ العَيرُ» . وقال حسان بن ثابت:
أَلَستُ بِنِعْمَ الجارُ، يُؤْلَفُ بَيتُهُ
…
كذي العِرض ذا مالٍ كثيرٍ ومُصْرِما
السادس: إضافتها إلى ما بعدها، قال الشاعر:
صَبَّحَك الله بِخَيرٍ عاجلِ
…
بِنعْمَ طَيرٍ، وشَبابٍ باكِرِ
وقال آخر:
فقد بُدِّلتُ ذاك بِنِعْمَ مالٍ
…
وأيامٍ، لَياليها قِصارُ
واستعمالها مبتدأ يقتضي دخول النواسخ عليها، فتقول: كان نَعمَ الرجلُ زيدًا، وإنَّ نِعمَ الرجلُ زيدٌ، وظننتُ نِعمَ الرجلُ زيدًا.
السابع: النداء، قالوا:«يا نِعمَ المولى ويا نِعمَ النَّصيرُ» .
الثامن: دخول لام الابتداء عليها في خبر إنَّ، ولا تدخل على الماضي.
التاسع: أنه سُمع فيها: نَعِيمَ الرجلُ، على وزن فَعِيل، وهو من أوزان الأسماء لا أوزان الأفعال.
وتأول القائلون بالفعلية جميع ما احتجَّ به هؤلاء:
أمَّا كونهما لا يتصرفان فلا حجة في ذلك على الاسمية؛ /لأنَّ لنا ما لا يتصرف، وهو فعل بالإجماع بيننا وبينكم، وهو عسى، إلا قولاً شاذَّا إنَّ عسى حرف.
وأمَّا كونهما لا مصدر لهما فلا حجة فيه أيضًا لوجهين: أحدهما أنهما في ذلك كعسى. والثاني على مذهبكم، وذلك أنَّ المصدر هو فرع عن الفعل في الاشتقاق، فلا يلزم من وجود الفعل أن يُشتق منه مصدر.
وأمَّا دخول حرف الجر والنسق على الاسم فهو مما حُذف فيه الموصوف، وأقيمت الصفة مقامه، تقديره: فيك خَصلةُ نِعمَت الخَصلةُ، والصالحُ ورجلٌ بئسَ الرجلُ في الحقَّ سَواءُ. وحسَّن ذلك ــ وإن كانت الصفة غير خاصة ــ دلالة نِعمَت الخصلةُ وبئسَ الرجلُ على الموصوف المحذوف. ونظيرُ دخول حرف الجر على الفعل بإجماع قول الشاعر:
واللهِ ما زيدٌ بِنامَ صاحُبِهْ
…
ولا مُخالِطِ اللَّيَانِ جانِبُهْ
تقديره: والله ما زيدٌ برجل نامَ صاحبُه.
وأمَّا إضافتها إلى ما بعدهما فـ «نِعْمَ» في قوله «بنِعْمَ طيرٍ» و «بِنعْمَ بالٍ» اسم بدليل إضافتها إلى ما بعدها، ولا يضاف إلا الاسم، وكأنها في الأصل نِعْمَ التي
هي فعل، فسُمَّي بها، وحُكيت، ولذلك فُتحت الميم منها مع دخول حرف الجر.
ونظير ذلك: قيلَ وقالَ، فإنَّ العرب لّما جعلتهما اسمين للقول حُكيا. وقالوا «ما رأيته مُذْ شُبَّ إلى دُبَّ» ، فجعلهما اسمين، وحكي فيهما لفظ أصلها، وهو الفعل، وعرضت الاسمية فيهما كما عرضت في «لا» في قول الشاعر:
بُثَينُ، الْزَمِي «لا» ، إنَّ «لا» إنْ لَزِمْتِهِ
…
على كَثرِة الواشينَ أَيُّ مَعُونِ
فأوقع الزمي على «لا» ، ثم أجراها مجرى اسم، فعاملها معاملة الأسماء، وأدخل عليها إنَّ ولا يلزم من ذلك أن يُحكم بالاسمية إذا لم يُستعمل هذا الاستعمال.
وأمَّا دخول حرف النداء فلا حجة فيه لأنه يدخل على الفعل، نحو قوله:
ألا يا اسْقِيانِي قَبلَ خَيلِ أَبي بَكرِ
…
................................
وعلي الحرف، نحو {يا ليتني كُنتُ مَعَهُمَ} ، وقوله:
فيا رُبَّ يومٍ قد لَهَوتُ ولَيلةٍ
…
بِآنِسةٍ، كأنَّها خَطُّ تِمثالِ
وعلى هذه الطريقة حكى الخلافَ فيهما المصنفُ في الشرح وأكثر أصحابنا.
وأمَّا دخول اللام عليها في خبر إنَّ فلأنها قرُبت من الأسماء بعدم التصرف والزمان والمصدر، فبعُدت عن الماضي، فجاز ذلك فيها. وهذا على مذهب مَن يُجوِّز ذلك فيها. ومِن النحويين مَن منع دخول اللام عليها في خبر إن.
وأما كونها سمع فيها «نَعِيمَ» فهو من الشذوذ بحيث لا يقاس عليه فخُرّج على الإشباع، كقول الشاعر:
.............................
…
يُحِبَّكِ عَظمٌ في التُّرابِ تَريبُ
يريد: تَرِبُ، فأشبع، وكقوله
…
:
.............................
…
................ تَنْقادُ الصَّياريفِ
يريد: الصيارف، جمع صَيْرَف.
والطريقة الأخرى من ذكر الخلاف فيهما حرَّرها الأستاذ أبو الحسن بن عصفور في تصانيفه المتأخرة، /قال: لم يختلف أحد من النحويين البصريين والكوفيين في أنَّ نِعمَ وبئس من قولك: نِعمَ الرجلُ زيدٌ، وبئسَ الرجلُ عمرٌو، وأشباه ذلك ــ فعلان، وأنَّ الاسم المرفوع بعدهما فاعلُ بهما، وإنما الخلاف بين البصريين والكوفيين فيهما بعد إسنادهما إلى الفاعل:
فذهبت البصريون إلى أنَّ «نِعمَ الرجلُ جملة» ، وكذلك: بئسَ الرجلُ.
وذهب الكسائي إلى أنَّ قولك نِعمَ الرجلُ وبئسَ الرجلُ اسمان محكيَّان بمنْزلة: تأبَّطَ شرَّا، وبَرَقَ نَحرُه، فـ «نِعمَ الرجلُ» عنده اسم للممدوح، و «بئسَ الرجلُ» اسم للمذموم، وهما جملتان في الأصل، نُقلا عن أصلهما، وسُمَّي بهما.
وذهب الفراء إلى أنَّ الأصل في نِعمَ الرجلُ زيدٌ، وبئسَ الرجلُ عمرٌو: رجلٌ نعمَ الرجلُ زيدٌ، ورجلٌ بئسَ الرجلُ عمرٌو، فحُذف الموصوف الذي هو «رجل» ، وأقيمت الصفة التي هي الجملة من نِعمَ وبئسَ وفاعلهما مقامه، فحُكم لهما بحكمه، فنِعمَ الرجلُ، وبئس الرجلُ ــ عندهما ــ رافعان لزيد وعمرو، كما أنك لو قلت: ممدوحٌ زيدٌ، ومذمومٌ عمرٌو ــ لكان زيد مرفوعًا بممدوح، وعمرو مرفوعًا بمذموم.
وقد رُدَّ مذهب الكسائي والفراء بأنه لو كان محكومًا لهما بحكم الأسماء لوقعا في مواضعها في فصيح الكلام، فكنت تقول: إنَّ نِعمَ الرجلُ قائمٌ، وإنَّ بئسَ الرجلُ منطلقٌ، وظننت نِعمَ الرجلُ قائمًا، وظننتُ بئسَ الرجلُ منطلقًا، وكان نعمَ الرجلُ منطلقًا، وكان بئسَ الرجلُ ضاحكًا، فلمَّا لم يُسمع ذلك في فصيح الكلام دلَّ على بطلان ما ذهبا إليه.
وقد يجاب عن ذلك بأنهما لَمَّا خَرجا عن أصلهما: إمَّا بكونهما صارا اسمين محكيين، أو صارا خلفًا من موصوف لم يُنطق بموصوفهما ــ التُزم فيهما طريقة واحدة في باب المبتدأ والخبر. فلم يُتصرَّف فيهما بالنواسخ لذلك، كما التُزم في بعض المبتدآت الرفع بالابتداء، فلم يتصرَّف فيه بدخول النواسخ عليه، نحو «ايْمُن» في القسم، ونولُك أن تفعل.
وقال صاحب البسيط فيه: «القائلون بأنَّ نِعمَ وبئسَ اسمان فما بعدهما مما هو فاعل عندنا ينبغي أن يكون تابعًا عندهم لنِعمَ إمّا بدلاً أو عطفًا، ونِعمَ اسم يراد به
الممدوح، فكأنك قلت: الممدوحُ الرجلُ زيدٌ، وهو مشتقٌ لتضمُنه معنى المدح، وأصله أن يكون بالحرف، فكأنه تضمَّنه» انتهى. وقوله «ينبغي» يدلٌّ على أنه لم يقف على النقل في إعراب نعمَ الرجلُ زيدٌ على قولِ مَن قال بأن نِعمَ وبئسَ اسمان، والنقل عنهم في إعراب ذلك ما نقله ابن عصفور.
وقد رُدَّ مذهب الكسائي بأنه إمَّا أن يكون اسمًا لممدوح معلوم أو لممدوح منكور، فالأول مقصور على السماع، لا يقاس عليه، نحو قولهم: شابَ قَرْناها، فإنه سُمِّي بذلك مِن فَوره، ولا يمكن أن يُدَّعى أنه لمعروف في الناس كتَأَبَّطَ شَرَّا، ولا لمنكور؛ إذ المعنى ليس عليه.
وقوله (لا يَتَصرَّفان للزُومهما إنشاءَ المدح والذمّ على سبيل المبالغة) ووجه امتناع تصرُّفهما أنَّ نِعمَ لَزِمَت المدح، وبِئسَ لزمت الذمّ، فلم تخرجا عن المدح والذمّ، وقد كانا قبل أن يُرَكَّبا هذا التركيب يُستَعمَلان في غير المدح والذمّ؛ /لأنَّ نِعمَ منقولة مِن قولك نَعِمَ الرجلُ: إذا أصابَ نعمةً، وبئسَ منقولة مِن بَئِسَ: إذا أصاب بؤسًا.
وقال العبديّ: هذان الفعلان قد خالفا سائر الأفعال الموضوعة للمدح والذمّ؛ لأنَّ كل فعل استعملته لجهة من المدح كان مقصورًا عليها لا يتعدى إلى غيرها، وكذلك الذمّ، نحو: كَرُمَ الرجلُ، إذا وصفتَ جوده، ولَؤمَ الرجل، إذا وصفتَ بخله، وسَخُفَ الرجل، إذا وصفتَ بذاء لسانه، وشَعُرَ إذا وصفتَ ما يختصُّ به النظم من بيانه، وليس كذلك نِعمَ؛ لأنَّ صفة كل مدح تدخل تحتها، وبِئسَ كل صفة ذم تدخل تحتها، ولذلك استُعمل معها الاسم الشائع. والمضمر هنا بمْنزلة الأجناس التي فيها الألف واللام، ولهذا فُسَّر بالنكرة.
وقال بعض أصحابنا: الفعل القاصر منه لزم معنًى من المعاني، وسُلبت عنه دلالته على الزمان بحسب صيغته، فامتنع التصرف فيه، وعلى المصدر، فلا ينصبهما، كأفعال المدح والذمّ. ومنه ما بقي على أصله، كغيرها من الأفعال. وإنما سُلبت ذلك لأنها لزمت المدح والذمّ، وهما لا يكونان إلا بما ثَبت واستمرّ، ولا يُمدح بمعدوم، فلزم الاستمرار، فدلّ على وقوع مستمرّ، ولذلك لا يقال: نِعمَ الرجلُ أمس أو غدًا أو الآن، وقد يُقطع استمرارها بـ (كان)، تقول: لقد كان نِعمَ الرجلُ، ويدلُ على الصيرورة إلى ذلك بـ (صار)، فتقول: لقد صار نِعمَ الرجلُ.
وقال ابن أبي الربيع: «لم يتصرفا لنقلهما عما وُضعا له من الدلالة على الماضي؛ ألا ترى أنك إذا قلت: زيدُ نِعمَ رجلاً، أو بِئسَ رجلاً ــ فالمعنى أنه في حال مدح أو ذمّ، وإذا أردتَ الماضي أدخلتَ كان، فتقول: كان زيدُ نِعمَ رجلاً، وإذا أردتَ المستقبل قلتَ: سيكون زيدُ نِعمَ رجلاً» انتهى. ويجوز أيضًا: سيكون نِعمَ رجلاً زيدُ.
وقوله إنشاءَ المدح والذمّ أي أنَّ نِعمَ لإنشاء المدح، وبئسَ لإنشاء الذمّ. وقد يُسند نِعمَ إلى مَن يراد تقديمه في أمرٍ ونفوذُه فيه وإن كان ذمّا، وبئسَ حيث يراد التأخر وعدمُ النفوذ وإن كان مدحًا، قال الحطيئة:
فَنِعْمَ الشَّيخُ أنتَ لدى الَمخازي
…
وبِئْسَ الشَّيخُ أنتَ لَدى الَمعالي
وقوله على سبيل المبالغة ولذلك جاء في صفة الله تعالى والأنبياء. وربما تُوُهَّمَ أنَّ ذلك ليس على سبيل المبالغة في المدح والذم، روي أنَّ شُرِيك بن عبد
الله النَّخعي القاضي ذكر علي بن أبي طالب ــ كرَّم الله وجهه ــ فقال جليس له: نِعمَ الرجلُ عليُّ. فغضب، وقال: أَلعَليَّ تقول: نِعمّ الرجلُ؟ فأمسك القائل عن شريك حتى سكن غضبه، ثم قال له: يا أبا عبد الله! ألم يقل الله تعالى (ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون)، (فقدرنا فنعم القدرون)، (نعم العبد إنه أواب)؟ قال شريك: بلى. فقال: ألا ترضى لعليٍّ ما رضيه الله لنفسه ولأنبيائه؟ فنَّبهه على موضع غلطه.
وقوله (وأصلهما فَعِلَ، وقد يردان كذلك، أوبسكون العين وفتح الفاء، أو كسرها، أو بكسرهما) قال المنصف في الشرح: «وفيهما أربع لغات: نَعِمَ وبَئسَ، وهو الأصل، /ونَعْمَ وبَاسَ بالتخفيف، ونِعِمَ وبِئِسَ بالإتباع، ونِعْمَ وبِئْسَ بالتخفيف بعد الإتباع، وهذه اللغة أقعد من الأصل وأكثر في الاستعمال. وحكى أبو علي: بَيْسَ، بياء ساكنة بعد فتحة، وهو غريب» انتهى. وأصل بَيْسَ: بَاسَ، أبدلت من الهمزة ياء على غير قياس.
وهذه الأوجه التي ذكروها جائزة فيهما وهما غير متصرفين كانت جائزةً فيهما وهما متصرفان. وتقدَّم قول من قال في نِعْمَ: نعيم، وأنه على سبيل الشذوذ، فلا يجعل ذلك لغةً.
وظاهر قوله وقد يَردانِ كذلك إلى آخره أنه ورد كذلك من لسان العرب مسموعًا ذلك فيهما، والذي يظهر أنَّ بعض تلك الأوجه هو بالقياس، فأمَّا نِعْمَ فسُمع فيها الأصل، قال:
فَفِداءٌ لَبِنِي قَيسٍ على
…
ما أَصابَ الناسَ مِنْ سُرِّ وَضُرْ
خالَتِي والنَّفسُ قِدْمًا إنَّهم
…
نَعِمَ السَّاعُونَ في القومِ الشُّطُرْ
وأمَّا نِعِمَ بالإتباع فقال تعالى {إن الله نعما يعظكم به} ، و {إن تبدوا الصدقت فنعما هى} .
وأمَّا نِعْمَ بالسكون بعد الإتباع فهي الكثيرة الفاشية، ووجه فشُوها أنَّ التغيير يأنس بالتغيير، وأنّ في الإتباع ثقلاً بتوالي كسرتين.
وأمَّا نَعْمَ بفتح النون وسكون العين فلم يذكروا شاهدًا عليه من السماع.
وأمَّا بِئْسَ فقال بعض أصحابنا: إنه لم يسمع فيها إلا لغتان: إحداهما بِئْسَ مخففة عن الإتباع، وبَيسَ مخففة عن الأصل، فدلَّ هذا على أنَّ بِئِسَ بكسر الباء والهمزة، وبَاسَ بفتح الباء وسكون الهمزة، غير مسموع، وأنه إنما قيل بالقياس.
وما حكاه المصنف أنَّ أبا علي حكى بَيْسَ ــ وهو غريب ــ قد حكاه الأخفش. ووجه ذلك أنَّ أصله بَئِس، فخُففت الهمزة بأن جُعلت بين الهمزة والياء، ثم سكنت بعد التسهيل، وأخلصت ياءً على حد قولهم في يومئذ: يوميذ.
وفي كتاب أبي الفضل الصفار: «وأجاز السيرافيُّ في بِئْسَ: بِئِسَ وبِئسَ وبَأسَ، والمسموع إنما هو بِئْسَ، بالهمز وتركه، وحكى الأخفش: بَيْسَ» انتهى.
قال بعض أصحابنا: الأفصح نِعْمَ، وهي لغة القرآن، ثم نِعِمَ، وعليه {فِنعِمَّا هِيَ} ، ثم نَعِمَ، وهي الأصلية، ثم نَعْمَ، وهي في الرتبة الرابعة.
وقوله (وكذا) إلى (أو اسمًا) مثاله شَهِدَ وسَئِمَ ونَعِمَ وسَخِرَ ووَغِرَ، ووَحِرَ، ووَحِلٌ وفَخِدٌ وسَهِكٌ ووَغِرٌ وفَئِرٌ ووَغِلٌ (10) وزَعِرٌ (11)، وسواء أكان الاسم اسمًا أو صفة، فكل هذه يجوز فيها ما ذكر المصنف.
وقد أطلق المصنف وغيره هذا، وينبغي أن يقيد ذلك بشرط ألَاّ يكون مما شذَّت العرب في فكه، نحو: لَحِحَتْ عينُه (12)، أو اتَّصل بآخر الفعل ما يُسَكَّن له، نحو شَهِدتُ، أو كان اسمَ فاعلٍ من فَعِلَ معتلَّ اللام، نحو: ضِحٍ، من قولهم: ضَحِيَ
الثوبُ ضَحًى فهو ضَحٍ إذا اتَّسخ، وسَخًى فهو سَخٍ أيضًا إذا اتَّسخ، وسَخِيَ البعيرُ: ظَلَعَ مِن وُثوبه بالحِمل الثقيل، فتعترضه الريح بين الجلد والكتف، وهو بعير سَخٍ، فإنَّ هذه لا يجوز تسكين عينها. وأنشدوا: /
لو شَهْدَ عادًا في زَمانِ عادِ
…
لابْتَزَّها مَبارِكَ الجِلادِ
وقال آخر:
إذا غابَ عَنَّا غابَ عَنَّا رَبيعُنا
…
وانْ شِهْدَ أجدى خَيرُهُ ونَوافِلُهْ
وقوله (وقد تُجعَل العين الحلقيَّة متُبَعة الفاء في فَعيِل، وتابِعتَها في فَعْل) مثال المسألة الأولى شَهيد وضَئيل وبَعير وصَغير ونَحيف وسَخيف وبَخيل، وسواء أكان اسمًا أم صفة، ومؤنثًا بالتاء كبهيمة أو غير مؤنث، وسواء أكانت الصفة بمعنى فاعِلٍ أو بمعنى مفعول، نحو رَئيّ من الجن،
فيجوز في هذه كلها إتباع فاء الكلمة في الحركة لحركة العين، وهي لغة تميم
ومثال المسألة الثانية فَحْم وقَعْر ودَهْر ونَخْل وكَأس ووَغْد. وهذه المسألة فيها خلاف:
ذهب البصريون إلي أنَّ هذا النوع مقصور على السماع؛ لأنَّ الوارد من ذلك هو مما جاء فيه لغتان: الفتح والسكون، فليس الأصل السكون، ثم عَرض له الفتح لأجل حرف الحلق، وليس أصله الفتح، ثم سُكَّن طلبًا للتخفيف.
وذهب الكوفيون إلي أنَّ بعضه فيه اللغتان، وبعضه أصله السكون، ثم فُتح لأنَّ الفتحة من الألف، وهو من حروف الحلق، فكان في جعلها على العين ــ والعينُ حلقية مسبوقة بفتحة ــ مشاكلةُ ظاهرة ومناسبات متجاورة، قاله المصنف في الشرح.
وقوله (وقد يُتْبَعُ الثاني الأول في مثل نَحَو ومَحَمومٍ) قال المصنف في الشرح: «واختار ابن جني مذهب الكوفيين» ــ يعني في نحو فَحْم ــ قال: «مستدلَاّ بقول بعض العرب في نَحْو: نَحَو، وفي مَحْمُوم: مَحَمُوم، فقال: لو لم تكن الفتحة عارضة لزم انقلاب الواو ألفًا، لكنها فتحة في محل سكون، فعومل ما جاورها بما كان يعامل مع السكون، ولم يُعتدّ بها. وكذا فتحة مَحَموم، لو لم تكن عارضة لزم ثبوت مَفَعُول أصلاً، ولا سبيل إلى ذلك، لكن فتحة الحاء منه في محل سكون، فأُمن بذلك عدم النظير، وكان هذا التقدير أحسن تقدير» انتهى.
وهذا في العُروض شبيه جَيْئَلَ وتَوْءمٍ ويَسَعُ ويَضَعُ وبُيوت إذا قلت: جَيَلُ وتَوَمٌ، فلم تقلب الياء والواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ولم تقل يَوْسَعُ ويَوْضَعُ كَيوْجَلُ لعُروض هذه الفتحة؛ إذ الأصل يَوْسِعُ ويَوْضِعُ، ولم تَعتدّ بكسرة بِيُوت فاحتملتها لعُروضها، ولم تحتمل في فِعُل المفرد.
وقوله وقد يقال في بِئْسَ: بَيْسَ تقدَّم نقل ذلك عن أبي عليٍّ في كلام المصنف في الشرح، ونقلناه نحن عن الأخفش، وتقدَّم توجيهه. وقال المصنف في الشرح:«الوجه فيه أنَّ أصل بَيْسَ: بئْسَ، فخفف: بِيسَ، ثم فُتحت الباء التفاتًا إلى الأصل، وتُرك ما نشأ عن الكسرة؛ لأنَّ استعمالها أكثر، فكانت جديرةً بأن تُنوى مع رجوع الفتحة لشبهها بالعارضة في قلة الاستعمال» انتهى. وهو توجيه مخالف لما ذكرناه نحن في توجيه ذلك.
-[ص: فاعلُ نِعْمَ وبِئْسِ في الغالب ظاهر معروف بالألف واللام، أو مضافُ الى المعرَّف بهما /مباشرًا أو بواسطة، وقد يقوم مقام ذي الألف واللام «ما» معرفًة تامةً، وفاقًا لسيبويه والكسائي، لا موصولةً، خلافًا للفراء والفارسيّ.
وليست بنكرة ممّيزة، خلافًا للزمخشريّ والفارسيّ في أحد قوليه. ولا يؤكد فاعلهما توكيدًا معنويَّا، وقد يُوصَف، خلافًا لابن السّرّاج والفارسيّ، وقد ينكرّ مفردًا أو مضافًا.]-
ش: تقدَّم القول في نِعمَ الرجلُ وبِئسَ الرجلُ في ذكر الخلاف، وكيف يكون إعرابهما على مذهب من ادَّعى فيهما الاسمية. وأمَّا القائلون ببقائهما على الفعلية فالأكثرون على أنَّ ما بعدهما مرتفع بهما على أصله من الفاعلية.
وذهب ابن الطَّراوة إلى أنه مركب بمْنزلة حبَّذا للزومه طريقةً واحدة وتغيُّر الفعل عن أصله، وذلك يدلُّ على التركيب، فيكون عنده على مذهبه في تغليب الاسم في باب حبَّذا، فيكون بمعنى الممدوح، فَيقرُب من مذهب الكوفيين.
ورُدَّ عليه بأنهم لو رَكَّبوا لَبَنَوُا الآخر علي الفتح كخمسةَ عشرَ، ولأنهم لم يلزموا به طريقةً واحدةً؛ ألا تراه يكون بالمضاف وبـ «من» و «ما» وبالنكرة على
مذهب من أجاز ذلك، فقد تصرَّف، ولم يُسمع مثله في حبَّذا، وبأنَّ التاء تلحق لتأنيث الفاعل، وكل ذلك لا يدلُّ على التركيب.
وقوله في الغالب لأنه يجيء على خلاف ما ذكر مما سيذكر إن شاء الله. ومثالُ ما عُرِّف بأل {نعم المولي ونعم النصير} ، {ولبئس المهاد}
ومثال ما أضيف إلى ذي أل مباشرًا {ولنعم دار المتقين} ، {فبئس مثوى
المتكبرين}. ومثال ذلك بواسطة قول الشاعر:
فإنْ تَكُ فَقْعَسٌ بانَتْ وبِنَّا
…
فَنِعْمَ ذَوُو مُجامَلةِ الَخليلِ
وقول الآخر:
فَنِعْمَ ابنُ أُختِ القومِ غيرَ مُكَذَّبٍ
…
زُهَيرٌ حُسامٌ مُفْرَدٌ مِن حَمائلِ
ولم يتعرض المصنف لـ «أل» هذه، وفيها خلاف:
ذهب الجمهور إلى أنها جنسية، واختلف هؤلاء:
فقال قوم: هي جنسية حقيقية، فإذا قلت: نِعمَ الرجلُ زيدٌ، فالرجل عامّ،
والجنس كله هو الممدوح، وزيد مندرج تحت الجنس لأنه فرد من أفراده، فأل فيه للجنس.
واستدل على أنها للجنس بوجهين:
أحدهما: التزام أل في فاعلهما أو فيما أضيف إليه فاعلهما، ولو لم تكن للجنس لكان فاعلهما كل اسم، والمفرد المعروف بأل تكثير إرادة الجنس به، كما قالوا: أهلكَ الناس الدينارُ الصُّفْرُ والدرهمُ البيضُ، وقال تعالى {والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا} ، فاستثني من (الإنسان)، وهو مفرد، فلولا أنه أريد به الجنس لما حسُن الاستثناء، وقال الشاعر:
بِهم هَدى اللهُ جميعَ الإنسانْ
…
مِنَ الضلال، وهُم كالعُمْيانْ
وقال آخر:
إنْ تَبْخَلِي ــ يا جُمْلُ ــ أو تَعْتَلِّي
…
أو تُصْبِحي في الظاعِنِ المُوَلِّي
/وكذلك المضاف إلى ما عُرِّف بهما، كقوله:(مَولى القومِ منهم)؛ ألا ترى أنه يريد بذلك جميع الموالي.
والوجه الثاني: قول العرب في فصيح كلامها: نعمَ المرأةُ هندٌ، وبئسَ المرأةُ جُملٌ، فلا تلحقهما تاءَ التأنيث، ولا يقولون «قامَ فلانةُ» في فصيح الكلام، فدلَّ ذلك على أنَّ أل للجنس، فمن ذَكَّرَ فلأنَّ الجنس مذكر، ومن أَّنَّثَ فَرَعْيًا للَّفظ،
كقولهم: قال النساء، وقالت النساء، أحدهما على الجمع، والثاني على الجماعة، كذلك
هنا على الجنس واللفظ.
واختلف الذاهبون إلى أنَّ أل للجنس حقيقة في سبب كونه جنسًا وتوجيه المدح فيه للشخص مع أنه واقع على الجنس:
فقيل: لَمَّا كان الغرض عموم المدح واستغراقه في الثبوت للممدوح المخصوص، وكان الأبلغ في إثبات الشيء أن يُجعل للنوع الذي الممدوح منهم، حتى لا يكون طارئًا عليه، ويحسب أنه يزول ويرتفع ــ عدلوا إلى مدح الجنس،
فكأنك قلت: زيدٌ نِعمَ جنسُه وقوله أي: ثَبَتَ لهم الوصف الجميل والصلاح، وما ثَبَتَ للجنس ثَبَتَ لأفراده، فَتثُبت للممدوح تلك الفضيلة، ولا تكون إلا بالاستغراق في واحد واحد، وهذا تأويل س، ولذلك قال:«لأنك تريد أن تجعله من أُمَّة كلُّهم صالحٌ» ، ولذلك شبهه بقولك: زيدُ فارهُ العبد، تريد أنَّ في ملكه العبد الفارهَ لا عبدًا بعينه.
وقد رُدَّ هذا بوجهين:
أحدهما: أنك إذا مدحت الجنس جعلت المقصود بالمدح تبعًا لهم، فيصير المقصود غير مقصود، ولأنَّ ما ثَبت للشيء على جهة الشَّركة فيه لا يكون مدحًا يؤثر ميلاً إلى الممدوح بخصوصيته، والمراد بالمدح ذلك.
والثاني من وجهي الرد: أنه يؤدي إلى التكاذب في مدح الجنس وذمه إذا قلت: نِعمَ الرجلُ زيدٌ، وبئسَ الرجلُ عمرٌو، ولا يكون الشيء ممدوحًا مذمومًا، وقال تعالى {نِعْمَ الَعَبَدُ} يعني أيوب، وليس كل العبد ممدوحا.
وقيل: السبب في ذلك أنه لَما كان الفعل عامَّا في المدح جعلوا فاعله عامَّا ليطابق الفعل؛ إذ لا يكون الفعل عامَّا والفاعل خاصَّا.
وقيل: السبب في ذلك أنهم أرادوا الإبلاغ في المدح حتى تعدَّى إلى جنسه بسببه؛ كما يقال: شَقِيَ بابنه، وعَظُمَ بأخيه، إذا كان ذلك سبب تعظيمه لكونه بحيث يعظُم غيره بسبه، فمعناه: زيدٌ يُمدَح جنسه لأجله، فُترك هذا للعلم به، كما تقول لمن لبس ثيابًا: أنتَ الآن حسنٌ، تريد: بسبب ثيابك.
وقد رُدَّ هذا بأنه لو كان المعنى على هذا لَلُفِظ بالسبب في بعض المواضع،
ولم يُلفَظ به، فدلّ على فساد هذا القول.
وقال قوم: هي جنسية مجازًا، فإذا قلت «زيدٌ نِعمَ الرجلُ» فزيدُ جعلتَه جميع الجنس مبالغةً، ولم تقصد غير مدح زيد بذلك، وكأنك قلت: نِعمَ زيدٌ الذي هو جنس الرجال، كقولهم: أكلتُ شاةً كلَّ شاة، جُعلت لَمِّا كانت هذه من الوفور والسَّمن كأنها كلُّ الشَّياة، وكقولهم: كُلَّ الصَّيدِ في جَوفِ الفَرا، وهو حمار الوحش، جُعل لجلالته كأنه بمنْزلة جميع الصَّيد.
ووجه التثنية على هذا أنَّ /كل واحد من الشخصين كأنه على حدته جنس، فاجتمع جنسان، فثنِّيا، فأنك قلت: الزيدانِ نِعمَ الرجلان اللذان كلُّ واحد منهما جنس.
وذهب بعض النحويين إلى أنَّ أل في نِعمَ الرجلُ زيدٌ، وبئسَ الرجلُ عمرٌو، عهدية. واختلف هؤلاء على مذهبين:
أحدهما: أنه معهود ذهبي لا خارجي، كما نذكره في تعريف أل؛ إذ من أنواعها التعريف الذهني، فتشير إلى ما في الأذهان من تصور رجل، كما تقول:
اشتريتُ اللحمَ، ولا تريد الجنس ولا معهودًا تقدَّم، فكذلك هذا. وصحَّ أن يكون خبرًا على ما نذكره بعد إن شاء الله.
المذهب الثاني: أنها للعهد في الشخص الممدوح، فكأنك قلت: زيدٌ
نعمَ هو.
وإلى هذا ذهب الأستاذ أبو إسحاق بن مُلكون من أصحابنا، وأبو منصور الجواليقي اللغوي من أهل بغداد.
واستُدلَّ لهذا المذهب بتثنية المرفوع بهما وجمعه، فلو كانت أل للجنس أو للعهد الذهني لا الخارجي لم تجز تثنيته ولا جمعه؛ لأنها إذا كانت للجنس استَغرقت جميع أفراده، ولأنها إذا كانت للعهد الذهني كانت لمعقول الماهية، وذلك شيء مفرد، فلا يصحُّ فيها إذ ذاك لا تثنية ولا جمع.
وهذا المذهب لا يتأتى إلا على مذهب الأخفش في كون الرابط يكون تكرار المبتدأ بغير لفظه، كما أجاز: زيدٌ قام أبو عمرو، إذا كان أبو عمرو كنية زيد. وقد أبطلوا مذهب الأخفش في كون الربط يكون بهذا، وما ابتنى على الباطل. وأمَّا على مذهب س في أنَّ أل للعموم فلا ينبغي أن تصح التثنية ولا الجمع.
وأمَّا من جعله للجنس مجازًا فيسوغ له ذلك؛ لأنك تجعل كل واحد من المثَّنى والمجموع كأنه جميع الجنس مجازًا. وقد نُوزع أهل هذا المذهب في كون الجنس لا يثنَّى، وزعموا أنه قد جاء مثنَّى في قول الشاعر:
فانَّ النارَ بالعُودَينِ
…
تُذْكَى
…
وانَّ الَحربَ أَوَّلُها
…
الكَلاُم
ألا ترى أنه لا عهد في قولك: فإنَّ النارَ بالعُودَين.
وقال بعض أصحابنا: «فإن قيل: كيف طريق الاستقراء في هذا، ولم يسمع النحوي سوى نِعمَ واسمٍ بعدها معرَّف بالألف واللام، والاسمُ المعرَّف بالألف واللام مشترك بين الجنس والعهد، فما الذي حمله على أن يقول: لا تكون إلا للجنس؟
فالجواب: أن ذكر حذف التاء في (نعمَ المرأةُ هندٌ) في الفصيح والتزام أل في فاعلها، ولا يُلتزم في اسمٍ من جهة الإخبار عنه إلا لأحد أمرين: إما لحصرِ الصنف، وإما لعهدٍ في شخص، وكلُّ ما تكون فيه أل للعهد يَسوغ زوالها منه وتصريفه على غير معنى العهد؛ إذ معنى العهد عارض في الكلام وراجع إلى وضعٍ باختيار من المتكلم، وأل الُمنبئةبالحصر لا يمكن زوالها؛ لأنها مبيِّنة لحقيقة الاسم، تنَزل من الكلام منْزلة بنية الجمع؛ ألا ترى أنه لا سبيل لك إلى هدم بنية الجمع من الإخبار؛ لأنه لا تؤدي بنية المفرد معناه، وأل العهدية ليس لها من جهة حقيقة الاسم في نفسه /زيادة سوى تخصيصه، والتخصيصُ أمرٌ زائد عليه، ووجدنا العرب قد التزمت أل هنا، فعرفنا أنها لم تلتزمها إلا لكونها تفيد في حقيقة الاسم ما لا يمكن تحصيله دونهما من جهة ضرورة الإخبار.
فإن قيل: هاتان الدلالتان اللتان ذكرنا غايُتهما أن تؤثرا ظَّنا في الموضع لا قطعًا، وربما يُعترض فيهما، فيقال: قولهم: نِعْمَتِ الرأةُ، ونِعمَ المرأةُ في فصيح الكلام ــ إنما سقطت التاء لأنَّ الفعل غير متصرَّف فيه كما تُصُرَّفَ في سائر الأفعال، ولا يلزم عليه اطَّراد ذلك في ليس، وإن كانت لم تتصرف؛ لأنه ما ثبتَ فيه حكم أصل قوي لا يُسأل عنه لأي شيء ثبت فيه، إنما يُسأل عنه إذا لم يثبت فيه، فهذه الدلالة الواحدة معترضة. والدلالة الثانية كذلك؛ لأنَّ مجرد التزام أل لا
يدل على الجنس؛ إذ يمكن أن تكون للعهد، وتكون أولا موضوعة عليه، فإذا كان الكلام موضوعًا عليه كان المعنى لا يحصل دونه، فلا سبيل إلى إزالتها؛ لأنها أن أزيلت لم يبق ما يدل على ما وُضع الكلام عليه؛ ألا ترى أنَّ هذه الجملة ــ أعني جملة المدح والذمَّ ــ كيف التُزم فيها أن تكون خبرًا لمبتدأ، هو المخصوص بالمدح أو الذمّ إن تقدم، أو مفسَّرًا فاعلها به إن تأخر، فلا بدَّ من ذكره على كل حال، فتلك إحالة عليه، ولا مانع من هذا التصور.
فإن قيل: قد ذكرت الدلالتين ومعارضتهما، وأوجبتَ عند ذاك أن تكون أل عهدية، أو حَّملت الموضع ذلك، فهلاً بسطت القول في معنى المحتملين؛ إذ هما متباينان، وتنسب ذلك لمعنى المدح أو الذمّ، فربما يلوح عند ذلك أحد المحتملين، فُيصار إليه، ويُعوَّل عليه، أو يتكافأ الامران، فتكون، المسألة مسألة خلاف.
قلت: أمَّا المعنى المؤدَّى بأل الجنسية منسوبًا لمدح أو ذمّ في حق المخوص بأحداهما فهو بطريق سراية، ولهم في ذلك منْزعان:
أحدهما: أنك إذا قلت زيدٌ نعمَ الرجلُ كنت مادحًا لزيد بإسنادك بنية المدح لجنسه، وإذا كنت قد مدحت جنسه ضمن ذلك مدحه، وهذا هو الذي جرى عليه أكثرهم، والجنس مع هذا مأخوذ على الحقيقة.
والمْنزع الآخر: هو أن تجعل الممدوح هو جميع الجنس مبالغة، فإذا قلت: زيدٌ نعمَ الرجلُ، فكأنك قلت: زيدُ نِعمَ زيدُ، ولكن وضعتَ اسم الجنس موضعه مضمنًا تشبيه زيد بجنسه، والجنسية مستفادة على هذا. وجعل صاحب هذا المْنزع هذا المعنى من باب:
وليسَ لِلَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ
…
أنْ يجمَعَ العالَمَ في واحدِ
ومثل المعنى في قولهم «أكلتُ شاةً كلَّ شاةٍ» إذ جعلت الشاة المذكورة كأنها جميع الشياه مبالغةً. قال: ومثل قولهم: «كلُّ الصيَّد في جوف الفَرَا» .
قلت: هذا لا يُنكر في المعاني، وهو من قبيل المبالغة وتشبيه الأقل بالأكثر، وإقامة الجزء مقام الكل عند وصف فيه مستحسن من باب التجوز، ولكن لم ترد العرب هذا المعنى إلا /بألفاظ تنصّ عليه، وموضعنا هذا ليس فيه من التنصيص على هذا المعنى قليلُ ولا كثيرٌ، فهو حال لا يعوَّل عليه.
واعلم أنَّ النحوي ليس في استطاعته فهم هذا من العربي إلا لو شرحه ونظره، وهذا لم يُنقل فعله عن العرب، فلا سبيل إليه إلا أن يكون المدح يسري إلى زيد من ذكر جنسه بعد صيغة المدح على المنْزع الأول.
وأمَّا إذا أخذنا أل عهدية فتقول: زيدٌ نِعْمَ الرجلُ، أو نِعْمَ الرجلُ زيدٌ، وعنيت بالرجل زيدًا، وبزيد الرجل، كنت قد قرنت بنية المدح بالعبارة الداَّلة بمطابقة على الممدوح من غير تكلُّف.
لكن بقي عليك أن يقال: ما فائدة ذكرك الرجل مع زيد إذ هو هو، هلَاّ قلت «نِعْمَ زيدٌ» إذا أردت مدحه، كما تقول: ما أحسنَ زيدًا! إذا أردت التعجب منه من غير زيادة شيء آخر؟
فنقول: قد كان ذلك لهم لو اختاروه، ولكن جرت طباعهم على أن يذكروا الممدوح أو المذموم بعبارتين، إحداهما ليس لها به اختصاص؛ لأنها صادقة على آحاد
جنسه، ثم يبينونها بالعبارة المختصة به ليكون أمداح له وأبين لحقيقته؛ إذ الاسم الدالُّ عليه مفردًا إذا اجتمع مع الاسم الذي يفهم بالجنس لم يبق إشكال على السامع. وهذا، وليناسب الإسهاب المألوف في المدح والترقي من الإبهام إلى الشهرة، وهو حسنُ.
ومما يُسَنِّي هذا، بل يُنَزَّل منْزلة البرهان على أنَّ المقصود بالاسم المعروف بأل ذات المخصوص بالمدح والذم ــ كونه يثنَّى بتثنيته، ويُجمع بجمعه، ويُفرد لإفراده، ولو كان عبارة عن الجنس ــ كما زعموا ــ لم يَسغ ذلك؛ ألا ترى أنَّ المستفيض: الزيدان نعمَ الرجلان، ونعمَ الرجلان الزيدان، والزيدون نعمَ الرجالُ، فقد وضح صحة هذا المعنى وسهولة المنْزع في اللفظ الدال عليه. نذكر ارتباط الجملة بالمبتدأ بعد هذا، إن شاء الله» انتهى كلامه، وهو ترجيح لمذهب من ذهب إلى أنَّ أل عهدية في الشخص خارجًا لا في الذهن.
وقال أبوبكر خطّاب الماردي مؤلف كتاب «الترشيح في النحو» :)) كل شيء لا نظير له، ولا هو واحد من جنس يَشرَكه في اسم ــ لا يجوز وقوع نعمَ وبئسَ عليه، لو قلت: نِعْمَت الشمسُ هذه، ونِعمَ القمر هذا ــ لم يجز من حيث جاز: نِعمَ الرجلُ، ولو قلت: نِعمَ القمرُ زيدٌ، ونِعمَت الشمسُ هندٌ، ــ لجاز على التشبيه، ولو قلت: نِعمَ القمرُ ما يكون لأربعَ عشرةَ، ونِعمَت الشمسُ شمسُ السُّعود ــ جاز ذلك؛ لأنك أردت تفضل أحوالهما، كما تقول: هذه الشمس حارّة، وهذه الشمس باردة» انتهى. وهذا بناء على أنَّ أل جنسية، وشرط في الجنس أنه لا يكفي تصوره بل وجوده في الخارج في أشخاص.
وقوله وقد يقوم إلى قوله في أحد قوليه قال المصنف في الشرح
«ما في نحو نِعمَ ما صَنَعتَ عند س والكسائي فاعلُ بمنْزلة ذي الألف واللام، وهي معرفة تامَّة، أي: غير مفتقرة إلى صلة. وهي عند الفراء 4 والفارسي فاعلة موصولة مكتفًى بها وبصلتها عن المخصوص.
وأجاز الفراء أن تُرَكَّب نِعمَ وبئسَ مع ما تركيب حبَّ مع ذا، فيليهما مرفوع بهما، كقول العرب: بِئْسَما /تزويجُ ولا مهرَ.
والصحيح جعلُ (ما) فاعلة ببئسَ، وكونهما خبر: تزويجُ ولا مهرَ، والتقدير: بئسَ الترويجُ تزويجُ مع انتفاء المهر. وجعل الزمخشري والفارسي ــ في أحد قوليه ــ ما نكرة مميزة، وسيأتي إبطال ذلك».
وقال أيضًا (10) «ويَقَوِّي تعريف ما بعد نِعْمَ كثرةُ الاقتصار عليها في نحو: غَسَلتُه غَسلاً نِعِمَّا (11)، والنكرة التالية نِعمَ لا يُقتصر عليها إلا في نادر من القول، كقول الراجز (12):
تقولُ عِرْسِي وَهْيَ لِي في عَوْمَرَهْ
…
بِئْسَ امْرأً، وإنَّنِي بئِسَ الَمرَهْ»
انتهي. وليس بنادر كما قال، لقوله تعالى {بئس للظلمين بدلا} ،
فهذا كقوله: بئسَ امرأً.
ولم يبيِّن المصنف ما موضع الجملة الفعلية بعد «ما» إذا كانت ما معرفةً تامَّة؛ ولا استوفى الخلاف في المسألة.
وجماع القول فيها أنه إذا جاءت بعد نِعمَ وبئسَ «ما» فإمَّا أن يجيء بعدها اسم أوفعل:
إن جاء بعدها اسم نحو: نِعِمَّا زيدٌ، وبئسَما عمرٌو، كانت تمييزًا نكرة غير موصوفة، وتكون نعمَ وبئسَ قد أُضمر فيها ما كانت «ما» تمييزًا له، والمرفوع بعدها هو المخصوص بالمدح أو الذمّ، والتقدير: بئسَ شيئًا عمرٌو، ونِعمَ شيئًا زيدٌ.
وإن جاء بعدها فعلُ، نحو قوله تعالى {بئسما اشتروا به أنفسهم}
كانت «ما» أيضًا تمييزًا نكرة موصوفة بالفعل الذي بعدها، وفيها ضمير مفسَّر بـ «ما» ، والمخصصوص بعدها مذكور أو محذوف لدلالة المعنى عليه. هذا مذهب البصريين في نقل بعض أصحابنا.
وقد قال س في قولهم «غَسَلتُه غَسلاً نِعِمَّا» : «أي: نِعْمَ الغَسلُ، وكقولهم: إني ممَّا أنْ أَصنعَ، أي: مِن الأمرِ أنْ أصنعَ» ، فحَمل ما على أن تكون معرفةً كالموصول، ويكون قوله تعالى {فنعما هىَ} من هذا، أي: فِنعمَ الشيءُ هي،
أي: بذلك الوصف من الإبداء. ويُروى جواز ذلك عن الكسائي في قوله «بِئسَما
تَزويجُ ولا مَهرَ»، أي: بئسَ التزويجُ تزويجُ عَرِيَ عن المهر، كما تقول: نِعمَ الرجلُ زيدُ. وكذلك: ساءَ ما صَنعتَ، أي: ساءَ الصنعُ صنعُك. وكذلك قدَّره المبرد في: دَقَقْتُه دَقَّا نِعِمَّا، أي: نِعْمَ الدَّقُّ.
وكونها معرفةً تامَّة هو مذهب ابن السراج والفارسي وأحد قولي الفراء.
وإذا كان النقل عن س والمبرد 1 وابن السراج والفارسي أنهما معرفة تامَّة فلا ينبغي أن يُطلق أنَّ مذهب البصريين أنها تكون نكرة منصوبة؛ إذ قول هؤلاء ــ وهم جِلَّة البصريين ــ يخالف هذا القول.
وقد أجاز الجرميُّ في نِعمَ ما صنعتَ أن تكون ما اسمًا تامَّا، كأنك قلت: نِعمَ الشيءُ صنعتَ، وأن يكون نكرة منصوبة، أي: نِعمَ شيئًا صنعتَه. قال صاحب «البسيط» فيه: «ورَدَّه بعض البصريين؛ لأنَّ ما لا تكون معرفة إلا موصولةً، وحملوا هذه على أنها نكرة منصوبة. وجوزه الكسائي أيضًا. والمعنى: ساءَ شيئًا صنعُك، وبئس شيئًا تزويجُ ولا مهرَ، كما تقول: نِعمَ رجلاً زيدٌ. وهذا أيضًا ضعيف؛ لأنها لا تكون نكرةً في كلامهم غير موصوفة، وإنما يجوز تأويلها بذلك في قوله تعالى
{بئسما اشتروا به أنفسهم} ، وكقوله تعالى {قل بئسما يأمركم به إيمنكم} انتهى.
وقد أجاز /هذين الوجهين في «ما» ابن كيسان، أجاز أن تكون اسمًا تامًا مرفوعًا، وأجاز أن يكون منصوبًا، فيجرى مجرى المعرفة مرة ومجرى النكرة مرةً.
وقد ضُعَّفَ النصبُ على التمييز بأنَّ التمييز لا بُدَّ أن يكون قابلاً للألف واللام؛ وهذا معلوم بالاستقراء، وبأن التمييز إنما يجاء به لتبيين جنس المميَّز إذا أبهم، و «ما» في غاية الإبهام، فلا تكون تمييزًا، وقد قال س:«فأمَّا ما فإنها مُبهَمة تقع على كل شيء» وقد نص أصحابنا على أنه لا يُميَّز بالأسماء المتوغلة في البناء ولا بالأسماء المتوغلة في الإبهام كشيء وموجود وشبههما، ولا اسمَ أدخلُ في البناء والإبهام من «ما» ، فلا يجوز التمييز بها.
وقد ردَّ أبو ذَرَّ مُصعب بن أبي بكر الُخشَنِيّ على أبي علي الفارسيّ تخريجه قوله تعالى {فنعما هي} على أن تكون «ما» تامَّة في موضع نصب على التمييز، وكان يقول: هي كالمضمر المجهول الذي في نِعمَ، لا يُدرى ما يُعنَى به، وكذلك ما، ولا يُفَسَّر الشيء بما هو مثله في الإبهام، وإنما ينبغي أن تكون «ما» فاعلة نِعمَ، أي: فنِعمَ الشيء هي.
وهذا الذي قاله أبو ذَرَّ مخالف لقول ابن مُلكون، قال:«(ما) هنا أشدُّ إبهامًا من (شيء)، وموقعها هنا أحسن موقع؛ لأنَّ القصد في المدح والذم تعميم جنس الممدوح والمذموم، فكأنه هنا مدح كل شيء لأجل الذي ذكر، أو ذم كل شيء» انتهى.
وذهب قوم إلى أنَّ ما مع نِعمَ وبئسَ كالشيء الواحد، لا موضع لها من الإعراب، قالوا: والاسم الواقع بعدها مرفوع بِنعمَ وبئسَ، ومَن قال: بَئسَت المرأةُ هندٌ لم يقل: بِئسَتْ ما هندٌ، ومَن أجاز: نِعمَت المنْزلُ مكةُ لم يلزمه أن يقول: نِعمَتْ ما جاريتُك.
فإذا جئت بعدَ «ما» بالفعل، نحو: نِعمَ ما صنعتَ ــ فـ «ما» محذوفة، والتقدير: نِعْمَ ما ما صَنعتَ، فـ «ما» الأولى مبهمة، والثانية يفسِّرها ما في صلتها، وكفَت إحداهما عن الأخرى.
واختلفوا في المحذوفة: فقال الكسائي: المحذوفة هي الثانية. وقال الفراء: المحذوفة هي الأولى.
ولا يَحسُن في الكلام «بئسَ صنعُك» حتى تقول: بئسَ الصنعُ صنعُك، وهذا كما تقول: أظنُّ أن تقوم، لايَحسُن: أظنُّ قيامَك، وإن كان بمعناه، حتى تقول: أظنُّ قيامَك سريعًا، أو نحوه مما تريد من المعنى. وإنما حسُن: نِعمَ ما صنعتَ، وأظنُّ أن تقوم، حين صار الكلام على قسمين، وكفى من الاسمين اللذين بعد الظنّ ونعمَ.
قالوا: فإن قدَّرت (ما) تقدير (الذي)، و (الذي) لا يجوز أن يلي نِعمَ وبئسَ، وليس الآن قبله ما تعتمد نِعمَ عليه من المفسر، فهناك (ما) محذوفة مكتفًى منها بالذي وصلت بالفعل، وتقديرها لو جيء بها تقدير المنصوب. وإن جعلتَ ما في معنَى ما فيه أل اكتفيتَ بها من التي في معنى الذي، فصارت كقول العرب: نِعمَ الرجلُ عندك، ونِعمَ الرجلُ أكرمت. انتهى نقل هذا المذهب.
وهذا الذي ذُكرأنه من كلام العرب فيه خلاف، ذكره ابن أصبغ، قال:«أجاز الكسائي: نِعمَ الرجلُ يقوم، ونِعمَ الرجلُ عندي، ومنعه أكثر النحويين» انتهى. /وقد جاء في الشعر ما يدل على جواز: نِعمَ الرجلُ يقوم، قال الأخطل:
إلى خالدٍ، حتي أُنِخْنَ بخالدٍ
…
فنِعْمَ الفَتى يُرجَى، ونِعْمَ المُؤَمَّلُ
وقال الآخر:
لَبِئسَ المَرءُ قد مُلِئَ ارْتِياعًا
…
ويَأبَى أنْ يُراعي ما يُراعَى
التقدير: فَتًى يُرجَى، ومَرءُ قد مُلئ، حَذف المبتدأ، وأقام الصفة التي هي فعل مقامه، كما قال:
وما الدهرُ إلا تارتانِ: فمِنهما
…
أَمُوتُ، وأُخرى أَبَتغي العَيشَ أَكْدَحُ
أي: فمنهما تارةٌ أَموت فيها.
وهذا الذي روي عن الكسائي من حذف الموصوف هو مع المرفوع، ومَنع من ذلك مع المنصوب، فيقول: نِعمَ الرجلُ يقوم، ولا يجيز: نِعمَ رجلاً يقوم.
ويعني أنه يُجيز الحذف بعد الاسم الظاهر المرفوع بِنعمَ، ولا يُجيز الحذف بعد الاسم المنصوب بعد نِعمَ. وعلَّة ذلك عنده بعد النكرة أنَّ الاسم فاعل بنِعمَ، والفاعلُ لا يجوز حذفه وإقامة الفعل مقامه، وأمَّا بعد المرفوع فإنه مبتدأ.
وتلخص من هذه النقول أنّ في [ما في] مثل «بِئْسمَا تَزويجُ ولا مَهْرَ»
ثلاثة أقوال: فاعل، أو تمييز، أو تركيب مع بئسَ، وتزويج فاعل. وفي مثل «نِعِمَّا صنعتَ» سبعة أقوال: أن تكون ما فاعلاً اسمًا معرفة تامَّا، والمخصوص محذوف، والفعل صفة له، والتقدير: نِعمَ الشيءُ شيءُ صنعتَ، وهذا مذهب المحققين من أصحاب س، يجعلون التقدير: نعمَ الشيءُ شيءُ صنعتَ. أو تكون منصوبة على
التمييز موصوفة بالفعل، والمخصوص محذوف. أو منصوبةً على التمييز، والفعل صفة لمخصوص محذوف، التقدير: نعمَ شيئًا شيءٌ صنعته. أو موصولةً، والفعل صلتها، والمخصوص محذوف. أو موصولةً، وهي المخصوص، و (ما) أخرى تمييز محذوف، التقدير: نِعمَ شيئًا الذي صنعته. أو تمييزًا، والمخصوص (ما) أخرى موصولة، والفعل صلة لها. أو مصدرية، وينسبك منها مصدر تقديرًا، وهو فاعل نِعمَ.
وقوله ولا يؤكّد توكيدًا معنويَّا قال المصنف في الشرح: «لا يؤكَّد فاعل نِعمَ وبئسَ توكيدًا معنويَّا باتَّفاق؛ لأنَّ القصد به رفعُ توهُّم إرادة الخصوص بما ظاهرُه العموم، أو رفعُ توهُّم المجاز بما ظاهرُه الحقيقية، وفاعلُ نِعمَ وبئسَ في الغالب بخلاف ذلك؛ لأنه قائم مقام الجنس إن كان ذا جنس، أو مؤوَّل بالجامع لأكمل خصال المدح اللائقة، أو لأكمل خصال الذمّ، والتوكيد المعنوي منافٍ للقصدين، فاتُّفق على منعه» انتهى.
ومَن ذهب إلى أنَّ أل عهدية وأنَّ الرجل هو نفس المخصوص فلا تجيء هذه العلة على مذهبه؛ بل يمكن أن يُجيز أن يؤكَّد توكيدًا معنويَّا؛ لأنه لا يراد به الجنس، بل يصير نظير: جاءني رجلُ فأكرمتُ الرجلَ نفسهَ.
وقال المصنف في الشرح: «وأمَّا التوكيد اللفظي فلا يمتنع لك أن تقول: نِعمَ /الرجلُ الرجلُ زيدٌ» انتهى.
وينبغي ألا يُقدمَ على جواز ذلك إلا بسماع من العرب؛ لأنَّ فاعل نِعمَ وبئسَ له أحكام مغايرة لكثير من أحكام فاعلِ غيرها من الأفعال.
وقوله وقد يُوصَف، خلافًا لابن السراج والفارسي أمَّا مَن منعَ وصفه فهو قول الجمهور، وأجازه قوم، وقال أبو عبد الله النُّميَري: لا يجوز وصف نِعمَ وبئسَ عند البصريين لما في ذلك من التخصيص الذي ينافي الشياع المقتضى منه عموم المدح والذم. ومما استُدِلَّ به على جواز النعت قول الشاعر:
نِعْمَ الفَتَى المري أَنتَ إذا هُمُ
…
حَضَرُوا لَدَى الحُجُراتِ نارَ المُوقِدِ
ومَن مَنع ذلك تأوَّله على البدل، فالتقدير عنده: نِعْمَ الفَتى نِعْمَ المُرَّيُّ أنت.
وتخصيص المصنف من التوابع التوكيد المعنوي والوصف بالذكر دليل على جواز العطف والبدل، وينبغي ألا يجوز منهما إلا ما جاز أن تباشره نعمَ وبئسَ. وقال صاحب «البسيط» فيه:«والاسم المرتفع بهما الأحسن فيه أن يكون جامدًا؛ لأن المراد بيان الجنس على قول الأكثرين، وهو بيان ُ لذات، ولأنَّ الوصف يُشعر بأنه هو الممدوح به، وبابُ نعمَ وبئسَ عامّ، لا يذكر فيه الممدوح به» انتهى.
وينبغي ألا يُفصل بين نعمَ وبئسَ وفاعلهما بظرف ولا مجرور ولا غيرهما إلا بسماع من العرب؛ وقد قال ابن أبي الربيع: «ولا يجوز أن يُفصل بين نعمَ وفاعلها بشيء ولا بالظرف ولا بالمجرور، ولا تقول: نعمَ في الدار الرجلُ زيدٌ، وتقول: نِعمَ الرجلُ في الدار زيدٌ» .
وقال في البسيط: «ويصحُّ الفصل بين الفعل والفاعل لتصرُّفه في رفعه الظاهر والمضمر وعدم التركيب» انتهى.
فإن كان معمولاً للفاعل، نحو: نعمَ فيك الراغبُ زيدٌ ــ فمنعَ ذلك عامَّة النحويين، وأجازه الكسائي. ورُدَّ لأجل الفصل، ولأنَّ فيه تقدم معمول صلة أل عليها، وقد جاء في الشعر ما يدلُّ علي الجواز، قال رِفاعةُ الفَقعَسِيُّ:
يبادرن
…
الدِّيارَ
…
يَزِفْنَ
…
فيها
…
وبِئْسَ
…
مِنَ الَملِيحاتِ البَدِيلُ
ووجدتُ في شعر العرب الفصل بين بئسَ ومرفوعها بـ «إذًا» ، قال الشاعر:
أَرُوحُ، ولم أُحْدِثْ لِلَيلَى زِيارةً
…
لَبِئسَ إذًا راعي الَموَدَّة
…
والوَصْلِ
وقوله وقد يُنَكَّر مفردًا أو مضافًا المشهور أنه لا يجوز في فاعلهما إذا كان ظاهرًا إلا كونه ذا أل أو مضافًا إلى ما هما فيه، فلا يجوز: نعمَ رجلٌ زيدٌ، ولا: نعمَ ابنُ رجل زيدُ، ولا: بئسَ غلامُ سفرٍ زيدٌ، وهو مذهب س؛ لأنَّ فاعل نعمَ وبئسَ عنده لا يكون واقعًا إلا على الجنس، لو قلت: أهلكَ الناسَ شاةُ وبغيرُ، على حد: الشاةُ والبعيرُ ــ لم يَحسن.
وحكى الكسائي أنه يقال: له بعيرٌ كثيرٌ وشاةٌ كثيرٌ، وهناك رغيفٌ كثيرٌ ولَبُونٌ كثيرٌ، في ألفاظ غير هذا، /فعلى هذا يمكن أن يكون فاعل نعمَ وبئسَ نكرة،
ويراد به الجنس، وقد ورد ذلك قليلاً جدَّا، فمن ذلك في النثر قول الحارث بن عباد:«نعمَ قتيلُ أصلحَ الله به بين ابْنَي وائل» ، وقد روي:«نعمَ القتيلُ قتيلاً أصلحَ الله به» وأمَّا في الشعر فقوله:
أَتَحْسِبُنِي شُغِفتُ بَغَيرِ سَلْمَى
…
وسَلْمَى بِي مُتَيَّمةٌ تَهيمُ
وسَلمَى أَكمَلُ الثَّقَلَينِ حُسْنًا
…
وفي أَثوابِها قَمَرٌ ورِيمُ
نِيافُ القُرْطِ، غَرَّاءُ الثَّنايا
…
ورِئْدٌ لِلنِّساءِ، ونِعْمَ نِيْمُ
ونُقل عن الأخفش أن ناسًا من العرب يرفعون بهما النكرة المفردة، نحو: نعمَ خليلُ زيدٌ. فأمَّا رفعهما النكرة المفردة وما أضيف إلى نكرة فأجاز ذلك الكوفيون والأخفش وابن السراج، ومنعه عامة النحويين إلا في الضرورة، وتقدَّم رفعهما النكرة المفردة.
ومما جاء في الشعر من رفعهما ما أُضيف إلى نكرة ما أنشده الَهجَرِيّ في نوادره، وأبو موسى الجزولي في «شرح الإيضاح» له من قول الشاعر:
فَنِعْمَ مُناخُ أَزْفَلةٍ عِجافٍ
…
ومُلْقَى نِسْعَتَينِ على رُحَيْل
رِجالٌ مِنْ خُوَيْلِدَ آل عَوفٍ
…
حِيالَ الشَّمسِ أو مَجْرَى سُهَيْلِ
حِيال الشمس: جانب الشمس، يقال: قَعَدتُ حِيالَه أي: جانبه، وقولِ الآخر:
مالَ قَتيلاً بينَ أَسيافِكُمْ
…
شُلَّتْ يَدَا وَحْشِيَّ مِنْ قَاتِل
غَداةَ جِبْريلُ وَزِيرٌ لَهُ
…
نِعْمَ وَزِيرُ فارسٍ
…
حامِلِ
وقول الآخر:
بِئْسَ قرينا يَفَنٍ هالِكٍ
…
أُمُّ حُبَيْشٍ وأبو مالِكِ
لعله: أمَّ حُبَيْن، ويروى: أُمُّ عُبَيْد، وقولِ الآخر:
فَنِعْمَ صاحِبُ قَومٍ، لا سِلاحَ لهمْ
…
وصاحِبُ الرَّكبِ عُثمانُ بنُ عَفَّانا
وقد كان يمكن تأويل هذه الأبيات على حذف التمييز عند من يجيز ذلك؛ وجعل المرفوع هو المخصوص، ورفعُ ما بعده على البدل حيث جاء بعده مرفوع لولا أن الأخفش حكى أنَّ ذلك لغة للعرب، قال الأخفش في «الأوسط»:«اعلم أنَّ ناسًا من العرب يرفعون النكرة إذا أضافوها إلى نكرة في باب نعمَ وبئسَ، فيقولون: نعمَ أخو قومٍ أنت، فمن قال ذا قال: نعمَ أخو قومٍ وصاحبُهم أنت، إذا جعلتَ الثاني نكرة، فإن جعلتَه معرفةً لم يَجز هاهنا؛ لأنَّ نعمَ لا تقع على معرفة إلا أن تكون بالألف واللآم، وتكون النكرة مفردةً ومضافة. ومنهم من يرفعها إذا كانت مضافة» .
وقال الفراء: «يجوز رفع النكرة المضافة إلى نكرة ونصبها، فتقول: نعمَ غلامُ سفرٍ غلامُك، ونعمَ غلامَ سفرٍ غلامُك» .
وما ذهب إليه صاحب «البسيط» من أنه لم يَرد نكرةً غيرَ مضافة ــ وإن كان المعنى واحدًا في النكرة المفردة وفي النكرة المضافة ــ ليس بصحيح؛ وقد حكينا وروده نكرة مفردةً فيما تقدَّم. ويظَهر من كلام المصنف في قوله وقد يُنكَّر مفردًا أو مضافًا تساويهما في القلَّة، وليس كذلك، بل الوارد منه مفردًا قليل جدَّا، والنكرة المضافة أكثر من المفردة.
قيل: و «قد تأتي النكرة المفردة واقعة على الجنس، كقوله:
فقَتْلاً
…
بِتَقتِيلٍ، وعَقْرًا بِعَقْرِكُمْ
…
جَزاءَ العُطاسِ،
…
لا ينَامُ مَنِ اتَّأَرْ
جعل قَتلاً للجنس، وعادَلَ به تَقتيلاً الذي هو للتكثير، فدلَّ على أنه يَسوغ وقوعه موقع الكثير، وهو معنى الجنس» انتهى.
وأجاز بعض النحويين أن يكون فاعل نعمَ وبئسَ مضافا إلى ضمير ما فيه الألف واللام، فأجاز: القومُ نعمَ صاحبهم أنت، إجراءً للمضاف إلى ضمير ما فيه الألف واللام مجرى ما أضيف إلى ما هما فيه، وأنشد:
فَنِعْمَ أخو الَهْيجا، ونِعْمَ شِهابُها
…
...........................
وقال بعض أصحابنا: والصحيح المنع، وهذا يُحفظ، ولا يقاس عليه؛ إذ لا يكون إلا مما يجوز تنكيره، ومع إضافته للضمير لا يجوز تنكيره.
ص: ويُضمر ممنوعَ الإتباع مفسَّرًا بتمييزٍ مؤخَّرٍ مطابقٍ قابل أل لازمٍ غالبًا، وقد يَرد بعد الفاعل الظاهر مؤكِّدًا وفاقًا للمبرد والفارسيّ، ولا يمنع عندهما إسناد نعمَ وبئسَ إلى «الذي» الجنسية، وندر: نعمَ زيدٌ رجلاً، ومرَّ
بقومٍ نِعْمُوا قومًا، ونِعْمَ بهم قومًا، ونِعمَ عبدُ الله خالدُ، وبئسَ عبدُ الله أنا إن كان كذا، وشهدتُ صِفِّينَ وبِئسَتْ صِفُّون.
ش: لَّما فرغ من الكلام على فاعل نعمَ وبئسَ إذا كان ظاهرًا أخذ يتكلم فيه إذا كان مضمرًا، وينبغي أن يؤخذ قوله ويُضمَر على أنه ابتداء كلام، لا أنه معطوف على قوله وقد يُنَكَّر مفردًا أو مضافًا، وإن كان يوهم العطف عليه؛ لأنَّ ذلك قليل ومختلف فيه، وهذا عند البصريين كالمجمع عليه. ومثال رفعهما المضمر قولُه تعالى {بئس للظلمين بدلا} ، وقول الشاعر:
نِعْمَ امْرَأً هَرِمٌ، لَمْ تَعْرُ نائبةٌ
…
إلا وكانَ لِمُرْتاعٍ بها
…
وَزرَا
وقولُ الآخر:
لَنِعْمَ مَوئلاً الَمولَى إذا حُذِرَتْ
…
بَاساُء ذي البَغْيِ واستِيلاءُ ذي الإحَنِ
وعلى أنَّ في نِعمَ وبئسَ مضمرًا هو فاعلُ بهما في نحو «نِعمَ رجلاً زيدٌ» معظم البصريين: /س وغيره.
وذهب الكسائي والفراء إلى أنَّ الفاعل هو زيد، والنكرة المنصوبه بعد نعمَ وبئسَ حالٌ عند الكسائي، وتمييز عند الفراء، وهو عنده من التمييز الذي هو من قبيل المنقول، والأصل عنده: رجلٌ نعمَ الرجلُ زيدُ فحُذف رجل، وقامت صفته مقامه، ثم نُقل الفعل إلى اسم الممدوح، فقيل نعمَ رجلاً زيدٌ.
ويقبح عنده تأخره؛ لأنه تمييز وقع موقع المرفوع، وأفاد إفادته؛ لأنَّ كلاً منهما بَّين الجنس الذي مدحتَ به زيدًا. ولا يجوز تقدُّمه على نِعمَ كما لا يجوز تقديم ما وقع موقعة.
وأمَّا الكسائيُّ فيجيز تأخير النكرة عن زيد، فيقول: نعمَ زيدٌ رجلاً، ولا يجوّز تقديمها على نعمَ، كمذهب الفراء، وإن اختلفا في التوجيه، فعلى رأي الكسائي لا يجوز لأنَّ العامل في الحال عامل غير متصرف.
قالوا: والصحيح مذهب س ومعظم البصريين لقولهم: نعمَ رجلاً أنتَ، وزيدٌ بئسَ رجلاً هو، ولو كان الضميرـ وهما أنت وهو ــ فاعلين لاتَّصلا بالفعل، ولم ينفصلا. ولقولهم: إخوتُك نعمَ رجالاً، فيقدمون الممدوح، ولا يضمرون في نعمَ ضميرًا يطابق المخصوص، فدلَّ على أنَّ في نعمَ ضميرًا مستترًا؛ إذ لا يخلو الفعل من الفاعل. ولقولهم: نعمَ رجلاً كان زيدٌ، فيُعملون فيه ناسخ الابتداء، ولو كان فاعلاً لم يعمل فيه ناسخ الابتداء.
ونسب صاحب «البسيط» إلى الكوفيين أنَّ انتصاب رجلاً هو على التفسير للممدوح، ولا يحتاجون إلى تقدير فاعل، فكأنك قلت: زيدٌ الممدوحُ رجلاً، كما تقول: امتلَا الإناءُ ماءً، والإناءُ ممتلئٌ ماءً.
وذهب ابن الطراوة إلى أنه لا إضمار في الفعل، وأنَّ الفاعل محذوف؛ لأنه لا يَبرُز في التثنية ولا الجمع، ولأنه موضع إبهام لأجل استغراق المدح، ومواضع الإبهام يحسُن فيها الحذف، كقوله:
...........................
…
فسَوفَ تُصادفُهُ أيَنَما
حذف لإبهام المحل، كذلك هنا، وصار التفسير بدلاً من اللفظ به، وهو مركَّب مع الفعل على ما كان لو ظهر.
ورُدَّ عليه بأنَّ الفاعل لا يُحذف إلا حيث يراد الفعل، على خلاف فيه، إلا على مذهب الكسائي. وأمَّا احتجاجه بعدم بروزه فِلعِلَّة تُذكَر، ويأتي الكلام على كونه حُكي إبرازه إن شاء الله.
وما نقله صاحب «البسيط» من قوله: «وقال س: حذفوه لكثرة استعمالهم إياه لزومهًا كما ألزموا نِعم الإسكان، واكتفوا في ذلك بالذي يفسره» فظاهره حجة لابن الطراوة في الحذف، لكن عبارةُ س ليست كهذه التي نقل صاحب «البسيط» ، قال س بعد أن قرر أنَّ في نِعم ضميرًا في عدة مواضع من كلامه، قال:«واعلم أنك لا تُظهر علامة المضمرين في نعمَ، لا يقولون: نعمُوا رجالاً، يكتفون بالذي يفسره، كما قالوا: مررتُ بكلِّ، وقال جل وعز {وكل أتوه دخرين}، فحذفوا علامة الإضمار، والتزموا الحذف كما ألزموا نِعْمَ وبئْسَ الإسكان» انتهى. يُفهم من هذا أنَّ المعنى أنهم لم يُبرزوا علامة الإضمار في الجمع، /لا أنَّ الفاعل محذوف.
واختلف القائلون بالإضمار هل ذلك المضمر جنس أو شخص: فمن قال في نعمَ الرجلُ زيدٌ بالشخص يقول به هنا، وما بعده تمييز لذاته. ومن قال بالجنس اختلفوا هنا: فقال بعضهم: هو شخص، كأنك قلت: زيدٌ نعمَ هو رجلاً. وقيل: هو جنس.
احتجَّ من قال بالشخص في الموضعين بالتفسير بالمثنى والمجموع في نحو: نعمَ رجلَين الزيدان، ونعمَ رجالاً الزيدون، والجنس لا يُجمع ولا يثنى، فلا يفسَّر به، فدلَّ على أنه شخص. ومَن قال بأنه هناك على المجاز في الجنس كان كذلك هنا، كأنك أضمرت نوعين، ثم فسَّرت.
وأجاب أصحاب الجنس بأنَّ التثنية هي على نحو: هما خيرُ اثنينِ في الناس، فيُضمر على ما أظهر. وقالوا: الذي يدلُّ على أنه ليس شخصًا كونه لا يَبرز في تثنية ولا جمع، فلولا أنه جنس ــ وهو لا يثنى ولا يجمع ــ لَبَرز في التثنية والجمع.
وأجيبوا بأنه كالمثل، نحو: أكرِمْ بزيدٍ! وأحسِنْ بعمرٍو! ولأنهم استغنَوا عن ذلك بتثنية المفسَّر وجمعه.
واحتجُّوا أيضًا بالحمل على الظاهر، والأصل الظاهر، كما يكون في البدل في الشخص، نحو: مررتُ به زيدٍ، لكنه هنا امتنع التمييز لأنه شخص.
وقوله ممنوعَ الإتباع قال المصنف في الشرح: «هذا الضمير المجعول فاعلاً في هذا الباب سبيه بضمير الشأن في أنه قُصد إبهامُه تعظيمًا لمعناه، فاستَويَا لذلك في عدم الإتباع بتوكيد أو غيره» انتهى. فلا يجوز أن يؤكَّد بضمير، نحو: نعمَ هو رجلاً زيدٌ، ولا بغيره، ولا يُعطَف عليه، ولا يُبدل منه، فأمَّا ما رُوي من نحو «نعمَ
هم قومًا أنتم» فشاذُّ لا يُعَرَّج عليه، «وهم» تأكيد للضمير المستكنِّ في نعمَ على المعنى.
وقوله مفسَّرًا بتمييز تقدَّم خلاف الكسائي في أنه حال؛ إذ مذهبه أنه لا إضمار في الفعل، بل هو رافع للمخصوص بالمدح أو الذم.
وقوله مؤخَّرٍ يعني عن نعمَ وبئسَ، فلا يجوز له أن يتقدم عليهما، لا يجوز: رجلاً نعمَ زيدٌ، ولا: رجلاً بئسَ عمرُو. وأمَّا تأخيره عن نعمَ والمخصوص، نحو: نعمَ زيدُ رجلاً ــ فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله.
وقوله مُطابِقٍ يعني للمخصوص، فتقول: نعمَ رجلَين الزيدانِ، ونعمَ رجالاً الزيدون، وكذلك في التأنيث.
وقوله قابلِ أل يشمل أن يكون مضافًا إلى نكرة، نحو: نعمَ غلامُ سفرٍ غلاُمك، وموصوفًا نحو: نعمَ رجلاً شجاعًا زيدُ، ومفردًا غير ذلك، نعمَ رجلاً زيدُ. وفي «البسيط»:«ويجوز وصف هذا المفسَّر، فتقول: نعمَ رجلاً صالحًا، وقالوا: حَسُنَ إيمانًا نَفِعَك، ورَجُحَ عقلاً رَدَعَك» .
وقال المصنف في الشرح: / «ونَّبهت على أنَّ ممِّيزة لا يكون إلا صالحًا للألف واللام، مع أنَّ كل تمييز لا يكون إلا كذلك بالاستقراء؛ لأنَّ أبا عليَّ والزمخشريَّ يُجيزان التمييز في هذا الباب بـ (ما)» .
«ونبهت بقول أل على أنه لا يجوز أن يكون بلفظ (مثل) ولا (غير) ولا (أي) ولا (أفعل من)؛ لأنه خَلَف عن فاعل مقرون بالألف واللام، فاشترط
صلاحيته لهما، وما ذكرته لا يصلح لهما، فلم يجز أن يخلف مقترنًا بهما» انتهى.
ويَرِدُ على ما قاله ما كان مفردًا في الوجود؛ فانه يقبل أل، ولا يجوز أن يقع تمييزًا لهذا المضمر.
ونقول: شرطَ أصحابنا في هذا التمييز شروطًا ثلاثه:
أحدها: أن يكون مبينًا للنوع الذي قُصد فيه المدح أو الذم، فلو قلت: نعمَ غيرَك زيدُ ــ لم يجز؛ لأنَّ «غيرك» لا يُبين النوع الذي قصدتَ مدح زيد فيه، فيندرج في هذا الشرط «مثلك» ونحوه مما هو متوغَّل في الإبهام.
الثاني: ألا يكون فيه معنى المفاضلة، نحو أفعل التفضيل، لو قيل: نعمَ أفضل من زيد أنتَ، ونعمَ أفضلَ رجلٍ أنتَ ــ لم يجز؛ لأنَّ نعمَ لم تزد فيه شيئًا لم يكن قبل دخولها.
الثالث: أن يكون عامَّا في الوجود، لو قلت: نعمَ شمسًا هذه الشمسُ، أو: نعمَ قمرًا هذا القمرُ ــ لم يجز؛ لأنَّ شمسًا وقمرًا مفردان في الوجود، فلو قلت: نعمَ شمسًا شمسُ هذا اليوم، ونعمَ قمرًا قمرُ هذه الليلة ــ جاز؛ لأنك أردت أن تمدح شمس اليوم المشار إليه في سائر الشموس التي تكون في الأيام.
ولا يجوز أن يقع تمييزًا الأسماء المختصة بالنفي، ولا «أيّما رجل» ونحوه؛ لأنها ثناء فلا بدَّ من ذكر المُثْنَى عليه، وتقع صفة لأن الموصوف مذكور قبلها، وحالاً لأنَّ صاحب الحال مذكور، ولا تقع فاعلةً ولا مفعولةً لأنَّ المُثْنَى عليه لا يكون معها، وتقع في الابتداء، فتقول: أيُّما رجلٍ زيدٌ، وزيدٌ أيُّما رجلٍ؛ لأنَّ صاحب الصفة ــ وهو زيد ــ مذكور معها.
وقوله لازمٍ غالبًا قال المصنف في الشرح: «وقلتُ غالبًا بعد التقييد بـ (لازم) احترازًا من حذف المميز في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من توَضَّأ يومَ الجمعةِ فَبِها ونِعْمَتْ)، أي: فبالسُنَّة، ونِعْمَت السُّنَّةُ سُنَّةً، فأضمر الفاعل على شريطة التمييز، وحذف المميَّز للعلم به» انتهى.
ولفظ «لازم» و «غالبًا» متنافيان؛ لأنَّ اللزوم يدلُّ على الوجوب، والغلبة تدلُّ على الجواز، فتَنافَيا، وكان الأَولَى أن يقول: مذكورٍ غالبًا، أو: مُثبَتٍ غالبًا.
وتقديره «ونِعْمَتِ السُّنَّةُ سُنَّةً» ليس بجيد؛ لأنه قدّم في التقدير المخصوص على التمييز، وصحة التقدير: ونعْمَتْ سُنَّة السُّنَّةُ.
وهذا الذي ذكره من جواز حذف التمييز ذكره ابن عصفور، قال:«ولا بدَّ من ذكر اسم الممدوح أو المذموم، ومِن ذكر التمييز إذا كان الفاعل مضمرًا، وقد يجوز حذف ذلك لفهم المعنى، ومن كلامهم: إن فَعَلتَ كذا وكذا فَبِها ونِعْمِتْ، أي: ونِعْمَتْ فَعْلةً فَعْلُتك، فحذف التمييز واسم الممدوح» انتهى.
والصحيح أنه لا يجوز ذلك وإن فُهم المعنى، وقد نص بعض أصحابنا على شذوذ (فَبِها ونِعْمتْ)، فقال:«والتفسير واجب إن أُضمر الفاعل؛ لأنه إضمارُ قبل الذكر على شريطة التفسير، وقد شذّ (فَبِها ونِعْمَتْ) في قولهم: إن فعلتَ كذا فَبِها ونِعْمَتْ، أي: ونِعْمتِ الحاجةُ حاجتُك، فأضمر، ولم يأت بالتفسير» انتهى.
وقد نصَّ س على وجوب ذكر هذا التمييز ولزومه، قال س بعد ما ذكر:
نِعمَ رجلاً عبد الله، وبعد ما قال: ومثلُه: رُبَّه رجلاً، قال:«ولا يجوز لك أن تقول: نِعمَ، ولا: رُبَّه، وتسكت؛ لأنهم إنما بدأوا بالإضمار على شريطة التفسير، وإنما هو إضمارُ مقدَّم قبل الاسم، والإضمار الذي يجوز السكوت عليه إضمار بعد ما ذكر الاسم مظهرًا، فالذي تقدَّم من الإضمار لازم له التفسير حتى يبيِّنه» انتهى.
والذي ورد في الحديث من قوله (مَنْ توضَّأَ يوم الجمعةِ فَبِها ونِعْمَتْ) جاء على سبيل ما ورد من قولهم: إنْ فَعلتَ كذا وكذا فَبِها ونِعْمَتْ، وقد اختُلف في تخريجه، فخرَّجه ابن عصفور على أنَّ التقدير: فبالرُّخصةِ أَخَذَ ونِعْمَتْ رخصةً الوضوءُ، فحذف التمييز والمخصوص. وخرْجه المصنف على ما حكيناه عنه، وقدَّره: ونِعْمَتِ السُّنَّة سُنَّةً. ونَّبهنا على أنه كان ينبغي أن يقدَّر على تخريجه: ونِعْمَتْ سُنَّةً السُّنَّةُ. وخرّجه ابن هشام على أنَّ القدير: نِعْمَتِ الفَعْلةُ الأخذُ بالسُّنَّة، قال:«فالفَعْلة فاعلُ نِعم، والأخذُ بالسُّنَّة مبتدأ، والخبر في الجملة المتقدمة» .
قال: «وجائز أن يكون خبر مبتدأ مضمر، حذف مع المبتدأ أيضًا لدلالة الكلام
عليه». قال: «وكونه مبتدأ أقوى» انتهى. وهذا التخريج ليس جاريًا على قواعد
البصريين؛ لأنه زعم فيه أنَّ الفَعلة فاعل نِعم، وهو محذوف، والفاعلُ لا يُحذف.
فرع: إذا كان المضمر مؤنثًا، وأتيت بتفسيره ــ فهل تلحق نعمَ وبئسَ تاء التأنيث
اعتبارًا بالتفسير أم لا تلحق، نصَّ المصنف في تمثيله في الشرح على لحوقها،
فقال: «ويقع فاعل هذا الباب ضميرًا مستترًا مفسًّرًا بعده بتمييز مطابق
للمخصوص بالمدح أو الذم، نحو: نِعمَ رجلاً زيدٌ، ونِعمَتِ امرأةً هندٌ، ونِعمَ رجلينِ
الزيدان، ونِعْمَتِ امرأتين الهندانِ، ونِعْمَ رجالاً الزيدون، ونِعْمَ نساءً الهنداتُ».
ونصَّ أبو الحسين بن أبي الربيع على أنه لا تلحق تاء التأنيث، وإن كان المفسَّر
مؤنثًا، قال: «لا تقول: نِعْمَتِ امرأةً هندُ، إنما يقال: نِعْمَ امرأةً هندُ استَغنَوا
بتأنيث المفسَّر» انتهى. فيكون لحاق التاء في قولهم إنْ فعلتَ كذا وكذا فَبِها
ونِعْمَتْ على سبيل الشذوذ كما شَذُّوا في حذف التمييز.
ونصَّ أبو غانم المظهر بن أحمد بن حمدان في كتابه «المحلى» على تأنيث
/الضمير المستكنّ، وإلحاق العلامة في الفعل لتأنيث المفسرِّ، فقال: «وإن
شئت قلت: بئْسَتْ جاريةً جاريتُك، ونِعمَتْ جاريةً جاريتُك».
ونصَّ خطّاب المارديُّ على جواز إلحاق العلامة وعدم إلحاقها، فقال: «نِعْمَ
جاريةَ هندُ، وإن شئت: نِعْمَتْ جاريةً هندُ، بنصب النكرة [على] الحال
والتمييز، والفاعل مضمر» انتهى. فأجرى الضمير مجرى الظاهر المؤنث، فكما
تقول: نِعْمَ المرأةُ هندُ ونِعْمَت المرأةُ هندُ ــ فكذلك الفعل مع المضمر.
ولا يجوز الفصل بين نِعْمَ ومفسرَّ المضمر، لا تقول: نِعمَ في الدار رجلاً زيدٌ، قاله ابن أبى الربيع. والصحيح أنه يجوز، قال تعالى {بئس للظلمين بدلا} ، ففصَل بين (بئس) وتفسير المضمر بقوله (للظالمين).
وقوله وقد يَرِدُ بعد الفاعل الظاهر مؤكَّدًا وفاقًا للمرد والفارسي قال المصنف في
الشرح: «منع س الجمع بين التمييز وإظهار الفاعل، وأجاز ذلك أبو العباس
والفارسي، وقولهما هذا هو الصحيح، وحامل ُ س على المنع كون التمييز
في الأصل مسوقًا لرفع الإبهام، والإبهامُ إذا ظهر الفاعل زائل، فلا حاجة إلى
التمييز، وهذا الاعتبار يلزم منه منع التمييز في كل ما لا إبهام فيه، كقولك: له
من الدراهم عشرون درهمًا، ومثل هذا جائز بلا خلاف، ومنه قوله تعالى {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا}
، {واختار موسي قومه سبعين رجلا} ، {فتم ميقت ربه أربعين ليلة}
{فهي كاحجارة أو أشد قسوة} ، فكم حُكم بالجواز في مثل هذا، وجُعل سبب
الجواز التوكيد لا رفع الإبهام ـ فكذلك يفُعل في نحو: نِعمَ الرجلُ زيدُ، ولا يُمنع؛
لأنَّ تخصيصه بالمنع تحكُّم بلا دليل، هذا لو لم تستعمله العرب، فكيف وقد
استعملته، كقول جرير يهجو الأخطل:
والتَّغِلبِيُّونَ نِعمَ الفحلُ فحلُهمُ
…
فَحلاً، وأُمُّهمُ زلاًء مِنْطِيقُ
ومثله لجرير يمدح عمر بن عبد العزير:
فما كَعْب بْنُ مامةَ وابْنُ سُعْدَى
…
بأجْوَدَ منكَ
…
يا
…
عُمَرُ الَجوادَا
ومثله:
نعْمَ الفَتاةُ فتاةً هندُ لو بَذَلَتْ
…
رَدَّ التَّحيَّة
…
نُطْقًا
…
أو بإيْماءِ
ومثله على الأظهر الأبعد من التكليف:
تَزَوَّدْ مِثلَ زادِ
…
أبيكَ فينا
…
فَنِعْمَ الزَّادُ زادُ
…
أَبيكَ زادَا
ومن ورود التمييز للتوكيد لا لرفع الإبهام قول أبي طالب:
ولقد علمتُ بأن دينَ محمدٍ
…
مِن خير أَديانِ البَريَّةِ دِينا
ومثله قول الآخر: /
فأمَّا التي خَيُرها
…
يُرتَجَى
…
فَأَجْوَدُ
…
جُودًا مِنَ اللَاّفِظَهْ»
انتهي.
وفي الأمالي أنَّ بُجير بن الحارث بن عُبَاد قتله مهلهل، فقال أبوه حين بلغه
الخبر: «نِعْمَ القَتيلُ قَتيلاً أصلَحَ بين بَكر وتَغلب» . هكذا جاء «قتيلاً» بالفتح، وهو
شاهد لأبي العباس ومن قال بقوله؛ لأنه كلام غير شعر.
وبجواز الجمع بينهما قال ابن السراج.
وما نسبه المصنف إلى س من المنع هو ظاهر كلامه، وبه قال السيرافي
وجماعة، واختاره ابن عصفور، قال س: «فالذي تقدَّم من الإضمار
لازمُ له التفسير حتى يبَّنه، ولا يكون في موضع الإضمار في هذا الباب مظهر».
فظاهر هذا الكلام أنَّ الظاهر الفاعل والتمييز لا يجتمعان. وتأوَّل الفارسيُّ
كلام س على أنَّ معناه: لا يكون الفاعل ظاهرًا حيث يلزم التمييز، بل الفاعل
في حال لزوم التمييز مضمر لا غير؛ ألا ترى أنك تقول: نِعمَ الرجلُ رجلاً زيدُ، فلا
يكون التمييز لازمًا. وأمَّا ما ذكره المصنف من أنَّ الحامل لـ «س» على المنع ما
ذَكر فليس ذلك مذكورًا في كتاب س.
وأمَّا تسوية جواز ذلك بجوازه فيما ذُكر من الآيات وأبيات الشعر التي ليست
من هذا الباب فليس بجيد؛ للأنَّ الفرق ظاهر، وذلك أنَّ التمييز مبناه على التبيين،
ثم يَعرض له في بعض المواضع أن يقترن بالكلام ما يُغني عنه، فيصير مؤكِّدًا؛ ألا
ترى أنَّ عشرين وأربعين وأمثال ذلك محتاجة في أصل وضعها إلى التفسير، فإن
اقَترن بها في بعض المواضع ما يبينها كان التمييز حينئٍذ مؤكِّدًا، وليس كذلك:
نِعمَ الرجل زيدٌ، فإنَّ الرجل غير محتاج إلى أن يبيَّن أنه رجل في موضع من
المواضع، فبانَ الفرق بينهما، وهذا على تسليم أنَّ المضمر هو جنس كالرجل،
فحينئذ يكون توكيدًا له لأنه قد تقدَّم لنا الخلاف في الضمير أهو جنس أم لا،
وأنَّ القائلين بأن الألف واللام في الرجل في نِعمَ الرجلُ زيدٌ هي للجنس اختلفوا في
هذا الضمير أهو جنس أم لا، وعلى تقدير التسليم أنه جنس لا يلزم أن تساوي
حالة إضماره في البيان حالة إظهاره.
وأمَّا السماع الوارد في نِعمَ وبئسَ فقد تأوَّله المانعون لذلك، وتأوَّلوا
فحلاً وفتاةً على الحال المؤكَّدة لا على التمييز، وتأوَّلوا زادًا على أنه منصوب
بـ «تَزَوَّدْ» على أنه مصدر محذوف الزوائد ــ وقد حكى الفراء استعماله مصدرًا
ــ أو على أنه مفعول به، و «مثل» منصوب على الحال؛ لأنه لو تأخر لكان صفة،
ولَّما تقدم انتصب على الحال، وفُصل بجملة الاعتراض التي هي «فنِعمَ الزادُ زادُ
أبيك» بين تَزَوَّد ومعموله، أو على أنه بدل من «مثل» ، كأنه أوقعه على الخصوص،
أي: تَزَوَّدْ مثلَ زاد أبيك زادًا حسنًا ودلً على الصفة قوله: فِنعمَ الزادُ زادُ أبيك.
وعندي تأويل غير ما ذكروه، وهو أقرب، وذلك أن يُدَّعى أنَّ في نِعمَ وبئسَ
ضميرًا، وفَحلاً وفتاةً وزادًا تمييز لذلك الضمير، وتأخرَّ عن المخصوص على جهة
الندور، كما روي نادرًا: نِعمَ /زيدٌ رجلاً، على نية التقديم، أي: نِعمَ رجلاً زيدٌ،
والفحل والفتاة والزاد هي المخصوصة، وفَحلُهم وهندُ وزادُ
أبيك أبدال من المرفوع قبلها، والتقدير: والتَّغِلبِيُّون بئسَ فحلاً الفحلُ فَحلُهم،
أي: بئسَ فحلاً فحلُهم، ونِعمَ فتاةً هندُ، أي: نِعمَ فتاةً هندُ، وفنعمَ زادًا الزوادُ زادُ
أبيك، أي: فنِعمَ زادًا زادُ أبيك، كما تأوَّلنا نِعمَ زيدٌ رجلاً على التقديم والتأخير،
أي: نِعمَ رجلاً زيدُ. وهذا تأويل سائغ سهل، وفيه إبقاءُ نِعمَ على ما فيها
من الإضمار وتفسير ذلك المضمر بالاسم المنصوب.
وفصَّل بعض أصحابنا، فقال: إن أفاد التمييز معنًى لا يفيده الفاعل جاز،
نحو: نِعمَ الرجلُ رجلاً فارسًا زيدُ، لمًّا وصف التمييز بقوله فارسًا أفاد ما لم يُفده
الفاعل. واستدلَّ هذا المفصَّل على ما اختاره بقول أبي بكر بن الأسود:
ذَرِينِي أَصْطَبِحْ، يا هندُ، إنِّي
…
رأيتُ الموتَ نَقَّبَ عن هِشام
تَخَيَّرَهُ، ولَمْ يَعْدِلْ سِواهُ
…
فَنِعْمَ الحيُّ مِنْ حَيِّ تَهامِي
ويروى: فَنِعْمَ الَمرءُ مِنْ رَجُلٍ تَهامي، وبقول الكَرَوَّس بن حصْن:
وقائلةٍ: نِعْمَ الفَتَى أنتَ مِنْ فَتًى
…
إذا الُمرْضِعُ الهوجاءُ جالَ بَريمُها
وصف حيَّا بتَهامٍ، فأفاد ما لم يُفده الفاعل. وأراد بفتًى مُتَفَتَّ، وأعمله
في الظرف، فأفاد ما لم يُفده الفتى.
وقد تُؤُوَّلَ «مِن حَيِّ تَهام» على أنَّ «مِن» فيه مبعَّضة، فليس بتمييز، فكأنه
قال: نِعمَ الحيُّ كائنًا مِن بعضِ الحيِّ التِّهاميّ، أي: فَخِذًا منه. وأمَّا «إذا» فالعامل
فيها نِعمَ.
ويحتمل أن يكون في نِعمَ ضمير، ومِن فتًى: تفسير لذلك الضمير، والفتي هو
المخصوص، وأنتَ بدل منه، وليس هو الفاعل، والتقدير: نِعمَ مِن فًتى الفتى أنتَ،
أي: نِعمَ مِن فًتى أنتَ. وقال بعض شيوخنا: «يجوز قليلاً على جهة التوكيد،
حكي: نِعْمَ القتيلُ قتيلاً أصلحَ الله به بين فئتين».
وتلخَّص لنا في هذه المسألة ثلاثة مذاهب: المنع، والجواز، والتفصيل بين أن
يزيد معنًى على الفاعل فيجوز، أوْ لا فلا.
ومِن أحكام هذا التمييز أنه لا تدخل عليه «مِن» إلا في ضرورة شعر، نحو:
مِن حَيُّ تَهام، ومِن فتًى، فلا يجوز في الكلام: نِعمَ من رجلٍ زيدٌ.
وقوله ولا يمتنع عندهما إسناد نِعمَ وبئسَ إلى «الذي» الجنسية ذكر
المصنف في الشرح أنَّ ظاهر قول الأخفش أنه [لا] يجيز: نِعمَ الذي يفعل
زيدٌ، ولا يجيز: نِعمَ مَن يفعلُ زيدٌ، قال: «ولا بنبغي أن يُمنع؛ لأنَّ (الذي يفعل)
بمْنزلة (الفاعل)، ولذلك اطَّرد الوصف به، ومقتضى النظر الصحيح ألَاّ يجوز
مطلقًا، ولا يُمنع مطلقًا، بل إذا قُصد به الجنس جاز، وإذا قُصد به العهد مُنِع»
انتهى. فأجاز أبو العباس والفارسي أن تقول: نِعمَ الذي بُعث بالرسالة محمدُ صلى الله عليه وسلم، كما يقال: نِعمَ المبعوثُ بالرسالة محمدُ صلى الله عليه وسلم -
ومنع ذلك الكوفيون، وجماعة من البصريين، منهم ابن السراج، وأبو عمر
في «الفرخ» ، قال: لا تكون الأسماء الموصولة فاعل نِعمَ على كل وجه، ولم يَرد
/به سماع، والقياس المنع؛ لأنَّ كل ما كان فاعلاً لِنعمَ، وكان فيه أل ــ كان مفسِّرًا
للضمير المستتر فيها إذا نُزعت منه، و (الذي) ليس كذلك.
وأمَّا مَنْ وما الموصولتان إذا أريدَ بهما الجنس فذهب قوم من النحويين إلى أنه
يجوز أن تكونا فاعلَين لِنعمَ وبئسَ، واستدلُّوا على ذلك بالقياس والسماع ــ
وهو اختيار المصنف، ذكر ذلك في شرحه ــ قال صاحب «البسيط»: «أمَّا
القياس فلأنهما بمعنى الذي والتي، وهما فاعلان لهما لوجود الألف واللام باتَّفاق
لصحة معنى الجنس» انتهى.
وهذا وهم من صاحب «البسيط» وعدم اطِّلاع في قوله «إنَّ الذي والتي
يكونان فاعلَين لِنعمَ وبئسَ باتَّفاق»، وقد ذكرنا أنَّ المنع مذهب الكوفيين وجماعة
من البصريين، وذكرنا أنه لم يَرد به سماع، ولا يقتضيه قياس.
وأمَّا السماع فاستدلُّوا بقوله تعالي {فَنِعِمَّا هِىَ} ، وتقدم الكلام على
«ما» إذا اتصلت بنِعمَ وبئسَ، وفيه عدة أقول، وبقول الشاعر:
وكيفَ أرهَبُ أمرًا، أو أُراعُ لَهُ
…
وقد زَكَأتُ إلى بِشرِ بنِ مَرْوانِ؟
فَنِعْمَ مَزْكأُ مَنْ ضاقَتْ مَذاهِبُهُ
…
ونِعْمَ مَنْ
…
هُوَ في سِرِّ وإغْلانِ
فظاهر «مَن» أنها موصولة، وقد وقعت فاعلة لنِعمَ، ووقع مَزكأ ــ وهو مضاف
لِمَنْ، وهي موصولة ــ فاعلاً لنِعمَ.
والصحيح المنع، ولا حجة في البيت لا حتمال أن تكون «من» مِن قوله «فنِعمَ
مَزكأُ مَن ضاقت» نكرة موصوفة، كما قال:
رُبَّ مَنْ أنْضَجْتُ غَيظًا صَدرَهُ
…
...........................................
وتكون نِعمَ قد رفعت النكرة المضافة إلى نكرة على ما ثبت بنقل الأخفش
وغيره أنَّ ذلك لغة للعرب.
وأمّا «ونِعمَ مَن هو» فتأوَّله أبو عليّ على أنه تمييز، وفي نِعمَ ضمير، ومَن
تفسير له، فهو في موضوع نصب.
وقال المصنف في الشرح رادَّا على أبي عليّ: «لا يصحُّ لوجهين:
أحدهما: أنَّ التمييز لا يقع في الكلام بالاستقراء إلا بنكرة صالحة للألف
واللام، ومَن بخلاف ذلك، فلا يجوز كونها تمييزًا.
الثاني: أنَّ الحكم عليها بالتمييز عند القائل به مرتب على كون من نكرة غير
موصوفة، وذلك منتفٍ بإجماع في غير محل النِّزاع، فلا يصار إليه بلا دليل عليه»
انتهى.
ولأبي عليّ أن يقول: مَن هنا نكرة غير موصوفة، وليس الجملة التي بعد مَن ـ
وهي: هو في سِرِّ وإعلان ــ في موضع الصفة لَمنْ، بل مَن تمييز، و «هو» هو
المخصوص بالمدح، وهو عائد على بشر بن مروان، وهو الممدوح.
وقوله ونَدَرَ نِعْمَ زيدُ رجلاً قال المصنف في الشرح: «وأمَّا ما رُوي
من قول بعضهم نِعمَ زيدُ رجلاً فُيحمل على أنَّ الأصل فيه: نِعمَ رجلاً زيدُ، على
أن الفاعل مضمر، ورجلاً مفسِّره، وزيدُ مبتدأ، خبره نِعمَ وفاعلها، وليس فيه شذوذ
إلا بكون التمييز مسبوقًا بالمبتدأ، فيكون في ذلك نظير قول الشاعر:
والتَّغْلِبِيُّونَ نِعْمَ
…
الفَحْلُ فَحْلُهُمُ فَحْلاً .................................»
البيت» انتهى
وهذه المسألة فيها خلاف:
/ذهب البصريون إلى أنه يجب تقديم التمييز على المخصوص، فلا يجوز: نِعمَ
زيدُ رجلاً، وقد منعَ من ذلك س في كتابه.
وذهب الكوفيون إلى جواز ذلك، وهو قبيح عند الفراء. وتقدَّم مذهبهم في ذلك، وهو أنه ليس في نِعمَ وبئسَ ضمير، وإنما هما رافعان لزيد، وانتصب رجلاً علي الحال عند الكسائي، وعلى التمييز عند الفراء.
وقوله ومرَّ بقومٍ نِعْمُوا قومًا هذه أيضًا مسألة خلاف: ذهب س والبصريون إلى أنَّ الضمير الذي في نِعمَ رجلاً زيدُ شرطه أن يكون مفردًا، سواء أكان تمييزه مفردًا أم مثَّنى أم مجموعًا. وأجاز قوم من الكوفيين تثبية هذا الضمير وجمعه،
فتقول: قومُك نِعْمُوا رجالاً، وأخواك نِعْما رجلَين. وروى ذلك الكسائي عن العرب، وحكى الأخفش في كتابه «الكبير» عن أبي محمد وأبي صالح الأسديين: نِعْما رجلَين الزيدان، ونعْمُوا رجالاً الزيدون، ونِعِمْتُم رجالاً الزيدون، ونِعِمْتُم رجالاً، ونِعِمْنَ نساءً الهنداتُ، ثم قال: «إني لا آمن أن يكونا قد فُهِّما
التلقين» انتهى.
وقال س: «واعلم أنك لا تُظهر علامة المضمرين في نِعمَ، لا يقولون: نِعْمُوا
رجالاً، يكتفون بالذي يفسَّره» انتهى.
وقوله ونِعْمَ بهم قومًا قال المصنف في الشرح 6: «ومَن قال نِعمَ بهم
فمراده نِعْمُوا، ولكن زاد باء الجر في الفاعل كما زيدت في كفى بالله» انتهى.
وقوله ونِعمَ عبدُ الله خالدُ، وبئسَ عبدُ الله أنا إن كان كذا، وشهدتُ صفِّينَ وبئسَتْ صفُّون قال المصنف في الشرح: «وإذا ثبت أنَّ مميِّز هذا الباب قد يُحذف للعلم به أَمكنَ أن يُحمل عليه ما أَوهمَ بظاهره أنَّ
الفاعل فيه عَلَمُ أو مضاف إلى عَلَم، كقول ابن مسعود ــ رضي الله عنه ــ أو غيره من العبادلة:(بئسَ عبدُ الله أنا إن كان كذا)، وكقول النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ:(نِعمَ عبدُ اللهِ خالدُ بنُ الوليد)، فيكون
بئسَ ونِعمَ مُسنَدَين إلى ضميرين حُذف مفسراهما، وعبد الله مبتدأ، وأنا وخالد بدلان. ومن هذا النوع أيضًا قول سهل بن حُنيَف رضي الله عنه:(شَهدتُ صِفِّين وبئسَتْ صفُّونَ)» انتهى. يعني أن يكون التقدير: نِعمَ رجلاً عبدُ الله خالدُ، وبئسَ رجلاً عبدُ الله أنا، وبئستْ بقعةً صفُّون» انتهى.
وهذا التخرج الذي خرَّجه مبنيّ على جواز حذف التمييز، وتقدم الكلام فيه، والصحيح منع حذفه. وما روي من نحو (نِعمَ عبدُ الله خالد) أجاز الجرمي القياس عليه، فأجاز: نِعمَ عبدُ الله زيدُ. ومنعَه عامة النحويين، وهو الصحيح؛ لأنه إن كان عَلَمًا فلا يجوز من حيث لم يجز: نِعمَ زيدٌ، وإن كان عبد الله واحدًا من العبيد أضيف إلى الله تعالى فلا يجوز أيضًا؛ لأنَّ اسم الله تعالى عَلَمُ وإن كانت فيه أل، فكما لا يجوز نِعمَ غلامُ زيدٍ عمرُو فكذلك لا يجوز: نِعمَ عبدُ الله هذا، وقد جاء في الشعر، قال:
بِئْسَ
…
قَومُ
…
الله
…
قَومُ
…
طُرقُوا
…
فَقَرَوْا
…
جارَهم
…
لَحْمًا
…
وَحِرْ
وسهَّل هذا كون «قوم الله» يقع على ما يقع عليه القوم إذا أدخلتَ عليه أل، وهو مع ذلك /مضاف في اللفظ إلى ما فيه أل. وإن لم تكن أل معرفة، ولا ينبغي أن يقاس على هذا؛ لأنَّ فاعل نِعمَ وبئسَ إذا كان مضافًا إلى ما فيه أل فإنه يجوز نزع أل وتنكيره وجعله تفسيرًا للضمير المستكنّ في نعمَ وبئسَ؛ فتقول في نعمَ أخو العشيرة زيدُ: نعمَ أخا عشيرٍة زيدُ، ولا يجوز مثل هذا في «بئسَ قومُ الله قومُ طُرقوا» .
وأمَّا ما جاء من قولهم نِعمَ العُمَرُ عمرُ بن الخطاب فهو من تنكير العلم، كقولهم:
لا هَيْثَمَ الليلةَ لِلْمَطِيَّ
فكأنه قال: نِعمَ المتسمّون بهذا الاسم.
وقد جاء اسم الإشارة معمولاً لبئسَ في الشعر، قال:
بئسَ هذا الحيُّ حَيَّا ناصرًا
…
ليتَ أَحياءَهُمُ فِيمَنْ هَلَكْ
وهذا البيت فيه شذوذ من حيث رَفعت بئسَ اسم الإشارة، ومن حيث الجمع بين الفاعل الضاهر والتمييز.
وهو محتمل التأويل على أنَّ في بئسَ ضميرًا، وحيَّا ناصرًا تفسيره، تأخر في الشعر، و «هذا الحيّ» هو المخصوص بالذم، والتقدير: بئسَ حيَّا ناصرًا هذا الحيُّ.
ص: ويُدَلُّ على المخصوص بمفهومَي نِعمَ وبئسَ، أو يُذكَرُ قبلهما معمولاً للابتداء أو لبعض نواسخه، أو بعدَ فاعلِهما مبتدأً، أو خبرَ مبتدأ لا يظهر، أو أَوَّلَ معمولَي فعلٍ ناسخ. ومن حَقّه أن يختصّ ويصلح للإخبار به عن الفاعل موصوفًا بالممدوح بعد نِعمَ وبالمذموم بعد بئسَ، فإن بايَنَه أُوِّل.
وقد يُحذف، وتَخلُفه صفتُه اسمًا وفعلاً. وقد يغني متعلِّقُ بهما.
وإن كان المخصوص مؤنثًا جاز أن يقال: نِعْمَتْ وبِئسَتْ مع تذكير الفاعل.
ش: المخصوص هو المقصود بالمدح أو الذم. ومعنى يُدَلُّ عليه أي: يُحذف للدلالة عليه بما قبله، كقوله تعالى (إنا وجدنه صابرا نعم العبد)،أي: نِعمَ العبدُ أَيُّوبُ، وقال الشاعر:
إنِّي اعْتَمَدتُكَ يا يَزيـ
…
ـدُ، فَنِعْمَ مُعْتَمَدُ الوَسائلْ
أي: أنتَ.
وفي «البسيط» ما نصه: ولا بُدَّ من ذكر الممدوح أو المذموم المقصود باسمه الخاصِّ به في جملة المدح أو الذمِّ إمَّا لقظًا أو نِيَّة، أمَّا النيَّة فكقوله تعالى (فنعم المهدون) أي: نحن، وقوله تعالى {نعم العبد} يريد: أَيُّوب.
وذهب بعض المتأخرين إلى أنه لا يجوز نِيَّة إلا إذا تقدَّم ذكره؛ لأنه محتاج له ذكرًا لِما تذكره، ولا يُحذف نِيَّة لأنها لا تستقلّ، فهو كالعوض لها من التصرف، ولأنهم لَمَّا مدحوا الجنس، وأعرضوا عن المقصود ــ وهو الشخص ـ كان ذكره بدلاً من الإعراض في الفاعل، فلو حُذف لَمَا عُلم الممدوح رأسًا، ولا يكون، وأمَّا الآيتان فقد فيهما ذكر المحذوف، لقوله (إنا وجدنه)، وقوله (والأرض فرشنها)، فلو لم يتقدم لم يجز، فكأنه قال: والأرضَ فرشناها فنحن 5 الماهدون).
والأكثرون لم يشترطوا التقدم؛ لأنه خبر ابتداء، وهو يُحذف للعلم والاختصار.
وقوله أو يُذكَرُ قبلَهما معمولاً للابتداء /مثاله: زيدُ نِعمَ الرجلُ، وعمرُو وبئسَ الغلامُ، وزيدُ نِعمَ رجلاً، وعمرُو بئسَ رجلاً، ولا خلاف أنَّ الجملة بعد المبتدأ
في موضع الخبر، سواء أقيل بفاعليَّة نِعمَ وبئسَ أم باسميَّتهما. وجَوَّزوا في قول من قال باسميَّة نِعمَ وبئسَ إعرابَهما مبتدأ، والمخصوص الخبر، والعكس.
وفي الرابط لهذه الجملة بالمبتدأ أربعة مذاهب:
أحدها: ما ذهب إليه الجمهور، وهو أنَّ الربط حصل بالعموم الذي في مرفوع نِعمَ وبئسَ؛ لأنَّ أل للجنس، والجنس انتظم زيدًا. قالوا: ومن الربط بالعموم قولُه تعالى {والذين يمسكون بالكتب وأقاموا الصلوة إنا لا نضيع أجر المصلحين} ،،
وقول الشاعر:
فأمَّا الصُّدورُ لا صُدُورَ لِجَعْفَرٍ
…
ولكنَّ
…
أَعْجازًا شَديدًا
…
ضَريرُها
وقولُ الآخر:
فأمَّا القتال لا قِتالَ
…
لَدَيكُمُ
…
ولكنَّ
…
سَيرًا في عِراضِ الَمواكِبِ
وتُؤُؤِّل هذا كله على أنَّ الرابط فيه ليس العموم، وإنما الرابط وضع الظاهر موضع المضمر، أي: فأمَّا الصدورُ فلا هي لجعفر، وأمَّا القتال فلا هو لديكم.
وزعموا أنَّ الشاهد على الربط بالعموم قول الشاعر:
ألا ليتَ شِعري هل إلى أُمِّ مالكٍ
…
سبَيلُ، فأمَّا الصبَّرُ عنها فلا صَبْرَا
وقال أبو زيد السهيلي: «لو صحَّ ذلك لجاز أن تقول: زيدُ لا رجلَ في الدار» .
وقال غيره: «وكذلك كان يصحُّ: ما زيدُ قائمًا أحدُ، وما زيدُ قائمًا ولا
ذاهبًا أحدُ، ونحو». وأُجيبَ عن هذا بأنه لم يوضع ما بعد هذه أن يكون للجنس كما وُضع في المدح والذم.
وذهب أبو محمد بن السيِّيْد البَطَلْيَوْسي إلى أنَّ الرابط محذوف، والتقدير: زيدُ هو نِعمَ الرجلُ، فزيدُ: مبتدأ، وهو: مبتدأ ثانٍ، ونِعمَ الرجلُ جملة في موضع خبر هو، والجملة من قوله هو نِعمَ الرجلُ في موضع خبر زيد، والرابط هو، وهو المبتدأ الثاني.
ورُد عليه بأنَّ «هو» هذا المقدَّر المعرب مبتدأ قد أخبرتَ عنه بقولك: نِعمَ الرجلُ، فيحتاج إلى تقدير هو أخرى، والقول في هو هذه الأخرى يحتاج إلى تقدير هو أخرى، فيؤدي إلى تقدير مبتدآت لا نهاية لها، وذلك لا يجوز.
قال بعض أصحابنا: ولابنِ السِّيد أن يقول: لا يلزم هذا؛ لأنَّ الجملة إذا كانت خبرًا عن الاسم المصمر هي من جهة المعنى خبر عن الظاهر الذي المضمرُ كنايةُ عنه؛ وإذا كان كذلك لم يحتج الضمير إلى ضمير، وهذا صحيح، والربط معنوي، فلا يلزمه ذلك.
وذهب ابن الطّراوة إلى أنه لا يحتاج إلى تقدير «هو» قبل الجملة، بل «نِعمَ الرجلُ» تحمَّل الضمير؛ لأنَّ مذهبه أنَّ التركيب أصاره اسمًا بمعنى الممدوح أو المذموم، فتحمَّل الضمير الذي يتحمَّله الممدوح أو المذموم.
وذهب القائلون بأنَّ أل للعهد إلى أنَّ الربط حصل بتكرير المبتدأ باسمٍ هو المبتدأ من /حيث المعنى؛ وذلك جارٍ على مذهب أبي الحسن في إجازته: زيدُ قام أبو عمرو، إذا كان أبو عمرو كنيةً لزيدٍ، وكما جاز أن يربط بالظاهر الذي
ليس بالموصول جملة الصلة في نحو قولهم: أبو سعيدٍ الذي رويتُ عن الخدري، يريدون: رويتُ عنه ـ جاز ذلك هنا.
وإذا قلت زيدُ نِعمَ رجلاً فتجيْ هذه المذاهب إلا على مذهب ابن الطراوة، فالرابط هو الضمير الذي رَفَعَتْه نِعمَ وبئسَ، لكنه حُذف.
وقوله أو لبعضِ نَواسخه يعني أنَّ المخصوص يكون معمولاً لبعض نواسخ الابتداء، مثاله في باب كان قوله:
إذا
…
أَرسَلُوني عندَ
…
تَقديرِ حاجةٍ
…
أُمارِسُ فيها، كُنتُ نِعْمَ المُمارسُ
ومثاله في باب إنَّ قوله:
إنَّ ابنَ عبدِ الله نِعْـ
…
ـمَ أَخُو النَّدى وابنُ العَشيرَهْ
وقولُه:
إنِّي إذا أُغْلِقَ بابُ الصَّيْدَن
…
نِعْمَ شَفيعُ الزائرِ المُسْتأذِنِ
ومثاله في باب ظنَّ: ظننت زيدًا نِعمَ الرجلُ، وقولُ زهير:
يَمينًا لَنِعْمَ السِّيِّدانِ وُجِدتُما
…
على كُلِّ حالٍ من سَحيلٍ
…
ومُبْرَمِ
وقوله أو بعدَ فاعلِهما مبتدأً مثاله: نِعمَ الرجلُ زيدُ، وبئسَ الغلامُ عمرُو، والجملة قبلهما خبر عنهما، وذلك كما كانت خبرًا حالة تقدُّم المخصوص، وتقدَّمت الجملة كما تقدَّمت حين وقعتْ خبرًا للمبتدأ المتأخر في قول الشاعر:
قد ثَكِلَتْ أُمُّه مَنْ كُنْتَ واحِدَهُ
…
وصار مُنْتَشِبًا في بُرْثُنِ الأسَدِ
ولذلك ساغ عود الضمير من الجملة على مَن، وإن كان متأخرًا في اللفظ؛ لأنَّ النية بالجملة التأخير.
وإعرابه مبتدأ مع التأخر ــ ولا يجوز غيره ــ هو مذهب س، على ما نبيِّنه إن شاء الله، وهو اختيار ابن خروف وهذا المصنف.
وقوله أو خبرَ مبتدأ لا يظهر هذا الإعراب نُسب إلى س، وممن نسبه إلى س هذا المصنف في الشرح، قال فيه:«وأجاز س كون المخصوص خبر مبتدأ واجب الإضمار» . ثم أخذ في ردِّ هذا القول ناقلاً كلام ابن خروف من حيث المعنى. وأجاز هذا الإعرابَ فيه جماعة، منهم السيرافي وأبو علي والصَّيْمَريُّ وأجاز جماعة أن يكون مبتدأ حُذف خبره. وذكر ابن عصفور أنَّ هذين الإعرابين مذهب الجمهور.
وأبطل المتأخرون الأمرين بوجهين:
أحدهما: أنه إمَّا أن تقدر مرفوعًا، هو الممدوح، وهو محذوف، أو لا، فإن لم تقدر كان الممدوح محذوفًا من جملة المدح لأنَّ ما بعده مستقلّ، وقد تقدَّم أنه لا بدَّ منه، ولا تستقلُّ بنفسها، وإن أضمر فيكون التقدير في قولك نِعمَ الرجلُ زيدٌ: زيد هو نِعمَ الرجلُ، ويقع الكلام في هو، فيؤدي إلى التسلسل، وقد أبطلنا ذلك في قولك: زيدٌ نِعمَ الرجلُ، في تقدير /ابن السِّيد: زيدٌ هو نِعمَ الرجلُ.
والوجه الثاني: إمَّا أن يكون الضمير الكائن في الجملة الابتدائية يعود على شيء من جملة المدح أو لا، فإن عاد فليس فيها ما يعود عليه إلا الفاعل، وهو
جنس، فلا يخبر عنه بالشخص، وإن لم يكن عائدًا على شيء من الجملة كان على غير متقدم ولا متأخر، وذلك لا يجوز.
وقال ابن خروف: «ثبت باتفاق كونه مبتدأ بدليل جواز دخول ناسخ الابتداء عليه، ولا دليل على جواز الوجهين الآخرين مع تكلف الإضمار، فينبغي ألا يقال به» انتهى.
ولو كان يجوز فيه أن يكون خبرًا لمبتدأ لانتصب في قولك: نِعمَ الرجلُ كان زيدُ؛ لأنَّ ذلك المضمر يصير اسمًا لكان، فيلزم نصب زيد، ولا تَّصل منصوبًا أو انقصل بكان في قولك: نِعمَ الرجلُ أنتَ، إذا أَدخلتَ كان، فكنت تقول: نِعمَ الرجلُ كانك أو كان إياك، ولا يقال، إنما يقال: نِعمَ الرجلُ كنتَ.
ولو كان خبر مبتدأ محذوف للزمَ حذف الجملة رأسًا في نحو {نِعْمَ العَبدُ} ؛
إذ يصير التقدير: أيُّوبُ الممدوح، ولا يجوز حذف الجملة رأسًا، إلا إن كان في الكلام ما ينوب عنها، نحو: نَعَمْ، وبِلِى، ولا، ونحوها من حروف الجواب.
وللزم أيضا كون هذه الجملة لا تكون متعلقة بالأولي؛ لأنها لا موضع لها من الإعراب، وليست مفسِّرة؛ إذ المفسِّرة يجوز أن يُستغنَى عنها بالجملة التي قبلها، ولا يجب ذكرها، وهذه ليست كذلك، ولا هي جملة اعتراض.
وللزمَ أيضًا حذف جملتين لا دليل على حذفهما، وهي جملة السؤال وجملة الجواب. وأيضا فالمفهوم من قولك: نِعمَ الرجلُ زيدٌ، وزيدٌ نِعمَ الرجلُ ــ واحد، فكما لا يُتَوَهَّم في زيدُ نعمَ الرجلُ أنه على كلامين، فكذلك في: نِعمَ الرجلُ زيدٌ.
وقال المصنف في الشرح: «ومن لوازم كونه خبرًا قبل دخول كان أن يقال: نِعمَ الرجالُ كانوا الزيدين، ونِعمَ النساءُ كُنَّ الهنداتِ، ونِعمَ الرجلُ ظَننته
زيدًا، ونِعمَ الرجلان وُجدا إياكما، لكنَّ العرب لم تقل إلا: نِعمَ الرجالُ كان الزيدون،
ونعمَ النساءُ كانت الهندات، ونعِمَ الرجلُ ظننتُ زيدًا، ونِعمَ الرجلان وُجدتما، فعُلم بهذا أنَّ المخصوص لم يكن قبله ضمير، فيكون هو خبره بل كان مبتدأ مخبرًا عنه بجملة المدح أو الذم».
ولقائلٍ أن يقول: الذي قال فيه إنه خبر مبتدأ محذوف لم يقل ذلك على سبيل الوجوب، بل على سبيل الجواز، ويمكن أن العرب حين أدخلت الناسخ لم تُراع هذا الجائز، بل راعت الجائز الآخر، وهو أن يكون مبتدأ؛ لأنها التزمت حذف
هذا المبتدأ، فلو راعت هذا الجائز الثاني /عند دخول الناسخ لكان نقضًا لِما اعتزما عليه من الحذف؛ لأنه إذا ذاك يَبرز في كان وأخواتها في التثنية والجمع، وفي ظننت وأخواتها.
وقال الأستاذ أبو الحسن بن الباذِش: «لا يجيز س أن يكون المختصُّ بالمدح والذم إلا مبتدأَ في: نِعمَ الرجلُ زيدُ، وبئسَ الرجلُ عمرُو، كما كان في: زيدُ نِعمَ الرجلُ، وعمرُو بئسَ الرجلُ، وتكون الجملة في موضع رفع، وذلك أنَّ نِعمَ وبئسَ لا يتم المعنى المقصود بهما إلا باجتماع المختصَّ بالمدح والذم مع الجنس الذي هو منه، فلا يتقدر على هذا إلا مبتدأً، كما لا يتقدر ذهب أخوه زيدٌ إلا مبتدأ، وهذا يقتضي تشبيه نِعمَ به.
ويدلُّ علي فساد الوجه الآخر أنَّ الاسم المختصَّ بالمدح والذم يجوز حذفه، فإذا كان خبر المبتدأ محذوفًا، ثم حُذف هو ــ آل إلى حذف الجملة كلها، وذلك غير جائز» انتهى. وبهذا قوَّى أبو الفتح كونه لا يكون إلا مبتدأ.
وقال س: «وأمَّا قولهم نِعمَ الرجلُ عبدُ الله فهو بمنْزلة: ذهبَ أخوه عبدُ الله، عَمِلَ نِعمَ في الرجل، ولم يَعمل في عبد الله.
وإذا قال عبدُ الله نِعمَ الرجلُ فهو بمنْزلة: عبدُ الله ذهبَ أخوه». فسوَّى س بين التركيبين تأخير المخصوص وتقديمه.
ثم قال س: «كأنه قال: نِعمَ الرجلُ فقيل له: مَن هو؟ فقال: عبدُ الله وإذا قال عبدُ الله فكأنه قيل له: ما شأنُه؟ فقال: نِعمَ الرجلُ» انتهى.
فلم يُرد س بقوله «من هو» أنَّ الكلام على جملتين إذا تأخر المخصوص، كما لم يُرد ذلك «إذا قال: عبدُ الله، فكأنه قيل له: ما شأنُه؟ فقال: نِعمَ الرجلُ» لأنَّ عبد الله حالة التقديم يستحيل أن يكون جملة، وإنما أراد أنَّ تَعَلُّقَ المبتدأ بالخبر والخبر بالمبتدأ تَعَلُّقُ لازم، فإذا بدأتَ بالمبتدأ احتجتَ إلى خبر، وإذا بدأتَ بالخبر احتجتَ إلى مبتدأ، لا أنَّ ذلك على جملتين، فإذا قلت «ذهب» فكأنه قيل لك: مَن الذاهبُ؟ وإذا قلت «زيدٌ» فكأنه قيل لك: ما شأنه؟ وبأن بهذا النص من س فساد نسبة ذلك لـ «س» ، كما فعل المصنف في قوله إنّ س أجاز أن يكون خبر مبتدأ واجب الإضمار، وأنه لم يتصفح كلامه، أو قَلَّدَ مَن نَسب ذلك إلى س.
وما ذهب إليه من تعيُّن هذه الأسماء النكرات لأن تكون خبر مبتدأ محذوف، وامتناع أن تكون مبتدآت لكونها نكرات، ولا مسوَّغ للابتداء بها ــ غير صحيح، بل فيها مسوِّغان: أحدهما ذكره هو في باب /المبتدأ والخبر، والآخر ذكره غيره:
فأمَّا الذي ذكره هو فهو أن تكون النكرة لا تُراد لعينها، فهذا عنده من المسوِّغات لجواز الابتداء بالنكرة، وجَعل من ذلك قول الشاعر:
مُرَسَّعةُ
…
بينَ
…
أرْساغِهِ
…
بهِ عَسَمٌ يبتَغي أرْنَبا
قال: «النكرة هنا لا تراد لعينها؛ ألا ترى أنه لا يريد مُرَسَّعة دون مُرًسَّعة» . وقال أيضًا: «وينبغي أن يزاد في شروط الابتداء بالنكرة أن تكون النكرة لا تُراد لعينها، نحو: رجلُ خيرُ من امرأة، تريد: واحدُ من هذا الجنس أيّ واحد كان خيرٌ من كل واحدة من جنس النساء، إلا أنَّ معناه يؤول إلى العموم، إلا أنه يخالف العموم في أنه يدلُّ علي كل واحد على جهة البدل، أعني أنه لا يتناول الجميع دفعةً واحدة، وكلُّ يتناول الجميع في دفعة واحدة» انتهى كلامه.
فالمسوَّغ الموجود في قولهم: رجلُ خيرُ من امرأة، وتمرةُ خيرُ من جرادة، ومُرَسَّعةُ بين أرساغه ــ هو بعينه موجود في قولهم: نِعمَ البعيرُ جملُ، ونِعمَ مالاً ألفُ؛ لأنهما نكرتان لا ترادان لعينهما، بل حُكم على واحدٍ من الجمال بأنه نِعمَ البعير، وعلى واحد من الألف بأنه نِعمَ المال. فعلى هذا الذي تقرر يجوز أن يتقدم، فتقول: جملُ نِعمَ البعيرُ، وألفُ نِعمَ مالاً.
والمسوِّغ الذي ذكره غيره هو أنه يجوز أن يكون نكرة إذا كان خبره جملةً مشتملة على فائدة، إلا أنه يجب تأخيره، وذلك نحو: قصدَ غلامَه رجلُ، فإنه جائز جواز «عندك رجلُ» ؛ لأنَّ في تقديم الجملة ما في تقديم الظرف من رفع توهُّم
الوصفية مع عدم قبول الابتداء، فعلى ما قَرَّرَ هذا المقرِّر يكون جملُ مبتدأ، وقد تقدَّمَتْه جملة مشتملة على فائدة، وهي: نِعمَ البعيرُ، إلا أنه لا يجوز تقديم هذا المبتدأ على هذا المسَّوغ؛ لأنَّ تقديم الخبر هنا مسوِّغُ لجواز الابتداء بالنكرة.
واستشهد بعض النحويين على أنَّ المخصوص حالة التأخير خبر مبتدأ محذوف بقول العرب: شَدَّ ما أنك ذاهب، قال: فـ «ما» منصوبة على التمييز، وأنك خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: شَدَّ شيئًا، ثم أوضح، فقال: هو أنَك ذاهب. ولا يتوجه في «أنَّ» هنا إلا هذا الإعراب؛ إذ لا تكون مبتدأة. وقيل: يجوز أن تكون فاعلةً بـ «شَدَّ» . وكذلك: عَزَّ ما أنك ذاهب.
وقد ردَّ بعض أصحابنا على مَن جوَّز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، وأنَّ التقدير: زيدٌ الممدوحُ ــ بأنَّ الذي يقول نِعمَ الرجلُ زيدُ ليس في نفسه نِعمَ الرجلُ زيدٌ الممدوحُ، ولا يمكن أن يُحذف خبرُ مبتدأ إلا وهو مراد في النفس، فُيحذف للعلم به اختصارًا. وإنما حمل على هذا القائلَ به تجويزُ الإعراب من غير التفات إلى المعنى، وذلك ليس بشيء، بل لا ينبغي أن يوجَّه إعراب حتى يصح معناه.
وقال /المصنف في الشرح رادَّا على من زعم أنَّ المخصوص مبتدأ محذوف الخبر ما نصه: «هذا غير صحيح؛ لأنَّ هذا الحذف مُلتَزَم، ولم نجد خبرًا يلتزم حذفه إلا ومحلُّه مشغول بشيء يسدّ مسدّه، كخبر المبتدأ بعد لولا، وهذا بخلاف ذلك، فلا يصح ما ذهب إليه» .
وذهب ابن كسيان إلى أنَّ المخصوص بدل من المرفوع. وهو باطل لأنه لا يقال: نِعمَ زيدُ. وأيضًا فإنه يكون بدلاً لازمَ التبعية، وليس في الأبدال ما هو كذلك.
وقوله أو أَوَّلَ مَعمُولَيْ فعلٍ ناسخٍ مثالُه قول الشاعر:
لَعَمْري لئنْ
…
أنْزَفْتُمُ أو صَحَوْتُمُ
…
لَبِئسَ النَّدامَي كُنتُمُ، آلَ أَبْجَرَا
وقال زهير:
يَمينًا لَنِعْمَ
…
السَّيَّدانِ وُجِدتُما
…
على كُلِّ حالٍ مِن سَحيلٍ ومُبْرَمِ
وقوله ومِن حَقَّه أن يختصّ قال المصنف في الشرح 3: «ومن حق المخصوص بالمدح والذم أن يكون معرفةً أو مقاربًا لها بالتخصيص، نحو: نِعمَ الفتي رجلُ من بني فلان، ونِعمَ العملُ طاعةُ وقولُ معروفُ» انتهي.
ويَرد على ما قال قولُهم: نِعمَ البعيرُ جملُ، ونِعمَ الإنسانُ رجلُ، ونِعمَ مالاً ألفُ، و (نِعمَ المالُ أربعون)، فهذه مخصوصات بالمدح لم تختصّ.
وقوله ويَصلح للإخبار به عن الفاعل موصوفًا بالممدح بعد نِعمَ وبالمذموم بعد بئسَ، فإن بايَنَه أوِّل قال في الشرح:«كقولك في نِعمَ الرجلُ زيدٌ: الرجلُ الممدوحُ زيدٌ، وفي بئسَ الولدُ العاقُّ أباه: الولدُ المذمومُ العاقُّ أباه» انتهى. وهذا الذي ذكره في الشرح لا يَسُوغ إلا إذا رَفع نِعمَ وبئسَ الظاهر، أمَّا إذا رَفع المضمرَ فإنه لا يَصلح ذلك فيه، بل يُعتبر ذلك في التمييز، فإذا قلت نِعمَ رجلاً زيدُ فالإخبار بما ذكر يكون في التمييز، فتقول: الرجلُ الممدوحُ زيدُ، وكذا في بئسَ.
وهذا الذي ذكره المصنف من اختيار المخصوص بأن يُخبَر به عن الفاعل موصوفًا بما ذكر هو معنى ما ذكره أصحابنا مِن أنَّ شرط المخصوص ألا يكون أعمّ ولا مساويًا؛ بل يكون أخصّ، فلو قلت: نِعمَ الرجلُ الإنسانُ، أو نِعمَ الرجلُ المرء، لم يجز، بل شرطه أن يكون أخصَّ من الفاعل؛ لأنه إذا كان أعمَّ أو مساويًا
لم يكن في الإخبار فائدة.
وقوله فإن بايَنَه أُوِّلَ قال أبو موسى: «ومِن شرطه أن يَصدُق عليه اسم الفاعل» أي: اسم المرفوع بنِعمَ وبئسَ، نحو: نِعمَ الرجلُ عبدُ الله، فلا تقول: نِعمَ الفرسُ الرجلُ. وكذلك أن يصدق عليه التمييز، فلو قلت نِعمَ فرسًا عبدُ الله لم يجز. «فأن وقعَ ما يُوهم خلاف هذا يُؤوَّل» ، نحو قوله تعالى {بئس مثل القوم الذين كذبوا بايت الله} ، تأوله أبو علي على وجهين:
أحدهما: أن يكون (الذين) في موضع رفع على إضمار مثل، أي: مثلُ الذين، وهو المخصوص بالذم، وحذف، وقام (الذين) مقامه.
والثاني: أن يكون (الذين) في موضع جر صفة للقوم، والمخصوص محذوف،
أي: بئسَ مَثَلُ القومِ المكذبين مثلُ هؤلاء. وقد ضعف وصف ما يضاف إليه /فاعل نِعمَ وبئسَ لأنَّ فيه تخصيصًا، والتخصيص مباين لعموم الجنس.
وقوله وقد يُحذَف وتَخلُفُه صفتُه اسمًا وفعلاً مثال حذفه والصفة اسم: نِعمَ الصديقُ حَليمٌ كريمٌ، وبئسَ المُصاحبُ عَذولٌ خذولٌ. قال المصنف في
الشرح: «ويكثُر ذلك إذا كانت الصفة فعلاً والفاعل ما، كقوله تعالى {قل بئسما يأمركم به إيمانكم} وكقوله {ولبئس ما شروا به أنفسهم}» انتهى. وقد تقدم الخلاف 4 في هذه المسألة، وهي إذا جاء بعد نِعمَ وبئسَ ما.
وقال المصنف في الشرح 5: «ويَقلُّ إذا لم يكن الفاعل ما، نحو: نِعمَ الصاحبُ تَستعين به فُيعينك، التقدير: صاحبُ تَستعين به فُيعينك» . وهذا الذي أجازه المصنف من «نِعمَ الرجلُ تستعين به» قد تقدَّم الخلاف فيه، وأنَّ الكسائى هو الذي أجازه، وأنَّ أكثر النحويين معنوه، وذلك عند الكلام على كون «ما» تكون فاعلةً تامَّةً على مذهب س.
وقوله وقد يُغني متعلَّق بهما أي: يٌحذف الموصوف وصفته، ويبقى ما يتعلَّق بهما، أي: ما يقتضيهما من جهة المعنى، نحو قول الراجز:
بئسَ مَقامُ الشَّيخِ أمْرِسْ أمْرِسِ
…
إمَّا على قَعْوٍ وإمَّا اقْعَنْسِسِ
تقديره: بئسَ مَقامُ الشيخِ مَقامُ مَقُولُ فيه أَمْرِسْ أمْرِسْ، فحُذف مَقام ــ وهو الموصوف ــ وصفته ــ وهو: مَقُولُ فيه ــ وبَقيَ ما يطلبهما، وهو معمول القول الجملة الأمرية.
وقوله وإن كان المخصوص إلى آخر المسألة إذا كان المذكر كُني به عن مؤنث، أو المؤنث كُني به عن مذكر ــ جاز أن تعامله معاملة ما كُني به عنه،
فتقول: هذه الدارُ نِعمَتِ البلدُ، وهذا البلدُ نِعمَ الدارُ، قال س: «وأمَّا قولهم: هذه الدارُ نِعْمَتِ البَلَدُ، لّما كان البلدُ الدارَ أقحموا التاء، فصار كقولك: مَن كانت
أُمَّك؟ وما جاءتْ حاجتَك؟ ومن قال نِعمَ المرأةُ قال نِعْمَ البلدُ، وكذلك: هذا البلدُ نِعمَ الدارُ، لَمّا كانت البلدَ ذُكِّرَتْ» انتهى. وقال الشاعر:
أو حُرَّةٌ عَيْطَلٌ ثَبْجاءُ مُجْفَرَةٌ
…
دَعائمَ الزَّور، نِعْمَتْ زَوْرَقُ البَلَدِ
الحق علامةَ التأنيثِ والزَّورَقُ مذكر؛ لأنه كَنى به عن الحُرَّة، وهي الناقة.
وقال الآخر:
نِعْمَتْ كِساُء الضَّجيعِ شَهْلةٌ فُضُلٌ
…
غرَّاءُ بَهْكَنةٌ شَنْباءُ عُطْبولُ
وقال الراجز:
نِعْمتْ جَزاءُ المُتَّقيِنَ الَجَّنهْ
…
دارُ الأَمانِي والمَنى والمنَّهْ
وترك التاء أجود إذا كان الفاعل مذكرًا قد كُني به عن مؤنث مراعاةً للفظ.
وفي كلام ابن عصفور في الشرح «الشرح الكبير» ما يوهم أنك إذا قلت «هذا البلدُ نِعمَ الدارُ» لا تلحق العلامة، وإن كان الدار عنيت بها البلد، والدار مؤنثة، والبلد مذكر. وما قاله ابن عصفور ظاهر من كلام س، وهو أنه لا يجوز في «هذا البلدُ نِعمَ الدارُ» التأنيث؛ لأنه قال:«فَلَزِمَ هذا في كلامهم» ، لكن القياس يقبله، والنحويون قالوه، فُيحمل كلام س على أنه أراد بالزوم لزومًا أكثريَّا، كما /قال في «كأيِّنْ مِن رجلٍ» إنّ مِنْ لَزمَتْ، ثم صَّرح بأنَّ أكثر العرب هم الذين يُلحقونها لا كلهم.
والأحسن في نِعْمَتِ الجاريةُ أختُك التاء، وكذلك في التثنية، وأمَّا في الجماعة من الإناث فالأحسن ترك التاء، نحو: نِعمَ النساءُ أخواتُك. وقال س: «واعلمْ أنَّ نِعمَ تُذَكَّر وتُؤَنث، تقول: نِعْمَتِ المرأةُ، ونِعْمَ المرأةُ، كما قالوا: ذهبَ المرأة، والحذف في نِعْمَتْ أكثرُ» . يعني أكثر من الحذف في ذهبتِ المرأةُ؛ لا أنَّ الحذف في نِعْمَتْ إذا كان فاعلها مؤنثًا أكثر من الإثبات.
-[ص: وتُلحَق ساءَ ببئسَ، وبها وبِنِعمَ فَعُلَ موضوعًا أو محوَّلاً من فَعَلَ أو فَعِلَ مضمَّنًا تعجُّبًا، ويَكثُر انجرارُ فاعلِه بالباء، واستغناؤه عن الألف واللام، وإضمارُه على وَفْق ما قبلَه.]-
ش: قال المصنف في الشرح: «يقال: ساءَ الرجلُ أبو لهب، وساءتِ المرأةُ حمالةُ الحطب، وساءَ رجلاً هو، وساءتِ امرأةً هي، بإجراء ساءَ مُجري بئسَ في
كل ما ذكر، ولذلك استُغني بـ (ساءَ) عن بئسَ في قوله تعالي {ساء مثلا القوم} ، وبـ (بئسَ) عن ساءَ في قوله تعالى {بئس مثل القوم} ، وقد جُمعنا في قوله تعالى {بئس الشراب وساءت مرتفقا} انتهى.
وفي كلامه نقد من وجهين:
أحدهما: إفراد ساءَ بالذكر، وهي فرد من أفراد فَعُلَ المُجْرى مُجرى بئسَ ونِعمَ، وساءَ في الأصل فعلُ متعدَّ إلى واحد، متصرف، على وزن فَعَلَ، بفتح العين،
تقول: ساءَ الأمرُ زيدًا يَسوءُه، فحُوِّل إلى فَعُلَ ــ بضم العين ــ لِما في ذلك من
المباغة، فهو مندرج تحت قوله أو مُحَموَّلاً من فَعَلَ، فإفراده بالذكر لا وجه له.
النقد الثاني: قوله «إنه استُغني ببئسَ عن ساء في قوله تعالى {بئس مثل القوم}. وليس هذا استغناءً؛ لأنَّ ما جاء على الأصل لا يقال إنه استُغني به عما ضُمِّنَ معناه، بل الأمر بالعكس، وهو الاستغناء بالمضمَّن عما ضُمِّن معناه، كما قال المصنف في ساءَ إنه استُغني بها عن بئسَ في قوله {ساء مثلا القوم}. وعلى باب بئسَ حمل أبو علي {ساء مثلا القوم}، وجعله غيرُه من باب: طابَ زيدُ نفسًا. وقال في «التذكرة» : «يكون انتصاب المَثَل على حد انتصاب الحمل في قوله {وساءهم يوم القيمة حملا}» .
وجعل ابن دُرُسْتُوَيْه القومَ من جنس الَمثَل، وهو عنده من باب: حَسُنَ رجلاً زيدُ، فزيدُ من الرجال، وكذلك القوم عنده من المَثَل، ولذلك لم يكن: نِعمَ أمثالاً القومُ، كما تقول: نِعمَ رجالاً القومُ؛ لأنهم لَمَّا ضُرب بهم المَثَل صاروا مَثَلاً على الاتَّساع، فصار «مَثَلاً» جنسًا منه القوم الذين كَذَّبوا، كما تقول: نِعمَ رجلاً زيدٌ، فزيدٌ من جنس الرجال، فسُمِّي ما ضُرب به المَثَل مثَلاً على الاتِّساع، حكى هذا عن غيره، واستحسنه، وأجاز ما ذكر أبو علي.
وقوله وبها ــ أي وبئسَ ــ ونِعمَ فَعُلَ موضوعًا مثاله: حَسُنَ الخُلقُ خُلُقُ خُلُقُ الحكماء، وقَبُحَ العنادُ عنادُ المبطلين، وشَنُعَتِ الوُجُوهُ وُجوهُ الكافرين.
وقوله أو مُحَوَّلاً من فَعَلَ وفَعِلَ قال المصنف في الشرح: «فمنها قول العرب: لَقَضُوَ الرجلُ فلانُ، وعَلُمَ الرجلُ فلانُ، بمعنى: نِعمَ القاضي هو، ونِعمَ العالمُ هو انتهى.
ومعني الإلحاق أنه يثبت لفَعُلَ سائر الأحكام التي لِنعمَ وبئسَ من الفاعل والتمييز /والمضمر ومجيء «ما» بعده، كقوله {ساء ما يحكمون} ، ويُتأول مثل قوله {ساء مثلا القوم} ــ أي: مَثَلُ القومِ ــ لاختلاف التمييز والمخصوص.
وفي كلام الشارح التمثيل في المُحَوَّل من فَعِلَ إلى فَعُلَ قوله «وعَلُمَ الرجلُ فلانُ» ، ونصَّ النحويون على أنَّ الفعل إذا كان على وزن فَعَلَ أو فَعِلَ حُوِّلَ إلى فَعُلَ، وصار المتعدي منها لازمً، وإنَّ العرب شَذَّتْ في ثلاثة ألفاظ 5، فلم تُحَوَّلها،
بل أبقتها على أصلها من الوزن، واستعملَتْها استعمال نِعمَ من غير تحويل، لكن جعلتها لازمة، وهي عَلِمَ وجَهِلَ وسَمِعَ، فتقول: عَلِمَ الرجلُ زيدُ، وجَهِلَ الرجلُ عمرٌو، وسَمِعَ الرجلُ عمرٌو إذا أرادوا المباغة في عمله وجهله وسماعه.
وذكر خَطَّاب بن يوسف المارِدِيّ شرطَّا في إلحاق فَعُلَ بِنعمَ وبئسَ، وهو أنه لا يُبنَي مُتَوَصَّلاً به إلى ما يجوز التعجب منه، قال في كتابه «الترشيح» حين تكلَّم علي لَفَعُل ما نصبه:«فإن تعجبت من الرباعي فصاعدًا أو الألوان والعاهات فانهم عدَلوا فيه عن الأصل في هذا البناء، واستغنوا عنه بقولهم: أَفْعَلُ الفعل فِعلُه، تقول: أَشَدُّ الحُمرةِ حُمرتُّه، وأسْرَعُ الانطلاقِ انطلاقُه، وأَفْحَشُ الصَّمَمِ صَمَمُه، والاسم الأول مبتدأ، والثاني مضاف إليه، وما بعد المضاف خبر وكان القياس أن يقولوا: لَفَحُشَ الصَّمَمُ صَمَمُه، ولَشَدَّتِ الحُمرةُ حمُرتُه، فيرفعوه من حيث رَفعوا: لَكَرُمَ الرجلُ زيدٌ، ولكنهم استَغنَوا عنه بما ذكرتُ لك» انتهى.
وقوله مُضَمَّنًا تَعَجُّبًا اختلفوا في هذه الصيغة: فذهب الفارسيُّى وأكثر النحويين إلى إلحاقها بباب نِعمَ فقط، فعلى هذا تَثبت لها جميع أحكام نِعمَ. وذهب الأخفش والمبرد إلى أنه يجوز إلحاقها بباب التعجب.
وفي «البسيط» : «المغَّير عن أصل صيغته للمدح لازمٌ لذلك المعنى الذي غُيِّر له بحيث صار من ألفاظ المدح وغيرُ لازم، الازم حَبَّذا، وعكسه لا حَبَّذا، وغير اللازم كل فعلٍ على ثلاثة أحرف يُبنى منه فَعُلَ، ويوضح للمدح والذمّ إن قبلهما في المعنى قياسًا، وهذا عامّ وخاصّ، العامّ ما كان معناه يَقُرب من معنى نِعمَ وبئسَ، أو
فيه نسبة إليهما، كعَظُمَ وصَغُرَ وساءَ وكَبُرَ ولَطُفَ وهانَ وعَزَّ وشَدَّ ونحوه، والخاصّ ما دلَّ على خصوصية ما مُح به، نحو: حَسُنَ وفَقُة، ورُدَّ إلى فَعُلَ ليكون من أفعال النحائر؛ إذ بها يقع المدح والذم، وليصير إلى ما لا يتعدى، وهو أصل الباب كنعمَ وحَبَّذا.
واختلفوا في فاعلها: فقال الأكثرون كالأخفش وغيره: يكون بمْنزلة نِعمَ وبئسَ وحَبَّذا، يكون ظاهرا عامَّا، ومضافًا، أو مضمرًا مفسَّرًا، أو حرف إشارة مفسَّرًا وغير مفسَّرًا وغير مفسَّر، والاسم بعدها كما تقدم فيها، كقولك: عَظُمَ رجلاً زيدٌ، وتقول: حَسُنَ ذا زيدٌ، وهو يقلُّ لقلَّة ما يُبنى من هذا، وإنما سُمع منه حَبَّذا، وشَدَّ ما أنك ذاهب، وعَزَّ ما أنك منطلق، بُني مع ما، وصارا معًا بمنْزلة مصدر في موضع الظرف، كما تقول: حَقَّا أنك ذاهب، أي: في الحقَّ أنك ذاهب، أي: في الشَّدِّ والعِزِّ أنك ذاهب، كما صارت قَلَّما /غالبة عليها الحرفية لتركيبها معها.
وقال بعضهم: يجوز أن يكون فاعلها كل اسم، وأجاز: حَبَّ زيدٌ. والخاصّ كالعامّ، نحو: فَقُهَ رجلاً زيدٌ، وحَسُنَ رجلاً عبدُ الله» انتهي ما لخص من البسيط.
والصحيح جواز الاستعمالين، أعني استعماله استعمال نِعمَ وبئسَ، فيكون فاعله وأحكامه كأحكامها. واستعماله استعمال فعل التعجب، فلا يلزم فاعله أن يكون كفاعل نِعمَ وبئسَ في كونه ذا أل أو مضافًا إليه أو مضمرًا على شريطة التفسير، ويكون مخصوصه المرفوع به خاصة، حكى الأخفش الاستعمالين في الكبير له عن العرب.
وفي «الإيضاح» : «ذكر أبو الحسن والفراء وأبو العباس وجماعة أنَّ العرب تنقل الثلاثي إلى فَعُلَ بالضم، وتجعله في العمل بمْنزلة نِعمَ وبئسَ، فيكون فاعله جنسًا فيه اللام، أو مضافًا إلى ما فيه اللام، أو مضمرًا مبهمًا مفسَّرًا بنكرة منصوبة،
والمعتل من الثلاثي يقدر فيه ذلك التقدير، فتكون ألفه منقلبة عن معتلِّ مضموم، نحو: عِلُمَ الرجلُ زيدٌ، وجَهُلَ الرجلُ عمرٌو، وعَلُمَ رجلاً زيدٌ، وباع وقال على ذلك الحد. فإن كان على فَعُلَ بالضم تُرك على حدّه. وكثيرًا ما تدخل اللام،
فتقول: لَعَلُمَ رجلاً زيدٌ، وينبغي أن يكون جواب قسم، كما تقول لَنِعمَ الرجلُ زيدٌ» انتهى.
وقال المصنف في الشرح: «فإذا قلت لَقَضُوَ الرجلُ فلانُ بمعنى: نِعمَ القاضي هو ـ ففيه معنى: ما أَقْضاه!» انتهى.
وكيفية بنائه أنه إمَّا أن يكون صحيحًا عينه ولامه، أو معتلَّهما، أو معتلّ أحدهما، أو مضعَّفتهما:
إن كان صحيحَهما على فَعُلَ وَضْعًا أو تحويلاً من فَعَلَ وفَعِلَ فإمَّا أن تُجريه مُجرى نِعمَ أو مُجرى فِعل التعجب، إن أَجريتَه مُجرى نِعمَ، نحو: حَسُنَ الوجهُ وجهك ـ فيجوز فيه إقرار ضمة العين، وتسكينها، ونقلها إلى فاء الكلمة. وإن أجريتَه مُجرى فِعل التعجب جاز الضم والتسكين، ولا يجوز النقل.
وإن كان مضعقًا فالإدغام، فتقول: لَحَبَّ الرجلُ زيدٌ، ويجوز النقل إلى الفاء، فتقول: لَحُبَّ الرجلُ زيدٌ.
وإن كان معتلَّهما من باب قُوَّة قلبتَ الضمة كسرةً واللامَ ياءً استثقالاً للواوين والضمة، فتقول: لَقَوِيَ الرجلُ زيدٌ. أو من باب شَوى، فتقلب الياءَ واوًا لضمة ما قبلها، وتفعل بها ما فعلت بباب قُوَّة، فتقول: لَشَويَ الرجلُ زيدٌ. ويجوز التسكين فيهما، فتقول: لَقَوْيَ الرجلُ زيدٌ، ولَشَوْيَ الرجلُ عمرُو، ولا يُدغم لأنه سكون عارض.
وإن كان معتلَّ العين، نحو جادَ وباعَ ــ لزم قبلها ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فتقول للرجل إذا كان حسن القول أو البيع: قالَ الرجلُ زيدٌ، وباعَ الرجلُ عمرُو.
وإن كان معتلَّ اللام، وكان على فَعُلَ وضعًا، نحو سَرُوَ، قلت: سَرُوَ الرجلُ عمرٌو، ويجوز التسكين. وإن كان أصله فَعَلَ وفَعِلَ نحو غزا ورمى ولَهِيَ وخَشِىَ، ففي ذلك خلاف: ذهب الجمهور إلى أنه يُحَوَّل إلى فَعُلَ، فتظهر الواو فيما أصله الواو، نحو غَزُوَ، وتنقلب الياء فيما أصله ياءٌ واوًا، فتقول: قَضُوَ.
وذهب بعض النحويين إلى أنه يُقَرُّ على حاله، فتقول: لَرَمَى الرجلُ زيدُ، ولَغَزا الرجلُ الرجلُ /عمرُو؛ لأنَّ هذا الفعل يشبه الأسماء في عدم التصرف، فكما يُكره فيها أن يجيء في آخرها واو مضموم ما قبلها فكذلك كُره فيما أشبهها.
وإذا أسكنت عين الكلمة مما لامه ياء لم تردّ اللام إلى أصلها من الياء وإن ذهبت الضمة التي أوجبتْ قبلها؛ لأنَّ هذا سكون عارض، كما لم يعتدُّوا بسكون قولهم: دُنْيَ له، أي: دُنِيَ له، فيردّوها إلى الواو إذ زال موجب قلبها ياء ــ وهو الكسرة ـ لأنه سكون عارض أيضًا.
وقوله ويكثر انجرارُه بالباء قال المصنف في الشرح: «ولِكَون فَعُلَ المذكور مُضَمَّنًا تعجُّبًا استُحسِن فيه ما لم يُستَحسَن في نِعمَ من جرِّ فاعله بالباء حملاً على أفْعِلْ به في التعجب، فإذا قيل حَسُنَ بزيدٍ رجلاً نُزَّلَ منْزلة: أحسِنْ بزيدٍ رجلاً» انتهى.
وقول المصنف «ما لم يُستَحسَن في نِعمَ» عبارة ليست بجيدة؛ لأنها تُشعر بجواز جرِّ فاعل نِعمَ بالباء، وهو لا يجوز، فتخليص العبارة أن يقال: «ما لا يجوز في
نِعمَ». حكى الكسائي عن العرب: «مررتُ بأبيات جادَ بهنَّ أبياتًا، وجُدْنَ أبياتًا» حَذف الباء، وجاء بضمير الرفع متصلاً، وقال الشاعر:
حُبَّ
…
بالزَّورِ
…
الذي لا تُرَى
…
منهُ
…
إلا
…
صَفْحةٌ أو لِمامْ
وقال آخر:
لَحَبَّ
…
بنارٍ
…
أوُ قِدَتْ بين مُحْلِبٍ
…
وفَرْدَةَ، لو يَدنو مِنَ الَحبلِ واصِلُهْ
وقال آخر:
يُضيءُ سَناهُ الَهضْبَ هَضْبَ مُتالعٍ
…
وحَبَّ بذاكَ البَرقِ، لو كانَ دانِيا
وقال آخر:
سَرَتْ تَخْبِطُ الظَّلماءَ مِن جانَبِيْ قَسًا
…
وحُبَّ بها مِن خابِطِ الليلِ زائرِ
وقال آخر:
فقلتُ: اقْتُلُوها عَنكمُ بِمِزاجِها
…
وحُبَّ بِها مَقتُولةً حينَ تُقتَلُ
وقال آخر:
بَكَتْ عَينِي، وحُقَّ لها بُكاها
…
وما يُغْنِي البُكاءُ ولا العَويلُ
وقوله واستغناؤه عن الألف واللام مثاله ما تقدَّم ذكره من حكاية الكسائي: «جادَ بهنَّ أبياتًا، وجُدْنَ أبياتًا» ، و «لَحَبَّ بنار» ، وحَبَّ بذاكَ البرقِ»، وحُبَّ بها مِن خابط»، وحُبَّ بها مقتولةً»، وحُقَّ بكاها».
وقوله وإضمارُه على وَفقِ ما قبلَه تقول: الزيدون كَرُمُوا رجالاً، تُنَزَّله
منْزلة: الزيدون ما أَكْرَمَهم رجالاً، ولا يجوز هذا في نِعمَ وبئسَ، إنما تُضمر فيهما ضميرًا مفرًا مُسْتَكِنَّا، يُفَسَّره ما بعده، وهذا الضمير الذي فَعُلَ يكون على وَفقِ ما قبلَه مِن إفرادٍ وتثنية وجمع وتذكير وتأنيث.
فأمَّا قوله {كبرت كلمة تخرج من أفوههم} ، فيحتمل أن يكون مثل:
نِعْمَتِ /امرأة هندٌ، وهو قول ابن بَرْهان، ويكون المبتدأ محذوفًا، كما قال {كبر مقتا عند الله أن تقولوا} ، فظهر المبتدأ، وصَدَق عليه الأول، وتقديره: كبرت كلمةً كلمةٌ تخرج. وأن يكون فاعل {كَبُرَتَ} ضميرًا يرجع إلى {أتخذ الله ولدا} ، وهو قول الزمخشري في «الكشاف» .
وأجاز بعض النحويين في {كَبُرَ مَقْتًا عِندَ الله} أن ينتصب (مَقْتًا) على الحال، و (أن تَقولوا) فاعل (كَبُرَ). وفي {كبرت كلمة تخرج} أن تكون (كلمةً) حالاً موطِّئة بالصفة، والفاعل مضمر لتقدُّم ذكره. وتقدَّم مِن قولنا أنَّ فَعُلَ لا يُستعمل في الضمة النقل إلى فاء الكلمة إلا إذا كان للمدح أو الذمّ لا في التعجب، وأنشدا علي ذلك قول الشاعر:
لم يَمْنَعِ الناسُ مِنَّي ما أَرَدتُ، ولا
…
أُعْطِيهمُ ما أَرادُوا، حُسْنَ ذا أَدَبَا