المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌صلاح الأمة بالدين - مجلة الحقائق - جـ ١٣

[عبد القادر الإسكندراني]

الفصل: ‌صلاح الأمة بالدين

‌صلاح الأمة بالدين

اعتاد كثير من أرباب الأقلام الشكوى من فساد الخلاق، وضياع الفضائل والكمالات، وموت العواطف الشريفة وتراهم يبالغون في الأسى والأسف على الحالة التي وصلت إليها الأمة من الوهن والتقهقر والخور والضعف من غيران يبحثوا عن معرفة السبب الذي نزل بالأبصار فغشاها وبالنفوس فدساها وبالأفكار فأوقفها، وبالفضائل فأجلاها، ليهتدوا على جرثومة العلل فيتذرعوا بالوسائل في إزالتها ويمهدوا السبل في استئصال شأفتها.

كاد هؤلاء الكتاب يبذرون روح اليأس في القلوب بكثرة ندبهم ونعيهم على الناس سوء حالهم وإنذارهم لهم وبيل منقلبهم، حتى ظل الواحد يتخيل أن دور صلاح الأمة قد انقضى، ونجم مجدها قدافل، بل ربما يقوم في فكرة استحالة النهوض من وهدة الانحطاط فيتأصل فيه فقد الآمال وترك صالح الأعمال والبعد عن الجد والارتياح إلى الكسل والانغماس في حمأة اللهو والعبث.

نسمع لهم كل يوم صخباً ولجباً، ليس لها تأثير في تعديل طبع، أو تهذيب نفس، مدعين أنهم دعاة الخير زعماء الإصلاح وهم مع الأسف يستصرخون فلا يلبون ويجأرون فلا يجابون ولم ذلك؟

لأنهم لم يفهموا سبب الانحطاط فيبينو للأمة طرق نجاحها ويسلكوا في تربية عواطفها مسلك الحكيم الناصح العالم بمكان الضعف والقوة ولكنهم بدل ذلك أخذ ينددون بعلماء الأمة وأمرائها وكبرائهم وجعلوا أهم مباحثهم التنقيب عن عوراتهم وكشف الغطاء عن مساويهم وما اجترحوا من المخازي حتى جردوهم عن كل مزية فضيلة فانتزعت الثقة بهم من قلوب العامة والخاصة ووقر في نفوس الناس أنه ليس لهم في أمتهم مرجع يرجعون إليه عند الحيرة ولا موئل يعتصمون به وقت الشدة.

لو بحث هؤلاء الكتاب بحثاً دقيقاً عن السبب الوحيد لما يشكونه من فساد الأخلاق وانحلال عرى العزائم وتراخي أواصر الروابط التي أفضت بالأمة إلى تأخرها لوجدوا (وايم الحق) الباعث لذلك هو الأعراض عن الدين وتعاليمه نبذ أحكامه ظهرياً.

نعم أن الأمة انحرفت عن الأخذ بالدين وتركت التمسك بآدابه وسننه القويمة ومالت مع الأهواء واسترسلت في الشهوات حل بها من الأحن والبلايل ما أضحت معه في حاجة شديدة إلى العلماء العارفين بأحوال الأمم وارتقائها ليأخذ بيدها نحو تلك الذرة العليا والمنزلة

ص: 13

القصوى وليحيدوا بها عن طريق الغواية ويسلكوا بها منهاج الرشد والسعادة أفلا يجدر بم أيها الكتاب أن تيقظوا الأمة من سباتها وترشدوها إلى معالم دينها وتوقفوها على أحكام شريعة خالقها التي هي مصدر قواها ومنبع سعادتها وإكليل عزها ومجدها إلا تتقون الله في القيام بما ينفع الأمة في دينها ودنياها ويجعلها في أسمى مقام هذا كتاب الله ناطق بالحجة أمام وهدى ونور مبين يشهد لمن أخذ به وتمسك بأحكامه وينعي من حاد عنه وتنكب عن طريقه بسط لنا فيه من وسائل السعادة ومقاصد السيادة وأسباب ارتفاع الأمم وانحطاطها وضرب لنا من الأمثال لأجل العظة والاعتبار ومراعاة السنن الإلهية ما فيه بلاغ وكفاية لأولي الألباب هذه السنة المطهرة بين ظهرانينا ترشدنا إلى معاني الأمور وكرائم الخصال وتحثنا على فضائل العمال وفعل الخيرات وترك المنكرات هذا التاريخ يشهد أن الأمم ما تدرجت في مدارج الحضارة ولا اجتازت عقبات الحياة الوحشية إلا والدين قائدها ومرشدها والتدين مسخرها ومصرفها ألم يأن لكم أيها الكتاب أن تدأبوا في إصلاح شؤون الأمة وتقويم اعوجاج بالحض على اتباع السنة وقمع البدعة واقتفاء أثر السلف الصالح الذين عرفوا واجبات الدين وقيمة نفعه للبشر ولم يكن للأغراض الذاتية والشهوات النفسانية منفذ في نفوسهم ولا في خواطرهم بل كانت بغيتهم التفاني في ارتقاء الأمة وارتفاع مجدها وبقاء سؤددها فهم يتعهدونها بالحكمة والمواعظ الحسنة التي تؤثر في القلوب وتنشط النفوس للدأب في الجد والاجتهاد في الأعمال الصالحة وفقنا الله للقيام بواجب ديننا وأمدنا بروح منه تقيمنا على السبيل الأمثل والطريق المستقيم وفي الختام نقول:

يا قوم كونوا يداً في الدين واحدة

واستنصروا بالهدى فالحق قد ظهرا

يا قوم ن تنصروا لله ينصركم

ويرحم الله من للدين قد نصرا

ص: 14