الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفي جامع الترمذي بسند حسن عن أسماء بنت يزيد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[اسمُ الله الأعظم في هاتين الآيتين: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163)} [البقرة: 163]. وفاتحة آل عمران: {الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [آل عمران: 1 - 2]] (1).
موضوع السورة
اصطفاء آل عمران على العالمين والثناء على المجاهدين الصابرين على منهاج المرسلين.
-
منهاج السورة
-
1 -
ذكر اسم الله الأعظم بعد افتتاح السورة.
2 -
تعظيم القرآن الذي هو الفرقان بين الحق والباطل والهدى والضلال.
3 -
العزيز العليم الخبير المصور في الأرحام هو الإله الحق المستحق للعبادة.
4 -
القرآن محكم ومتشابه، ومنهاج المؤمنين ردّ المتشابه إلى المحكم لفهمه، وليس في القرآن اختلاف ولا تعارض، وإنما العلم بالوحيين يضيء السبيل.
5 -
قلوب العباد بيد الله، والمؤمنون يسألون الله الهداية والثبات على الحق.
6 -
أموال الكفار وقود أهلها في جهنم، وفي أخذ الله فرعون وجنوده عبرة لكل معتبر.
7 -
اليهود لم يعتبروا بوقعة بدر، وستدور الدوائر عليهم حيث لا مناص ولا مَفَرّ.
8 -
الشهوات من النساء والأولاد والذهب والفضة والخيل والأنعام والحرث فتنة الحياة الدنيا، فما ابتغي به وجه الله من ذلك لقي صاحبه حسن المآب.
9 -
الثناء على المؤمنين الصابرين القانتين المتححدقين والمستغفرين بالأسحار.
10 -
شهادة الله لنفسه بالوحدانية، وكذلك الملائكة وأهل العلم شهدوا وأقرّوا له بالألوهية، فأفردوه بالعبادة والتعظيم.
(1) حديث حسن. أخرجه الترمذي في جامع الدعوات. انظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (2764). ورواه ابن ماجة في السنن (3855)، وإسناده حسن.
11 -
إن الدين عند الله الإسلام، والتصديق بمحمد ومتابعته فرض على الأنام، وإنما أعرض اليهود والنصارى عما في كتابيهما من الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام.
12 -
تحويل النبوة من بني إسرائيل إلى النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم.
13 -
النهي عن اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء من دون المؤمنين، والله يعلم السرائر والعلائن في جميع العالمين.
14 -
ذكر مشهد المحشر وتوزيع الصحف، وتحذير الله عباده هول الموقف.
15 -
تعليق الله محبته من عباده، على متابعة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم على شريعته.
16 -
مريم البتول، تنذرها أمها لخدمة بيت المقدس.
17 -
حمل زوجة زكريا وولادتها بيحيى وهي عجوز عاقر، وبشارة الملائكة مريم بعيسى، الذي سيخلق الطير ويحيي الميت ويشفي الأبرص والأعمى بإذن الله.
18 -
مسؤولية اليهود عن وشايتهم لصلب عيسى قائمة، ولو المصلوب شبيهه.
19 -
أنام الله المسيح ورفعه إليه مكرمًا، وأنقذه من أيدي اليهود القذرة.
20 -
ذلك هو عيسى قول الحق، وحاشا لله أن يتخذ ولدًا سبحانه، وإن كان تأليه المسيح لدى الضالين لأنه بلا أب، فآدم بلا أم ولا أب.
21 -
امتناع وفد نجران عن المباهلة، لتأكدهم من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
22 -
تكذيب دعوى اليهود والنصارى أن إبراهيم كان على دينهم، بل كان حنيفًا على ملة الإسلام، وفضح الله يهود في كتمانهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة ووجوب الإيمان به.
23 -
تكذيب الله اليهود في دعواهم حِلّ أكل أموال العرب لديهم.
24 -
الرسل: لم يأمروا بعبادة أحد إلا الله تعالى وحده لا شريك له.
25 -
النهي عن سؤال أهل الكتاب عن شيء، فليس عندهم هداية إلى الحق وقد ضلوا عنه، والله لا يقبل من أحد دينًا إلا الإسلام، ولا يغفر الشرك والكفر إلا من تدارك نفسه بالتوبة منهما قبل الموت.
26 -
إثبات ميثاق الله على النبيين التبشير بمحمد والتصديق به.
27 -
الكعبة أول بيت وضع لعبادة الله وحده، ومن دخل الحرم كان آمنًا، ووجوب الحج على من استطاع إليه سبيلًا.
28 -
تعنيف الله أهل الكتاب لصدهم عن سبيل الله، ونهيه عن طاعتهم.
29 -
حق التقوى: طاعته تعالى وذكره وشكره وتعظيم حرماته وشعائر دينه.
30 -
امتنان الله على العرب بتأليف قلوبهم على الإسلام، بعد أن كانوا أعداء تمزقهم الحروب والفتن عبر الأيام.
31 -
وصية الله هذه الأمة بعدم الفرقة واجتناب الاختلاف، وإقامة منهاج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
32 -
من اليهود من آمن برسول الله واستقاموا فاستحقوا من الله الثناء.
33 -
الكفر بالله والرسل واليوم الآخر يمنع الكفار من الاستفادة مما بذلوه من الأموال في أعمال الخير والبر.
34 -
نهي المؤمنين عن اتخاذ بطانة من المنافقين أو الكافرين، والله يحفظ المؤمنين من كيد المنافقين.
35 -
القلة المؤمنة الصابرة، تغلب الكثرة الكافرة الفاجرة.
36 -
بدء الخروج إلى معركة أحد، واستعداد الملائكة وآمال النصر، وصلة ذلك اليوم بيوم بدر.
37 -
تحذير المؤمنين من الربا وأمرهم بالطاعة.
38 -
ذكر ما أصابهم يوم أحد وتعزيتهم، وحثهم على طلب الجنة بذكر شجاعة المجاهدين مع أنبيائهم.
39 -
تحذيرهم من إطاعة الكفار، وتأنيبهم لفرارهم عن نبيّهم.
40 -
فضح المنافقين والثناء على الشهداء.
41 -
رعب المشركين وهربهم، لعلمهم بلحوق المؤمنين بهم.
42 -
إخلاف المشركين موعدهم ببدر، وحضور المؤمنين ورجوعهم بنعمة الله.
43 -
البخل بزكاة المال شر مستطير، ويمثل كنزه ثعبانًا يأخذ بشدقي صاحبه يوم القيامة.
44 -
تطاول اليهود وافتراؤهم بقولهم: الله فقير وهم أغنياء، وسيلقون وبال ذلك عليهم.
45 -
الموت حق على كل نفس، وإنما السعيد من زحزح عن النار وأدخل الجنة، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور.
46 -
تهديد أهل الكتاب لكتمانهم نبوته صلى الله عليه وسلم، وتحذير علماء هذه الأمة من كتم العلم.
47 -
المخلوقات في السماء والأرض دالة لأهل العقول على الخلَّاق العظيم، والتفكر في خلق السماوات والأرض يورث الإيمان واليقين.
48 -
الإيذاء في الله، والهجرة إليه، جزاؤه الجنة. والمؤمن لا يغتر بما عليه أهل الكفر من الترف فالعاقبة للمتقين ولهم تمام المنة.
49 -
من آمن من أهل الكتاب بنبيّه ثم أدرك محمدًا صلى الله عليه وسلم وآمن به فله أجران.
50 -
دعوة المؤمنين إلى الصبر والمصابرة والرباط ولزوم منهاج التقوى ليحظوا بالنصر والفلاح.
بسم الله الرحمن الرحيم
1 -
4. قوله تعالى: {الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4)}.
في هذه الآيات: توحيد الله العظيم، وانتصار لقرآنه الكريم، المصدق للتوراة والإنجيل، وفيه كالكتب التي قبله هدى للعالمين، وهو الفرقان بين الحق والباطل، والناسخ لكل الشرائع قبله، والكافرون لهم عذاب أليم.
أما {الم} فهي تفيد الإعجاز، كما مضى في أول سورة البقرة.
وقوله: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} - قد بسطنا معناه أثناء تفسير آية الكرسي.
وقوله: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، بأن القرآن منزّل من عند الله كالكتب التي قبله. قال ابن جرير:(بالحق: يعني بالصدق فيما اختلف فيه أهل التوراة والإنجيل، وفيما خالفك فيه محاجّوك من نصارى أهل نجران وسائر أهل الشرك غيرهم).
وقوله: {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْه} . قال مجاهد: (لما قبله من كتاب أو رسول).
وقوله: {وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ} . قال قتادة: (هما كتابان أنزلهما الله، فيهما بيانٌ من الله، وعصمةٌ من أخذ به وصدّق به، وعمل بما فيه).
وقوله: {وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ} فيه تأويلان:
1 -
قال محمد بن جعفر بن الزيير: {وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ} ، أي: الفصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى وغيره) واختاره ابن جرير.
2 -
قال قتادة: (هو القرآن، أنزله على محمد، وفرّق به بين الحق والباطل، فأحلّ فيه حلاله وحرّم فيه حرامه، وشرع فيه شرائعه، وحذ فيه حدوده، وفرض فيه فرائضه، وبيّن فيه بيانه، وأمر بطاعته، ونهى عن معصيته).
قلت: ولا شك أن الفرقان من أسماء القرآن الكريم، وبه يفرق الله بين الحق والباطل.
وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} . قال محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير:(أي: إن الله منتقم ممن كفر بآياته بعد علمه بها، ومعرفته بما جاء منه فيها).
وقد ذكر ابن هشام في السيرة عن ابن إسحاق أن صدر هذه السورة نزل بسبب وفد نجران، وكانوا نصارى وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة في ستين راكبًا، فيهم من أشرافهم أربعة عشر رجلًا، في الأربعة عشر ثلاثة نفر إليهم يرجع أمرهم: العاقب أميرُ القوم وذو آرائهم واسمه عبد المسيح، والسَّيِّدُ ثِمالهم وصاحب مُجْتَمَعهم واسمه الأيْهم، وأبو حارثة بن عَلْقَمَةَ أخو بني بكر بن وائل أُسقُفْهم وعالمهم، فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم إثر صلاة العصر، عليهم ثياب الحِبَرات جُبَبٌ وأرْدية. فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ما رأينا وفدًا مثلهم جَمالًا وجلالة. وحانت صلاتهم فقاموا فصلوا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم إلى المَشْرِق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دَعُوهم. ثم أقاموا بها أيامًا يُناظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيسى ويزعمون أنه ابن الله، إلى غير دْلك من أقوال شنيعة مضطربة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يردّ عليهم بالبراهين الساطعة وهم لا يبصرون، ونزل فيهم صَدْر هذه السورة إلى نَيِّف وثمانين آية، إلى أن آل أمرهم إلى أن دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المباهلة (1).
5 -
6. قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (5) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6)}.
في هذه الآيات: يخبر تعالى عباده أنه يعلم السر وأخفى، ويعلم ما في السماوات
(1) انظر سيرة ابن هشام (2/ 151 - 155) عن ابن إسحاق مطوّلًا، عن محمد بن جعفر بن الزبير. وذكره الواحدي في أسباب النزول (190)، وانظر تفسير القرطبي، (سورة آل عمران آية (2)).
وما في الأرض، لا يخفى عليه شيء من ذلك.
قال قتادة: ({هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ}: قادر والله ربُّنا أن يصوِّرَ عبادَه في الأرحام كيف يشاء، من ذكر أو أنثى، أو أسود أو أحمر، تام خلقه وغير تام).
وفى الآية تعريض بل تصريح أن عيسى بن مريم عبد مخلوق كغيره من سائر البشر.
قال الربيع: ({هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ}، أي: أنه صوّر عيسى في الرحم كيف شاء). والمقصود: كيف يكون إلهًا كما زعمت النصارى وقد تقلّب في الأحشاء، وتنقّل من حال إلى حال.
وقوله: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} . تأكيد وتنزيه من الله تعالى ذكره نفسه أن يكون له في ربوبيته ندّ أو مِثل، أو أن تجوز الألوهة لغَيره، وتكذيب منه للذين قالوا في عيسى ما قالوا. قال الربيع:{لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ، يقول: عزيز في نقمته، حكيم في أمره).
7 -
9. قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (9)}.
في هذه الآيات: يبين سبحانه لعباده أن في القرآن آيات محكمات، هن أمّ الكتاب، أي: أصله وثوابته، فإليها المرجع عند التحاكم، وآيات أخرى تحتمل التأويل، فيها اشتباه على كثير من الناس أو بعضهم، وإنما منهج المؤمنين أهل العلم برد المتشابه إلى المحكم لفهمه استنادًا إلى ثوابت الدين ومقاصده وأركانه وقواعده، وسؤال الله الثبات على الحق والهداية والبعد عن الزيغ والفتن، والنجاة يوم يجمع الله عباده ويفصل بينهم، إنه الحق ووعده الحق وهو أرحم الراحمين.
أخرج البخاري في صحيحه عن ابن أبي مُليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة رضي الله عنها، قالت:[تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه الآية: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} إلى قوله: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمّى الله فاحذروهم](1).
وفي لفظ لأحمد: (إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله، فاحذروهم)(2). وفي لفظ عند الترمذي: (فإذا رَأَيْتيهم فاعْرِفيهم).
وقد ورد في تفسير المحكم والمتشابه أقوال متقاربة، منها:
1 -
قال ابن عباس: (المحكمات ناسخه، وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه وأحكامه، وما يُؤمر به ويُعمل به). وقال: (المحكمات قوله تعالى: {قُلْ تَعَالوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} والآيات بعدها. وقوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} إلى ثلاث آيات بعدها).
2 -
قال سعيد بن جبير: ({هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} يقول: أصل الكتاب، وإنما سماهنَّ أم الكتاب لأنهن مكتوبات في جميع الكتب). وقال مقاتل بن حيان: (لأنه ليس من أهل دين إلا يرضى بهن).
3 -
وقال يحيى بن يعمر: (الفرائض، والأمر والنهي، والحلال والحرام).
4 -
قال قتادة: (المحكمات: الناسخ الذي يعمل به، ما أحلّ الله فيه حلاله وحرّم فيه حرامه، وأما المتشابهات: فالمنسوخ الذي لا يُعمل به ويُؤمن به).
5 -
قال محمد بن جعفر بن الزبير: ({هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ}، فيهن حجّة الرب، وعصمةُ العباد، ودفعُ الخصوم والباطل، ليس لها تصريف ولا تحريف عمّا وضعت عليه، {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ}، في الصدق، لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد، كما ابتلاهم في الحلال والحرام، لا يُصرفن إلى الباطل ولا يحرّفن عن الحق).
6 -
قال مجاهد: (المتشابهات يصدق بعضهن بعضًا). وهذا كما ذكر في تفسير قوله
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (4547)، ومسلم (2665)، وأبو داود (4598)، وغيرهم.
(2)
حديث صحيح. أخرجه أحمد (6/ 48). قال الحافظ في الفتح (8/ 210): (سمع ابن أبي مُليكة من عائشة كثيرًا. وكثيرًا أيضًا ما يدخل بينهما واسطة).
تعالى: {كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ} ، فالمتشابه الكلام يكون في سياق واحد، والمثاني هو الكلام في شيئين متقابلين، كصفة الجنة وصفة النار، وذكر حال الأبرار وحال الفجار، ونحو ذلك. وأما ها هنا فالمتشابه الذي يقابل المحكم.
وقوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} . قال مجاهد: (شك). وقال محمد بن جعفر بن الزبير: (أي: ميل عن الهدى). وقال ابن جريج: ({الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ}، المنافقون). والمقصود: أهل الضلال والخروج عن الحق ومنهاجه إلى سبل الباطل والأهواء والشبهات.
وقوله: {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} . يعني ما تشابهت ألفاظه وتصرّفت معانيه بوجوه التأويلات، بهدف التلبيس على ضعاف العلم والمعرفة بالدين.
قال ابن عباس: ({فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ}، فيحملون المحكم على المتشابه، والمتشابه على المحكم، ويلبِّسون، فلبَّس الله عليهم). وقال مجاهد: (الباب الذي ضلوا منه وهلكوا فيه ابتغاء تأويله). وقال محمد بن جعفر بن الزبير: ({فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ}، أي: ما تحرّف منه وتصرف، ليصدقوا به ما ابتدعوا وأحدثوا، ليكون لهم حجة على ما قالوا وشُبْهة). وقال السدي: (يتبعون المنسوخ والناسخ فيقولون: ما بال هذه الآية عمل بها كذا وكذا مكان هذه الآية، فتركت الأولى وعُمل بهذه الأخرى؟ هلّا كان العمل بهذه الآية قبل أن تجيء الأولى التي نُسخت؟ وما باله يعد العذابَ مَنْ عمل عملًا يعذبه في النار، وفي مكان آخر: مَنْ عمله فإنه لم يُوجب النار).
وقوله: {ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} فيه أقوال:
1 -
قال السدي: (إرادة الشرك).
2 -
قال مجاهد: {ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} : الشبهات، بها أُهلكوا). أو قال:(والشبهات ما أهلكوا به).
3 -
قال محمد بن جعفر بن الزبير: {ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} ، أي: اللَّبْس). واختاره ابن جرير مع ما قبله. قال الحافظ ابن كثير: {ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} أي: الإضلال لأتباعهم، إيهامًا لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهو حجّة عليهم لا لهم، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وتركوا الاحتجاج بقوله:{إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ} [الزخرف: 59] وبقوله: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59]، وغير ذلك من
الآيات المحكمة المصرحة بأنه خَلْقٌ من مخلوقات الله، وعبدٌ، ورسولٌ من رسل الله).
وقوله: {وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} . يعني: ابتغاء تحريفه على ما يريدون. وقال السدي: (يبتغون أن يعلموا ما يكون وما عواقب الأشياء من القرآن). أو قال: (متى يأتي الناسخ منه فينسخ المنسوخ). والمقصود: أنهم يريدون بذلك ما يوافق أهواءهم.
وقوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} فيه معنيان:
الأول: التأويل بمعنى حقيقة الشيء، وما يؤول أمره إليه من الحقائق الغيبية.
كقوله تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَال يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} [يوسف: 100]. وكقوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} [الأعراف: 53]. والمقصود: حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد.
فبمثل هذه الحقائق التي لا يعلم حقيقة كنهها وظهورها إلا الله، فالوقف هنا على لفظ الجلالة، ثم يستأنف القول:{وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} .
يروي ابن جرير بسنده عن هشام بن عروة قال: (كان أبي يقول في هذه الآية: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله، ولكنهم يقولون: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا}. وكذلك روى عن عمر بن عبد العزيز يقول: (انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا}).
أخرج الطبراني وابن مردويه عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[إن القرآن لم ينزل ليكذّب بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه فآمنوا به](1).
الثاني: التأويل بمعنى التفسير والبيان والإيضاح.
كقوله تعالى: {نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ} [يوسف: 36] والمراد بتفسيره. وهذا التعبير عن فهم الآيات مما يعلمه الراسخون في العلم، فهم يدركون فهم ما خوطبوا به، وإن لم يحيطوا علمًا بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه. وهنا يسوغ الوقف على قوله:{وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} .
(1) حديث حسن. رجاله ثقات، انظر مجمع الزوائد (1/ 171)، وتفسير ابن كثير (1361).
قال ابن عباس: (التفسير على أربعة أنحاء، فتفسير لا يُعْذَرُ أحدٌ في فهمه، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها، وتفسير يعلمه الراسخون في العلم، وتفسير لا يعلمه إلا الله عز وجل.
أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: [سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قومًا يتدارَؤون، فقال: إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضًا، فلا تُكذِّبوا بعضه بعضًا، فما علِمتم منه فقولوا، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه](1).
وفي المسند عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [نزل القرآن على سبعة أحرف، والمراء في القرآن كفر - قالها ثلاثًا - ما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه](2).
وروى ابن جرير بسنده عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قال:(أنا ممن يعلم تأويله).
وقال مجاهد: (يعلمون تأويله ويقولون: آمنا به). وقال الضحاك: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} ، قال: المحكم والمتشابه).
وقوله: {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} . قال الربيع: (يقولون: المحكم والمتشابه من عند ربنا).
أخرج الحاكم بسند صحيح عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد، فنزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زجر، وأمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال. فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: آمنا به كل من عند ربنا](3).
وقوله: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} . قال ابن جرير: (وما يتذكر ويتعظ وينزجر عن أن يقول في متشابه آي كتاب الله ما لا علم له به، إلا أولوا العقول والنهى).
ثم روى عن محمد بن جعفر بن الزبير: (وما يذكر في مثل هذا، يعني: في ردّ
(1) حديث حسن. أخرجه أحمد (2/ 185)، وابن ماجة (85)، ورجاله ثقات، وله شواهد.
(2)
حديث حسن. أخرجه أحمد (2/ 300)، وأبو يعلى (6016)، والطبري (1/ 11)، وله شواهد.
(3)
حديث صحيح. انظر تفسير الطبري (1/ 30)، وكتابي: أصل الدين والإيمان - عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان (1115) لتفصيل البحث.
تأويل المتشابه إلى ما قد عرف من تأويل المحكم، حتى يتسقا على معنى واحد، {إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} ).
وقوله: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} . أى: لا تصرفها عن الهدى بعد إذ أقمتها عليه إلى الضلال والهوى. {وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً} تقوي بها إيمان قلوبنا، فلا تهتز أمام الفتن، ولا تضعف أمام الشهوات.
وقوله: {إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} . يعني: المعطي، فالثبات والتوفيق والسداد والتصديق بيده سبحانه يهب من ذلك من يشاء.
أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن أم سلمة: [أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُكثر في دعائه: اللهم مُقَلِّبَ القلوب، ثبت قلبي على دينك. قالت: قلت: يا رسول الله، وإن القلب ليتقلّب؟ قال: نعم، ما خلق الله من بني آدم من بشر إلا قلبه بين أُصبعين من أصابع الله عز وجل، فإن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه](1).
وله شاهد عند ابن جرير عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: [يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. ثم قرأ: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} (2).
وقوله: {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} . أي باعثهم ومحييهم بعد تفرقهم. قال القرطبي: (وفي هذا إقرار بالبعث ليوم القيامة. قال الزجاج: هذا هو التأويل الذي عَلِمه الراسخون وأقرّوا به، وخالف الذين اتبعوا ما تشابه عليهم من أمر البعث حتى أنكروه).
10 -
11. قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11)}
في هذه الآيات: يخبر الله سبحانه عن مصير من جحد الحق بعدما تبيّن من أمر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، من يهود بني إسرائيل ومنافقيهم ومنافقي العرب وكفارهم، وأن ما أوتوه
(1) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (6/ 302)، والطبري في التفسير (6648)، وله شواهد.
(2)
حسن الإسناد. أخرجه الطبري في التفسير -حديث رقم- (6647)، ويشهد له أحاديث أخرى.
في هذه الحياة الدنيا من أموال وبنين ليس بدافع عنهم عذاب الله يوم القيامة، كما لم يدفع ذلك عن فرعون وقومه والطغاة من قبله.
وفى التنزيل: {فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة: 55]. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن مصير بعض المرائين المنافقين من هذه الأمة الذين اتخذوا القرآن وسيلة للكبر والغرور ومصالح الدنيا، بمثل ما أخبر عن الجاحدين السابقين.
فقد أخرج الطبراني في الكبير بسند حسن عن أم الفضل: [أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ليلة بمكة، فقال: "هل بلّغت"، يقولها ثلاثًا - فقام عمر بن الخطاب وكان أواهًا، فقال: اللهم نعم، وحَرَصتَ، وجَهِدتَ، ونصحْتَ، فاصبر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ليظهَرَنّ الإيمان حتى يُرَدَّ الكفر إلى مواطنه، وليخوضَنّ رجالٌ البحار بالإسلام، وليأتينّ على الناس زمانٌ يقرؤون القرآن، فيقرؤونه ويعلمونه، فيقولون: قد قرأنا، وقد علمنا، فمن هذا الذي هو خير منا؟ فما في أولئك من خير. قالوا: يا رسول الله، فمن أولئك؟ قال: أولئك منكم وأولئك هم وقود النار](1).
وقوله: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} . قال السدي: (ذكر الذين كفروا وأفعال تكذيبهم، كمثل تكذيب الذين من قبلهم في الجحود والتكذيب).
والدأب: المثابرة في العمل والتعب فيه، ثم استخدمته العرب في الشأن والأمر والعادة. قال الربيع:({كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ}، يقول: كسنتهم). وقال الضحاك: (كعمل آل فرعون). وقال مجاهد: (كفعل آل فرعون، كشأن آل فرعون). وقال ابن عباس: (كصنع آل فرعون). والمقصود أن الكافرين لا تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم بل يهلكون ويعذبون كما جرى لآل فرعون والأمم المكذبة قبلهم، فإن الله {شَدِيدُ الْعِقَابِ} والأخذ والعذاب لمن سلك طريقتهم.
12 -
13. قوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ
(1) حديث حسن. أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير"(25/ 27 - 28)، وانظر تفسير ابن كثير - سورة البقرة - آية (10)، وانظر:"صحيح الترغيب"(1/ 133)، كتاب العلم.
اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (13)}.
في هذه الآيات: قل يا محمد للذين كفروا - من اليهود والمشركين - ستغلبون في الدنيا وتحشرون إلى جهنم يوم القيامة. فقد كان لكم عبرة وتفكر في فرقتين التقتا للحرب: فرقة الإيمان يوم بدر، وفرقة الكفر التي تظهر للعين مثلي قوة المسلمين، ومع ذلك فقد نصر الله المؤمنين، فاعتبروا يا أولي الأبصار.
أخرج ابن هشام وابن جرير بسند مرسل عن عاصم بن عمر بن قتادة: [أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصاب من أهل بدر ما أصاب، ورجع إلى المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع، وقال: يا معشر يهود أسلموا قبل أن يُصيبكم الله بما أصاب قريشًا. فقالوا: يا محمد لا يغُرنَّك من نفسك أن قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا؟ فأنزل الله في ذلك قوله: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} - إلى قوله - {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ}](1).
وروى ابن جرير عن عكرمة في قوله: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} : (قال فِنْحاص اليهودي في يوم بدر: لا يغرَّن محمدًا أن غلب قريشًا وقتلهم! إن قريشًا لا تُحسنُ القتال، فنزلت هذه الآية: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ}).
وعن مجاهد: ({وَبِئْسَ الْمِهَادُ}، قال: بئسما مَهدُوا لأنفسهم).
وقوله: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ} . قال قتادة: (عبرة وتفكر). {فِي فِئَتَيْنِ} يعني فرقتين وحزبين، {الْتَقَتَا} للحرب. {فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} هم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كان معه ممن شهدَ يوم بدر. {وَأُخْرَى كَافِرَةٌ} وهم مشركو قريش.
قال مجاهد: (ذلك يوم بدر، التقى المسلمون والكفار).
(1) أخرجه ابن هشام في "السيرة"(2/ 427)، وابن جرير في "التفسير"(6664)، والبيهقي في الدلائل (3/ 174) عن قتادة مرسلًا، ويشهد له ما بعده، فقد أخرجه ابن هشام (2/ 426) والطبري (6663) والبيهقي (3/ 173 - 174) عن ابن عباس وفي سنده محمد بن أبي محمد. قال الذهبي في الميزان: لا يُعرف.
وقوله: {يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ} فيه تأويلان بناء على قراءتين:
القراءة الأولى: قراءة أهل المدينة "ترونهم". والمعنى: ترون أيها اليهود المشركين مِثْلي المسلمين رأي العين، ومع ذلك نصر الله المؤمنين لتعتبروا.
القراءة الثانية: قراءة أهل الكوفة والبصرة وبعض المكيين: "يرونهم مثليهم". أي يرى المسلمون الكفار مثليهم في القدر. وهذه القراءة الأشهر.
وفي الواقع كان المشركون أكثر من ذلك، كما في المسند وسنن أبي داود من حديث علي - في يوم بدر -:[قال: ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم سأله: كم ينحرون من الجزر؟ قال: عشر كل يوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القوم ألف كل جزور لمئة ونيفها](1).
ورواه ابن إسحاق بلفظ: [قال: كم ينحرون كل يوم؟ قالا: يومًا تسعًا، ويومًا عشرًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القوم ما بين التسع مئة والألف](2).
وأما وجه الجمع بين ذلك وبين قوله تعالى: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} [الأنفال: 44]. فالجواب - كما ذكر الحافظ ابن كثير - أن هذا كان في حالة والآخر كان في حالة أخرى.
فقد أخرج ابن جبير عن السدي عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود:{قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ} ، قال:(هذا يوم بدر. قد نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يُضْعفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلًا واحدًا، وذلك قول الله عز وجل: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ}).
وقال أبو إسحاق، عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال:(لقد قُلِّلُوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جانبي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مئة. قال: فأسرنا رجلًا منهم، فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفًا). فعندما عاين كل من الفريقين الآخر، رأى المسلمون المشركين مثليهم، أي: أكثر منهم بالضعف، ليتوكلوا ويتوجهوا ويطلبوا الإعانة من ربهم، عز وجل. ورأى المشركون المؤمنين كذلك ليحصل لهم الرعب
(1) حديث صحيح. رواه أحمد (1/ 117)، وأبو داود (2665)، في أثناء حديث طويل.
(2)
رواه ابن إسحاق في "السيرة". وانظر مسند أحمد (2/ 193)، وصححه أحمد شاكر برقم (948)، وكتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (1/ 544).
والخوف والجزع والهلع. ثم لما حصل التصافُّ والتقى الفريقان، قلّلَ الله هؤلاء في أعين هؤلاء، وهؤلاء في أعين هؤلاء، لِيُقْدِمَ كل منهما على الآخر {لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} أي: ليفرّق بين الحق والباطل، فيظهر كلمة الإيمان على الكفر والطغيان، ويعز المؤمنين ويذل الكافرين، كما قال تعالى:{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} [آل عمران: 123]. وقال هاهنا: {وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} أي: إن في ذلك لمعتبرًا لمن له بصيرة وفهم يهتدي به إلى حكمة الله وأفعاله، وقَدَره الجاري بنصر عباده المؤمنين في هذه الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد (1).
14 -
15. قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15)}
في هذه الآيات: أخبر سبحانه عن أنواع الملاذ التي جعلها في هذه الحياة الدنيا نعمة وفتنة لبني آدم، من النساء والولد والمال والخيل والأنعام والأرض، فإن استمتع بها في طاعة الله ووجهها لإعلاء كلمته كان ذلك سعادة له في الدارين، وما عند الله خير وأبقى.
فبدأ بالنساء، لأنهن أشد فتنة على الرجال من سائر الملذات الأخرى. وقد جاءت السنة الصحيحة بهذا المعنى، في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ما تَرَكْتُ بعدي فتنة، هي أضَرُّ، على الرجال، من النساء](2).
(1) انظر تفسير ابن كثير، سورة آل عمران، الآيتان (12، 13).
(2)
حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (2740)، كتاب الرقاق، باب أكثر أهل الجنة الفقراء، وأكثر أهل النار النساء، وبيان الفتنة بالنساء.
وفي لفظ: [ما تَرَكْتُ بعدي في الناس، فِتْنةٌ أضَرَّ على الرجال من النساء].
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن ابن عباس قال: قال محمدٌ صلى الله عليه وسلم: [اطلعت في الجنة فرأيت أكثرَ أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء](1).
وله شاهد عنده من حديث عِمرانَ بن حُصَيْن، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[إنَّ أقل ساكني الجنة النساء].
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخُدْرِيِّ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[إنّ الدنيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وإن الله مُسْتَخْلِفُكُمْ فيها، فَيَنْظُرُ كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أوّلَ فتنةِ بني إسرائيل كانت في النساء](2).
وأما إن كان القصد الزواج والإكثار من الذرية الصالحة وحصول الإعفاف بهن فهذا أمر قد ندب إليه الشرع في أحاديث، منها:
الحديث الرابع: أخرج الإمام البخاري عن سعيد بن جبير قال: قال لي ابنُ عَبّاس: هل تزوجت؟ قلت: لا، قال:[فتزوَّج فإن خيرَ هذه الأمة أكثرُها نساء](3).
الحديث الخامس: أخرج الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[الدنيا متاعٌ وخيرُ متاع الدنيا المرأة الصالحة](4).
الحديث السادس: أخرج الإمام أحمد والنسائي والحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة، قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي النساء خير؟ قال: [خير النساء التي تسره إذا نظر، وتُطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا مالِها بما يكره](5).
وله شاهد عند الطبراني من حديث عبد الله بن سلام بلفظ:
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (2737)، كتاب الرقاق. الباب السابق. وانظر كذلك -حديث رقم- (2738).
(2)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (2742)، كتاب الرقاق، الباب السابق.
(3)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (5069)، كتاب النكاح، باب كثرَةِ النساء.
(4)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (1469)، كتاب الرضاع، باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة.
(5)
حديث حسن. رواه النسائي (2/ 72)، والحاكم (2/ 161)، وأحمد (2/ 251). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (1838)، وصحيح الجامع الصغير (3293).
[خير النساء مَنْ تُسِرُّكَ إذا أبْصَرْتَ، وتُطيعكَ إذا أَمَرْتَ، وتَحْفَظُ غَيْبَتَكَ في نفسها ومالك](1).
الحديث السابع: أخرج النسائي وأحمد بسند حسن، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[حُبِّبَ إليَّ من دُنياكم: النساء والطيب، وجُعلتْ قرّةُ عيني في الصلاة](2).
الحديث الثامن: أخرج الإمام أحمد بسند حسن من حديث أنس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[تزوجوا الودودَ الولودَ، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة](3).
وله شاهد عند البيهقي من حديث أبي أمامة بلفظ: [تزوجوا فإني مكاثرٌ بكمُ الأممَ، ولا تكونوا كرهبانية النصارى].
وقوله: {وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ} . قال الضحاك: (يعني المال الكثير من الذهب والفضة).
وقوله: {وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ} فيه أقوال:
1 -
قال سعيد بن جبير: (الراعية، التي ترعى). وقال الحسن: (المسرَّحة في الرعي).
2 -
قال مجاهد: ({الْمُسَوَّمَةِ}: المطهَّمة). أو قال: (المطهّمة الحسان). وقال عكرمة: (تسويمها: حُسنها). وقال السدي: {وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ} ، الرائعة). واختاره ابن جرير.
3 -
قال ابن عباس: {وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ} ، يعني المعلَمة). وقال قتادة:(وسيماها شِيَتُها). وقال قتادة: (شِيَةُ الخيل في وجوهها).
4 -
قال ابن زيد: {وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ} : المعدّة للجهاد).
والظاهر أن الراجح ما ذهب إليه ابن جرير من أن الخيل المسومة هي المعلَمة بالشِّيات، الحسان، الرائعة حسنًا من رآها. والمطهمة والمعلمة والرائعة هي معان
(1) حديث صحيح، رجاله ثقات. انظر صحيح الجامع (3294)، والسلسلة الصحيحة (1838).
(2)
حديث حسن. أخرجه النسائي (1/ 67)، وأحمد (3/ 128)، وصحيح الجامع الصغير (3119).
(3)
حديث حسن. أخرجه أحمد (3/ 158)، والبيهقي (7/ 81 - 82)، وانظر صحيح الجامع الصغير (2938)، للشاهد بعده، و (2937) لرواية أبي داود والنسائي.
متقاربة. ويدُل على هذا أن السياق في الآية يقتضي المدح وحسن الوصف لهذه الخيول التي جعلت من الزينة التي يحبها الناس في الحياة الدنيا.
وقوله: {وَالْأَنْعَامِ} . يعني: الإبل والبقر والغنم، فهي ثروة في كل زمان، وللناس ميل إليها لمنافعها الكثيرة في الطعام والشراب واللباس والركوب.
وقوله: {وَالْحَرْثِ} . يعني الأرض المتخذة للزرع والغرس وما ينتج عن ذلك من زينة ومصالح واستمتاع.
وفي مسند الإمام أحمد بسند حسن عن سُويد بن هُبيرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[خيرُ مال امرئ له مُهْرَةٌ مأمورة، أو سِكّةٌ مأبورة](1).
والمأمورة: الكثيرة النَّسلِ، والسِّكَّةُ: النخل المصطف، والمأبورة: المُلْقَحَة.
وفي المسند وجامع الترمذي بسند صحيح عن أبي قتادة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[خيرُ الخيلِ الأدهمُ، الأقرَحُ الأرثمُ، المحجَّلُ ثلاثٌ، مطلَقُ اليمين، فإن لم يكن أدْهَمَ فَكُمَيْتٌ على هذه الشِّية](2).
الأدهم: أي الأسود. والأقرح: ما كان في جبهته قرحة، وهو بياض يسير دون الغرة، والمحجل: الذي في قوائمه بياض. الأرثم: الذي أنفه أبيض وشفته العليا. مطلق اليمين: أي يده اليمنى ليس فيها تحجيل. (فكميت) هو الذي لونه بين السواد والحمرة. والشية: كل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره.
وفي جامع الترمذي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [يُمْنُ الخَيْلِ في الشُّقْرِ](3).
وقوله: {ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} . أي: كل ذلك مما يُستمتع به في هذه الدنيا الفانية ويحرص عليه الناس لقضاء شهواتهم، وقليلٌ مَنْ يَصْرِفُهُ في طاعة الله والتقوي على إقامة دينه في الأرض.
(1) حديث حسن. أخرجه أحمد (3/ 468)، والطبراني في الكبير (6470)، ورجال أحمد ثقات.
(2)
حديث صحيح. أخرجه الترمذي في الجامع -حديث رقم- (1763)، باب ما يستحب من الخيل. وانظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (3268).
(3)
حسن صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (1386) الباب السابق، وصحيح المشكاة (3879).
قال عمر: (تمعْدَدوا (1) واخْشَوشِنوا واقطعوا الرّكُبَ (2) وثبوا على الخيل وَثْبًا لا تغلبنّكم عليها رعاة الإبل).
وقوله: {وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} . أي حسن المنقلب، وهي الجنة.
وقوله: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} . أي: قل يا محمد للناس: هل أخبركم عن بديل هذه الزينة الزائلة التي سترحلون عنها بين عشية وضحاها، إنه هذا النعيم الخالد في جنات الله المستقرة التي تَتَخَرَّقُ الأنهار بين جوانبها وأرجائها وتحت أشجارها وثمارها، والتي فيها ما لذّ وطاب من كل بهجة وسرور، وشراب من لبن وعسل وماء وخمور، ولطيف العيش في جوار النساء الحور، فهن {وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} من الدنس والخبث والأذى، والحيض والنفاس وما يعتري نساء الدنيا من الأمور، {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ} فهو غاية سعادة الدنيا والآخرة، أن يحظى المؤمن برضوان ربه فلا يسخط عليه بعده أبدًا.
وفي التنزيل: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} [التوبة: 72]. أي: أكبر من كل سعادة ولذة.
أخرج الحاكم وابن حبان بسند صحيح عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله عز وجل: هل تشتهون شيئًا فأزيدكم؟ فيقولون: ربنا وما فوق ما أعطيتنا؟ قال: فيقول: رضواني أكبر](3).
وقوله: {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} قال القرطبي: (وعد ووعيد).
16 -
17. قوله تعالى: {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا
(1) تمعدد الغلام: إذا شب وغلظ.
(2)
هي كل ما يركب من دابة. أو هي الرواحل من الإبل. فأمرهم بملازمة الخيل ورياضة أبدانهم بالوثوب عليها.
(3)
حديث صحيح. أخرجه الحاكم (1/ 82)، وابن حبان (2647) من حديث جابر بن عبد الله، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (1336).
وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (17)}.
في هذه الآيات: نَعْتٌ للمتقين أهل السعادة في الدارين. فهم يقولون: ربنا إننا صدّقنا بك وبنبيك وما جاء من عندك، فاستر علينا ذنوبنا، بعفوك عنها، وتجاوزك عن عقوبتنا عليها، وادفع عنا عذاب النار فنجنا منها إلى دار الخلود والنعيم. وهم الصابرون، والصادقون، والقانتون، والمنفقون أموالهم في طاعة الله، والمستغفرون بالأسحار.
وعن قتادة: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ} . "الصادقين" قوم صدقت أفواههم واستقامت قلوبهم وألسنتهم، وصدقوا في السرّ والعلانية، و {الصَّابِرِينَ} قوم صبروا على طاعة الله، وصبروا عن محارمه، والقانتون هم المطيعون لله).
وأما {المنفقون} فهم الباذلون من أموالهم في ألوان الطاعات، وصلة الأرحام والقرابات، ومواساة ذي الحاجات، وسدّ الخلات، من الزكوات والصدقات.
وقوله: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} . قال قتادة: (هم أصل الصلاة. قال: يصلون بالأسحار). وقال زيد بن أسلم: (هم الذين يشهدون الصبح).
قال ابن جرير: (هم السائلون ربهم أن يستر عليهم فضيحتهم بها). وقال: (وقد يحتمل أن يكون معناه: تعرّضُهم لمغفرته بالعمل والصلاة. غير أن أظهر معانيه ما ذكرناه من الدعاء).
قلت: والأسحار: جمع "سَحَر"، وهو وقت مبارك للدعاء والاستغفار والصلاة، وقد حفلت السنة الصحيحة بذكر ذلك، في أحاديث، نذكر منها:
الحديث الأول: يروي البخاري ومسلم وأحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [يَنْزِلُ ربنا تبارك وتعالى كُلَّ ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلثُ الليل الآخِرُ يقول: مَنْ يدعوني فأستجيبَ لَهُ، مَنْ يَسْألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغْفِرَ له](1).
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (1145)، كتاب التهجد، وأخرجه مسلم برقم (758)، ورواه أحمد في المسند (2/ 387).
الحديث الثاني: يروي البخاري عن الأسود قال: سألت عائشة رضي الله عنها كيف صلاةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل؟ قالت: [كان ينامُ أوَّلَهُ ويقومُ آخِرَهُ فيصلّي، ثم يرجع إلى فراشه، فإذا أذَّنَ المؤذن وَثَبَ، فإن كانَتْ به حاجةٌ اغتسل وإلا توضأ وخرج](1)
قال البخاري: (وقال سلمانُ لأبي الدرداء رضي الله عنهما: نَمْ، فلما كان من آخِر الليل قال: قمْ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: صدقَ سلمان).
الحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح عن عمرو بن عبسة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[أقرب ما يكونُ الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن](2).
الحديث الرابع: أخرج الشيخان وأحمد وأصحاب السنن عن عائشة رضي الله عنها قالت: [مِن كُلِّ الليل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوله وأوسطه وآخره، فانتهى وتره إلى السَّحَر](3).
وروى ابن أبي حاتم عن نافع قال: (وكان عبد الله بن عمر يصلي من الليل، ثم يقول: يا نافع هل جاء السحر؟ فإذا قال: نعم، أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح). وروى ابن جرير بسنده عن إبراهيم بن حاطب، عن أبيه قال: (سمعت رجلًا في السحر في ناحية المسجد وهو يقول: ربِّ أمرتني فأطعتك، وهذا سحرٌ فاغفر لي. فنظرت فإذا هو ابن مسعود رضي الله عنه.
18 -
20. قوله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (1146)، كتاب التهجد، باب من نام أول الليل وأحْيا آخره.
(2)
حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (3579). انظر صحيح سنن الترمذي (2833). وانظر صحيح الترغيب (2/ 276)، وصحيح الجامع الصغير (1184).
(3)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (996) ومسلم (745)، وأحمد (6/ 46)، وأبو داود (1435) والنسائي (3/ 230)، والترمذي (456)، وابن ماجة (1185)، ورواه ابن حبان والبيهقي.
بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20)}.
في هذه الآيات: شهد الله سبحانه أنه المتفرد بالإلهية، الغني عما سواه، وأن جميع الخلق عبيد محتاجون لرحمته. وأن الدين عنده هو الإسلام، ومن ابتغى غيره فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين.
قال السدي: ({شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ} إلى {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، قال: الله يشهد هو والملائكة والعلماء من الناس: أنَّ الدين عند الله الإسلام).
وقوله: {وَأُولُو الْعِلْمِ} . خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام، وبيان لفضل أهل العلم، ومكانة العلم والعلماء.
وقوله: {قَائِمًا بِالْقِسْطِ} في محل نصب على الحال، قال مجاهد:{بِالْقِسْطِ} : بالعدل). والمقصود أنه سبحانه هو الذي يلي العدل بين خلقه.
وقوله: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} تأكيد لما سبق من تفرده سبحانه بالألوهية وكمال التعظيم، وهو العزيز في كبريائه وعظمته، فلا يرام جَنابُه، وهو الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.
وقوله: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} . إخبار منه سبحانه أنه لا يقبل من أحد إلا الإسلام، كما قال جل ذكره:{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} .
قال قتادة: ({إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ}، والإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء به من عند الله، وهو دين الله الذي شرع لنفسه، وبعث به رسله، ودلّ عليه أولياءه، لا يقبل غيره، ولا يجزي إلا به).
وقال أبو العالية: (الإسلام: الإخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وسائر الفرائض لهذا تَبَعٌ).
وقوله: {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} . قال الربيع: قال أبو العالية: (إلا من بعد ما جاءهم الكتاب والعلم، بغيًا على الدنيا، وطلبَ ملكها وسلطانها، فقتل بعضهم بعضًا على الدنيا، من بعد ما كانوا علماءَ الناس).
وقوله: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} . أي: سريع الإحصاء. قال مجاهد: (إحصاؤه عليهم).
وقوله: {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ} . قال محمد بن جعفر بن الزبير: ({فَإِنْ حَاجُّوكَ} أي: بما يأتونك به من الباطل، من قولهم: "خلقنا، وفعلنا، وجعلنا، وأمرنا"، فإنما هي شبه باطلة قد عرفوا ما فيها من الحق، {فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ}). وقال ابن جرير فيها: (فإن حاجَّك، يا محمد، النفر من نصارى أهل نجران في أمر عيسى صلوات الله عليه، فخاصموك فيه بالباطل، فقل: انقدت لله وحده بلساني وقلبي وجميع جوارحي، وإنما خصّ جل ذكره بأمره بأن يقول: {أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ}، لأن الوجه أكرمُ جوارح ابن آدم عليه، وفيه بهاؤه وتعظيمه، فإذا خضع وجهه لشيء، فقد خضع له الذي هو دونه في الكرامة عليه من جوارح بدنه).
وقوله: {وَمَنِ اتَّبَعَنِ} أي. وأسلم من اتبعني أيضًا وجهه لله معي.
وقوله: {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا} . يعني: وقل يا محمد لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، والأميين: الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب، هل أسلمتم وأفردتم التوحيد والتعظيم لله سبحانه وتركتم الأوثان والأنداد فكفرتم بها، فإن انقادوا لذلك فقد أصابوا سبيل الحق والمؤمنين، {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}. يعني: إن أعرضوا فقد أعذرت من أنذرت والله يتولى الأمر، فيعلم من يستحق الهداية ممن يستحق الغواية والضلال.
فائدة: هذه الآية تشير إلى عموم دعوته صلى الله عليه وسلم إلى سائر الأمم.
قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالمِينَ}
وقال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالمِينَ نَذِيرًا} .
وقال تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} .
وقد حفلت السنة الصحيحة بذلك المعنى في أحاديث، منها:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[والذي نفس محمد بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلتُ به، إلا كان من أصحاب النار](1).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم، واللفظ له، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [أُعطيت خَمْسًا لم يُعْطَهُنَّ أَحدٌ قبلي: كان كُلُّ نَبيٍّ يُبْعثُ إلى قومه خاصة، وَبُعِثْتُ إلى كلِّ أحمرَ وأسودَ. وأُحِلَّتْ لِيَ الغنائمُ، ولم تُحَلَّ لأحدٍ قبلي. وجُعِلتْ لي الأرضُ طيبةً طهورًا ومسجدًا، فَأيُّما رَجُلٍ أدركتْهُ الصلاةُ صلّى حيث كان، ونُصِرْتُ بالرعب بين يَديْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ، وأعطيت الشفاعة](2).
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[فُضِّلْتُ على الأنبياء بِسِتٍّ: أُعطيت جوامِعَ الكلم، ونُصِرْتُ بالرُّعْب، وأُحِلَّتْ لي المغانم، وجُعلت لي الأرض طهورًا ومَسْجدًا، وأُرسِلْتُ إلى الخلق كافة، وَخُتِمَ بي النبيون](3).
الحديث الرابع: أخرج البخاري في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن أنس رضي الله عنه:[أن غلامًا يهوديًّا كان يضع للنبي صلى الله عليه وسلم وضوءه، ويناوله نَعْلَيه، فَمَرِضَ فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فدخل عليه وأبوه قاعد عند رأسه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا فلان، قل: لا إله إلا الله. فنظر إلى أبيه، فسكت أبوه، فأعاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى أبيه، فقال أبوه: أطع أبا القاسم، فقال الغلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: الحمد لله الذي أخرجه بي من النار](4).
21 -
22. قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ
(1) حديث صحيح. رواه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (153)، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته.
(2)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (521)، وأخرجه البخاري (335)، (3122)، وأحمد (3/ 304).
(3)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (523)، كتاب المساجد ومواضع الصلاة.
(4)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (1356)، وأحمد (3/ 280)، وأبو داود (3095).
حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (22)}.
في هذه الآيات: إن الكفرة الذين جمعوا إلى كفرهم بآيات الله قتل الأنبياء والعلماء والصالحين لهم عذاب أليم. فهم الذين أحبط الله أعمالهم في الدارين، وما لهم من أولياء ولا ناصرين.
يروي ابن جرير بسنده عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: (ثم جمع أهل الكتابين جميعًا، وذكر ما أحدثوا وابتدعوا، من اليهود والنصارى، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ} إلى قوله: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ}).
فالآية ذمٌّ لأهل الكتاب فيما صدر منهم من اجتراح للمحارم وارتكاب للآثام، ومن أشد ذلك قتلهم النبيين بغير حق.
أخرج الإمام أحمد بسند جيد عن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[أشد الناس عذابًا يوم القيامة: رجل قتله نبي، أو قتل نبيًّا، وإمام ضلالة، وممثل من الممثلين](1).
ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" بلفظ: [أشد الناس عذابًا يومَ القيامة رجلٌ قتلَ نبيًّا أو قتله نبيٌّ، أو رجلٌ يضلُّ الناس بغير علم، أو مصور يصوّر التماثيل].
وقوله: {وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ} . قال قتادة: (هؤلاء أهل الكتاب، كان أتباع الأنبياء ينهونهم ويذكِّرونهم، فيقتلونهم).
وهذا شأن الطغاة على مدار الزمان، يرون في رجال الحق مصدر قلق عليهم، وموضع ضرر على شهواتهم وكبرهم في الأرض، فيقتلونهم لئلا يكشف أمرهم وينفض الناس عنهم، وهذا هو غاية البغي والكبر والعلو في الأرض بالظلم.
(1) حديث حسن. أخرجه أحمد (1/ 407)، وانظر معجم الطبراني "الكبير"(3/ 80/ 2)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (281)، وصحيح الجامع الصغير، حديث رقم (1011).
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرّةٍ من كِبر. قال رجل: إن الرجل يحبُّ أن يكون ثوبُه حسنًا، ونَعْلُهُ حسنةً. قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكِبْرُ: بَطَرُ الحقِّ وغَمْطُ الناس](1).
فقابلهم الله بكبرهم وطغيانهم أن هيأ لهم عذابًا موجعًا بعد أن أحبط أعمالهم في الدنيا والآخرة، ولا سبيل لهم إلى النجاة من عذابه وعقابه.
23 -
25. قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (25)}.
في هذه الآيات: فَضْحُ سبيل اليهود في كذبهم، وتأكيد عذاب النار الواقع بهم.
قال قتادة: ({أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ}، الآية، قال: هم اليهود، دُعوا إلى كتاب الله وإلى نبيه، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم، ثم يتولون وهم معرضون).
وقوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} . قال الربيع: (قالوا لن نعذب في النار إلا أربعين يومًا. قال: يعني اليهود. وقال: هي الأيام التي نصبوا فيها العجل). وقال قتادة: (قالوا: لن تمسنا النار إلا تحلة القسم التي نصبنا فيها العجل، ثم ينقطع القسم والعذاب عنا، قال الله عز وجل: {وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}، أي قالوا: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}).
وقوله: {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ} أي: كيف يكون حالهم وقد سقطوا
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (91)، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه.
في قبضة العدل، لينالوا نصيبهم لقاء كذبهم وظلمهم وقتلهم للأنبياء والمؤمنين، {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} .
26 -
27. قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27)}.
في هذه الآيات: إثبات الملك كله لله، وأن العطاء والمنع بيد الله، فهو المعزّ المُذِلّ مولج الليل في النهار والنهار في الليل، وهو المحيي والمميت والرزاق بغير حساب.
فقوله: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ} . يقول تعالى ذكره: قل يا محمد، مقدسًا ربك معظمًا له ولقدرته في جبروته. يروي ابن جرير بسنده عن محمد بن جعفر بن الزبير:(قوله: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ}، أي: ربَّ العباد الملكَ، لا يقضي فيهم غيرك).
والمعنى: الملك كله بيد الله، يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويأتي بملوك بعد ملوك.
أخرج الإمام مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن أبي هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[لا تسبوا الدهر، فإن الله عز وجل قال: أنا الدهر، الأيام والليالي لي أجددها وأبليها، وآتي بملوك بعد ملوك](1). وفي لفظ لمسلم: [قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يقول: يا خيبة الدهر، فلا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر، أقلب ليله ونهاره، فإذا شئت قبضتهما].
وأخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، من حديث عُبيد الله بن رُفاعة عن أبيه قال: [لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استووا حتى أثني على ربي، فصاروا خلفه صفوفًا، فقال: اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسطَ لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضل لمن هديت،
(1) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم -حديث رقم- (1813)، (1814)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (2/ 882) لتفصيل هذا البحث.
ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، .... ] الحديث (1).
وقوله: {وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ} . أي: بإعطائه الملك والسلطان، وبسط القدرة له، أو بسلبه الملك وتسليط العدو والذل عليه.
وجاء في قنوت الوتر الذي علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي رضي الله عنه: [وإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت]. أخرجه ابن خزيمة بسند صحيح.
وفي المسند وصحيح ابن حبان عن المقداد بن الأسود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عِزًّا يعز الله به الإسلام، وذلًا يذل به الكفر](2).
وقوله: {بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} . يعني: إن ذلك بيدك لا إلى غيرك، إذ لا يقدر على هذا غيرك بسلطانك وقدرتك، قال تعالى:{يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} [الروم: 54].
وقوله: {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} . أي: تزيد في طول هذا وتنقص من طول هذا فيعتدلان، على مدار السنة في الفصول الأربعة.
قال ابن عباس: (ما نقص من النهار يجعله في الليل، وما نقص من الليل يجعله في النهار). وقال قتادة: (هو نقصان أحدهما في الآخر). وقال الضحاك: (يعني أنه يأخذها أحدُهما من الآخر، فيكون الليل أحيانًا أطول من النهار، والنهار أحيانًا أطول من الليل).
وقال ابن زيد: (هذا طويل وهذا قصير، أخذ من هذا فأولجه في هذا، حتى صار هذا طويلًا وهذا قصيرًا).
وقوله: {وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} . يعني: النطفة تخرج من الرجل وهي ميتة وهو حي، ويخرج الرجل منها حيًّا وهي ميتة.
(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد (3/ 424)، ورجاله رجال الصحيح. وانظر كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة، البحث (41)(ج 2/ ص 740).
(2)
حديث صحيح. أخرجه ابن حبان في "صحيحه"(1631 - 1632). ورواه أحمد والطبراني من حديث المقداد بن الأسود رضي الله عنه. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (1/ 3) ص 7.
قال مجاهد: (الناس الأحياء من النُّطف والنُّطف ميتة، ويخرجها من الناس الأحياء، والأنعام).
وهناك تفاسير أخرى تصب في المعنى:
1 -
قال عكرمة: (النخلة من النواة والنواة من النخلة، والحبة من السنبلة والسنبلة من الحبة). وقال: (هي البيضة تخرج من الحي وهي ميتة، ثم يخرج منها الحي).
2 -
قال الحسن: ({وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ}، يعني المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والمؤمن عبد حيُّ الفؤاد، والكافر عبدٌ ميتُ الفؤاد).
3 -
قال ابن زيد: (النطفة ميتة، فتخرج منها أحياء. قال: تخرج النطفة من هؤلاء الأحياء، والحبُّ ميتٌ تخرج منه حبًّا. قال: تخرج من هذا الحيّ حبًا ميتًا).
وخلاصة المعنى: تخرج الحياة من النطفة الميتة، وتخرج الزرع من الحب، والحب من الزرع، والنخلة من النواة، والنواة من النخلة، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، وما جرى هذا المجرى من جميع الكائنات والأشياء.
وقوله: {وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} . أي: تغدق المال والخير على من تشاء مما لا قدرة على إحصائه، وتقتّر على آخرين كيف شئت، فلك الحكمة الكاملة في القبض والبسط.
أخرج الإمام أحمد عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[إن الله تعالى هو الخالق، القابضُ، الباسطُ، الرازق، المُسَعِّرُ، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحدٌ بمظلمة ظلمتها إياه في دمٍ ولا مال](1).
28.
قوله تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ
(1) حديث صحيح. رواه أحمد بسند صحيح. انظر صحيح الجامع (1842)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (1/ 386)، ورواه أهل السنن إلا النسائي. انظر صحيح أبي داود (2945).
ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)}.
في هذه الآية: نهي من الله سبحانه المؤمنين أن يتخذوا أعوانًا لهم من الكافرين أو أنصارًا وظهورًا، ومن يفعل ذلك يبرأ من الله عز وجل.
قال ابن عباس: (نهى الله سبحانه المؤمنين أن يُلاطفوا الكفار أو يتخذوهم وليجة من دون المؤمنين، إلا أن يكون الكفارُ عليهم ظاهرين، فيظهرون لهم اللُّطف، ويخالفونهم في الدين. وذلك قوله: {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً}). قال: (التقاة التكلم باللسان، وقلبه مطمئن بالإيمان). وقال مجاهد: (إلا مصانعةً في الدنيا ومخالفة).
وقال أبو العالية: (التقيَّة باللسان وليس بالعمل). وقال عكرمة: (ما لم يُهرق دم مسلم، وما لم يستحل ماله).
قال البخاري: (قال الحسن: التقيَّةُ إلى يوم القيامة). وكذلك حكى البخاري عن أبي الدرداء، أنه قال:(إنا لَنكشرُ في وُجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم).
وقال قتادة: ({إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً}، الرحم من المشركين، من غير أن يتولوهم في دينهم، إلا أن يصل رحمًا له في المشركين). وقال الحسن فيها: (صاحبهم في الدنيا معروفًا، الرحم وغيره. فأما في الدين فلا).
قلت: والأول أظهر، فالرحم يستثنى منه الوالدان بحسن الصحبة مع مخالفة الشرك إذا كانا عليه، والسياق يدل أكثر على المعنى الأول.
وقوله: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} . أي: يخوفكم بطشه وغضبه إن واليتم الكفار.
وقوله: {وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} . أي لله مرجعكم ومصيركم إذا خرجتم من قبوركم للحساب.
29 -
30. قوله تعالى: {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ
مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30)}.
في هذه الآيات: إن الله يعلم السر من عباده وأخفى. ويكشف لكل امرئ يوم الحساب ما ترك لنفسه من العمل وأبقى، والله تعالى يحذر عباده مغبة مخالفة التقوى.
قال السدي: (أخبرهم أنه يعلم ما أسرّوا من ذلك وما أعلنوا، فقال: {إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ}).
وقوله: {وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} . أي: فكيف يخفى عليه موالاتكم لأعدائه أو ما أخفيتم في صدوركم لهم من الميل والمودة والمحبة، وهو يعلم السر في السماوات والأرض ولا يخفى عليه من ذلك شئ. {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}: فلو شاء عاجلكم بالعقوبة على ما ظهر من موالاتكم لأعدائه الكافرين، فانتبهوا وانتهوا.
وقوله: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا} . قال قتادة: (موفَّرًا).
وقوله: {وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} . قال الحسن: (يسر أحدَهم أن لا يلقى عمله ذاك أبدًا، يكون ذلك مُناه. وأما في الدنيا فقد كانت خطيئة يستلذّها).
وقوله: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} . قال الحسن: (من رأفته بهم أن حذّرهم نفسه).
31 -
32. قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32)}.
في هذه الآيات: إن صدق محبة الله تعالى تعني اتباع نبيّه صلى الله عليه وسلم واتخاذه أسوة، فذلك الذي يورث محبة الله عباده ومغفرة ذنوبهم. إن طاعة الله وطاعة رسوله فيهما النجاة كل النجاة، والكافرون لهم عذاب أليم.
قال الحسن البصري: (زعم قوم أنهم يحبون الله، فابتلاهم الله بهذه الآية، فقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}).
والمقصود أن من ادّعى محبة الله تعالى، فالحَكَمُ هو التزامه منهج السيرة النبوية العطرة، والسنة المحمدية المطهرة، وإلا فما أكثر الادعاء والكذب.
وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ](1). وفي لفظ: [من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ].
وجاء في الشرح والإبانة (153) عن الفضيل بن عياض يقول: (أدركت خيار الناس كلهم أصحاب سنة ينهون عن أصحاب البدع).
وذكر اللالكائي (1/ 65): قيل لأبي بكر بن عياش (ت 194 هـ): من السني؟ قال: (الذي إذا ذكرت الأهواء لم يتعصب إلى شيء منها).
وعند الدارمي عن الحسن البصري قال: (فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي، الذين لم يذهبوا مع أهل الأتراف في إترافهم، ولا مع أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، فكذلك إن شاء الله فكونوا).
وجاء في مقدمة صحيح مسلم (1/ 15) عن ابن سيرين (ت 110 هـ) يقول: (لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سمُّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم).
وقوله: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} . أي ببركة صدق اتباعكم لرسوله صلى الله عليه وسلم يتجاوز الله عما مضى من زلاتكم ومعاصيكم، {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .
وقوله: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} . تأكيد للأمر، وبيان لسبيل النجاة.
وقوله: {فَإِنْ تَوَلَّوْا} . تهديد ووعيد لمن ارتضى غير ذلك. {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} فيه وصف بالكفر لمخالفة طريق النبوة، والله لا يحب الكفر ولا الكافرين.
33 -
34. قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (1718)، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، وردّ محدثات الأمور.
عَلَى الْعَالمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34)}.
في هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن المصطفين الأخيار: آدم ونوح وآل إبراهيم وآل عمران في ذرية الأبرار.
قال قتادة: (ذكر الله أهل بيتين صالحين، ورجلين صالحين، ففضلهم على العالمين، فكان محمدٌ من آل إبراهيم). وقال الحسن: (فضلهم الله على العالمين بالنبوّة، على الناس كلهم، كانوا هم الأنبياء الأتقياء المصطفين لربهم).
وقوله: {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ} . يعني في الموالاة في الدين وتعظيم الحق.
قال قتادة: {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ} ، يقول: في النية والعمل والإخلاص والتوحيد له). وفي نصب "ذرية" وجهان أو أكثر، فهي إما منصوبة على الحال، أي في حال كون بعضهم من بعض، أي ذرية بعضها من ولد بعض. أو هي بدل، والتقدير: اصطفى ذرية بعضها من بعض. أو هي منصوبة على القطع، والتقدير: إن الله اصطفى آل إبراهيم وآل عمران {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ} .
والمراد بعمران والد مريم بنت عمران، أم عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام. وقوله:{وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} . قال ابن جرير: (يعني بذلك: والله ذُو سمع لقول امرأة عمران، وذو علم بما تضمره في نفسها، إذ نذرت له ما في بطنها محررًا).
35 -
36. قوله تعالى: {إِذْ قَالتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36)}.
في هذه الآيات: لجوء أم مريم عليها السلام إلى الله تعالى بالدعاء، ليتقبَّل ما في بطنها خالصًا للعبادة وخدمة بيت المقدس، وليعيذ المولودة مريم وذريتها من الشيطان الرجيم.
وقوله: {امْرَأَتُ عِمْرَانَ} . هي أم مريم عليها السلام، وهي حنَّةُ بنت فاقوذ جدّة عيسى عليه السلام. زوجها عمران. قال محمد بن إسحاق: (تزوج زكريا وعمران
أختين، فكانت أمّ يحيى عند زكريا، وكانت أم مريم عند عمران، فهلك عمران وأم مريم حاملٌ بمريم). قال:(وكانت امرأة لا تحمل، فرأت يومًا طائرًا يَزُقُّ فرخه، فاشتهت الولد، فدعت الله تعالى أن يَهَبَها ولدًا، فاستجاب الله دعاءها، فواقعها زوجها، فحملت منه، فلما تحققت الحمل نذرت أن يكون محررًا أي: خالصًا مفرغًا للعبادة ولخدمة بيت المقدس، فقالت: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}). أي: السميع لدعائي، العليم بنيتي.
وقال مجاهد: ({مُحَرَّرًا}: خادمًا للبِيعة). أو قال: (خادمًا للكنيسة). وقال الشعبي: (جعلته في الكنيسة، وفرّغته للعبادة). وقال الضحاك: (جعلت ولدها لله، وللذين يدرسُون الكتاب ويتعلَّمونه).
وقوله: {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا} يعني ولدتها. {قَالتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} أي: ولدت النذيرة أنثى.
وقوله: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} فيه قراءتان: الأولى: "وضعتُ". والثانية: "وضعتْ" وهي الأشهر عند القراء.
وقوله: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} . أي في القوة والخدمة والجَلَد في العبادة والقيام بشؤون المسجد الأقصى. قال ابن إسحاق: (لأن الذكر هو أقوى على ذلك من الأنثى). وقال عكرمة: ({وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى}: يعني: في المحيض، ولا ينبغي لامرأة أن تكون مع الرجال، أمها تقول ذلك).
وقوله: {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} . قال ابن كثير: (فيه دليل على جواز التسمية يوم الولادة كما هو الظاهر من السياق، لأنه شرع من قبلنا، وقد حُكي مقررًا).
وقد جاء في السنة الصحيحة ما يؤيد ذلك، في أحاديث:
الحديث الأول: روى مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [وُلِدَ لي الليلةَ غلامٌ، فَسَمَّيْتُهُ باسم أبي، إبراهيمَ عليه السلام](1).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم - واللفظ له - من حديث جابر قال: [ولد لرجل منا غلامٌ، فسماه محمدًا، فقال له قومه: لا نَدَعُكَ تُسَمِّيَ باسمِ رسول الله صلى الله عليه وسلم،
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (2315)، وأبو داود (3126)، وأحمد (3/ 194).
فانطلق بابنه حاملَهُ على ظهره، فَأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، وُلِدَ لي غلامٌ، فَسَمَّيْتُه مُحمّدًا، فقال لي قومي: لا نَدَعُكَ تُسَمِّي باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تَسَمَّوْا باسمي ولا تَكْتَنُوا بِكُنْيتي، فإنما أنا قاسم، أقسِمُ بينكم] (1).
ولفظ البخاري: [يا رسول الله: وُلد لي الليلة وَلَدٌ، فما أسمِّيه؟ قال: أسْمِ ابنك عبد الرحمن].
الحديث الثالث: أخرج الشيخان وأحمد وأبو داود عن أنس بن مالك قال: [ذَهَبْتُ بعبد الله بن أبي طلحة الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وُلِدَ، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم في عَبَاءة يَهْنَأُ (2) بعيرًا له، فقال: ها معك تمرٌ؟ فقلت: نعم، فناولته تَمَرات، فألقاهن في فيه، فَلاكَهُنَّ ثم فَغَرَ فا (3) الصبي فمجَّهُ في فيه، فجعل الصبي يتلمَّظُهُ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حُبُّ الأنصار التَّمْرُ. وسمّاه عبدَ الله](4).
قلت: وأما حديث سَمُرَة بن جُندب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:[كُلُّ غلام رهين بعقيقته، يُذْبح عنه يوم سابعه، ويُسَمَّى، ويُحْلَقُ رأسه](5). فيحمل عندئذ على إشهار الاسم بين الناس إن كان قد سَمّاه.
وقوله: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} . يعني: إني أجعل مَعاذها ومَعاذ ذريتها من الشيطان الرجيم، بك. فاستجاب الله دعاءها فأعاذها من الشيطان، وأعاذ ذريتها، وهو ولدها عيسى عليه السلام.
ففي الصحيحين والمسند عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ما من مولود يولَدُ إلا مسّه الشيطان حين يولد، فيستَهِلُّ صارخًا من مَسّه إياه، إلا مريم وابنها. ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}](6).
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (2133)، كتاب الآداب، وأخرجه البخاري (6186).
(2)
أي: يطليه بالقطران، ويصح يَهْنِئ بكسر النون أيضًا.
(3)
أي: فتح فم الصبي.
(4)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (2144) واللفظ له، والبخاري (5470)، وأحمد (3/ 106).
(5)
حديث حسن. رواه أحمد وأهل السنن. وصححه الترمذي. انظر سنن النسائي (4546)"الكبرى"، وانظر سنن أبي داود -حديث رقم- (2837).
(6)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (3431)، (4548)، ومسلم (2366)، وأحمد (2/ 233).
وفي لفظ: [كُلُّ بني آدم يَطْعُن الشيطان في جنبه حين تَلِدُه أمُّهُ، إلا عيسى بن مريم، ذهب يطعن فطعَنَ في الحجاب](1).
37.
في هذه الآية: تقبُّل الله تعالى مريم وكفالة زكريا لها، وَبَسْطُ الله الرزق لها بغير حساب.
قال ابن جريج: (تقبل من أمها ما أرادت بها للكنيسة، وأجرَها فيها، {وَأَنْبَتَهَا}، قال: نبتت في غذاء الله).
قال ابن كثير: ({وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} أي: جعلها شكلًا مليحًا ومنظرًا بهيجًا، ويَسَّرَ لها أسباب القبول، وقرنها بالصالحين من عباده، تتعلم منهم العلم والخير والدين).
وقوله: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} . أي جعله كافلًا لها. وكان زوج خالتها. قال ابن إسحاق: (وما ذلك إلا أنها كانت يتيمة). فقدّر الله كون زكريا كفلها لسعادتها، لتقتبس منه علمًا جَمًّا نافعًا وعملًا صالحًا.
وقد جاء في حديث الإسراء: [فإذا بيحيى وعيسى، وهما ابنا الخالة] رواه مسلم. وكذلك ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في عُمَارة بنت حمزة أن تكون في حضانة خالتها امرأة جعفر بن أبي طالب، وقال:[الخالة بمنزلة الأم](2).
وقوله: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} . إخبار من الله عن تولّيه لها بالكرامة وحسن الضيافة والرعاية، وعن سيادتها وجلالتها في محلّ عبادتها.
قال مجاهد: (وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف).
وقال قتادة: (وجد عندها ثمرة في غير زمانها).
وقوله: {قَال يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا} . أي: من أي وجه لك هذا الرزق؟ ! .
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (3286)، والبغوي في التفسير (381).
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (2699)، وابن حبان (4873) من حديث البراء مطوّلًا.
فقالت مجيبة له: {هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} ، الذي ساقه لها وأنعم به وتكرّم عليها.
وقوله: {إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} . خبرٌ من الله أنه يسوق الرزق إلى من يشاء من عباده بغير إحصاء ولا عدد يحاسب عليه عبده، فعنده خزائن السماوات والأرض.
38 -
41. قوله تعالى: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَال رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) قَال رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَال كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40) قَال رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41)}.
في هذه الآيات: طمع زكريا عليه السلام حين رأى ما رأى من كرم الله على مريم من الرزق والفضل دون تسبب أو تدخل أحد من الآدميين بذلك، فرجا الله أن يرزقه الولد، رغم كبر سنه، وكون امرأته عاقرًا. فنادته الملائكة بالبشرى وهو في محرابه.
قال السدي: (فلما رأى زكريا من حالها ذلك، يعني: فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، قال: إن ربًّا أعطاها هذا في غير حينه، لقادر على أن يرزقني ذرية طيبة! ورغب في الولد، فقام فصلى، ثم دعا ربه سرًّا فقال: {رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} [مريم: 4 - 6]. وقال: {رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} . وقال: {رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} ). وقال: (طيبة: يقول مباركة).
وقوله: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ} . قال السدي: (وهو جبريل، أو: قالت الملائكة، وهو جبريل، {أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى}). فإن العرب تخبر أحيانًا عن الواحد بمذهب الجمع.
وقوله: {وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ} . أي: حالة قيامه في محراب عبادته، ومحل خَلْوَتِه، ومجلس مناجاته وصلاته، فبشرته بولد من صلبه اسمه يحيى.
قال قتادة: (إنما سمي يحيى لأن الله تعالى أحياه بالإيمان).
وقوله: {مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ} . قال قتادة: (مصدّقًا بعيسى بن مريم، وعلى سنته ومنهاجه). وقال الضحاك: (كان يحيى أول من صدق بعيسى وشهد أنه كلمة من الله، وكان يحيى ابن خالة عيسى، وكان أكبر من عيسى).
وقوله: {وَسَيِّدًا} . قال سعيد بن جبير: (السيد التقي). وقال قتادة: (أي: والله، لسيد في العبادة والحلم والعِلم والوَرَع). وقال مجاهد: (السيد الكريم على الله). وقال ابن زيد: (السيد الشريف). وقال سعيد بن المسيب: (السيد الفقيه العالم). وقال عكرمة: (السيد الذي لا يغلبه الغضب).
وخلاصة المعنى: إن الله أخبر أنه يبشره بيحيى مصدقًا بهذا، وسيدًا: أي شريفًا في العلم والورع والحلم والعبادة.
وقوله: {وَحَصُورًا} . يروي ابن جرير عن عاصم عن زر عن عبد الله قال: (الحصور: الذي لا يأتي النساء). وقال الربيع: (هو الذي لا يولد له). وقال الضحاك: (هو الذي لا يولد له ولا ماء له). وقال السدي: (الحصور الذي لا يريد النساء).
قال الحافظ ابن كثير: (وقد قال القاضي عياض في كتابه الشفاء: اعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى بأنه كان حصورًا ليس كما قال بعضهم: إنه كان هَيُوبًا، أو لا ذَكَرَ له، بل قد أنكر هذا حُذّاق المفسرين، ونُقّاد العلماء، وقالوا: هذه نقيصةٌ وعيب، ولا يليق بالأنبياء عليهم السلام. وإنما معناه أنه معصوم من الذنوب، أي: لا يأتيها كأنه حُصِرَ عنها. وقيل: مانعًا نفسه من الشهوات. وقيل: ليست له شهوة في النساء. وقد بان لك من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص، وإنما الفضل في كونها موجودة، ثم قمعها: إما بمجاهدة كعيسى، أو بكفاية من الله عز وجل كيحيى عليه السلام، ثم هي في حق من قدر عليها، وقام بالواجب فيها، ولم تشغله عن ربه، درجةٌ عليا، وهي درجة نبينا صلى الله عليه وسلم الذي لم يشغله كثرتهن عن عبادة ربه، بل زاده ذلك عبادة، بتحصينهن، وقيامه عليهن واكتسابه لهن، وهدايته إياهن. بل قد صرح أنها ليست من حظوظ دنياه هو، وإن كانت من حظوظ دنيا غيره).
ثم قال ابن كثير: (والمقصود أن مدح يحيى بأنه حصور ليس أنه لا يأتي النساء، بل معناه كما قال هو وغيره: أنه معصوم عن الفواحش والقاذورات، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال وغشيانهن وإيلادهن، بل قد يفهم وجود النسل له من دعاء
زكريا المتقدم حيث قال: {هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} كأنه قال: ولدًا له ذرية ونسل وعَقِب، والله سبحانه وتعالى أعلم).
وقوله: {وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} . فيه بشارة بالنبوة ليحيى بعد البشارة بولادته، وقد وصفه الله بالصلاح ثناء منه سبحانه عليه.
وقوله: {قَال رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ} . تَعَجُّبٌ من زكريا عليه السلام مع إيمانه بالبشارة، إذ كيف يكون الولد ممن بلغ من السن ما بلغ وامرأته عاقر لا تلد. فأجابه الله تعالى على لسان المَلَك:{كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} إذ لا يعجزه شيء، ولا يتعاظمه أمر، وهو على كل شيء قدير.
قال السدي: ({كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ}: وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئًا).
وقوله: {قَال رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً} . أي ليزول الشيطان عني بوسوسته، وأزداد إيمانًا وبصيرة بأن ما بُشِّرت به هو من ملائكتك وهو بأمرك.
فأجابه سبحانه: {قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا} أي: إلا إشارة لا تستطيع النطق مع أنك سوي صحيح تنطق، وذلك ثلاثة أيام.
قال قتادة: (فأخِذَ عليه بلسانه، فجعل لا يقدر على الكلام إلا ما أومأ وأشار).
وقال الضحاك: (الرمز أن يشير بيده أو رأسه، ولا يتكلم).
وقوله: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} . هو أمر الله له بتسبيحه وتعظيمه في هذه الحال، التي أوقف بها عن تكليم الناس بغير خرس ولا عاهة ولا مرض - آية من آيات الله عز وجل.
قال مجاهد: (الإبكار أول الفجر، والعشيّ مَيْلُ الشمس حتى تغيب).
42 -
44. قوله تعالى: {وَإِذْ قَالتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالمِينَ (42) يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ
الرَّاكِعِينَ (43) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44)}.
في هذه الآيات: تبشيرُ الملائكة مريم باصطفاء الله تعالى لها، وَحَثُّها على الإقبال على شكره سبحانه والركوع له والسجود.
قال مجاهد: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ} : جعلك طيبة إيمانًا). والمقصود أن الله سبحانه قد اختارها واجتباها لطاعته وخصّها بكرامته، فقد عرفت بكثرة عبادتها وزهادتها وطهارتها من الأكدار والوساوس.
وقوله: {وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالمِينَ} . قال ابن جريج: (ذلك للعالمين يومئذ).
قلت: وقد ثبتت كرامتها على نساء العالمين، هى وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وابنتها فاطمة، في السنة الصحيحة، في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن علي رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [خير نسائها مريم بنت عِمْران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد](1).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم وأحمد عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران - زاد ابن مردويه: (وخديجة بنت خويلد) - وإن فضل عائشة علي النساء كفضل الثريد على سائر الطعام](2).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[خير نساء العالمين أربع: مريمُ بنتُ عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون](3). ورواه الترمذي بلفظ: [حَسْبُك من نساء العالمين مريم ........ ].
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (3432)، ومسلم (2430)، وأحمد (1/ 84 - 132)، وغيرهم.
(2)
حديث صحيح. انظر صحيح البخارى (3411)، (5418)، وصحيح مسلم (2331)، ومسند أحمد (4/ 394)، (4/ 409) وصحيح ابن حبان (7114)، وصحيح الجامع (4454).
(3)
حديث صحيح. انظر مسند أحمد (3/ 135)، ومستدرك الحاكم (3/ 157)، وانظر صحيح الجامع (3323)، وكتابي: السيرة النبوية (1/ 102) في فضائل خديجة.
الحديث الرابع: أخرج الإمام مسلم عن سعيد بن المسيب في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالمِينَ} . قال: وكان أبو هريرة يحدِّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: [خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على ولد في صِغَرِه، وأرعاه على زَوْجٍ في ذات يده، ولم تركب مريم بنت عمران بعيرًا قط](1).
وقوله: {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} . هو اختصاصٌ من الله لها إذ أمر الملائكة أن يأمروها بكثرة العبادة والخشوع والركوع والسجود والدأب في العمل لها، لما في ذلك من رفعة لها في الدارين.
وقوله: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ} . أي: حجة لك أمام خصومك من أهل الكتابين، وتحقيقًا لصدقك، إذ:{وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} .
قال قتادة: (كانت مريم ابنة إمامهم وسيّدهم، فتشاحَّ عليها بنو إسرائيل، فاقترعوا فيها بسهامهم أيُّهم يكفلها، فقرعهم زكريا، وكان زوجَ أختها، {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا}، يقول: ضمّها إليه).
وقال الضحاك: (اقترعوا بأقلامهم أيّهم يكفل مريم، فقرعهم زكريا).
وعن محمد بن جعفر بن الزبير: ({وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ}، أي: ما كنت معهم إذ يختصمون فيها. يخبره بخفيّ ما كتموا منه من العلم عندهم، لتحقيق نبوته والحجة عليهم لما يأتيهم به مما أخفوا منه).
45 -
47. قوله تعالى: {إِذْ قَالتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) قَالتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَال كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47)}.
في هذه الآيات: بشَّرت الملائكة مريم عليها السلام بولد عظيم يوجد منها، سيكون
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (2527)، من طريق عبد الرزاق (20603)، وأخرجه أحمد في المسند (2/ 275) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
له شأن كبير وأمر عظيم، وسيكون {بِكَلِمَةٍ مِنْهُ} سبحانه، يعني بأمره كن فيكون، واسمه المسيح عيسى بن مريم، فهذه شهرته بين الناس في الدنيا وهو في الآخرة من الصالحين.
وفي تأويل: {الْمَسِيحُ} أقوال عند المفسرين:
1 -
أي مَسَحَهُ الله فطهّره من الذنوب. قال ابن جرير: (ولذلك قال إبراهيم: {الْمَسِيحُ}: الصّدّيق).
2 -
قيل بل المراد مُسحَ بالبركة. قال سعيد: (إنما سمي المسيح لأنه مُسِحَ بالبركة).
3 -
قيل بل سمي المسيح لكثرة سياحته. ذكره بعض السلف.
4 -
وقيل: لأنه كان مسيح القدمين، لا أخْمَصَ لهما. ذكره والذي بعده ابن كثير.
5 -
وقيل: لأنه كان إذا مسح أحدًا من ذوي العاهات بَرئ بإذن الله تعالى.
وقوله: {عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} . نسبه إلى أمه، حيث لا أب له. وإلا فالناس ينسبون إلى آبائهم في الدنيا والآخرة. قال تعالى:{ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} .
وفي صحيح مسلم عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إذا جمع الله الأولين والآخِرين يوم القيامة، يُرْفَعْ لكل غادر لواءٌ، فقيل: هذه غَدْرَةُ فُلانِ بنِ فلان](1).
وقوله: {وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} . أي: له وجاهة ومنزلة ومكانة رفيعة عند الله في الدنيا بما يوحيه إليه من الشريعة وأحكام الكتاب الذي نزله عليه، وشفيعًا في الآخرة بإذن الله لمن ارتضى سبحانه، فيقبل منه كإخوته الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وقوله: {وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} . قال الربيع: (من المقربين عند الله يوم القيامة).
وقوله: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ} . قال ابن عباس: (مضجع الصبي في رَضاعه).
وقوله: {وَكَهْلًا} . قال الحسن: (كلمهم في المهد صبيًّا، وكلمهم كبيرًا).
وقال قتادة: (يكلمهم صغيرًا وكبيرًا). وقال مجاهد: (الكهل الحليم).
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (1735)، كتاب الجهاد، باب تحريم الغدر.
وقوله: {وَمِنَ الصَّالِحِينَ} . يعني في عدادهم وأوليائهم، لأن أهل الصلاح بعضهم من بعض في الدين والفضل.
وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى، وصبي كان في زمن جريج، وصبي آخر].
ورواه مسلم بلفظ: [لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى بن مريم، وصاحب جُريج، . . . وبَيْنا صبي يَرْضَعُ من أمه، فَمرَّ رجل راكب على دابة فارهة وشارة حسنة، فقالت أمه اللهم! اجعل ابني مِثْل هذا، فترك الثدي وأقبل إليه فنظرَ إليه، فقال: اللهم! لا تجعلني مثله. . . .] الحديث (1).
وقوله: {قَالتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} . أي: كيف لي بولد يوجد مني ولست بذات زوج، ولا أعزم على الزواج، ولست بغيًّا؟ فأجابها الملك يؤكد لها البشرى التي عجبت لها:{كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} أي: يصنع ما أراد، ويخلق ما يشاء من بشر أو غير بشر، {إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} أي: مما يشاء وكيف يشاء، {فَيَكُونُ} ما أراد سبحانه ولا يتأخر شيئًا، بل هو كلمح البصر، قال تعالى:{وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} [القمر: 50].
48 -
51. قوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51)}.
في هذه الآيات: يُكْمِلُ الله البشري لمريم عليها السلام، بأن ما عَلِمت فيما نزل من
(1) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (2550)، كتاب البر والصلة، وصحيح البخاري (2482)، ومسند أحمد (2/ 433) عن أبي هريرة مطوّلًا.
الكتب أن الله باعثٌ نبيًّا يوحى إليه بكتابه الإنجيل، هو الولد الذي وهبه لها وبشّرها به، وسيجري على يديه من المعجزات ما ينصر به الدين الحق.
وقوله: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ} . قال ابن جرير: (وهو الخط الذي يخطه بيده). يعني الكتابة.
قال ابن جريج: ({وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ}، قال: بيده). وقوله: {وَالْحِكْمَةَ} . قال قتادة: (الحكمة: السنة). والمراد السنة التي يُوحيها إليه في غير كتاب.
وقوله: {وَالتَّوْرَاةَ} . المراد التوراة التي أنزلت على موسى، كانت فيهم من عهد موسى.
وقوله: {وَالْإِنْجِيلَ} . يعني إنجيل عيسى ولم يكن قبله، ولكن الله أخبر مريم قبل خلق عيسى أنه مُوحيه إليه.
وقوله: {وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} . يعني: ونجعله رسولًا إلى بني إسرائيل بأنه نبي الله وحجته على خلقه، معه علامة من الله تصدق خبره.
قال محمد بن جعفر بن الزبير: ({وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ}، أي: يُحقق بها نبوّتي، أني رسولٌ منه إليكم).
وقوله: {أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ} . معجزة له من الله: كان يُصَوِّر من الطين شكلَ طير، ثم ينفخ فيه، فيطير عيانًا بإذن الله.
وقوله: {وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ} . وهو الذي يبصر نهارًا ولا يُبصر ليلًا، وقيل بالعكس. وقيل: الأعشى، وقيل: الأعمش. وقيل: الذي يولد أعمى. وتفصيل ذلك من أقوال المفسرين:
1 -
قال مجاهد: (الأكمه الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل، فهو يتكمَّه).
2 -
قال قتادة: (كنا نُحدّثُ أن الأكمه الذي ولد وهو أعمى مغموم العينين).
3 -
قال السدي: (هو الأعمى). وقال ابن عباس: (الأكمه: الذي يولد وهو أعمى).
4 -
قال عكرمة: ({وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ}، قال: الأعمش).
واختار ابن جرير وابن كثير أنه الأعمى الذي لا يبصر شيئًا لا ليلًا ولا نهارًا.
قال ابن جرير: (لأن علاج مثل ذلك لا يدّعيه أحدٌ من البشر، إلا من أعطاه الله مثل الذي أعطى عيسى، وكذلك علاجُ الأبرص).
وقوله: {وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ} . قال ابن كثير: (قال كثير من العلماء: بعث الله كُلَّ نبي من الأنبياء بمعجزة تُناسب أهلَ زمانه، فكان الغالب على زمان موسى عليه السلام السحر وتعظيم السحرة. فبعثه الله بمعجزة بهرت الأبصار وحيرت كل سَحّار، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار انقادوا للإسلام، وصاروا من عباد الله الأبرار. وأما عيسى عليه السلام، فبعثه في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة، فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه. إلا أن يكون مُؤيّدًا من الذي شرع الشريعة. فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد، أو على مداواة الأكمه والأبرص، وبعثِ من هو في قَبْرِه رهين إلى يوم التناد؟ وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم، بعثه الله في زمن الفصحاء والبُلغاء ونحارير الشعراء، فأتاهم بكتاب من الله عز وجل، لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله، لم يستطيعوا أبدًا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، وما ذاك إلا لأن كلام الرب عز وجل لا يشبه كلام الخلق أبدًا).
وقوله: {وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} . قال مجاهد: (بما أكلتم البارحة، وما خبأتم منه. عيسى بن مريم يقوله). وقال عطاء بن أبي رباح: (الطعام والشيء يدخرونه في بيوتهم، غيبًا علمه الله إياه).
والمقصود: يخبرهم عيسى بإذن ربه ما أكل أحدهم وما هو مدّخر للغد.
وقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} . يعني ما سبق ذكره من معجزات وآيات، فيها عبرة لهم، إن كانوا يصدقون بحجج الله ويقرون بتوحيده.
وقوله: {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ} . يعني يوافق ما جاءهم في التوراة مما قرّرته من أصول الدين ومقاصده. {وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} : قال قتادة: (كان الذي جاء به عيسى ألين مما جاء به موسى، وكان قد حُرّم عليهم فيما جاء به موسى لحومُ الإبل والثروب (1)، وأشياء من الطير والحيتان).
وقال محمد بن جعفر بن الزبير: (أي أخبركم أنه كان حرامًا عليكم فتركتموه، ثم أحله لكم تخفيفًا عنكم، فتصيبون يُسْرَه، وتخرجون من تِباعَته).
(1) الثروب: جمع ثَرْب، وهي الشحم الرقيق الذي يغشى الكرش والأمعاء من الذبائح والأنعام.
وقال الحسن: (كان حرّم عليهم أشياء، فجاءهم عيسى ليحل لهم الذي حرّم عليهم، يبتغي بذلك شُكْرهم).
ولا شك أن الآية تدل عند أهل العلم على نسخ بعض أحكام التوراة أيام عيسى عليه السلام.
وقوله: {وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} . قال مجاهد: (ما بيّن لهم عيسى من الأشياء كلها، وما أعطاه ربه).
وقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} . يعني: التمسوا تقوى الله سبحانه، فأنا وأنتم مشتركون في عبادة الله ومأمورون بتوحيده وتعظيمه وحده لا شريك له، فهذا صراط النجاة في الدنيا والآخرة.
52 -
54. قوله تعالى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَال مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَال الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54)}.
في هذه الآيات: لما وجد عيسى عليه السلام من بني إسرائيل محاولات التكذيب والصد والجحود، نادى: من أعواني على المكذبين بحجة الله، ومن ينصرني ويعاونني على الدعوة إلى الله؟ فأجابه الحواريون، ومكر الملأ الطغاة الماكرون.
قال مجاهد: ({قَال مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ}: أي من يَتْبَعُني إلى الله). فأجابه الحواريون - وهم الأنصار لكل نبي - نحن أنصار الله وحملة لواء دينه بايعنا على ذلك. قال الضحاك: (الحواريون: أصفياء الأنبياء).
وقد جاءت السنة الصحيحة بهذا المعنى في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن جابر بن عبد الله، قال: [كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس في الموسم. فيقول: ألا رجلٌ يحملني إلى
قومِه، فإن قريشًا قد منعوني أن أُبِلِّغَ كلامَ ربي] (1).
الحديث الثاني: أخرج البخارى ومسلم وأحمد عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ندب الناس يوم الأحزاب، فانتدب الزبير، ثم ندبهم، فانتدب الزبير رضي الله عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:[إنَّ لكل نبي حواريًا وحواريَّ الزبير](2).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، ومسلم في الصحيح، عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حَواريُّون وأصحابٌ يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تَخْلُفُ من بَعْدهم خُلوفٌ، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. وليس وراء ذلك من الإيمان حبةُ خردل](3).
وقوله: {آمَنَّا بِاللَّهِ} . هو قولهم الذي أصابوا به الفضل من ربهم.
وقوله: {وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} . قال محمد بن جعفر بن الزبير: (لا كما يقول هؤلاء الذين يحاجونك فيه - يعني وفد نصارى نجران).
وقوله تعالى: {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} . قال عكرمة: (مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم). قال ابن جرير: (أي صدقنا بما أنزلت على نبيك عيسى من كتابك، {وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ}، يعني بذلك: صرنا أتباع عيسى علي دينك الذي ابتعثته به، وأعوانه على الحق الذي أرسلته به إلى عبادك، وقوله: {فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}، يقول: فأثبت أسماءنا مع أسماء الذين شهدوا بالحق، وأقرّوا لك بالتوحيد، وصدقوا رسلك).
وقوله: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} .
إخبار من الله سبحانه عن الملأ من بني إسرائيل حين همّوا بقتل عيسى عليه السلام وصلبه، عندما وشوا لملك ذلك الزمان، وكان كافرًا، أن رجلًا يضل الناس عن
(1) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن - حديث رقم .. (201)، وأخرجه أحمد في المسند (3/ 339 - 440)، وهو على شرط مسلم.
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (2846)، وأخرجه مسلم (2415)، وأحمد (3/ 314).
(3)
حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه -حديث رقم- (50)، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان من حديث عبد الله بن مسعود.
طاعتك، ويفسد عليك رعاياك، حتى أحاط الطغاة بمنزله، فرفعه الله إلى السماء، وأخذوا رجلًا شبهًا له فقتلوه وصلبوه.
55 -
58. قوله تعالى: {إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58)}.
في هذه الآيات: رَفْعُ الله تعالى عيسى عليه السلام إليه، ورَفْعُ الذين اتبعوه في الدرجات ثم المرجع إليه، فالكفار هم أصحاب الجحيم، والمؤمنون في جنات النعيم.
وقوله: {مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ} فيه أقوال:
1 -
قال الربيع: (يعني وفاةَ المنام، رفعه الله في منامه).
2 -
قال مطر الورّاق: (متوفيك في الدنيا، وليس بوفاه موت). والمعنى: قابضك من الأرض حيًّا ورافعك من بين المشركين وأهل الكفر بك إلى جواري في السماء. قال الحسن: (متوفيك من الأرض). قال: (رفعه الله إليه، فهو عنده في السماء).
3 -
قال ابن عباس: (يقول: إني مميتك). أي إني متوفيك وفاة موت.
4 -
قيل بل هو من المقدم الذي معناه التأخير، والمؤخر الذي معناه التقديم. أي: إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالي إياك إلى الدنيا.
والراجح المعنى الثاني، إني قابضك من الأرض حيًّا ورافعك إلى جواري لتعود يومًا إلى الدنيا، فتنزل في سماء دمشق عند المنارة البيضاء، وتحكم في بقية أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن والسنة المحمدية المطهرة. وفي ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم من حديث النواس بن سمعان، قال عليه الصلاة والسلام: [فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم، فينزل عند المنارة
البيضاء، شرقيّ دمشق بين مهروذتين (1)، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدّر منه مثل جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد من ريح نفسه إلا مات] (2).
الحديث الثاني: أخرج الطبراني في المعجم الكبير بسند صحيح، عن أوس بن أوس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[ينزل عيسى بن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق](3).
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة. قال: فينزل عيسى بن مريم، فيقول أميرهم: تعال صلِّ لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة](4).
وقوله: {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} .
قال قتادة: (هم أهل الإسلام الذين اتبعوه على فطرته وملته وسنته، فلا يزالون ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة).
وقد وقع ذلك، فإن النصارى كانوا أقرب إلى الحق من اليهود، فلما رفع الله المسيح عليه السلام تفرقت أصحابه شيعًا بعده، منهم من آمن به أنه عبد الله ورسوله، ومنهم من غلا فيه، واستمروا على ذلك قريبًا من ثلاث مئة سنة. قال ابن كثير: (ثم نبغ لهم ملك من ملوك اليونان يقال له قسطنطين، فدخل في دين النصرانية، قيل: حيلة ليفسدَه، فإنه كان فيلسوفًا، وقيل: جهلًا منه، لأنه بدّل لهم دين المسيح وحَرَّفه، وزاد فيه ونقص منه، ووضعت له القوانين، والأمانة الكبيرة - التي هي الخيانةُ الحقيرةُ - وأحلَّ في زمانه لحم الخنزير، وصَلَّوا له إلى المشرق، وصَوَّروا له الكنائس، والمعابد والصوامع، وزادوا في صيامهم عشرة أيام من أجل ذنب ارتكبه - فيما يزعمون - وصار دين المسيح دينَ قسطنطين، إلا أنه بنى لهم من الكنائس والمعابد والصوامع والديارات ما يزيد على اثني عشر ألف معبد، وبنى المدينة
(1) أي يلبس ثوبين مصبوغين بورس ثم بزعفران. ذكره النووي.
(2)
حديث صحيح. وهو جزء من حديث طويل، انظر مختصر صحيح مسلم (2048).
(3)
حديث صحيح. رواه الطبراني في "المعجم الكبير". انظر صحيح الجامع الصغير (8025).
(4)
حديث صحيح. رواه مسلم في الصحيح (1/ 95). وانظر مختصر صحيح مسلم (2061)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (2/ 1047) لتفصيل الحدث.
المنسوبة إليه، واتبعه طائفة المَلكيّة منهم. وهم في هذا كله قاهرون لليهود، أيّدهم الله عليهم لأنهم أقرب إلى الحق منهم، وإن كان الجميع كفارًا، عليهم لعائن الله. فلما بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم، فكان من آمن به يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله على الوجه الحق، كانوا هم أتباع كل نبي على وجه الأرض، إذ قد صَدّقوا الرسول النبي الأمي العربي، خاتم الرسل، وسيد ولد آدم على الإطلاق، الذي دعاهم إلى التصديق بجميع الحق، فكانوا أولى بكل نبي من أمته الذين يزعمون أنهم على مِلّته وطريقته، مع ما قد حَرَّفوا وبدَّلوا، ثم لو لم يكن شيء من ذلك، لكان قد نسخَ الله شريعة جميع الرسل بما بعث الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم من الدين الحق، الذي لا يُغيّر ولا يُبدَّل إلى قيام الساعة، ولا يزال قائمًا منصورًا ظاهرًا على كل دين. فلهذا فتح الله لأصحابه مشارق الأرض ومغاربها، واحتازوا جميع الممالك، ودانت لهم جميع الدول، وكسروا كسرى، وقَصَروا قيصر، وسلبوهما كُنوزَهما، وأنفقت في سبيل الله، كما أخبرهم بذلك نبيهم عن ربهم عز وجل في قوله:{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور: 55] .. الآية، فلهذا لما كانوا هم المؤمنين بالمسيح حقًّا، سَلبوا النصارى بلاد الشام وأجلوهم إلى الروم فلجؤوا إلى مدينتهم القُسطَنْطينيَّة، ولا يزال الإسلام وأهله فوقهم إلى يوم القيامة. وقد أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أمته بأن آخرهم سيفتحون القسطنطينية، ويستفِيئُون ما فيها من الأموال، ويقتلون الروم مقتلة عظيمة جدًّا، لم ير الناس مثلها ولا يرون بعدها نظيرها. . . .، ولهذا قال تعالى:{وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} أى: يوم القيامة {فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} . وكذلك فعل تعالى بمن كفر بالمسيح من اليهود، أو غلا فيه وأطراه من النصاري، عذبهم في الدنيا بالقتل والسَّبي، وأخذ الأموال، وإزالة الأيدي عن الممالك، وفي الدار الآخرة عذابهم أشد وأشق) انتهى.
وقوله: {وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} . أي: وما لهم من عذاب الله من مانع ولا دافع.
وقوله: {وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ} . أي: في الدنيا: بالنصر والظفر والتمكين والتأييد، وفي الآخرة: بجنات الخلود والنعيم.
وقوله: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} . يعنى: الذين يبغون في الأرض بغير الحق، ولا يقيمون العدل ويأكلون حقوق الناس بالباطل.
وقوله: {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ} .
أي: هذا الذي قصصناه عليك يا محمد من أمر عيسى وميلاده وكيف أوحينا إليه، ونبوته ورفعه، من الآيات التي هي حجج بالغة على من حاجك من نصارى نجران وغيرهم من أهل الكتاب.
قال ابن عباس: {وَالذِّكْرِ} ، يقول: القرآن، {الْحَكِيمِ} ، الذي قد كمل في حكمته). فهو الكتاب ذو الحكمة الفاصلة بين الحق والباطل، وبينك - يا محمد - وبين من ينسب الكذب في قصة عيسى وأمه والأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
59 -
63. قوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63)}.
في هذه الآيات: يقرن سبحانه وتعالى بين خلق عيسى وخلق آدم عليهما السلام، فالله خلق آدم من غير أب ولا أم، فلا عجب في قدرة الله أن يخلق عيسى من غير أب، ومن ثمَّ فجواز ادعاء البنوة في آدم هو أولى منه في عيسى، وهذا باطل باتفاق أهل الأديان، الأمر الذي يقتضي فساد هذا الادعاء في عيسى عليه السلام.
وإنما الأمر حقيقته إظهار قدرة الله في الخلق، فإذا أراد شيئًا قال له كن فيكون. فمن حاجك فيه بعد ذلك يا محمد فادعهم إلى المباهلة.
قال الربيع: ({الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ}: فلا تكن في شك مما قصصنا عليك أن عيسى عبدُ الله ورسوله، وكلمةٌ منه وروح، وأن مثله عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون).
وقوله: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} . أي: جادلك في شأن المسيح عيسى بن مريم، يا محمد. {فَقُلْ تَعَالوْا} هلموا فلندع:{أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ} يقول: ثم نلتعن.
والمعنى: نحضرهم في حال المباهلة ثم نلتعن {فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} منا أو منكم.
أخرج الحاكم من حديث يونس بن بكير عن سلمة بن عبد يسوع، عن أبيه، عن جده، قال يونس:(فلم تزل به وبهم - يعني وفد نجران - المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى عليه السلام؟ فإنا نرجع إلى قومنا، ونحن نصارى، فيسرّنا إن كنت نبيًّا أن نعلم ما تقول فيه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما عندي فيه شيءٌ يَوْمي هذا، فأقيموا حتى أخبركم بما يُقال لي في عيسى عليه السلام، فأصبح الغد وقد أنزل الله عز وجل: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}، فأبوا أن يقروا بذلك، فلما أصبح رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الغد بعدما أخبرهم الخبر، أقبل مشتملًا على الحسن والحسين رضي الله عنهما في خميل له، وفاطمة رضي الله عنها تمشي عند ظهره للمُباهلة .... فخافوا وتشاوروا فقال كل من العاقب والسيد للآخر: لا تفعل فوالله لئن كان نبيًّا فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، فلا يبقى على وجه الأرض منا شعرة ولا ظفر إلا هلك
…
) (1).
وله شاهد عند الترمذي عن سعد قال: [لما نزلت هذه الآية: {تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ} الآية، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًّا وفاطمة وحسنًا وحسينًا، فقال: "اللهم هؤلاء أهلي"].
وأخرج البيهقي بسند صحيح إلى ابن مسعود: [أن السيد والعاقب أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يُلاعنهما، فقال أحدُهما لصاحبه: لا تُلاعِنْهُ، فوالله إن كان نبيًّا فلاعنتَه لا نُفْلِحُ نحن، ولا عَقِبُنَا من بعدنا، قالوا له: نعطيك ما سألت، فابعث معنا رجلًا أمينًا، ولا تبعث معنا إلا أمينًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأبعَثَنَّ معكم رجلًا أمينًا حقَّ أمين. فاستشرف لها أصحابه، فقال: قُمْ يا أبا عبيدة بنَ الجراح. فلما قام، قال: هذا أمين هذه الأمة](2).
(1) انظر سيرة ابن هشام (1/ 573 - 584)، والحديث السابق فيه ضعف، لجهالة سلمة بن يسوع فما فوقه، لكن ذكره ابن كثير في السيرة (4/ 101 - 106)، وفي التفسير (1/ 369 - 370). وأخرجه البيهقي في "دلائل النبوة"(5/ 384 - 392)، وأكثره له شواهد، وفي بعضه نكارة قد حذفتها، وانظر تفصيل ذلك في كتابي: السيرة النبوية (1/ 1631 - 1633)، وصحيح الترمذي (2397).
(2)
حديث صحيح. أخرجه البيهقي، ويشهد له ما بعده في الصحيحين، وانظر زاد المعاد (3/ 637).
ورواه مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قال: [جاء أهل نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ابعث لنا رجلًا أمينًا، فقال: لأبعثن إليكم رجلًا أمينًا حقَّ أمين، حقَّ أمين، قال: فاستشرف لها الناس، قال: فبعث أبا عبيدة بن الجراح](1).
وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه: [أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن لكل أمة أمينًا، وإنَّ أمينَنا، أيَّتُها الأمةُ، أبو عبيدة بن الجراح](2).
وفي صحيح مسلم من حديث المغيرة بن شعبة قال: [بعثني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران، فقالوا فيما قالوا: أرأيت ما يقرؤون "يا أخت هارون"، وقد كان بين عيسى وموسى ما قد علمتم، قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرتُه، قال: أفلا أخبرتَهُمْ أنهم كانوا يُسَمُّون بأسماء أنبيائهم والصالحين الذين كانوا قبلهم](3).
وقوله: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} . قال ابن عباس: (إن هذا الذي قلنا في عيسى، هو الحق، {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ}، الآية).
وقوله: {وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} . أي: العزيز في انتقامه ممن عانده وعصاه وخالف أمره، وادعى معه إلهًا غيره، أو عبد ربًا سواه، {الْحَكِيمُ} في تدبيره وقدره وشرعه.
وقوله: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ} . أي: إن أعرضوا رغم البيان والحجج الدامغة فإن الله يعلم من عدل عن الحق إلى الباطل واتبع سبيل المفسدين والمبطلين وسيجازيه على عمله يوم يلقاه.
64.
قوله تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (2420)، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه. وانظر صحيح البخاري (4380) وكذلك (3745)، وأحمد (5/ 385).
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (7/ 74) في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(3)
حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه -حديث رقم- (2135)، كتاب الآداب: باب النهي عن التكني بأبي القاسم، من حديث المغيرة بن شعبة.
نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)}.
في هذه الآية: دعوة أهل الكتاب إلى توحيد الله ونبذ الشرك والتحاكم إلى الدين الحق دين الإسلام.
وقوله: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ} . يشمل أهل التوراة وأهل الإنجيل. {تَعَالوْا} أي: أقبلوا وهلمّوا. {إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} . قال قتادة: (عدل بيننا وبينكم). وقال أبو العالية: (كلمة السواء: لا إله إلا الله).
وقوله: {أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا} . يعني نفرده بالتعظيم والدعاء، فلا ندعو وثنًا، ولا صليبًا، ولا صنمًا، ولا طاغوتًا، ولا نارًا، ولا شيئًا.
وقوله: {وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} . قال ابن جريح: (لا يُطع بعضنا بعضًا في معصية الله. ويقال إنّ تلك الرّبوبية: أن يطيعَ الناس سادتهم وقادتهم في غير عبادة، وإن لم يصلّوا لهم). وقال عكرمة: ({وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ}، قال: سجود بعضهم لبعض).
وقوله: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} . يعني: إن تولى بعد ذلك أهل الكتاب وأصروا على الشرك بالله فقولوا أيها المؤمنون لهم: اشهدوا علينا بأنا على التوحيد قائمون، وعلى إفراد الله سبحانه بالتعظيم عاكفون.
أخرج البخارى في صحيحه من حديث عبد الله بن عباس - في قصة هرقل مع أبي سفيان وسؤاله لهم -: [ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى بعث به دِحْيةُ إلى عظيم بُصرى فدفَعَهُ إلى هِرقل فقرأه فإذا فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم: من محمدٍ عبد الله ورسوله إلى هِرَقْلَ عظيم الروم، سلامٌ على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسْلِم تَسْلَم يُؤتك الله أجْرَك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيِّين، و:{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]] (1).
(1) حديث صحيح. أخرجه البخارى في الصحيح (7)، كتاب بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو جزء من حديث طويل.
65 -
68. قوله تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (66) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68)}.
في هذه الآيات: يا أهل التوراة والإنجيل، لم تجادلون في إبراهيم وتخاصمون فيه، ويدعي كل فريق منكم أنه كان منكم ولم ينزل الإنجيل والتوراة إلا بعد حين من موت إبراهيم عليه السلام ووفاته؟ ! أفلا تفقهون خطأ قيلكم. إنما كان إبراهيم حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين، وإن أولى الناس به هذا النبي وأهل الحق المؤمنين.
قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد مولي زيد بن ثابت قال: حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس قال:(اجتمعت نصارى نجران وأحبارُ يهود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديًّا! وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيًّا! فأنزل الله عز وجل فيهم: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}. قالت النصاري: كان نصرانيًّا! وقالت اليهود: كان يهوديًّا! فأخبرهم الله أن التوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعده، وبعده كانت اليهودية والنصرانية).
ثم عاب عليهم سبحانه هذا الحكم منهم بغير علم، فقال جل ذكره:{هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} . قال السدي: (أما الذي لهم به علم: فما حرّم عليهم وما أمروا به، وأما الذي ليس لهم به علم: فشأن إبراهيم).
وقوله: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} . أي: يعلم ما غاب عنكم وأنتم لا تعلمون إلا ما عاينتم وشاهدتم أو أدركتم علمه بالإخبار والسماع.
ثم أكذبهم سبحانه فقال: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا} ، فأدحض حجتهم يعني اليهود -في ادعائهم أن إبراهيم مات يهوديًّا، أو نصرانيًّا- يعني في ادعاء النصارى.
ثم قال سبحانه: {وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} .
أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عمر: [أن زيدَ بنَ عمرو بن نُفَيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبَعُهُ، فلقي عالمًا من اليهود فسأله عن دينهم فقال: إني لَعَلِّي أن أدينَ دينَكُم فأخْبرني فقال: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله. قال زيد: ما أَفِرُّ إلا من غضب الله ولا أحمل من غضب الله شيئًا أبدًا وأنا أستطيعه، فهل تَدُلّني على غيره، قال: ما أعلمُهُ إلا أن يكون حنيفًا. قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا ولا يعبد إلا الله. فخرج زيد فلقي عالمًا من النصارى، فذكر مثله، فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله. قال: ما أفِرُّ إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئًا أبدًا وأنا أستطيع، فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا. قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا ولا يعبد إلا الله، فلما رأى زيْدٌ قولَهُم في إبراهيم عليه السلام، خرج فلما برز رفع يديه فقال: اللهم إني أشهد أني على دين إبراهيم](1).
المعنى: إن أحق الناس بإبراهيم ونصرته وولايته الذين سلكوا طريقه ومنهاجه، في التوحيد والعبادة وإفراد الله بالتعظيم، من سائر الأديان، والله مؤيد جميع المؤمنين وناصرهم.
أخرج الترمذي والحاكم بسند صحيح من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: [أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن لكل نبيّ ولاة من النبيين، وإن وَليّي منهم أبي وخليل ربي عز وجل، ثم قرأ: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ} .. الآية](2).
69 -
74. قوله تعالى: {وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (69) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (3827)، كتاب المناقب، وانظر كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (1/ 117).
(2)
حديث صحيح. أخرجه الترمذي (2995)، والحاكم (2/ 292)، (2/ 553) وصححه على شرطهما، ووافقه الذهبي. وانظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (2394).
تَشْهَدُونَ (70) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) وَقَالتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74)}.
في هذه الآيات: اليهود أمكر من دبّ على وجه الأرض، فهم أهل بغي وظلم وحسد، والله تعالى يخبر في هذه الآية:{وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} يعني جماعة من أهل التوراة من اليهود، وأهل الإنجيل من النصارى، {لَوْ يُضِلُّونَكُمْ} أي: يصدونكم عن الإسلام إلى ما كنتم عليه من الكفر لتهلكوا به، والله تعالى يحذركم طاعتهم ويكشف لكم مكرهم، ويُبَيِّنُ اختصاصه تعالى برحمته من يشاء من المؤمنين.
وقوله: {وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} أي: ما يهلكون بمحاولتهم هذه إلا أنفسهم وأهل ملتهم بِحلول سخط الله عليهم. {وَمَا يَشْعُرُونَ} : أي: وهم لا يدرون ولا يعلمون.
وقوله تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} . قال قتادة: (تشهدون أن نَعْتَ محمد نبي الله صلى الله عليه وسلم في كتابكم، ثم تكفرون به وتنكرونه ولا تؤمنون به، وأنتم تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة والإنجيل: {النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ}).
وقوله: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} . قال قتادة: (يقول: لم تلبسون اليهودية والنصرانية بالإسلام، وقد علمتم أن دين الله الذي لا يقبل غيرَه، الإسلام، ولا يجزي إِلّا به).
وقوله: {وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} . قال الربيع: (يقول: تكتمون شأن محمد صلى الله عليه وسلم، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل: يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر).
قال ابن عباس: (وذلك أن طائفة من اليهود قالوا: إذا لقيتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أول النهار فآمنوا، وإذا كان آخره فصلوا صلاتكم، لعلهم يقولون: هؤلاء أهل الكتاب، وهم أعلم منا! لعلهم ينقلبون عن دينهم. ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم).
وقال مجاهد: (يهودُ تقوله. صلَّت مع محمد صلاة الصبح، وكفروا آخرَ النهار، مكرًا منهم، ليُروا الناس أن قد بدت لهم منهم الضلالة، بعد أن كانوا اتّبعوه). وقال: (قال: صلوا معهم الصبح، ولا تصلوا معهم آخر النهار، لعلكم تستزلّونهم بذلك).
وقوله: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} . قال قتادة: (لعلهم يدعون دينهم، ويرجعون إلى الذي أنتم عليه). وقال ابن عباس: (لعلهم ينقلبون عن دينهم). وقال السدي: (لعلهم يشكّون).
وقوله: {وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ} . قال السدي: (لا تؤمنوا إلا لمن تبع اليهودية). {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} اعتراضٌ وسط الكلام، وهو خبر من الله عن أن البيان بيانه والهدى هُداه.
وقوله: {أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ} . قال مجاهد: (حسدًا من يهود أن تكون النبوة في غيرهم، وإرادة أن يُتَّبعوا على دينهم).
وقوله: {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ} . قال ابن جُريج: (قال بعضهم لبعض: لا تخبروهم بما بيّن الله لكم في كتابه، ليحاجّوكم -قال: ليخاصموكم- به عند ربكم).
وقوله: {قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ} ، يعني التوفيق والهداية للإيمان والدين الحق. {يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} بحكمته وعلمه، {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}: ذو سعة بفضله يعلم من يستحق الهداية والنور والإيمان ممن لا يستحق ذلك.
وقوله: {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} . قال مجاهد: (النبوة يخصّ بها من يشاء).
وقال ابن جريج: (القرآن والإسلام).
وقوله: {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} . يعني في اختصاص المؤمنين بالإيمان ومتابعة محمد صلى الله عليه وسلم، وهدايتهم إلى أشرف الشرائع والتأسي بسيد الخلق.
75 -
76. قوله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالوا لَيْسَ
عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76)}.
في هذه الآيات: إخبار من الله تعالى عن طائفة من يهود هم أهل أمانة يؤدونها ولا يخونونها، وعن طائفة أخرى: أهل خيانة للأمانة واستحلال للمحرمات.
فمنهم من إن تأمنه بقنطار من المال يؤده إليك، وهذا يشمل ما دونه بطريق الأولى. {وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا}. قال قتادة:(إلا ما طلبته واتبعته). وقال السدي: (يعترف بأمانته ما دمت قائمًا على رأسه، فإذا قمتَ ثم جئت تطلبُه كافرك- الذي يؤدِّي، والذي يجحد (1)).
فالمعنى: لا يؤديه إليك إلا بالمطالبة والاقتضاء والملازمة والإلحاح لاستخلاص حقك منه، فإذا كان هذا صنيعه في الدينار، فنكوله لما فوقه من باب أولى. قال مالك بن دينار:(إنما سُمِّيَ الدينار لأنه دِين ونار)(2). وقيل: (معناه أنه من أخذه بحقه فهو دينه، ومن أخذه بغير حقه فله النار).
أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: [أنه ذكرَ رجلًا من بني إسرائيل: سأل بعضَ بني إسرائيل أن يُسْلِفَهُ ألفَ دينار فقال: ائْتِني بالشهداء أُشْهِدُهُمْ، فقال: كفى بالله شهيدًا. قال: فأتني بالكفيل قال: كفى بالله كفيلًا. قال: صَدقت، فدفَعَها إليه إلى أجَل مسمّى، فخرج في البحر فقضى حاجَتَهُ ثم التمسَ مَرْكبًا يركَبُها يَقْدَمُ عليه للأجل الذي أجَّله فلم يجدْ مَرْكبًا، فأخذ خَشَبَةً فنقرها فأدْخَلَ فيها ألفَ دينار وصحيفةً منه إلى صاحبه ثم زَجَّجَ مَوْضِعَها ثم أتى بها إلى البحر فقال: اللهم إنك تَعْلَمُ أني كنْتُ تَسَلَّفْتُ فلانًا ألفَ دينار فسألني كفيلًا فقلت: كفى بالله كفيلًا فرضِيَ بكَ، وسألني شهيدًا فقلت: كفى بالله شهيدًا فرضِيَ بذلك، وإني جَهَدْتُ أن أجِدَ مَرْكبًا أبْعَثُ إليه الذي له فلم أَقْدِرْ، وإني أسْتَوْدِعُكَها، فرمى بها في البحر حتى وَلَجَتْ فيه، ثم انصرفَ، وهو في ذلك يلتمس مَرْكَبًا يخرجُ إلى بلده فخرج الرجل الذي كان أسْلَفَهُ ينظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قد جاء بماله فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حَطَبًا، فلما نَشَرها وَجَدَ المال والصحيفة، ثم قَدِمَ الذي كان أسْلَفَهُ فأتى بالألف دينار، فقال: والله
(1) بيان عن ذكر الفريقين. أي: هذا الذي يؤدي، وهذا الذي يجحد.
(2)
رواه ابن أبي حاتم من طريق زياد بن الهيثم. ذكره والذي بعده الحافظ ابن كثير في التفسير.
ما زِلْتُ جاهدًا في طلب مَرْكَبٍ لِآتيَكَ بِمالِكَ فما وجدتُ مَرْكبًا قبل الذي أتيتُ فيه. قال: هل كنتَ بَعَثْتَ إليَّ بشيء؟ قال: أُخْبِرُكَ إني لم أجدْ مَرْكبًا قبل الذي جئتُ فيه، قال: فإن الله قد أدّى عنك الذي بَعَثْتَ الخَشَبَةَ وانْصَرِف بالألف الدينارِ راشدًا] (1).
وقوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} . يعني -قال الذين استحلوا الخيانة من اليهود-: لا حرج علينا فيما أصبنا من أموال العرب ولا إثم، لأنهم على غير الحق، وأنهم مشركون.
قال قتادة: (قالت اليهود: ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل).
وقال: (قال: ليس علينا في المشركين سبيل، يعنون من ليس من أهل الكتاب).
وقوله: {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} . قال ابن جريج: (يعني ادّعاءهم أنهم وجدوا في كتابهم قولهم: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ}).
والمعنى: يقولون على الله الكذب، ويفترون وهم يعلمون أنهم يكذبون.
وقوله تعالى: {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} .
المعنى: ليس الأمر كما زعم هؤلاء الكذبة منَ اليهود، أنه ليس عليهم حرج ولا إثم في أموال الأميين، ولكن الأمر أنه من أوفى بعهده وأدى الأمانة، واتقى الميثاق الذي عقده الله بالإيمان بمحمد ورسالته، فصدق بذلك وقام بمقتضى هذا العهد والميثاق الذي أخذه الله على الأنبياء والأمم:{فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} .
77.
في هذه الآية: إن الذين ارتضوا أن يستبدلوا الذي هو أدنى: الأثمان الزهيدة والعروض الفانية، والزينة البالية، بالذي هو أعلى: تصديق عهد الله باتباع محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان بما جاء به، لا نصيب لهم في خيرات الآخرة، ولا يكلمهم الله كلام تشريف ومدح، بل كلام إهانة وتوبيخ، ثم ينتظرهم بعد ذلك عذاب أليم.
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (2291) تعليقًا، بصيغة الجزم. كتاب الكفالة. وانظر (1498).
وفي أسباب النزول لهذه الآية أحاديث صحيحة:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن شفيقٍ، عن عبد الله رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[مَنْ حَلَفَ على يمين يَقْتَطِعُ بها مال امرئٍ مُسلمٍ هو عليها فاجر، لقِيَ الله وهو عليه غَضْبَانُ، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} [آل عمران: 77]، فجاء الأشعثُ فقال: ما حَدَّثكم أبو عبد الرحمن؟ فِيَّ أُنْزِلتْ هذه الآية، كانت لي بِئْرٌ في أرض ابنِ عَمٍّ لي، فقال لي: شهودَك. قلتُ: ما لي شهودٌ، قال: فَيَمينَهُ، قلت: يا رسول الله إذن يَحْلِفَ، فذكرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم هذا الحديثَ، فأنزل الله ذلك تصديقًا له] (1).
ورواه أحمد وفيه: (فقال الأشعث: فيَّ والله كان ذلك، كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني أرضي، فقدمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألك بينة؟ قلت: لا. فقال لليهودي: احلف. فقلت: يا رسول الله إذن يحلف فيذهب مالي. فأنزل الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا}
…
الآية).
الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنهما: [أن رجلًا أقام سِلْعَةً في السوق، فحلف فيها لقد أُعْطِيَ بها -ما لم يُعْطَهُ- لِيُوقِعَ فيها رجلًا من المسلمين، فنزلت: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} إلى آخر الآية](2).
قلت: ولا مانع من نزول الآية في السببين السابقين معًا. وقد جاءت أحاديث أخرى في بيانها:
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والنسائي بسند صحيح عن رجاء بن حَيْوَة والعُرُس بن عَمِيرة، عن أبيه عَدِيّ -هو ابن عميرة الكندي- قال: [خاصم رجل من كندة يقال له- امرؤ القيس بن عابس، رجلًا من حَضْرَمَوْت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض، فقضى على الحضرمي بالبينة، فلم يكن له بينة، فقضى على امرئ القيس
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (2356)، كتاب المُسَاقاة، باب الخصومة في البئر والقضاء فيها. وانظر (2673)، وصحيح مسلم (138)، ومسند أحمد (1/ 44)، (1/ 211)، (5/ 212) للرواية الأخرى، ورواه ابن ماجة (2323)، والبيهقي (10/ 44).
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (4551)، كتاب التفسير، سورة آل عمران، آية (77)، من حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه.
باليمين. فقال الحضرمي: أمكنته من اليمين يا رسول الله؟ ذهبت -ورب الكعبة- أرضي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال أحد لقي الله عز وجل وهو عليه غضبان. قال رجاء: وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} . فقال امرؤ القيس: ماذا لمن تركها يا رسول الله؟ فقال: الجنة. قال: فاشهد أني قد تركتها له كلها] (1).
الحديث الرابع: أخرج البخاري عن أبي هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[ثلاثة لا يَنْظُرُ الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذابٌ أليم: رجُلٌ كان لهُ فَضْلُ ماءٍ بالطريق فمنعَهُ من ابن السبيل، ورجلٌ بايع إمامَهُ لا يُبايِعُهُ إلا لِدُنيا، فإن أعطاه منها رَضِيَ وإنْ لمْ يُعْطِهِ منها سَخِطَ، ورجلٌ أقام سِلْعَتَهُ بعد العصر فقال: والله الذي لا إله غيرُهُ لقد أعطيتُ بها كذا وكذا، فصَدَّقه رجلٌ، ثم قرأ: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا}](2).
الحديث الخامس: روى الإمام أحمد في المسند، ومسلم في الصحيح، عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. قلت: يا رسول الله، من هم؟ خسروا وخابوا. قال: وأعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات قال: المُسْبلُ، والمنفِّق سلعته بالحلف الكاذب، والمنان](3).
الحديث السادس: أخرج البخاري في صحيحه عن ابن أبي مُلَيْكَةَ: [أنَّ امرأتين كانتا تَخْرِزانِ في بيتٍ وفي الحُجْرَةِ، فَخَرَجَتْ إحداهما وقد أُنْفِذَ بإشفَى في كَفِّها، فادَّعَتْ على الأخرى فرُفِعَ إلى ابن عباس، فقال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو يُعْطى الناسُ بِدَعْواهُمْ لَذهَبَ دِماءُ قَوْمٍ وأموالهُم، ذَكِّروها بالله واقرؤوا عليها: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ} فَذَكَّروها فاعْتَرَفَتْ. فقال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: اليمين على المدَّعى عليه](4).
(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (4/ 192) بإسناد صحيح، وأخرجه النسائي في "الكبرى"(5996) من حديث عدي بن عميرة الكندي.
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (2358) كتاب المساقاة، باب إثم مَنْ مَنَعَ ابنَ السبيل من الماء.
(3)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (106)، وأحمد (5/ 148)، ورواه أبو داود (4087)، وغيرهم.
(4)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (4552)، كتاب التفسير، سورة آل عمران، آية (77).
78.
في هذه الآية: وإن من اليهود قومًا يحرِّفون كلام الله ويبدلون مواضعه ليزيلوه عن المراد به كذبًا على الله وهم يعلمون.
قال مجاهد: ({وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ}، قال: يحرفونه). وقال قتادة: (هم أعداء الله اليهود، حَرّفوا كتاب الله، وابتدعوا فيه، وزعموا أنه من عند الله).
وروى البخاري عن ابن عباس: (أنهم يحرِّفون ويزيلون).
وقوله: {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} . يعني: يتعمدون الكذب على الله، والشهادة عليه بالباطل، والإلحاق بكتاب الله ما ليس منه، طلبًا للرياسة والخسيس من حطام الدنيا. ذكره ابن جرير.
79 -
80. قوله تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80)}.
في هذه الآيات: يخبر تعالى ذكره عن استحالة دعوة نبيّ -اصطفاه الله واختاره- لنفسه ليتخذه العباد ربًّا من دون الله، ولكن يدعو الناس ليكونوا أسوة يُقتدى بهم في العلم والدين. وكذلك ما ينبغي له أن يأمر الناس بعبادة أحد غير الله، لا نبي مرسل ولا ملك مقرب، فإن هذا أمْرٌ بالكفر بعد الإسلام.
قال قتادة: (يقول: ما كان ينبغي لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة، يأمر عباده أن يتخذوه ربًّا من دون الله).
وقال ابن جريج: (كان ناس من يهود يتعبّدون الناس من دون ربهم، بتحريفهم كتابَ الله عن موضعه، فقال الله عز وجل {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ}، ثم يأمر الناس بغير ما أنزل الله في كتابه).
وفي جامع الترمذي بسند حسن: [أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية -اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله- على عدي بن حاتم الطائي، فقال: يا رسول الله لسنا نعبدهم. قال: أليس يحلّون لكم ما حرّم الله فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فتلك عبادتهم](1).
وقوله: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} .
قال البخاري في كتاب العلم، باب: العلم قبل القول والعمل. وقال ابن عباس: ({كُونُوا رَبَّانِيِّينَ}: حُلماء، فُقهاء، عُلماء، ويقال: الرَّبَّانِيُّ الذي يُرَبِّي الناس بصغار العلم قبل كباره). وقال مجاهد: (وهم فوق الأحبار) - أي العلماء. وعليه: فالربانيون هم عمادُ الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا، فالرباني الجامعُ إلى العلم والفقه، البصرَ بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية، وما يصلحهم في دُنياهم ودينهم.
وقوله: {بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} .
قال الضحاك: (حق على من تعلم القرآن أن يكون فقيهًا). وقوله: {تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ} أي: من التعليم. وقرأها عاصم: {بما كنتم تَعْلَمونَ الكتاب} قال: القرآن، {وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} ، قال: الفقه).
والقراءة الأولى أشهر {تُعَلِّمون} وهي قراءة عامة قرّاء الكوفة،
فالمعنى: بل كونوا سادة الناس وقادتهم في أمر دينهم ودنياهم، ربّانيين بتعليمكم إياهم كتاب الله وما فيه من حلال وحرام، وفرض وندب، وسائر ما حواه من معاني أمور دينهم، وبتلاوتكم إياه ودراسَتِكموه. ذكره ابن جرير.
(1) حديث حسن. أخرجه الترمذي (3095)، من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه.
وقوله: {وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا} . يعني: ولا كان لبشر أن يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا، أي: لا يأمركم بعبادة أحد غير الله، لا نبي مرسل ولا ملك مقرب.
وقد قرأها قراء الحجاز والمدينة على وجه الابتداء: {ولا يأمُرُكم} بالخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يأمركم. في حين قرأها قرّاء الكوفة والبصرة، بنصب الراء:{ولا يأمرَكم} ، عطفًا على قوله:{ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ} ، وهي القراءة الأشهر في الأمة.
وقوله: {أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} . يعني إن ذلك غير كائن من النبي صلى الله عليه وسلم أبدًا. إذ كيف يأمركم بعبادة آلهة غير الله بعد انقيادكم لله بالطاعة وتذللكم له بالعبادة.
81 -
82. قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَال أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالوا أَقْرَرْنَا قَال فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82)}.
في هذه الآيات: إخبار من الله تعالى عن أخذه ميثاق الأنبياء أَنْ يُصَدِّق اللاحق السابق، وأن يمضي على منهاج النبوة في الإيمان وحراسة الدين، حتى يأتي خاتم الرسل والأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم فيصدقوه وينصروه إن أدركوه، وإلا أوصوا أقوامهم بذلك، فعاهدوا الله جميعهم على ذلك، وقد شهد عليهم بذلك جلّت عظمته. فمن نقض هذا العهد أو أعرض عنه بعد توثيقه فأولئك هم العاصون الآثمون.
قال طاووس: (أخذ الله ميثاق الأُوَل من الأنبياء، ليصدقن وليؤمنن بما جاء به الآخِرُ منهم). وقال قتادة: (هذا ميثاق أخذه الله على النبيين أن يصدق بعضُهم بعضًا، وأن يُبلِّغوا كتاب الله ورسالاته، فبلغت الأنبياء كتاب الله ورسالاته إلى قومهم، وأخذ عليهم -فيما بلَّغتهم رُسلهم- أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ويصدقوه وينصروه). وقال السدي: (لم يبعث الله عز وجل نبيًّا قط من لدُنْ نوح، إلا أخذ ميثاقه ليؤمننّ بمحمد
ولينصرنَّه إن خَرَج وهو حي، وإلا أخذ على قومه أن يؤمنوا به ولينصرُنَّه إن خرج وهم أحياء).
وخلاصة المعنى: أن الله أخذ الميثاق على كل نبي من لدن آدم إلى عيسى عليهم السلام، مهما أوتي أحدهم من كتاب وحكمة، وبلغ بإذن الله أي مبلغ، ثم جاءه رسول من بعده، ليؤمنن به ولينصرنه، فإن هذا من ميثاق النبوة. ذكره ابن كثير.
قلت: ولا شك أن الرسول محمدًا صلى الله عليه وسلم هو خاتم الرسل والأنبياء، وهو الإمام الأعظم في الأمة، والقائد الأعلى إلى يوم القيامة، ونبوته قديمة وعريقة. فقد أخرج الإمام أحمد في المسند، عن عبد الله بن شقيق عن ميسرة الفجر قال: قلت: يا رسول الله متى كُتِبْتَ نبيًّا؟ قال: [كُتِبتُ نبيًّا وآدمُ بين الروح والجسد](1).
وفي لفظ: [كنت نبيًّا وآدم بين الروح والجسد](2).
وله شاهد عند الحاكم وصححه ووافقه الذهبي، قوله صلى الله عليه وسلم:[إني عند الله مكتوب خاتم النبيين، وإن آدمَ لمنجدِلٌ في طينته](3).
وقوله: {وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي} . قال ابن عباس ومجاهد: (يعني: عهدي). وقال محمد بن إسحاق: (إصري أي: ثقل ما حُمِّلْتُم من عهدي). أي ميثاقي الشديد المؤكد.
وقوله: {قَالُوا أَقْرَرْنَا} . يعني، قال الأنبياء: أقررنا بما ألزمتنا من الإيمان برسلك الذين ترسلهم مصدقين لما معنا من كتبك، وبنصرتهم.
وقوله: {قَال فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} .
قال علي رضي الله عنه: (يقول: فاشهدوا على أممكم بذلك، {وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ}، عليكم وعليهم).
والمعنى: إن هذا العهد يتطلب منكم نقله إلى أممكم أيضًا، فالكل مطالب بتصديق
(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (5/ 59)، وأبو نعيم في الحلية (9/ 53)، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة ص (111). انظر السلسلة الصحيحة (1856).
(2)
رواه أحمد في السنة. انظر المرجع السابق، وصحيح الجامع الصغير (4457).
(3)
أخرجه أحمد (4/ 127)، والطبري (34054)، والحاكم (2/ 418). وقوله:"لمنجدل": أي لملقي على الأرض، وانظر البحث في كتابي: أصل الدين والإيمان (1/ 118).
رسل الله والإيمان بالوحي النازل إليهم، والله يشهد على الجميع بذلك.
وقوله تعالى: {فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} أي: من أعرض ونقض عقد هذا الإيمان الواجب فهو منعوت عند الله بالفسق والخروج عن الطاعة.
قال علي بن أبي طالب: (فمن تولى عنك، يا محمد، بعد هذا العهد من جميع الأمم، {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، هم العاصون في الكفر) ذكره ابن جرير بسنده.
83 -
85. قوله تعالى: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)}.
في هذه الآيات: ينكر سبحانه وتعالى على من يلتمس منهجًا ودينًا غير دين الله العظيم، الذي استسلم لأمره من في السماوات ومن في الأرض، إما طائعًا وإما كارهًا، والكل إليه يرجعون. ثم يأمر نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يصرح بإيمانه بالله وهذا القرآن الذي أنزل عليه، وما أنزل على الأنبياء والرسل قبله من الصحف والوحي، وأن أمته صلى الله عليه وسلم مؤمنون بهذا النهج النبوي العظيم. إنه من يطلب منهجًا غير دين الإسلام ليكونن من الخاسرين.
قال مجاهد: (الطائع المؤمن، و {وَكَرْهًا}، ظل الكافر). وقال: (سجود المؤمن طائعًا، وسجود ظلّ الكافر وهو كارهٌ).
وقال الربيع عن أبي العالية: (كل آدمي قد أقرّ على نفسه بأن الله ربي وأنا عبده. فمن أشركَ في عبادته فهذا الذي أسلم كَرْهًا، ومن أخلص له العبودة، فهو الذي أسلم طوعًا).
وفي التنزيل: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ}
[الرعد.15]. وفيه أيضًا: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} لنحل: [48 - 49].
قلت: والآية تشمل استسلام بعض الكفار لسلطان الإسلام وقهر رجاله الفاتحين، وقودهم في الأسر ثم يُعْجَبُون بدين الله ويؤمنون. فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[عَجِبَ الله من قَوْمٍ يَدْخُلونَ الجنة في السَّلاسل](1).
وقوله: {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} . يعني يوم المعاد، فيقفون بين يديه للحساب والجزاء.
وقوله: {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} . يعني: القرآن. {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} أي: من الصحف والوحي.
وقوله: {وَالْأَسْبَاطِ} . هم ولد يعقوب الاثنا عشر، يعني بطون بني إسرائيل.
وقوله: {وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى} . يعني: ما أنزل عليهما من التوراة والإنجيل.
وقوله: {وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ} . يشمل جميع الأنبياء. {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} يعني بالإيمان، بل نؤمن بهم جميعهم ونوقرهم، ولا نفعل كما فعل أهل الكتاب من الإيمان ببعضهم والكفر ببعضهم.
وقوله: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} . خبرٌ عن المؤمنين من هذه الأمة أنهم يؤمنون بالله وما أنزل من الوحي على جميع رسله وأنبيائه، وأنهم منقادون له سبحانه بالطاعة كما يحب ويرضى.
وقوله: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} . يعني: من يطلب دينًا غير دين الإسلام ليدين به فهو مرفوض في منهاجه الذي ارتضى عند الله، {وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} أي: الباخسين أنفسهم حظوظها، ومن الهالكين النادمين.
86 -
89. قوله تعالى: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (3010)، كتاب الجهاد والسير. باب الأُسارى في السلاسل.
أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89)}.
في هذه الآيات: المرتد عن دين الله بعد الإيمان به يستحق عند الله اللعنة -منه ومن ملائكته ومن الناس أجمعين-. إلا من تدارك نفسه بالتوبة والإنابة والرجوع إلى منهاج الإيمان فإن الله غفور رحيم.
أخرج ابن جرير -ورجاله رجال الصحيح- وابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال: [كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتدّ ولحق بالشرك، ثم نَدِمَ فأرسل إلى قومه: أن سلوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لي من توبة؟ قال: فنزلت: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} إلى قوله: {وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. فأرسل إليه قومه فأسلم](1).
فقد استثنى الله تعالى الذين تابوا من بعد ارتدادهم عن إيمانهم، فراجعوا الإيمان بالله وبرسوله، وصدقوا وأصلحوا ما فاتهم فعملوا من الصالحات ما ينجيهم عند الله الغفور الرحيم.
90 -
91. قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91)}.
في هذه الآيات: يخبر تعالى عن مصير المرتدين عن الإيمان وقد ارتضوا الكفر منهجًا بدلًا عنه حتى وافتهم المنية، فإنه لن يُقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبًا -لو
(1) حديث صحيح. أخرجه النسائي في "التفسير"(85)، وأحمد (1/ 247)، والحاكم (2/ 142)، والطبري (7358)، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
استطاع ذلك- على سبيل الفدية، بل مأواهم النار خالدين فيها مع شر البريّة.
أخرج البزّار بسند جيد عن عكرمة، عن ابن عباس: [أن قومًا أسلموا ثم ارتدوا، ثم أسلموا ثم ارتدوا، فأرسلوا إلى قومهم يسألون لهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} (1).
قال ابن جريج: ({لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ}، يقول: إيمانهم أوّلَ مرة لن ينفعهم).
وقال السدي: (فعند موته، إذا تاب لم تقبل توبته).
وفي التنزيل: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَال إِنِّي تُبْتُ الْآنَ} .
وقوله: {وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ} . أي: الذين أخطؤوا منهج النجاة وطريق الحق حيرة منهم وعمى في قلوبهم.
وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ} . قال الحسن: (هو كل كافر).
أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:[يُجاء بالكافر يوم القيامة فيُقال له: أرأيتَ لو كانَ لكَ مِلءُ الأرض ذهبًا أكُنْتَ تفتدي به؟ فيقول: نَعَمْ، فيقال له: قد كنْتَ سُئِلتَ ما هو أيْسَرُ من ذلك](2). وفي لفظ: [فقد سألتك ما هو أهونُ من هذا وأنت في صُلْبِ آدم، أن لا تشركَ بي فأبَيْتَ إلا الشرك].
وأخرج الإمام أحمد والنسائي بسند صحيح عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول له: يا ابن آدم، كيف وجدت منزلك؟ فيقول: أي رب، خير منزل. فيقول: سل وتمنَّ. فيقول: ما أسأل ولا أتمنى إلا أن تردني إلى الدنيا، فأقتل في سبيلك عشر مرات. لما يرى من فضل الشهادة. ويؤتى بالرجل من أهل النار فيقول له: يا ابن آدم، كيف وجدت منزلك؟ فيقول: يا رب، شر منزل. فيقول له: تفتدي مني بطلاع الأرض ذهبًا؟ فيقول: أي رب، نعم. فيقول: كذبت،
(1) حديث صحيح. أخرجه أبو بكر البزّار، وذكره الحافظ ابن كثير في التفسير، وقال: وإسناده جيد. وانظر: الصحيح المسند من أسباب النزول -الوادعي- سورة آل عمران، آية (90).
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (6538)، كتاب الرقاق، وكذلك (3334)، كتاب أحاديث الأنبياء، وأخرجه مسلم (2805)، وأحمد (3/ 218)، وغيرهم.
قد سألتك أقلَّ من ذلك وأيسرَ فلم تفعل، فيُرَدّ إلى النار] (1).
وفي صحيح مسلم عن مسروقٍ، عن عائشةَ قالت:[قلتُ: يا رسول الله! ابْنُ جُدْعانَ كان في الجاهلية يَصِلُ الرحم، ويُطْعم المسكينَ، فهل ذاكَ نافِعُهُ؟ قال: لا ينْفَعُهُ، إنه لم يقل يَوْمًا: ربِّ اغفِرْ لي خطيئتي يومَ الدين](2).
وقوله: {أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} . إخبارٌ عن سوء المصير الذي ينتظر المرتدين عن دين الله العظيم، لقاء استهتارهم بما عَرَّفهم الله به من هديه الكريم، ومن ثَمَّ فلا نجاة لهم يومئذ وما لهم من قريب ولا حميم ولا صديق يُنْتظر منه النصر أو الاستنقاذ من المكروه والألم المحدق.
92.
قوله تعالى: {لَنْ تَنَالوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)} .
في هذه الآية: إخبار من الله تعالى أن بلوغ الجنة منوطٌ بالإنفاق في سبيل الله من المال الطيب المحبَّب، وما ينفق المؤمنون من شيءٍ إلا وهو محفوظ لهم عن العليم الكريم.
يروي ابن جرير بسنده عن السدي قال: (أما البر فالجنة). وكذلك رواه عن عمرو بن ميمون. قال قتادة: (يقول: لن تنالوا برَّ ربكم حتى تنفقوا مما يعجبكم، ومما تَهْوَوْن من أموالكم).
وقوله: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} . قال سعيد عن قتادة: (يقول: محفوظ لكم ذلك، الله به عليمٌ، شاكرٌ له).
وقد حفلت السنة الصحيحة بذكر آفاق هذا المعنى العطر، في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك قال: [كان أبو طَلْحةَ أكثرَ الأنصار بالمدينةِ مالًا من نَخْلٍ، وكان أحبَّ أمواله إليه بَيْرُحاءُ، وكانَتْ مستقبلةَ المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَدْخُلُها ويشرَبُ من ماءٍ فيها طيّب. قال أنس رضي الله
(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد (3/ 239)، والنسائي (6/ 36)، والحاكم (2/ 75).
(2)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (214)، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه عمل، ورواه أحمد (6/ 93)، وابن حبان (330).
عنه: فلما أُنزلت هذه الآية: {لَنْ تَنَالوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن الله تبارك وتعالى يقول: {لَنْ تَنَالوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} وإن أحَبَّ أموالي إليَّ بَيْرُحاء، وإنَّها صَدَقةٌ لله أرجو برَّها وذُخْرَها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بَخ، ذلكَ مالٌ رابحٌ، ذلِكَ مالٌ رابحٌ، وقَدْ سَمِعْتُ ما قُلْتَ، وإني أرى أن تَجْعَلَها في الأقربين. فقال أبو طلحةَ: أَفْعَلُ يا رسول الله! فَقَسَمَها أبو طلحةَ في أقاربهِ وبني عَمِّه] (1).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم وأحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما: [أن عُمَرَ تَصَدَّقَ بمال له على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يُقال له: ثَمْغٌ، وكان نَخْلًا، فقال عمر: يا رسول الله، إني اسْتَفَدْتُ مالًا وهو عندي نفيسٌ فأردتُ أن أتصدق به. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تَصَدَّقْ بأصْلِهِ، لا يُباعُ ولا يُوهَبُ ولا يُورَثُ، ولكن يُنْفَقُ ثَمرُه. فتصدَّق به عُمَرُ فَصَدَقَتُهُ تلك في سبيل الله وفي الرقاب والمساكينِ والضَّيفِ وابنِ السبيل ولذي القُرْبى، ولا جُناح على من وَلِيَهُ أن يأكُلَ منه بالمعروف، أو يُؤْكِلَ صديقَهُ غيرَ مُتَمَوِّلٍ به](2).
وفي لفظ: [قال: يا رسول الله لم أصب مالًا قطُّ هو أنفسُ عندي من سهمي الذي هو بخيبر، فما تأمرني به؟ قال: حَبِّس الأصل وسَبِّل الثمرة].
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند حسن، عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[أفضلُ الصدقات ظِلُّ فسطاطٍ في سبيل الله عز وجل، أو منحةُ خادمٍ في سبيل الله، أو طروقةُ فَحْلٍ في سبيل الله](3).
الحديث الرابع: أخرج البخاري عن أبي هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [أفضل
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (1461)، كتاب الزكاة، باب الزكاة على الأقارب، وأخرجه مسلم (998)، ومالك (2/ 595)، وأخرجه أحمد (3/ 141).
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (2764)، كتاب الوصايا، باب: وما للوصي أن يَعْمَلَ في مال اليتيم وما يأكُلُ منه بقَدْرِ عُمَالتِه. وأخرجه مسلم (1633)، وأحمد (2/ 114).
(3)
حديث حسن. أخرجَه الترمذي (1627). وانظر صحيح سنن الترمذي (1328). ورواه أحمد.
انظر صحيح الجامع الصغير (1120)، ورواه الحاكم وغيره. انظر تخريج الترغيب (2/ 158)، ورواه الترمذي من حديث عدي بن حاتم أيضًا.
الصدقة ما ترك غِنىً، واليد العليا خيرٌ من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول] (1).
الحديث الخامس: أخرج البزار عن حمزة بن عبد الله بن عمر قال: قال عبد الله: [حَضَرتني هذه الآية: {لَنْ تَنَالوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} فذكرت ما أعطاني الله، فلم أجد شيئًا أحب إليّ من جارية لي رُوميَّةٍ، فقلت: هي حُرَّةٌ لوجه الله، فلو أني أعود في شيء جعلته لله لنكحتها، يعني تزوجتها](2).
93 -
95. قوله تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95)}.
في هذه الآيات: إخبار من الله سبحانه عن يعقوب عليه السلام حين مرض مرضًا شديدًا فنذر إن شفاه الله أن يحرم على نفسه أحبَّ الطعام والشراب إليه، وكان ذلك قبل تنزل التوراة، وقد جاءت التوراة بعد ذلك تصدق ذلك. فمن ادّعى بعد ذلك أن الله شرع -ليهود- السبت أو كذّب بما نزل من الوحي بعد التوراة فقد أعظم على الله الفرية. فقل يا محمد: صدق الله فيما أنزل وأرسل وشرع، وقد أمرَ باتباع ملة إبراهيم، ملة التوحيد وإفراد الله بالتعظيم، عليه وعلى نبيِّنا وعلى الرسل أفضل الصلاة والتسليم.
فقد أخرج الإمام أحمد عن ابن عباس قال: [حضرت عصابة من اليهود نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: حدثنا عن خلال نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبي. قال: سلوني عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله، وما أخذ يعقوب على بنيه: لئن أنا حدثتكم شيئًا فعرفتموه لتُتابعُنّي على الإسلام. قالوا: فذلك لك. قال: فسلوني عما شئتم. قالوا: أخبرنا على أربع خلال: أخبرنا أيُّ الطعام حَرَّمَ إسرائيل على نفسه؟ وكيف ماء المرأة وماء الرجل؟ وكيف يكون الذكر منه والأنثى؟ وأخبرنا كيف هذا النبي الأمي في النوم؟ ومن وليه من
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (5355)، كتاب النفقات، باب وجوب النفقة على الأهل والعيال.
(2)
أخرجه الحافظ أبو بكر البزار من طريق عمرو بن حماس، وأورده الحافظ ابن كثير في التفسير، سورة آل عمران، آية (92).
الملائكة؟ . فأخذ عليهم العهد لئن أخبرهم ليتابعُنَّه فقال: أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى: هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضًا شديدًا وطال سقمه، فنذر لله نذرًا لئن شفاه الله من سقمه ليُحَرِّمن أحب الشراب إليه وأحب الطعام إليه، وكان أحبَّ الطعام إليه لحْمانُ الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها. فقالوا: اللهم نعم. قال: اللهم اشهد عليهم. وقال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، الذي أنزل التوراة على موسى: هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله، إنْ علا ماءُ الرجل ماءَ المرأة كان ذكرًا بإذن الله، وإنْ علا ماءُ المرأة ماء الرجل كان أنثى بإذن الله. قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد عليهم. وقال: وأَنْشُدُكُم بالذي أنزل التوراة على موسى: هل تعلمون أن هذا النبيّ الأميَّ تنام عيناه ولا ينام قلبه؟ قالوا: اللهم نعم. قال: اللهم اشهد. قالوا: وأنت الآن فحدّثنا من وليُّكَ من الملائكة؟ فعندها نُجَامِعُكَ أو نفارقُكَ. قال: إن وليِّي جبريل، ولم يبعث الله نبيًّا قط إلا وهو وليّه. قالوا: فعندها نفارقك، لو كان وليك غيره لتابعناك، فعند ذلك قال الله تعالى:{قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ} الآية] (1).
وقد جاء بسند أقوى عند الإمام أحمد والطبراني والترمذي -مختصرًا- عن ابن عباس قال: [أقبلت يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا أبا القاسم، إنا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك. فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قال:{وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} . قال: هاتوا. قالوا: أخبرنا عن علامة النبي؟ قال: تنام عيناه ولا ينام قلبه. قالوا: أخبرنا كيف تُؤْنِثُ المرأةُ، وكيف تُذْكِرُ؟ قال: يلتقي الماءان، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة، أذْكَرَت، وإذا علا ماء المرأة آنثت. قالوا: أخبرنا ما حرّم إسرائيل على نفسه؟ قال: كان يشتكي عرق النسا، فلم يجد شيئًا يلائمه إلا ألبان كذا وكذا -قال أحمد: قال بعضهم: يعني الإبل- فحرم لحومها. قالوا: صدقت. قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: مَلَكٌ من ملائكة الله عز وجل مُوَكَّل بالسحاب بيده -أو في يده- مِخْراقٌ من نار يَزْجُرُ به السحاب، يسوقه حيث أمر الله عز وجل. قالوا: فما هذا الصوت الذي يُسمعُ؟ قال: صوته. قالوا: صدقت، إنما بقيت واحدة، وهي التي نتابعك إن أخبرتنا بها، فإنه ليس من نبي إلا له ملك يأتيه بالخبر، فأخبرنا من صاحبك؟ قال: جبريل عليه السلام. قالوا: جبريل ذاك ينزل بالحَرْب والقتال والعذاب، عَدُوُّنا. لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات
(1) حسن لشواهده. أخرجه أحمد (1/ 278)، والطبراني (13012)، ويشهد له الحديث الذي بعده.
والقَطْرِ لكان، فأنزل الله تعالى:{قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} والآية التي بعدها] (1).
يروي ابن جرير في التفسير عن ابن جُريج والعوفي، عن ابن عباس قال:(كان إسرائيل -وهو يعقوب- عليه السلام يعتريه عرْق النّسا بالليل، وكان يقلقه ويزعجه عن النوم، ويُقْلِعُ الوجع عنه بالنهار، فنذر لله لئن عافاه الله لا يأكل عِرْقًا ولا يأكل ولدٌ له عرقًا). قال: (فاتبعه بنوه في تحريم ذلك استنانًا به واقتداء بطريقه).
وقوله: {مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ} . قال ابن عباس: (أي إن هذا قبل التوراة). يعني: حرّم ذلك يعقوب على نفسه من قبل أن تنزل التوراة.
قال الحافظ ابن كثير: (ولهذا السياق بعدما تقدم مناسبتان: إحداهما: أن إسرائيل عليه السلام حرَّمَ أحب الأشياء إليه وتركها لله، وكان هذا سائغًا في شرعهم، فله مناسبة بعد قوله:{لَنْ تَنَالوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} فهذا هو المشروع عندنا، وهو الإنفاق في طاعة الله مما يحبه العبد ويشتهيه، كما قال تعالى:{وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ} [البقرة: 177]. وقال تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ} [الإنسان: 8] الآية.
المناسبة الثانية: لما تقدم بيان الرد على النصارى، واعتقادهم الباطل في المسيح، وتبيين زيف ما ذهبوا إليه، وظهور الحق واليقين في أمر عيسى وأمه، وكيف خلقه الله بقدرته ومشيئته، وبعثه إلى بني إسرائيل يدعو إلى عبادة ربه تبارك وتعالى، شرع في الرد على اليهود قبحهم الله تعالى وبيان أن النسخ الذي أنكروا وقوعه وجوازه قد وقع، فإن الله تعالى قد نص في كتابهم التوراة أن نوحًا عليه السلام لما خرج من السفينة، أباح الله له جميع دوابِّ الأرض يأكل منها، ثم بعد هذا حرّم إسرائيل على نفسه لحوم الإبل وألبانها، فاتبعه بنوه في ذلك، وجاءت التوراة بتحريم ذلك، وأشياء أخرى زيادة على ذلك. وكان الله عز وجل قد أذن لآدم في تزويج بناته من بنيه. وقد حُرِّمَ ذلك بعد ذلك. وكان التسرِّي على الزوجة مباحًا في شريعة إبراهيم عليه السلام، وقد فعله إبراهيم في هاجر لما تسرّى بها على سارة، وقد حُرِّم مثل هذا في التوراة عليهم. وكذلك كان الجمع بين الأختين سائغًا، وقد فعله يعقوب عليه السلام جمع بين الأختين، ثم حُرِّم
(1) حديث حسن أخرجه الترمذي (3117)، والنسائي في "الكبرى"(9072)، وأحمد (2483)، والطبراني (12429)، وله شاهد وهو ما قبله. وانظر الصحيح المسند من أسباب النزول آية البقرة (97)، وقد مضى هناك بتمامه.
عليهم ذلك في التوراة. وهذا كله منصوص عليه في التوراة عندهم، وهذا هو النسخ بعينه، فكذلك فليكن ما شرعه الله للمسيح عليه السلام، في إحلاله بعض ما حُرِّمَ في التوراة، فما بالهم لم يتبعوه؟ بل كذبوه وخالفوه؟ وكذلك ما بعث الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم من الدين القويم، والصراط المستقيم، وملة أبيه إبراهيم، فما بالهم لا يؤمنون؟ ).
وقوله: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} فإنها تنطق بما قلناه.
وقوله تعالى: {فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} . يعني: من ادّعى بعد ذلك أن الله شرع لهم السبت أو تكذيب ما أنزل بعد التوراة فقد أعظم على الله الفرية.
وِقوله: {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ} . أي: قل يا محمد صدق الله فيما أنزل وأرسل وشرع. {فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} فإن ملته هي ملة محمد صلى الله عليه وسلم وجميع الرسل: التوحيد وإفراد الله بالتشريع والتعظيم.
96 -
97. قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالمِينَ (97)}.
في هذه الآيات: إخبار الله تعالى عباده أن الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم هي أول بيت وضع للناس، أي لعموم الناس لعبادتهم ونسكهم يطوفون به، ويصلون إليه، ويعتكفون عنده. وفيه علامات واضحات أنه من بناء إبرإهيم، ومن عاذَ بالبيت كان حرمًا آمنًا له وملاذًا وملجأ، وقد فرض الله الحج على المستطيع من عباده، ومن جحَد وجوبه كان من الكافرين.
فقوله: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ} . قال مجاهد وقتادة: (لم يوضع قبله بيت). وقال علي رضي الله عنه: (كان قبل البيت بيوت كثيرة، والمعنى أنه أول بيت وضع للعبادة).
وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: [سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أوّل مسجد وضع في الأرض. قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم
بينهما؟ قال: أربعون عامًا، ثم الأرض لك مسجد فحيثما أدركتك الصلاة فصل] (1).
قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد (1/ 49): (أشكل هذا الحديث على من لم يعرف المراد به، فقال: معلوم أن سليمان هو الذي بنى المسجد الأقصى، وبينهُ وبين إبراهيم أكثر من ألف عام، وهذا جهل من هذا القائل، فإن سليمان إنما جدّد المسجد الأقصى، والذي أسّسه أولًا يعقوب بن إسحاق).
أخرج النسائي بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم:[أن سليمان بن داود عليه السلام لما بنى بيت المقدس سأل الله خِلالًا ثلاثة: سأل الله عز وجل حُكْمًا يصادف حكمه فأُوتِيَهُ، وسأل الله عز وجل مُلْكًا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل الله عز وجل حين فرغ من بناء المسجد ألا يأتيه أحد لا يَنْهَزُهُ (2) إلا الصلاةُ فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمّه فأوتيه](3).
قال القرطبي في التفسير بعد إيراده الحديثين: (فجاء إشكالٌ بين الحديثين، لأن بين إبراهيم وسليمان آمادًا طويلة. قال أهل التواريخ: أكثر من ألف سنة. فقيل: إن إبراهيم وسليمان عليهما السلام إنما جدّدا ما كان أسَّسَه غيرهما. وقد روي أن أوّل من بنى البيت آدم عليه السلام كما تقدّم. فيجوز أن يكون غيره من ولده وضع بيت المقدس من بعده بأربعين عامًا، ويجوز أن تكون الملائكة أيضًا بنته بعد بنائها البيت بإذن الله، وكل محتمل، والله أعلم).
قلت: والتمسك بالنص أولى من التأويل، فهو صريح أن أول بيت وضع للناس بيت الله الحرام، والله أعلم بمن وضع أساسه الأول هل هو آدم أو بعض ولده أو الملائكة، ثم وُضع المسجد الأقصى بعده بأربعين عامًا، والله أعلم بمن وضعه، أهو يعقوب أم إبراهيم عليهما السلام، أم غيرهما، ثم جُدِّد بناء الكعبة والمسجد الأقصى، فأقام الأول إبراهيم، وجدد بناء الثاني سليمان عليهما السلام، والله تعالى أعلم.
وقوله: {لَلَّذِي بِبَكَّةَ} خبر إن، واللام للتوكيد، وبكّة من أسماء مكة. قال
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (3366) و (3425)، وأخرجه مسلم برقم (520)، ورواه أحمد في المسند (5/ 160).
(2)
النهز: الدفع. لا ينهزه: أي لا يدفعه ولا يزعجه.
(3)
حديث صحيح. أخرجه النسائي في "الكبرى"(772)، وابن حجر في الفتح (6/ 408) بإثر حديث (3371)، وذكره القرطبي في التفسير، وقال: إسناده صحيح.
مجاهد: (بكة هي مكة). وقيل: سميت بكّة لأنها تَبُكّ أعناق الظلمة والجبابرة، بمعنى أنهم يذلّون بها ويخضعون عندها. قال عبد الله بن الزبير: (لم يقصدها جبار قطّ بسوء إلا وقَصَهُ الله عز وجل.
وقيل: بكّة مشتقة من البَكّ وهو الازدحام. وسميت بذلك لازدحام الناس في موضع طوافهم. قال قتادة: (إن الله بكَّ به الناس جميعًا، فيصلي النساء أمام الرجال، ولَا يُفْعَل ذلك ببلد غيرها). أما مكة فسميت بذلك لأنها تمكّ من ظلم فيها أي تهلكه، وقيل: لقلة مائها سميت بذلك، وقيل لأنها تمك المخ من العظم مما ينال قاصدها من المشقة.
قلت: وكل هذه المعاني محتملة، فإن "بكة" موضع البيت، ومكة سائر البلد. ومن أسمائها: مكة، وبكة، والبيت العتيق، والبيت الحرام، والبلد الأمين، والمأمون، وأم رُحْم، وأم القرى، والبلدة، والكعبة وغير ذلك.
وقوله: {مُبَارَكًا} . أي: جعله الله مباركًا لتضاعف العمل فيه، وقد نُصب على الحال.
وقوله: {وَهُدًى لِلْعَالمِينَ} . عطف عليه، يعني: ومآبًا لنسك الناسكين وطواف الطائفين، تعظيمًا لله رب العالمين.
وقوله: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ} . أي فيه علامات واضحات أنه من بناء إبراهيم، وهناك قراءة:"فيه آية بينة". قال مجاهد: (قدَماه في المقام آية بينة). والقراءة الأولى أشهر. قال قتادة: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ} ، قال: مقامُ إبراهيم، من الآيات البينات). وقال ابن عباس:(مقام إبراهيم والمشعر). قال ابن كثير: {مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ} يعني الذي لما ارتفع البناء استعان به على رفع القواعد منه والجدران، حيث كان يقف عليه ويناوله ولدُه إسماعيل، وقد كان مُلْصقًا بجدار البيت، حتى أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنه في إمارته إلى ناحية الشرق بحيث يتمكن الطُّواف منه، ولا يشوّشون على المصلين عنده بعد الطواف، لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده حيث قال:{وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} .
وقوله: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} . قال ابن عباس: (من عاذ بالبيت أعاذه البيت، ولكن لا يُؤوى ولا يُطْعَمُ ولا يُسْقى، فإذا خرج أُخِذَ بذنبه). وقال الحسن وعطاء: (في الرجل يصيب الحدّ ويلجأ إلى الحرم - يخرج من الحرم، فيقامُ عليه الحد).
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [لا يحل لأحدكم أن يحمل السلاح بمكة](1).
وقوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} .
اللام في قوله: {وَلِلَّهِ} لام الإيجاب. ثم أكد الوجوب بقوله: {عَلَى} التي هي من أوكد ألفاظ الوجوب عند العرب. وهذه آية وجوب الحج عند الجمهور. والحج أحد أركان الإسلام، ويجب على المستطيع في العمر مرة.
ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: [خَطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجّوا. فقال رجل: كلَّ عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قلت نعم لوجبتْ ولما استطعتم. ثم قال: ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فائْتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه](2).
وروى الحاكم بسند حسن عن أنس: [أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئِل عن قول الله عز وجل: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} فقيل: ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة](3).
قلت: والاستطاعة تشمل عند الفقهاء:
1 -
صحة البدن.2 - أمن الطريق.3 - ملك الزاد والراحلة.4 - المَحْرم للمرأة.
ودليل الصحة: ما في الصحيحين عن ابن عباس: [أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الله في الحج شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يستوى على الراحلة، فأحج عنه؟ قال: حجي عنه](4).
ودليل الأمن: فلأن إيجاب الحج مع عدم ذلك ضرر، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:[لا ضرر ولا ضرار، من ضارَّ ضاره الله، ومن شاق شاقّه الله](5).
(1) حديث صحيح. رواه مسلم، وقد تقدم في سورة البقرة (آية: 126).
(2)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (1337)، وأحمد 2/ 508. وابن حبان (3704)، وغيرهم.
(3)
حديث حسن. أخرجه الحاكم (1/ 442)، ورواه الدارقطنى (2/ 216)، وله شواهد.
(4)
حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (1513) و (1855)، وأخرجه مسلم برقم (1334)، ورواه أحمد في المسند (1/ 346).
(5)
حديث صحيح. أَخرجه الحاكم (2/ 57 - 58) بسند صحيح عن أبي سعيد، والبيهقي (6/ 96 - 70).
ودليل ملك ما يكفيه: فاضلًا عن حاجته وحاجة من تلزمه نفقته، قول النبي صلى الله عليه وسلم:[كفى بالمرء إثمًا أن يضيّع من يقوت](1).
ودليل وجوب المحرم للمرأة: ما في الصحيحين عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجّة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا. فقال: انطلق فحجَّ مع أمرأتك](2).
وإلى جعل المحرم للمرأة من الاستطاعة ذهب الإمام أبو حنيفة والإمام أحمد.
فإذا تحققت الشروط السابقة وجب الحج على الفور كما ذهب لذلك الإمام مالك وأحمد وأبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي وأبو يوسف، محتجين بما روى الإمام أحمد وابن ماجة بسند حسن عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[من أراد الحج فليتعجَّل، فإنه قد يَمْرَض المريض، وتَضِلُّ الضالة، وتعرُض الحاجة].
وله طريق آخر عند أحمد بلفظ: [تعجلوا إلى الحج، فإن أحدكم لا يدري ما يَعْرِض له](3).
وقوله: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالمِينَ} . قال ابن عباس: (من زعم أنه ليس بفرض عليه). وقال الضحاك: (من جحد الحج وكفر به). وقال الحسن: (من أنكره، ولا يرى أن ذلك عليه حقًّا، فذلك كُفْرٌ).
وروى أبو بكر الإسماعيلي الحافظ من حديث أبي عمرو الأوزاعي، حدثني إسماعيل بن عُبيد الله بن أبي المهاجر، حدثني عبد الرحمن بن غَنْم، أنه سمع عمر بن
(1) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن -حديث رقم- (1692)، من حديث عبد الله بن عمرو، وانظر صحيح مسلم -حديث رقم- (996).
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (3006)، كتاب الجهاد والسير، وكذلك (1862)، ورواه مسلم (1341)، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره.
(3)
حديث حسن. أخرجه أحمد (1/ 214 - 314)، وانظر صحيح الجامع (2954)، وكذلك (5880)، (5879) للفظ الأول، وانظر تخريج إرواء الغليل (990).
الخطاب رضي الله عنه يقول: (من أطاق الحج فلم يحج، فسواء عليه يهوديًّا مات أو نصرانيًّا)(1).
98 -
99. قوله تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99)}.
في هذه الآيات: تقريع بكفرة أهل الكتاب ممن كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وجحد نبوته، وقد علموا الحجج على نبوته من كتبهم، والله يشهد ما يصدون به عن سبيله، يبغون بذلك العوج والميل عن الهوى، وهم يعلمون أنهم يَحْرِفون الطريق الحق والصراط المستقيم، والله سبحانه ليس بغافل عن أعمالهم وتحريفهم ومكرهم.
100 -
101. قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101)}.
في هذه الآيات: تحذير من الله سبحانه للمؤمنين أن يسقطوا في الطريق فيطيعوا طائفة من حسّادهم أهل الكتاب، كما قال تعالى:{وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة: 109]. ثم استنكار أن يقع الكفر من أحدهم بعدما سمع الوحي وعاصر النبوة. ثم تقرير أن الاعتصام بالله هو العمدة في الهداية إلى الصراط المستقيم.
فقوله: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} . قال قتادة: (علَمان بيِّنان: وِجْدانُ نبي الله صلى الله عليه وسلم، وكتابُ الله. فأما نبي الله فمضى صلى الله عليه وسلم. وأما كتاب الله، فأبقاه الله بين أظهركم رحمة من الله ونعمة، فيه حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته).
(1) صحيح موقوف. قال ابن كثير: (وهذا إسناد صحيح إلى عمر رضي الله عنه. ولا يصح مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أخرجه الترمذي (812) من حديث علي، وهو ضعيف جدًّا في إسناده مقال، وهلال بن عبد الله مجهول، والحارث الأعور يضعف في الحديث.
وقوله: {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} أي يمتنع ويتمسّك بدينة وطاعته.
قال ابن جريج: ({يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ}: يؤمن به). وقيل: المعنى يتمسك بحبل الله، وهو القرآن.
أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح على شرط مسلم، عن أبي شريح الخزاعي قال:[خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أبشروا أبشروا، أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قالوا: نعم، قال: فإن هذا القرآن سببٌ طرفُه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به، فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدًا](1).
وقوله: {فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} . قال ابن كثير: (أي: ومع هذا فالاعتصام بالله والتوكل عليه هو العمدة في الهداية، والعدة في مباعدة الغواية، والوسيلة إلى الرشاد، وطريق السداد، وحصول المراد).
102 -
103. قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)}.
في هذه الآيات: أمْرُ الله المؤمنين التزام التقوى بصدق والموت على الإسلام، والاعتصام بالجماعة والقرآن، ونبذ التفرقة والطغيان، وتذكر نعمة الله في صقل القلوب على المحبة وترك العدوان، فإن النجاة من عذاب الله بالهداية والإيمان.
أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية:{اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه] (2).
وأخرج الحاكم والطبري بسند صحيح موقوف عن مُرّة، عن عبد الله بن مسعود:
(1) حديث صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة (12/ 165)، والطبراني في "الكبير"(1/ 77/ 1)، وأخرجه ابن نصر في "قيام الليل"(74)، وانظر السلسلة الصحيحة (713).
(2)
حديث صحيح. انظر تخريج "مشكاة المصابيح"(5683)، وصحيح الجامع (5126).
{اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} ، قال:(أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر)(1).
وقوله: {وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} . قال طاووس: (على الإسلام، وعلى حُرْمة الإسلام). وقال ابن كثير: (أي: حافظوا على الإسلام في حال صحّتكم وسلامتكم لتموتوا عليه، فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعِثَ عليه، فعياذًا بالله من خلاف ذلك).
وفي مسند أحمد وسنن النسائي بسند صحيح عن حكيم بن حزام قال: [بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أخِرَّ إلا قائمًا](2).
قيل: معناه أن لا أموت إلا مسلمًا. وقيل: معناه أن لا أقتل إلا مُقْبلًا غير مُدبر.
قلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بالحث على حسن الظن بالله حتى آخر لحظة عند الاحتضار، وعلى المبادرة بفعل الخيرات من أجل حسن الختام. وفي ذلك أحاديث:
الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل موته بثلاث: [لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل](3).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [قال الله: أنا عند ظن عبدي بي](4).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، بإسناد صحيح عن أبي هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي إن ظنّ خيرًا فلَهُ، وإن ظنّ شرًّا فلهُ](5).
وله شاهد عند الطبراني في "الأوسط" من حديث واثلة بلفظ: [إن الله تعالى يقول: أنا عند ظنِّ عبدي بي، إن خيرًا فَخَيْرٌ، وإن شرًّا فَشَرٌّ](6).
(1) حديث موقوف. أخرجه الحاكم (2/ 294)، والطبري (7534)، وسنده صحيح.
(2)
حديث صحيح. أخرجه أحمد (3/ 402)، والنسائي (2/ 205) وإسناده صحيح على شرطهما.
(3)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (2877)، وأبو داود (3113)، وأحمد (3/ 315).
(4)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (7505)، كتاب التوحيد. وأخرجه مسلم (2675).
(5)
حديث صحيح. أخرجه أحمد (2/ 391)، وابن حبان (2394)، وانظر صحيح الجامع (4191).
(6)
حديث صحيح. أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط"(8115 - ترقيم الألباني) من حديث واثلة، ورواه أبو نعيم في الحلية (9/ 306).
وفي لفظ: [قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء](1).
الحديث الرابع: أخرج الحاكم بسند صحيح عن أنس مرفوعًا: [قال الله عز وجل: عبدي! أنا عند ظنك بي، وأنا معك إذا ذكرتني](2).
الحديث الخامس: أخرج الترمذي بسند حسن عن أنس: [أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو بالموت، فقال: كيف تجدك؟ قال: والله يا رسول الله إني أرجو الله، وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن، إلا أعطاه الله ما يرجو، وأمنه مما يخاف](3).
وقوله: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} - فيه أكثر من تأويل لمعنى "حبل الله":
التأويل الأول: عن الشعبي، عن عبد الله بن مسعود أنه قال في قوله:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} قال: (الجماعة). وفي رواية: (قال: حَبْلُ الله، الجماعة).
التأويل الثاني: عن قتادة قال: (حبل الله المتين الذي أمر أن يُعْتصمَ به: هذا القرآن). وقال السدي: (أما "حبل الله"، فكتاب الله).
التأويل الثالث: عن عطاء: ({بِحَبْلِ اللَّهِ}، قال: العهد). وقال مجاهد: (بعهد الله). وقال قتادة: (بعهد الله وأمره).
التأويل الرابع: قال أبو العالية: (يقول: اعتصموا بالإخلاص لله وحده).
التأويل الخامس: قال ابن زيد: (الحبل: الإسلام).
قلت: وهذه التفاسير متقاربة يعضد بعضها بعضًا، فإن حبل الله هو القرآن والمنهج الذي ارتضاه لنبيّه صلى الله عليه وسلم في فهمه، ولا يستقيم الاعتصام بذلك إلا بالجماعة، وهو مفهوم سيرته صلى الله عليه وسلم ورحلة البناء التي مضى عليها طيلة حياته، حتى أفرز للأمة جماعة الحق ودولة الإسلام.
(1) أخرجه الحاكم (4/ 240)، وانظر السلسلة الصحيحة (1663)، وصحيح الجامع (4192).
(2)
حديث صحيح. أخرجه الحاكم (1/ 497) بإسناد صحيح لغيره. انظر السلسلة الصحيحة (2012).
(3)
حديث حسن. أخرجه الترمذي في الجامع (983)، وابن ماجة في السنن (4261)، وعبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد"(ص 24/ 25)، وابن أبي الدنيا كما في "الترغيب"(4/ 141)، وحسنه الألباني في أحكام الجنائز (2).
وقد جاء في السنة الصحيحة ربط الحبل بالاعتصام، والقرآن بالجماعة. في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الطبراني في "المعجم الكبير" بسند صحيح، عن جبير بن مطعم قال:[كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجحفة فخرج علينا فقال: أبشروا، فإن هذا القرآن طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به، فإنكم لن تهلكوا ولن تضلوا بعده أبدًا](1).
الحديث الثاني: أخرج الترمذي وأحمد بسند حسن، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [كتابُ الله، هو حَبْلُ الله الممدود من السماء إلى الأرض](2).
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ألا وإني تارك فيكم ثقلين، أحدهما كتاب الله عز وجل، وهو حبل الله، ومن اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة](3).
وقوله: {وَلَا تَفَرَّقُوا} . قال قتادة: (إن الله عز وجل قد كره لكم الفُرقة، وقدّم إليكم فيها، وحذّركموها، ونهاكم عنها، ورضي لكم السمع والطاعة والألفة والجماعة، فارضوا لأنفسكم ما رضي الله لكم إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله).
وقال أبو العالية: ({وَلَا تَفَرَّقُوا}، لا تعادوا عليه، يقول: على الإخلاص لله، وكونوا عليه إخوانًا).
قال الحافظ ابن كثير: (أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة. قال: وقد ضمنت لهم العصمة عند اتفاقهم من الخطأ).
قلت: وقد أشارت السنة الصحيحة إلى هذا الضمان، فيما أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[إن الله تعالى لا يجمع أمتي على ضلالة، ويدُ الله على الجماعة](4).
(1) حديث صحيح. أخرجه الطبراني (1/ 77/ 1)، وابن أبي شيبة (12/ 165) نحوه.
(2)
حديث حسن. أخرجه الترمذي في السنن (3790) من حديث أبي سعيد الخدري، ورواه أحمد في المسند (3/ 14، 17)، وانظر صحيح الجامع (4349).
(3)
حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (7/ 123)، وابن حبان (123 - شاكر).
(4)
حديث صحيح. أخرجه الترمذي في الجامع، والطبراني في "المعجم الكبير"(3/ 209/ 1)، والحاكم (1/ 115 - 116). وانظر تخريج المشكاة (173)، وصحيح الجامع (1844).
وقوله: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} . قال ابن جرير: (واذكروا ما أنعم الله به عليكم من الألفة والاجتماع على الإسلام). والمقصود أن الجاهلية ونعراتها كانت قد أجهزت عليهم وفرقتهم وهي كذلك اليوم تفرق الناس وراء سبل الشياطين، ولا يجمعهم والله إلا هذا الدين.
قال قتادة: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} ، كنتم تذابحون فيها، يأكل شديدكم ضعيفكم، حتى جاء الله بالإسلام فآخى به بينكم، وألّف به بينكم. أما والله الذي لا إله الا هو، إن الألفة لرحمة، وإن الفرقة لعذاب).
وقال ابن إسحاق: (كانت الحرب بين الأوس والخزرج عشرين ومئة سنة، حتى قام الإسلام وهم على ذلك، فكانت حربهم بينهم وهم أخوان لأب وأم، فلم يسمع بقوم كان بينهم من العدواة والحرب ما كان بينهم. ثم إن الله عز وجل أطفأ ذلك بالإسلام، وألف بينهم برسوله محمد صلى الله عليه وسلم).
يروي عبد الله بن أحمد في زوائد المسند بسند حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر وتركها كفر، والجماعة رحمة والفرقة عذاب](1).
وقوله: {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} .
قال السدي: (يقول: كنتم على طرف النار، من مات منكم أوبِقَ في النار، فبعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم فاستنقذكم به من تلك الحفرة). وقال حسن بن حيّ: {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} ، قال: عصبية).
وقوله: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} . يعني: لتهتدوا إلى سبيل النجاة والرشاد، فتسلموا في الدنيا، وتنجوا في الآخرة.
104 -
109. قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا
(1) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (4/ 278)، ورواه عبد الله بن أحمد في "الزوائد"(4/ 375)، وإسناده حسن. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (667).
الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالمِينَ (108) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109)}.
في هذه الآيات: يأمر سبحانه أن تَنْفِرَ أمةٌ من الأمة لحراسة الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإلا هلكت الأمة جميعًا. ثم يحذر سبحانه من الفرقة والاختلاف، ومغبة ذلك في الدنيا والآخرة، فإن أهل السعادة تبيَّض وجوههم يوم الحساب، وأهل الشقاوة تسوَّد وجوههم، وإلى الله المَلِكِ ترجع الأمور.
قال الضحاك: (هم خاصة أصحابِ رسول الله، وهم خاصة الرواة). قال ابن كثير: (يعني المجاهدين والعلماء).
وقد حفلت السنة الصحيحة بهذا الأمر الإلهي المبارك في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان](1). وفي لفظ: "وليس وراء ذلك من الإيمان حبّةُ خردل".
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند حسن، عن حُذيفة بن اليمان، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[والذي نفسي بيده، لتأمُرُنّ بالمعروف ولتنهَوُنَّ عن المنكر، أو ليوشكَنّ الله أن يبعث عليكم عِقابًا من عنده، ثم لتَدْعُنَّه فلا يستجيب لكم](2).
الحديث الثالث: أخرج ابن ماجة بإسناد حسن عن عبيد الله بن جرير عن أبيه قال:
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (49) وأحمد (3/ 20)، وأبو داود (1140) والترمذي (2172)، والنسائي (8/ 112)، وابن ماجة (1273)، وابن حبان (306).
(2)
حسن صحيح بشواهد: أخرجه الترمذي (2169)، وأحمد (5/ 391)، وحسنه الترمذي والألباني.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ما من قوم يُعْمل فيهم بالمعاصي، هم أعزّ منهم وأمنع لا يغيرون إلا عمهم الله بعقاب](1).
وكذلك روى الإمام مالك في الموطأ عن إسماعيل بن أبي حكيم أنه سمع عمرَ بن عبد العزير يقول: [كان يُقال: إن الله تبارك وتعالى لا يُعَذِّبُ العامة بذنب الخاصة، ولكن إذا عمل المنكر جِهارًا استحقوا العقوبة كلهم].
وقوله: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} . نهيٌ عن سلوك سبيل الأمم الماضية التي فشا فيها التفرق في الدين وتشتيت الكلمة وتضييع العلم.
وفي التنزيل: {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} . وفي المسند وسنن أبي داود بسند حسن عن أبي عامر عبد الله بن لُحَيّ قال: [حججنا مع معاوية بن أبي سفيان، فلما قدمنا مكة، قام حين صلّى صلاة الظهر فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين مِلّة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين مِلّة -يعني الأهواء- كلها في النار إلا واحدة -وهي الجماعة- وإنه سيخرج في أمتي أقوام تُجَارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عِرْقٌ ولا مَفْصِلٌ إلا دخله. والله -يا معشر العرب- لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم صلى الله عليه وسلم لغَيْرُكُم من الناس أحرى أن لا يقوم به](2).
وقوله: {وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} . يعني في الآخرة لقاء تفرقهم وتضييع دينهم.
وقوله: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} . قال ابن عباس: (تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسودّ وجوه أهل البدعة والفُرْقة). والمقصود: يوم القيامة.
وقوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} . قال الحسن: (هم المنافقون، كانوا أعطوا كلمةَ الإيمان بألسنتهم، وأنكروها بقلوبهم وأعمالهم).
(1) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة (4009). انظر صحيح ابن ماجة (3238). وانظر تخريج المشكاة (5142)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (1/ 687) له وللأثر الذي بعده عن عمر بن عبد العزيز.
(2)
حديث حسن. أخرجه أبو داود في السنن -حديث رقم- (4597)، وأخرجه أحمد في المسند (4/ 102) وإسناده حسن. وله شواهد كثيرة.
وقوله: {فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} أي: مقابل النفاق والجحود والاستهزاء بالدين.
وقوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} . قال ابن جرير: (يعني: في جنته ونعيمها وما أعدّ الله لأهلها فيها، {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}، أي: باقون فيها أبدًا بغير نهاية ولا غاية).
وقوله: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ} . يعني: مواعظ الله وعبره وحججه، نقرؤها عليك ونقصّها بالصدق واليقين يا محمد. {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالمِينَ} أي: لا يظلم أيًّا من الفريقين، فهؤلاء بَيَّضَ وجوههم وكرّمهم برحمته وفضله لقاء ما أخلصوا له الدين، وهؤلاء سوّد وجوههم وانتقم منهم لقاء ما أجرموا ومكروا، فهو الحكم العدل الذي لا يجور.
وفي صحيح أبي داود والنسائي عن هانئ بن يزيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[إنّ الله هو الحَكَمُ، وإليه الحُكم](1).
وفي صحيح مسلم عن أبي ذر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل:[قال الله تعالى: يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا .. ](2).
وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} .
تقرير للحقيقة الكبيرة الخالدة، فمردّ الجميع إلى خالقهم وبارئهم ومليكهم الحق، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.
110 -
112. قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ
(1) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (4955). انظر صحيح سنن أبي داود (4145). وأخرجه النسائي. انظر صحيح الجامع (1841)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (1/ 389) لتفصيل أدلة الصفات.
(2)
حديث صحيح. وهو جزء من حديث طويل. انظر مختصر صحيح مسلم -حديث رقم- (1828).
مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112)}.
في هذه الآيات: إخبار من الله تعالى عن كرامة هذه الأمة، وأنها أفضل الأمم إلى يوم القيامة، إذا قامت بمقتضى التوحيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأنّ أهل الكتاب لو آمنوا بما أَنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم مصدقًا لما معهم لكان خيرًا لهم، وقليل منهم المؤمنون. إنهم لن يضروكم إلا أذى تسمعونه منهم، وهم أجبن الناس عند القتال، فقد كتب الله عليهم الذلة والهزيمة، وأنزل عليهم غضبه لقاء كفرهم وتجرئهم على أنبيائه بالقتل، ونشرهم الفساد والبغي في الأرض.
فقوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} . قال مجاهد. (كنتم خير الناس للناس على هذا الشرط: أن تأمروا بالمعروف، وتنهوا عن المنكر، وتؤمنوا بالله).
قال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف، عن سفيان، عن مَيْسَرَة، عن أبي حازم، عن أبي هريرة رضي الله عنه:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قال: (خَيْرَ الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام).
ومفهوم كلام أبي هريرة أن إدخال الناس في الإسلام إنما هو رحمة لهم ونجاة من عذاب الله، فإنهم يقعون في الأسر أولًا بانتصار المسلمين، ثم يرون عظمة الإسلام ورحمته فيدخلون فيه، وكأنهم بهذه الصورة سيقوا إلى الجنة بالسلاسل.
وفي مسند أحمد وجامع الترمذي بسند حسن عن معاوية بن حَيْدَة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [أنتم تُوفُّون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل](1).
وقد جاء في كثرة الداخلين الجنة من هذه الأمة أحاديث، يبدو منها أنهم يشكلون ثلثي أهل الجنة، وقسم كبير يدخلها بغير حساب ولا عذاب.
الحديث الأول: في الصحيحين والمسند عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [عُرضت عليَّ الأمم، فرأيت النبي ومعه الرُّهَيط، والنبي ومعه الرُّهيط، والنبي ومعه
(1) صحيح بشواهد: أخرجه أحمد (4/ 447)، وأخرجه الترمذي (3001)، وقال: حديث حسن.
الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رُفِعَ لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق. فنظرت، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، ولا عذاب. ثم نهض فدخل منزله. فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم: فلعلّهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله شيئًا. وذكرو أشياء، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما الذي تخوضون فيه؟ فأخبروه. فقال: هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون. فقام عُكّاشة بن مِحْصَن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: أنت منهم. ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: سبقك بها عُكَّاشة] (1).
الحديث الثاني: في المسند وجامع الترمذي بسند جيد، عن أبي أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [وعدني ربي أن يُدخِلَ الجنة من أمتي سبعين ألفًا، مع كل ألف سبعون ألفًا، لا حسابَ عليهم ولا عذاب، وثلاث حثيات من حَثَيات ربي عز وجل](2).
الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال: [قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ترضون أن تكونوا رُبُع أهل الجنة؟ . فكبَّرنا. ثم قال: أما ترضون أن تكونوا ثلثَ أهل الجنة؟ فكبرنا. ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا شطْرَ أهل الجنة](3).
الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند حسن، عن ابن بُرَيدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[أهل الجنة عشرون ومئة صف، هذه الأمة من ذلك ثمانون صَفًّا](4).
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (6541)، ومسلم (220)، وأحمد (1/ 271)، ولفظ "لا يرقون" تفرد به مسلم دون البخاري وهو غريب، فإن صحّ فالمعنى لا يرقون برقية الجاهلية، والحديث رواه ابن حبان في صحيحه (6430).
(2)
حديث إسناده جيد. أخرجه الترمذي (2437)، وأحمد (5/ 268)، وابن أبي عاصم (589).
(3)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (6528)، ومسلم (221)، وأحمد (1/ 386)، وغيرهم.
(4)
حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (5/ 355) من حديث بريدة، والترمذي في الجامع (2546)، وابن ماجة في السنن (4289)، وغيرهم.
والخلاصة: هذه الأمة هي أمة الخيرية، وأمة الشهادة على الناس، وأمة الوسطية، فمن التزم الشرط الذي ذكره الله تعالى:{تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} دخل في هذا الثناء العطر لهذه الأمة. قال عمر بن الخطاب: (من فعل فعلهم كان مثلهم). وقال قتادة: (بلغنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حَجَّة حَجَّها، رأى من الناس دَعَة، فقرأ هذه الآية: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}، ثم قال: من سره أن يكون من تلك الأمة، فليؤد شرط الله فيها) ذكره ابن جرير.
وقوله: {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ} . يعني: بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم مصدقًا لما معهم. {لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} أي: في الدنيا والآخرة.
وقوله: {مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} . قال قتادة: (ذم الله أكثر الناس). والمراد: أن قلة منهم ستؤمن بما أنزل إليكم، وأكثرهم يتابعون على الفسق والضياع والانحراف.
وقوله: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى} . قال قتادة: (لن يضروكم، إلا أذى تسمعونه منهم). وقال الحسن: (تسمعون منهم كذبًا على الله، يدعونكم إلى الضلالة). وقال ابن جريج: (إشراكهم في عُزير وعيسى والصَّليب).
وقوله: {وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ} . كناية عن انهزامهم وجُبْنهم أثناء القتال، وتولية ظهورهم يركبون الفرار، وقد كتب الله عليهم الذل وأيد المؤمنين بنصره عليهم.
قال ابن كثير: (وهكذا وقع، فإنهم يوم خيبر أذلهم الله وأرغم أنوفهم، وكذلك من قبلهم من يهود المدينة بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، كلهم أذلهم الله، وكذلك النصارى بالشام كَسَرهم الصحابة في غير ما موطن، وسلبوهم مُلْكَ الشام أبد الآبدين ودهر الداهرين، ولا تزال عصابة الإسلام قائمة بالشام حتى ينزل عيسى بن مريم، وهم كذلك، وَيَحْكُم بملة الإسلام وشرع محمد، عليه أفضل الصلاة والسلام، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام).
قال الحسن: (أذلهم الله فلا مَنْعةَ لهم، وجعلهم الله تحت أقدام المسلمين).
وقال السدي: {إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} يقول: إلا بعهد من الله وعهد من الناس). قال عطاء: (العهد حبلُ الله).
والمعنى: ألزمهم الله الذلة والصغار فلا يأمنون إلا بذمة من الله -وهو عقد الذمة لهم وضرب الجزية عليهم- وذمة من الناس- أي أمان لبعضهم إذا أمّنه واحد من المسلمين، أو ما يكون حال المهادنة والأسر.
وقوله: {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} . أي: تحمّلوا غضب الله فانصرفوا به مستحقِّيه.
وقوله: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ} . أي: ألزموها. قال ابن جرير: (ومعنى المسكَنة: ذل الفاقة والفقر وخشوعهما).
وقوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} أي: إنما قضى عليهم ما قضى من الذل والهزيمة لقاء كفرهم وتجرئهم على الأنبياء بالقتل حسدًا منهم وبغيًا في الأرض وحبًا للكبر.
وقوله: {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} . قال قتادة: (اجتنبوا المعصية والعدوان، فإن بهما أهلِكَ مَنْ أُهلك قبلكم من الناس).
113 -
117. قوله تعالى: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (116) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117)}.
في هذه الآيات: يخبر تعالى أن من أهل الكتاب أمة قائمة بأمر الله مطيعة لشرعه، آمنوا بمحمد رضي الله عنه مع إيمانهم برسلهم وما أنزل من قبل، يقومون الليل ويتلون القرآن وهم من الصالحين. وما يفعلوا من خير فهو محسوب لهم والله عليم بالمتقين. إن أموال الكفار وأولادهم لن تدفع عنهم عذاب النار يوم القيامة. وإنما مثل ما ينفقون في هذه الدنيا من أموال وما يعملون من أعمال ظاهرها البر والصلاح كمثل زرع أهلكته الريح، فإن الله لا يقبل مع الشرك شيئًا.
وقد جاء في أسباب النزول لما تقدم من الآيات في أهل الكتاب حديثان صحيحان:
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد وابن حبان بسند حسن عن ابن مسعود قال: [أخّر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال: أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم. قال فنزلت هذه الآيات: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} -إلى قوله-: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ}](1).
فوصف الله تعالى أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأنهم يصلُّونها دون أهل الكتاب الذين كفروا بالله ورسوله.
الحديث الثاني: أخرج الطبراني ورجاله ثقات، عن ابن عباس رضي الله عنه قال: [لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسد بن عبيد، ومن أسلم من يهود فآمنوا وصدقوا ورغبوا في الإسلام، قالت أحبار يهود أهل الكفر: ما آمن بمحمد وتبعه إلا شرارنا، ولو كانوا خيارنا ما تركوا دين آبائهم، فأنزل الله عز وجل في ذلك من قوله:{لَيْسُوا سَوَاءً} إلى قوله تعالى: {مِنَ الصَّالِحِينَ} (2).
قال السدي: ({لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} الآية، يقول: ليس هؤلاء اليهود، كمثل هذه الأمة التي هي قائمة).
قلت: ولا شك أن من آمن من أهل الكتاب وصدق بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد صار من أمته، وهم بذلك داخلون في الثناء العطر على أهل التلاوة والقيام والإيمان.
ولذلك قال: {يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} . أي: من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل في صلاتهم، وهم مع ذلك يسجدون فيها سجود هذه الأمة المعروف في صلاتها.
(1) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (1/ 396)، وصححه ابن حبان (1530)، وأخرجه النسائي في "التفسير"(93)، وأخرجه أبو يعلى (5306). وانظر:"الصحيح المسند من أسباب النزول" -الوادعي- سورة آل عمران، آية (113).
(2)
حديث حسن. أخرجه الطبراني ورجاله ثقات. انظر المرجع السابق، سورة آل عمران (113).
أي: يقرون بالله ويصدقون بالبعث ويأمرون بالمعروف الذي جاء في الشرع، وأعلاه التصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم، وينهون عن المنكر ومنه التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهم مسارعون في العمل الصالح لنيل مرضاة الله سبحانه واللحاق بالصالحين وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الجنة.
وقوله تعالى: {وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} .
أي: وما تفعل هذه الأمة من خير وبر وعمل صالح، فلن يبطل الله ثوابه، فهو أعلم بمن اتقاه وحرص على رضاه.
أي: لن تدفع الأموال والأولاد شيئًا من عذاب الله مقابل الكفر، {وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}: فإن من مات على الكفر ألزم صحبة النار الدائمة، ولا يقبل الله مالًا ولا رشوة ولا أحدًا يفتدي به من العذاب.
وقوله: {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} . قال مجاهد: (نفقة الكافر في الدنيا).
وقوله: {كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ} .
قال السدي: (يقول: كمثل هذا الزرع إذا زرعه القوم الظالمون، فأصابه ريح فيها صر، أصابته فأهلكته، فكذلك أنفقوا، فأهلكهم شِرْكهم).
والصر: شدة البرودة. قال ابن عباس: (برد شديد وزمهرير). وقال الضحاك: (ريح فيها برد). والمقصود: إبطال الله أجر ما ينفق هؤلاء الكفار في هذه الحياة الدنيا من أعمالٍ ظاهرها البر والصلاح ما داموا لم يقروا لله بالتوحيد، وللنبي صلى الله عليه وسلم بالأسوة والرسالة والمتابعة.
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنته، يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا حتى إذأ أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها](1).
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (2808) ح (56)، ح (57). ورواه أحمد في المسند بلفظ مقارب. انظر صحيح الجامع الصغير (1849).
وقوله: {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} . ردٌّ لما نزل بهم إلى صنيعهم، فإن الله سبحانه لا يظلم مثقال ذرة، بل الكافر هو الظالم لنفسه، الموردها هلاكها.
118 -
120. قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120)}.
في هذه الآيات: يُحذِّر الله تعالى عباده المؤمنين أن يتخذوا أولياء وأصدقاء لأنفسهم من دون أهل دينهم وملتهم، يطلعونهم على سرائرهم ليجهد هؤلاء المنافقون في المكر والخديعة وإلحاق الأذى بالمؤمنين. ها أنتم تحبون التقرب من هؤلاء الكفار، وهم يبادلونكم العداوة والغش والبغضاء، ويتآمرون مع المنافقين عليكم، فيحسدونكم على كل خير ينزل بكم، ويشمتون عند كل نازلة ومصيبة تلحق بكم، وإن تصبروا وتحتسبوا عند الله لا يضركم كيدهم، والله بما تعملون محيط.
فقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} . - إنما جعل البطانة مثلًا لخليل الرجل، فهو لشدة قربه منه يشبه ما ولي بطنه من ثيابه، في اطلاعه على أسراره.
قال قتادة: (نهى الله عز وجل المؤمنين أن يستدخلوا المنافقين، أو يؤاخوهم، أو يتولوهم من دون المؤمنين).
وقوله: {لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا} . أي: لا يدعون جهدهم لإيقاع الفساد فيكم.
وقوله: {وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ} . قال ابن جريج: (يقول في دينكم، يعني: أنهم يودون أن تعنتوا في دينكم). قال القرطبي: ({وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ}: أي ودوا عنتكم، أي: ما يشق عليكم. والعنت المشقة).
وقوله: {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} . قال قتادة: (قد بدت البغضاء من أفواه المنافقين إلى إخوانهم من الكفار، من غشهم للإسلام وأهله، وبغضهم إياهم).
وقوله: {وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} . قال الربيع: (يقول: ما تكنُّ صدورهم أكبر مما قد أبدوا بألسنتهم).
ثم قال تعالى: {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ} أيها المؤمنون، {إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} عن الله مواعظه وأمره ونهيه ومواقع النفع لكم.
وقد حفلت السنة الصحيحة بالتحذير من بطانة السوء وتوضيح بعض معالم مفاهيم السياسة الشرعية والعلاقات الدولية. وفي ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[ما اسْتُخْلِفَ خليفةٌ إلا لهُ بطانتانِ: بِطانةٌ تأمُرُه بالخير وتحضُّهُ عليه، وبطانةٌ تأمُرُهُ بالشر وتحضُّه عليه، والمعصوم من عصم الله](1).
الحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح من حديث جرير بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين. قالوا: يا رسول الله، لم؟ قال: لا تراءى ناراهما](2).
الحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح عن سمرة بن جندب: [أما بعد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من جامَعَ المُشْرِكَ، وسَكَنَ مَعَهُ، فإنه مثله](3).
وقوله: "من جامع المشرك" أي: بحيث يصير أكيله وقعيده وشريبه، وقوله:"وسكن معه" أي في ديار الكفار، فإن كان للكفار وجود في ديار الإسلام، فالحكم يبقى كذلك، لا بد من الولاء والبراء.
أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن الدهقانة قال: قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه:
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (6611)، كتاب القدر، وأخرجه أحمد في المسند (3/ 39)، والنسائي (7/ 158).
(2)
حديث صحيح. أخرجه أبو داود (2645)، باب النهي عن قتل من اعتصم بالسجود. انظر صحيح أبي داود (2304)، كتاب الجهاد، الباب السابق.
(3)
حديث صحيح. أخرجه أبو داود (2787)، كتاب الجهاد، باب في الإقامة بأرض الشرك.
إن هاهنا غلامًا من أهل الحيرة، حافظ كاتب، فلو اتخذته كاتبًا؟ فقال:(قد اتخذت إذن بطانة من دون المؤمنين).
وقوله: {هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ} . قال ابن جرير: (يقول: تحبون هؤلاء الكفار الذين نهيتكم عن اتخاذهم بطانة من دون المؤمنين، فتودونهم وتواصلونهم وهم لا يحبونكم، بل يبطنون لكم العداوة والغش).
وقوله: {وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ} . قال ابن عباس: (أي: بكتابكم وكتابهم وبما مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم، فأنتم أحق بالبغضاء لهم، منهم لكم).
وقوله: {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} . قال قتادة: (إذا لقوا المؤمنين قالوا: {آمَنَّا} ، ليس بهم إلا مخافة على دمائهم وأموالهم، فصانعوهم بذلك، {وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} ، يقول: مما يجدون في قلوبهم من الغيظ والكراهة لما هم عليه. لو يجدون ريحًا لكانوا على المؤمنين، فهم كما نعت الله عز وجل.
والأنامل: جمع "أنْمُلَة". قال السدي: (الأصابع). وقال قتادة: (أطراف الأصابع). والمقصود: عضوا على أصابعهم تغيظًا من قوة المسلمين وتمنيًا لإفساد شوكتهم.
وقوله: {قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} . أي: قل يا محمد لهؤلاء الحُسّاد -من اليهود وأمثالهم من أهل الكتاب والمشركين- موتوا غيظًا لما رأيتموه من شوكة المؤمنين واجتماع كلمتهم وائتلاف جماعتهم، فإن الله مع المؤمنين يؤيدهم بنصره وعونه، وهو ذو علم بما تخفيه صدور العالمين، من المنافقين والمؤمنين.
وقوله: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا} . قال الربيع: (هم المنافقون، إذا رأوا من أهل الإسلام جماعة وظهورًا على عدوهم، غاظهم ذلك غيظًا شديدًا وساءهم. وإذا رأوا من أهل الإسلام فرقة واختلافًا، أو أصيب طرفٌ من أطراف المسلمين، سرَّهم ذلك وأعجبوا به. قال الله عز وجل:{وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} .
121 -
123. قوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123)}.
في هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن يوم أحد حين غدا النبي صلى الله عليه وسلم يجهز منازل المؤمنين لخوض القتال، وهو سبحانه سميع للحوار الذي جرى بين نبيّه وبين أصحابه، عليم بسداد رأي النبوة في البقاء بالمدينة والتحصن بها. ثم تذكيره -تعالى- بتخاذل المنافقين حتى كادت فئتان من المؤمنين أن تجبنا لولا تثبيت الله لهم. ثم تذكيره -تعالى- المؤمنين بيوم بدر إذ نصرهم وهم قلة ليتقوا الله ولعلهم يشكرون.
فقوله: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} .
يخبر تعالى في هذه الآية عن يوم أحد، وكانت يوم السبت من شوال سنة ثلاث للهجرة. قال قتادة:(لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال). وقال عكرمة: (يوم السبت للنصف من شوال)، والله أعلم.
قال قتادة: ({وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ}، ذلك يوم أحد، غدا نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم من أهله إلى أحد يبوئ المؤمنين مقاعد للقتال).
وقال مجاهد: (مشى النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ على رجليه يبوئ المؤمنين).
وقال ابن هشام: (تبوئ المؤمنين: تتخذ لهم مقاعد ومنازل).
وقوله: {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} . أي: سميع للحوار الذي جرى بينك وبين أصحابك يا محمد، عليم أن رأيك بالبقاء والتحصن في المدينة أصوب وأدق.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى رؤيا تشير إلى هزيمة وقتل يقع في أصحابه، ورأى أنه في درع حصينة فأوَّلَها المدينة.
أخرج البخاري في صحيحه عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [رأيت في رؤياي أني هززت سيفًا فانقطع صَدْرُه، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته بأخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها بقرًا والله خيرٌ، فإذا هم المؤمنون يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير
وثوابِ الصدق الذي آتانا الله بعد يوم بدر] (1).
وفي رواية أحمد: [ورأيت أني في درع حصينة فأولتها المدينة](2).
ويروي الطبري بسندٍ حسن مرسل عن قتادة: [فقال ناس من أصحابه من الأنصار: يا نبي الله، إنا نكره أن نقتل في طرق المدينة، وقد كنا نمتنع من الغزو في الجاهلية، فبالإسلام أحق أن نمتنع منه فابرز إلى القوم، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبس لأمته -وهي الدرع الحصينة وأداة الحرب-، فتلاوم القوم فقالوا: عرض نبي الله صلى الله عليه وسلم بأمر وعرضتم بغيره، فاذهب يا حمزة فقل لنبي الله صلى الله عليه وسلم: أمرنا لأمرك تبع. فأتى حمزة فقال له: يا نبي الله إن القوم قد تلاوموا فقالوا. أمرنا لأمرك تبع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يناجز](3).
ثم ذَكَّر سبحانه بتخاذل بعض الجيش من المنافقين حتى كادت فئتان من المؤمنين أن تجبنا وتفكرا في الرجوع، فعصمهم الله وثبتهم، فقال جل ذكره:{إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا} . قال قتادة: (وذلك يوم أحد، والطائفتان بنو سلمة وبنو حارثة، حيان من الأنصار).
أخرج البخاري ومسلم عن جابر قال: [نزلت هذه الآية فينا: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} بني سلمة وبني حارثة، وما أحب أنها لم تنزل والله يقول: والله وليهما](4).
فهؤلاء همّوا بالرجوع لَمَّا أحدث المنافق عبد الله بن أُبي الخلل في الصفوف، فرجع بأهل النفاق إلى المدينة، فعصم الله بني سلمة وبني حارثة من الوقوع والزلل، وثبتهم حين جَبُنا عن لقاء العدو، وأعطى الله الأمة بذلك درسًا كبيرًا، أن من أصابه ضعف فليتوكل على الله، وليتذكر عظمته وجبروته، فإن ذلك يعينه على تجاوز الضعف والكسل، ويقوي نيّته وعزيمته.
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (4081)، كتاب المغازي. وانظر كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (2/ 658)، لتفصيل البحث.
(2)
حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (1/ 271)، وانظر المرجع السابق.
(3)
حسن لشواهده انظر تفسير الطبري (7/ 372)، وله طرق عند البيهقي وأحمد تقويه، فقد، رواه أحمد ووصله من حديث جابر. انظر كتابي: السيرة النبوية (1/ 658 - 659).
(4)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (4051) في المغازي، وأخرجه مسلم (2505) في فضائل الصحابة، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
ثم ذَكَّرَ الله سبحانه المؤمنين بيوم بدر، إذ كانوا قلة فأضعف أعداءهم، وأمدّهم بالملائكة المسوِّمين، أي المُعْلَمين، وعوض النقص بالعدد والعدة بهم. فقال جلَّ ذكره:{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} . قال ابن إسحاق: (أي: فاتقوني، فإنه شكر نعمتي).
124 -
129. قوله تعالى: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129)}.
في هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن يوم بدر وما كان من مشاركة الملائكة المؤمنين النصر، ونزول البشرى والطمأنينة والظفر. ثم وعدهم سبحانه وعدًا مماثلًا، يوم أحد، إن يصبروا ويصدقوا الاتباع والتقوى، فما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم. ليقطع طرفًا من المشركين فينتقم منهم أو يخزيهم بالخيبة والرجوع أذلاء صاغرين. إنه ليس لك -يا محمد- من الأمر شيء، فلو شاء الله لهداهم أو أخزاهم، فلا تستبعد إنابتهم، فقلوبهم بيد مالك السماوات والأرض العزيز الغفور الرحيم.
قال الحسن: ({إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ}، قال: هذا يوم بدر). وقال ابن إسحاق: (كانت سيماهم يوم بدر عمائم بيضًا). ولا تعارض مع قوله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} -إلى قوله-: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} ، فإن قوله {مُرْدِفِينَ} أي: يَرْدَفُهم غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم، فالتنصيص على الألف هاهنا لا ينافي الثلاثة الآلاف فما فوقها، ذكره ابن كثير. وبعض المفسرين ذهب أن الآية في يوم أحد، والتفسير الأول الذي ذكرناه أقرب، وهو اختيار شيخ المفسرين ابن جرير.
ثم وعدهم سبحانه وعدًا مماثلًا يوم أحد، أنهم إن يصبروا ويتقوا الله ويصدقوه الإيمان والقتال، ويأتيهم كفار قريش وتُبّاعهم {مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا} ، وهو ابتداء غضبهم الذي غضبوه لقتلاهم ببدر، يمددهم الله بخمسة آلاف من الملائكة الكرام، يقاتلون معهم في سبيل الله، ويقذفون الرعب في صفوف المشركين ويفرقوهم ويمزقوهم.
وقوله تعالى: {وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا} له تأويلان عند المفسرين:
التأويل الأول: ما ذكره مجاهد، قال:(من غضبهم هذا). يعني الكفار يوم أحد، غضبوا ليوم بدر مما لقوا.
والتأويل الثاني: ما ذكره قتادة، قال:(من وجههم هذا) والمراد يوم بدر، إذ همّ كرز بن جابر وأصحابه بنصرة المشركين.
قال أبو جعفر: (وأصْلُ الفَوْر: ابتداء الأمر يؤخذ فيه ثم يوصل بآخر).
وفي لغة العرب: فارت القدرُ فورًا وفورانًا إذا ابتدأ ما فيها بالغليان ثم اتصل.
ويُقال: مضيت إلى فلان من فوري هذا: أي من وجهي الذي ابتدأت فيه.
ولم يحصل المدد يوم أحد لعدم الصبر ومخالفة الأمر، على العكس من يوم بدر، وكنتم أيها المؤمنون يومئذ أحوج ما تحتاجون إلى مدد الملائكة وتأييدهم، لتطمئن بذلك قلوبكم، وتسكن بذلك نفوسكم، فما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم، ليقطع طرفًا من الذين كفروا (أي طائفة) قتلهم يوم بدر، وكانوا صناديدهم وقادتهم.
قال قتادة: (فقطع الله يوم بدر طرفًا من الكفار، وقتل صناديدهم ورؤساءهم وقادتهم في الشر).
وقأل الحسن: (هذا يوم بدر، قطع الله طائفة منهم وبقيت طائفة).
وقال ابن إسحاق: (أي ليقطع طرفًا من المشركين بقتل ينتقم به منهم).
وقطع طرفًا آخر منهم يوم أُحد، إذ قُتل منهم بضع وعشرون من قادتهم وفرسانهم. قال السدي:(ذكر الله قتلى المشركين -يعني بأحد- وكانوا ثمانية عشر رجلًا فقال: {لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا}، ثم ذكر الشهداء فقال: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} الآية). في حين فصّل ابن إسحاق وابن هشام في السيرة أسماء القتلى من مختلف بطون المشركين.
قال ابن إسحاق: (فجميع من قتل الله تبارك وتعالى يوم أحد من المشركين اثنان وعشرون رجلًا).
ثم قال سبحانه: {أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ} . أي: يخزيهم بالخيبة مما رجوا من الظفر بكم أيها المؤمنون سواء يوم بدر إذ رجعوا فَلَّا منهزمين، أو يوم أحد إذ لم يصيبوا شيئًا مما رجوا وكانوا يأملون.
فعن قتادة: (قوله: {أَوْ يَكْبِتَهُمْ} يقول: يخزيهم).
وقد تجلّى هذا الكبت والخزي لجيش مكة وقادته في الأمور التالية:
أولًا: إن جيش المدينة بقي صامدًا، إذ لم يلتجئ المقدار الكبير منهم إلى الفرار رغم الارتباك الذي حصل، والفوضى التي عمت وسرت، بل قاوم ببسالة وشجاعة واستماتة حتى تجمع حول مقر قيادته والتف حولها، ولم تسقط كفته إلى حد يطارده جيش المشركين.
ثانيًا: إن جيش المدينة لم يقع أحد منهم في الأسر، رغم الطوق الحديدي الذي فرضه عليهم فرسان مكة وجنودها الغاضبون.
ثالثًا: لم يحصل كفار مكة على شيء من غنائم المسلمين رغم تطور الأحداث لصالحهم في بعض مراحل القتال.
رابعًا: لم ينهض كفار مكة إلى الصفحة الثالثة من القتال، مع أن جيش المسلمين لم يزل في معسكره أمام أعينهم وعلى مدّ أبصارهم.
خامسًا: ومغادرة المشركين أرض المعركة فورًا، إذ لم يقيموا بها يومًا أو يومين أو ثلاثة كعادة المنتصر في ذاك الزمان، مما يشير إلى خوف ورعب قد ملأ قلوبهم، وخشية من تطور مفاجئ للأحداث لا يمضي لصالحهم.
سادسًا: عدم اجترائهم على دخول المدينة لنهب أموالها وسبي ذراريها ونسائها، رغم أنها كانت على خطوات قريبة منهم، وكانت مفتوحة أمام تقدمهم لو أرادوا.
فكل هذه المعاني والآفاق داخلة في مفهوم قوله تعالى: {أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ} . فقد انسحب أبو سفيان من ساحة المعركة بسرعة كبيرة، خشية صفحة ثالثة من القتال، تكون فيها المعرة والهزيمة، وتستأنف فيها الفئة المؤمنة شجاعتها وتألقها المعهود.
ومع ذلك يا محمد، ليس لك من الأمر شيء، فلو شاء الله لهداهم أو أخزاهم،
فهو سبحانه أعلم بقلوبهم ومستقبلهم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستبعد إنابتهم لما أدموه.
روى مسلم في صحيحه عن أنس: [أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كُسرت رباعيته يوم أحد، وشجَّ في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه ويقول: كيف يفلح قوم شجوا نبيّهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله، فأنزل الله عز وجل: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ}](1).
وقد جاء في أسباب نزول هذه الآية أحاديث أخرى صحيحة، مما قد يدل على تعدد الحادثة التي تنزل فيها بعض آيات القرآن.
الحديث الأول: أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة: [أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: اللهم العن فلانًا وفلانًا لأحياءٍ من العرب، حتى أنزل الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ}](2).
وفي لفظ عند مسلم: (اللهم العن رِعْلًا وذكوان وعصية).
الحديث الثاني: أخرج البخاري في التفسير عن حنظلة بن أبي سفيان قال: سمعت سالم بن عبد الله يقول: [كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على صفوانَ بن أمية، وسهيلَ بن عمرو، والحارث بن هشام، فنزلت: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} -إلى قوله- {فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ}](3).
الحديث الثالث: أخرج البخاري عن الزُّهري، حدثني سالم بن عبد الله، عن أبيه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر:"اللهم العَنْ فلانًا وفلانًا وفلانًا". بعدما يقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد". فأنزل الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} -إلى قوله- {فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} ] (4).
وقوله: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} . أي: جميع ما بين أقطار السماوات
(1) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (1791)، وعلقه البخاري بإثر (4068) ووصله مسلم كما سبق، ورواه أحمد (3/ 99)، (3/ 253)، والترمذي (3002)، وغيرهم.
(2)
حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (4560)، وصحيح مسلم (675)، ومسند أحمد (2/ 255)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3)
حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (4070) - كتاب المغازي، وكذلك (4559) - كتاب التفسير. ورواه أحمد (2/ 93)، (2/ 104)، والترمذي (3005)، وله شواهد كثيرة.
(4)
حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (4069)، وانظر:"الصحيح المسند من أسباب النزول" -الوادعي- سورة آل عمران، آية (128).
والأرض داخل في ملكه سبحانه وتحت تصرفه، وأهلهما عبيد بين يديه. {يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} فمردّ الأمر له وحده لا شريك له، إن شاء غفر وستر، وإن شاء فضحَ ونشر، فلا يسأل عما يفعل. {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. قال ابن إسحاق:(أي يغفر الذنوب، ويرحم العباد، على ما فيهم).
130 -
136. قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136)}.
في هذه الآيات: يخاطب الله تعالى المؤمنين يخبرهم أن الربا من أمر الجاهلية ليحذروه، وأن طاعة الله ورسوله سبيل النجاة والنصر والسعادة في الدارين. ثم يحثهم سبحانه على المسارعة بالاستغفار والإنفاق وكظم الغيظ والإحسان، واجتناب الفواحش والظلم والآثام، ليكونوا من أهل الخلود في الجنان.
فقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} .
قال ابن إسحاق: (أي لا تأكلوا في الإسلام إذ هداكم الله له، ما كنتم تأكلون إذ أنتم على غيره، مما لا يحل لكم في دينكم).
وقال مجاهد: (قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً}، قال: ربا الجاهلية).
وقال عطاء: (كانت ثقيف تدّاين في بني المغيرة في الجاهلية، فإذا حلّ الأجل قالوا: نزيدكم وتؤخرون؟ ).
وقال ابن زيد: (كان أبي يقول: إنما كان الربا في الجاهلية في التضعيف وفي السن.
يكون للرجل فضل دين، فيأتيه إذا حلّ الأجل فيقول له: تقضيني أو تزيدني؟ فإن كان عنده شيء يقضيه قضى، وإلا حوّله إلى السن التي فوق ذلك، إن كانت ابنة مخاض يجعلها ابنة لبون في السنة الثانية، ثم حِقَّة، ثم جَذَعة، ثم رباعيًّا، ثم هكذا إلى فوق، وفي العين يأتيه، فإن لم يكن عنده أضعفه في العام القابل، فإن لم يكن عنده أضعفه أيضًا، فتكون مئة فيجعلها إلى قابل مئتين. فإن لم يكن عنده جعلها أربِع مئة، يضعفها له كل سنة أو يقضيه. قال: فهذا قوله: {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} .
وقد يسأل سائل: ما علاقة آية الربا بمعركة أحد، إذ تخللت هذه الآية فجأة بين آيات وصف المعركة! ؟
والجواب والله المستعان: كأن الله سبحانه يقول للمؤمنين الذين قاتلوا يوم أحد: كما أن الربا من أمر الجاهلية فيه تجاوز للحق، فكذلك ما حصل يوم أحد حينما عصى بعضكما أمر الرسول وغادروا المواقع فيه تجاوز للحد، فالربا فيه تجاوز للحد وكذلك معصية إلرسول، وكلاهما محرم ممنوع.
وهذا التفسير من ربط الربا بالحديث عن المعركة وآلام بعض مواقفها والحث على الطاعة مما لم أقف عليه في التفاسير، وأظنه من فتح الله وإلهامه وتوفيقه، وهو سبحانه وتعالى أعلم.
وقد ذكر الإمام القرطبي في التفسير عند هذه الآية نكتة بديعة أخرى حيث قال: (وإنما خصّ الربا من بين سائر المعاصي، لأنه الذي أذن فيه بالحرب في قوله: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} والحرب يؤذن بالقتل، فكأنه يقول: إن لم تتقوا الربا هُزِمتم وقتلتم. فأمرهم بترك الربا، لأنه كان معمولًا به عندهم والله أعلم).
ثم أمرهم سبحانه باستئناف حياة الطاعة لله والرسول والمسارعة إلى طلب المغفرة والأعمال الموصلة إلى الجنان ونعيم الآخرة، فإنما ينفعكم أيها المؤمنون أن تسارعوا إلى مغفرة من الله ورضوان وجنات فيها نعيم مقيم، وأن تخبتوا له سبحانه ولا تصروا على الزلل ومعاودة السقوط، وترفقوا بالناس إذا زلوا كما زللتم أو ضعفوا كما ضعفتم.
فقوله سبحانه: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} فيه أكثر من تأويل متقارب في المفهوم:
الأول: المسارعة إلى الصلوات المفروضة والنوافل. فعن أنس بن مالك ومكحول قالا: (معناه إلى تكبيرة الإحرام).
الثاني: المسارعة إلى المساجد لأداء الفرائض. فعن علي بن أبي طالب قال: (إلى أداء الفرائض).
الثالث: المسارعة إلى الإخلاص والتقوى. روي ذلك عن عثمان بن عفان.
الرابع: المسارعة إلى التوبة من الربا. ذكره القرطبي.
الخامس: المسارعة إلى الصدق والثبات في القتال. ذكره القرطبي.
ثم ذكر سبحانه بعض أبواب الخير الموصلة للنعيم والحور العين والخلود في جنات عدن، فذكر البذل والإنفاق في سبيل الله وكظم الغيظ والعفو عن الناس.
فعن ابن عباس قوله: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ} يقول: (في العسر واليسر). قال ابن جرير: (وقوله: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} يعني: والجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه. يقال منه: كظم فلان غيظه، إذا تجرَّعه، فحفظ نفسه من أن تمضي ما هي قادرة على إمضائه، باستمكانها ممن غاظها، وانتصارها ممن ظلمها).
وقد حفلت السنة الصحيحة بمدح الكاظمين الغيظ والخازنين ألسنتهم وغضبهم، في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[ليس الشديد بالصُّرَعَةِ، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب](1).
الحديث الثاني: أخرج أحمد وأصحاب السنن بسند حسن، عن معاذ بن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[من كظَمَ غَيظًا، وهو قادر على أن يُنْفِذَه، دعاه الله على رؤوس الخلائق، حتى يُخَيِّرَه من الحور العين، يزوجه منها ما شاء](2).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، والإمام مسلم في الصحيح، من حديثا ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ما تَعُدّون الصرعة فيكم؟ قال: قلنا: الذي لا تَصْرَعُه الرجال. قال: لا، ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب](3).
الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم،
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (6114)، ومسلم (2609)، وأحمد (2/ 236) وغيرهم.
(2)
حديث حسن. أخرجه أحمد، وأبو داود (4777)، كتاب الأدب، ورواه ابن ماجة (4186)، وبقية أهل السنن. انظر تخريج المشكاة (5088)، وصحيح الجامع الصغير (6398).
(3)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (8/ 30)، وأحمد (1/ 382)، وإسناده على شرط الشيخين.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [الصُّرَعَةُ كُلُّ الصُّرَعةِ الذي يَغْضَبُ فيشتَدُّ غضبُهُ ويحمرّ وجهُهُ ويقشَعِرّ شعرُهُ فيصرَعُ غضبه](1).
الحديث الخامس: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن جارية بن قُدامة السعدي: [أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله قل لي قولًا ينفعني وأَقْلِلْ عليّ، لَعَلّي أعيه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تغضب. فأعاد عليه حتى أعاد عليه مرارًا، كل ذلك يقول: لا تَغْضب](2).
الحديث السادس: أخرج الطبراني بسند حسن من حديث ابن عمر: [ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظًا ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضًا يوم القيامة](3).
وله شاهد عند أبي يعلى من حديث أنس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[من كفّ غضبه كفّ الله عنه عذابه، ومن خَزَنَ لسانَه ستر الله عَوْرتَه، ومن اعتذر إلى الله، قبل الله عُذْرَه](4).
ثم قال سبحانه: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} . قال السدي: (أما الفاحشة فالزنا). وقال إبراهيم: (الظلم من الفاحشة، والفاحشة من الظلم). وأصل الفحش القبح والخروج عن الحد.
وقوله: {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} . قال قتادة: (فإياكم والإصرار، فإنما هلك المصرّون الماضون قُدُمًا، لا تنهاهم مخافة الله عن حرام حرَّمه الله عليهم، ولا يتوبون من ذنب أصابوه، حتى أتاهم الموت وهم على ذلك).
وقال الحسن: (إتيان العبد ذنبًا إصرارٌ، حتى يتوب).
وقال السدي: (أما {يُصِرُّوا} فيسكتوا ولا يستغفروا).
(1) حديث حسن. انظر تخريج الترغيب (3/ 278)، وصحيح الجامع الصغير (3753).
(2)
حديث صحيح. أخرجه أحمد (5/ 34)، والحاكم (3/ 615)، وابن حبان (5689) من حديث جارية بن قدامة السعدي، وسنده صحيح.
(3)
حديث حسن. وهو جزء من حديث طويل، رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(3/ 209/ 2)، وابن أبي الدنيا في "قضاء الحوائج"(ص 80) رقم (36). وانظر صحيح الجامع (174).
(4)
حديث حسن. انظر مسند أبي يعلى (4338)، والمجمع برقم (13708) من حديث أنس.
أخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر لكم، ويل لأقماع القول، ويل للمصرين، الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون](1).
وقوله: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} . قال ابن إسحاق: (يعلمون ما حرمت عليهم من عبادة غيري). وقال مجاهد: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنه من تاب تاب الله عليه).
فكأنه يخاطب سبحانه أهل أحد بقوله: يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا معصية الرسول والوقوع في مخالفته، وسارعوا إلى المغفرة والصدقة والعمل الصالح لتتجاوزوا ما حصل، وإياكم والإصرار على الذنب، فإن ذلك من الكبائر، وليكن ما حصل لكم يوم أحد مصدر رحمة يحملكم على رحمة الناس إذا ما وقعوا أو زلوا، فتتجاوزون عن هفواتهم، وتكظمون الغيظ عنهم، لتنالوا بذلك عفو الله ورضوانه.
وقوله: {أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} . أي: جزاؤهم على هذه الصفات التي اتصفوا بها المغفرة والجنات، تجري تحتها الأنهار من ألوان المشروبات، ماكثين فيها أبدًا لا يحولون عنها.
وقوله: {وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} : أي: نعم المستقر للعاملين المجدين، وهي أرض الجنة وما زينها الله به، وما هيأها لأحبابه وأوليائه، ففيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
137 -
143. قوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ
(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (2/ 165)، والبخاري في "الأدب المفرد"(380). وانظر صحيح الجامع الصغير (910)، من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا.
الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143)}.
في هذه الآيات: يقول تعالى ذكره: يا معشر أصحاب محمد وأهل الإيمان به، قد مضت وسلفت سنن من الله في أقوام نوح وصالح وهود ولوط، وغيرهم من سُلَّاف الأمم قبلكم، من آمن منهم مثلكم ومن كفر، ثم كان الدمار والهلاك على من كذبوا رسلي، وسخروا بوحيي، فذاقوا غِبَّ خلافهم أمري. فلا تضعفوا ولا تهنوا ولا تأسوا على ما فاتكم، فلكم العاقبة والظهور إن صدقتم وآمنتم بنبيي، وإن كان نزل بكم جراح وألم فقد أصاب عدوّكم مثلُ ذلك، وهي السنن يصرفها الله بين عباده، والجنة تحتاج إلى جهاد وصدق لتبلغوها. لقد كنتم تتمنون الموت قبل لقائه فاصدقوا الله إذ رأيتموه ولا تجبنوا فتنقلبوا خاسرين.
وعن الربيع: (قوله: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ} قال: إن كان أصابكم قرح فقد أصاب عدوكم مثله، يعزي أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ويحثهم على القتال).
وقال مجاهد: (القرح: جراح وقتل).
وفي لغة العرب: أدال الله فلانًا من فلان إذا ظفر به. قال ابن إسحاق: (قوله: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} أي: نصرفها للناس للبلاء والتمحيص).
وقوله: {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} . قال ابن عباس: (في مثل هذا لنرى من يصبر على مناجزة الأعداء).
وقوله: {وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} . قال ابن إسحاق: (أي: ليميز بين المؤمنين والمنافقين، وليكرم من أكرم من أهل الإيمان بالشهادة). أي: ممن يبذلون مُهَجَهُم في سبيل الله ومرضاته.
وقوله: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} . أي: الذين ظلموا أنفسهم بمعصيتهم ربهم. قال ابن إسحاق: (أي: المنافقين الذين يظهرون بألسنتهم الطاعة، وقلوبهم مصرة على المعصية).
وقوله: {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} قال مجاهد: (ليبتلي). وقال ابن إسحاق:
(أي: يختبر الذين آمنوا، حتى يخلّصهم بالبلاء الذي نزل بهم، وكيف صَبْرهم ويقينُهم).
وقوله: {وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} . قال ابن عباس: (ينقصهم). وقال الحسن: (يمحق الكافر حتى يكذِّبه). والمقصود ينقصهم ويفنيهم.
وقال سلمة عن ابن إسحاق: (أي: يبطل من المنافقين قولهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، حتى يظهر منهم كفرهم الذي يستترون به منكم).
وقوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} . يعني: هل حسبتم أن ترثوا الجنة دون ابتلاء في قتال وجهاد أو شدائد ومصائب، كما قال تعالى في آية البقرة:{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا} . وكقوله في سورة العنكبوت: {الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} . فلا بد من الفتنة ولا بد من الصبر.
وقوله تعالى: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} . تذكير من الله لهم بأيام الرخاء، والتسابق في الحديث عن الجهاد وتمني الموت في سبيل الله، وإنما يظهر الصدق عند اللقاء والتحام الصفوف.
وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن أبي أوفى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[لا تتمنّوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف](1).
وقوله: {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} . قال مجاهد: (غاب رجال عن بدر، فكانوا يتمنون مثل يوم بدر أن يلقوه، فيصيبوا من الخير والأجر مثل ما أصاب أهل بدر. فلما كان يوم أحد، ولّى من ولّى منهم، فعاتبهم الله).
وقال ابن إسحاق: {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} . أي: الموتَ بالسيوف في أيدي الرجال، قد خلّى بينكم وبينهم، وأنتم تنظرون إليهم، فصددتُم عنهم).
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (2966)، ومسلم (1742)، وأبو داود (2631)، وغيرهم.
144 -
148. قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148)}.
في هده الآيات: يقول جل ثناؤه: إنكم إنما تقاتلون من أجل دين الله سواء بقي محمد فيكم أو مات، ومن ثم فإن الشجاعة أثناء القتال لا تقصر الأعمار، وكذلك الجبن والفرار لا يزيد فيها، وأكثر الأنبياء من قبل قاتل معهم أتباعهم وحواريوهم وجنودهم، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا وما استكانوا بل كانوا من الصابرينَ، فتأسوا بهم واستغفروا الله واسألوه الثبات والنصر، فإنه ينصركم كما نصرهم على القوم الكافرين، ويؤتيكم ثواب الدنيا والآخرة وهو سبحانه يحب المحسنين.
أخرج البخاري عن عائشة: [أن أبا بكر رضي الله عنه أقبل على فرس مِن مَسْكَنِه بالسُّنْح حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمَّمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مُغَشَّى بثوب حِبَرَة، فكشف عن وجهه، ثم أكبّ عليه وقبَّله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي. والله لا يجمع الله عليك مَوْتَتَيْن، أما الموتة التي كُتبت عليك فقد مُتَّها. قال الزهري: وحدثني أبو سلمة، عن ابن عباس: أن أبا بكر خرج وعمر يُكلِّم الناس فقال: اجلس يا عمر فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر فقال أبو بكر: أما بعد، من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت. قال الله تعالى:{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} - إلى قوله - {وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} . قال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا
أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها عليهم أبو بكر، فتلقّاها منه الناس كلُّهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها. وأخبرني سعيد بن المسيِّب أن عمر قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعَقُرت حتى ما تُقِلّني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض] (1).
وقوله: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا} . أي: لا يفارق أحد هذه الدنيا إلا في يومه الذي كتبه الله له، وفي الأجل الذي أراد الله له استيعابه.
أخرج أبو نعيم في الحلية بسند حسن عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[إن روح القدس نفث في رُوعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا يُنال ما عنده إلا بطاعته](2).
وفي التنزيل: {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ} [فاطر: 11].
قال ابن كثير: (وهذه الآية - يعني آية آل عمران - فيها تشجيع للجبناء وترغيب لهم في القتال، فإن الإقدام والإحجام لا ينقصُ من العمر ولا يزيد فيه، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا العباس بن يزيد العَبْدي قال: سمعت أبا معاوية، عن الأعمش، عن حبيب بن صُهْبَان قال: قال رجل من المسلمين - وهو حُجْر بن عَدِيّ -: ما يمنعكم أنْ تَعْبروا إلى هؤلاء العدوّ هذه النطفة - يعني دجلة - {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا} ثم أقحم فرسه دجلة. فلما أقحم أقحم الناس، فلما رآهم العدو قالوا: ديوان. فهربوا).
وقوله: {وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا} . قال ابن إسحاق: (أي: فمن كان منكم يريد الدنيا، ليست له رغبة في الآخرة، نؤته ما قسم له منها من رزق، ولا حظ له في الآخرة، {وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا} ما وعده، مع ما يُجرى عليه من رزقه في دنياه).
وقوله: {وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} . أي: سنعطيهم من رزقتا ورحمتنا وذلك حسب أعمالهم، وذلك في الدنيا وفي الآخرة.
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (4453) ، (4454)، في كتاب المغازي من صحيحه.
(2)
حديث حسن. أخرجه أبو نعيم في "الحلية" من حديث أبي أمامة رضي الله عنه. انظر تخريج المشكاة (15)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (2081).
المعنى: أكثر الأنبياء من قبل قاتل معهم أتباعهم وحواريوهم وجنودهم، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا وما استكانوا بل كانوا من الصابرين، فتأسوا بهم وبمنهاجهم.
والربيون: هم من يعبدون الربّ واحدهم ربِّي، ذكره نحويو البصرة، وأما نحويو الكوفة فقالوا: هم العلماء والألوف، وأما أهل التفسير فقد ذكروا أكثر من معنى:
الأول: الربيون هم الجموع. قال ابن عباس: (ربيون كثير: جموع كثيرة).
الثاني: الربيون هم العلماء. قال ابن عباس أيضًا: (ربيون كثير: علماء كثير).
الثالث: الربيون هم الفقهاء. قال الحسن: (فقهاء علماء).
الرابع: الربيون هم الأتقياء الصابرون. قال ابن المبارك: (أتقياء صُبُر).
الخامس: الربيون هم الأتباع. ذكره ابن جرير.
وجملة القول: إن كثيرًا من الرسل قاتلوا في سبيل الله، وقاتل معهم أتباعهم، من الأتقياء والصابرين والفقهاء والعلماء والجموع الكثيرة المؤمنة، فما عجزوا ولا نكلوا عن جهاد أعدائهم، وما انهزموا حين أصابهم الألم والقتل، بل ثبتوا أثناء القتال وما فروا من عدوهم، فهؤلاء هم الأسوة لكم يا أصحاب محمد من بين الأمم.
وقوله: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا} . قال ابن عباس: (خطايانا). وقال مجاهد: {وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا} ، خطايانا وظلمنا أنفسنا).
وقوله: {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} . أي: عند لقاء عدونا. {وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} : أي وانصرنا على القوم الذين جحدوا وحدانيتك ونبوة نبيك، وارتضوا بتحكيم مناهج الأهواء والشهوات بدلًا من منهاج الحق.
وقوله: {فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا} . قال ابن جريج: (النصر والغنيمة). أي الظهور على عدوهم.
وقوله: {وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ} . أي رضوان الله ورحمته. قال ابن إسحاق: (الجنة وما أعدّ فيها).
وقوله: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} . أي: بأقوالهم وأفعالهم، فيثبتون على منهاج العلم والجهاد إلى حين يلقون ربهم.
149 -
153. قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153)}.
في هذه الآيات: يخبر الله سبحانه المؤمنين المصدقين لرسوله في وعد الله ووعيده وأمره ونهيه، بأنهم إن يطيعوا الجاحدين لنبوته عليه السلام، المكذبين بهديه وبالقرآن، فإنهم سيحملونهم بذلك على الردة بعد الإيمان، والضلال والهلاك والخسران، ولكن سيلقي الله أيها المؤمنون الرعب والهلع في قلوب من حاربكم بأحد، بشركهم وطاعتهم للشيطان، وبامتثالكم لأوامر نبيكم عليه الصلاة والسلام، فها أنتم تحسونهم في بداية المعركة حَسًّا. قال مجاهد:(تقتلونهم). وقال الربيع: الحَسُّ القتل). حتى إذا جبنتم (1) وضعفتم واختلفتم في أمر الله وعصيتم نبيكم، أنزل بكم شيئًا من الهزيمة، وقذف عليكم عدوكم، بعدما أراكم من عدوكم ما تحبون، فلما آثرتم الدنيا ردّ وجوهكم عنهم لمعصيتكم، بعدما طاردتموهم، ليكروا عليكم من جديد مستفيدين من مخالفتكم، ثم عفا الله عنكم رحمة بكم وتقديرًا لإيمانكم.
(1) قال ابن جريج: قال ابن عباس: (الفشل: الجُبن). وقال ابن إسحاق: (فشلتم: أي تخاذلتم).
وقد ثبت في السنة الصحيحة إلقاء الله الرعب في قلوب أعداء هذا النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله قال: [أعطيت خمسًا لم يُعطهن أحدٌ من الأنبياء قبلي: نُصِرْتُ بالرُّعب مَسِيرة شَهْرٍ، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأُحِلَّت لي الغنائم، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة](1).
الحديث الثاني: روى مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [نصرت بالرعب على العدو](2).
الحديث الثالث: أخرج البيهقي بسند صحيح عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[فُضِّلتُ بأربع: جُعلت لي الأرضُ مسجدًا وطَهورًا، فأيُّما رجلٍ من أمتي أتى الصلاةَ فلم يجدْ ما يصلي عليه وَجَدَ الأرض مسجدًا وطَهورًا، وأُرسلتُ إلى الناس كافة، ونُصرتُ بالرعبِ من مسيرة شهرين يَسيرُ بينَ يديَّ، وأُحِلَّت لي الغنائم](3).
الحديث الرابع: أخرج الطبراني عن السائب بن يزيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أفضلت على الأنبياء بخمس: بعثت إلى الناس كافة، وادخرت شفاعتي لأمتي، ونصرت بالرعب شهرًا أمامي، وشهرًا خلفي، وجُعلت ليَ الأرض مسجدًا وطهورًا، وأُحِلّت لي الغنائم، ولم تَحِل لأحد قبلي] (4).
وقوله: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} . بيان لما كان من النصر أول المعركة.
أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن عبيد الله، عن ابن عباس أنه قال: [ما نصر الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم في موطن كما نصره يوم أحد. قال: فأنكرنا ذلك. فقال ابن عباس: بيني وبين مَنْ أنكر ذلك كتاب الله، إن الله يقول في يوم أحد:{وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} يقول ابن عباس: والحسُّ: القتل. {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (335) ومسلم (521)، وأحمد (3/ 304) والنسائي (1/ 209).
(2)
حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (523) ح 7 بأتم منه.
(3)
حديث صحيح. أخرجه البيهقي (1/ 212)، وانظر صحيح الجامع الصغير (4096).
(4)
حديث صحيح. أخرجه الطبراني ويشهد له ما قبله، وانظر صحيح الجامع الصغير (4097).
مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ}. الآية، وإنما عنى بهذا الرماة.
وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أقامهم في موضع، ثم قال:"احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نُقْتَلُ فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا نغنم فلا تشركونا". فلما غنم النبي صلى الله عليه وسلم، وأباحوا عسكر المشركين، أكبّ الرماة جميعًا ودخلوا في العسكر ينهبون، ولقد التقت صفوف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم هكذا - وشبك بين يديه - وانتشبوا، فلما أخَلّ الرماة تلك الخَلَّة التي كانوا فيها، دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضرب بعضهم بعضًا والتبسوا، وقتل من المسلمين ناس كثير، وقد كان النصر لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أول النهار .. ] (1).
وفي صحيح البخاري عن البراء قال: [لقينا المشركين يومئذ، وأجْلَسَ النبي صلى الله عليه وسلم جيشًا من الرماة، وأمَّر عليهم عبد الله - يعني ابن جبير - وقال: "لا تَبْرَحُوا إن رأيتمونا ظَهَرْنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تُعينونا". فلما لقيناهم هَرَبوا، حتى رأيت النساء يشْتَددنَ في الجبل، رفعن عن سوقهنّ، قد بدت خلاخِلُهُنَّ، فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة. فقال عبد الله بن جبير: عهد إليّ النبي صلى الله عليه وسلم أن لا تبرحوا. فأبوا، فلما أبَوا صرف وجوههم، فَأصيبَ سبعون قتيلًا، فأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ فقال: لا تجيبوه. فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال: لا تجيبوه. فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قُتلوا، فلو كانوا أحياءً لأجابوا. فلم يملك عمر نفسه فقال له: كَذَبْتَ يا عدوَّ الله، أبقى الله لك ما يُحْزِنُكَ. فقال أبو سفيان: اعْلُ هُبَل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجَلّ. قال أبو سفيان: لنا العُزّى ولا عزَّى لكم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم. قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سِجالٌ، وستجدون مُثْلَة لم آمر بها ولم تسؤني](2).
وقوله: {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ} . قال قتادة: (أي: اختلفتم في الأمر، {وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ} ، وذاكم يوم أحد، عهد إليهم نبي الله صلى الله عليه وسلم وأمَرَهُم بأمر فنسوا العهد، وجاوزوا، وخالفوا ما أمرهم نبي الله صلى الله عليه وسلم، فقذف
(1) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند من حديث ابن عباس. وأخرجه الحاكم (2/ 296 - 297)، والبيهقي في "الدلائل"(3/ 269 - 270)، وله شواهد في الصحيح.
(2)
حديث صحيح، أخرجه البخاري (3039) ، (4043)، وأبو داود (2662)، وأحمد (4/ 293).
عليهم عدوّهم، بعدما أراهم من عدوهم ما يحبون). وقال الربيع:({حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ}، يقول: جبنتم عن عدوِكم).
وقوله: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} . قال السدي: (فالذين انطلقوا يريدون الغنيمة هم أصحاب الدنيا، والذين بقوا وقالوا: لا نخالف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، أرادوا الآخرة).
وقوله: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} . قال ابن إسحاق: (أي: صرفكم عنهم ليختبركم، وذلك ببعض ذنوبكم).
والمقصود حين صُرفوا إلى الغنائم والدنيا، فمال عليهم خالد بن الوليد.
قال الحسن: (صرف القوم عنهم، فقتل من المسلمين بعدّة من أسروا يوم بدر، وقتل عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكسرت رباعيّته، وشجّ في وجهه، وكان يمسح الدم عن وجهه ويقول: "كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيِّهم وهو يدعوهم إلى ربهم"؟ فنزلت: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128]، الآية. فقالوا: أليس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدنا النصر؟ فأنزل الله عز وجل: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ} إلى قوله: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ}).
أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: [لما كان يوم أحد هُزِمَ المشركون، فصرخ إبليس لعنةُ الله عليه، أي عبادَ الله أُخْراكم، فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم، فبَصُرَ حذيفة فإذا هو بأبيه اليمان فقال: أي عباد الله أبي، أبي، قال: فوالله ما احتجزوا -أي ما انفكوا عن بعضهم- حتى قتلوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم. قال عروة: فوالله ما زالت في حذيفة بقية خير حتى لحق بالله عز وجل](1).
وقوله: {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} . قال ابن جريج: ({وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ}، قال: لم يستأصلكم). وقال ابن إسحاق: (ولقد عفا الله عن عظيم ذلك، لم يهلككم بما أتيتم من معصية نبيكم، ولكن عُدْتُ بفضلي عليكم).
وقال الحسن: (هؤلاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، في سبيل الله، غضابٌ لله، يقاتلون أعداء الله، نهوا عن شيء فصنعوه، فوالله ما تركوا حتى غُمُّوا بهذا الغم، فأفسق
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (4065)، كتاب المغازي، وانظر كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة، الأبحاث:(37 - 42) لتفاصيل المعركة والدروس والنتائج والأحكام.
الفاسقين اليوم يَتَجَرْثَمُ (1) كل كبيرة، ويركب كل داهية، ويسحبُ عليها ثيابه، ويزعم أن لا بأس عليه! ! فسوف يعلم).
وقوله: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ} .
قال ابن عباس: (صعدوا في أحد فرارًا). وقال: {وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ} إليّ عباد الله ارجعوا، إليّ عباد الله ارجعوا).
إلا أن المشركين حين سمعوا صوته عرفوه، فمالوا إليه بثقلهم قبل أن يرجع إليه أحد من أصحابه، محاولين الإجهاز عليه بكل ما يمكنهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بين تسعة من رجاله، خاضوا عراكًا عنيفًا، وَأَظْهَرُوا نوادرَ من الحب والتفاني والاستبسال.
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه: [أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُفرِدَ يومَ أُحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه - أي غشوه وقربوا منه - قال: من يردهم عنا وله الجنة؟ أو هو رفيقي في الجنة؟ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضًا فقال: من يردهم عنا وله الجنة أو هو رفيقي في الجنة؟ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قُتِل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبيه: ما أنصفنا أصحابنا](2).
أي: ما أنصفت قريش الأنصار، لكون القرشيين لم يخرجا للقتال، بل خرج الأنصار واحدًا بعد واحد فقتلوا عن آخرهم، ثم شقّت فئة من المسلمين طريقها عبر الأهوال حتى وصلت إلى مكان القيادة النبوية المحاصر.
أخرج البخاري في صحيحه عن أبي عثمان قال: [لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض تلك الأيام التي قاتل فيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم غيرُ طلحة وسعد](3).
وقوله: {فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ} . قال قتادة: (كانوا تحدّثوا يومئذ أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أصيب، وكان الغم الآخر قنل أصحابهم والجراحات التي أصابتهم).
(1) تجرثم الشيء: أخذ معظمه. وجرثومة كل شيء: أصله ومجتمعه.
(2)
حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (1789)، كتاب الجهاد والسير، وانظر تفصيل الحدث في كتابي: السيرة النبوية (2/ 687) البحث (38): معركة أحد - مرحلة الهزيمة.
(3)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (3723)، كتاب المغازي، وانظر المرجع السابق (2/ 688).
وقال الربيع: (الغم الأول: الجراح والقتل، والغم الآخر حين سمعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل. فأنساهم الغم الآخر ما أصابهم من الجراح والقتل، وما كانوا يرجون من الغنيمة، وذلك حين يقول الله: {لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ} [آل عمران: 153]).
وقوله: {وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} . أي: من الهرب أو الإقدام، وهو محص عليكم جميع أعمالكم.
154 -
155. قوله تعالى: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155)}.
في هذه الآيات: إنزال الله النعاس أمانًا على أهل الصدق واليقين، وفضح سلوك المنافقين، واختبار الصدق في قلوب المؤمنين.
فقوله: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً} . أي: الأمان، أنزله تعالى على أهل الصدق واليقين، دون أهل الشك والمنافقين. ثم بين أن الأمنة كانت نعَاسًا، بنصب النعاس على البدل من أمنة.
أخرج النسائي والترمذي بسند صحيح عن أنس، عن أبي طلحة قال:[رفعت رأسي يوم أحد، وجعلت أنظر وما منهم يومئذ أحد إلا يميد تحت حَجَفَتِه من النعاس، فذلك قول الله تعالى: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا}](1).
قال ابن عباس: (أَمَّنَهُم يومئذ بنعاس غشّاهم، وإنما ينعُسُ من يأمن).
(1) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (3007)، والنسائي في "الكبرى"(11198)، والحاكم (2/ 297).
فلقد كان المسلمون مغتمين مهمومين آنذاك لما أصابهم ونبيّهم من الإجهاد والأذى والتعب، فأنزل الله عليهم النعاس فناموا يسيرًا ثم أفاقوا وقد أذهب الله عنهم القلق والخوف وأبدلهم مكانه راحة وسكنًا، وملأ نفوسهم وقلوبهم أمنًا وطمأنينة.
يروي البخاري عن أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه قال: [كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مرارًا، يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه](1).
قال ابن إسحاق: (أهل النفاق قد أهمتهم أنفسهم تخوُّف القتل، وذلك أنهم لا يرجون عاقبة). وعن قتادة: ({ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ}، قال: ظن أهل الشرك). يشير سبحانه بذلك إلى طائفة المنافقين الذين أهمتهم أنفسهم دون أن يفكروا بمصاب المسلمين وبمصير الإسلام، فذمهم الله في هذه الآية، بعد أن ذكر نعمته على طائفة الحق الذين أهمهم مصير الإسلام وربطوا سعادة قلوبهم بانتصار هذا الدين وزهوه وعلوه في الأرض، فأنزل عليهم أمنة نعاسًا يجلو به الغم عن نفوسهم وينعش قلوبهم. في حين لا يغشى النعاس من أهمتهم أنفسهم بسب القلق والجزع والخوف على مصالح دنياهم.
وقوله: {يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ} . قال القرطبي: (لفظه استفهام ومعناه الجحد، أي: ما لنا شيء من الأمر، أي من أمر الخروج، وإنما خرجنا كرها).
فأجابهم الله بقوله: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} يعني القدر خيره وشره من الله.
وقوله: {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ} . مُفَسَّرُ بقوله تعالى بعده يوضح ما أخفوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي هذه المقالة:{يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} .
قال ابن إسحاق: (فحدّثني يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، قال: قال الزبير: لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوف علينا أرسل الله علينا النوم، فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره. قال: فوالله إني لأسمع
(1) حديث صحيح. أخرجه البخارى في الصحيح (4068)، كتاب المغازي، تعليقًا، لكن وصله برقم (4562)، ورواه أحمد في المسند (4/ 49)، من حديث أبي طلحة الأنصاري.
قول مُعَتِّب بن قُشَير (1)، ما اسمعه إلا كالحلم يقول:{لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} . فحفظتها منه) (2).
وقرأ عامة قراء الحجاز والعراق: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} بنصب الكل على النعت للأمر. وقرأه بعض قراء البصرة {كلُّه} بالرفع على الابتداء، وخبره {لله} والجملة خبر {إن} ، والقراءة الأولى أشهر عند القراء. وهي اختيار ابن جرير.
قل -لهؤلاء المنافقين- يا محمد: لو كنتم في بيوتكم لم تشهدوا الموقف والحرب كما تحبّ نفوسكم، لظهر للموضع من قد كتب عليه القتل فيه، ولخرج لينال مصرعه في المكان الذي كُتب عليه أن يصرع فيه.
وقوله: {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ} أي: ليكشف الله بالاختبار المؤمن من المنافق فيظهر أمره، فيميز الخبيث من الطيب.
وقوله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} . أي: لا يخفى عليه ما في صدورهم، مما استخفَوْا به منكم - أيها المؤمنون.
وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا} . عتاب من فرّ من المؤمنين بأحد، وإنما دعاهم إلى هذه الزلة الشيطان.
وقوله: {وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ} . قال ابن جريج: (إذ لم يعاقبهم). {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} .
أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن عاصم، عن شقيق، قال: (لقي عبد الرحمن بن عوف الوليدَ بن عقبة، فقال له الوليد: ما لي أراك جَفَوْتَ أمير المؤمنين عثمان؟ فقال له عبد الرحمن: أبلغه أني لم أفرّ يوم عَيْنَيْن - قال عاصم: يقول: يوم أحد - ولم أتخلف عن بدر، ولم أترك سُنَّة عمر. قال: فانطلق فَخَبَّرَ ذلك عثمان، قال: فقال عثمان: أما قوله إني لم أَفِرَّ يوم عَيْنَيْن، فكيف يُعَيِّرني بذنب وقد عفا الله عنه، فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ
(1) معتب بن قشير: هو أحد المنافقين من أتباع ابن سلول. قيل تاب بعد ذلك، والله أعلم.
(2)
حديث حسن. أخرجه الطبري (8093) ، (8094)، والبيهقي (3/ 273)، وإسناد الطبري حسن، رجاله ثقات، وقد صرّح ابن إسحاق بالتحديث.
عَنْهُمْ}. وأما قوله: إني تخلفت يوم بدر، فإني كنت أمرض رُقَيَّةَ بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ماتت، وقد ضرب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهم، ومن ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد شَهِدَ، وأما قوله: إني تركت سُنَّةَ عمر، فإني لا أطيقها ولا هو، فائْتِه فحدِّثه بذلك] (1).
قال القرطبي: (ونظير هذه الآية توبة الله على آدم عليه السلام. وقوله عليه السلام: "فحج آدم موسى" أي: غلبه بالحجة).
156 -
158. قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158)}
في هذه الآيات: تحذيرٌ من الله سبحانه المؤمنين أن يشابهوا الكفار في سوء يقينهم بالله العظيم، وترغيب لهم في الشهادة في سبيل الله لنيل المغفرة ورحمة الله الكريم.
قال ابن إسحاق: (أي: لا تكونوا كالمنافقين الذين ينهون إخوانهم عن الجهاد في سبيل الله وَالضرب في الأرض في طاعة الله وطاعة رسوله، ويقولون إذا ماتوا أو قتلوا: لو أطاعونا ما ماتوا وما قتلوا).
وأصل الضرب في الأرض الإبعاد فيها سيرًا. قال السدي: {إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ} ، وهي التجارة). وقال ابن إسحاق:(الضربُ في الأرض في طاعة الله وطاعة رسوله).
قال ابن جرير: (يخبر بذلك عن قول هؤلاء الكفار أنهم يقولون من غزا منهم فقتل، أو مات في سفر خرج فيه في طاعة الله، أو تجارة: لو لم يكونوا خرجوا من عندنا وكانوا أقاموا في بلادهم ما ماتوا وما قتلوا، {لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ} ،
(1) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (1/ 68) ح (492). قال الهيثمي في "المجمع"(7/ 226): (فيه عاصم، وهو حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات).
يعني: أنهم يقولون ذلك، كي يجعل الله قولهم ذلك حزنًا في قلوبهم وغمًّا، ويجهلون أن ذلك إلى الله جل ثناؤه وبيده). وقيل: المعنى لا تصدقوهم ولا تلتفتوا لهم، فكان ذلك حسرة في قلوبهم. وقيل:{لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ} أي: يوم القيامة لما هم فيه من الخزي والندامة، ولما فيه المسلمون من النعيم والكرامة.
وقوله: {وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ} . أي: يقدر على أن يحيي من يخرج إلى القتال، ويميت من أقام في أهله. ومنه قول خالد بن الوليد عند موته:(ما فيّ موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة، وها أنا ذا أموت كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء).
وجاء في سير أعلام النبلاء عن عاصم بن بهدلة: عن أبي وائل قال: (لما حضرت خالدًا الوفاة، قال: لقد طلبت القتل مظانَّهُ فلم يُقدَّر لي إلا أن أموت على فراشي. وما من عملي شيء أرجى عندي بعد التوحيد مِن ليلة بتُّها وأنا متترس، والسماء تهلّني ننتظر الصبح حتى نُغير على الكفار. ثم قال: إذا متُّ، فانظروا إلى سلاحي وفرسي، فاجعلوه عدة في سبيل الله. فلما توفي، خرج عمر على جنازته، فذكر قوله: ما على آل الوليد أن يَسْفحْنَ على خالد من دموعهن ما لم يكن نَقْعًا أو لَقْلَقَةٌ (1)) (2).
وقوله: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} . قال القاسمي: (تهديد للمؤمنين في مماثلة من ذكر).
وقوله تعالى: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} . إخبار من الله سبحانه أن القتل في سبيله والموت في مرضاته وحيث الدفاع عن دينه خير من جميع هذه الدنيا وزينتها، وهو السبيل الأمثل إلى نيل مغفرته ورحمته ورضوانه.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: [مِنْ خير معاشِ الناس لهم، رجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فرَسِهِ في سبيل الله، يطير على مَتْنِه، كُلَّما سمعَ هَيْعَةً أو فَزْعَةً طار عليه، يبتغي القتل والموت مظانَّه .. ] الحديث (3).
وقوله: {وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ} .
قال القرطبي: (وَعْظٌ. وعظهم الله بهذا القول، أي لا تَفِرّوا من القتال ومما أمركم
(1) اللقلقة: الصوت الشديد المضطرب، والنقع رفع الصوت وشق الجيب.
(2)
انظر: "سير أعلام النبلاء"(1/ 381) - الذهبي.
(3)
حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (1889)، كتاب الإمارة، باب فضل الجهاد والرباط.
به، بل فِرّوا من عقابه وأليم عذابه، فإن مَرَدّكُم إليه لا يملك لكم أحد ضرًّا ولا نفعًا غيره).
والمعنى: من مات أو قُتل فالمآل إلى الله، وهناك الجزاء والثواب، إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما يرويه عن ربه عز وجل:[يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه](1).
159 -
164. قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160) وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (161) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (163) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164)}.
في هذه الآيات: تليينُ الله تعالى جانب وطباع هذا النبي الكريم، وحثه على العفو والاستغفار والمشاورة للمؤمنين، وحسن التوكل على الله الذي بيده النصر المبين، وامتنان من الله تعالى على المؤمنين بهذا النبي وهذا الوحي العظيم.
فلقد امتن الله على هذه الأمة أن ألان لهم قلب نبيه الكريم، وأطاب لهم لفظه، وجعله بهم رؤوفًا رحيمًا. قال قتادة:({فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ}، يقول: فبرحمة من الله لنت لهم). و "ما" صلة، والعرب تجعل "ما" صلة في المعرفة والنكرة، كقوله
(1) حديث صحيح. وهو جزء من حديث قدسي طويل رواه مسلم (8/ 17)، وأحمد (5/ 160).
تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ} . والمعنى: فبنقضهم ميثاقهم. هذا في المعرفة. وقال تعالى: {عَمَّا قَلِيلٍ} . والمعنى: عن قليل. وهذا في النكرة.
والمقصود: برحمة الله، يا محمد، بك وبمن آمن بك، سهلت أخلاقك ولان جانبك وحسنت طبائعك. وهذا كقوله تعالى:{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128].
وفي المسند للإمام أحمد بسند حسن عن أبي أمامة قال: [أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا أمامة، إن من المؤمنين من يلين له قلبي](1).
وقوله: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} .
المعنى: لو كنت قاسي القلب شديد الطباع سيِّئ الكلام لتركوك ولم يتبعوك، ولكن الله جمع لك من صفات الرفق واللين حتى كنت مضرب المثل بين قومك في حسن الخلق وجمال الطباع ومحاسن العادات. قال تعالى:{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} .
وفي صحيح البخاري عن حديث عبد الله بن عمرو. - يحكي عن صفة النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة -: [والله إنه لموصوف ببعض صفته في القرآن]{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر] (2).
وأخرج الحاكم بسند صحيح عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [مكتوب في الإنجيل: لا فظٌّ، ولا غليظ، ولا سَخَّابٌ بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، بل يعفو ويصفح](3).
وقوله: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} .
قال ابن إسحاق: {فَاعْفُ عَنْهُمْ} ، أي: فتجاوز عنهم، {وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ} ، ذنوبَ من قارف من أهل الإيمان منهم).
(1) حديث حسن. أخرجه أحمد (5/ 217)، وأخرجه الطبراني (7499).
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (2125) - كتاب البيوع - باب كراهية السَّخب في السوق. وانظر تخريج المشكاة (5752) باب فضائل سيد المرسلين.
(3)
حديث صحيح. رواه الحاكم (2/ 614)، وابن عساكر (1/ 264/ 2) من حديث عائشة رضي الله عنها، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (2458).
وقوله: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} . قال قتادة: (أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه في الأمور وهو يأتيه وحرب السماء، لأنه أطيب لأنفس القوم، وأن القوم إذا شاور بعضهم بعضًا وأرادوا بذلك وجه الله، عزم لهم على أرشده).
وقال الضحاك بن مزاحم: (ما أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بالمشورة، إلا لما علم فيها من الفضل).
وقال الحسن: (ما شاور قوم قطّ إلا هُدوا لأرشد أمورهم).
وفي سنن ابن ماجة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [المستشار مؤتمن](1). وقد امتلأت السنة الصحيحة بصور من الشورى في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، مثها:
1 -
مشورته لأصحابه يوم بدر في الذهاب إلى قتال المشركين.
يروي البخاري من حديث عبد الله بن مسعود يقول: شهدت من المقداد بن الأسود مَشهَدًا لأنْ أكونَ صاحِبَه أحَبُّ إليّ مما عُدِلَ به، أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول كما قال قومُ موسى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا} [المائدة: 24]، ولكنا نقاتِلُ عن يمينك وعن شمالِكَ وبينَ يديك وخَلْفَكَ. فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم أَشْرَقَ وَجْههُ وسَرَّه، يعني قوله] (2).
2 -
مشورته عليه الصلاة والسلام لأصحابه في قصة الإفك.
يروي البخاري عن عائشة قالت: [لمّا ذُكِرَ مِنْ شأني الذي ذُكِرَ، وما عَلِمْتُ به، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فِيَّ خطيبًا فتشَهَّدَ فَحَمِدَ الله وأثنى عليه بما هو أهلهُ ثم قال: أمّا بعد، أشيروا عليَّ في أناس أبَنُوا أهلي، وايمُ الله ما علمت على أهلي من سوء، وأبَنُوهُمْ بِمَنْ والله ما علمتُ عليه من سوء قَطّ،
…
] الحديث (3).
3 -
مشورته عليه السلام لأصحابه في أسارى بدر.
روى مسلم عن ابن عباس قال: [فلما أسَروا الأُسارى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعُمَرَ: ما ترون في هؤلاء الأُسارى؟ فقال أبو بكر: يا نبي الله هم بنو العمّ والعشيرة
…
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: لا، والله
(1) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (5128)، والترمذي (2823)، وابن ماجة (3745).
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (3952)، كتاب المغازي، وانظر كذلك الحديث (4609) منه.
(3)
حديث صحيح. أخرجه البخارى (4757)، كتاب التفسير، في أثناء حديث طويل. وأَبَنوا: اتهموا.
يا رسول الله! ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تُمَكِّنا فنضرب أعناقهم
…
] الحديث (1).
4 -
مشورته عليه السلام قبل معركة أحد أيبقى في المدينة أم يخرج إلى العدو (2).
5 -
مشورته السعدين يوم الخندق - سعد بن معاذ وسعد بن عبادة - لمصالحة العدو على بعض ثمار المدينة مقابل انصرافهم، فأخذ برأيهما (3).
6 -
مشورته أصحابه في حصار الطائف ومشورته عام الحديبية (4)،
وأما في حياة أصحابه:
فقد روى البيهقي بسند صحيح عن ميمون بن مهران قال: (كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه أمر نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى بينهم، وإن علمه من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به، وإن لم يعلم خرج فسأل المسلمين عن السنة، فإن أعياه ذلك دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم واستشارهم)(5).
وذكر البخاري في كتاب الاعتصام: (كان القراء أصحاب مشورة عمر كُهولًا كانوا أو شبابًا، وكان وقّافًا عند كتاب الله عز وجل (6).
ثم قال البخاري: (وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب والسنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم).
وقوله: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} . يعني: إن صحّ عزمك -بتثبيت الله لك وتسديده
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (1763)، كتاب الجهاد، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، وإباحة الغنائم، وهو جزء من حديث طويل.
(2)
قد مضى ذكر ذلك، وانظر سيرة ابن هشام (3/ 67).
(3)
انظر مصنف عبد الرزاق (5/ 368)، والبداية والنهاية (4/ 104).
(4)
انظر باب غزوة الطائف في كتاب الجهاد والسير - صحيح مسلم (1778)، والمسند (4588) تحقيق أحمد شاكر. وانظر في شأن الحديبية سنن البيهقي (10/ 109).
(5)
أخرجه البيهقي بسند صحيح قاله الحافظ ابن حجر في الفتح (13/ 342). وانظر: كتاب الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة - الدميجي - (ص 429).
(6)
ذكره البخاري في كتاب الاعتصام باب (28)، قول الله تعالى:{وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (الفتح: 13/ 339).
لك فيما نابك - وقد استشرت أصحابك فامض متوكلًا على الله، {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} .
يعني: إن أراد سبحانه نصركم وقد اجتمعت أهل الأرض على خذلانكم فلا سبيل لهم عليكم، وإن أراد خذلانكم وقد أجمع أهل الدنيا على نصركم فلا سبيل لنصركم، فعليه سبحانه فتوكلوا، وانصروا دينه وأخلصوا، حتى تنالوا نصره وتأييده. {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} .
وقوله: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} .
أخرج الطبرانى بسند جيد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أبعث النبي صلى الله عليه وسلم جيشًا فَرُدّت رايته، ثم بعث فردت بغلول رأس غزال من ذهب، فنزلت:{وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} ] (1).
وأخرج أبو داود والترمذي بسند صحيح عن ابن عباس قال: [نزلت هذه الآية {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} في قطيفة حمراء: فُقِدَت يوم بدر، فقال بعض الناس: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها، فأنزل الله عز وجل: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} إلى آخر الآية](2).
وله شاهد عند البزار بإسناد صحيح عن عكرمة عن ابن عباس: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} قال: ما كان لنبي أن يتهمه أصحابُهُ] (3).
قال مجاهد: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} : ما ينبغي لنبي أن يخون). وقال ابن عباس: (أي: بأن يقسم لبعض السرايا ويترك بعضًا). ثم قال تعالى: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} . وقد جاءت السنة الصحيحة بالتحذير الشديد من الغلول، وفي ذلك أحاديث، منها:
الحديث الأول: أخرج الشيخان عن سعيد بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [من
(1) أخرجه الطبراني ورجاله ثقات. انظر: "الصحيح المسند من أسباب النزول" - الوادعي - آل عمران (161). وانظر تفسير الطبري (8135) - (8137).
(2)
حديث صحيح. أخرجه أبو داود (3971)، والترمذي (3012)، وانظر صحيح أبي داود (3360).
(3)
إسناده صحيح. أخرجه البزار في مسنده (2197 - كشف الأستار)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (2788).
ظلم قيد شبر من الأرض طُوِّقه يوم القيامة من سبع أرضين] (1).
الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال: [كان على ثَقَلِ النبي صلى الله عليه وسلم رجلٌ يُقال له: كِرْكَرَةُ، فمات فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هو في النار. فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غَلَّها](2).
الحديث الثالث: أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: [قام فينا النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الغُلولَ فَعَظَّمَهُ وَعظَّمَ أمره، قال: لا أُلْفِيَنَّ أحدَكُمْ يوم القيامة على رقبته شاةٌ لها ثُغاءٌ، على رَقَبَتِهِ فرسٌ له حَمْحَمَةٌ يقول: يا رسول الله أَغِثْني، فأقولُ: لا أملكُ لك شيئًا، قد أَبْلغْتُك، وعلى رَقَبَتِه بعيرٌ له رُغاءٌ يقول: يا رسول الله أغِثْني، فأقول: لا أملكُ لك شيئًا قد أبْلَغْتُكَ، وعلى رقبَتِهِ صامِتٌ فيقول: يا رسول الله أغِثْني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبْلَغْتُكَ، على رَقَبتِهِ رِقاعٌ تخْفِقُ فيقول: يا رسول الله أغِثْني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك](3).
الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد في المسند عن أبي حميد الساعدي قال: [استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا من الأزد يقال له: ابن اللُّتْبِيَّةِ على الصدقة، فجاء فقال: هذا لكم وهذا أُهدِيَ لي. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال: ما بال العامل نبعثُه فيجيء فيقول: هذا لكم وهذا أُهدِيَ لي. أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيُهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده لا يأتي أحد منكم منها بشيء إلا جاء به يوم القيامة على رقبته، إن كان بَعيرًا له رُغاء، أو بقرة لها خُوار، أو شاة تَيْعَر. ثم رفع يديه حتى رأينا عُفْرَةَ إبطيه ثم قال: "اللهم هل بَلَّغت" ثلاثًا](4).
وقوله: {ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} . قال ابن إسحاق: (ثم يُجْزى بكسبه غير مظلوم ولا مُتَعَدّىً عليه).
وقوله تعالى: {أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} .
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (2452) ، (3198)، ومسلم (1610)، وأحمد (1/ 188).
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (3074)، كتاب الجهاد والسير، باب القليل من الغلول.
(3)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (3073)، كتاب الجهاد والسير، باب الغُلول.
(4)
حديث صحيح. أخرجه أحمد (5/ 423 - 424) واللفظ له، وانظره في صحيح البخاري (6979) وفي صحيح مسلم (/1832)، وكذلك رواه ابن حبان في صحيحه (4515).
المعنى: أفمن ترك الغلول وكل ما نهى الله عنه ومضى يعمل بطاعة الله وامتثال أمره واجتناب ما يسخطه، كمن انصرف متحمِّلًا سخط الله وغضبه، واستحق وعيده بسكنى جهنم وبئس السكن والمأوى؟ يقول: ليسا سواءً.
وقوله. {هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّه} . قال ابن عباس: (يقول: بأعمالهم).
وقوله: {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} . قال ابن إسحاق: (يقول: إن الله لا يخفى عليه أهل طاعته من أهل معصيته).
وقوله: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} يعني: نبيًّا من أهل لسانهم يفقهوا قوله، ولم يجعله بغير لسانهم.
وقوله: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ} . أي يقرأ عليهم آي كتابه وتنزيله ويطهرهم من ذنوبهم باتباع ما جاء فيه، {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} أي: القرآن والسنة.
وقوله: {وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} . أي: في عمياء من الجاهلية، لا يعرفون حسنة ولا يستغفرون من سيئة، قد أخطؤوا طريق الهدى والنجاة، فهم في غيّ وجهل ظاهر جليّ لكل من له بصو.
165 -
168. قوله تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167) الَّذِينَ قَالوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168)}.
في هذه الآيات: تأنيب لطيف من الله تعالى للمؤمنين لما صدر منهم، وفضح سلوك أهل النفاق وكشف مكرهم.
قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا أبو نوح قراد أنبأنا عكرمة بن عمار حدثنا سماك الحنفي أبو زميل حدثني ابن عباس حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: [لما كان يوم بدر، قال: نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم ثلاث مئة ونيف، ونظر إلى
المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مدّ يديه وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال: اللهم أين ما وعدتني، اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبدًا، قال: فما زال يستغيث ربه عز وجل ويدعوه حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر رضي الله عنه فأخذ رداءه فرداه ثم التزمه من ورائه ثم قال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك، وأنزل الله عز وجل:{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} . فلما كان يومئذ والتقوا فهزم الله عز وجل المشركين فقتل منهم سبعون رجلًا وأسر منهم سبعون رجلًا، فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعليًّا وعمر رضي الله عنهم، فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، فإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديهم فيكونوا لنا عضدًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ترى يا ابن الخطاب؟ قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنني من فلان قريبًا لعمر فأضرب عنقه، وتمكن عليًّا رضي الله عنه من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم، فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر رضي الله عنه، ولم يهو ما قلت فأخذ منهم الفداء، فلما أن كان من الغد قال عمر رضي الله عنه: غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو قاعد وأبو بكر رضي الله عنه وإذا هما يبكيان، فقلت: يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد تباكيت لبكائكما! قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الذي عرض عليّ أصحابك من الفداء، لقد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الضجرة - لشجرة قريبة - وأنزل الله عز وجل:{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} إلى قوله: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ} من الفداء، ثم أحل الله لهم الغنائم، فلما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفرّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكُسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، وأنزل الله عز وجل:{أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا} بأخذكم الفداء] (1).
وقوله: {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} . قال الحسن: (فإنما أصابنا هذا لأنا قبلنا الفداء يوم بدر من الأسارى، وعصينا النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد).
(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد (1/ 30) ورجاله رجال الصحيح، ورواه ابن أبي حاتم مختصرًا.
وقوله: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} . قال ابن إسحاق: (أي: إن الله على كل ما أراد بعباده من نقمة أو عفو، قدير).
وقوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ} . أي: ما أصابكم يوم أحد من قتل وجراح فهو بقضائه سبحانه وقدره فيكم، وليميّز أهل الإيمان والصدق من أهل الكذب والنفاق.
المراد: عبد الله بن أبي بن سلول المنافق وأصحابه الذين تخاذلوا ورجعوا، فقال لهم المسلمون: تعالوا قاتلوا المشركين معنا، أو ادفعوا بتكثيركم سوادنا.
يروي ابن إسحاق بإسناد مرسل أن عبد الله بن عمرو بن حرام اتبعهم وهو يقول: (يا قوم، أُذكِّركم الله ألا تخذلوا قومَكم ونبيّكم عندما حضر من عدوهم). فقالوا: (لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسْلمناكم ولكنا لا نرى أنه يكون قتال).
فاحتجوا بما حكته الآية الكريمة عنهم، وقد أظهر الله ما أبطنوه من الجبن والهلع والخوف من خوض القتال في سبيل الله، فعند ذلك قال لهم عبد الله بن عمرو بن حرام، لما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف:(أبعدكم الله أعداءَ الله، فسيغْني الله عنكم نَبِيَّهُ)(1).
وقوله: {الَّذِينَ قَالوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} .
المقصود: عبد الله بن أبي المنافق وأصحابه يقولون: لو أطاعنا من قتل بأحد من إخواننا وعشائرنا ما قتلوا هنالك. قال مجاهد، عن جابر بن عبد الله:(نزلت هذه الآية في عبد الله بن أُبيّ بن سلول وأصحابه). فأجابهم الله بقوله: {قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} أي: قل لهم يا محمد، إن استطعتم أن تردوا الموت الذي لا محالة سينالكم فردّوه إن كنتم صادقين. قال ابن إسحاق:(أي: إنه لا بد من الموت، فإن استطعتم أن تدفعوه عن أنفسكم فافعلوا. وذلك أنهم إنما نافقوا وتركوا الجهاد في سبيل الله، حرصًا على البقاء في الدنيا، وفرارًا من الموت).
(1) انظر سيرة ابن هشام (3/ 9)، وكتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين (2/ 662) لتفصيل أكبر.
وفي التنزيل. {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} .
أخرج أبو نعيم في الحلية بسند حسن عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[إن روح القدس نفث في رُوعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا يسأل ما عنده إلا بطاعته](1).
169 -
175. قوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)}.
في هذه الآيات: بيان منزلة الشهادة والشهداء الكرام، وثناء من الله على استجابتهم وخوضهم المعركة ضد الكفار اللئام، وفضح لسلوك ومكر الشيطان عدو أهل الإيمان.
أخرج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لما أصيب إخوانكم بأُحد، جعل الله عز وجل أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش. فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم، وحسن مقيلهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا، لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا يَنْكُلوا عن الحرب، فقال الله عز وجل: أنا أُبَلِّغُهُم عنكم. فأنزل الله عز وجل هؤلاء الآيات: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي
(1) حديث حسن. أخرجه أبو نعيم في "الحلية" من حديث أبي أمامة رضي الله عنه. انظر تخريج المشكاة (15)، وصحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (2081).
سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}
…
وما بعدها] (1).
وأخرج الترمذي بسند حسن عن جابر رضي الله عنه قال: ألقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا جابر ما لي أراك منكسرًا؟ فقلت: يا رسول الله استشهد أبي وترك عيالًا ودينًا. فقال: ألا أبشرك بما لقي اللهُ به أباك؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: ما يكلم الله أحدًا قط إلا من وراء حجابه، وأحيا أباك فكلمه كفاحًا فقال: تمنّ عليّ أعطِك. قال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية. قال الرب تبارك وتعالى: إنه قد سبق مني القول: أنهم إليها لا يرجعون. قال: وأنزلت هذه الآية: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ} الآية] (2).
وأخرج ابن جرير بسند صحيح أن سبب نزول الآية قتلى بئر معونة. قال العلامة الشوكاني في تفسيره: (وعلى كل حال فالآية باعتبار عمومها تعم كل شهيد).
وقد جمع الله للشهداء من الكرامة في حياة البرزخ ما يفوق من الكرامة لبقية المؤمنين فضلًا عما أعدّ الله لهم في الآخرة من رفيع المنازل والمقامات.
ففي مسند الإمام أحمد بسند جيد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [الشهداء على بارقِ نهرٍ بباب الجنة، فيه قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعَشيًّا](3).
فأرواح الشهداء تسرح في الجنة، ولها خصوصية ورود هذا النهر. وأما أرواح بقية المؤمنين: فقد روى الإمام أحمد عن محمد بن إدريس الشافعي، عن مالك بن أنس، عن الزُّهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [نَسَمَةُ المؤمن طائر يَعْلَقُ في شجر الجنة، حتى يَرْجِعَهُ الله إلى جسده يوم يَبْعَثُه](4). يَعْلَقُ: أي يأكل.
فالفرق بين الشهداء وبقية المؤمنين أن أرواح الشهداء تطير في حواصل طَير خضر
(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (1/ 266)، وأبو داود في السنن -حديث رقم- (2520)، وصححه الحاكم (2/ 88)، ووافقه الذهبي.
(2)
حديث حسن. أخرجه الترمذي (3010)، وابن ماجة (2800)، وابن حبان (7022)، وغيرهم.
(3)
إسناده جيد. أخرجه أحمد (1/ 266)، والطبري (8212)، وابن حبان (4658).
(4)
حديث صحيح. أخرجه مالك (1/ 240)، وأحمد (3/ 455)، والنسائي (4/ 108)، وابن ماجة (4271)، وابن حبان (4657). وقال الحافظ ابن كثير:(هو بإسناد صحيح عزيز عظيم، اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة).
تأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، وترد حيث تشاء من أنهار وأشجار الجنة، ولها شرف العبور إلى ذلك النهر في منتهى سيرها، فهي كالكواكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين، فإنها تطير بأنفسها.
فرحين: في محل نصب حال من المضمر في {يُرْزَقُونَ} .
فهم فرحون لأنفسهم بما آتاهم الله من فضله، مستبشرون بمن لم يلحق بهم.
قال ابن إسحاق: (أي: ويسرون بلحوق من لحق بهم من إخوانهم على ما مضوا عليه من جهادهم، ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الذي أعطاهم، وأذهب الله عنهم الخوف والحزن).
وقال ابن جريج: (يقولون: إخواننا يقتلون كما قتلنا، يلحقوننا فيصيبون من كرامة الله تعالى مَا أَصَبْنا). وخلاصة المعنى كما أفاد شيخ المفسرين رحمه الله: قال ابن جرير: (يفرحون بمن لم يلحق بهم من إخوانهم الذين فارقوهم وهم أحياء في الدنيا على منهاجهم من جهاد أعداء الله مع رسوله، لعلمهم بأنهم إن استشهدوا فلحقوا بهم صاروا من كرامة الله إلى مثل الذي صاروا هم إليه
…
لا خوف عليهم، لأنهم قد أمنوا عقاب الله، وأيقنوا برضاه عنهم،
…
، ولا هم يحزنون على ما خلَّفوا وراءهم من أسباب الدنيا ونكد عيشها، للخفض الذي صَاروا إليه والدعة والزُّلْفة).
قلت: وقد ثبت لقاء أرواح المؤمنين وتزاورها في حياة البرزخ وفرح بعضها بقدوم بعض - في السنة الصحيحة -: فقد أخرج الإمام أحمد والنسائي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إذا حُضرَ المؤمن أتتْ ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرُجي راضية مرضيًّا عنك، إلى رَوْحِ الله وريحان، وربّ غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك، حتى إنه ليُناوله بعضهم بعضًا، حتى يأتوا به أبوابَ السماء، فيقولون: ما أطيبَ هذه الريح التي جاءتكم من الأرض! فيأتون به أرواح المؤمنين، فلهم أشد فرحًا به من أحدكم بغائبه يقدُم عليه، فيسألونه: ماذا فعل فلانٌ، ماذا فعل فلان؟
فيقولون: دعوه، فإنه كان في غمِّ الدنيا
…
] الحديث (1).
وقوله: {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ} . قال ابن إسحاق: (لما عاينوا من وفاء الموعود وعظيم الثواب).
وقوله: {وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} . أي: لا يبطل جزاء أعمال من صدّق رسوله واتبعه، وعمل بما جاء من عند الله.
وقوله تعالى: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} - إلى قوله -: {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} .
أخرج الطبراني ورجاله رجال الصحيح عن عكرمة عن ابن عباس قال: [لما انصرف أبو سفيان والمشركون عن أحد وبلغوا الروحاء قال أبو سفيان: لا محمدًا قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، شر ما صنعتم. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فندب الناس فانتدبوا حتى بلغوا حمراء الأسد -أو بئر بني عينة- الشك من سفيان - فأنزل الله عز وجل: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ} وذلك أن أبا سفيان قال للنبي صلى الله عليه وسلم موعدك موسم بدر حيث قتلتم أصحابنا، فأما الجبان فرجع، وأما الشجاع فأخذ أهبة القتال والتجارة، فأتوه فلم يجدوا به أحدًا وتسوقوا، فأنزل الله عز وجل ذكره: {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ}](2).
وأخرج البخاري في كتاب المغازي عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} . قالت لعروة: (يا ابن أختي كان أَبَوَاكَ منهم الزبيرُ وأبو بكر، لما أصابَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب يومَ أُحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا، قال: من يَذْهَبُ في إثرهم فانتدب منهم سبعون رجلًا. قال: كان فيهم أبو بكر والزبير).
فسارع سبعون رجلًا من الصحابة لامتثال رغبة القيادة النبوية، ثم تتابع بقية الجيش خلفهم حتى صار عددهم ست مئة وثلاثين مقاتلًا، كلهم مستعد لخوض معركة دامية
(1) حديث صحيح. ورواه الحاكم وابن حبان. انظر صحيح الجامع الصغير (504)، وكتابي: تحصيل السعادتين على منهج الوحيين (321)، لتفصيل أكبر حول تزاور الأرواح في البرزخ.
(2)
حديث صحيح. أخرجه الطبراني ورجاله رجال الصحيح - وقال السيوطي في لباب النقول: إن سنده صحيح. وانظر: "الصحيح المسند من أسباب النزول" - الوادعي - آل عمران (171 - 173).
جديدة، ولدخول ساحة الموت مرة أخرى، فأثنى الله سبحانه في كتابه على صدقهم، وجمال مبادرتهم، وعظيم استجابتهم رغم القرح وشدة التعب والجراح.
قال ابن هشام: (حدثنا أبو عبيدة: أن أبا سفيان بن حرب لما انصرف يوم أُحد، أراد الرجوع إلى المدينة، ليستأصل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم صَفوان بن أمية بن خلف: لا تفعلوا فإن القوم قد حَرَبوا - أي غضبوا - وقد خشينا أن يكون لهم قتال غير الذي كان، فارجعوا، فرجعوا - وفي رواية: فارجعوا والدولة لكم فإني لا آمن إن رجعتم أن تكون الدولة عليكم).
فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد، حين بلغه أنهم همّوا بالرَّجعة:"والذي نفسي بيده، لقد سُوِّمت (1) لهم حجارةٌ، لو صُبِّحوا بها لكانوا كأمس الذاهب".
فأثنى الله بذلك على المؤمنين الذين استجابوا لله وللرسول رغم القرح والألم، ومَدَحَهم في قرآن يتلى على ألسنة الأجيال إلى يوم القيامة، فيه ذكر عطر لاستئنافهم مبادرة صفحة جديدة من القتال رغم تخويف الناس لهم، وقولهم:{حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} .
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس: [{حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} قالها إبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}](2).
وقوله: {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} .
قال مجاهد: (والفضل ما أصابوا من التجارة والأجر). وقال ابن جريج: ({لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} قال: قتل).
وقوله: {وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ} . قال ابن جريج: (طاعة النبي صلى الله عليه وسلم).
وقوله: {وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} . قال ابن إسحاق: (لما صرف عنهم من لقاء عدوهم).
وقوله: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَ} . قال مجاهد: (يخوف المؤمنين بالكفار). وقال ابن عباس: (الشيطان يخوف المؤمنين بأوليائه).
وقال السدي: (يعظم أولياءه في صدوركم فتخافونهم).
(1) أي جُعلت لها علامة يعرف بها أنها من عند الله.
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (4564)، والنسائي في "التفسير"(101)، والحاكم (2/ 298).
أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند جيد عن سبرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد بطريق الإسلام، فقال: تُسلِمُ وتذرُ دينك ودينَ آبائك وآباء آبائك؟ ! فعصاه فأسلم. ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: تهاجر وتدع أرضك وسماءك
…
فعصاه فهاجر. ثم قعد له بطريق الجهاد فقال: تجاهد فهو جهد النفس والمال، فتقاتل فتُقتل فتُنكح المرأة ويقسم المال؟ ! فعصاه فجاهد .. ] (1).
وقوله: {فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} .
قال ابن كثير: (أي: إذا سول لكم وأوهمكم فتوكلوا عليّ والجؤوا إلي، فأنا كافيكم وناصركم عليهم).
وفي التنزيل: {فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76)} [النساء: 76].
{أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المجادلة: 19].
176 -
180. قوله تعالى: {وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (177) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178) مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180)}.
في هذه الآيات: تثبيتُ الله تعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، بإظهار ما أعدّ من الذل والخزي للمنافقيق، وببيان سنته تعالى في التمحيص لتمييز الصادقين من الكاذبين.
(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد (3/ 483)، والنسائي (6/ 21 - 22)، وابن حبان (4593)، وإسناده لا بأس به. وانظر صحيح الجامع (1648).
قال مجاهد: {وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} يعني: أنهم المنافقون).
وقال ابن إسحاق: {يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ} : أن يحبط أعمالهم). ثم أخبر سبحانه أنهم مع حرمانهم ثواب الآخرة {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم} في نار جهنم.
ثم أكدّ ذلك سبحانه بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ} يعني المنافقين {لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا} بل إنما يضرون أنفسهم بإيجابهم عليها عقوبة الله {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .
أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إن الله ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفلِته. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102]] (1).
فلا يظنن الذين كفروا بالله ورسوله وما جاء به من عند الله أن تأخيرهم يكفرون في الأرض خير لهم، بل هو من باب المكر بهم حتى إذا نزل بهم الموت دخلوا في جحيم العذاب المتتابع من البرزخ إلى يوم القيامة إلى الخلود في الشقاء والجحيم والعياذ بالله.
قال مجاهد: (ميز بينهم يوم أحد، المنافقَ من المؤمن). وقال ابن جريج: اليبين الصادق بإيمانه من الكاذب).
وقوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} . قال ابن إسحاق: (أي: فيما يريد أن يبتليكم به، لتحذروا ما يدخل عليكم فيه).
وقوله: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ} . قال مجاهد: (يخلصهم لنفسه).
وقوله: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا} . قال ابن إسحاق: (أي: ترجعوا وتتوبوا، {فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ}).
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (4686)، ومسلم (2583)، والترمذي (3109)، وغيرهم.
أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [من آتاه الله مالًا فلم يُؤَدِّ زكاته مُثِّلَ له شجاعًا أقرع له زبيبتان، يُطَوّقُه يوم القيامة، يأخذ بلِهْزِمَتَيْه - يعني بشدْقيه - يقول: أنا مالك، أنا كنزك. ثم تلا هذه الآية: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ} إلى آخر الآية](1).
والشجاع: هو الذكر من الحيات، والأقرع: هو الذي ذهب شعره من كثرة السم.
- وهناك شواهد كثيرة في المسند وبعض السنن للحديث السابق:
الشاهد الأول: في مسند أحمد بسند صحيح عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يُمَثّلُ الله له ماله يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان، ثم يُلزمُه يطوِّقه، يقول: أنا مالك أنا كنزك أنا كنزك](2).
الشاهد الثاني: أخرج الترمذي والنسائي وابن ماجة عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[ما من عبد لا يؤدي زكاة ماله إلا جُعِلَ له شجاع أقرع يتبَعُه، يفِرُّ منه وهو يتبعه، فيقول: أنا كنزك. ثم قرأ عبد الله مِصْداقه من كتاب الله: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}](3).
الشاهد الثالث: [خرج الحاكم والطبراني بسند جيد عن ثوبان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [من ترك بعده كنزًا مُثلَ له شجاعًا أقرع يوم القيامة له زبيبتان، يتبعه ويقول: من أنت؟ ويلك. فيقول: أنا كنزك الذي خَلَّفتَ بعدك. فلا يزال يتبعه حتى يُلْقِمهُ يدَه فيقضِمُها، ثم يتبعه سائر جسده](4).
وقوله: {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} . فإن الناس تزول عنهم أملاكهم ويصير لله ميراث كل هذه المعمورة: ما في السماوات وما في الأرض.
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (4565)، وأحمد (2/ 279)، والنسائي (5/ 39) وغيرهم.
(2)
حديث صحيح. أخرجه أحمد (2/ 98)، وأخرجه النسائي في "الكبرى"(2260).
(3)
حديث صحيح. أخرجه الترمذي (3012)، والنسائي في "الكبرى"(2221)، وابن ماجة (1784)، وأخرجه أحمد في المسند (2/ 98)، وإسناده متصل.
(4)
إسناده جيد، رواه الحاكم (1/ 388 - 389)، والطبراني (1408)، وابن حبان (3257).
وقوله: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} : فهو سبحانه يعلم أعمالكم ونياتكم.
181 -
182. قوله تعالى: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (182) الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (183) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (184)}.
في هذه الآيات: توبيخٌ وتقريعٌ من الله تعالى لليهود الماكرين، وفضح لسلوكم عبر الزمان مع المرسلين، وتوعد لهم بصلي العذاب المهين، وتسلية من الله تعالى لرسوله ليَثْبُتَ على الحق المبين.
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير: عن ابن عباس: (لما نزل قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} قالت اليهود: يا محمد، افتقر ربك فسأل عباده القرض؟ فأنزل الله: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} الآية).
وقوله: {سَنَكْتُبُ مَا قَالوا} فيه أقوال متشابهة.
1 -
سنجازيهم عليه. ذكره ابن كثير.
2 -
سنكتبه في صحائف أعمالهم. قال القرطبي: (أي نأمر الحفظة بإثبات قولهم حتى يقرؤوه يوم القيامة في كتبهم التي يؤتونها، حتى يكون أوكدَ للحجة عليهم. وهذا كقوله:{وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} [الأنبياء: 94].
7 -
وقيل: مقصود الكتابة الحفظ، أي: سنحفظ ما قالوا لنجازيهم.
وقوله: {وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} . أي: ونكتب قتلهم الأنبياء، أي: رضاهم بالقتل. فلما رضي الحفدة بفعل أسلافهم وأجدادهم الذين قتلوا الأنبياء بأيديهم اشتركوا في الحكم والإثم.
أخرج أبو داود بسند حسن عن العُرْس بن عميرة الكندي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إذا عُمِلت الخطيئة في الأرض، كان من شهدها فكَرِهها كمنْ غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها](1).
وقوله: {وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} . يعني بذلك: عذاب نار السعير الملتهبة المحرقة.
وقوله: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} . أي: ذلك العذاب بما سلف من الذنوب وحصل الرضى بها، {وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} .
وقوله: {الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ} ، قال ابن عباس:(كان الرجل يتصدق، فإذا تُقُبِّلَ منه، أنزلت عليه نارٌ من السماء فأكلته).
فزعم اليهود أن الله تقدم إليهم في كتبه وعلى ألسن أنبيائه، أن لا يصدقوا رسولًا فيما يقول إنه جاء به من عند الله حتى يجيء بقربان - مما يتقرب به العبد إلى الله من صدقة - تأكله النار يبعثها الله من السماء دلالة على القبول.
فأكذبهم الله وقال لنبيه: {قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} .
يعني: قد جاءتكم الرسل فيما مضى بالحجج القاطعة أنهم من عند الله ثم مع ذلك قتلتموهم؟ ! فأين عهدكم المزعوم إن كنتم صادقين؟ !
قال ابن جرير: ({إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} في أن الله عهد إليكم أن تؤمنوا بمن أتاكم من رسله بقربان تأكله النار حجة له على نبوته).
وقوله: {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ} . قال الضحاك: (يعزي نبيّه صلى الله عليه وسلم).
وقوله: {جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ} . البينات: الدلالات. والزبر: الكتب المزبورة، يعني المكتوبة. والزُّبُر: جمع زَبور وهو الكتاب. والكتاب المنير: أي الواضح المضيء. والمقصود بالكتاب: التوراة والإنجيل. فإن اليهود كذبت عيسى وما جاء به، وحرّفت ما جاء به موسى عليه السلام من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وبدلت عهده
(1) حديث حسن. أخرجه أبو داود في السنن (4345)، وانظر صحيح الجامع -حديث رقم- (702).
إليهم فيه، وأن النصارى جحدت ما في الإنجيل من نعته، وغيرت ما أمرهم به في أمره. أفاده شيخ المفسرين.
185 -
186. قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186)}.
في هذه الآيات: إخبارٌ من الله سبحانه عن الفناء المحتوم لكل نفس ثم البعث يوم القيامة لنيل الحساب، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ونجا من العقاب. وبيانٌ أن الابتلاء حق والصبر على أذى المشركين أيام الغربة يُقابل بجميل الثواب.
أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [مَوْضِعُ سَوْطٍ في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، اقرؤوا إن شئتم: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ}](1).
وقوله: {زُحْزِحَ} . أي: أبعد. {وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} أي: ظفر بما يرجو، ونجا مما يخاف.
وفي صحيح مسلم ومسند أحمد من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه](2).
وقوله: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} . أي تغرّ المؤمن وتخدعه فيظن طول
(1) حديث حسن. أخرجه الترمذي (3013)، وأحمد (2/ 438)، والحاكم (2/ 299).
(2)
حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم -حديث رقم- (1199)، ومسند أحمد (2/ 192).
البقاء وهي فانية، فلا تركنوا إليها وتسكنوا لها، فإنما أنتم عن قريب عنها راحلون مسافرون، والمستقر الدار الآخرة.
قال قتادة: (هي متاع متروك توشك أن تضمحل بأهلها، فينبغي للإنسان أن يأخذ من هذا المتاع بطاعة الله سبحانه ما استطاع).
وفي التنزيل: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [الأعلى: 16 - 17]. وقال تعالى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [القصص: 60].
وفي صحيح مسلم من حديث المستورد بن شداد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يَغْمِسُ أحدُكم أُصبعَهُ في اليمّ، فلينظر بم ترجع إليه](1).
وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود قال: [اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فأثّر في جنبه، فلما استيقظ جعلت أمسح جنبه، فقلت: يا رسول الله ألا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئًا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لي وللدنيا؟ ! ما أنا والدنيا؟ ! إنّما مثلي ومثل الدنيا كراكب ظَلَّ تحت شجرة ثم راح وتركها](2).
وله شاهد في المسند من حديث ابن عباس بلفظ: [ما لي وللدنيا؟ ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها](3).
وقوله: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} . خطاب من الله لهذه الأمة - أمة محمد صلى الله عليه وسلم المعنى: لتختبَرُن في أموالكم بالمصائب وبالإنفاق في سبيل الله وسائر تكاليف الشرع بذلك، ولتمتحنن في الأنفس بالموت والأمراض وفقد الأحباب.
قال القرطبي: (وبدأ بذكر الأموال لكثرة المصائب بها).
وفي التنزيل: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155].
قال ابن كثير: (أي: لا بد أن يُبتلى المؤمن في شيء من ماله أو نفسه أو ولده أو
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (2838)، والترمذي (2323)، وأحمد (4/ 228).
(2)
حديث حسن صحيح. أخرجه الترمذي (2/ 60)، والحاكم (4/ 310). وانظر:"الصحيحة"(439).
(3)
حديث صحيح. أخرجه أحمد (1/ 301)، وابن حبان (2526). وانظر المرجع السابق (440).
أهله، ويُبتلى المؤمن على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيدَ في البلاء).
قلت: وهذا المعنى قد جاء في السنة الصحيحة، وفي ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الترمذي، وابن ماجة بسند جيد، عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أشد بلاء؟ قال. أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب (وفي رواية: قدر) دينه، فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة، ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة] (1).
الحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: [دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك، فوضعت يدي عليه، فوجدت حرّه بين يدي فوق اللحاف، فقلت: يا رسول الله! ما أشدها عليك! قال: إنا كذلك، يضعف لنا البلاء، ويضعف لنا الأجر. قلت: يا رسول الله! أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء، قلت: يا رسول الله! ثم من؟ قال: ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر، حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة التي يحويها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء](2).
الحديث الثالث: روى أحمد في مسنده عن أبي عبيدة بن حذيفة عن عمته فاطمة أنها قالت: [أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، نعوده في نسائه، فإذا سقاء معلق نحوه يقطر ماؤه عليه من شدة ما يجد من حر الحمى، قلنا: يا رسول الله لو دعوت الله فشفاك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم](3).
أخرج أبو داود بسند صحيح عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه، وكان أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، وكان كعب بن الأشرف يهجو النبي صلى الله عليه وسلم
(1) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (2/ 64)، وابن ماجة (4023)، وأحمد (1/ 172).
(2)
حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن -حديث رقم- (4024)، والحاكم (4/ 307). انظر السلسلة الصحيحة (144). ورواه ابن سعد (2/ 208). وسنده صحيح.
(3)
حديث صحيح. أخرجه أحمد (6/ 369)، وسنده صحيح. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (145).
ويحرض عليه كفار قريش، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة وأهلها أخلاط منهم المسلمون، والمشركون يعبدون الأوثان، واليهود وكانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأمر الله عز وجل نبيّه صلى الله عليه وسلم بالصبر والعفو، ففيهم أنزل الله تعالى: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ
…
} الآية.
فلما أبى كعب بن الأشرف أن ينزع عن أذى النبي صلى الله عليه وسلم أمر النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ أن يبعث رهطًا يقتلونه، فبعث محمد بن مسلمة - وذكر قصة قتله - فلما قتلوه فزعت يهود والمشركون، فغدوا على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: طوق صاحبنا فقتل، فذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يقول، ودعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يكتب بينه وبينهم كتابًا ينتهون إلى ما فيه، فكتب النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبينهم وبين المسلمين عامة صحيفة] (1).
قال الحافظ في الفتح: (وروى ابن أبي حاتم وابن المنذر بإسناد حسن أنها نزلت فيما بين: "أبي بكر وبين فنحاص اليهودي" في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} تعالى الله عن قوله - فغضب أبو بكر فنزلت، وذكره السيوطي في اللباب، وقال: إن سنده حسن. ولا تنافي بينهما، فيحتمل أنها نزلت في هذا وهذا).
وروى ابن أبي حاتم بسند صحيح على شرط الشيخين عن الزُّهري، أخبرني عروة بن الزبير: أن أسامة بن زيد أخبره قال: [كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب، كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا}. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأوَّلُ في العفو ما أمره الله به، حتى أذِنَ الله فيهم](2).
وفي صحيح البخاري - كتاب التفسير - باب: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا} قال: حدثنا أبو اليمان: [خبرنا شُعيب عن الزّهري: أخبرني عروة بن الزبير: [أن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أخبره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركِبَ على حِمار على قطيفة فَدَكِيّة، وأرْدَف أسامة بن زيد وراءَه يعودُ سَعْدَ بن عُبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وَقْعَةِ بدر، قال: حتى مَرَّ بمجلس فيه
(1) حديث صحيح: انظر صحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (2593) - باب كيف كان إخراج اليهود من المدينة. وكتابي: السيرة النبوية (2/ 644 - 645). وانظر الصحيح المسند من أسباب النزول - الوادعي - سورة آل عمران آية (186). ويبدو أنه أراد بقوله عن أبيه في السند - جدّه كعب بن مالك - فيكون الحديث بهذا مسندًا.
(2)
إسناده صحيح على شرطهما. انظر تفسير ابن كثير - تحقيق المهدي - سورة آل عمران - آية (186).
عبدُ الله بن أبيّ بن سلول، وذلك قبل أن يُسْلِمَ عبد الله بن أبي، فإذا في المجلس أخْلاطٌ من المسلمين والمشركين: عَبَدةِ الأوثان، واليهود والمسلمين، وفي المجلس عبد الله بنُ رواحةَ، فلما غَشِيَتِ المجلسَ عَجَاجَةُ الدابة خفَرَ عبد الله بنُ أبيّ أنفَه بردائه ثم قال: لا تُغَبِّرُوا علينا، فَسَلَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم، ثم وَقَفَ فَنَزَل، فدعاهمْ إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبيّ بن سلول: أيها المَرْءُ، إنه لا أحْسَنَ مما تقول، إن كان حقًّا فلا تؤذِنا به في مجالسنا. ارجِعْ إلى رَحْلِكَ، فمن جاءكَ فاقصص عليه. فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله فاغْشَنَا به في مجالسنا، فإنا نحبّ ذلك، فاستَبَّ المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبيّ صلى الله عليه وسلم يُخَفِّضُهُم حتى سَكنوا، ثم ركِبَ النبي صلى الله عليه وسلم دابّتَهُ فسار حتى دخل على سعد بن عُبادة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أيا سَعْدُ! ألم تسمع ما قال أبو حُباب؟ - يريد عبد الله بن أبي - قال كذا وكذا، قال سعد بن عبادة: يا رسول الله اعف عنه واصفح عنه، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البُحيرة على أن يُتوِّجُوهُ فَيُعَصِّبُوهُ بالعصابة، فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله شَرِقَ بذلك، فذلك فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابُه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى:{وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا} الآية، وقال الله:{وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} [البقرة: 109]، إلى آخر الآية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتأوَّل العفو ما أمره الله به حتى أذِنَ الله فيهم، فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدْرًا فقتل الله به صناديدَ كفار قريش قال ابن أبي ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمرٌ قد توجّه، فبايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم على الإسلام فأسلموا] (1).
وقوله: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} . يعني: إن الصبر والتقوى من أمثل ما التزم المؤمن به، وعزم الله عليه وأمر به.
وفي الأثر عن عمر: (لو كان الصبر والشكر بعيرين ما باليت أيهما ركبت). وقال أيضًا: (أفضل عيش أدركناه بالصبر، ولو أن الصبر كان من الرجال كان كريمًا).
وقال بعض السلف: (لولا مصائب الدنيا لوردنا الآخرة مفاليس).
(1) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري -حديث رقم- (4566)، كتاب التفسير، وكذلك (2987).
187 -
189. قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189)}.
في هذه الآيات: تقريعٌ بصنيع أهل الكتاب وتهديد ووعيد من سلك مسلكهم في كتمان الحق والعلم، فإن الله سبحانه أخذ عليهم العهد على ألسنة أنبيائهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وأن يرشدوا أقوامهم إلى الإيمان به ومتابعته، إلا أنهم كانوا عند أسوأ الظن، فكتموا أمرِه وَحَرَّفُوا ما ورد في ذكره وصفاته وشمائله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. وفيها فضْحٌ لسلوك المنافقين وَتَوَعُّد لهم من الله الملك القدير بالعذاب الأليم.
قال الشعبي: {فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} : إنهم قد كانوا يقرؤونه، إنما نبذوا العمل به). وقال ابن جريج:(نبذوا الميثاق).
وقوله: {وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} . قال ابن جرير: (وابتاعوا بكتمانهم ما أخذ عليهم الميثاق أن لا يكتموه من أمر نبوتك، عوضًا منه خسيسًا قليلًا من عرض الدنيا).
وقوله: {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} . قال مجاهد: (تبديل اليهود التوراة).
والمعنى: بئست الصفقة صفقتهم، وبئست البيعة بيعتهم، إذ ارتضوا بالدون الفاني الطفيف، والحظ الدنيوي السخيف، لقاء الكبر في الأرض والغرور، وترك الأهوال تنزل بهم يوم النشور.
والآية فيها تهديد ووعيد من سلك سبيل اليهود من هذه الأمة في كتمان العلم أو تحريفه أو استبداله بالقصص المكذوبة والخرافات والأحاديث الموضوعة. وفي ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج أبو داود والترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [من سُئِلَ عن عَلمٍ فكتمه، أُلْجِمَ يومَ القيامة بلجامٍ من نار](1).
وفي رواية لابن ماجة: [ما من رجل يحفظ علمًا فَيَكْتُمُهُ إلا أتى يومَ القيامة ملجومًا بلجامٍ من نار].
الحديث الثاني: أخرج ابن حبان والحاكم بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[من كتم علمًا ألجمه الله يومَ القيامة بلجام من نار](2).
الحديث الثالث: أخرج الطبراني والدارمي بسند حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [مثلُ الذي يتعلَّم العلمَ ثم لا يحدِّثُ به، كمثل الذي يكنِزُ الكنزَ ثم لا ينفِقُ منه](3).
الحديث الرابع: أخرج ابن ماجة بسند حسن عن أبي قتادة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، على هذا المنبر:[إياكم وكثْرةَ الحديث عني. فمن قال عَلَيَّ فليقل حَقًّا أو صِدْقًا. ومن تَقَوَّلَ عليَّ ما لم أقُلْ، فليتبوأ مقعده من النار](4).
وأصل معناه في الصحيحين من حديث أنس بلفظ: [من كَذَب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار].
أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: [أن رِجالًا من المنافقين على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه وأحبوا أن
(1) حديث صحيح. رواه أبو داود في السنن -حديث رقم- (3668)، والترمذي في الجامع - حديث رقم - (2649)، وابن ماجة وابن حبان والحاكم. انظر صحيح الجامع الصغير (6160)، وصحيح الترغيب (1/ 116) كتاب العلم، الترهيب من كتم العلم.
(2)
حديث صحيح. رواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم وقال:"صحيح لا غبار عليه". انظر صحيح الترغيب (1/ 117) الباب السابق، ورواه ابن عدي عن ابن مسعود. انظر صحيح الجامع (6393).
(3)
حديث حسن. أخرجه الدارمي في السنن (1/ 134)، وأحمد في المسند (2/ 499) من طريق الطبراني، وأخرجه ابن عبد البر (1/ 122)، وله شواهد.
(4)
حديث حسن. أخرجه ابن ماجة في السنن (33)، باب التغليظ في تعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في صحيح ابن ماجة برقم (73)، وفي الباب أحاديث أخرى نحوه.
يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت:{لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا} ] (1).
وقال البخاري: حدثني إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام أن ابن جريج أخبرهم عن ابن أبي مليكة أن علقمة بن وقاص أخبره: [أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل له: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي وأحبّ أن يحمد بما لم يفعل معذبًا لنعذبنّ أجمعون. فقال ابن عباس: ما لك ولهذه الآية: إنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم يهودًا وسألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم وفرحوا بما أَتَوْا من كتمانهم ثم قرأ ابن عباس: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} كذلك حتى قوله: {يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا}](2).
وأخرج أحاكم والطبراني بسند حسن عن محمد بن ثابت الأنصاري: [أن ثابت بن قيس الأنصاري قال: يا رسول الله، والله لقد خشيتُ أن أكون هلكت. قال: ولم؟ قال: نهى الله المرء أن يُحِبَّ أن يُحْمَدَ بما لم يفعل. وأجدني أحِبُّ الحمدَ، ونهى الله عن الخيلاء وأجدني أحبُّ الجمال، ونهى الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك وأنا امرؤ جهير الصوت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ترضى أن تعيش حميدًا، وتقتل شهيدًا، وتدخل الجنة؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: فعاش حميدًا، وقُتل شهيدًا يوم مسيلمة الكذاب](3).
وقوله: {فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ} . قال ابن زيد: (بمنجاة من العذاب).
وقوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} . أي: موجع مهين، مع ما لهم من الخزي في الحياة الدنيا.
وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .
ردّ على الذين قالوا: {إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} وتكذيب لهم، فكل هذا الكون ملك له سبحانه، والسماوات والأرض وما فيهن تحت أمره، وهو القادر على إهلاك من عاند وطعى وتجبّر متى شاء، فهو الجبار المتكبر وحده لا شريك له.
(1) حديث صحيح. أخرجه البخارى (4567)، ومسلم (2777)، ورواه ابن جرير.
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري بإثر (4568)، ومسلم (2778)، وأحمد (1/ 298).
(3)
حديث حسن. أخرجه الحاكم (3/ 234)، والطبراني (13110)، من حديث محمد بن ثابت الأنصاري، عن ثابت بن قيس الأنصاري، وسنده حسن.
195 -
194. قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194)}.
في هذه الآيات: احتجاج من الله سبحانه على سائر خلقه، أنه الخالق البارئ المدبر لهذا الكون المصرف ليله ونهاره، وسماءه وأرضه، وجباله وبحاره، ومياهه وأنهاره، فكل ما في هذا الكون من آيات تدعو لتوحيده وتعظيمه لا شريك له وهو العلي العظيم. وثناء منه تعالى على المؤمنين في حسن توسلهم ودعائهم وإخباتهم لربهم الكريم.
قال ابن جرير: (قال جلّ ثناؤه: تدبروا أيها الناس واعتبروا، ففيما أنشأته فخلقته من السماوات والأرض لمعاشكم وأقواتكم وأرزاقكم، وفيما عقبت بينه من الليل والنهار فجعلتهما يختلفان ويعتقبان عليكم، تتصرفون في هذا لمعاشكم، وتسكنون في هذا راحة لأجسادكم، معتبرٌ ومدَّكر وآيات وعظات).
وقوله: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} . هو من نعت أولي الألباب ووصف حالهم، فهم يتقلبون في أحوالهم المختلفة ويذكرون ربهم لا يغفلون عنه.
قال ابن جريج: (هو ذكر الله في الصلاة وفي غير الصلاة، وقراءة القرآن). وقال قتادة: (وهذه حالاتك كلها يا ابن آدم، فاذكره وأنت على جنبك، يُسرًا من الله وتخفيفًا). وخلاصة المعنى لهؤلاء الذاكرين أولي الألباب كما قال ابن جرير - شيخ المفسرين -: (يعني بذلك قيامًا في صلاتهم، وقعودًا في تشهدهم وفي غير صلاتهم، وعلى جنوبهم نيامًا).
وفي صحيح البخاري وسنن أبي داود وابن ماجة والترمذي عن عِمران بن حُصين:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب](1).
وقوله: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} . أي يعتبرون بما فيهما من آيات كبيرة تدل على عظمة الخالق وكمال صفاته، ووجوب تعظيمه.
قال بشر الحافي: (لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى لما عصوه).
وقد ذمّ الله تعالى من لا يعتبر بهذه الآيات البديعة، ويمر عليها دون تفكر، فقال جل ذكره:{وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} .
وقوله: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا} . أي: لم تخلقه عبثًا ولهوًا، بل إنما يكمن وراءه أمر عظيم، من ثواب وعقاب، ومحاسبة ومجازاة، ونعيم وجحيم، وخلود في أحد المستقرين.
وقوله: {سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} . هو نتيجة وثمرة هذا التفكر، فتحركت ألسنتهم يلهجون بذكره وتسبيحه وتنزيهه، ورجوه أن يرضى عنهم وينجيهم من عذابه.
وقوله: {رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} . فهذه حقيقة لا شك فيها، فكل من كتب الله عليه دخول النار ولو إلى فترة فقد ناله من الخزي والعنت والألم.
وقوله: {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} . أي: لا نصرة من اختار معصية الله وسخطه، ولا سبيل له لدفع العذاب عنه، فهو خزي لا منقذ له.
هذه الآية دليل على مشروعية التوسل إلى الله سبحانه بعمل صالح. فإن التوسل إلى الله تعالى مشروع بأحد الأنواع الثلاثة:
1 -
التوسل باسم من أسماء الله أو صفة من صفاته.
2 -
التوسل إلى الله بعمل صالح.
3 -
التوسل إلى الله بدعاء الرجل الصالح.
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (1117)، وأبو داود في السنن (952)، والترمذي في الجامع (372)، وابن ماجة في السنن (1223).
وقد بسطت القول في ذلك في كتابي: "أصل الدين والإيمان - عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان" ولله الحمد والمنة.
وأما المنادي في الآية الذي ينادي للإيمان فهو الرسول صلى الله عليه وسلم، أو القرآن. قال محمد بن كعب:(هو الكتاب، ليس كلهم لقي النبي صلى الله عليه وسلم).
وقال ابن زيد: (ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم). وقال ابن جريج: زهو محمد صلى الله عليه وسلم).
والمعنى: لقد توسّل هؤلاء المؤمنون إلى الله بتصديقهم كتابه أو رسوله صلى الله عليه وسلم إذ سمعوا نداءه إلى الإيمان، فسألوه سبحانه المغفرة وتكفير الذنوب والموت على الإسلام.
وقوله: {وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ} . قال القرطبي: (أي أبرارًا مع الأنبياء، أي في جملتهم. واحدهم بَرٌّ وبارٌّ وأصله من الاتساع، فكأن البر متسِع في طاعة الله ومتّسِعة له رحمه الله.
والخلاصة: أنهم سألوا الله اللحاق بالصالحين، الذين برّوا الله تبارك وتعالى بطاعتهم إياه وخدمتهم لدينه حتى رضي عنهم وأبرهم.
وفي صحيح مسلم عن النواس بن سمعانَ الأنصاري قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البِرّ والإثم؟ فقال: [البِرُّ حُسْنُ الخُلقِ، والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس](1).
وقوله تعالى: {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} .
قال القاسمي رحمه الله في التفسير: {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ} أي: على تصديق رسلك والإيمان بهم. أو على ألسنة رسلك. وهو الثواب). وهذا حكاية لدعاء آخر لهم، معطوف على ما قبله. وتكرير النداء لما مرّ {وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} قصدوا بذلك تذكير وعده تعالى بقوله:{يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} [التحريم: 8]. بإظهار أنهم ممن آمن معه).
وقوله: {إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} يتلاءم مع سؤالهم ربهم أن يؤتيهم ما وعدهم من أربعة أوجه:
(1) حديث صحيح. رواه مسلم في الصحيح (2553)، كتاب البر والصلة، باب تفسير البر والإثم.
1 -
أن الله وعد من آمن بالجنة، فسألوا أن يكونوا ممن وُعد بذلك دون الخِزي والعقاب.
2 -
أنهم سألوا ذلك ودعوا على جهة العبادة والخضوع. قال القرطبي: (وهذا كقوله: {قَال رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ} [الأنبياء: 112] وإن كان هو لا يقضي إلا بالحق).
3 -
سألوا ما وعدوا من النصر على عدوهم معجّلًا، والمقصود أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين هاجروا وهم يتمنون خزي المشركين عاجلًا. قال ابن جرير:(فقالوا: ربنا آتنا ما وعدتنا من نصرتك عليهم عاجلًا، فإنك لا تخلف الميعاد، ولكن لا صبر لنا على أناتك وحلمك عنهم، فعجل لهم خزيهم، ولنا الظفر عليهم).
4 -
أنهم سألوا الله النجاة يوم القيامة دون الخزي فإنهم مؤمنون بالمعاد والوقوف بين يديه سبحانه. قال الحافظ ابن كثير: {إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} ، أي: لا بد من الميعاد الذي أخبرت عنه رُسُلَك، وهو القيام يوم القيامة بين يديك).
وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخص هذه الآيات العشر من آخر آل عمران بالقراءة إذا قام من الليل لتهجده. وفي ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: [بتُّ عند خالتي ميمونة، فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة ثم رقدَ، فلما كان ثلثُ الليل الآخِرُ قعد فنظرَ إلى السماء فقال: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}. ثم قام فتوضأ واسْتَنَّ، فصلى إحدى عَشْرَة ركعة، ثم أذَّنَ بلالٌ فصلى ركعتين، ثم خرج فصلى الصبح](1). ذكره البخاري في التفسير - باب قوله: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} .
الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه - في كتاب التفسير - باب: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} . عن كُرَيب، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: [بتُّ عند خالتي ميمونةَ فقلتُ لأنظرنَّ إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَطُرِحَتْ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وِسادَةٌ، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم في طُولِها، فجعل يَمْسَحُ النّومَ عن وجهه، فقرأ الآيات العشرَ الأواخِرَ من آل عمران، حتى ختمَ، ثم أتى سِقَاءً مُعَلَّقًا، فأخذه فتوضأَ ثم قام يُصَلّي، فقمتُ فصَنَعْتُ مثل ما صنعَ، ثم
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (4569)، كتاب التفسير، ورواه مسلم (763) ح (190).
جئت فقُمت إلى جَنبه، فوضع يده على رأسي، ثم أخذ بأُذُني فجعل يَفتِلُها، ثم صلى ركعتين، ثم صلى ركعتين، ثم صلى ركعتين، ثم صلى ركعتين، ثم صلى ركعتين، ثم صلى ركعتين، ثم أوتر] (1).
الحديت الثالث: روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عباس قال: [أمرني العباس أن أبيت بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظ صلاته. قال: فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس صلاة العشاء الآخرة، حتى إذا لم يبق في المسجد أحد غيره قام فمرَّ بي، فقال: من هذا؟ عبد الله؟ قلت: نعم، قال: فَمَه؟ قلت: أمرني العباس أن أبيت بكم الليلة. قال: فَالْحَقْ الْحَقْ. فلما أن دخل قال: افرشَنْ عبد الله؟ فأتى بوسادة من مسوح قال: فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها حتى سمعت غطيطه، ثم استوى على فراشه قاعدًا، قال: فرفع رأسه إلى السماء فقال: "سبحان الملك القدوس". ثلاث مرات، ثم تلا هذه الآيات من آخر سورة آل عمران حتى ختمها](2).
195.
في هذه الآية: استجابةُ الله سبحانه دعاء هؤلاء الداعين، بأنه لا يضيع عمل عامل منهم عمل خيرًا، ذكرًا كان أم أنثى، فإن الله سبحانه أمر بالدعاء ووعد بالإجابة وحسن الثواب للمجاهدين الصادقين.
قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186].
وقال جل ذكره: {وَقَال رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60].
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (4570)، كتاب التفسير، وكذلك (183)، ورواه مسلم (763) ح (182)، وأبو داود (1376)، وأحمد (1/ 242)، ومالك (1/ 121 - 122).
(2)
حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (763) ح (191)، وأبو داود (1353) من وجه آخر.
وفي جامع الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه](1).
وأخرج الطبراني بإسناد صحيح عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إذا تمنى أحدكم فليكثر فإنما يسأل ربّه](2).
وفي رواية: [إذا سأل أحدكم فليكثر فإنما يسأل ربه].
قال ابن القيم رحمه الله: (لكن قد يتخلف عنه أثره إما لضعفه في نفسه، بأن يكون دعاء لا يحبه الله، لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء، فيكون بمنزلة القوس الرخو جدًّا، فإن السهم يخرج منه خروجًا ضعيفًا، وإما لحصول المانع من الإجابة، من أكل الحرام والظلم، ورين الذنوب على القلوب واستيلاء الغفلة والسهو واللهو وغلبتها عليها).
وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أم سلمة: [قالت: يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة، فأنزل الله تبارك وتعالى: {أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ}](3).
المعنى: إن المهاجرين الذين أخرجهم مشركو قريش من ديارهم بمكة، فأوذوا في طاعة الله وفي سبيله، وقاتلوا في سبيل الله وقتلوا فيها، وعدهم الله سبحانه أن يمحو عنهم ذنوبهم ويجزيهم بهجرتهم وجهادهم الجنة نعم الثواب ونعم المستقر. ومن ثم فإن الآية عامة في كل من مضى على منهاج هجرتهم وجهادهم. وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ثلاثةٌ كلهم ضامِنٌ على الله: رجلٌ خرجَ غازيًا في سبيل الله فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخلهُ الجنة، أو يردّه بما نال من أجر أو غنيمة، ورجلٌ راح إلى المسجد فهو
(1) حديث حسن. أخرجه الترمذي (2/ 261)، والحاكم (1/ 493). وانظر:"الصحيحة"(594).
(2)
حديث صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير (450)، وكذلك رقم (605) للرواية الثانية.
(3)
حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (2420) - كتاب التفسير - وانظر كذلك (2419) منه.
ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخلَه الجنة أو يردَّه بما نال من أجر، ورجلٌ دخلَ بيتَه بسلام، فهو ضامن على الله] (1).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[ما أحد يدخلُ الجنة يحب أن يرجعَ إلى الدنيا، وأن له ما على الأرض من شيء غير الشهيد، فإنه يتمنى أن يرجع فيقتل عَشر مرات، لما يرى من الكرامة](2).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد، بإسناد صحيح، عن المقدام، عن النبي عليه الصلاة والسلام، قال:[للشهيد عند الله سبع خصال: يُغفر له في أول دفعةٍ من دمه، ويَرَى مقعده من الجنة، ويُحَلّى حلَّة الإيمان، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويُجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خيرٌ من الدنيا وما فيها، ويشفع في سبعين إنسانًا من أهل بيته](3).
الحديث الرابع: أخرج البخاري ومسلم عن جابر قال: [قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم يومَ أُحد: أرأيت إنْ قُتِلتُ فأين أنا؟ قال: في الجنة. فألقى تمرات في يده، ثم قاتل حتى قُتِل](4).
وفي رواية أخرى: [يا رسول الله: أرأيت إن قُتِلْتُ في سبيل الله صابرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلًا غير مُدْبر، أَيُكَفِّرُ الله عني خطاياي؟ قال: نعم. ثم قال: كيف قلت؟ فأعاد عليه ما قال: فقال: نعم، إلا الدَّين، قاله لي جبريل آنفًا].
وقوله: {وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} يعني حسن الجزاء والتكريم.
196 -
198. قوله تعالى: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ
(1) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (2494)، كتاب الجهاد، باب فضل الغزو في البحر. انظر صحيح سنن أبي داود (2178)، وانظر تخريج المشكاة (727)، وصحيح الجامع الصغير، رقم (3048).
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (2817)، كتاب الجهاد والسير، ورواه مسلم.
(3)
حديث صحيح. أخرجه أحمد بسند صحيح عن المقدام. انظر صحيح الجامع الصغير (5058).
(4)
حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (4046)، كتاب المغازي، وأخرجه مسلم برقم (1899)، ورواه أحمد في المسند (3/ 308).
قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (198)}.
في هذه الآيات: استخفاف الله تعالى بالكافرين الماكرين، ووعده جميل الجنان للأبرار المتقين.
قال السدي: ({لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ}، يقول: ضربهم في البلاد). وقال قتادة: (والله ما غرُّوا نبيَّ الله، ولا وَكل إليهم شيئًا من أمر الله حتى قبضه الله على ذلك).
والمعنى: لا تعجبوا إلى ما أُترِف به الكفار في الدنيا من ألوان النعمة والغبطة والسرور، فعمّا قليل يتغير عليهم الحال ويزول، ويدور الزمان فَيُذِلُّ الله من فتنه بالأمس بالحكم والسلطان ليمسوا محمولين إلى القبور، مرتهنين بسيِّئ أعمالهم مستقبلين يوم النشور.
وقوله: {مَتَاعٌ قَلِيلٌ} هو مدة الغرور بالحكم والسلطان وتحكيم الأهواء والشهوات، {ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} بعد مماتهم {وَبِئْسَ الْمِهَادُ} أي: بئس الفراش والمضجع والمأوى والمستقر.
أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسقون من عُصَارة أهل النار، طينة الخبال](1).
وفي مستدرك الحاكم بسند حسن عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إن أهل النار ليَبْكون حتى لو أُجْريت السفن في دموعهم جَرَتْ، وإنهم ليبكون الدم](2).
ورواه في شرح السنة عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [يا أيها الناس! ابكوا فإن لم تستطيعوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون في النار حتى تسيل دموعهم في وجوههم،
(1) حديث حسن. أخرجه الترمذي (2492). انظر صحيح سنن الترمذي (2025). ورواه أحمد. انظر تخريج المشكاة (5112)، وصحيح الجامع الصغير (7896).
(2)
حديث حسن. أخرجه الحاكم (4/ 605). انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (1679)، وكتابي: أصل الدين والإيمان - عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان (2/ 767) للرواية بعده.
كأنها جداول، حتى تنقطع الدموع، فتسيل الدماء، فتقرَّح العيون، فلو أن سُفُنًا أُزْجيَتْ فيها لجرت]. وقوله:"أزجيت": أرسلت.
وعد من الله سبحانه للذين اتقوه بتعظيم أوامره واجتناب نواهيه بساتين الخلود والنعيم، إنزالًا من الله إياهم فيها، تكريمًا لهم وتشريفًا. {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَار} قال ابن زيد:(لمن يطيع الله).
وأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عمر قال: (إنما سماهم الله أبرارًا لأنهم بَرّوا الآباء والأبناء، كما أن لوالديك عليك حقًّا، كذلك لولدك عليك حق).
قلت: ولا شك أن البر كلمة جامعة لكل أبواب الخير، سواء في معاملة الوالدين والأبناء، أو في معاملة الناس جميعًا، وأعلى من ذلك كله صدق طاعة الله عز وجل.
وقد مضى في حديث الإمام مسلم عن النواس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[البِرُّ حُسْنُ الخلق، والإثم ما حاك في صدرك، وكرِهت أن يطلع عليه الناس](1).
وفي المسند للإمام أحمد، بسند صحيح، من حديث أبي ثعلبة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[البِرُّ ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس، ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون](2).
199 -
200. قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)}.
في هذه الآيات: ثناء الله تعالى على من صدق من أهل الكتاب وكان بمحمد صلى الله عليه وسلم من
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (2557)، والترمذي. انظر صحيح الجامع (2877)، وقد مضى.
(2)
حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند بإسناد صحيح من حديث أبي ثعلبة. انظر تخريج المشكاة (2774)، وتخريج الترغيب (3/ 16) ، وصحيح الجامع (2878).
المؤمنين، وترغيب لأهل الإيمان بالصبر والمصابرة والمرابطة حتى ينزل نصر الله المبين.
أخرج البزار والطبراني بسند جيد عن أنس رضي الله عنه: [أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي حين نُعِيَ. فقيل يا رسول الله: تصلي على عبد حبشي! فأنزل الله عز وجل: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ} الآية](1).
فالآية إخبار عن بعض أهل الكتاب أنهم على منهج الإيمان بالله، وما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، قد جمعوا ذلك إلى إيمانهم برسلهم وكتبهم مع الخشية لله، ولا يكتمون ما علموا من كتبهم من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ووجوب اتباعه، فهؤلاء هم خيرة أهل الكتاب وصفوتهم، ولهم الجزاء الأوفى يوم القيامة. قال مجاهد:{وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} يعني مسلمة أهل الكتاب).
وفي التنزيل: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا} [القصص: 52 - 54].
وفي الصحيحن من حديث أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ثلاثة يؤتون أحرهم مرتين. - فذكر منهم: ورجل من أهل الكتاب آمن بنبيّه وآمن بي](2).
وقوله: {خَاشِعِينَ لِلَّه} . قال ابن زيد: (الخاشح، المتذلل لله الخائف)، وقد نصب قوله {خَاشِعِينَ} على الحال من {يُؤْمِنُ} .
ؤقوله: {لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} : لا يحرفون ما أنزل الله من الحق في نعت محمد صلى الله عليه وسلم ووجوب اتباعه، من أجل حظ الرياسة وعرض الدنيا البخس.
وقوله: {أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} .
قال مجاهد: (يعني: سريعَ الإحصاء).
(1) حديث إسناده جيد. رواه البزار والطبراني في الأوسط، ورجال الطبراني ثقات. انظر: الصحيح المسند من أسباب النزول - الوادعي - سورة آل عمران، آية (199).
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (3011)، ومسلم (154)، وأحمد (4/ 402)، وغيرهم.
وقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا} . قال ابن جريج: (اصبروا على الطاعة، وصابروا أعداء الله، ورابطوا في سبيل الله). وقال ابن عباس: (المرابطة: انتظار الصلاة بعد الصلاة).
وأصل الرباط ارتباط الخيل للعدو، ثم استعمل في كل مقيم في ثغر. يدفع عمن وراءه بأس عدوهم، ولا شك أن انتظار الصلاة بعد الصلاة في الجماعة رباط.
وقد جاء الثناء العطر في السنة الصحيحة على الرباط وأهله، ومن ذلك:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن سَهْل بن سعد الساعدي رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[رباطُ يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها](1).
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن سَلْمان، عن النبي عليه الصلاة والسلام، أنه قال:[رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأُجْرِيَ عليه رزقُه، وأمِنَ الفَتَّان](2).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند حسن، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[من مات مُرابطًا وُقِيَ فتنةَ القبر، وأمِنَ من الفزع الأكبر، وغُدِيَ عليه ورِيحَ برزقه من الجنة، وكُتِبَ له أجر المرابط إلى يوم القيامة](3).
الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن أبي ريحانة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [حَرُمَت النار على عين دَمِعتْ -أو بكت- من خشية الله، وحَرُمَتِ النار على عين سهرت في سبيل الله](4).
وله شاهد عند الترمذي من حديث ابن عباس بلفظ: [عينان لا تصيبهما النار: عينٌ بكت من خشية الله، وعين باتت تحرُسُ في سبيل الله].
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (2794)، ومسلم (1881)، وأحمد (3/ 433)، وغيرهم.
(2)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (1913)، والنسائي (6/ 39)، والترمذي (1665)، وأحمد (5/ 440) من حديث سلمان رضي الله عنه.
(3)
حديث حسن بشواهده. أخرجه أحمد في المسند (2/ 404). وإسناده حسن، وله شواهد.
(4)
حديث حسن. أخرجه أحمد (4/ 134)، والطبراني في "الأوسط"(8736). ورجال أحمد ثقات.
وصححه الحاكم (2/ 83) ووافقه الذهبي. وانظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (3991) من أجل الشاهد بعده، وكذلك الأحاديث:(3990) ، (3992).
الحديث الخامس: أخرج الإمام مالك والنسائي وأحمد بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؛ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرّباطُ، فذلكم الرِّباطُ، فذلكم الرِّباطُ](1).
وأورد ابن جرير بسنده عن زيد بن أسْلَمَ قال: (كتب أبو عبيدةَ إلى عمر بن الخطاب، يذكُرُ له جُمُوعًا من الروم وما يتخوَّفُ منهم، فكتب إليه عمر: أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزلة شدّة يجعل الله له بعدها فرجًا، وإنه لن يغلبَ عُسْر يُسْرَين، وإن الله تعالى يقول في كتابه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (2).
وذكر الحافظ ابن كثير في التفسير قال: (وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن المبارك، من طريق محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة قال: أملى عليَّ عبد الله بن المبارك هذه الأبيات بطرسُوس، وَوَدّعته للخروج، وأنشدها معي إلى الفُضيل بن عياض في سنة سبعين ومئة، وفي رواية سنة سبع وسبعين ومئة.
يا عابدَ الحرمين لَوْ أَبْصَرْتَنا
…
لعلمت أنك في العبادة تَلعَبُ
مَنْ كان يَخْضِبُ خَدَّه بدمُوعه
…
فنُحورُنا بدمائنا تَتَخضَّبُ
أو كان يُتْعِبُ خَيْلَه في باطل
…
فخيُولنا يوم الصبيحة تتْعبُ
ريحُ العبير لكم ونحنُ عَبيرُنا
…
رهج السَّنابِكِ والغبارُ الأطْيبُ
ولقد أتانا مِنْ مَقال نَبِيِّنَا
…
قولٌ صحيحٌ صادقٌ لا يكْذِبُ
لا يستوي غُبَار خيل الله في
…
أنف امرئٍ ودخان نار تَلْهبُ
هذا كتاب الله يَنْطِقُ بيننا
…
ليسَ الشهيدُ بِمَيِّتٍ لا يَكْذِبُ
قال: فلقيتُ الفُضيل بن عياض بكتابه في المسجد الحرام، فلما قرأه ذَرِفَت عيناه وقال: صدق أبو عبد الرحمن، ونصحني، ثم قال: أنت ممن يكتب الحديث؟ قال:
(1) حديث صحيح. أخرجه مالك في الموطأ (1/ 261)، ومن طريقه أخرجه مسلم (251)، والنسائي (1/ 89)، ورواه أحمد في المسند (2/ 277)، وابن حبان (1038).
(2)
حديث موقوف. أخرجه الطبري في "التفسير" -حديث رقم- (8393) بإسناد حسن. رجاله ثقات.
قلت: نعم قال: فاكتب هذا الحديث كِرَاءَ حَمْلِك كتاب أبي عبد الرحمن إلينا. وأملى عَلَيَّ الفضيل بن عياض: حدثنا منصور بن المعتمر؛ عن أبي صالح، عن أبي هريرة: أن رجلًا قال. يا رسول الله، عَلِّمني عملًا أنال به ثواب المجاهدين في سبيل الله. فقال: هل تستطيع أن تُصَلِّي فلا تَفْتُر، وتصوم فلا تفطر؟ فقال: يا رسول الله، أنا أضعف من أن أستطيع ذلك. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم:"فوالذي نفسي بيده، لو طُوِّقْتَ ذلك ما بلغتَ المجاهدين في سبيل الله، أوما عَلِمْتَ أن فرس المجاهد ليَسْتَنُّ (1) في طِوَلِهِ، فيكتب له بذلك الحسنات"(2)) (3).
وقوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ} . هو أمر من الله لعباده المؤمنين، فلا فلاح لهم بدون منهاج التقوى في كل أعمالهم وأقوالهم وأحوالهم.
وفي المسند وجامع الترمذي من حديث أبي ذر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن](4).
وفي مسند الطيالسي وصحيح ابن حبان من حديث جابر بن سليم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[اتق الله، ولا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، وأن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسطٌ، وإياك وإسبال الإزار، فإن إسبال الإزار من المخيلة، ولا يحبها الله، وإن امرؤٌ شتمك وعيرك بأمر ليس هو فيكَ، فلا تعيره بأمر هو فيه، ودعْهُ يكون وبالُه عليه، وأجرُه لك، ولا تسبنَّ أحدًا](5).
وقوله: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} . أي: لتفلحوا فتخلدوا في نعيم الآخرة، وتتجاوز عقبة الهلاك والشقاء. فإن الفلاح كل الفلاح في التمسك بالإسلام في الدنيا، والفوز برضى الله في الآخرة.
(1) يستنّ في طِوَلَهِ: يمرح في الطول. وقال أبو عبيدة: الاستنان أن يُحضر وليس عليه فارس.
(2)
إسناده لا بأس به، محمد بن إبراهيم، وثقه ابن حبان، ومن فوقه رجال الصحيح، وأصله في الصحيحين. انظر: مختصر صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير -حديث رقم- (1146).
(3)
انظر تفسير ابن كثير - آخر سورة آل عمران، تحقيق - عبد الرزاق المهدي.
(4)
حديث حسن. رواه أحمد في المسند، ورواه الترمذي، في الجامع (1987) من حديث أبي ذر. وانظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (96).
(5)
حديث صحيح. رواه الطيالسي (1208) من حديث جابر بن سليم وروى أحمد نحوه (5/ 63). وانظر: السلسلة الصحيحة (770).
أخرج الطبراني والحاكم عن فضالة بن عبيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[أفلح من هُدِي إلى الإسلام، وكان عيشُه كَفَافًا، وَقَنِعَ به](1).
وهذا آخر تفسير سورة آل عمران، ولله الحمد والمنة، ونسأله الموت على الكتاب والسنة
…
اللهم آمين.
تم تفسير سورة آل عمران بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه
* * *
(1) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (4/ 122)، والترمذي (2/ 56). وانظر المرجع السابق (1506).