الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكاتب: موسى عبد الله القزاني
مطالب مسلمي روسيا من دولتهم
ألَّف الشيخ رضاء الدين بن فخر الدين أحد أكابر علماء المسلمين في روسيا،
والعضو في المحكمة الشرعية هناك سابقًا، رسالة أبان فيها رأيه في مطالب مسلمي
روسيا من حكومتهم.
قال: يظهر من قراءة بعض الأوراق المطبوعة وغير المطبوعة، ومما يسمع
من أفواه الكثيرين أن مطالب قومنا المهمة عبارة عما يأتي:
(1)
استرداد الحقوق الواسعة التي منحتها الإمبراطورة (كاترينا) الثانية
للجمعية الشرعية، (أو المحكمة الشرعية) في سنة 1787م.
(2)
إخراج المدارس الإسلامية من تحت إدارة نظارة المعارف العمومية
الروسية، وجعلها تحت نظارة الجمعية الشرعية التابعة الآن لنظارة الداخلية.
(3)
مساواة المسلمين القاطنين في روسيا للروس الأرثوذكس، في الحقوق
المدنية والعسكرية كافة بلا استثناء.
(4)
مساواة علماء الإسلام الرسميين في الامتيازات، للروحانيين
المسيحيين.
(5)
إلغاء جعل معرفة اللغة الروسية شرطًا في تعيين أئمة المساجد وأعضاء
الجمعية الشرعية.
(6)
الحرية في الدين، والمناظرة مع المتحكِّكين بالمسلمين، وحرية
الصحافة.
(7)
إبقاء فصل الخصومات المتعلقة بالأمور الشخصية، كالنكاح والطلاق،
وتقسيم التركات والوصايا، وما إليها من الخصومات العائلية، كما كان في الزمن
السابق بأيدي علماء المسلمين أنفسهم، دون تحويلها إلى المحاكم المدنية.
ثم أفاض الكاتب في بيان رأيه في هذه المواد (ما عدا المادتين الثالثة
والسابعة) ، فآثرنا أن نترجم كلامه على المواد الخامسة والسادسة والثامنة؛ لما
فيها من الفوائد. وأما كلامه في بقية المواد فهو في الغالب مختص بالشؤون الداخلية
البحتة؛ ولهذا أغفلنا ترجمته. قال حفظه الله:
الكلام على المادة الخامسة
لا يحسن بنا أن نحكم بضرر اشتراط تعلم اللغة الروسية لأئمة المساجد
وأعضاء الجمعية الشرعية أو بنفعه، إلا بعد إنعام النظر في حالتنا الحاضرة، إذا
ظلت مدارسنا الدينية على ما هي عليه من الخلل، ودامت حال المتعلمين فيها على
ما هي عليه من الفوضى والفاقة، فهو ضار ألبته؛ لأن الحالة الراهنة تقضي عليهم
بأن يرتادوا من يتعلمون منه اللغة الروسية مبتدئين من (ألفبائها) . بعد أن قضوا
أعوامًا كثيرة في زوايا المدارس الإسلامية، وناهزوا سن الكهولة. ومعظم أولئك
المتعلمين لا يتسنى لهم - لضيق ذات يدهم - أن يظفروا بمعلم متحل
بالفضائل والآداب. فيضطرون إلى اختيار المعلمين المتسفلين في أخلاقهم وآدابهم
بأجور زهيدة. فيتلقون منهم فنونًا من الجهل مع يسير من العلم.
ثم ترى فئة من أولئك المتعلمين الذين قضوا سن الشباب بالعفة والاستقامة
هادئين متنكبين عما يخل بآدابهم. يقصدون لتعلم اللغة المذكورة القرى الروسية أو
المدن. فيتفق لهم أن يروا هناك مجالس الفسق ومحلات الفجور لأول مرة من
حياتهم، فهم - وإن قدعوا نفوسهم مرة أو مرتين عن الدخول في غمار تلك
المجالس - يقعون في مهاويها في المرة الثالثة لا محالة. فينتشر بهذه الواسطة داء
فساد الأخلاق بين المتعلمين، وينهدم بنيان تعففهم. وما ذلك الضعف في
الإرادة، والخور في العزيمة إلا من نقصان تربيتنا المدرسية ووهنها؛ لأننا لا
نربي التلاميذ تربية تجعلهم يمتنعون عن الرذائل؛ لكونها مضادة للكمال
الإنساني، ولمرضاة الله واهب الكمالات. وإنما تربيهم تربية تجعلهم لا يأتون
المنكرات مخافة من الناس لا غير.
نجد بين المتعلمين في مدارس الحكومة الرسمية كثيرين يجتنبون شرب
المسكرات، وتناول الدخان. وأما المتعلمون منا في المدارس الدينية، فيقال: إن
الأعفَّاء فيهم قليلون جدًّا في هذه الأيام، فهذه جهة الضرر. وإما إذا نظرنا إلى حاجة
من يسكن هذه البلاد في قضاء حاجتهم المعاشية، وحفظ حقوقهم الخصوصية
والقومية إلى اللغة الروسية - لغة الأمة الحاكمة - فإننا نقول بنفع اشتراط تعلمها
للأئمة أيضا نفعًا عظيمًا. هذا رأيي في أئمة المساجد. وأما رأيي في أعضاء
الجمعية الشرعية فكما يأتي:
لا يؤمل خير للجمعية الشرعية، والمسلمين من عضوية من ليست لهم قدم
راسخة في العلوم الإسلامية مع قصر باعهم في اللغة الروسية وقوانين الحكومة.
بل يَتَحَتَّم أن يكون الأعضاء فيها لهم براعة في العلوم الإسلامية، وفي لغة
الحكومة، وقوانينها.
وما اشترطت لهم الحكومة من درجة التعلم في المدارس الرسمية ليس بشيء
في جنب ما أحب أن يكونوا عليه.
يجب أن تكون مقاماتهم في العلوم الإسلامية مقامات المجتهدين بالاجتهاد
الاصطلاحي، لا بالاجتهاد اللغوي فقط.
درجة الاجتهاد يجب علينا أن نشترطها من عند أنفسنا، ولو لم تشترطها
الحكومة؛ لأن ذلك يعود على أمتنا بمنافع جمة ما بين دينية واجتماعية. أما منافعه
الدينية فظاهرة. وأما النفع الاجتماعي العظيم فهو إن كون قضاتنا بهذه المثابة من
الاقتدار، يجعل لهم مكانة سامية في نظر الحكومة، ويكون سببًا لبقاء فصل
الخصومات العائلية التي أتى ذكرها في المادة الثامنة من مطالب الأمة بأيدي علمائنا،
وبقاء جمعيتنا الشرعية إلى ما شاء الله.
كأني بقائل يقول: هل يمكن ظهور المجتهدين من بيننا؟
فأقول في جواب هذا السؤال: نعم، لا يوجد اليوم فينا مجتهدون، ويستبعد
الناظر في حالتنا الحاضرة ظهورهم في المستقبل القريب أيضًا. بيد أنه إذا انتظمت
مدارسنا، ودرست فيها العلوم النافعة من كتب أصحاب العلوم الحقيقية بدل هذه
الكتب السخيفة، فلا مانع - في رأيي - من ظهور المجتهدين بيننا.
لا يشترط الاجتهاد الإسلامي ثلث الشروط التي تشترط في ترشيح المرء لأن
يكون رئيسًا أو مدعيًا عموميًّا أو عضوًا أو محاميًا في المحاكم الكبيرة في أوربا
وفي روسيا.
نرى اليوم بين الروس الذين لا يفوقون المسلمين الساكنين في هذه البلاد
بشيء من: الذكاء الفطري، الاستعداد الطبيعي، ألوفًا يساوون المجتهدين في
المذهب، بل المجتهدين المطلقين في علومهم، وبراعتهم في الفقه (علم الحقوق)
والقوانين الوضعية. فكيف يمتنع إذًا ظهور مائة أو خمسين مجتهدًا من بين مسلمي
روسيا الذين ينيف عددهم على 15 مليونًا، إذا سعوا له سعيه وأتوا البيوت من
أبوابها.
إذا نحن أخلدنا إلى الأرض، ورضينا بالجمود على هذه الحالة الوضيعة
فحرام علينا أن نعد أنفسنا من نوع الإنسان الذي فطر على أن يترقى دائمًا مع
الزمان.
أنا أعلم أن كلامي هذا يحفظ قلوب كثير من الجامدين، فينبذونني بالجهل
والمروق عن دائرة الأدب مع الأئمة السالفين، ويقولون ألبتة: (ما لهذا الجاهل
الضال، قد حط من قدر الاجتهاد، وتجرأ على القول بإمكان ظهور المجتهدين في
هذا الزمان. أما سمع هذا المتهور خبر انقضاء عصر الاجتهاد، وانغلاق بابه منذ
قرون كثيرة) .
غير أني أقول لهؤلاء: (إني لم أكتب ما كتبت لغفلتي عن مباحث الاجتهاد،
وخبر انغلاق بابه عند بعضهم. بل كتبته بعد أن بحثت وأدمنت الفكر في هذه
المباحث زمنًا طويلا، حتى هداني البحث والتنقيب إلى معرفة مفتجري فكرة
(انغلاق باب الاجتهاد) ، والأسباب التي حملتهم على افتجارها، والعصور التي
ظهرت فيها تلك الفكرة السيئة.
زحفت التتار إلى بغداد فدمروها تدميرًا وقتَّلوا العلماء تقتيلاً، وأبادوا الآثار
العظيمة الشاهدة بعظمة المسلمين السابقين، وفعل الأسبانيون الأفاعيل بالمسلمين،
وساموهم سوء العذاب في جزيرة الأندلس، أضر هؤلاء المتوحشون بالبلاد
الإسلامية والمسلمين أضرارًا مادية جسيمة لكن أضرارهم المعنوية لا يقام لها
وزن أمام الأضرار التي أنتجها شيوع فكرة (انغلاق باب الاجتهاد، وامتناع بلوغ
الأخلاف شأو الأسلاف في الكمال والعلم) بين المسلمين.
لم تتمكن فكرة انغلاق باب الاجتهاد والارتقاء في نفوس المسلمين حتى فترت
الرغبات في العلم، وتقاعد الهمم عن الارتقاء والتقدم، فأنشأوا يتدارسون السفاسف
بدل الفضائل، ويشتغلون بالأوهام اليونانية بدل العلوم الحقيقية. وبالجملة إن الخسائر التي جرتها إلى المسلمين (فكرة انغلاق باب الاجتهاد) ، أكثر وأفظع من
الخسائر التي أتتهم على أيدي (جنكيز) و (هولاكو) و (إيزابلا) ، وأضرابهم
من المتوحشين المفسدين.
ولهذا أعتقد أننا إذا قضينا على الفوضى السائدة في مدارسنا، وأدخلنا فيها
العلوم الحقيقية، وأفرغنا كنانة جهدنا في نشر التربية الإسلامية الصحيحة ظهر فينا
المجتهدون بكثرة إن شاء الله؛ إذ الاجتهاد أمر كسبي مرتبط بالأسباب الظاهرة التي
تنالها الأيدي. ثم إن سنة الارتقاء التي تجري عليها شؤون العوالم كلها بتقدير
العزيز العليم، تقضي أن يكون كل شيء أكمل وأرقى مما قبله.
نرى اليوم الأمم الراقية الحية يبنون كل شؤونهم على تلك السنة
الثابتة، فيسيرون سيرًا حثيثًا في مدارج الرقي، ومراقي الكمال. أما المسلمون ففشا
بينهم منذ زمن بعيد إنكار سنة الارتقاء، واعتقاد سير العالم إلى التدلي والانحطاط،
فرئموا الضعة والجمود، حتى حقت عليهم كلمة الذل والهوان.
لعل اختتام النبوة أيضًا مبني على تلك السنة (سنة الارتقاء) .
كانت الأمم السالفة لنقصان مداركهم، وعدم اكتمالهم في المزايا الإنسانية،
يضلون عن الشرائع التي كانت الأنبياء تبلغها إليهم، ويحيدون عن صراط الله
السوي، بعد مضي أزمنة يسيرة من عهد الأنبياء.
فكان الله عز وجل يبعث إليهم من يقوِّم لهم أود الدين، ويهديهم إلى الحق
المبين من الأنبياء الآخرين. وأما الأمم الذين يأتون بعد نبينا - صلى الله عليه
وسلم -، فيكونون قد ارتقوا في المدارك، واكتملوا في الخواص الإنسانية، حتى
يستطيعوا بذلك حفظ الشريعة المطهرة، ويبلغوها إلى من بعدهم بلا تحريف ولا
تبديل. فلا تبقى حاجة إلى إرسال من يجدد الدِّين بعد خاتم النبيين فبناءً على ما ذكرنا
ينبغي أن يكون المجتهدون وأساطين الإسلام أكثر وأبرع من المجتهدين السالفين،
كلما خطا المجتمع الإنساني خطوة إلى الأمام.
وأما تعلم أعضاء المحكمة الشرعية اللغة الروسية، فما اشترطته لهم الحكومة
قليل جدًّا في رأيي. بل يتحتم على من يترشحون للعضوية في تلك المحكمة أن
يحضروا دروس علم الحقوق ولو بصفة المستمعين في جامعات الحكومة، بعد أن
يمتحنوا في دروس المدارس البلدية أو مدارس المعلمين. لا يخفى على أهل البصر
أن قوة المحكمة الشرعية، وسمو مكانتها لدى المحاكم التي فوقها، وارتفاع شأنها
في أعين المسلمين التابعين لها، ليست هي كل بنائها الشامخ، وتنوع الأشجار في
الحديقة الحافة بها. بل لا تتحقق تلك الأماني السامية؛ إلا إذا كان أعضاؤها
والقضاة فيها من أهل المقدرة على القيام بواجباتهم حق القيام. ثم إذا تسنى لهم
التعارف برجال الحكومة العظام، يؤمل منهم أن يخدموا المسلمين خدمًا جليلة.
أشغال المحكمة الشرعية مرتبطة اليوم بسائر المحاكم المدنية أشد الارتباط.
ويزيد هذا الارتباط عامًا بعد عام. قد تحدث في المحكمة مشاكل، لا يمكن حلها إلا
بمقابلة أولي الأمر ومحادثتهم. وأحيانًا تستفتى المحاكم الكبيرة من قضاة المحكمة
الشرعية في بعض المسائل الفقهية. وكذلك قد يقصد المحكمة أبرع المحامين؛
ليرجعوا إلى القضاة في بعض المهمات.
وتكون كتابات هؤلاء على غاية من الإيجاز والنظام، قلما يفهمها حق الفهم
إلا أهل البصر في الأمور القضائية والشؤون القانونية، فيبقى العضو الجاهل باللغة
الروسية في حيرة واضطراب في مثل هذه الظروف.
ثم إن العضو الذي لا يعرف اللغة الروسية لا يكون على بصيرة في توقيعه
على الأوراق الرسمية التي تَرِد إلى المحكمة من المحاكم الأخرى الكبيرة. إذ هو
جاهل بما في تلك الأوراق من أقسام القوانين، وبنودها التي بنيت عليها أحكام
النصب والعزل وغيرهما. فيكون مثل هذا العضو، كمثل آلة صماء، بيد من
بعثوا بتلك الأوراق من الموظفين الروسيين.
لو كان الأئمة أبو يوسف ومحمد وزفر أصحاب الإمام أبي حنيفة في وظيفة
القضاء في محكمتنا الشرعية، لنابهم أيضًا ما ينوب كل يوم قضاتنا الجاهلين باللغة
الروسية، وقوانين الحكومة من المشاكل والمصاعب.
أيرضيكم أن يكون القضاة في محكمة هي محط آمال أربعة ملايين من
المسلمين - آلات صماء تديرها أيدي الآخرين كيفما شاؤوا، أم تتمنون أن يكونوا
من أهل البصر بأمورهم، يذبون عن مصالح قومهم بقوة جنان، وثبات جأش؟
أيروقكم أن يوقعوا على كل ورقة مهما كانت محتوياتها، أم تحبون أن يكونوا
من أهل المقدرة على المناقشة في كل الأوراق التي يرتابون في أمرها؟ بأن يقولوا
مثلا: هذا الحكم مبني على كذا من المادة القانونية، وهي قد نسخت في كذا من
الزمن. فبناء الحكم على تلك المادة لا يجوز، بل ينبغي أن يبنى على مادة كذا،
وما شابه ذلك من المناقشات التي لا يستطيعها إلا من برز في اللغة الروسية، وقتل
القوانين الوضعية علمًا وفهمًا.
ولسائل أن يسألني هنا: هل يمكننا أن نربي أناسًا يكونون مجتهدين في العلوم
الإسلامية، وبارعين في علم الحقوق الوضعية جميعًا؟
فأجيب عن هذا السؤال بجوابين متناقضين: إذا أََجَلْتُ طرفي في ما عليه
علماؤنا الذين ألقي إليهم زمام تربية الأمة، وترقية شؤونها من الجمود والغفلة
وسعيهم لعرقلة المصلحين، ودوامهم على بث الأفكار المناقضة لمصالح الأمة
الحاضرة والمستقبلة وجهلهم بالمرة لأسرار الحياة وتنازع البقاء وعلم الاجتماع
البشري. أجبت عن السؤال السابق قائلاً: إن هذا محال أي محال. وأما إذا فكرت
في استعداد قومنا القوي، وتفاني بعض شبابنا في طلب العلم باحتمال المشاق
الجمة، وجود أغنيائنا بأنفس أموالهم في سبيل الخيرات والمشروعات النافعة.
أجبت عن ذلك السؤال قائلا: إن هذا ممكن أي ممكن. ولنا رأي في كيفية
الوصول إلى هذا المقصد الأقصى، ربما شرحناه في المستقبل إن شاء الله.
الكلام على المادة السادسة
يقال: إن ما جاء في هذه المادة من المطالب مطمح نظر كثير من
الأقوام الآخرين القاطنين في البلاد الروسية. لعل أولئك الأ قوام الذين هم يفوقوننا في
كل الشؤون الحيوية، ينالون هذه المقاصد قبلنا.
وأما نحن فلسنا الآن على استعداد لطلب تلك المطالب السياسية العظيمة
بالانفراد، وما علينا الآن إلا أن نتهيأ (للاصطياد في الماء العكر) . (هذه الرسالة
كتبت منذ سنتين؛ إذ كان مسلمو روسيا هادئين وادعين غائبين في سباتهم العميق،
انتقادًا على ما أتى في اللائحتين اللتين وضعهما علماء مدينتي أورنبورغ وسعيد،
وبعثوا بهما إلى مؤلف الرسالة يسألونه إبداء رأيه فيهما) .
وأما حرية المناظرة بخصوصها فأقول فيها: إن حرية المناظرة تنفع المسلمين
نفعًا عظيمًا، وهذا لا ريب فيه. غير أن المناظرة لها أصول وشروط، لا تأتي
المناظرة بالفائدة المطلوبة إلا بها. وما شروطها إلا كون المتصدي للمناظرة يكون
على أهبة تامة، ومطالعًا على ما بيد خصمه من الحجج وقوتها.
ليست مقاومة الخصوم المتسلحين بالعلوم الحديثة بالنظريات المسطورة، في
المواقف والمقاصد والطوالع والمطالع والتمهيد والتجريد، إلا ضربًا من التهور
والتهوس.
ولا يخفى على الباحث المنصف أن الكتب المذكورة تحتوي على كثير من
الغلطات الفلسفية والتاريخية الناشئة من خطأ المترجمين اللاتينيين، واليهود الذين
ترجموا فلسفة اليونان. وتلك الغلطات تكون عونًا لخصومنا علينا لا محالة.
لا يجوز ألبتة، أن نتحمس بظن أن خصومنا عبارة عن بعض القسس
الروسيين المعروفين بتحككهم بالمسلمين، إن هؤلاء إلا طلائع جيش العدو. وأما
الجيش الأصلي فهو يتألف من أناس آخرين متضلعين من فنون العلم، وحاذقين في
أساليب المناظرة، وطرق الإلزام.
قام الإمام الشيخ محمد عبده في وجوه المعارضين للإسلام في السنين السابقة
بنفسه، فاضطر إلى جدال طويل قاومه فيه خصومه أشد المقاومة مع أن براعة هذا
الإمام في العلوم الإسلامية، ومكانته في الفلسفة وعلم الكلام أعلى بكثير من مكانة
التفتازاني والدواني وأضرابهما، وهو مع ذلك مطلع على آراء الفلاسفة الغربيين
مباشرة؛ لمعرفته باللغة الفرنسية. يقال: إن ظهوره على خصومه إنما كان بسبب
معرفته هذه اللغة (هذه الرسالة كتبت قبل وفاة الأستاذ الإمام)
لا تظن أيها القارئ لمَّا قلت لك: إن خصومنا يستظهرون علينا بالعلوم
الحديثة - أَنِّي أذهب إلى مضادة هذه العلوم للدين الإسلامي. أنا لا أقول بهذا.
كون الإسلام مجامعًا للعلوم، وملائمًا للمدنية الصحيحة، ثابت بشهادة جم غفير
من الفلاسفة والعلماء الراسخين أيضًا، بعد ثبوته في نفسه. غير أني أقول: لا يبعد
أن يستفيد خصومنا من جهلنا في المناظرة الدينية أيضًا، كما أنهم يستفيدون منه
كثيرًا في الشؤون المختلفة الأخرى. إذ هُمْ لبراعتهم في أساليب المناظرة،
واطلاعهم على ما نحن غافلون عنه بعد، يقدرون على إبراز ما يكون حجة عليهم في
صورة الحجة لهم. وجملة القول: أننا لا يمكننا أن ننتفع بحرية المناظرة انتفاعًا
يذكر ما دمنا غافلين عن أسرار الكون وسنن الطبيعة، ومعرضين عن تحصيل
الطبيعيات والعلوم الحديثة بأسرها.
…
...
…
...
…
...
…
...
…
مترجمها
…
...
…
...
…
...
…
... موسى عبد الله القزاني
(للرسالة بقية)
((يتبع بمقال تالٍ))
_________
الكاتب: محمد رشيد رضا
كلام فريد أفندي وجدي
في الدين وفلسفة التشريع
كتب محمد فريد أفندي وجدي صاحب مجلة الحياة منذ أشهر مقالة في بعض
الجرائد اليومية، قال فيها: إنه سينشئ مدرسة يدرس فيها العلوم العليا؛ من كونية
واجتماعية وعمرانية، ومن ذلك جميع العلوم الطبيعية والفلسفية بأنواعها
…
إلخ،
أي: إنه سيقوم وحده بما تريد لجنة (الجامعة المصرية) أن تبدأ به، وترى ما لديها
من مال الاكتتاب وهو عشرات الألوف من الجنيهات، وما وُقِفَ على الجامعة من
الأطيان لا يزال غير كاف للشروع في هذا القسم العالي. ولكن فريد أفندي وجدي
سخي بالوعود، وقد تبرع له سيد أفندي محمد صاحب المدرسة التحضيرية بحجرة
من مدرسته وفَّى بها وعده، فهذه الحجرة هي مدرسة العلوم العليا.
وقد شرع فريد أفندي في إلقاء الدروس فيها، ونشر الدرس الأول من علم فلسفة
التشريع في جريدة المؤيد ثم في مجلته، فتذكرنا بقراءته تلك المقالات التي كان
ينشرها في المؤيد عن الإسلام؛ إذ جاء فيه بمثل ما جاء فيها من أمور تعزى إلى
الإسلام وهو لا يعرفها، وفلسفة فيه لا يرضاها. وكان خطر لنا أن ننتقد تلك
المقالات؛ قيامًا بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولكن عرض لنا أمور ثنت عزمنا عن ذلك منها الرغبة عن انتقاد فريد أفندي
لذاته، ولأنه صاحب مجلة، ولا نحب أن يكون بين أصحاب المجلات مثل ما بين
أصحاب الجرائد من المناقشات التي لا يؤمن أن تصير من قبيل المراء والمشاغبة،
تركنا الرد على ما جاء في تلك المقالات من مخالفة أصول الدين، والنفس تحاسبنا
على ما فرطنا، وتعتذر عن تفريطها بأن تَتَبُّعَ خطأ الناس والرد عليه غايةٌ لا تُدْرَك،
ولا يستطيع القيام بها واحد وهو من فروض الكفايات. ولكنها ليست مطمئنة بأن هذا
العذر يرضي الله - تعالى- مع ما ترى من سكوت العلماء في هذا العصر عن إنكار
المنكر، ثم عرض لنا مثل هذا عندما قرأنا درس فلسفة التشريع، وإن كان الخطأ فيه
دون الخطأ في تلك، ثم جزمنا بأن الانتقاد واجب علينا، فبادرنا إلى كتابة هذا النقد
فعسى أن ينظر فيه رصيفنا فريد أفندي بعين الإنصاف.
في هذا الدرس أو المقالة كثير من الأمور المنتقدة، وأهمها عندنا ما قاله في
التشريع، وكون الوحي هو أصل الشريعة عند المسلمين. وقبل البحث فيها نقول كلمة
لا بد منها في انتقاد عبارة فريد أفندي وهي: إن القارئ لها لا يكاد يفهم منها معنى
محررًا يجزم بأنه هو مذهب الكاتب ومراده، بل يجد فيها من التعارض
والإبهام والعسلطة ما لا يجزم معه بالمعنى المراد. ومثل هذا مما يتعسر
نقده. ويسهل الجدل والمراء فيه. ولم أذكر هذا إلا لأن الضرورة قضت بذكره كما
ستعلم.
بدأ المدرس المقال بقوله: (لم يعتن المسلمون في الصدر الأول بشيء بعد
تقرير الأصول الدينية بقدر ما اعتنوا بالأمور التشريعية) وفيه أن المسلمين لم يكن
عندهم شيء يعبر عنه بالأمور التشريعية غير ما شرعه الله لهم من الدين على لسان
رسوله صلى الله عليه وسلم وكما قال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ
فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (الجاثية: 18) .
وفريد أفندي جعل المسلمين شارعين، ولذلك قال بعد ما تقدم: (ثم لما اتسع
نطاق العمران، واستدعت الأحوال تدوين شريعة شاملة لجميع الأصول والفروع
اقتضت الحاجة أن ينبغ المشرعون الأولون من المسلمين كالأوزاعي والشعبي وسعيد
ابن المسيب وأبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد)
…
إلخ، ثم قال: (فاختلف
المشرعون الأولون) . وقال: فظلوا يشتغلون بأمر التشريع والتقنين. وقال:
فاستحال أمر المتشرعين، والصواب أن هؤلاء لم يكونوا إلا رواة للحديث
ومستنبطين منه ومن الكتاب، أي: مبينين ما يفهمونه منهما للناس، وناقل الشريعة
ومفسرها لا يسمى شارعًا، (ولا مشرعًا كما تقول الجرائد الآن) ، وإنما الشارع
والمشترع (أو المشرع) هو واضع الشريعة.
ويطلق الشارع في كتب المسلمين على الله - تعالى - لأنه واضع الشرع، وعلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه مبينه عن الله - تعالى - ولم يعرف إلا
منه. نعم يصح استعمال هذه الألفاظ في غير هذه المعاني لغة لا سيما لفظ
التشريع فإنه يستعمل عند علماء الفنون العربية اسمًا لنوع من محسنات البديع.
ولكن الموضوع ليس لغويًّا، وإنما الكلام في الشرع الإسلامي، فينبغي فيه اتباع
اصطلاح أهله المأخوذ من القرآن إلا أن يخرج المتكلم عن صراطهم، ويجعل
الشرع من وضع البشر.
قال فريد أفندي في الأئمة الذين تقدم ذكرهم: فظلوا يشتغلون بأمر التشريع
والتقنين، ويعقدون لذلك الدروس الحافلة حتى جاء القرن الثالث، وكان قد طرأ
ضعف في أمر الحكومة انتقلت به إلى شكل حكومة مطلقة مستبدة بعد أن كانت
شورية دستورية. فاستحال أمر المتشرعين الإسلاميين إلى حفظة أقوال المتقدمين، وبطل الاجتهاد؛ لعدم نبوغ العلماء الضليعين، وأصبح رجال العلم تبعًا لرجال السياسة في الأهواء والميول، فتوالى الضعف على هيئتهم شيئًا فشيئًا، حتى تولاهم العجز بأخص معانيه، فاصطلحوا على عدد من الكتب يقرؤونها، ويتفهمون
عباراتها بدون نقد ولا محاكمة، وصار هذا معنى الدين والتمسك بالسنة في نظرهم.
أقول: يفهم من قوله السابق (ثم لما اتسع نطاق العمران)
…
إلخ، وقوله هذا
أن تدوين الشريعة - أو التشريع على رأيه - قد كمل في وقت اتساع العمران قبل
تحول الحكومة من الشورى إلى الاستبداد. ونحن نعلم أنه لم يدرك حكومة الشورى
من أولئك الفقهاء أوالمشرعين على رأيه إلا سعيد بن المسيب؛ لأنه تابعي ولد في
خلافة عمر وهو لم يدون شيئًا، والباقون كانوا في زمن بني أمية وبني العباس
وحكوماتهما استبدادية بلا نزاع على أن العمران كان في زمنهما أكثر نموًّا.
ثم إن علماء القرن الثالث لم يكونوا كما ذكر، بل ولا القرن الرابع ولا القرن
الخامس، فالفقه ما اتسع نطاقه إلا في هذه القرون، وإن كان الفضل للمتقدم، ولعلنا
نبين ذلك إن مارانا فيه ممارٍ.
ثم قال فريد أفندي: (نحن في هذا الدرس سنعمل على فهم ما هي الشريعة
في الاصطلاح الاجتماعي، وكيف تكونت الشرائع في مدى التاريخ؟ وكيف ترقت
أصولها حتى وصلت إلى أرقى ما وصلت إليه اليوم؟ وكيف تكونت الشريعة
الإسلامية القرآنية؟ وما مكانها من بين سائر الشرائع؟ وما معنى كونها خاتمة
الشرائع؟ وماذا هو الاجتهاد؟ وكيف حصل الاستنباط؟ إلخ، ولنا في كل مبحث
من هذه المباحث كلام في فلسفة الموضوع الذي نتكلم عليه، وآخر ما انتهى الرأي
إليه، وتطبيق ذلك على روح القرآن، وإظهار إعجاز الشريعة الإسلامية من هذه
الوجهات بأصرح بيان) اهـ.
ونقول: هذه بضعة وعود منصوصة، وأشار برمز (إلخ) إلى وعود
أخرى وبنى على الوعود وعودًا ولم يفِ بما وعد؛ إذ لم يكن باقي الدرس إلا كلامًا في العدل يتلوه كلام في معنى كون أصل الشرائع من الوحي، وإيراد
اعتراضين على ذلك غير واردين، والجواب عنهما بما لا يدفعهما. وكلام في
بناء القوانين على الأخلاق، وقد ذكرتنا هذه الوعود بقول الأستاذ الإمام - رحمه
الله تعالى - في كتابة فريد أفندي: إنها (مقدمات ووعود) .
عرف العدل بأنه ما أدى إليه العقل من الأحكام وهذا غير صحيح؛ لأن
الأحكام التي وصل إليها الناس بعقولهم: منها ما هو عادل، ومنها ما هو جائر.
والحاكمون بها منهم العادل ومنهم الظالم، فالعدل أمر آخر لا محل للكلام فيه هنا
ولم نذكره؛ لأنه مقصود بالذات. وإنما ذكرنا لأنه جاء عقبه بما يأتي:
(هنا يلزمنا أن ننبه إلى موضوع خطير، وهو أن متشرعي أوربا عامة
يعيبون علماءنا في اعتقادهم بأن أصل الشرائع الوحي، ولهم في ذلك علينا مطاعن
في غاية الصرامة. ونحن هنا لا مناص لنا من حل هذه الشبهة، فنقول: القرآن
الكريم توسع في معنى الوحي فلم يقصره على النبيين، بل أطلقه على أدنى درجات
الانسياق الطبيعي الحيواني، فقال تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ
الجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} (النحل: 68) وإذا صح إطلاق
الوحي على هذا الانسياق الفطري الحيواني صح من باب أولى إطلاقه على نتائج
العقل الإنساني؛ لأن الله خالق كل شيء والباعث على كل شيء، فيكون لا
تنافي بين قول متشرعي أوربا: إنّ الشرائع أصلها العقل. وبين قول علماء الإسلام:
إنّ أصلها الوحي. إذا لم يقبل العلماء هذا الحل الموافق للكتاب والعلم، فقد
تعرضوا لِشُبَهٍ لا مخلص لهم منها وهي:
(أولاً) لو كان أصل الشرائع الوحي بمعناه السامي؛ لنزلت الشرائع الأولى
حاصلة على العدالة بمعناها الخاص، والمشاهد بين حوادث التاريخ أن الشرائع
بدأت مناسبة لعقل الإنسان وسذاجته ونقص أخلاقه. والله يتنزه عن ذلك.
(ثانيًا) في الأرض أمم كثيرة في أدنى درجات التوحش، ولديها شرائع
على حسب مداركها مطابقة في أصولها الأولية لشرائع الجمعيات البشرية الأولى،
فلماذا نحكم بأن شرائع المتوحشين العصريين هي من تلقاء أنفسهم، وتلك الشرائع
هي من الوحي، مع تشابهها في النقص والسذاجة؟) اهـ.
افتجر فريد أفندي لعلمائنا قولاً لم يقولوه ولا قاله أهل مذهب منهم، وأورد
عليه مطاعن عزاها إلى الأوربيين؛ ليدافع بكشف شبهتها عن الإسلام والمسلمين،
فكان دفاعه - لو صح ما يسبق إلى الأذهان منه - من قبيل تلك المطاعن أو أشد منها.
الظاهر من عبارة فريد أفندي الذي يفهمه منها القارئ؛ هو أن الوحي أصل
كل شريعة وجدت في البشر، فكانت قانونًا يحكم بها الناس فيما يختلفون فيه، فعلى
هذا يكون مما يعتقد المسلمون أن الأحكام التي كانت عليها العرب في الجاهلية
وكذا غير العرب من الوثنيين - كلها مبنية على أصل الوحي الإلهي، وإنه لقول
ينقضه الإسلام بكتابه وسنته ومذاهب أئمته نقضًا، وإنما يقول المسلمون كافة: إن
الشرائع التي جاء بها الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام - هي من وحي الله -
تعالى- لا من مخترعات عقولهم، كما قال تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ
النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا
فِيهِ} (البقرة: 213) .
فإذا كان فريد أفندي يريد من عبارته ما يدل عليه ظاهرها وهو أن المسلمين
يقولون: إن أصول جميع الشرائع كان بوحي من الله، حتى شرائع الوثنيين
المنحطين في الوثنية، أو الذين ارتقوا فيها كقدماء المصريين والكلدانيين
والرومانيين، ثم يقول: إن علماء أوروبا يوجِّهون إلينا تلك المطاعن؛ لأجل ذلك.
فقد أعلمناه أن هذا باطل، ونزيد على ذلك أن الأوربيين لا ينسبون إلينا هذا الاعتقاد،
ولا يطعنون علينا به. ولو طعنوا لما دفع قوله طعنهم؛ لأن الوحي لا يصح إطلاقه
على نتائج العقول وما تولده الأفكار، وإن صح إطلاقه على الإلهام الفطري.
وإن أراد بأصل الشرائع ما يعتقد المسلمون أن النبيين المرسلين جاءوا به عن
الله - تعالى - ودعوا الناس إليه على أنه وحي من الله، لا من عند أنفسهم، فقد
صدق في حكاية اعتقادنا، وأن علماء أوربا يطعنون علينا بهذا الاعتقاد، بل لا
يطعنون علينا إلا باعتقادنا أن أصل شريعتنا نفسها وحي من الله دون شريعة اليهود
مثلاً، وحينئذ يكون دفعه لهذه المطاعن بما فسر به الوحي هو عين الهدم لأصل
الإسلام، والتكذيب للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن ما نطق به القرآن، وانعقد
عليه الإجماع، هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما جاء بهذه الشريعة من عنده،
وليست من نتائج عقله وفكره، وإنما يقول بهذا من ينكرون الأديان، ويدعون أن
الأنبياء فلاسفة أخلاق وآداب واجتماع، أسندوا فلسفتهم إلى الوحي الإلهي؛ ليقبلها
الناس، ولهذا رجحنا أن الاحتمال الأول هو مراد فريد أفندي، وعليه يكون مخطئًا
في عزوه إلى المسلمين ما لا يعتقدون، وإلى الإفرنج ما لا يقولون (لأن ما بني على
الفاسد فاسد) ، وقصَّر في سكوته عن بيان شبهتهم على شريعتنا، وعن دفع هذه
الشبهة، ومما يؤيد الترجيح تصريحه: بأن للوحي معنى خاصًّا غير ما فسر به أصل
الشرائع، وقد عبر عن هذه الشرائع بالناقصة. وإنما ذكرنا الاحتمال الثاني لما
علمت. ولكن انظر ما يأتي:
قال فريد أفندي: (فإن قال قائل: قد ثبت شرعًا أن أول البشر آدم - عليه
السلام - وهو نبي بالإجماع، وقد ذكر الله أنه أوحى إليه وعلمه، فيكون أصل الشرائع الوحي بالمعنى الخاص. نقول: إن صح إيحاء الله لآدم كان بالمعنى
الخاص، ولم يكن بمعنى الإلهام والنفث في الروع من طريق مقتضيات الفطرة
الإنسانية، فإن الله لم يذكر أنه أوحي إليه شريعة، بل لم يكن الحال يقتضي ذلك في
ذلك العهد؛ لقلة الناس وقربهم من حالة الفطرة)
…
إلخ.
ونقول: إنه بعد أن ذكر أن آدم كان نبيًّا بالإجماع، ما كان له أن يرتاب في
كون وحي الله له - وقد اعترف بأنه ثابت من الوحي الخاص، لا من قبيل الوحي
إلى النحل، فهذه سقطة كبيرة. وقوله: إن الحال في عهده لم تكن تقتضي شرعًا لما
ذكره ظاهر البطلان؛ فإن القليلين يتنازعون ويتخاصمون كالكثيرين،
فيحتاجون إلى من يحكم بينهم بالحق والعدل، وقد ثبت أن أحد أبناء آدم قتل أخاه،
ولم يمنعه القرب من الفطرة عن ذلك، فماذا نقول فيما دون القتل من أنواع الخصام؟
ثم ما يدرينا أن آدم عاش عمرًا طويلاً كثر الناس فيه، فإن طبيعة الأرض كانت في
عهده غير طبيعتها الآن فيما يظهر، بل ثبت بالوحي أن نوحًا عاش نحو ألف سنة؛
لأن طبيعة الأرض قبل الطوفان كانت غيرها بعده وأمزجة الناس كانت قابلة لذلك
على ما هو المرجح عندنا، والله أعلم بالصواب.
ثم ختم فريد أفندي درسه بأربع مسائل، قال: إنه يمكن جعلها نتائج له وهي:
(1)
أن العدالة في الأمة تكون مناسبة لعادتها وأخلاقها.
و (2) أن الأمم تتكون على النظام الذي تدرك به نفسها.
و (3) أن كل ترق أخلاقي يتبعه ترق تشريعي.
و (4) أن الشريعة لا تصل إلى أوج كمالها في أمة إلا إذا كانت المساواة بين
الأفراد بالغة حدها الأقصى؛ أي: إذا ترقت فيها الأخلاق لدرجة أن الرجل منها
يعتبر غيره نظيره، وهذه هي الحالة الوحيدة التي يتخلص فيها العقل من أوهامه
الاجتماعية، فيواجه الطبيعة الحقة للحوادث، ويترك لها زمامه لتقوده إلى العدالة
المحضة.
(قال) : (من هنا يرى الرائي كيف أن كل انقلاب حدث في أخلاق أمة
يتأدى بطبعه إلى انقلاب في شريعتها، ويدرك تبعًا لهذا فساد الأحكام، وبُعدها عن
العدالة في بعض الأمم المتدينة التي تُقرر مبدأ التمايز في أفراد الجمعية، فَتَهَب
لبعضهم حقوقًا تسلبها عن الآخرين باعتبارات دينية) .
(هنا نستلفت نظر القارئ إلى أمر خطير يدل في إجماله على أن الشريعة
الإسلامية هي أعدل الشرائع، وأرقاها بحكم أكبر أصل من أصول فلسفة التشريع،
وذلك أن هذه الفلسفة تقرر بأن الشريعة لا تصل إلى أوج الكمال إلا إذا كانت
المساواة تامة بين الأفراد. وهذه الشريعة الإسلامية مبناها {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (الحجرات: 10) ، فلم تقرر في أصولها أدنى امتياز لأي طائفة، فتكون بهذا
الدليل الإجمالي أعدل الشرائع. وسنرى في التفصيل العجب العُجَاب) اهـ كلام
فريد أفندي.
أقول: لو أحفى المنتقد لهذه الجملة، لأمكنه أن يكتب في انتقادها عدة أوراق،
ونكتفي بذكر المهم عندنا من ذلك، وهو ما يتعلق بالشريعة الإسلامية.
إنه جعل كمال الشريعة تابعًا لكمال الناس في أنفسهم، ولما نزلت الشريعة
الإسلامية لم يكن الناس الذين أنزلت لأجل الحكم بها بينهم أولا في ذلك الأوج من
الارتقاء، فكيف بنى تفضيلها على هذا الأصل؟
ثم من هي الأمة المتدينة التي وصفها بفساد الأحكام وبُعدها عن العدالة؛
لتقريرها مبدأ التمايز بين الأفراد بالدين؟ اليهود ليس لهم حكومة. والنصارى
جعلوا أحكامهم مبنية على العقل، وشهد هو للأوربيين منهم بالارتقاء العظيم. فهل
يعني بعض الوثنيين؟ ولم لم يشر إلى ذلك؟ وماذا يقول في مثل جعل الخلافة في
قريش، وفي أحكام شهادة غير المسلم على المسلم في الشريعة الإسلامية؟
وهل الشريعة الإسلامية خاصة عنده بالمؤمنين بها، أم يحكم بها بين غير
المؤمنين بها؟ وإذا قال بالثاني، فهل أخوة المؤمنين لبعضهم البعض تقتضي
مساواتهم لغيرهم ممن يحكم بها أم لا؟ فإن اعترف بأنها لا تقتضي ذلك فيكف يتم
قوله؟
إن رأيه في ارتقاء الشريعة ووصولها إلى أوج الكمال إنما يصح في
القوانين الوضعية التي ترتقي بارتقاء الواضعين لها في أممهم وفي أنفسهم. وأما
الشريعة الإسلامية فإنها قواعد وأحكام أنزلها الله كاملة؛ لأجل أن يكون ارتقاء
الناس تابعًا لها، فكان كمال المؤمنين باتباعهم لها، ولم يكن كمالها هي تابعًا لكمالهم.
هذا ما رأينا أن ننبه عليه، ونختم الكلام ببيان أن سبب هذا الخطأ وأمثاله
فيما يكتبه محمد فريد أفندي وجدي من المباحث الإسلامية؛ هو عدم تلقيه علوم
الدين عن أحد من العارفين به، فعسى أن يحمله ما يرى من انتقاد كلامه في الدين
على مدارسة المهم من علومه، والله الموفق.
((يتبع بمقال تالٍ))
_________