المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌رسائل وفتاوي للشيخ سليمان بن عبد الله - مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (الجزء الأول)

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌القسم الأول

- ‌رسائل وفتاوي للشيخ محمد عبد الوهاب وأبنائه

- ‌رسائل وفتاوي أبناء الشيخ محمد عبد الوهاب

- ‌رسائل وفتاوي للشيخ عبد الله بن الشيخ محمد عبد الوهاب

- ‌القسم الثاني

- ‌رسائل وفتاوي للشيخ عبد الرحمن بن محسن

- ‌رسائل وفتاوي للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن محسن

- ‌رسائل وفتاوي للشيخ حسن بن الشيخ حسين

- ‌رسائل وفتاوي للشيخ علي بن حسين بن الشيخ

- ‌رسائل وفتاوي للشيخ سليمان بن عبد الله

- ‌الشيخ حسين بن الشيخ محمد عبد الوهاب

- ‌رسائل وفتاوي للشيخ سليمان بن علي

- ‌القسم الثالث

- ‌رسائل وفتاوي الشيخ حمد بن ناصر بن معمر

- ‌رسائل وفتاوي للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين

- ‌رسائل وفتاوىالشّيخ سعيد بن حجي

- ‌رسائل الشيخ أحمد بن حسن القصير الأشقري

- ‌رسائل الشيخ محمد بن عبد الله ين إسماعيل

- ‌رسائل الشيخ محمد بن أحمد بن إسماعيل

- ‌رسائل للشيخ عبد العزيز بن عبد الجبار

- ‌رسائل الشيخ حمد بن عتيق

- ‌رسالةلبعض علماء المسلمين من أهل نجد

- ‌رسائل الشيخ محمد بن أحمد بن محمد القصير

- ‌رسائل لبعض علماء الدرعية

- ‌رسالة للشّيخ محمّد بن عمر بن سليم

الفصل: ‌رسائل وفتاوي للشيخ سليمان بن عبد الله

الله، أو مسكين تصدّق عليه، فأهدى لغني ".فيفهم منه أنّ مَن كان قائماً بمصلحة عامّة من مصالح المسلمين كالقضاء والإفتاء والتّدريس أنّ له الأخذ بما يقوم به مدّة القيام بالمصلحة، وإن كان غنيّاً. ذكر ذلك بعض شرّاح الحديث، وقد بوّب على هذا البخاري فقال: باب رزق الحكام والعالمين عليها. والله أعلم بالصّواب وإليه المرجع والمآب.

وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم

ص: 491

‌رسائل وفتاوي للشيخ سليمان بن عبد الله

رسائل وفتاوى

(الشّيخ سليمان بن عبد الله بن شيخ الإسلام محمّد بن عبد الوهّاب)

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه مسائل سُئِلَ عنها الشّيخ سليمان بن عبد الله بن شيخ الإسلام محمّد بن عبد الوهّاب رحمهم الله تعالى أمين.

وهي رجل يشكّ هل جرى الطّلاق على لسانه أم لا؟ وهل قصده أم لا؟ وهل سمعته أذناه أم لا؟ وهل طلق واحدة أم ثلاثاً أم لم يطلق أصلاً؟ هل الورع الإلزام بالثّلاث أم الأولى أن يطرح الشّكوك كلّها ولا يعبأ بها شيئاً؟

الجواب: أمّا إذا شكّ هل جرى الطّلاق على لسانه أم لا؟ فليس بشيءٍ؛ لأنّ الأصل عدم جريانه. وفي ذلك حديث عبد الله بن بريد في الرّجل يخيّل إليه أنّه يحدث في الصّلاة. وأمّا إذا جرى وشكّ هل قصد الوقوع، فليس هذا الشّكّ بشيءٍ؛ لأنّ الأصل عدم إلغاء كلام المكلّف

ص: 491

والعادة أنّ النّاس يقصدون وقوعه إذا جرى على ألسنتهم. وأمّا إن كان الشّكّ في جريانه وفي وقوعه إن كان جرى فليس بشيءٍ كالأوّل. وأمّا إذا شكّ هل سمعته أذناه أو لا، فيقع؛ لأنّه لا يشترط في إيقاع الطّلاق أن يسمعه بل يشترط التّكلّم به وقد تكلّم به.

وأمّا قولك هل الورع الإلزام بالثّلاث أم لا الخ؟

فاعلم أنّ الذي ذكرنا لك هو الصّحيح، وأمّا الورع في الشّكّ في واحدة فالأولى أن يلزمها واحدة، وإن شكّ في الثّلاث فكذلك على ما قاله الموفّق وغيره، أعنِي: أن يلزمها وتكون ثلاثاً، أمّا إذا شكّ في واحدة هل أوقعها أم لا؟ فليس من الورع أن يجعلها ثلاثاً، بل ذلك من الورع المظلم. والله أعلم.

وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم

فائدة: قال الشّيخ العلاّمة سليمان بن الشّيخ عبد الله بن شيخ الإسلام محمّد بن عبد الوهّاب رحمهم الله آمين.

اختلف العلماء في أصحّ الأسانيد فقال الإمام محمّد بن إسماعيل البخاري: أصحّ الأسانيد: مالك عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر رضي الله عنه.

القول الثّاني: قول الإمام أحمد رحمه الله: أصحّها: الزّهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه رضي الله عنهما.

الثّالث: قول عبد الرّزّاق بن همام اليماني: أصحّها: ما رواه زين العابدين عليّ بن الحسين عن أبيه حسين عن عليّ رضي الله عنهم.

الرّابع: قول عمرو بن عليّ الغلاس: أصحّها: ما رواه محمّد بن سيرين البصري عن عبيدة السّلماني الكوفي عن عليّ رضي الله عنه.

الخامس: قول يحيى بن معين: أصحّها: ما رواه سليمان بن مهران الأعمش عن إبراهيم النّخعي عن علقمة بن قيس عن ابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين.

ص: 492

قال زكريا الأنصاري في شرح ألفية العراقي: والصّواب عدم التّعميم مطلقاً، بل يقال: أصّح أسانيد عمر: الزهري عن سالم عن أبيه، وأصحّ أسانيد المكيّين: سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر رضي الله عنهم أجمعين. وأصحّ أسانيد المدنيّين: مالك عن نافع عن ابن عمر، وأصحّ أسانيد المصريّين: اللّيث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر رضي الله عنهم. وأصحّ أسانيد اليمانيّين: معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة رضي الله عنهم.

قال: وأوهى أسانيد أبي هريرة: السّري بن إسماعيل عن داود بن يزيد الأودي عن أبيه عن أبي هريرة. وأوهى أسانيد ابن مسعود: شريك عن أبي فزارة عن أبي زيد عن ابن مسعود رضي الله عنه. وأوهى أسانيد أنس: داود بن المحبر عن أبيه عن أبان بن عياش عن أنس رضي الله عنه. والله أعلم.

فائدة أصوليّة نافعة: قال الشّيخ تقيّ الدّين رحمه الله في آخر المسوّدة: كلّ ما كان طاعةً ومأموراً به فهو عبادة عند أصحابنا والشّافعية والمالكية، وعند الحنفية ما كان من شرطه النّيّة فدخل في كلام أصحابنا ومَن وافقهم الأفعال والتّرك كترك المعاصي والنّجاسة والزّنا وكلّ محرّم والأفعال كالوضوء والغسل والزّكاة مع النّيّة وقضاء الدَّين وردّ المغصوب والودائع والنّفقة الواجبة ولو بلا نية.

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه مسائل:

الأولى: إذا باع رجل شقصاً واستثنى سهماً معلوماً من غلّة الشّقص فهل يصحّ ذلك أم لا؟

ص: 493

الجواب: لا يصحّ هذا الاستثناء، فإنّ استثناء الغلّة مدّة سنين لا أعلم أحداً قال بجوازه من العلماء. وإنّما الخلاف بينهم فيما إذا باع نخلاً لم يؤبّر واستثنى البائع غلّته الموجودة تلك السّنة، فمالك رحمه الله لا يجوز، والحنابلة يقولون: بالجواز. وعلّلوا ذلك بأنّه مبيع حال العقد فصّح استثناؤه كغيره من العين المبيعة. وأمّا استثناء الغلّة مدّة سنين معلومة فقد جاء في الحديث عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أنّه نهى عن الثّنيا إلاّ أن تعلم، بل منع كثير من الفقهاء استثناء الحمل الذي في بطن الدّابّة أو الأمة مع كونه موجوداً حالة العقد كما هو المشهور في المذهب. فإذا كان هذا كلامهم في الموجود حالة العقد فما ظنّك بالمعوم؟

الثّانية: المطلقة إذا تزوّجت في العدّة ثم ماتت والحالة هذه هل يصحّ التّوارث بينهما أم لا؟

الجواب: النّكاح في العدّة باطل بالإجماع، فإذا ماتت لم يرثها هذا الزّوج الذي عقد عليها في العدّة سواء دخل بها أو لم يدخل؛ لأنّ النّكاح باطل لقوله تعالى:{وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} ، [البقرة، من الآية: 235] .

الثّالثة: إذا كان لرجلٍ طعام على آخر فطلبه إيّاه فقال المديون لا أجد طعاماً أوفيك به، فقال اشتر لي طعاماً من فلان وأنا ضامن له الثّمن الذي عليك، هل يصحّ ذلك الضّمان أم لا؟

الجواب: ظاهر المذهب صحّة الضّمان؛ لأنّ غايته أن يؤول الضّمان إلى نقد الثّمن عن المضمون عنه، وقد صرّحوا في باب القرض بأنّه إذا قال: أقرضنِي دراهم أشتري لك بها البر الذي عليّ لك، أنّه جائز. وهذا هو المذهب. وفيه رواية بالكراهة. وكرهه سفيان كراهة شديدة أعنِي في مسألة القرض.

ص: 494

الرّابعة: إذا كان لرجلٍ على آخر طعام فلم يجد عنده ما يوفيه فأعطاه دراهم على السّعر عن الطّعام الذي في ذمّته هل يجوز ذلك أم لا؟

الجواب: لا يجوز ذلك. وهو قول جمهور العلماء. قال في المغنِي والشّرح: لا نعلم فيه خلافاً. أعنِي إذا كان الطّعام سلماً أو مبيعاً، وإن لم يكن سلماً، فأمّا إن كان عمارة نخل أو قرضاً أو أجرة أو قيمة متلف، فهذا يجوز لصاحبه أن يأخذ ثمنه مِمَّن هو في ذمّته بشرط قبضه في المجلس، لئلا يكون بيع دَينٍ بدَينٍ؛ لأنّه ليس مبيعاً. وأمّا السّلم والمبيع فلا يجوز بيعه قبل قبضه ولو لبائعه. وذلك لصحّة الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنّهي عنه. فثبت في الصّحيحين عنه صلى الله عليه وسلم قال:"مَن ابتاع طعاماً فلا يبعه حتّى يستوفيه ".وفي لفظٍ في الصّحيحين:"فلا يبعه حتّى يكتاله". فإذا باعه ربّ الدَّين لبائعه قبل قبضه فقد خالف النّصوص الواردة عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم من وجهين:

أحدهما: أنّه باعه قبل قبضه، والنَّبِيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطّعام قبل قبضه، ولم يفرّق بين بيعه لِمَن هو عليه وبين غيره، ومَن زعم أنّ بيعه لِمَن هو عليه جائز فعليه الدَّليل الذي يخصّص العموم وإلاّ فلا يجوز مخالفة السّنة الثّابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحدٍ من النّاس.

الثّاني: أنّه قد ثبت في السّنن عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أنّه نهى عن ربح ما لم يضمن، فإذا باعه لبائعه بربح فقد ربح فيما لم يضمن؛ لأنّه لا يدخل في ضمانه إلاّ بعد قبضه فيصير هذا الرّبح حراماً. وقد أخذ جمهور العلماء بظاهر الأحاديث الثّابتة عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم في النّهي عن بيع الطّعام قبل قبضه وأجروها على ظاهرها وعمومها وشمولها للبائع وغيره حتّى إنّهم منعوا من الاعتياض عن المسلم فيه فقالوا: لا يجوز أن يأخذ عنه عوضاً ولا يستدلّ به، واحتجوا

ص: 495

لذلك بما روى أبو داود وابن ماجه عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال:" مَن أسلم في شيءٍ فلا يصرفه إلى غيره". وغاية ما يحتج به مَن أجاز بيعه لبائعه قبل قبضه كلام الشّيخ تقيّ الدّين رحمه الله الذي حكاه صاحب الإنصاف وغيره نّه أجاز ذلك، واحتجّ بكلام ابن عبّاس الذي رواه عنه ابن المنذر.

ومثل هذا لا تعارض به النّصوص الصّحيحة عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم في منع بيع الطّعام قبل قبضه، والشّيخ ـ رحمه الله تعالى ـ من الأئمة المجتهدين، لكن إذا خالف كلامه الحديث الصّحيح وجب الأخذ بالحديث دون ما خالفه. وما أحسن ما قال الشّافعي رضي الله عنه: إذا صحّ الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف قولي فاضربوا بقولي الحائط.

ومعلوم أنّ الشّيخ رحمه الله قد اطّلع على هذه الأحاديث في النّهي عن بيع الطّعام قبل قبضه وأنّه تأوّلها، لكن إذا لم نعلم وجه تأويله ولم يتبيّن لنا رجحان دليله لم يجز لنا أن نخالف هذه الأدلّة الثّابتة عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم في النّهي عن بيع الطّعام قبل قبضه. بل نجريها على عمومها للبائع وغيره حتّى يثبت عندنا دليل راجح يخصّص هذا العموم وإلاّ فلا يجوز لنا أن نتركها تقليداً للشّيخ رحمه الله ولا غيره. بل يجب اتّباع النّص. فإذا أفتى بعض المفتين بخلافها وعارض الأحاديث بكلام الشّيخ وكلام ابن عبّاس رضي الله عنهما أجيب بما أجاب به ابن عبّاس لِمَن خالفه في مسألة المتعة حيث يقول: يوشك أن تنْزل عليكم حجار من السّماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر، وأبلغ من هذا في الزّجر عن مخالفة النّصوص لقول بعض العلماء قوله تعالى:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ، [النّور، من الآية: 63] .

كما استدلّ بها الإمام رحمه الله فقال: عجبت لقومٍ

ص: 496

عرفوا الإسناد يذهبون إلى رأي سفيان والله تعالى يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ، [النّور من الآية: 63] ، أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشّرك لعلّه إذا ردّ بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزّيغ فيهلك. فالواجب فيما تنازع فيه العلماء ردّه إلى الله والرّسول، كما قال تعالى:{وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} ، [الشّورى، من الآية: 10] .

وقوله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} ، [النّساء، من الآية: 59] .

فإذا وجدنا مسألة قد اختلف العلماء فيها وجب علينا الرّدّ إلى النّصوص، فما وافق النّصوص وجب الأخذ به، وما خالفها وجب ردّه إليها. وأما تركها لقول بعض العلماء والتّعليل بأنّهم أعلم منا بمعانيها فلا يجوز، بل هذا عين التّقليد المذموم الذي أنكره شيخنا ـ رحمه الله تعالى ـ كما أنكره العلماء قبله. والله سبحانه وتعالى أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم

مسألة: إذا أبدل صاحب الملك صاحب الوقف فإن كان ذلك لمصلحة الوقف بحيث يكون دامراً أو كثير الغلط وأراد إبداله بمصحف عامر، فهذا يجوز على القول الرّاجح، وهو القول بجواز المناقلة بالوقف للمصلحة، كما هو اختيار الشّيخ تقيّ الدّين وابن القيم ـ رحمهما الله تعالى ـ، لكن بشرط أن يكون ذلك صادراً مِمَّن له ولاية على الوقف من جهة الواقف أو من جهة الحاكم، وأمّا على كلام الحنابلة من كثير من الفقهاء فلا يجوز إلاّ أن تتعطّل منافع الوقف، وحينئذٍ فمتى صدرت المناقلة غير الوجه المأذون فيه فالوقف بحاله لا تتغيّر وقفيته ولا يملك بالمبادلة.

مسألة: إذا اغتسلت من الحيض فوطأها زوجها ثم رأى على ذكره

ص: 497

أثر الدّم فالخطب في ذلك يسير إن شاء الله تعالى؛ لأنّ قصاراه أنّ الدّم عاودها بعد الطّهر وذلك حيض عند الجمهور إذا لم تبلغ خمسة عشر يوماً وقد وطأها في حال جريان الدّم جاهلاً فيكون معذوراً ولا إثم عليه لقوله صلى الله عليه وسلم:"عفي لأمّتِي عن الخطأ والنّسيان ".وأمّا الكفّارة ففيها خلاف هل تجب على العامد دون المخطئ والنّاسي أم تجب على الجميع؟

والذي عليه الجمهور أنّه لا كفّارة على الجميع بل مَن تعمد ذلك آثم وليس عليه إلاّ التّوبة، وعن أحمد في ذلك روايتان: إحداهما: كقول الجمهور. والثّانية: عليه الكفّارة إذا تعمّد لحديث ابن عبّاس المرفوع أنّه يتصدّق بدينار أو نصف دينار. والحديث رواه أبو داود والتّرمذي والنّسائي. لكن مداره على عبد الحميد بن عبد الرّحمن بن زيد بن الخطاب، وقد قيل لأحمد: في نفسك منه شيء؟ قال: نعم. لأنّه من حديث فلان أظنّه. قال عبد الحميد وقال لو صحّ ذلك الحديث عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم:"كنا نرى عليه الكفّارة".وقال في موضعٍ آخر: ليس به بأس قد روى النّاس عنه. فاختلاف الرّواية في الكفّارة مبني على اختلاف قول أحمد في الحديث. وهاتان الرّويايتان عن أحمد في العامد، وأمّا الجاهل والنّاسي فعلى وجهين للأصحاب: أحدهما: تجب، وهو المذهب لعموم الخبر. والثّاني: لا تجب، لعوم قوله:"عفي لأمَّتِي عن الخطأ والنّسيان".فعلى هذا لو وطئ طاهراً فخاضت في أثناء وطئه فلا كفاّرة عليه، وعلى الأوّل عليه الكفّارة.

مسألة: إذا جلس المسبوق مع الإمام في التّشهّد الأخير هل يصلّي على النّبِيّ صلى الله عليه وسلم ويدعو أم يكرّر التّشهّد الأوّل؟

الجواب: المشهور أنّه يكرّر التّشهّد ولا يصلّي على النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ـ

ص: 498

نصّ عليه أحمد فيمَن أدرك مع الإمام ركعةً؛ قال: يكرّر التّشهّد ولا يصلّي على النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، ولا يدعو بشيءٍ مما يدعو به في التّشهّد؛ لأنّ ذلك إنّما يكون في التّشهّد الذي يسلم عقبه وليس هذا كذلك.

مسألة: في قوله تعالى: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} ، [الأعراف، من الآية: 190] .قال قتادة: شركاء في طاعته ولم تك في عبادته. وفي تفسير العلماء معنى آيات العبادة يفسّرونها بالطّاعة وهذا فرق بينهما.

الجواب: اعلم أنّ الكلام يختلف باختلاف الأحوال والمقامات والاجتماع والافتراق والإجمال والتّفصيل، فتفسير قتادة في هذه الآية بأنّ المراد بها على كثير من كلام المفسِّرين آدم وحواء، فناسب تفسيرها بالطّاعة؛ لأنّهما أطاعا الشّيطان في تسمية الولد بعبد الحارث، وهو معصية من المعاصي. والصّحيح من أقوال العلماء أنّ المعاصي الصّغائر تقع من الأنبياء لكنهم يتوبون منها ولا يقرّون عليها، وأمّا تفسيرهم الآيات التِي فيها العبادة بالطّاعة فمعلوم أنّ العبادة إذا أطلقت دخلت فيها الطّاعة وترك المعصية؛ لأنّ العبادة اسم جامع لكلّ ما يحبّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال، وترك المعاصي من الكبائر والصّغائر، لكن المعاصي تنقسم إلى كفرٍ وشركٍ، وإلى كبائرَ دون الكفر الشّرك، وإلى صغائرَ دون الكبائر، فإذا أطلقت العبادة دخل فيها جميع طاعات الله ورسوله، وإذا فرق بينهما فسّرت بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه، وفسرّت العبادة الطّاعة بجميع الدِّين كلّه. والله أعلم.

ص: 499