المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌سورة العلق بسم الله الرحمن الرحيم {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) - التفسير البياني للقرآن الكريم - جـ ٢

[عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ]

الفصل: ‌ ‌سورة العلق بسم الله الرحمن الرحيم {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)

المشهور في اسمها: "سورة العلق" ويذكرها بعض المفسرين، كالطبري باسم "سورة اقرأ" أو "اقرأ باسم ربك" وجاء بها "الرازي" في تفسيره الكبير باسم "سورة القلم" زهذا الاسم يلتبس بالسورة بعدها:{ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} واسمها في تفسير الرازي "سورة ن".

* * *

والمشهور كذلك أنه أمل سورة نزلت من الوحي. ولم يشر "ابن إسحاق" في (السيرة النبوية) إلي خلاف في لذك. ومثله "الطبري" في تفسيره. وفيهما الحديث عن "السيدة عائشة أم المؤمنين" قالت: "كان أول ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي، الرؤيا الصادقة، كانت تجئ مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء فكان بغار حراء يتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله، ثم يرجع إلى أهله فيتزود لمثلها. حتى فجأه الحق فأتاه فقال: يا محمد أنت رسول الله..... ثم قال: اقرأ. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: فغطني ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد، فقال: اقرأ قلت: ماذا أقرأ؟ فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} فقرأتها، ثم انتهى وانصرف عني فكأنما كتبت في قلبي كتاباً. فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتاً من السماء يقول: "يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل". فرفعت رأسي إلى السماء أنظر، ما أتقدم وما أتأخر، فمازلت واقفاً حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي فبلغوا أعلى مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ذلك، ثم انصرف عني. وانصرفت راجعاً إلى أهلي حتى أتيت خديجة، فقالت: يا أبا القاسم أين كنت، فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا لي؟ ثد حدثتها بالذي رأيت فقالت: أبشر يا ابن عم واثبت، فوالله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتؤدي الأمانة وتحمل الكل وتقرى الضيف وتعين على نوائب الحق.

ص: 13

ثم انطلقت بي إلى ورقة بن نوفل بن أسد، قال: أسمع من ابن أخيك، فسألني وأخبرته خبري، فقال: والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، ولتكذبنه، ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتلنه! ليتني أكون حياً حتى يخرجك قومك. قلت: أو مخرجني هم؟ قال: نعم، إنه لم يجئ رجل قط بما جئت به إلا عودى، ولئن أدركني يومك لأنصرنك نصراً مؤزراً....

ثم كان أول ما نزل علي من القرآن بعد اقرأ: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ......} .

* * *

ولكن هناك قولاً - في الكشاف وتفسير الرازي - أن الفاتحة كانت أول سورة نزلت من الوحي، وبعدها نزلت سورة العلق.

وفي قوله آخر نقله الرازي، أن الذي نزل من السورة أول الوحي، آياتها الخمس الأولى:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} إلي قوله تعالى: {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} . ثم نزلت البقية بعد أن أبلغ المصطفى رسالته، وتصدى له من تصدى من طواغيت قريش بالتكذيب، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بضم هذه الآيات إلى أول السورة. لأن تأليف الآيات إنما كان بأمر الله تعالى.

وجاء في البحر المحيط:

"هذه السورة مكية، وصدرها أول ما نزل من القرآن، وذلك في غار حراء على ما ثبت في صحيح البخاري وغيره، وقول جابر: أول ما نزل المدثر، وقول أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل: أول ما نزل الفاتحة، لا يصح".

وسياق الآيات قد يرجح هذا القول بأن صدر سورة العلق، أول ما نزل من

ص: 14

القرآن، ثم لا يبدو مخالفاً لما في تفسير الطبري والسيرة النبوية، حيث يقف الحديث فيهما عن اول ما نزل من الوحي، عند الآية الخامسة:{عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} .

* * *

{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} .

من عجب أن تكون كلمة {اقْرَأْ} أول ما استهل به الوحي إلى النبي الأمي المبعوث في الأميين رسولاً منهم، وأن يكون "الكتاب" معجزة هذا النبي المصطفى لختام رسالات الدين منذ أربعة عشر قرناً من الزمان، والعصر عصر بداوة، والبيئة وثنية جافية لا عهد لها بمظاهر الحضارة المادية والفكرية التي ازدهرت في بيئات أخرى كوادي النيل، ووادي الرافدين....

ونحتاج هنا في هذه السورة المبكرة من أول الوحي، إلى تمثل ما كان لها من وقع في نفوس الذين تلاها فيهم المصطفى عليه السلام، مستأنسين بما كانت البيئة العربية في عصر النبوة تفهمه وتدركه، بعيداً عما أضيف إلى هذا الفهم من محدث التأويلات التي أضافتها عصور متأخرة.

واللافت أن الإمام الطبري لم يجد حاجة إلى تأويل آية: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} لوضوح معناها. فليست القراءة بحيث تحتمل التأويل بغير المألوف من دلالتها على التلاوة. والعربية كانت تستعملها في التلاوة من نص مكتوب أو غير مكتوب.

كما عرفت الرب بدلالته على المالك والمعبود.

وإذ كانت الكلمة وحياً إلهياً، فباسم ربه الذي خلق، أمر المصطفى أن يقرأ. وقد كان لقبائل العرب الوثنية أربابها من أوثان وأصنام، ومحمد كان قبل المبعث في حيرة من أمره وأمر قومه، يراهم على سفه وضلال، وينكر عبادتهم لأرباب صنعوها بأيديهم من خشب وحجر وطين، ثم نسوا أنهم صانعوها وكدسوها في ساحة البيت العتيق، وعطفوا عليها عابدين.

وطال به التأمل التماساً لما يهديه من حيرته، وقد صد عما يعبده قومه من أوثان صماء بلهاء، ولم يجد ما يطمئن إليه لدى من عرفت الجزيرة من عصابات يهود التي

ص: 15

طرأت على شمال الحجاز فأنشبت مخالبها في الأرض الطيبة، ونسيت "موسى" وربه، واتخذت من الذهب وثنها المعبود.

والنصارى - في الشام ونجران - قد مزقتهم التفرقة المذهبية، فبعضهم لبعض عدو، وكل طائفة ترمى الأخرى بالكفر والضلال....

ومن بعيد كان لهب النار يسطع من معابد المجوس، وقد أحاط بها القوم طائفين عابدين!

وفي تلك الظلمة الغاشية، كانت كلمة الوحي {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} للأمي المختلى في حراء، توجيهاً وهداية إلى الحق الذيى طال التماسه إياه، وإذاناً بانتهاء حيرته التي طالما أجهدته في تأملاته، وانبثاقاً لنور فجر جديد ينسخ ظلمات ليل ادلهم وطال.

* * *

وقد يجدي أن ننقل عن الفخر الرازي أن في قوله: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} إشعاراً بأن كل قراءة القرآن يجب أن تبدأ باسم الله. لكنا نتوقف حيال ما ذكره من أن في قوله تعالى: {بِاسْمِ رَبِّكَ} بدلاً من: باسم الله، أن الرب من صفات الفعل والله من أسماء الذات.... فالأمر هنا يستوجب العبادة بصفات الفعل....

وأن في كلمة ربك {ما يزيل فزع الرسول من الوحي. فكأنه قال: ربك هو الذي رباك فكيف يفزعك؟ فأقاد هذا الحرف معنيين في أحدهما: ربيتك فلزمك القضاء فلا تتكاسل. والثاني: قد ربيتك حين كنت علقاً فكيف أضيعك بعد أن صرت خلقاً نفسياً موحداً عارفاً بي؟ ".

وإنما حسبنا أن نلمح ما في {رَبِّكَ} من صلة بحال المصطفى وقومه قبل المبعث، وطول حيرته التماساً للهدى والحة، وطول خلوته المتأملة في ملكوت السموات والأرض. وهذا هو نور الكلمة يشرق فيهديه إلى ربه الذي خلق، الجدير بالعبادة دون هذه الأرباب المخلوقة التي عبدتها الوثنية العربية.

ولا وجه عندنا لما تعلق به بعض المفسرين من تأول مفعول لـ {خَلَقَ} في الآية الأولى، بل ندعها على إطلاقها الذي يفيد معنى العموم، ثم تتولى الآية بعدها

ص: 16

تخصيص هذا العام، باللفت إلى خلق الإنسان، من حيث كان الوحي القرآني لهداية هذا الإنسان، دون غيره من الكائنات.

كما لا نجد حاجة إلى الوقوف عندما قدره بعضهم - فيما نقل الرازي - من أن "في قوله تعالى: الذي خلق، من التمهيد لاعتراف عباد الأوثان به، ما ليس في قوله: الذي لا شريك له. لأنه لم بدأهم بهذه المواجهة لأبوا أن يقبلوا ذلك منه، فقدم تعالى في {الَّذِي خَلَقَ} مقدمة تلجئهم إلى الاعتراف به، فكأنه قال: واذكر لهم أنهم هم الذين خلقوا من العلقمة فلا يمكنهم إنكاره، ثم قل: ولابد للفعل من فاعل، فلا يمكنهم أن يضيفوا الخلق إلى الوثن لعلمهم بأنهم نحتوه. فبهذا التدريج يقرون بأني المستحق للثناء".

وسياق الآيات صريح في أنه تقرير لربوبية الخالق. وتخصيص خلق الإنسان بالذكر دون سائر المخلوقات، لأن الإنسان هو المختص بالقراءة والعلم، المنفرد بتبعية التكليف، المخاطب بكل ما سوف ينزل به الوحي من كلمات اللله.

* * *

{خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} .

من السلف من تأويله على أن المقصود به إيناس الرسول عليه الصلاة والسلام إلى ربه الذي دعاه ورباه مذ كان علقاً. وآخرون منهم تأولوه على قصد التدرج بعباد الأوثان إلى الإقرار بخالفتهم. وعلى ما نقلنا من كلام الفخر الرازي.

وقال الزمخشري إن في الآية تفخيماً لخلق الإنسان ودلالة على عجيب فطرته. وقد نقله الرازي، ثم أضاف إليه، في تأويل {عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} : كون الإنسان من علقة وهي أخس الأشياء، ثم صيرورته عالماً والعلم أشرف المراتب، فكأنه تعالى يقول: انتقلت من أخس المراتب إلى أعلى المراتب، فلابد لك من مدبر مقدر ينقلك من تلك الحالة الخسيسة إلى هذه الحالة الشريفة.

ص: 17

ولفت "أبو حيان" إلى أن ذكر {رَبَّكُ} في الآية الأولى، إيناس للمصطفى وتعيين لربه، لا رب غيره. ثم جاء بصفة الخالق، وهو المنشئ للعالم، لما كانت العرب تسمى الأصنام أرباباً، فأتى بالصفة التي لا يمكن شركة الأصنام فيها.

وكل هذا مما يمكن أن يقال.

وليس هو، على أي حال، بأبعد مما ابتدعه محدثون اتجهوا بهذه الآية إلى مجال البحث في علم الأجنة، والتمسوا المراجع الأجنبية لعلماء الفسيولوجيا والبيولوجيا، لفهم آية نزلت على النبي الأمي في قوم أميين لم يسمعوا قط، ولا سمع عصرهم، بعلم الأجنة. وغير متصور أن يكون القرآن الكريم قدم لهم من آيات ربوبية الخالق وقدرته، ما لا سبيل لأحد منهم إلى تصوره، فضلاً عن فهمه وإدراكه.

وإنما فهموا من العلق ما تعرفه لغتهم وبيئتهم وعصرهم، والعربية قد استعملت العلق مادياً في كل ما يعلق وينشب: كالدم، والمحور الذي تعلق عليه البكرة، وعلقت النرآة حملت، ومعنوياً في العلاقة تنشب بين لثنين حباً أوبغضاً، وفي الصلة تربط بينهما.

ولم يكونوا في حاجة إلى درس في علم الأجنة أو مراجعة كتاب في المكتبة الأمريكية التي ظهرت بعدهم بقرون، ليفهموا آية خلق هذا الإنسان من علق في أرحام الأمهات، وهم الذين ألفوا استعمال: علقت المرآة، بمعنى حملت.

واستعمال العلق هنا، جمع علقة، إيذان بما ذهبت إليه من إطلاق في عموم لفظ الإنسان.

ولا يشير السياق إلى أن القصد من {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} توجيه المصطفى ومن يؤمنون برسالته إلى النظر في علم الأجنة، وإنما هي آية الله في هذا الإنسان، خلقه من علق، وخصه بالعلم، واحتمل أمانة التكليف، فازدهاه الغرور وأطغاه الشعور بوهم الاستغناء عن خالقه، فنسى أن إليه، سبحانه، الرجعى والمصير.....

ص: 18

وهذه هي قصة الإنسان، من المبدأ إلى المنتهى، تلفت إليه سورة الوحي الأولى، بإيجاز، توطئة لما سوف يتتابع من آيات الوحي التي تزيد كل هذه الملامح المجملة تفصيلاً وبياناً.

فهذا الإنسان الذي خلق الله من علق، وعلمه ما لم يكن يعلم، وإليه رجعاع، هو الإنسان الذي نزلت في خلقه آياته تعالى، على ترتيب النزول:

{قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ}

(سورة عبس)

{فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ}

(سورة الطارق)

{أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}

(سورة يس)

{أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا}

(سورة الكهف)

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا}

(سورة الحج)

{إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}

(سورة الإنسان)

وما من آية فيها، يؤذن سياقها بتوجيه إلى النظر في علم الأجنة وعلم الأحياء والتشريح، وإنما تأتي جميعاً في الاستدلال لقدرة الذي خلق الإنسان من علق، أو

ص: 19

من نطفة أو من تراب، على النشأة الأخرى التي هي مدار الثواب والعقاب، ومناط ما يوجه إليه كتاب الإسلام من تكليف وبشرى ووعيد.

* * *

{اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} .

ذهب بعض المفسرين، فيما نقل الفخر الرازي، إلى أن {اقْرَأْ} في الآية الأولى تعني:"اقرأ لنفسك، وهي في هذه الآية بمعنى التبليغ، أو أن الأولى للتعلم، والثانية للتعليم، أو أن الأولى: اقرأ في صلاتك، والثانية: اقرأ خارج صلاتك".

وهي أقوال متقاربة، وإن كان الأولى لأخذ السياق على ظاهره، بما يفيد من تأكيد الأمر الإلهي للمصطفى بالقراءة. وإذ كان لا يدري ماذا يقرأ، فقد تولى الوحي بيانه، فليقرأ باسم ربه الذي خلق.... وليقرأ وربه الأكرم.

والكرم في العربية نقيض اللؤم، ودلالته على العزة مألوفة في استمعال لكرام الناس. والإكرتم ضد الإهانة والإذلال.

ومن الكرم بمعنى العزة، جاء الكريم في القرآن وصفاً لذي الجلالة أو اماً من أسمائه الحسنى، ووصفاً لعرشه:

{فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} .

{فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} .

كما جاء وصفاً لرسول، وملك، وكتاب، وقرآن كريم، ووعد المتقون برزق، وأجر، ومدخل ومقام كريم.

وجاء الكرتم، جمع كريم، وصفاً لملائكة بررة، كاتبين. وللمؤمنين في سياق اليسرى.

وفي سياق الوعيد والسخرية، جاءت آية الدخان في الأثيم:

{خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (47) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (48) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} - 49.

وفي التكريم والإكرام، نقيضاً للتحقير والإذلال، جاءت صيغة مكرمة وصفاً لصحف الوحي، والمكرمون وصفاً للملائكة، ولضيف إبراهيم منهم، ولأهل الجنة.

ص: 20

وجاء الفعل في تكريم الله وإكرامه للمتقين، وقوبل بالإهانة في آية الحج.

{وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ} - 18.

أما أفعل التفضيل، فجاء مرة مضافاً إلى ضمير المخاطبين في آية الحجرات:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} - 13.

وانفردت آية العلق بصيغة {الْأَكْرَمُ} معرفة بـ: ال، بما يفيد اختصاصه تعالى بهذه الرتبة العليا على عموم إطلاقها.

دون تعلق بتأويل أكرميته تعالى، وقد تأولها الزمخشري بأنه:"الذي له الكمال زيادة كرمه على كل كرم، ينعم على عباده النعم التي لا تحصى، ويحلم عنهم فلا يعالجهم بعقوبة مع كفرهم وجحودهم لنعمه، ويقبل توبتهم ويتجاوز عنهم بعد اقتراف العظائم، فمالكرمه غاية ولا أمد".

وساق الفخر الرازي في أكرميته تعالى وجوهاً أربعة:

* أنه تعالى لا يحلن وقت جناية الإنسان فحسب، بل يزيد إحسانه بعد الجناية.

ونظر له الشاعر:

متى زدت تقصيراً تزد لي تفضيلاً كأنى بالتقصير أستوجب الفضلا

* أنك كريم يا محمد، لكن ربك الأكرم.

* أنه تعالى له الابتداء في كل كرم وإحسان، وكرمه غير مشوب بتقصير.

* يحتمل أن يكون فيهخ حث على القراءة أو على الإخلاص، بمعنى: فهو يجازيك بكل حرف مما تقرأ عشراً. أو بمعنى: تجرد لدعوة الخلق ولا تخف أحداً، فأنا أكرم من أن آمرك بهذا التكليف الشافي ثم لا أنصرك.

ونلاحظ عليهم أن في كل ما تأولوه، تقييداً لصيغة الأكرم، ينقلها إلى المفاضلة بين كريم وأكرم منه. والحق أن البيان القرآني حين قيد أفعل التفضيل في آية الحجرات بإضافتها إلى ضمير المخاطبين، جعل أكرميتهم محدودة بنطاق الناس الذين خاطبهم في

ص: 21

الآية. واستأثر سبحانه بصيغة {الْأَكْرَمُ} على الإطىق ونظيره الأعلى في آيتى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} ، {إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى} .

لافتاً إلى حس العربية الأصيل حين تأتي بأفعل التفضيل معرفاً بأل، وغير مميز، فتفيد من العموم والإطلاق ما لا تفيده الصيغة نفسها من المفاضلة مقيدة بمضاف إليه لا تتجاوزه أو مميزة بوجه تفاضل لا تعدوه.

* * *

{الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} .

العلم إدراك الشيء على حقيقته، ونقيضه الجهل.

وقد سبق استقراء آيات العلم في القرآن الكريم، في تفسير آية {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} من سورة التكاثر.

والقلك أداة الكتابة، ومنه آية القلم:{ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} .

فسره الطبري في آية العلق، فقال:"علم الإنسان الخط بالقلم ولم يكن يعلمه".

وكذلك فسره الزمخشري بعلم الكتابة، واستطرد فذكر ما لهذا العلم من "المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو، وما دونت العلوم ولا قيدت الحكم ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة، ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا". ونقله أبو حيان في "البحر المحيط".

وقريب منه ما ذكره الفخر الرازي في شرف القلم وحكمة خلقه. وعقد "ابن قيم الجوزية" في تفسيره لسورة القلم فصلاً مسبهاً في شرف القلم وفوائده، ثم ذيله بفصل طريف في منازل الأقلام على تفاوت رتبتها من الشرف، فجعلها اثنى عشر نوعاً:

ص: 22

أولها: وأعلاها وأجلها قدراً قلم القدر السابق الذي كتب الله به مقادير الخلائق.

ثانيها: قلم الوحي يكتب به وحي الله تعالى إللا سرله وأنبيائه.

ثالثها: قلم الفقهاء والمفتين. ويتلوه على الترتيب التنازلي: قلم طب الأبدان، وقلم التوقيع عن الملوك والساسة، وقلم الحساب تضبط به الأموال، وقلم الحكم تثبت به الحقوق وتنفذ القضايا، وقلم الشهادة تحفظ به الحقوق وتصان عن الإضاعة، وقلم تعبير الرؤيا ووحي المنام، وفقلم التأريخ، وقلم اللغة يشرح معاني الأفاظها ونحوها وتصريفها وأسرار تراكيبها، ثم القلم الجامع وهو قلم الرد على المبطلين.

وأضاف الفر الرازي إلى تأويل الآية، أن فيها إشارة إلى الأدلة السمعية والأحكام المكتوبة التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالسمع، بعد أن أشرات آية:{خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} إلى الجلالة العقلية على كمال القدرة والحكمة والعلم. فكأنها إشارة إلى معرفة الربوبية، والتعليم بالقلم إشارة إلى النبوة.

ومثله النيسابورى في (تفسير غرائب القرآن) .

وحيث لا مجال للإشاريات في منهجنا، نطمئن إلى أن الآية لفتت إلى سر القلم، من حيث هو أداة الكتابة التي يدون بها العلم ويحفظ وينتقل على امتداد الزمان والمكان وتتابع الأجيال. ويتسع المقام لكل ما عده المفسرون من شرف القلم وفوائد الكتابة، على أن يظل للبيان القرلآني دلالته في لفت النبي الأمي والعرب الأميين إلى جلال القلم، آية من أيات الخالق الذي خلق الإنسان من علق، وعلمه ما لم يكن يعلم. بما تعني من اختصاص الإنسان دون سائر الكائنات بالقلم وكسب العلم. وهذا من الخصائص الإنسانية التي يضيف إليها الوحي من بعد ذلك ما يجلوها ويزيدها بياناً، إذ يجعل العلم مناط تكريم آدم، الإنسان الأول، وحقه في الخلافة في الأرض، ويسوق الآيات ويضرب الأمثال للذين يعلمون، ويقصر خشيته تعالى على العلماء.....

* * *

ص: 23

ومن المفسرين من قدر في الآية علمه الله، قيل: هو" إدريس، وقيل آدم لأنه أول من كتب بالقلم".

والنص لا يحتمل مثل هذا التحديد والتقييد، بل هو الإنسان، اسماً لعموم الجنس على إطلاقه، علمه الله ما لم يعلم.

ولا داعي إلى أن نسأل عما علم الإنسان، بل حسبنا أنه تعالى علمه ما لم يعلم، فيتسع الإطلاق لكل ما كسب الإنسان ويكسب من العلم، وهو الذي استأثر بشرف العلم الكسبي واختص به دون غيره من الكائنات.

دون تقييد بما روى عن "ابن عباس" من أنه قرأ الآية: "علم الخط بالقلم" على وجه التفسير كما رجح أبو حيان.

* * *

ويمضي البيان القرآني، في الردع المحذر مما يتعرض له الإنسان من غرور بعلمه ومكانه بين المحلوقات:

{كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى}

الطغيان تجاوز الحد، وأكثر ما يستعمل في جبروت العتاة المستبدين. والاستغناء ضد الاحتياج. وقد سبق استقراء آيات الطغيان والغنى في القرآن الكريم، في تفسير آيتى:

{ااذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} من سورة النازعات.

{وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} من سورة الضحى.

وكلا: للزجر والردع.

لكن من المفسرين من تأولها بمعنى "حقاً" لأنه ليس قبلها ولا بعدها شيء يتوجه إليه الردع.

ص: 24

وهذا من عجيب تأويلاتهم، فالكلمة متلوة مباشرة بطغيان الإنسان، والآيات بعدها حافلة بما يتوجه إليه الردع والنذير.

وليس الطغيان عن استغراق في حب المال والجاه كما تأوله بعض المفسرين، ولكنه بصريح النص، عن وهم الإنسان الاستغناء عن خالقه، إذ تأخذه العزة بالإثم، ويفتنه ما اختص به من شرف العلم الكسبي فيغتر ويطغى، متجاوزاً قدره وموضعه {أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} عن خالقه.

وينسى أن مصيره إلى الخالق.

* * *

{إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى} .

والرجع في العربية: العود والرد. ورجع الصوت تردده، والمراجعة المعاودة. والمعجميون يضعون الرجعى مع الرجع والمرجع والرجعان، مصارد للفعل رجع.

وأكثر المفسرين على أن الرجعى هنا بمعنى الرجوع. قال أبو حيان: "الرجعى أي الرجوع، مصدر على وزن فعلى، الألف فيه للتأنيث".

وأحسن أن صيغة الرجعى ليس ملحوظاً فيها المصدرية ولا التأنيث، بقدر ما يلحظ فيه إطلاق الرجوع إلى غايته القصوى.

ولم تأت صيغة الرجعى في القرآن الكريم إلا في هذه الآية، ردعاً للإنسان المغتر عن طغيانه، ونذيراً له بأن إلى ربك غاية مصيره ونهاية رجعاه.

وبعد آية العلق {إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى} تتالت الآيات المحكمات فيها نزل بعدها من الوحي، منبهة ومنذرة بالمصير إلى الله سبحانه: إليه يرجع الأمر كله، وإليه مرجعكم ومرجعهم، وإليه تُرجَعون ويُرجَعون.

وفي سياق النذير جاءت آية الصافات بالجحيم مرجعاً للظالمين:

{ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ} 68.

وجاءت آية الفجر في سياق البشرى للنفس المطمئنة:

ص: 25

{ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي}

ويلحظ مع ما تؤذن به ضيغة الرجعى من دلالة على غاية المرجع وآخر المصير، ارتباطهما بخلق الإنسان من علق، إيذاناً بأن إليه تعالى المبتدأ والمنتهى.

ومثله آية الليل: {وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى}

وتقديم {إِنَّ إِلَى رَبِّكَ} . {وَإِنَّ لَنَا} صريح الدلالة على القصر والاختصاص:

إلى ربك، لا إلى غيره، إن لنا، لا لغيرنا.

* * *

ويتتابع النذير في سورة العلق:

{أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} .

وجمهرة المفسرين على ان هذه الآيات، إلى آخر السورة، نزلت في "أبي جهل ابن هشام" كان ينهي محمداً صلى الله عليه وسلم عب عبادة الله. وفي قول عن الحسن البصري: هو أمية بن خلف، كان ينهي سلمان - الفارسي - عن الصلاة.

ونقل "الطبري" أن أبا جها قال: واللات والعزى لئن رأيت محمداً يصلي عند الكعبة، لأتينه حتى أطأ على عنقه ولأعفرن وجهه في التراب. قيل فأتى أبو جهل رسول الله وهو يصلي ليطأ على رقبته فما لبث أن رجع عنه ونكص على عقبيه وقال: إن بيني وبينه خندقاً من نار.

ونقله الزمخشري في الكشاف. والنيسابورى في تفسير غرائب القرآن، دون أن يعرضوا لما يرد على هذا، من المشهور في أن سورة العلق هي أول ما نزل من الوحي، ولم يكن المصطفى صلى الله عليه وسلم قد بدأ في تبليغ رسالة ربه، ومن ثم لم يكن ووجه بالإيذاء والتهديد. من طواغيت الوثنية.

لكن الفخر الرازي لم يفته أن يقف عند هذا، وقد بدا له فيه وجهان:

الأول: أن الآيات الخمس الأولى من السورة هي التي نزلت في أول الوحي، ثم

ص: 26

نزلت البقية في أبي جهل بن هشام، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بضمها إلى أول السورة.

والوجه الثاني: أن تحمل الآيات على عموم لفظها في الظاهر، وهو أن الإنسان، جملة الإنسان، خلقه الله من علق وأنعم عليه، فإذا به يطغى ويتجاوز الحد في المعاضي وينسى أن إلى ربك الرجعى، فينهى عن عبادة الله، وكان أولى به، وقد أنعم عليه خالقه، أن يكون على الهدى ويأمر بالتقوى.

وكلا الوجهين جائز.

فسياق الآيات في السورة، يشعر بأنها نزلت بعد أن أبلغ المصطفى رسالة ربه وجهر بعبادته وصلاته فووجه بالتكذيب، ثم لا تمنع خصوصية السبب في نزول هذه الآيات، من حملها على عموم اللفظ كما قرر الأصوليون.

* * *

والنحاه من المفسرين، وقفوا طويلاً عند "أرايت" التي تكررت هنا ثلاثة مرات في آيات متتاليات، دون أن يصرح فيها بالمفعول الثاني للفعل "رأى" على ما تقتضي الصنعة الإعرابية.

وقد ذهب الزمخشري في (الكشاف) إلى أن الجملة الشرطية في {أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} في موضع المفعول الثاني لـ {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى} وعلى هذا التأويل، قرر أن {أَرَأَيْتَ} زائدة قبل الشرط: إن كذب.

أما جواب الشرط فيؤخذ من الآية بعده: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} وعلى هذا التأويل الذي تبدو فيه {أَرَأَيْتَ} في الجملة الشرطية مقحمة على السياق، تمت للزمخشري تسوية الصنعة بمفعول ثان، ثم تركنا نواجه مجئ جواب الشرط استفهامياً طلبياً غير مقترن بالفاء، خلافاً لقواعدهم!

وقد رفض "أبو حيان" مذهب الزمخشري، دون أن يتخلص هو أيضاً من أغلال الصنعة النحوية، فلم يلتفت إلى ما في قوله الزمخشري بزيادة {أَرَأَيْتَ} في جملة الشرط من تكلف ينبو به السياق ويتمزق، بل شغلته قواعد الصنعه، فذكر أن المفعول الثاني لـ {أَرَأَيْتَ} لا يكون إلا جملة استفهامية، وهو كثير في القرآن الكريم. ثم قال:"فتخرج هذه الآية على هذا القانون".

ص: 27

وكذلك رفض مذهب الزمخشري في جعل {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} جواباً لشرط {إِنْ كَذَّبَ} محتكماً في رفضه إلى القاعدة النحوية التي تقرر اقتران جواب الشرط بالفاء، قال:"وأما تجويز الزمخشري وقوع الاستفهام جواباً بغير فاء، فلا أعلم أحداً أجازه. بل نصوا على وجوب الفاء في كل ما اقتضى طلباً بوجه ما، ولا يجوز حذفها إلا في ضرورة شعرية".

ونحتكم إلى البيان القرآني فيما اختلفوا فيه، فتلقانا ظاهرة أسلوبية لافتة إلى أن القرآن قلما يتعلق بذكر مفعول ثان، في الأسلوب الاستفهامي بـ {أَرَأَيْتَ} خطاباص للمفرد، أو {أَرَأَيْتَم} خطاباً للجمع. وإنما يستغنى عن هذا المفعول، بتقرير يلفت إلى موضع العبرة والنذير، كما في آيات:

{أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ} .

(الماعون)

{أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا}

(مريم 77، 78)

{أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا}

(الفرقان 43)

{أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}

(الجاثية 23)

{أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (33) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (34) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (35) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}

(النجم 33 - 38)

وكلها آيات مكيات. ةة

ص: 28

ومثلها السؤال التقريري، خطاباً للجمع، في آيات الواقعة:

{أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ} ؟

{أفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} ؟

َ {أفرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ} ؟

ومعها آيات: يونس 59، الشعراء 75، فاطر 40، الزمر 38، النجم 19، الأحقاف 4.

هي إذن ظاهرة أسلوبية، كان ينبغي أن تلفت إلى وجه في البيان العربي يستغنى عن المفعول الثاني لـ "رأى" حين تقترن بهمزة الاستفهام في الخطاب، فلانشغل بالتماس هذا المفعول الثاني خضوعاً للصنعة النحوية، بل أولى منه أن نتدبر سر هذه الظاهرة الأسلوبية التي لا تتخلف في آيات العلق:

{أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} ؟

فلفتت إلى ما هو جدير بالرؤية والبصر والتدبر، وأغنت عما تعلق به النجاة من مفعول ثان مقدر أو غير مقدر، يختلفون عليه.

والأمر كذلك في جواب شرط {إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى}

إذا كانت قواعدهم تحتم ذكره أو تقديره، ثم نواجه بما يخالف قاعدة نحوية أخرى تقضى باقتران الجواب الطبي بالفاء.

فإن البيان القرآني جدير بأن يلفتنا إلى وجه التجاوز عن ذكر جواب الشرط في مثل هذا الأسلوب، لتكون آية {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} هو موضع العبرة والبصر والتنبيه، بما يغني عن التعلق بجواب محذوف أو مقدر.

ومثله في القرآن الكريم، آيات الآنعام:

{قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} 40.

ص: 29

{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ} 46، 47.

والقصص: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} 71، 72.

ومثلها آيات: هود 28، فصلت 52، يونس 50. والاستفهام فيها في موضع حواب الشرط، غير مقترن بالفاء.

وننظر مع كل هذه الآيات، آية هود 88:

{قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ} .

فيهدينا تدبر هذه الظاهرة الأسلوبية إلى أن البيان القرآني يستغنى فيها عما تأوله النحاة، بالسؤال اللافت إلى ما هو موضع بصر وعبرة. وبه أفهم "الراغب" في (المفردات) :"رأى إذا عدى إلى مفعولين اقتضى معنى العلم. ويجرى {أَرَأَيْتَ} مجرى: أخبرني - ونقل عدداً من آياتها ثم قال: - كل ذلك فيه معنى التنبية". وإنما أطلت الوقت هنا، قصداً إلى التنبيه إلى ما يلقانا في ظواهر أسلوبية في القرآن الكريم، لم تأت على المقرر من قواعد النحاة وأحكام البلاغيين المدرسيين، فيشغلنا عن البيان العالى، تسوية الصنعة النحوية أو البلاغية، بالتأويل فيه والتقدير.......

* * *

{كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} .

ص: 30

السفع لغة اللطم والجذب بشدة: سفع الطائر فريسته لطمها بجناحيه، وسفع الفارس بناصية فرسه: جذبها بقوة وعنف. قال عمرو بن معد يكرب، رضي الله عنه:

قوه إذا كثر الصياح رأيتهم من بين ملجم مهره أو سافع

وكثر استعمال السفع في لفح السموم تلطم وجه الملفوح، والسوافع لوافح السموم، ومنه سفع اللهب.

وقيل في المجاز: سفع بناصيته، بمعنى اجتذبها بعنف قصد الإذلال والعقاب، مع ملحظ من اقتدار السافع وقوته وغلبته.

والناصية قصاصة الشعر في مقدمة الرأس. ويستغنى بالناصية مجازاً عن الوجه وكل ما هو مقدم، فيقال لأشراف القوم: نواصيهم.

ولم يأت السفع في القرآن الكريم إلا في آية العلق.

أما الناصية فجاءت مرة في آية هود، 56، بمعنى التمكن والاقتدار والتحكم:

{إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} .

وجاءت بصيغة الجمع في آية الرحمن 41:

{يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ} .

وفيها مع ملحظ التمكن والتسلط والاقتدار، دلالة الهوان والإذلال والعقاب للمأخوذ بنواصيهم.

ويقوى هذه الدلالة في آية العلق، مجئُ السفع بالناصية، بفعله المؤكد مسنداً إلى الله سبحانه، وذلك أقصى الترهيب والوعيد لذلك المغتر المفتون الذي ينهى عبداً إذا صلى. والسفع بالناصية فيها، يحمل على الجذب إلى النار، وعلى لفح السعير.

ووصف الناصية بكاذبة خاطئة، يفهم الكذب والخطأ في سياقهما، بدلالتها الإسلامية الخاصة على الكفر والضلال، وهي الدلالة الغالبة في الاستعمال القرآني.

والنادي في العربية: مجتمع القوم، كالندى والمنتدى. والنداء: الصوت الداعي إلى التجمع، ونتادوا: نادى بعضهم بعضاً.

ص: 31

والندوة الجماعة والقوم يحضرون الندى. وقد تطلق الندوة مجازاً على ما يدور بينهم في النادى من حديث. ومنه دار الندوة بمكة، كانت مجتمع قريش تقضى فيها جليل أمورها وتتحادث في هام شئونها.

كما يطلق النادى ويراد به القوم المجتمعون فيه. على وجه المجاز الرسل لعلاقة المحلية، في المصطلح البلاغي.

وأكثر ما تجئ المادة في القرآن الكريم في النداء مصدراً وفعلاً، ماضياً ومضارعاً.

وجاء التنادي في آية القلم 21:

{فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ} .

وسمى يوم الجمع يوم التنادى في آية غافر 32:

{وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} .

وجاء النادى بمعنى مجتمع القوم، في آية العنكبوت 29، خطاباً لقوم لوط:

{أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ} .

وبصيغة الندى في آية مريم 73:

{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} .

* * *

وقد ربط المفسرون آية العلق بما قالوه في سبب نزولها، فذكورا أن أبا جهل بن هشان حين توعد المصطفى عليه الصلاة والسلام أن يطأ عنقه إذا رآه يصلى في الكعبة، رد عليه المصطفى منذراً بعقاب من ربه. فقال أبو جهل: أيتوعدني محمد ووالله ما بالوادي أعظم نادياً منى؟

وعلى العموم، من شأن الإنسان المغتر بجاهه وقوته، في مثل هذا المجتمع، أن يمضي على غلوائه سادراً في الضلال، معتزاً بقومه، مدلاً ما له في عشيرته من حمى ومنعه.

ص: 32

وواضح أن النادى أطلق في الآية، مراداً به الجمع الذين يدعوهم هذا الضال المغرور، وهو مظنه أن يؤازروه وينصروه. لكن ماذا عسى أن يملكوت جميعاً له تجاه الزبانية يدعوها الخالق القاهر، لتعذيب هذا المفتون؟

{فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} .

وقد اختلف اللغويون في لفظ الزبانية، فقيل إنه جمع لا واحد له. وقال أبو عبيدة: واحده زبنية، وقال الكسائي، واحده زبنى، وكأنه نسب إلى الزبن، كالإنسي نسبة إلى الأنس. وقال الأخفش. واحد الزبانية زابن، اسم فاعل من زبن، بمعنى اشتد بطشه، ومنه قول الشاعر:

ومستعجب مما يرى من أناتنا ولو زينته الحرب لم يترمرم

وقول "عتبة بن أبي سفيان، وإلى مصر لمعاوية": "وقد زبنتنا الحرب وزبناها....".

وأيا ما كان أصل الكلمة، فالعربية قد أطلقت الزبانية على مردة الإنس والجن.

وفي المادة: زبانيا العقرب أي قرناها، وفيهما السم الزعاف.

ونقلت الزبانية إلى المصطلح الديني علماً على الملائكة والموكلين بعذاب الخاطئين في جهنم. وبه تفهم آية العلق، في الزبانية يدعوها الخالق ويكل إليها أمر تعذيب هذا الضال المغتر بجاهه وقوته، المدل بناديه.

ولم تحدد الآية صنيع الزبانية، بل تركته على إطلاقه الرهيب، يذهب فيه التصور كل مذهب.

* * *

{كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} .

قال المفسرون إن هاء الضمير في {لَا تُطِعْهُ} لأبي جهل بن هشام.

وظاهر السياق عود الضمير على الذي {كَذَّبَ وَتَوَلَّى} وكذلك الضماءر في الآيتين قبلها: {كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ} ، {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ} .

ص: 33

والسجود في العربية الخضوع، ومنه في القرآن الكريم: سجود الملائكة لآدم بأمر الله، وآية يوسف:{وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} 100.

وكثر استعماله في العبادة من قديم، وفيما يتلو علينا القرآن من نبأ إبراهيم والبيت العتيق:

{وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}

(البقرة 125، ومعها آية الحج 26)

ثم في غشية الوثنية الجاهلية، كان العرب يسجدون لأرباربهم خضوعاً وترباً وزلفى، حتى نسخ الإسلام بنوره ظلام الوثنية وأبطل السجود لغير الخالق، وأخذ السجود دلالته الإصطلاحية على السجدة في الصلاة يتدرج فيها العابد من الوقوف بين يدي الله إلى الركوع، ثم يكون السجود غاية الخشوع. ولعل تسمية دور العبادة الإسلامية بالمساجد، ملحوظ فيما ما في السجود من غاية الخشوع. وأختص البيت العتيق باسم المسجد الحرام، إذ كان أول بيت عُبد فيه الله، وقد جاء بهذا الاسم في خمس عشرةة آية من القرآن الكريم..... ومعه المسجد الأقصى في آية الإسراء. وتخصيص السجود بالذكر في آية العلق، يقبل تأويله بالسجود في الصلاة كما ذهب بعض المفسرين، مع احتفاظه بدلالته الأصلية على غاية الخشوع، استئناساً بما في القرآن الكريم من آيات تخص السجود بالذكر في وصف عباد الله القانتين:

{سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} (الفتح 29)

{أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} (الزمر 9)

{إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا} (الإسراء 107)

{........... إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} (مريم 58)

ص: 34

{وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} (الفرقان 64)

{إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} (السجدة 15)

{الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} (الشعراء 219)

{يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} (آل عمران 113)

ومعها آيات: (الأعراف 206، الشعراء 46، النحل 49، النجم 62)

وأمر الرسول بالسجود في آية العلق، نظيره ما في آيات:

{فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} (الحجر 98)

{فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} (النجم 62)

{وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا} (الإنسان 26)

ويأتي الأقتراب قرين السجود في ختام الآية:

{وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} .

ولا نطمئن إلى تفسير الأقتراب هنا بالتقرب كما ذهب "أبو حيان"، بل نؤثر أن تحتفظ الكلمة بدلالتها على الدنو والقربى من الله تعالى، وإن أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد.

* * *

وإذ يأخذ الأقتراب من الله مكانه ختاماً للآية، وليس بعد القربى من الخالق غاية يطمح إليها العابد الساجد.

يأخذ سجود المصطفى هنا، موضعه المهيب خضوعاً لجلال الخالق، فيصدع خيلاء المفتونين وكبرياء المزهوين، ويكبح غرور الإنسان الذي خلقه الله من علق، وعلمه بالقلم ما لم يعلم، فأطغاه وهم الاستغناء عن خالقه، سبحانه له الآخرة والأولى:

{كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى} .

صدق الله العظيم

ص: 35