الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الشعراء
هذه السورة مكية، وآياتها سبع وعشرون ومائتان، وسميت بهذا الاسم لأَن الله ذكر فيها طرفًا من أَحوال الشعراء في قوله تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ. أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ. وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ
…
} إلخ.
وهذه السورة لها اتصال وثيق بالسورة التي قبلها: (سورة الفرقان) فكلتاهما بدأَهما الله بالإِشادة بالقرآن العظيم، وفيهما أَيضًا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يبدر من قومه من أَلوان الإِيذاء والإِعراض، فضلا عن أَن في هذه السورة بسطًا وتفصيلًا لبعض ما مر في سورة الفرقان من أخبار الرسل عليهم السلام مع من أرسلوا إِليهم.
محتويات هذه السورة
1 -
أَنها نوهت بفضل القرآن ووصفته بالكتاب المبين، وأَشارت إِلى إِعراض قريش عن الإِيمان به، وتأَلمه صلى الله عليه وسلم لذلك:(لَعَلك بَاخِعٌ نَّفسَكَ أَلَاّ يكُونُوا مُؤْمِنِينَ).
2 -
أَنها عُنِيَت بأَخبار وقصص بعض رسل الله عليهم السلام مع أَقوامهم، وبسطت بعضها كقصة سيدنا موسى مع فرعون وقومه، وقصة سيدنا إِبراهيم مع أَبيه وقومه، وما جرى بينه وبينهم من مجادلات ومحاورات أيد الله فيها خليله بالبراهين الساطعة فبهت الذي كفر، ثم جاء فيها ذكر لقصص بعض الأَنبياه: كنوح، وهود، وصالح، وغيرهم وأَن الله أَيدهم وكتب لهم الغلبة والفوز على أَقوامهم الذين تمادوا في غيهم وكيدهم، وكيف كانت الدائرة عليهم، حيث أَيد الله رسله عليهم السلام ونصرهم على أَعدائِهم ومكَّنَ لهم.
3 -
أَنها أَشادت في آخرها بالقرآن الكريم.
قال تعالى: "وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ" وأَفحمت المشركين وأَبطلت زعمهم من أن القرآن من وحي الشياطين، وكانت نهاية السورة متلاقية مع بدئها بيانًا لمنزلة القرآن العالية ومكانته السامية، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
بسم الله الرحمن الرحيم
المفردات:
{الْكِتَابِ الْمُبِينِ} : القرآن الواضح الدلالة.
{بَاخِعٌ نَفْسَكَ} : مهلكها.
{آيَةً} : معجزة.
{ذِكْرٍ} : موعظة تذكرهم.
{مُحْدَثٍ} : مجدِّد لم يسبق نزوله.
{زَوْجٍ كَرِيمٍ} : صنف طيب لذيذ.
التفسير
1 -
(طسم): يقول سلف هذه الأُمة الإِسلامية في هذه الكلمة وفي أَمثالها: إِنها من المتشابه الذي استأْثر الله بعلمه، وقيل: إِنها للإِيقاظ والتنبيه إلى سماع القرآن؛ فإنها لفظ لا تأْلف الآذان ابتداءَ الكلام به فيلفتها إِلى الإِصغاء، وقال قوم: إِن المقصود: هو التحدي للعرب الذين نزل القرآن بلغتهم، فهو يشير إلى أَن القرآن مكون من هذه الحروف التي تتركب منها كلماتهم ومع ذلك لم يستطيعوا أَن يأْتوا بسورة من مثله، وقد سبق الكلام مستوفًى على مثله في أول سورة البقرة، وآل عمران وغيرهما، فارجع إليه إن شئت.
2 -
{تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} :
{تِلْكَ} : إشارة إلى أَن آيات القرآن الكريم قد سمت منزلتها، وعلا قدرها، وعظم شأْنها، وجلت عن أَن يدانيها كلام البشر، فهي آيات الكتاب المنزل من عند الله الذي أبان فيه الحق وأَظهر الأَحكام وتحدث عن أَخبار الأُمم السابقة، وعن آيات الله الكونية بأُسلوب أَعجز الجن والإِنس:{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} (1).
3 -
{لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} :
كلمة (لَعَلَّ) تستعمل لغة في إِشفاق المتكلم، ولما استحال الذي حقه سبحانه، وجهوه إلى المخاطب، ولما كان غير واقع من النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا، قالوا: المراد الأَمْرُ به، لدلالة الإِنكار المستفاد من سوق الكلام عليه، فكأَنه قيل له: أَشفق على نفسك أَن تقتلها وتهلكها حسرة وكمدًا لاستمرار قومك على الكفر (2)، وتمسكهم بما ورثُوه عن آبائِهم من الضلال والزيغ والبعد عن الحق، فأَمر هدايتهم ليس لك وإنما مرده إلى الله
(1) سورة الإسراء، الآية: 88
(2)
وقال العسكري: هي في مثل ذلك موضوعة موضع النهي، والمعنى: لا تبخع نفسك، وقيل: وضعت موضع الاستفهام، والتقدير: هل أَنت باخع نفسك .. إلخ - انظر الآلوسى.
{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (1){إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ} (2).
4 -
{إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} :
يبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة السر في أمره لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يترفق بنفسه ويشفق عليها فلا يقتلها فيقول له: إن أردنا أن نأتي بآية ننزلها عليهم من لدنا تقهرهم وتلجئهم إلي الإيمان وتكرههم عليه فتذل له رقابهم وتخضع له نواصيهم وينقادون إليه دون إرادة منهم فلا يستطيعون فكاكا ولا هربا، وتَقْسِرُهُمْ على الطاعة فلا يلتفتون إلى معصية أبدا، لو أردنا ذلك لفعلنا، ولكن حكمتنا اقتضت أن نبين طريق الخير ونهدى إليه، ونوضح سبيل الشر ونحذر منه، ونختبر العباد بذلك لنعلم الذين صدقوا ونعلم الكاذبين ونحاسب كُلًا بما يتفق عمله إن خيرا فخير وإن شرًا فشر، فكل نفس بما كسبت رهينة، وحسبهم ما أنزله الله تعالى على رسوله من معجزة القرآن الكريم، فهي أقوى المعجزات في عصر العلم.
5 -
{وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ} :
هذا بيان لشدة عنادهم وتماديهم في باطلهم وإصرارهم على ما كانوا عليه من الكفر، والتكذيب، فقد لجوا في الطغيان وتجاوزوا الحد في الضلال، وعموا وصموا عمَّا يأتيهم من الآيات والمواعظ التي يجدد الرحمن إنزالها لهم من مكنون غيبه وقديم كلامه (3) حسبما تقتضيه حكمته البالغة ورحمته الواسعة، وذلك ليردهم إلى الحق ويهديهم سواء السبيل، ولكنهم لا يقابلون ذلك إلا بالتّولي والإعراض، وفي ذلك ما فيه من الحماقة ورداءة التفكير وسوء التقدير، فرحمة الله ينبغي أن تقابل بالشكر والطاعة لا بالعصيان والإعراض.
(1) سورة القصص، من الآية: 56
(2)
سورة الغاشية، من الآية: 21، والآية: 22
(3)
يقول الإمام البوصيرى رضي الله عنه:
آيات حق من الرحمن محدثة
…
قديمة قدم الموصوف بالقدم
6 -
{فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} :
أي: لم يقتصر أمر هؤلاء الذين لم يؤمنوا بك من قومك على الإعراض والانصراف عما يأتيهم من الذكر والموعظة، بل تجاوزوا ذلك إلى التكذيب الصريح فجعلوا القرآن الكريم تارة سحرًا، وأخرى أساطير الأولين، ومرة شعرا، وقد هددهم وأنذرهم عذابًا منكرًا ينزل بهم، وقارعة تحل بساحتهم ينتشر خبرها، ويذاع أمرها، فيجمع الله عليهم بين العذاب الأليم، وكشف أمرهم بين الناس حتى يتحدثوا بما نزل بهم من نكال وخزى جزاءً وفاقًا لاستهزائهم وسخريتهم، وقد رتب الله - سبحانه - نزول العذاب على استهزائهم في قوله: {فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ
…
} الآية، مما يؤذن ويدل على أن العذاب واقع لا محالة، فقد أصابتهم في بدر هزيمة منكرة قتل فيها وأسر صناديدهم، ويجوز أن يراد من الأنباء: أخبار انتشار الإِسلام وعلو شأن القرآن الذي كانوا به يستهزئون.
ومن أغراض هذا الوعيد أن يترفق النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه فلا يشق عليها ويعرضها للهلاك أسفا وحزنًا على قوم قد أوغلوا في الكفر، وختم الله على قلوبهم فلا تنفذ إليها الهداية ولا يرجى منهم خير.
7 -
{أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} :
ينكر الله - تعالى - عليهم ما هم فيه من إعراض وتكذيب واستهزاء بآيات الله الكونية بعد أن أعرضوا وسخروا من آيات الله التنزيلية، أي: أفعلوا ما فعلوا، وأصروا على الكفر والتكذيب ولم ينظروا إلى الأرض وما فيها من عجائب تدعوهم إلى الإقبال على الله إيمانا وتصديقا، وتمنعهم وتزجرهم عما اقترفوه من السخرية والإعراض عن آيات القرآن الكريم - أفلم ينظروا إليها - وهي تنبت ما يفيد الناس وينفعهم من نبات يختلف صورة ومنافع.
فلو أن الأمر لطبيعة الأرض، لما أنبتت نباتا، فإنها لا عقل لها ولا تدبير ولا قدوة ولا إرادة وقوله:{كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} استئناف لبيان ما في الأرض من أمور تثير العجب وتدعو إلى الإيمان بالواحد الديان، أي: أنبتنا في الأرض من كل صنف جليل النفع عظيم الفائدة، يدرك ذلك كله من أنعم الله عليه بنعمة الفهم الدقيق والإدراك السليم، وأمده ببصيرة نافذة نيرة، ويغفل عنه الغافلون فلا يعقلون.
وفي الأرض أصناف وأنواع لم يعرف نفعها البشر، وتتجلى لهم منافعها على الأيام عندما يحتاجون إليها في أُمور معاشهم وصلاح حالهم، كما أن هناك أشياء يظنها الناس ضارة لا نفع فيها ولكن الحاجة قد تلح في طلبها، وتدفع إليها، ولا يغنى عنها سواها في إصلاح أمر أو علاج علة أو إبراء مريض "ومن السموم الناقعات دواء".
8 -
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} :
أي: إن فيما سبق من إنبات الأرض لكل الأصناف والأنواع التي تعين الإنسان وتقيم حياته، وتكون متاعا له ولأنعامه مع عجزه عن تدبير ذلك، إن في ذلك لدلالة واضحة وبرهانا ساطعا، على قدرة الله، وأنه - سبحانه - هو الجدير وحده بأن يؤمن به الناس كافة:"ففي كل شيء له آية: تدل على أنه الواحد" ولكن أكثر هؤلاء استمر على الكفر والتكذيب مع عظم الآية وسطوع البرهان، وانبلاج الحجة التي توجب أن يكونوا مؤمنين منقادين مذعنين.
9 -
{وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} :
أي: وإن الله الذي يرعاك ويكلؤك هو صاحب العز الغالب والسلطان القاهر، وصاحب الرحمة الشاملة والنعمة السابغة، ومن رحمته أنه قد أمهلهم فلم يأخذهم بسبب كفرهم وإعراضهم واستهزائهم بما جئت به مع قدرته الكاملة وعزه الذي لا يقهر ولا يغالب، وإنما أكرمهم الله برحمته، وفاء بوعده لرسوله صلى الله عليه وسلم {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} (1).
والآيتان: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} ، {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} كررهما سبحانه في هذه السورة ثماني مرات، أولاها هذه، والسبع الباقيات عقب قصص موسى، وإبراهيم، وقوم نوح، وعاد مع هود، وثمود مع صالح، وقوم لوط، وأصحاب الأيكة مع شعيب.
والحكمة في تكرارها: تنبيه كفار مكة وغيرهم إلى أن في كل قصة من هذه القصص عبرة وعظة توجب الإيمان، وتزجر عن التكذيب والعصيان.
(1) سورة الأنفال؛ من الآية: 33.
التفسير
10 -
{وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} :
في هذه الآية وما يليها من الآيات يحكى الله قصة موسى عليه السلام مع فرعون وقومه، تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم ليشفق على نفسه فلا يهلكها غمًّا وحزنًا لعدم إيمان قومه، فهو يأمره أن يذكر لقومه وقت نداء المولى تبارك وتعالى موسى عليه السلام ليبلغ فرعون وقومه رسالة ربه، وما ناله بعد ذلك من مكروه، وما حقق له ربه من انتصار لحقِّهِ على باطل أعدائه، وفي ذلك ما فيه من تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ببيان أن تكذيب قريش له ليس بأول تكذيب لرسول، فلست يا محمَّد أنت وقومك بدعًا من الرسل والأمم قبلك.
والمعنى: واذكر - يا محمَّد - لقومك أن الله أمر نبيه موسى أن يأتي القوم الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي، وظلما بني إسرائيل بالإذلال والاستعباد وقتل الأبناء، واستحياء النساء.
11 -
{قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ} :
بين الله - سبحانه - القوم الظالمين الذين أمر نبيه موسى أن يأتيهم - بينهم - في هذه الآية أنهم فرعون وقومه؛ لأنهم تناهوا في الظلم وأوغلوا في الطغيان حتى صاروا علمًا عليه وعنوانًا له، وقد دعا الله إلى العجب من ظلمهم وعدم تقواهم فقال:{أَلَا يَتَّقُونَ} الله عز وجل فلا يصدر منهم معصية ولا استعلاء، وهذا يتحقق بهجرهم كل المعاصي والمظالم، وكأن سائلًا سأل: هذا ما نادى الله به موسى، فماذا قال موسى جوابًا لهذا النداء؟ فكان الجواب هو قوله تعالى حكاية عنه:
12، 13، 14 - {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14)}:
أي: قال موسى عليه السلام وهو في مقام الضراعة إلى بارئه رب العالمين: يا رب إني أخاف أن يكذبني هؤلاء حين آتيهم، ولا يؤمنوا برسالتى، ولا يصدقوا بنبوتي، إني يا رب يضيق صدرى ولا ينطلق لساني لما ينالنى من العى والحَصَر وحبس اللسان بسبب ما يلحقنى من الحزن.
وهذا الذي صنعه موسى عليه السلام ليس تشبثًا بالعلل، ولا للاستعفاء من امتثال أمر ربه عز وجل وتلقيه بالسمع والطاعة، بل هو موقف ضراعة وابتهال، وتمهيد عذر بين يدي رجاوته أن يعينه على الامتثال وإقامة الدعوة على أتم وجه، ولهذا التمس من ربه أن يبعث جبريل أمين الوحى إلى هارون ويجعله نبيًا ووزيرا له من أهله يشركه في أمره ليشد أزره ويقوى عضده.
ويجأر موسى إلى ربه فيبدى له أن هناك أمرًا آخر يخشاه ويخافه إذ يقول: إن هؤلاء القوم - فرعون وملأه - يرون أن لهم عليّ تبعة ذنب، وجريرة جرم، ذاك أنني قتلت واحدًا منهم، حين وكزته غير قاصد قتله لما استغاث بي أحد شيعتي، فهم يحملونني وزر ذنب لم أقصده، فأخاف إذا ذهبت إليهم وحدى ليس معى عضد ولا سند أن يفتكوا بي بسبب تحميلى دم القبطى، وأريد أن أؤدى الرسالة، فادفع عني يا رب أذاهم المرتقب وكيدهم المتوقع، باختيار أخي هارون نبيًّا لك ووزيرًا مساعدًا لي، وأعنا على تبليغ دعوتك.
وقد استجاب الد لموسى فحقق رغبته، وأناله طلبته بما حكاه القرآن بقوله:
15 -
{قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ} :
قال الله لموسى: كلا، لا تخف؛ لن يقتلوك ولن يصيبك مكروه، فالعناية معك والله يعصمك من الناس فلا يتردد في صدرك هذا الخاطر ولا يَجُلْ في نفسك هذا الظن، فاذهب أنت وأخوك بآياتي الباهرة ومعجزاتي الخارقة فإن فيها أمنا لك من خوفك وتثبيتا لقلبك وتأييدًا لدعوتك وأنا معكم جميعا بسمعى وعلمى أُحيطكما بالرعاية والتأييد والنصر، وأمدكما بالعون وأما فرعون فسأكون ضده بالتخذيل والتخويف فلا يصل إليكما ولا ينال منكما.
16 -
{فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} :
فاذهبا يا موسى أنت وأخوك هارون إلى فرعود ذلك الذي يدعى الألوهية ويقول: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} (1) فقولا له قولًا لينا لك غلظة فيه ولا قسوة، لعله يتذكر ما قد أنساه سلطانه وجبروته عن أنه مربوب لله رب العالمين، ليقل كل منكما له: إنه رسول رب العالمين (2)، وفي ذلك رد لدعوى فرعون أنه إله، وإشعار له بأن للعالمين ربا واحدا هو الذي بعثهما إليه، وفي هذا الأسلوب حمل لطيف لفرعون على أن يمتثل أمر ربه رب العالمين.
17 -
{أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} :
أي: أطلق سراح بني إسرائيل وفك أسارهم ودعهم يذهبوا معنا حيث نذهب، وهو يقصد بذلك توجههم إلى فلسطين.
(1) سورة النازعات، من الآية: 24
(2)
ويجوز أنه أفرد مع أنهما رسولان؛ لأنه مصدر وصف به؛ ولهذا أفرد تارة وثنى أخرى؛ ومن استعماله مصدرا قول الشاعر:
لقد كذب الواشون؛ ما فهمت عندهم
…
بسر ولا أرسلتهم برسول
أي: برسالة.
المفردات:
{تَمُنُّهَا عَلَيَّ} : تعدها نعمة وفضلًا.
{عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} : اتخذتهم عبيدا.
التفسير
18 -
{قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} :
قال فرعون موجها كلامه إلى موسى بعد أن نفَّذ موسى وأخوه هارون أمر الله وأبلغا فرعون الرسالة، وطلبا إليه أن يرسل معهم بني إسرائيل - قال فرعون ردا عليه -:
ألم نقم على رعايتك والعناية بك في منزلنا طفلا مولودا، ذلك بعد أن تم التقاطك على يد أهلنا وخدمنا، وبقيت يا موسى تقيم بيننا كواحد منا السنين من عمرك، وكان الأولى بك والأجدر - تقديرا لنعمتنا عليك - أن تكون معنا وأن تؤمن بنا، لا أن تكون داعيًا لنا وموجها، وكلام فرعون هذا يوحى بالتقريع والتوبيخ لموسى عليه السلام، ولذا عقبه بقوله:
19 -
{وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} :
وصنعت يا موسى تلك الفعلة التي أنكرناها عليك، حيث قتلت القبطي انتصارا لشيعتك، واستهانة بنا، وأنت بذلك كافر بنعمتنا عليك متنكر لما أسديناه لك جاحد
لما أسلفناه من تربية ورعاية، أو: وأنت من الذين كفروا بدينى، أو بألوهيتى بعد عودتك من الجهة التي فررت إليها، فعظم بذلك ذنبك عندنا.
والواقع أن عليه السلام لم يكن على دينهم قبل فراره، ولكن سكوته عنهم من باب التقية، فكفره بدين فرعون قديم قبل الهجرة، والمستحدث إنما هو الإعلان عنه بعد العودة، والرأى الأول هو الظاهر، وهو ما قاله ابن زيد.
20 -
{قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} :
قال موسى عليه السلام في مقام الرد على ما أثاره فرعون -: فعلت تلك الفعلة ووكزت القبطى تلك الوكزة التي قضت عليه، والحال أنى من الجاهلين بما تفضي إليه تلك الضربة إذ ما كنت أعتقد أنها تقضى على القبطي وتقتله، وكان هدفي هو الانتصار لمظلوم وتأديب باغ ومعتد، ولو كان الأمر كما تظن وأنى قاتل مفسد - كما تدعى - لاستجبت لمن استصرخ بي وكررت تلك الفعلة وانتصرت له، ولكنى بعدت ونأيت عنه وقلت له:{إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} .
21 -
{فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ} :
ومع أن فعلتى - التي عددتها عظيمة وأثيمة - لا تقتضي المؤاخذة ولا تستدعي التقريع والتوبيخ والرمى بالكفر والجحود، فإنكم تآمرتم على قتلي ودبرتم اغتيالى وإزهاق روحى، ففررت منكم بعد أن أخبرنى ناصح أمين بما انتويتم وما دبرتموه بليل، هربت منكم إلى ربي.
خرج موسى وهرب فرارًا بنفسه وخوفا من حيف يلم به، أو ظلم ينتظره، أو قتل يُعَدُّ له، وأسلم نفسه لربه فملأ قلبه حكمة وعقله رشدًا، وجعله من خاصة خلقه فاصطفاه الله له كليما، ولعباده رسولًا، وكان عليه السلام من أولى العزم من الرسل - عليهم صلوات الله وسلامه -.
22 -
{وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} :
تلك: إشارة إلى تربية موسى في منزل فرعون المستفادة من قوله لموسى: {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا
وَلِيدًا} أي: أن تلك الرعاية التي ظفرتُ بها في كنفك هي نعمة ظاهرة لديك وواضحة عندك ولكنها في الحقيقة ليست نعمة، فالسبيل إليها تعبيدك بني إسرائيل، وقصدك إياهم بذبح أبنائهم، فإنه السبب في وقوعي عندك ووجودى في تربيتك.
وقيل: إنه مقدر بهمزة الإنكار، أي: أو تلك نعمة تمنها عليّ، وهي أن عبدت بني إسرائيل، وعلى كلا الوجهين فالمقصود: أن عناية الله - سبحانه - ألقت به إليه وأنه المتسبب في وصوله إلى منزله، وأنه تبارك وتعالى سخره للعناية به والقيام على شأنه ومنعه من قتله حتى قالت امرأته:{قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} . (1) فالمنة والفضل لله وحده.
التفسير
23 -
{قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا (2) رَبُّ الْعَالَمِينَ} :
بعد أن دعا موسى عليه السلام فرعون إلى الإيمان برب العالمين تحقيقًا لأمره تعالى بدعوته: {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} بعد أن دعاه مرسى
(1) سورة القصص، من الآية: 9
(2)
ما: استفهامية وغالبا ما تستعمل في غير أولى العلم، وهي هنا في الاستفهام عن رب العالمين، على تأويل: ما شأن رب العالمين، أو أنها بمعنى من، كما في قوله تعالى:{وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} : أي ومن بناها.
قال فرعون مستنكرا ما قاله موسى ومستهزئا به: ما هذا الذي تزعم أنه رب العالمين غيرى؟ وقد كان فرعون يدعى أنه ليس هناك إله غيره.
{مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} (1) ولكن نبي الله موسى رد عليه بما حكاه الله بقوله:
24 -
{قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} :
قال موسى لفرعون ردًّا على استفهامه: رب العالمين هو رب السموات وما فيهن من الكواكب الثوابت. والسيارات النيرات، ومن الأرض وما فيها من بحار وقفار وجبال وأشجار، وحيوان ونبات وثمار، وما بينهما من الهواء والطير وما سوى ذلك مما لا نشاهده ولا ندركه، كل ذلك مربوب لله خاضع لسطانه - سبحانه - {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} (2).
{إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} : أي إن كانت لكم قلوب صالحة لليقين، وبصائر نيرة تهدى إلى الصراط المستقيم، أو إن كنتم موقنين بشيء من الأشياء فهذا أولى بالإيقان لظهوره ووضوح دليله؛ لأن الله - سبحانه - له في كل شيء آية تدل علية وترشد إليه:
وفي كل شيء له آية
…
تدل على أنه الواحد
فما يدعيه فرعون من الألوهية محض كذب وافتراء؛ فليس في قدرته أن يخلق شيئًا.
25 -
{قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ} :
قال فرعون لمن حوله من وجوه القوم وأشرافهم وأعيانهم وعليتهم الذين حضروا وشهدوا هذا الحِجَاجَ: {أَلَا تَسْتَمِعُونَ} لي قول موسى الذي يدعو إلى العجب ويبعث على السخرية والاستهزاه، وذلك بادعائه أن هناك إلها غيرى وربا سواى؟.
وإيراد فرعون كلامه على هذا النحو ليهوِّن من شأن موسى، وينال منه، وذلك منعا لقومه أن يميلوا إلى موسى وينعطفوا نحوه ويعاضدوه.
(1) سورة القصص، من الآية: 38
(2)
سورة الأنعام، من الآية: 18
26 -
{قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ} :
قال موسى على سبيل التوضيح والتصريح لما اشتملت عليه إجابته السابقة، وليضع فرعون بكل جبروته وصلفه في موضعه الصحيح، وينزله من مرتبة الألوهية التي ادعاها لنفسه إلى مرتبته الحقيقية، مرتبة العبودية التي يتساوى فيها مع الناس جميعًا: الله ربكم يا فرعون ومن معك، ورب آبائكم الأقدمين، فلا سبيل لك إلى ادعاء الربوبية لأحد من خلق الله: فما أنتم إلا عباد له سبحانه كسائر عباده.
27 -
{قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} :
اتسم هذا الأُسلوب بالسخرية والاستهزاء إمعانًا في صد القوم عن موسى عليه السلام فقد أضاف رسالة موسى إلى المخاطبين فقال: {إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ} .
وترفَّع أن يكون رسولًا إليه، كما ترفع وتكبر أن يذكر موسى عليه السلام باسمه فقال:(الذي) ثم كان منه أن رماه بالجنون، ليكون أبلغ في صد الناس وصرفهم عن اتباعه، فكأنه يقول لهم: كيف يليق بكم - وأنتم العقلاء - أن تصدقوا معتوها، وتتبعوا مجنونا؛ إن فرعون يريد من وراء هذا إثارة غضبهم على موسى واحتقارهم له.
28 -
{قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} :
لم يكترث موسى بما وجهه له فرعون من نقائص، بل جابهه بالحق إذ قال رب العالمين هو رب المشرق والمغرب وما بينهما، فهو رب السماء بما حوت من الثوابت والسيارات الذي دبرها تدبيرا محكما، وقدرها تقديرا متقنا في نظام مستمر دائم على وجه عجيب دقيق، وهذا لا يكون إلا من مدبر حكيم قدير عليم، فإن كان هذا الذي يزعم أنه ربكم وإلهكم صادقًا فليعكس الأمر وليجعل المشرق مغربا والمغرب مشرقا.
{إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} : أي إن كنتم تعقلون شيئًا، أو إن كنتم من أهل العقل علمتم أن الأمر كما قلت وبينت لكم وأرشدتكم، فآمنتم بي رسولًا لله رب العالمين.
وفي الكلام تلميح إلى أنهم لا عقل لهم فكأن موسى قال لهم: أنتم أولى بما وصفتموني به من جنون، وما رميتموني به من عَتَه.
المفردات:
{بِشَيْءٍ مُبِينٍ} : معجزة واضحة.
{ثُعْبَانٌ مُبِينٌ} : أي ثعبان لا شك.
{الْمَلَإ} : أشراف القوم وساداتهم.
التفسير
29 -
{قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} :
أحس فرعون صلابة موسى وقرأ في عينيه أنه لا يحيد عن دعوته ولا يتخلى عن رسالته، وأفحمه موسى وأعجزه، فلم يستطع جوابا، فلجأ إلى التهديد بالتعذيب، وهذه
آية العجز وأمارة الضعف عند مقابلة الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان، فالمتسلط الجبار عندما يعوزه الدليل وتتأبى عليه الحجة يجنح إلى البطش والتنكيل حفاظًا على هيبته وإبقاءً على مكانته، فقال له: لئن جعلت لك إلهًا سواى، وتماديت في دعواك أنك رسول رب العالمين، لأجعلنك من المسجونين الذين تعرفهم، وتعرف ألوان العذاب التي أُنزِلها بهم.
ولكن موسى عليه السلام لم ينقطع أمله في إيمان فرعون فتلطف به وقال ما حكاه الله بقوله:
30 -
{قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ} :
أي: أتجعلني من المسجونين الذين تعذبهم وتعاملنى معاملتهم ولو جئتك بشيء هائل عظيم موضح لصدق دعوتى، مؤيد لرسالتي؟ فتحداه فرعون بما حكاه الله بقوله:
31 -
{قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} :
قال فرعون: فَأْت بهذا الشيء إن كنت صادقا في دعواك أنك رسول رب العالمين، وما أظنك إلا كاذبًا فيما تدعيه.
طابت نفس موسى واطمأن إلى نصر الله الذي أعلمه أن عصاه ستصير ثعبانا عظيما.
32 -
{فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ} :
فألقى موسى عصاه ورمى بها إلى الأرض، فإذا هي بقدرة الله ثعبان واضح الحيوانية الثعبانية، لا تمويه فيه ولا تخييل، فليس مما يفعله السحرة.
33 -
{وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ} :
أخرج موسى يده من جيبه فإذا هي بيضاءُ لها شعاع قوي يبهر الناظرين، فماذا قال فرعون وقد بهرته آية موسى؟ ماذا قال وقد فقد الأمل في الانتصار عليه بحجاجه ومناقشته؟.
34 -
{قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ} :
قال فرعون لزعماء قومه وكبرائهم حين وجودهم حوله مهونا من أمر موسى ومن الآيات البينات المصدقة له في دعواه الرسالة من رب العالمين - قال -: إن هذا المدعى لساحر بارع في علم السحر، فائق فيه، حاذق له، متقن لقواعده وأصوله، فما جاء به اليوم أمامكم ليس معجزة إلهية كما يدعى، وإنما هو أمر يأتي به الساحر العليم فليس هذا دليلًا على صحة ما يدعيه من رسالته، ومن وجود إله غيرى، ثم هيجهم وحرضهم على الخروج عليه ومخالفته والوقوف في وجهه والكفر به، فقال:
35 -
{يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} :
{يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ} :
أي: يريد موسى أن يستولي على قلوب الناس ويميلها معه بسحره هذا حتى يكثر أعوانه وأنصاره ويغلبكم على دولتكم فيأخذ البلاد منكم، ويستعبدكم فتذهب عزتكم ويزول سلطانكم وتكونوا أتباعًا وخدما بعد أن كنتم سادة أعزة.
{فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} (1):
بَهَرَ سلطان المعجزة فرعون وحيره حتى نزل به عن ذروة ادعاء الربوبية بقوله: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} (2) فاستأمر الملأ من قومه وأظهر حاجته إلى رأيهم بعد أن كان مستقلا بالرأى مستبدا بالتدبير، وذلك لأنه استشعر الخوف من استيلاء موسى على ملكه، قال لهم: أشيروا علي في أمره: ماذا أصنع به حتى أُجنبكم شر إخراجكم من دياركم، وتفريق جمعكم، والقضاء على عزكم وجاهكم؟ فإن من أصعب الأشياء على النفوس أن يذل المرءُ بعد العز، فكان أن أشار عليه أصحاب الرأى في قومه بما يحكيه قوله تعالى:
36، 37 - {قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ}:
أي: أجّل أمر موسى وأخيه، وأخِّر البت في شأنهما فليس الأمر هينا سهلا، إنه في حاجة إلى أن تجمع من مدائن مملكتك وأقاليم دولتك، كل ضالع في السحر عليم بضروبه
(1)(تأمرون) إما من الأمر، فيكون قد طلب ممن زعمهم عبيده أن يأمروه، وإما من المؤامرة والمشاورة وسيأتي مزيد إيضاح لذلك.
(2)
سورة النازعات، من الآية: 24
وأنواعه، بصير بفنونه، كي يقابلوا موسى ويأتوا بنظير ما جاء به، أو بأشد منه تأثيرًا فتغلب أنت، وتكون لك النصرة والتأييد.
وكان هذا من تسخير الله - تعالى - لهم أن نطقوا بما نطقوا، وأتوا بمشورتهم هذه ليجتمع السحرة مع الناس في صعيد واحد، وتظهر آيات الله ومعجزاته قاهرة لجميع السحرة أمام الناس في وضح النهار.
38 -
{فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} :
جمع رجال فرعون وأعوانه السحرة من جميع مدائن مملكته لوقت معين هو الضحى، من يوم معلوم هو يوم الزينة، وهو الوقت الذي حدده موسى عليه السلام {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى} (1) ولعله كان يوم عيد لهم يتزينون فيه، ويجتمعون له، وقد اقترحه موسى عليه السلام لإظهار كمال قوته، وكونه على ثقة من أمره، وعدم مبالاته بهم، ليكون ظهور الحق وزهوق الباطل في يوم مشهود.
تكامل عقد السحرة، واجتمع شملهم، فيما حدد من زمان ومكان.
39 -
{وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ} :
قيل للناس استبطاءٌ لهم، وحثا ودفعا على المبادرة والإسراع إلى الاجتماع الذي جمع له السخرة البارعون الممتازون - قيل لهم -:{هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ} هذا الاستفهام مجاز عن الحث والدفع، فكأنه قيل لهم: أسرعوا بمشاهدة هذا اللقاء بين سحرتنا وموسى (2) وهذا الحث يشعر بأن فرعون مطمئن إلى نجاح سحرته الذين جلبهم وجمعهم من مدائنه.
40 -
{لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ} :
لعلنا بعد أن نشهد هذا التحدِّي الكبير نتبع السحرة إن غلبوا موسى، وكان قد قوى أملهم واشتد رجاؤهم أن لا يتحولوا عن دينهم خوفًا مما زعمه فرعون من قضاء موسى على سلطانهم بإخراجهم من ديارهم، فليس مرادهم بذلك أن يتبعوا دينهم حقيقة؛ فهم متبعوه، وإنما مرادهم أن لا يتبعوا موسى عليه السلام لكنهم ساقوا كلامهم مساق الكناية، حملا لهم على الاهتمام والجد في مغالبة موسى والانتصار عليه.
(1) سورة طه، الآية: 59
(2)
ويشبهه ما جاء في قول الشاعر تأبط شرًا:
هل أنت باعث دينار لحاجتنا
…
أو عبد رب أخاعون بن مخراق
فإنه يريد: أبعث لنا أحدهما سريعًا ولا تبطيء، ودينار: اسم رجل.
التفسير
41، 42 - {فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا (1) لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ}:
لما عرض موسى معجزتي العصا واليد أمام فرعون ارتاع فرعون ونسى ربوبيته، وقال لأتباعه على الفور مستغيثًا بهم، وهابطا عن كبريائه:{مَاذَا تَأْمُرُونَ} يعنى أيّ أمر تأمرونني فأُنفذه، حتى لا يضيع ملكي. (2)
فأشاروا عليه أن يجمع السحرة من أطراف ملكه - هذا ما حكته الآيات السابقة - وجاءت هاتان الآيتان لتحدثنا عن حضور السحرة وما تلاه.
(1)(إذا) هنا حرف اقترن به الجواب والجزاء وليس ظرفا، قيل: هو ظرف الزمان الماضي، وتنوينه عوض عن جملة، أي: إذا غلبتم. راجع الآلوسي.
(2)
ويصح أن يكون الأمر هنا من المؤامرة بمعنى المشاورة، فكأنه قال: ماذا تشيرون به علي، والوجه السابق أنسب بمقام الانبهار الذي جعله ينحط إلى أن يطلب الأمر ممن كان يأمره فيطيع.
ولعل رسله إلى السحرة وعدوهم بحصولهم على أجر جزيل من فرعون إن هم غلبوا موسى عليه السلام فأرادوا أن يستوثقوا من ذلك بما حكاه الله عنهم بقوله: {أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ} .
والمعنى الإجمالي لهاتين الآيتين: فلما جاء السحرة من أطراف المملكة، تلبية لدعوة فرعون لينصروه على موسى وأخيه بسحرهم - لما جاءوا لذلك - قالوا لفرعون سائلين مستيقنين: أحق مؤكد أنك جعلت لنا مكافأة وأجرا، إن كنا نحن الغالبين لموسى لظهور سحرتنا وغلبتهم لعصاه في يوم الزينة على رؤوس الاشهاد؟ فأجابهم قائلا: نعم لكم أجر جزيل على ذلك، وإنكم مع حصولكم كل الأجر لمن المقربين عندي، لأنكم نصرتموني على عدوى الذي أخشاه على ملكي.
43 -
{قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ} :
جاء في سورة الأعراف أن السحرة قالوا لموسى: {يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} (1) ومن هذا النص نفهم أن موسى عليه السلام لم يقل لهم: {أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ} إلا بعد أن خيره السحرة بين أن يبدأ بإلقاء عصاه، وبين أن يبدأوا بإلقاء سحرهم، وقد خلت سورة الشعراء من هذا التخيير، كما أن صورة الإذن بالإلقاء في سورة الأعراف {ألقوا} وفي سورة الشعراء. {أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ} وقد عرفنا من سورة الأعراف أن السحرة لما ألقوا ما معهم {سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} في يوم الزينة الذي احتشد له الناس ليشاهدوا المعركة بين الحق والباطل وآثارها، ولم يأت ذلك هنا، وبالجملة فقد اشتملت سورة الأعراف على مفارقات عديدة في قصة موسى مع فرعون، وكلما وجدت قصة موسى وفرعون في سورة، وجدت فيها مفارقات بالنسبة لسورة أخرى، ومثل ذلك يحدث في قصص غيره من المرسلين مع أممهم.
(1) سورة الأعراف، من الآية: 115 والآية: 116.
وبالجملة فإن القصص القرآنى جاء في بعض السور مختصرا، وفي بعضها مبسوطا، وأن العبارات في الموقف الواحد قد تختلف في سورة عنها في سورة أخرى.
ويرجع ذلك إلى أن لغة الرسل وأقوامهم لم تكن عربية، وأن ما جاء في القرآن عن قصصهم إنما هو ترجمة عربية لما جرى بين الأنبياء وأُممهم بلغتهم، وأن هذه الترجمة تعود إلى أصل المعنى الذي دار عليه الحوار، أما الحوار نفسه فقد يكون واسع الأطراف كثير الجدل، متعدد اللقاءات، متطاول السنين، فلا غرابة في أن تجد القرآن الكريم في سورة يقتصر في حكايته الحوار وما حوله على المبدأ الأساسي الذي دار عليه الحوار، وترتبط به العظة المقصودة من سَوْقِ القصة، وأن نراه في سورة أُخرى يحكى الحوار بصورة أُخرى فيها بعض البسط، ليجد القارئ في إعادة القصة جديدًا لم يره في سورة أُخرى، فيضيفه إلى معلوماته السابقة في القصة.
وبالجملة فالقرآن الكريم يكمل بعضه بعضا، وهذا أُسلوب بديع تفرد به القرآن بين الكتب السماوية، لما فيه من إعادة التذكير والوعظ، مع التشويق إلى تتبع القصة في مظانها من القرآن، للاستزادة من المعرفة، حتى لا يمل من إعادة القصة إذا كانت بأسلوب واحد.
وليعلم القاريء أن القصص القرآني ليس الغرض منه بيان تاريخ الأمم، بل العظة بما حدث لهم عندما أعرضوا عن رسله، ولذا احتاج الأمر إلى تكرار قصصه مع التلوين في حكايتها وسردها.
ومعنى الآية: قال موسى للسحرة لما اجتمعوا في يوم الزينة: ألقوا ما أنتم ملقونه من أنواع سحركم فلست أبالى بكمه ولا بكيفه.
44 -
{فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ} :
أي: فألقى السحرة حبالهم وعصيهم، وسلطوا عليها سحرهم ورُقاهم، فانقلبت أفاعي مخيفة؛ وثعابين مزعجة وجاءوا بسحر عظيم سحروا به أعين الناس واسترهبوهم وما هو إلا حبال وعصى في الحقيقة، فلو لم تسحر عيون الناس لرأوها كذلك، وقال
السحرة حين رأوا ضخامة سحرهم وأثره في عيون ووجوه مشاهديهم - قالوا حينئذ -: نقسم بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون لموسى، ولا سبيل لغلبته إيانا.
قال ابن عطية - بعد أن ذكر أن ما قاله السحرة قَسَمٌ بفرعون - قال ابن عطية: والأحرى أن يكون على جهة التعظيم والتبرك باسمه إذ كانوا يعبدونه .. الخ.
ومما يؤسف له أن هذه العدوى تسربت إلى المسلمين، فتركوا الحلف بالله إلى الحلف بآبائهم وأوليائهم وبغير ذلك مما لا يجرز الحلف به، فلا حلف إلا بالله أو باسم من أسمائه أو بصفة من صفاته.
45 -
{فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} :
فألقى موسى عصاه الخشبية الوحيدة، عقب ثقتهم بسحرهم، وقسمهم بعزة فرعون إنهم لَهُمُ الغالبون، ففوجئوا بالأمر الخطير الذي لم يتوقعوه، وهو أنها انقلبت ثعبانا كبيرا سريع الحركة كأنها جان، وجعلت تبتلع حبالهم وعصيهم التي أفكوها، وزعموا أنها أفاعي وثعابين حقيقية، وما هي إلا حبال وعصى سحروا بها العيون، فتخيلتها كما يزعمون.
46، 47، 48 - {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ}:
أي: فَخَرَّ السحرة ساجدين لعظمة الله، كأنهم من فرط تأثرهم بالحق واستجابتهم له، لم يتمالكوا أنفسهم، فكأن حالهم كحال من أخذوا فطرحوا على وجوههم، أو أنه تعالى ألقاهم بما وفقهم إليه من التأثر ببرهان الحق، فقد عرفوا أن مثله لا يأتي بطريق السحر، وعلى هذا فالإلقاء مجاز عن التوفيق لسبب السجود وهو معرفة الحق.
قال الآلوسي: وذكر بعض الأجلة أنهم إنما عرفوا حقيقة ذلك، بعد أن أخذ موسى عليه السلام العصا فعادت كما كانت ولم يروا لحبالهم وعصيهم أثرا، وقالوا: لو كان سحرا لبقيت حبالنا وعصينا، ولعلها على هذا صارت أجزاء هبائية، وتفرفت أو عدمت لانقطاع تعلق الإرادة بوجودها. انتهي.
والمعنى الإجمالي: فخر السحرة على وجوههم ساجدين لرب العالمين، إذ عرفوا أن العصا آية لموسى من ديان يوم الدين، وليست من قبيل سحر الساحرين، قالوا حين سجودهم: آمنا برب العالمين رب موسى وهرون، وبذلك الإيمان سقطت ربوبية فرعون من نفوسهم، واهتزت بين المشاهدين لهم.
المفردات:
{لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ} : وذلك بقطعه اليد اليمنى مع الرجل اليسرى أو العكس {لَا ضَيْرَ} : لا ضرر. {مُنْقَلِبُونَ} راجعون.
{أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ} : لكوننا أول من آمن من أتباع فرعون.
التفسير
49 -
{قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ (1) تَعْلَمُونَ
…
} الآية.
أي: قال الجبار فرعون للسحرة بعد هزيمتهم، وقد رآهم يستجيبون لموسى ويخرون لله سجدًا - قال لهم حينئذ -: صدقتم بدين موسى لأجله، دون أن يصدر لكم بذلك إذن
(1) اللام في قوله: "فلسوف تعلمون" لام الابتداء دخلت على الخبر، وأصل الكلام من جهة المعنى: فلأنتم سوف تعلمون، وليست لام القسم: لأنها لا تدخل على المضارع المثبت إلا مع نون التوكيد، وقيل: إنها القسم، ولم يؤكد الفعل بالنون للفصل بينها وبينه بلفظ (سوف) وقيل غير ذلك: انظر الآلوسي.
مني، إن موسى لكبيركم الذي علمكم السحر، فتواطأتم معه على أن تُغلبوا أمامه، فهو مكر مكرتموه معا في المدينة لتخرجوا منها أهلها، فلسوف تعلمون ما يحل بكم من النكال والوبال.
{لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} :
في هذه الجملة بيان للعقاب الذي توعدهم به فرعون إجمالا في قوله: {فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} أي: لأُقطعن اليد اليمنى مع الرجل اليسرى أو العكس، ولا أقتصر على ذلك، لأصلبنكم على جذوع النخل وأربطكم بالحبال عليها، كما قال تعالى في سورة (طه) حكايته عنه:{وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى} (1).
50 -
{قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ} :
قال السحرة بعد سماع وعيد فرعون الخطير غير مبالين بهِ: لا ضرر علينا في قطع أيدينا وأرجلنا وتصليبنا، فالموت في سبيل الله أسمى أمانينا، لأننا إلى ربنا الذي آمنا به راجعون حين تقتلنا، فنرى لديه من الكرامة والعز، لصبرنا على تعذيبك إيانا، واستشهادنا في سبيله، فلا يزعجنا وعيدك وتهديدك فما أحلى الموت في سبيل الحق.
ويرحم الله خبيب بن عدي حين قال لآسريه الذين أرادوا قتله وصلبه؛ لثأر لهم عند المسلمين:
ولست أُبالي حين أُقْتَلُ مسلمًا
…
على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ
…
يبارك على أوصال شِلْوٍ مُمَزَّع
وإنما أصر فرعون على صلب السحرة بعد تقطيع أطرافهم، زيادة في التنكيل بهم. وأن يكونوا عبرة لغيرهم.
51 -
{إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ} :
هذا تعليل آخر لانتفاء الضرر على السحرة بقتل فرعون وصلبه إياهم، أي: لا ضرر علينا حين تنفذ وعيدك فينا، فإننا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا التي حدثت منا أيام الكفر، لكوننا أول المؤمنين من أتباع فرعون.
وهكذا تهون الأرواح ويُسْتَلَذُّ العذاب في سبيل مرضاة الله رب العالمين.
(1) من الآية: 71
المفردات:
{لَشِرْذِمَةٌ} الشرذمة: الجماعة القليلة من الناس، والجمع: شراذم.
{لَغَائِظُونَ} : لفاعلون ما يغيظنا ويغضبنا. {حَاذِرُونَ} : متأهبون متيقظون.
التفسير
52 -
{وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ} :
لما ظهر أمر موسى وانتصر على السحرة وأسرعوا إلى الإيمان به نكل بهم فرعون وأعد العدة للقضاء على موسى ومن معه قبل أن يستفحل أمرهم ويتفاقم خطرهم، ولكن موسى ظل يكافح طغيانه، ويمده الله من آن لآخر بآياته، كالطوفان والجراد والقُمَّل وغيرها، فلا يزداد فرعون إلا كفرا وإمعانا في البغي والأذى، فلهذا أمر الله نبيه موسى أن يخرج بعباده بني إسرائيل من مصر إنقاذًا لهم من الاستعباد والأذى، وأرشده إلى الخروج بهم ليلًا حتى يسلموا من بطش جنوده ومتابعتهم إياهم.
والمعنى: وأمرنا موسى بوحي منا إليه أن يخرج بعبادى بني إسرائيل ليلًا لأنهم مُتَّبَعُون من فرعون وجنوده، فليسبقوهم إلى النجاة قبل أن يدركوهم، وليجعلوا الليل ساترا لهم حتى لا ينكشف أمرهم.
53 -
{فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} :
أي: فأسرى موسى بالمؤمنين، أي: خرج بهم ليلًا امتثالًا لأمر ربه، ولما أصبحوا وليس في الديار أحد منهم، غاظ ذلك فرعون واشتد غضبه على بني إسرائيل فأرسل سريعًا في
مدائن مملكته وقراها من يحشر الجند ويجمعهم كالنقباء والحجاب ليتبعوهم، وبذلك يحول بين موسى وقومه وبين ما يقصدون من الهجرة والخروج من البلاد.
54 -
{إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} :
لفظ (هؤلاء) إشارة تحقير لبني إسرائيل، أي: قال فرعون لمن حضر مجلسه: إن بني إسرائيل الذين فروا مع موسى لطائفة قليلة من الناس تشتمل على أسباطهم، وهم بالنسبة لأعداد قومنا وجنودنا قليلون، وليس هناك ما يمنعنا من اقتفاء أثرهم والانقضاض عليهم والحيلولة دون هجرتهم، وعقابهم على فرارهم.
55 -
{وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ} :
وإن موسى ومن معه - مع قلتهم وذلتهم - لصانعون بنا ما يغيظنا ويثير الحقد والغضب في نفوسنا، لأنهم خالفوا أمرنا وخرجوا دون إذننا، وحملوا معهم في مكر وحيلة ودهاء حُلينا وأموالنا وحُللنا.
56 -
{وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} :
وإنا لجمع طبيعته أن يحذر ويحترس ويتيقظ لكل ما يتوقع من جانب العدو، فإذا خرج علينا خارج سارعنا إلى تأديبه وإلزامه الطاعة لأمرنا، فلنا القوة، وفينا الكثرة.
المفردات:
{وَكُنُوزٍ} : وأموال حفظوها. {وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} : ومساكن حسان يقيمون بها.
{كَذَلِكَ} (1): الإشارة إلى مصدر الفعل، أي: أخرجناهم إخراجًا مثل هذا الإخراج العجيب، أو إلى مقام كريم مثل ذلك المقام الكريم.
{مُشْرِقِينَ} : داخلين في وقت شروق الشمس.
{تَرَاءَى الْجَمْعَانِ} : تقاربا بحيث يرى كل واحد منهما الآخر.
{لَمُدْرَكُونَ} : لملحقون. {كَلَّا} : كلمة ردع لهم.
التفسير
57 -
{فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} :
أي: فأخرجنا فرعون ومن معه من بساتين غناء ورياض فيحاء فيها عيون الماء الجارية.
58 -
{وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} :
أي: وأخرجناهم أيضا من كنوز خزنوها وادخروها، ومن مساكن طيبة وأماكن شريفة كانوا يقيمون بها منعمين بجمالها وحسن رونقها وبهائها وجميل مرافقها - أخرجناهم من هذه النعم - لأنهم لم يشكروها بالإيمان واتباع الرسول بل كفروا وحاربوا الحق، وناصبوا الرسل ومن معهم من المؤمنين العداء، وحاولوا إهلاكهم والقضاء على دعوتهم فحرمهم الله من نعمه وسلبها منهم؛ لأن المعاصي تزيل النعم.
59 -
{كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} :
{كَذَلِكَ} : أي أخرجناهم مثل هذا الإخراج العجيب الذي وصفناه {وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} قال صاحب المنار عند تفسيره لقوله سبحانه وتعالى: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} (2).
تعدد في القرآن التعبير عن استخلاف الله قوما في أرض قوم بالإيراث على سبيل المجاز.
(1)(كذلك) قال الزمخشري: يحتمل ثلاثة: (أ) النصب على: أخرجناهم إخراجا مثل ذلك الإخراج الذي وصفناه.
(ب) الجر على أنه وصف لمقام - أي: مقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم.
(جـ) الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: الأمر كذلك.
(2)
سورة الأعراف، الآية: 137
أي: وأعطينا القوم الذين كانوا يستضعفون في مصر - أعطيناهم - مشارق ومغارب الأرض التي باركنا فيها بالخصب والخير الكثير، وهي: فلسطين تحقيقا لوعدنا {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} (1) روى عن الحسن البصري وقتادة أنهما قالا في تفسير مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها هي: أرض الشام، وعن زيد بن أسلم قال: هي قرى الشام، وعن عبد الله بن شوذب: فلسطين، ويؤيد هذه الروايات قوله تعالى في إبراهيم عليه السلام:{وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} (2) وقوله سبحانه: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} (3) وربما يتراءى أن إرادة أرض مصر هي الظاهر المتبادر من قوله تعالى في سورة الشعراء: {فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} (4).
وقوله في سورة الدخان: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ} (5) ولكن الأمر ليس كذلك، بل المراد أنهم أُورثوا بعض أملاك فرعون، فلقد كانت بلاد فلسطين والشام تابعة لمصر وفراعنة مصر، ولقد أعطى الله بني إسرائيل بدلا عن مصر التي أمرهم بتركها فلسطين التي في الشام. أ. هـ عن تفسير المنار ص 97، 98، 99، 100 الجزء التاسع، بتصرف.
ويؤيده: أنه لم يثبت تاريخيا وأثريا أن بني إسرائيل ملكوا مصر واستولوا على أرضها، بل الثابت الذي يحدثنا به التاريخ أنهم بعد أن كانوا مستضعفين في مصر وخرجوا منها مع موسى لم يرجعوا إليها ولن يرجعوا - بإذن الله - ومكثوا يتيهون في الأرض أربعين سنة لمخالفتهم لله ورسوله وتقاعسهم عن قتال الجبارين كما يخبرنا بذلك القرآن الكريم
(1) سورة القصص، الآيتان: 5، 6
(2)
سورة الأنبياء، الآية: 71
(3)
سورة الإسراء، من الآية: 1
(4)
سورة الشعراء، الآيات: 57 - 59.
(5)
سورة الدخان، الآيات: 25 - 28
60 -
{فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ} : تبع وأتبع بمعنى واحد.
أي: فتبع فرعون وقومه بني إسرائيل قاصدين إهلاكهم حين أشرقت الشمس.
61 -
{فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} :
{فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ} : أي فلما تقابل الجمعان بحيث يرى كل فريق صاحبه {قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} : أي ملحقون فهالكون على أيدى هؤلاء الذين جَدُّوا في السير وراءنا يريدون إعادتنا للاستعباد أو إهلاكنا، وقد أكدوا مخاوفهم هذه بالجملة الإسمية المؤكدة بإنَّ واللام.
62 -
{قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} :
أي: لن يدركوكم {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي} بالنصرة على العدو والحفظ والعون.
{سَيَهْدِينِ} قريبًا إلى ما فيه نجاتكم منهم ونصركم عليهم؛ لأن الله دبر الأمر وسيحقق النصر فهو الذي أوحى إليَّ بالإسراء ووجهكم للخروج وسيقضى عليهم، وعبَّر بقوله:{إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} دون أن يقول: {إنَّ مَعنا رَبِّنا سَيَهْدِينِا} للإيذان بأن بني إسرائيل مكرمون بالهداية إلى النجاة من الغرق تبعًا لرسولهم موسى وكرامته على ربه، أما هم فليسوا جديرين بالحفظ من الغرق والنصر على العدو، فإنهم عقب نجاتهم طلبوا من موسى أن يجعل لهم إلهًا كآلهة الشعوب حولهم، وعبدوا العجل الذي قدمه السامري لهم، وقالوا لموسى:{فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} هم الذين أفسدوا في الأرض وعلوا علوًّا كبيرا، ولأجل هذا المقصد حكى الله عن نبيه محمَّد صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي بكر وهما في الغار، والمشركون على بابه، والخطر محدق بهما والحزن يملأ قلب أبي بكر خوفًا على الرسول:{لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} فإنه تعالى كان مع رسوله وصديقه لوفائه لربه ونبيه.
المفردات:
{فَانْفَلَقَ} : فانشق. {فِرْقٍ} : في المختار الفرْقُ؛ الفَلْق من الشيء إذا انفلق، ومنه قوله تعالى:{فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} وفي القاموس (الفِرق): القسم من كل شيء. {الطَّوْدِ} : الجبل العظيم. {أَزْلَفْنَا} : قربنا. {ثَمَّ} : - بفتح الثاء - هناك، ويشار به إلى المكان البعيد. {الْآخَرِينَ}: المراد بهم فرعون؛ وجنوده.
التفسير
63 -
{فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} : لما عظم البلاء علي بني إسرائيل ورأوا من الجيوش ما لا طاقة لهم بها أمر الله سبحانه وتعالى موسى أن يضرب البحر بعصاه، وذلك أنه عز وجل أراد أن تكون الآية متصلة بموسى ومتعلقة بفعل يفعله تثبيتًا لإيمان من آمن من قومه، وقضاءً على الشك عند من شك منهم، وإلا فضرب العصا ليس بفالق للبحر ولا معين على ذلك بذاته إلا بما اقترن به من قدرة الله عز وجل ولما انفلق عقب الضرب مباشرة صار فيه اثنا عشر طريقا على عدد أسباط بني إسرائيل، ووقف الماء بينهما كالجبل العظيم، فلما خرج أصحاب موسى،
وتكامل آخر أصحاب فرعون داخله انصب عليهم الماء وغرق فرعون، فقال بعض أصحاب موسى: ما غرق فرعون، فنبذ على ساحل البحر حتى نظروا إليه، والمراد بالبحر: القلزم على الصحيح، والظاهر أن هذا الإيماء بضرب البحر بعصاه كان بعد القول المذكور ولم يكن مأمورا بالضرب يوم الأمر بالإسراء بقومه، وجاء إنجازا لتدبير الله وتحقيقًا لوعده بنصر المؤمنين وإغراق الطغاة.
64 -
{وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ} :
أي: وقربنا فرعون وجنوده من قوم موسى عليه السلام حتى دخلوا البحر على أثرهم ويجوز أن يراد: قربنا بعض قوم فرعون من بعض، وجمعناهم لئلا ينجو منهم أحد، وفي التعبير عنهم بالآخرين ترفع عن ذكر اسم فرعون الذي ظن نفسه شيئا، وليس بشىء أمام قدرة الله.
65 -
{وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ} :
أي: وأنجيناهم من الهلاك والوقوع في أيدي أعدائهم، ومن الغرق بحفظ البحر على تلك الهيئة إلى أن عبروا إلى البر.
وقوله: سبحانه {وَمَنْ مَعَهُ} إشارة إلى أن إنجاءهم كان ببركة هذه المعية ومصاحبة موسى عليه السلام لهم، وقيل: ليشمل من آمن به عليه السلام من القبط إذ لو قيل: وقومه لتبادر إلى الذهن بنو إسرائيل دون سواهم.
66 -
{ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ} :
أي: ثم أغرقنا فرعون وجنوده المحقرين بإطباق البحر عليهم بعد خروج موسى عليه السلام ومن معه، وثم للتراخى الزمنى في أصل وضعها، ولكن الظاهر أنهم أُغرقوا فور خروج بني إسرائيل، فلهذا تحمل هنا على التراخي المعنوى لما بين المعطوفين من المباعدة المعنوية، فما أبعد الفرق بين الإنجاء والإغراق.
67 -
أي: إن فيما ذكر من معجزة البحر وما كان قبله من معجزات العصا واليد وغيرهما
وسجود السحرة لرب العالمين - إن في ذلك كله - لآية عظيمة على قدرة الله ونصره لرسله، وخذلانه لأعدائهم، وتحذيرا من عاقبة الكفر بالله ورسوله.
{وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} :
أي: وما كان أكثر قوم فرعون الذين أمر موسى عليه السلام أن يأتيهم وهم القبط على ما استظهره أبو حيان حيث لم يؤمن منهم إلا القليل، ومنهم آسية امرأة فرعون، فلهذا استحق جنودهم الإغراق مع فرعون.
وقيل: ضمير {أَكْثَرُهُمْ} للموجودين بعد الإغراق والإنجاء من قوم فرعون الذين لم يخرجوا ومن بني إسرائيل، والمراد بالإيمان المنفى عنهم: التصديق اليقينى الجازم الذي لا يقبل الزوال أصلا، أي: وما كان أكثر الموجودين بعد تحقيق هذه الآية العظيمة وظهورها مصدِّقًا، فإن الباقين بمصر من القبط لم يؤمن أحد منهم، وأكثر بني إسرائيل كانوا غير متيقنين ولهذا عبدوا العجل وسألوا موسى بقرة يعبدونها وطلبوا رؤية الله جهرة ..... الخ.
وقيل: المراد بالضمير في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} قوم نبينا صلى الله عليه وسلم أي: وما كان أكثر من دعاهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان - ما كان أكثرهم مؤمنين برسالته، بعد أن ساق لهم تلك القصص العجيبة التي لا سبيل له إلى العلم بها إلا عن طريق الوحى، وكان عليهم أن يعتبروا بها ويؤمنوا برسولهم الذي أخبرهم بها، وقد عرفوه بالصدق والأمانة، وأنه أُمِّي لا يقرأ ولا يكتب، واختار هذا الرأى الآلوسى لأن أول السورة وآخرها في الحديث عنه وتسليته صلى الله عليه وسلم عما قالوه في القرآن العظيم، ونهيه صريحًا وإشارة عن أن يذهب بنفسه الشريفة عليهم حسرات، كل ذلك يقتضي رجوع الضمير إلى قومه عليه السلام دون الرجوع إلى الأقرب لفظًا، ليكون الارتباط على هذا بين الآيات أقوى.
68 -
{وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} :
أي: وإن خالقك ومربيك وحده دون غيره هو الغالب على كل ما يريده من الأمور التي من جملتها الانتقام من الكفرة: {الرَّحِيمُ} المبالغ في الرحمة ولذلك يمهلهم ولا يعجل
بعقوبتهم مع عدم إيمانهم، أو العزيز في انتقامه ممن كفر، الرحيم لمن تاب وآمن، والتعرض لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم لتشريفه عليه السلام وتقديم العزيز؛ لأنه أظهر في بيان القدرة، وهكذا شاءت إرادة الله ولا راد لمشيئته أن ينصر الحق وأهله وأن يذل الباطل وحزبه، وأن يخلص بني إسرائيل من براثن فرعون.
المفردات:
{نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ} : النبأ الخبر ذو الفائدة العظيمة الذي يحصل به علم أو غلبة ظن كما قال الراغب.
{عَاكِفِينَ} : مقبلين عليه مع المواظبة.
{الْأَقْدَمُونَ} : السابقون الواغلون في القدم.
التفسير
69 -
{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ} :
أمر الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يتلو على أُمته نبأ إبراهيم الذي يدينون له بالولاء والنبوة، ليقتدوا به في الإخلاص والتوكل، وعبادة الله وحده لا شريك له والتبرؤ
من الشرك وأهله، فإن الله تعالى آتى إبراهيم رشده من قبل، أي: من صغره إلى كبره فإنه منذ شب أنكر على قومه عبادة الأصنام، وقد حكى الله قصص الأنبياء في هذه السورة بطريقة الإخبار، أما قصة إبراهيم فقد تغير الأسلوب فيها من الإخبار إلى أمر الرسول بتلاوتها على قومه، لزعمهم أنهم على شريعة إبراهيم الذي ينتسبون إليه ويفتخرون به، مع أنهم بعيدون عن منهجه في العقيدة كل البعد، فهو إمام الموحدين، وهم أئمة الوثنيين.
70 -
{إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ} :
تضمنت هذه الآية أن إبراهيم عليه السلام، سأل قومه عما يعبدون، لا لجهله بمعبوداتهم، بل ليبنى على جوابهم أنها بمعزل عن استحقاق العبادة.
والمعنى: واتل - يا محمد - على قومك من قريش خبر إبراهيم العظيم - خبره - حين قال لقومه سائلا عن معبوداتهم: أي شيء تعبدونه؟
71 -
{قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} :
قالوا بطريق المباهاة: نعبد أصناما فنقيم على عبادتها تعظيما لها وتمجيدًا، ولم يقتصروا في جوابهم على بيان أنهم يعبدون أصناما فحسب، بل أطنبوا في وصفها حيث بينوا تمسكهم بها، ودوام عكوفهم على عبادتها مع أنه لم يسألهم عن هذه التفصيلات، فعلوا ذلك قصدا إلى إظهار ما في نفوسهم الخبيثة من الابتهاج والافتخار بذلك.
والمراد بالظلول: الدوام، كما في قولهم: لو ظل الظلم هلك الناس، وقيل: فعل الشيء نهارا، فقد كانوا يعبدونها بالنهار والكواكب بالليل، واختار بعضهم الأول لتبادره وكونه أكثر مناسبة للمقام، واختار الزمخشرى الثاني، لأنه أصل المعنى وهو مناسب للمقام أيضا؛ لأنه يدل على إعلانهم عبادتها، وجاء النظم الحكيم على هذا النسق فقال:{فَنَظَلُّ لَهَا} دون (فنظل عليها) لإفادة معنى زائد، كأنهم قالوا: فنظل لأجلها مقبلين على عبادتها.
72 -
{قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ} :
أي: قال إبراهيم معقبا على إيمانهم مبكتا لهم: هل تسمعكم هذه الآلهة المزعومة حين تدعونهم في قضاء حاجاتكم، أو حين تعبدونهم؟
وهذا الأسلوب أبلغ في التبكيت، والقصد منه: التنبيه على فساد عقلهم وسوء حالهم وأمرهم، وأن عبادتهم الأصنام وافتخارهم بذلك سفه وسوءُ رأى.
73 -
{أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ} :
أي: هل ينفعونكم بسبب عبادتكم لهم أو يضرونكم بترككم لعبادتهم؟ إذ لا بد للعبادة من مقصد من هذه المقاصد، حيث كانت على ما وصفتم - من المبالغة فيها والحفاوة بها والإقامة عليها، فهل لأصنامكم التي آثرتموها بالعبادة صفة النفع أو الضر؟.
وتقرع كلمات إبراهيم آذانهم ملجمة لهم، وتظهر حجته على فساد مسلكهم، مفحمة إياهم حيث لا تجيب الأصنام دعاءً ولا تسمع نداءً ولا تأتى بخير ولا تدفع بلاءً، فيجيبون بما حكاه الله بقوله:
74 -
{قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} :
أي: ليس لآلهتنا شيء من ذلك، وإنما وجدنا آباءنا يفعلون مثل فعلنا ويعبدونهم مثل عبادتنا فاقتدينا بهم وقلدناهم فيما يفعلون.
75، 76 - {قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ}:
قال إبراهيم مبكتا لهم: أي: أتأملتم فعلمتم حق العلم أي شيء كنتم تقيمون على عبادته أنتم ومن سبقكم من آبائكم القدامى، فهل تقليد الآباء يصلح الاحتجاج به على صحة العبادة وألوهية المعبود؟.
77 -
{فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ (1) الْعَالَمِينَ} :
في هذه الآية بيان لحال ما يعبدونه من دون الله، من الضرر العائد من جهتهم على عابديهم بعد بيان غفلة العابدين عن ذلك، فهو يريد بعداوتها له عداوتها لعابديها، فإنهم يتضررون بعبادتها، أي: فاعلموا أيها العابدون أنهم أعداءٌ لعابديهم الذين يحبونهم كحب الله تعالى، لتضررهم من جهتهم فوق ما يتضرر المرء من جهة عدوه، وصور إبراهيم - عليه
(1) قال الزجاج في إعراب: "إلا رب العالمين" استثناء من الضمير العائد على (ما تعبدون) باعتباره شاملا لله عز وجل.
السلام - الأمر في نفسه تعريضا بهم، كما في قوله تعالى:{وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (1) ليكون أبلغ في النصح وأدعى للقبول، وأبعث على الاستماع لينظروا فيقولوا: ما نصحنا إبراهيم إلَاّ بما نصح به نفسه، ولوقال: فإنهم عدو لكم لم يكن بهذه المثابة، وقد يبلغ التعريض للمنصوح ما لا يبلغه التصريح، لأنه يتأمل فيه، فربما قاده التأمل إلى التقبل.
وكلمة (عدو) تستعمل في الواحد والجمع، ولذا أخبر بها عن ضمير الجمع.
{إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} : استثناءٌ منقطع من ضمير {فَإِنَّهُمْ} واختاره الزمخشرى، أي: لكن رب العالمين ليس عدوًّا لي فإنه - سبحانه - ولى من عبده في الدنيا والآخرة.
والمعنى: فإن الذين تعبدونهم من دون الله عدو لي ولكم، فلا أعبدهم لكن أعبد خالق العالمين ومُرَبِّيهم.
المفردات:
{أَطْمَعُ} : أرغب.
{يَوْمَ الدِّينِ} : يوم الجزاء، مأخوذ من دانه: بمعنى جازاه.
التفسير
78 -
{الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} :
{الَّذِي خَلَقَنِي} : صفة لرب العالمين، ووصفه تعالى بذلك وبما عطف عليه مع اندراج الكل تحت ربوبيته تعالى - زيادة في الإيضاح في مقام الإرشاد، وتصريحا بالنعم،
(1) سورة يس، الآية: 22
وتفصيلا لها لكونها أدخل في اقتضاء تخصيص العبادة به تعالى، وقصر الالتجاء في جلب المنافع، ودفع المضار العاجلة والآجلة على الله سبحانه.
{فَهُوَ يَهْدِينِ} : عطف على الصلة، أي: فهو يهدينى وحده - جل شأنه - إلى كل ما يهمنى ويصلحنى من أمور الحياة الدنيا وشئون المعاد هداية متجددة مع الاستمرار من مبدأ الحياة كما ينبئ عنه الفاء وصيغة المضارع، فإنه تعالى يهدى كل ما خلقه لما خلق له هداية يتمكن بها من جلب منافعه ودفع مضاره، إما طبعا وإما اختيارا، مبدؤها بالنسبة للإنسان هداية الجنين لامتصاص دم الطمث، ومنتهاها الهداية إلى طريق الجنة والتنعم بنعيمها المقيم.
79 -
{وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} :
الموصول عطف على الموصول الأول، وإنما كرر الموصول في المواضع الثلاثة مع كفاية عطف ما في حيز الصلة من الجُمَل على صلة الموصول الأول، للإيذان بأن كل واحدة من هذه الصلات نعت جليل له تعالى مستقل في استيجاب الحكم، حقيق بأن يتصف بها - سبحانه - ويشكر عليها، ويعبد من أجلها.
أي: فهو خالقي ورازقي بما سخر ويسر من الأسباب السماوية والأرضية، فساق المزن وأنزل الماء عذبا زلالا وأحيا به الأرض، وأخرج به من كل الثمرات رزقا للعباد.
وجىء بلفظ (هو) في صدر الصلة دون ذكره مع الخلق لشيوع إسناد الإطعام والسقى إلى غيره عز وجل فلهذا أعاد الحق في الإطعام والسقي إلى مصدره والمنعم به سبحانه، بخلاف الخلق فإنه لا يستعمل في غيره، فلهذا لم يحتج إلى ضمير، فالله سبحانه هو الذي ينبت لعباده طعامهم وغذاءَهم وينزل لهم من السماء ماء ليسقيهم، ولا دخل لهذه الآلهة في شيء من ذلك، فكيف أعبد سواه؟.
80 -
{وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} :
عطف على {يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} نظم معهما في سلك الصلة لموصول واحد؛ لأن الصحة والمرض ينجمان عن الأكل والشرب غالبا، ونسب المرض الذي هو نقمة إلى نفس العبد، والشفاء الذي هو نعمة إلى الله عز وجل لمراعاة حسن الأدب، كما حكاه
القرآن الكريم عن الخضر عليه السلام بقوله: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} (1) وقال: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا} (2) ولا يرد إسناد الإماتة - وهي أشد من المرض إليه عز وجل في قوله تعالى: {وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} لإمكان الفرق بأن الموت قد علم واشتهر أنه قضاءٌ محتوم من الله عز وجل على سائر البشر، وحكم عام فالتأسي بعموم الموت يسقط أثر كونه نقمة، فيسوغ الأدب نسبته إليه تعالى، وليس المرض كذلك فقد يتفق وقد لا يتفق.
والمعنى: وإذا وقعت في مرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره بما يقدر عليه من الأسباب الموصلة إليه.
81 -
{وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} :
المعنى: والذي يميتنى إذا جاء أجلى، والذي يحيينى مرة أخرى للحساب والجزاء، وقيل: إن الموت لأهل الكمال وسيلة إلى نيل ما أعده الله لهم من نعيم دائم تحتقر معه الحياة الدنيوية وفيه تخليص للعاصي من اكتساب السيئات، فلهذا يعتبر نعمة فلذا أسند إليه سبحانه.
82 -
{وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} :
لم يكن لإبراهيم عليه السلام خطايا؛ لأنه أبو الأنبياء وخليل الرحمن، وإنما أضاف الخطيئة إلى نفسه بالنسبة إلى ربه أمام قومه، هضما لنفسه وتنبيها لأبيه وقومه أن يتأملوا في أمرهم ليعلموا أنهم من سوء الحال في درجة شديدة، وهم مع ذلك بعيدون عن الرجوع إلى الله بالتوبة من الشرك والمعاصي، وليعلم المسلم أن الأنبياء دائما يطلبون المثل الأعلى في عبادة الله وطاعته، وكلما ارتقوا إلى درجة أعلى استصغروا ما كانوا فيه وعدوه قليلًا واعتبروه من الخطايا مع أنهم لم تحدث منهم معصية على الإطلاق.
ومغفرة الخطايا سابقة في علم الله، وإنما علق إبراهيم عليه السلام المغفرة بيوم الدين؛ لأن أثرها يظهر ويحدث يومئذ، ولأن في ذلك تهويلا وإشارة إلى وقوع الجزاء فيه إن لم تغفر.
(1) الكهف، من الآية: 79
(2)
الكهف، من الآية: 82
المفردات:
{حُكْمًا} : حكمة وكمالا في العلم والعمل. {وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} : المراد بالصالحين، الأنبياء، والمراد من إلحاقه بهم: أن يجمع بينه وبينهم في الجنة.
{لِسَانَ صِدْقٍ} : ذكرا حسنًا وثناء جميلا.
{الْآخِرِينَ} : القرون التي تأتى بعدي.
{وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ} : لا تهنى على رؤرس الأشهاد يوم القيامة، من الخزى بمعنى الهوان.
{بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} : خالص من الشرك والشك.
التفسير
83 -
{رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} :
لما ذكر لهم من صفاته عز وجل ما يدل على كمال لطفه تعالى به، حمله ذلك على مناجاته سبحانه ودعائه.
ومعنى الحكم: الحكمة التي هي كمال القوة العلمية بأن يكون عالمًا بالخير لأجل العمل به، وقيل: يجوز أن يكون المراد بها كمال العلم المتعلق بذات الله وصفاته وسائر شئونه وأحكامه التي يتعبد بها، والمراد بإلحاقه بالصالحين: أن يوفقه لأعمال تجعله ينتظم
في سلك الكاملين الراسخين في الصلاح، المنزهين عن كبائر الذنوب وصغائرها، حتى يكون أهلا لخلافة الحق ورياسة الخلق.
وقدم الدعاءَ الأول على الدعاءِ الثاني لأن القوة العلمية مقدمة على القوة العملية، ولأن العلم صفة للروح، والعمل صفة البدن، ولقد دعا إبراهيم عليه السلام بدعائه هذا وهو نبي هضمًا لنفسه، وطلبا للمزيد من الكمالات، وكان من دعاء رسولنا صلى الله عليه وسلم:"اللهم أحينا مسلمين وأمتنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين".
84 -
{وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} :
أي: اجعل لي ذكرًا صادقا في جميع الأمم إلى يوم القيامة.
أي: خلّد ذكرى الجميل في الدنيا وذلك بتوفيقه للأعمال الصالحة وهدايته إلى السنن المرضية التي يقتدى بها الآخرون ويذكرونه بالخير بسببها وهم صادقون - قال عكرمة: كل أُمّة تحبه وتتولاه، ولا بأس بأن يطلب تخليد ذكره ومدحه لأن الثناء الحسن مما يدل على محبة الله تعالى للعبد ورضاه عنه، قال تعالى:{وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي} (1) وقال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} (2) أي: حبًّا في قلوب عباده وثناءً حسنا.
ويجوز أن يراد بالآخرين: أُمة يبعث فيها نبى، وأنه عليه السلام طلب الصيت الحسن والذكر الجميل فيهم بأن يبعث منهم نبي يجدد أصل دينه، ويدعو الناس إلى ما كان يدعوهم إليه من التوحيد، معلنا أن ذلك ملة إبراهيم عليه السلام فكأنه طلب بعثة نبي في آخر الزمان لا تنسخ شريعته إلى يوم القيامة، وليس ذلك إلا بعثة نبينا محمَّد صلى الله عليه وسلم وقد طلب بعثته عليه السلام بما هو أصرح من ذلك وهو قوله تعالى:{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ} (3) ولذا قال صلى الله عليه وسلم: "أنا دعوة إبراهيم عليه السلام".
ويكون المعنى حينئذ: واجعل لي صاحب لسان صادق في الآخرين، أواجعل لي داعيًا إلى الحق -
صادقًا في الآخرين، واستدل الإمام مالك بهذه الآية على أنه لا بأس أن يحب الرجل أن
يثنى عليه، والأمور بمقاصدها.
(1) سورة طه، من الآية: 29
(2)
سورة مريم، الآية: 96
(3)
سورة البقرة، من الآية: 129
85 -
{وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ} (1):
قال ابن كثير: بعد أن طلب أن ينعم الله عليه في الدنيا ببقاء الذكر الجميل بعده طلب أن ينعم عليه في الآخرة بأن يجعله من ورثة جنة النعيم، وذلك لأن المؤمنين يرثون منازل الكفار في الجنة، لأنهم قاموا بما وجب عليهم لله من عبادته وحسن طاعته وعدم الإشراك به دونهم، فأحرزوا نصيبهم في الجنة، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما منكم أحد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله، فذلك قول الله عز وجل:{أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ} ويجوز أن يسمى الحصول على الجنة وراثة لحصولهم عليها دون غيرهم، ولأنهم يتصرفون فيها كما يتصرف الوارث في ميراثه.
واستدل بدعائه عليه السلام بهذا مع ما تقدم من الأدعية على أن العمل الصالح لا يوجب دخول الجنة، وكذلك كون العبد ذا منزلة عند الله عز وجل وإلا لاستغنى عليه السلام عن طلب الكمال في العلم والعمل والإلحاق بالصالحين ذوي الزلفى، وأنت تعلم أنه يحسن الإطالة في مقام الابتهال.
والمعنى: واجعلنى من عبادك الذين منحتهم نعيم الجنة ثوابا على إيمانهم بك وعبادتهم لك.
86 -
{وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ} :
والمعنى: وفقه للإيمان؛ كما يلوح به تعليله بقوله: {إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ} : أي المشركين أي: اجعل أبي أهلا للمغفرة، بتوفيقه للإسلام، قال ابن عباس في تفسيرها: امنن عليه بتوبة يستحق بها مغفرتك، وكان أبوه آزر قد وعده بالإيمان، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، وكف عن الدعاء.
(1) قال الراغب: الوراثة والإرث: انتقال قنية إليك من غيرك من غير عقد ولا ما يجري مجرى العقد، وسمى بذلك المنتقل عن الميت فيقال للقنية الموروثة: ميراث وإرث ويقال: أورثني الميت كذا وأورثني الله كذا قال تعالى: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ} ويقال لكل من حصل له شيء من غير تعب: قد ورث كذا، وقال صاحب القاموس: أورثه أبوه وورثه جعله من ورثته، والوارث: الباقي بعد فناء الخلق، وفي الدعاء: أمتعنى بسمعى وبصرى واجعله الوارث مني، أي: أبقه معي.
87 -
{وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ} :
أي: أجرني من الخزى والهوان يوم القيامة، حين يبعث الخلائق أولهم وآخرهم فلا تؤاخذنى على ما فرط مني من التقصير عن رتبة الكمال، ويجوز أن يكون ذلك تعليما لغيره.
88 -
{يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ} :
بدل من يوم يبعثون، جيء به تأكيدا للتهويل وتمهيدا لما يعقبه من الاستثناء، أي: لا تخزنى يوم لا ينفع مال يفتدى به المرءُ نفسه من عذاب الله ولو كان ملءَ الأرض ذهبا، ولا ينفعه بنون مهما كان عددهم، فكل امرئٍ بما كسب رهين.
89 -
{إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} :
أي: أنه لا ينفع أحدا يوم القيامة ماله ولا بنوه إلا من جاء ربه حينئذ بقلب بريء من مرض الكفر والنفاق وغيرهما من سائر أمراض القلب، وفيه تأكيد لكون استغفار إبراهيم لأبيه، كان المراد منه أن يغفر له بعد توبته من كفره، لامتناع طلب المغفرة له وهو كافر مصر على كفره، والقلب السليم كما قال سعيد بن المسيب: هو القلب الصحيح، وهو قلب المؤمن لأن الكافر والمنافق مريض، قال الله تعالى:{فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} (1) وخص القلب بالذكر؛ لأنه إذا سلم سلمت الجوارح، وإذا فسد فسدت، وهذه أولى صفات يوم القيامة يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، فالناس فيه جردوا من مالهم وحولهم وطولهم، ونجاتهم هناك وعزهم بقلب خلى من الزيغ وفساد الاعتقاد، نقي من الشرك والران.
(1) سورة البقرة، من الآية: 10
المفردات:
{أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ} : قُرِّبت وأُدنيت. {بُرِّزَتِ} : أُظهرت. {الْجَحِيمُ} : جهنم.
{لِلْغَاوِينَ} : للكافرين الذين ضلوا، والغواية - بفتح الغين -: الضلال.
{فَكُبْكِبُوا فِيهَا} : فرمي بعضهم على بعض في الجحيم منكبين على وجوههم.
{ضَلَالٍ مُبِينٍ} : زيغ عن الحق واضح. {كَرَّةً} : عودة ورجعة إلى الدنيا.
{صَدِيقٍ حَمِيمٍ} : حبيب قريب يهتم بهم، من الاحتمام، بمعنى: الاهتمام.
التفسير
90 -
{وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} :
أي: قُرِّبت الجنة من المتقين الذين اتقوا الكفر وسائر المعاصي بحيث يشاهدونها من الموقف، ويقفون على ما فيها من فنون المحاسن فيبتهجون بأنهم الذاهبون إليها، وأما المؤمنون العصاة
الذين غلبت معاصيهم على طاعاتهم، فإنها لا تقرب منهم إلا بعد عقابهم على معاصيهم، ما لم يعف الله عنهم.
91 -
{وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ} :
أي: أُظهرت وكشف عنها للذين ضلوا عن طريق الحق والإيمان بحيث يرونها ويبصرون أهوالها ويتحسرون على أنهم المسوقون إليها، المحشورون فيها، ويوقنون بأنهم مواقعوها ولا يجدون عنها مصرفا.
والتعبير في جانب الجنة بالإزلاف الذي هو غاية التقريب للإيذان بقرب دخول المتقين إليها، أما في جانب النار فقد عبر بالإبراز للإيذان بأنها تبدو للغاوين ولو من بعيد، تعجيلا بمساءَتهم.
92، 93 - {وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ}:
أي: يقال لهم على سبيل التوبيخ: أين آلهتكم التي كنتم تعبدونها من دون الله وتزعمون أنهم شفعاؤكم في هذا الوقت؟.
{هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ} : بدفع ما تشاهدون من الجحيم وما فيها من العذاب الشديد وعظيم الأهوال {أَوْ يَنْتَصِرُونَ} : بدفع ذلك عن أنفسهم.
أي: ليست الآلهة التي عبدتموها من دون الله من تلك الأصنام والأنداد تغنى عنكم اليوم شيئا ولا تدفع عن أنفسها فإنكم وإياها اليوم حصب جهنم أنتم لها واردون.
94 -
{فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ} :
أي: أُلقي بالأصنام في الجحيم على وجوههم مرة بعد أخرى (فالكبكبة) تكرير لكب جعل التكرير في اللفظ دليلًا على التكرير في المعنى، كأنه إذا ألقي في جهنم يكب مرة بعد أخرى حتى يستقر في قعرها، وضمير الجمع في قوله:{كُبْكِبُوا} لما يعبدون من دون الله وهم الأصنام، وأكد بالضمير المنفصل أعنى (هم)، وكلا الضميرين للعقلاء، واستعملا في الأصنام تهكما، والغاوون هم الذين عبدوها، والتعبير عنهم بهذا العنوان دون (العابدون) تسجيل لوصف الغواية عليهم، وفي تأخير ذكرهم عن ذكر آلهتهم رمز إلى أنهم يؤخرون
في الكبكبة عنها ليشاهدوا سوء حالها وضعفها وهوانها وضعتها، فيقطع رجاؤهم في النجاة قبل دخول الجحيم، وقيل: ضمير {فَكُبْكِبُوا} للمشركين مطلقا، والغاوون هم القادة المتبعون.
95 -
{وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ} :
المراد من جنود إبليس: من يساعدونه على إغواء البشر من شياطين الجن والإنس أي: ألقى فيها الأصنام والغاوون الذين عبدوها، وجنود إبليس ألقى فيها هؤلاء أجمعون ليعذب كل منهم على جريرته، أما الأصنام، فإنها تشاركهم النار لا عقابا لها، بل لبيان أنهم لا قدرة لهم على نفعهم، كما لا قدرة لهم على إنقاذ أنفسهم.
96 -
{قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ} :
استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ عما قبله، كأنه قيل: كبكب الآلهة والغاوون - عبدتها - والشياطين الداعون لها فما الذي حدث بعد ذلك؟
أي: قال الغاوون من العبدة يخاصمون آلهتهم، ويلومون أنفسهم على عبادتها، ويتحسرون كل تقديسها حيث يجعلها الله أهلا للخطاب يومئذ، وقال الزمخشرى: ويجوز أن يجرى ذلك التخاصم بين العصاة والشياطين.
97، 98 - {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ}:
(إن) في قوله: {إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن: والمعنى: والله إن شأننا أننا كنا في دنيانا في ضلال عن الحق واضح، حين سويناكم أيها الأصنام برب العالمين في استحقاق العبادة، مع أنكم أدنى مخلوقاته وأذلها، يقولون ذلك تحسرا على ما فاتهم من أسباب النجاة، وبيانا لخطئهم في رأيهم مع وضوح الحق، وقد أكدوا ذلك بالقسم، واستعملوا فيه حرف التاء المفيدة للتعجب كما قاله بعض النحاة.
99 -
{وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ} :
بيان لسبب ضلالهم بعد اعترافهم بصدوره عنهم.
أي: وما أضلنا عن الحق إلا المجرمون من شياطين الجن والإنس الذين زينوا لنا عبادة الأصنام، فأنت تراهم في هذا الاعتراف ينفون عن الأصنام إضلالهم، ويحيلونه على المجرمين من الشياطين، وذلك بعد أن اتضح لهم الحال فإن الأصنام لا تباشر إضلال عابديها.
100، 101 - {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ}:
أي: فما لنا شفعاء يشفعون لنا كما نرى المؤمنين لهم شفعاء من الملائكة والنبيين والمؤمنين، ولا صديق قريب مشفق يهتم لأمرنا كما نرى لهم أصدقاء لأنه لا يتصادق في الآخرة إلَاّ المؤمنون، وأما أهل النار فبينهم التعادى والتباغض والمراد: تأسُّفهم على فقد شفيع يشفع لهم مما هم فيه أو صديق شفيق يهمه ذلك، وقد تدرجوا في التأسف لمزيد انحطاط حالهم حيث نفوا أولًا أن يكون لهم من ينفعهم في تخليصهم من العذاب بشفاعته، ونفوا ثانيًا أن يكون لهم من يهمه أمرهم ويشفق عليهم ويتوجع لهم وإن لم يخلِّصهم.
قال صاحب الكشاف: جمع (الشافع) لكثرة الشفعاء، ووحد (الصديق) لقلته. أهـ
ويجوز أن يراد بالصديق الجمع فإنه يطلق عليه لأنه على زنة المصدر أو لأنه نكرة في سياق النفي فتعم.
102 -
{فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} :
لو مستعملة في التمنى بدليل نصب قوله تعالى: {فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} في جوابها.
والمعنى: فليت لنا رجعة إلى الدنيا فنكون من المؤمنين فلا ينالنا إذا متنا فبعثنا مثل ما نحن فيه من العذاب الذي لا ينفع فيه أحد - ليت لنا عودة إلى الدنيا مرة أخرى فنصحح خطأنا ونحطم أصنامنا ونعبد ربنا ونكون من المؤمنين به وحده، فإذا كان البعث قربت لنا الجنة وشفع لنا الملائكة والأنبياء وكان إلى جوارنا الأصدقاءُ والأخلاء.
قال الزمخشرى: وما أحسن ما رتب إبراهيم عليه السلام كلامه مع المشركين حيث سألهم أولًا عما يعبدون سؤال مقرر لا مستفهم، ثم أنحى على آلهتهم فأبطل أمرها
بأنها لا تضر ولا تبصر ولا تسمع، وعلى تقليدهم آباءهم الأقدمين فأبطله وأخرجه من أن يكون شبهةً، فضلا عن أن يكون حجة، ثم صور المسألة في نفسه دونهم، حتى تخلص منها إلى ذكر الله عز وجل فعظَّم شأنه وعدّد نعمته من لدن خلقه وإنشائه إلى حين وفاته مع ما يرجى في الآخرة من رحمته، ثم أتبع ذلك أن دعاه بدعوات المخلصين وابتهل إليه ابتهال الأوابين - ثم وصله بذكر يوم القيامة وثواب الله وعقابه، وما يدفع إليه المشركون يومئذ من الندم والحسرة على ما كانوا فيه من الضلال، وتمنى الكرَّة إلى الدنيا ليؤمنوا ويطيعوا.
103 -
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} :
{إِنَّ فِي ذَلِكَ} : فيما ذكر من نبأ إبراهيم عليه السلام ومحاجته لقومه وإقامة الحجج عليهم في التوحيد (لآية) عظيمة ودلالة واضحة على خطأ عبادة الأصنام، وبخاصة أهل مكة الذين يدعون أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام فعليهم أن يجتنبوا كل الاجتناب ما هم عليه من عبادتها خوف أن يحيق بهم هذا العذاب بحكم الاشتراك فيما يوجبه.
ويجوز أن يكون المعنى: إن فيما ذكر من نبأ إبراهيم عليه السلام على حقيقته من غير أن تسمعه يا محمد من أحد لآية عظيمة دالة على أن ما تتلوه عليهم - وهو صادق - نازل من عند الله تعالى موجب للإيمان.
{وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} :
أي: وما كان أكثر هؤلاء الذين تتلو عليهم نبأ إبراهيم مؤمنين، بل هم مصرون على ما هم عليه من الكفر والضلال، وقيل: ضمير {أَكْثَرُهُمْ} لقوم إبراهيم، وليس بشيء.
104 -
{وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} :
أي: لهو القادر على تعجيل العقوبة لقومك ولكن يمهلهم رحمة بهم ليؤمن منهم أو من ذرياتهم من شاء الله إيمانه.
قص الله سبحانه وتعالى فيما تقدم قصة موسى، وقصة إبراهيم عليهما السلام في هذه الآيات إخبار من الله عز وجل عن قصة عبده ورسوله نوح عليه السلام إلي أهل الأرض بعد أن عبدوا الأصنام، وتكذيبهم لرسالته وعقابهم بالطوفان على هذا التكذيب.
والحكمة في ذكر هذه القصص:
(1)
تسلية النبي صلى الله عليه وسلم الذي كانت شفقته على قومه سببا في جهده وألمه بسبب كفرهم.
(2)
تخويف قومه بما وقع على الأمم السابقة من عذاب بسبب كفرهم وعصيانهم لأنبيائهم.
التفسير
105 -
{كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} :
قال صاحب المختار: القوم: الرجال دون النساء.
وقال زهير:
وما أدرى ولست إخال أدرى
…
أقَوْمٌ آل حصن أم نساء
وقال تعالى: {لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ} (1) ثم قال {وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ} وربما دخل فيه النساء على سبيل التَّبَع كما هنا؛ لأن قوم كل نبى رجال ونساء، والقوم يذكر ويؤنث لأن أسماء المجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت للآدميين تذكر وتؤنث مثل الرهط والنفر والقوم، قال تعالى:{وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ} (2) وقال هنا: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ} ا. هـ: من مختار الصحاح.
(1) سورة الحجرات، من الآية: 11
(2)
سورة الأنعام، من الآية: 65
وتكذيب قوم نوح المرسلين باعتبار إجماع الكل على التوحيد وأصول الشرائع التي لا تختلف باختلاف الأزمنة والأعصار، فمن كذب رسولًا فقد كذب الرسل، ويجوز أن يراد بالمرسلين: نوح عليه السلام بجعل اللام للجنس، كما يقال: فلان يركب الدواب ويلبس البرود، وماله إلا دابة وبردة.
106 -
{إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ} :
{إِذْ قَالَ لَهُمْ} : ظرف للتكذيب، والمراد بأخوته لقومه أنه ابن أبيهم، فهو شريكهم في أُخوة النسب، وقيل: من قول العرب: يا أخا تميم يريدون واحدا منهم.
{أَلَا تَتَّقُونَ} : أي ألا تخافون الله عز وجل حيث تعبدون غيره.
107 -
{إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} :
أي: إني رسول من الله إليكم، صادق فما أُبلغكم عن الله من شريعة، لا أزيد فيها ولا أنقص منها، وقيل: أمين فيما بينكم لأنهم عرفوا أمانته كما عرفت قريش أمانة محمَّد صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وكانت تلقبه بالصادق الأمين.
108 -
{فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} :
أي: اجعلوا أنفسكم في وقاية من عذاب الله بطاعته، وأطيعوني فيما آمركم به من التوحيد والطاعة لله، وقدم الأمر بتقوى الله على الطاعة لأن التقوى سبب الطاعة.
109 -
{وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} :
وما أسألكم على ما أنا مُتصَدٍّ له من الدعاء والنصح أجرا من مال أو سواه، وما أجرى في دعوتي لكم إلى الحق {إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} فهو سبحانه الذي يؤجرني على ذلك تفضلا منه، لا غيره.
110 -
{فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} :
أي: وإذا كنت لا أسألكم على دعوتكم أجرا، فذلك برهان على صدقي، فاتقوا الله وخافوه وامتثلوا أوامره، وأطيعوني فيما بلغتكم عنه.
المفردات:
{الْأَرْذَلُونَ} : جمع الأرذل: وهو الدُّون الخسيس، وقد يطلق على الرديء من كل شيء.
{لَوْ تَشْعُرُونَ} : لو تحسون. {نَذِيرٌ مُبِينٌ} : منذر مبين للحق.
التفسير.
111 -
{قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} :
قال قوم نوح يردون دعوته: لا نؤمن لأجلك ولا نصدق بك وقد اتبعك هؤلاء السفلة الأخساء من الناس، يقصدون أن الذين اتبعوه أدنى منهم جاهًا ونسبًا ومالًا، كأهل الحرف الدنيئة والصناعات الوضيعة ومن لا شأن له من الناس، فلا يكونون أهلا لاجتماعهم بهم في شأن سبقوهم إليه، ولا أسود يقتدون بهم.
وهنا العذر الذي انتحلوه لكفرهم، برهان على جهلهم وقلة عقلهم، فإنه ليس بعار على الحق ضآلة من اتبعه، فإن الحق في نفسه صحيح، سواءٌ اتبعه الأشراف أم الأراذل، على أن سبق الأسافل إليه برهان على أنهم هم الشرفاء العاقلون، والذين يأبونه هم الأراذل الجاهلون، فمن بَطَّأ به عمله لم يسرع به نسبُه.
وواقع الحياة والتاريخ شاهد على أن الضعفاء يسبقون إلى الحق لفقدان ما يشغلهم عنه، وأن يتقاعس عنه الأغنياءُ وذوو الجاه لكبريائهم، وفي ذلك يقول الله تعالى:
{وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} (1) والحق أن الفقر ليس من الرذالة في شيء؛ قال الشاعر:
قد يدرك المجدَ الفتى ورداؤه
…
خَلَقٌ وجَيْبُ قميصه مرقوعُ
وخسة الصناعة مع تقوى الله، لا تلحق بصاحبها نقصًا، قال أبو العتاهية:
وليس على عبد تقيٍّ نقيصة
…
إذا صحح التقوى وإن حال أو حجم (2)
ومثلها ضَعَةُ النسب فقد قيل:
أبي الإسلام لا أب لي سواه
…
إذا افتخروا بقيس أو تميم
ولمَّا سأل هرقل أبا سفيان بن حرب قائلا: أأشراف الناس اتبعوا محمدًا أم ضعفاؤهم؟ قال أبو سفيان: بل ضعفاؤهم، فقال هرقل: هؤلاء هم اتباع الرسل، ولما كان وصفهم لمن اتبعوا نوحًا بأنهم أرذلون، فيه تعريض بأنهم لم يتَّبعوه إخلاصًا له أو لدينه، بل ليرفعوا خسَّتهم، أو ليصيبوا بإيمانهم بعض المنافع، فلهذا رد عليهم نوح بما حكاه الله بقوله:
112 -
{قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} :
أي: ليس لي علم بما كانوا يعملون بإيمانهم، وهل عملوه إخلاصًا أو طمعًا في غرض دنيوى، وأي شيء يُلزمني بالبحث عن نية هؤلاء بإيمانهم، فليست وظيفتي إلَاّ اعتبار الظواهر، وبناء الأحكام عليها دون التفتيش عن بواطنهم، والشق عن قلوبهم، أما معرفة القلوب والحساب على ما انطوت عليه فهي لله تعالى، كما قال سبحانه:
113 -
{إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ} :
ما محاسبتهم على إيمانهم وأعمالهم، وجزاؤهم عليها إلا على ربي، فهو سبحانه المطلع على البواطن، العليم بما تخفى الصدور، المحاسب والمؤاخذ عليها، لو كنتم من أهل الشعور والإدراك لعلمتم ذلك، لكنكم لستم كذلك فقلتم ما قلتم.
(1) سورة الزخرف: 23
(2)
حاك: معناه نسج، ومصدره الحياكة، وحجم أي: امتص الدم من العضو بعد حجمه بالمحجم لدفع الألم عنه، والحجامة: حرفة الحجام.
114 -
{وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ} :
ولست بطارد المؤمنين عنِّي لضعفهم تطييبًا لنفوسكم، وطمعا في إيمانكم، وهو جواب عما أشعر به كلامهم من رغبتهم في طردهم، كشرط لإيمانهم به. وقيل: إنهم طلبوا منه طردهم فأجابهم بذلك، ويشير إلى هذا ما جاء في سورة هود على لسان نوح:{وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُورَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} (29 - 30). وقد فعل مثل ذلك رؤساء قريش مع النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله له: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52)} (1).
فهذا وذاك يدلان على أن شريعة السماء تحرص على المؤمنين، ولو ضعف شأنهم بين قومهم.
115 -
{إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ} :
في هذه الآية الكريمة تحديد لوظيفة الرسول، وهي كالتعليل لما قبلها، أي: وما أنا إلَاّ رسول مبعوث لإنذار المكلفين وزجرهم عن الكفر والمعاصي، سواءٌ أكانوا من الأعزاء أم من الأذلاء، فكيف يتسنى لي طرد الفقراء لإرضاء الأغنياء؟
(1) سورة الأنعام، الآية: 52
المفردات:
{مِنَ الْمَرْجُومِينَ} : من المقتولين رجما بالحجارة. {فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا} : أي فاحكم بيني وبينهم حكمًا. {الْفُلْكِ} : بوزن القُفل، ويطلق على السفينة الواحدة، وعلى السفن المتعددة بلفظ واحد، ويعرف المقصود بالقرائن، قال تعالى في الجمع:{وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ} أما هنا فهو للواحد، ولذا وُصفَ بالمشحون، أي: المملوء، من شَحَن السفينة - كمنع -: ملأها، كأشحنها. {الْعَزِيزُ}: الغالب الذي يَقهر وَلا يُقهَر.
التفسير
116 -
{قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} :
طال مقام نوح عليه السلام بين قومه، يدعوهم إلى الله - تعالى - ليلًا ونهارا وسرًّا وجهارًا، وكلما كرر الدعوة لم يزدادوا إلَاّ عنادًا وإصرارًا، ثم لجئوا إلى التهديد، وذلك ما حكاه الله في هذه الآية.
ومعناها: قال قوم نوح: لئن لم ترجع يا نوح عن دعوتك إيانا إلى دينك لنرجمنك، يقصدون تهديده بالقتل رجمًا بالحجارة، ولما استحكم اليأس عند نوح من إيمانهم، بعد أن مكث فيهم ألف سنة إلَاّ خمسين عامًا يدعوهم، دعا عليهم دعوة استجاب الله لها، وذلك ما حكاه الله بقوله:
118، 117 - {قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}:
لم يقصد نوح عليه السلام إخبار ربه - تعالى - بتكذيب قومه له؛ لأنه يعلم أن ربه بهم عليم، ولكنه يقصد الاعتذار عن دعائه على قومه ببيان سببه.
والمعنى: قال نوح بعد أن صبر على قومه دهورًا وهم يجادلون ولا يؤمنون - قال -: يا رب إن قوى استمروا على تكذيبي في دعوتي إياهم إلى الحق وأصروا على ذلك في دهورًا، فاحكم بيني وبينهم حكمًا يهلك به من جحد توحيدك وكذب رسولك، ونجني ومن آمن معى من العذاب الذي تنزله بهم، وهذه حكايته إجمالية لدعائه المفصل في سورة نوح.
119، 120 - {فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ}:
أي: فَأَنجينا نوحًا ومن آمن معه في السفينة المملوءة بهم، وبما لا بد منه من الطعام والشراب والحيوان، وقد حمل فيها من كل زوجين اثنين، ثم أغرقنا بعد إنجائهم الباقين على الكفر، أو الباقين خارج السفينة لكفرهم.
121 -
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} :
إن فيما ذكره القرآن من نبأ نوح وقومه لبرهانًا وحجة على قدرة الله وغضبه لمحارمه، وعلى صدق الرسول في نبوته، حيث حكى عن نوح ما لا سبيل له إلى علمه سوى الوحى، وما كان أكثر أمة نوح مؤمنين، فلذلك أهلكهم وأنجى المؤمنين، فلماذا لا يعتبر مشركو مكة بقصتهم، ويرجعوا عن غيهم، حذرًا من أن يبطش الرب الجبار بهم، كما بطش بهؤلاء المشركين قبلهم.
122 -
{وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} :
وإن ربك - أيها الرسول - لهو الغالب على ما يريده، القادر على استئصال أعداء دينه، فكل شيءٍ دونه مقهور مغلوب لقدرته، وهو الرحيم المنعم بدقائق النعم، الكثير الرحمة، فلذا أخر العقوبة عنهم أحقابًا ودهورًا، ولم يقطع الرزق عنهم مع قبح فعلهم.
المفردات:
{رِيعٍ} : الريع - بالفتح والكسر -: مسيل الوادي، وكلُّ مرتفع من الأرض، والجبلُ.
{تَعْبَثُونَ} : العبث؛ ما لا فائدة له {مَصَانِعَ} : مآخذ المياه ونحوها، وخشب يحبس الماءَ ويمسكه حينًا، أو المباني العظيمة من القصور والحصون، أو القُرى، قال الأصمعي: العرب تسمي القُرى مصانع، {تَخْلُدُونَ}: تبقون وتدومون، وكل ما يتباطأ عنه التغيير والفساد فهو خالد. {بَطَشْتُمْ}: البطش: الأخذ بشدة وعنف، وفعله: بطش يبطش كضرب ونصر، {جَبَّارِينَ}: عتاة قاهرين قساة القلوب. {أَنْعَامٍ} : جمع نَعَم -
- بفتح العين، وقد تسكن -: الإبل والبقر والغنم، ويكثر استعمالها في الإبل خاصة، {أَوَعَظْتَ}: الوعظ؛ التذكير بما يلين القلوب. {خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} أي: سجيتهم وطبيعتهم.
التفسير
123 -
{كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ} :
لما قصَّ الله - سبحانه - على سيدنا محمَّد صلى الله عليه وسلم خبر نوح عليه السلام تسلية له عما يلقاه من قومه، قصَّ عليه أيضًا نبأ هود عليه السلام مع قوله، وزمانُهم بعد قوم نوح عليه السلام كما جاء في سورة الأعراف:{وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً} (1). وقد كانوا أقوياء الأجساد شديدي البطش، في سعة من الأولاد والأموال والبساتين والأنهار والزروع والثمار والخيرات التي لا تحصى، وكانوا مع ذلك يعبدون غير الله - تعالى - وكان أمرهم مع هود عليه السلام ما قص الله في هذه الآية، ما بعدها.
والمعنى: كذبت قبيلة عاد جميع المرسلين، فإن تكذيبهم لرسولهم هود عليه السلام يعتبر تكذيبًا لجميع الرسل، لاتحاد دعوتهم في أصولها وغاياتها، وتأنيث الفعل هنا باعتبار أن المراد بعاد (القبيلة) وهو في الأصل اسم لأبيهم الأقصى، فأطلق عليهم.
124 -
يرى القاريء في قصص نوح، وعاد قوم هود، وثمود قوم صالح، وقوع لوط، وقوم شعيب - يرى القاريء - في هذه القصص الخمس أنها قد بدئت جميعًا بالأمر بالتقوى والطاعة، وقول الرسول لقومه: إنه لا يسألهم أجرًا على تبليغه الرسالة إليهم، وتصديرُها بذلك للتنبيه على أن الرسالات السماوية قائمة على الدعاء إلى تقوى الله ومعرفة الحق، وطاعة الرسل فيما أمروا به أو نهوا عنه جلبًا للثواب ودفعًا للعقاب، والتنبيه إلى أن الرسل لا يبتغون من وراء تبليغ رسالاتهم أجرا وجاهًا، وليعلم القاريء أن الرسل وإن اتفقوا على العقائد وأصول الشرائع،
(1) من الآية 69.
فهذا لا يمنع من حدوث الاختلاف في بعض فروعها كمًّا أو كيْفًا تبعًا لاختلاف العصور وأهلها.
128 -
{أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ} :
أتشيدون بكل مكان عال من أرضكيم بناء شامخًا تتفاخرون به وتعبثون بإقامته دون أن تكونوا في حاجة إليه، أفلا فكرتم في أخراكم فآمنتم بربكم وعملتم لمرضاته؛ لأنكم إليه صائرون، وعلى عقائدكم محاسبون.
129 -
{وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} :
المصانع: جمع مصنعة - بفتح النون وضمها - وهي كالحوض يجتمع فيها ماءُ المطر، وهذا يؤذن بأنها فوق الأرض، ولعلهم كانوا يتخذون السدود لحبس مياه المطر، كما فعلت سبأ بإنشائها سد مأرب، وتطلق المصانع أيضًا على مآجل الماء تحت الأرض (1)، ولعله يشير إلى المعنى الأول للمصانع قول لبيد:
بلينا وما تبلى النجوم الطوالع
…
وتبقى الجبال بَعْدَنا والمصانع
وفسرها بعض اللغويين بالقصور الشاهقة والحصون المنيعة، ومنه قول الشاعر:
تركنا دورهم منهم قفارًا
…
وهدمنا المصانع والبروجا
والمعنى على الوجهين: وتتخذون سدودًا لحبس المياه أو حصونًا منيعة وقصورًا مشيدة مؤملين الخلود في الدنيا، كأنكم لا تعرفون الموت ولا تحسُّون بسكان القبور، والمقصود من ذمهم وتوبيخهم على الوجهين: اهتمامهم بدنياهم، دون العمل لأخراهم، فلو عملوا لهما جميعًا لما عيب عليهم ما صنعوه لدنياهم في غير صرف ولا مخيلة.
130 -
{وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} :
وإذا عاقبتم سواكم: أسرفتم في البغي عليهم جبارين غاشمين، تقتلون وتخربون بلا رأفة ولا قصد تأديب ولا نظر في العواقب، وعن الحسن: تبادرون تعجيل العذاب لا تتثبَّتون متفكرين في العواقب، وقال ابن كثير: يصفهم بالقوة والغلظة والجبروت.
(1) وبه قال قتادة.
131 -
{فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} :
فخافوا الله واتركوا هذه الأفعال، وأطيعوني فيما أدعوكم إليه؛ فإنه أنفع لكم.
132 -
أي: واحذروا غضب الله الذي بسط لكم يد إنعامه، بالذى تعلمونه من أنواع النعماء وأصناف الآلاء، أمدكم بالإبل والبقر والغنم، وأمدكم بالبنين لتكثروا بهم، وليعاونوكم في حفظ أنعامكم وتنميتها، وليحملوا عنكم بعض أعبائكم، وأمدكم ببساتين مثمرات، وعيون بالماء جاريات.
قال الزمخشرى: بالغ في تنبيههم على نعم الله، حيث أجملها ثم فصلها مستشهدا بعلمهم، وبذلك أيقظهم من سِنَة غفلتهم عنها، ونبههم إلى أنه تعالى كما قدر أن يتفضل عليهم بهذه النعم، فهو قادر على الثواب والعقاب، فعليهم أن يتقوه. انتهى بتصرف.
135 -
{إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} :
إني أخاف عليكم إن لم تقوموا بشكر هذه النعم عذاب يوم عظيم في الدنيا والآخرة، فإن كفران النعم موجب للعقاب بإزالتها أو تقليلها، كما أن شكرها سبب في زيادتها، قال تعالى:{لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} (1).
وهكذا دعاهم نبيهم إلى الله بالترغيب والترهيب، وبين لهم أنه كما قدر على أن يعطيهم هذه النعم متفضلا، فهو قادر على سلبها عادلا، وأنه بذلك تعرف قدرته على ثوابهم إن أحسنوا وعقابهم إن أساءوا، ولم ينفعهم وعظه وتذكيره كما حكاه بقوله:
136 -
{سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ} :
قالوا استخفافًا وعدم مبالاة بما يقول: سواءٌ لدينا أبالغت في وعظنا وتذكيرنا أم لم تكن من الواعظين، فإنا لن نرعوى عما نحن عليه.
(1) سورة إبراهيم، الآية: 7
ولم يقولوا: أوعظت أم لم تعظ - مع أنه أخْصَرُ - للمبالغة في بيان قلة اعتدادهم بوعظه؛ لأن المراد: سواءٌ علينا أفعلت هذا الفعل الذي هو الوعظ أم لم تكن من أهله ومباشريه أصلًا.
137، 138 - {إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ}:
أي: ما هذا الذي جئتنا به إلا خلق الأولين وعادتهم، إذ كانوا يلفقون مثله ويسطرونه كما قال مشركو مكة للنبي صلى الله عليه وسلم:{وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} .
أو ما هذا الذي نحن عليه إلا خلق الأولين - أي: دينهم وعادتهم - ونحن بهم مقتدون، كما قال مثله غيرهم:{إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} (1) فنحن تابعون لهم سالكون سبيلهم، نعيش كما عاشوا ونموت كما ماتوا، وما نحن بمعذبين فلا بعث ولا جزاء.
139 -
{فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} :
أي: فاستمروا على تكذيبهم وعنادهم، فأهلكهم الله بريح صرصر عاتية شديدة البرد، فكان سبب إهلاكهم من جنس جبروتهم، إن في ذلك الذي أنزله الله بعاد جزاء تكذيبهم لبرهانًا على قدرة الله، وما كان أكثر الذين تتلو عليهم، يا محمد - نبأ عاد مؤمنين برسالتك مع قيام الحجة عليهم.
140 -
{وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} :
وإن ربك - أيها الرسول - لهو القاهر للجبارين، الرحيم بالمؤمنين.
(1) سورة الزخرف، الآية: 23
المفردات:
{ثَمُودُ} : اسم عربي عند الأكثرين، وعدم صرفه لأنه اسم قبيلة، وهو فعول من الثَّمْد وهو الماءُ القليل. {طَلْعُهَا هَضِيمٌ}: الطلع؛ أول ما يبدو من ثمرة النخل، كنَصْل السيف، في جوفه شماريخ القنو، والهَضِيم: اللطيف اللين، أو المنضم بعضه إلى بعض،
سأل نافع بن الأزرق ابن عباس رضى الله عنهما - عن معنى (هضيم) فقال: هو المنضم بعضه إلى بعض، فقال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول امرئ القيس:
دارٌ لبيضاء العوارض طَفْلَةٌ
…
مهضومةُ الكَشَّحْين ريَّا المعْصَم
وقيل: المراد من الطلع الهضيم: الطَّيَّب اللين النضيج من الرطب. (تَنْحِتُونَ): النحت؛ البَرْىُ،: أي يبرون الأَحجار، والنُّحاتَةُ: البُراية. (فَارِهيَن): ماهرين حاذقين وفعله: فَرُهَ ككرُم، فراهَة وفراهية، أما فَرِهَ برزن فرح، فمعناه: أشر وبطر. (الْمُسحَّرِينَ): السَّحْر - بسكون الحاء ويحرك -: الرئة، والسِّحر - بكسر السين -: كل ما لطف مأْخذه وقَّ، وفعله كمنع. (شِرْبٌ): الشرب - بالكسر -: الماء، والنصيب منه، والمورد، ووقت الشرب. (قَعَقَرَوهَا): فذبحوها، والعقر: الذبح والجرح، وعَقَر النخلة: قطع رأْسها.
التفسير
141 -
هذا إخبار من الله عن ثمود قوم صالح عليه السلام بأَنهم كذبوا المرسلين بتكذيب نبيهم وأَخيهم صالح حين دعاهم إلى تقوى الله فإن المرسلين جميعًا جاءُوا برسالة موحدة، هي الدعوة إلى التوحيد والإيمان بيوم النشر، وتقوى الله، فمن كذب أحدهم فقد كذب سواه ضمنًا.
ومساكن ثمود بالِحجْر، بين وادى القرى وبلاد الشام، وقد مر النبي صلى الله عليه وسلم بها في طريقه إلى غزوة تبوك.
والمعنى: كذبت قبيلة ثمود المرسلين بتكذيبهم نبيهم صالحا، مع أنه أخوهم، ومن بينهم فهم يعرفون صدقه - كذبوه - حين قال - لهم: ألا تتقون عقاب الله فتؤمنوا به إلهًا واحدًا لا رب سواه، إني لكم رسول من الله أمين على رسالته، وأمين في أَمره كله،
فاتقوا الله وأطيعوني في دعوتكم إلى الحق، وما أطلب منكم على ذلك أجرًا وثوابًا، فما أجري إلَّا على رب العالمين، ثم ذكرهم آلاء الله عليهم فقال:
146 -
إِنكار ونفى لأن يتركوا مخلدين في نعيمهم لا يزالون عنه، أو تذكير بالنقمة إذا تخلى الله عنهم، فقضى على مما يتنعمون به من الجنات وما هم فيه من الأمن والدعة.
والمعنى: أتظنون أن تتركوا في دياركم هذه آمنين في حدائق مثمرات، وعيون جاريات بالماء الفرات، وزروع يانعات، ونخل ثمرها لين نضيج، وتتخذون من الجبال بيوتًا حاذقين في نحتها منها، متفاخرين بها، أتتركون في ذلك آمنين من نقم الله، وأنتم مقيمون على الكفر والمعاصي؟!
150 -
{فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (108)} :
أي: فأقبلوا على تقوى الله وطاعتي فيما آمركم به عن الله؛ فإن ذلك هو الذي يعود نفعه عليكم في دنياكم وأُخراكم، فيه تبقى النعم، وتبعد النقم، وتحسن العاقبة يوم يقوم الناس لرب العالمين.
151، 152 - {وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ}:
ولا تطيعوا أمر زعمائكم الذين أسرفوا على أنفسهم بالترف وإتباع الشهوات والإغراق في الكفر والضلال، الذين يعيثون في الأرض فسادًا، ولا يصلحون في شئون البلاد والعباد.
153 -
{قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ} :
قال قوم صالح ردًّا على وعظه ونصائحه: ما أنت إلا من الذين سُحروا كثيرًا حتى غلب السحر على عقولهم - وبه قال مجاهد وقتادة. أو من المخلوقين الذين لهم سَحْر، أي: رئة، يَعْنُون أنَّه من بني آدم مثلهم ولا فضل له عليهم، وبه قال ابن عباس، واستشهد بعضهم على هذا بقول الشاعر:
فإِن تسأَلينا ممَّ نحن؟ فإِننا
…
عصافير من هذا الأنام المُسَحَّر
154 -
{مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} :
ما أنت إلَاّ إنسان تماثلنا في البشرية، فكيف أوحى إليك دوننا، فَأْتِ بحجة على صدقك فيما تدعيه من الرسالة عن الله، إن كنت فيما تدعيه من جملة الصادقين فيما يقولون.
155 -
{قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} :
قال صالح لقومه حينما أعطاه الله الناقة معجزة له: هذه ناقة الله أخرجها لكم آية، لها ماءُ يوم معلوم، ولكم ماءُ يوم معلوم، فإذا كان يوم مائِها فلا تشركوها فيه، وإذا كان يوم مائكم فلا تشرككم فيه.
وقد كانت تشرب الماء كله في يومها أول النهار، وتسقيهم من لبنها آخر النهار، أَما في يومهم فكانت تترك الماء كله لأنفسم ومواشيهم.
156 -
{وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ} :
ولا تلحقوا بها أذى، فيهلككم عذاب يوم عظيم، ووصف اليوم بالعظم لعظم ما يحل فيه وهو أبلغ من وصف العذاب به.
وبعد هذا التحذير مكثت الناقة حينًا ترد الماء وتأكل من أوراق الشجر والعشب في يومها، وتمنحهم من لبنها ما يكفيهم شربًا وريًّا، دون أن تَعْدُوَ عليهم، ومكثوا هم مقتصرين على شربهم في يومهم، فلما طال عليهم الأَمد، ضاقوا بمنعهم عن الماء في يومها، فتمالئوا على عقرها.
157 -
{فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ} :
فذبحوا الناقة مخالفين بذلك ما اتفقوا عليه مع صالح عليه السلام فأَصبحوا على ما فعلوا نادمين خوفًا من حلول العذاب بهم، لا توبة من ذنبهم، أو توبة منه عند معاينتهم لمبادئ العذاب، حيث لا ينفع المتاب.
158 -
{فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} :
فأهلكهم العذاب الذي كان نبيهم صالح قد توعدهم به إذا مسوها بسوءٍ، إن في قصتهم لدلالة على قدر الله على إهلاك الكافرين المعاندين لرسوله محمَّد صلى الله عليه وسلم وما كان أكثر ثمود مؤمنين.
قتل البيضاوي: وفي ذلك إيماء إلى أنه لو آمن أكثرهم أو شطرهم لما أُخذوا بالعذاب: اهـ.
159 -
{وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} :
وإن ربك - أيها الرسول - لهو الغالب فلا يستطيع الفكاك من عقابه الجبارون، الرحيم فلا ييئس من رحمته التائبون.
المفردات:
(عَادُونَ): جمع عادٍ، وهو المتعدي في ظلمه بتجاوز الحد فيه.
(القالين): جمع قَالٍ، من قلاه، كَرَماهُ، أو من قَلِيَه، كَرَضِيَهُ، قِلًى وقَلاءً:
أَبغضه وكرهه غاية الكراهة فتركه، أو قلاه في الهجر، وقَلِيَهُ في البغض.
(الْغَابِرِينَ): الباقين، من غبر بالمكان، غبورًا: أقام به، وقد يستعمل الغيور بمعنى المضي والذهاب، فهي في الشيءِ وضمه. (دَمَّرْنَا): الدمور والدمار والتدمير: الإهلاك.
التفسير
160 -
لما قص الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم خبر موسى وإبراهيم ونوح وهود وصالح عليهم السلام تسلية له عما يلقاه من عنت قومه، قص عليه نبأ لوط مع قومه وتكذيبهم له وإيذاءِهم إِياه، ولقد كان قوم لوط من الشر بمكان خطير، كانوا يأْتون الرجال شهوة من دون النساء، ولا يستحون أَن يأْتوا في ناديهم هذا المنكر القبيح، وقد نصحهم لوط فأمرهم بتقوى الله وطاعته، وبين لهم قولًا وعملًا أنه لا يسألهم على تلك النصائح أجرًا، وإنما يبتغي الأَجر من رب العالمين، وقد سبق الكلام على مثل هذه الآيات في القصص السابقة.
165 -
{أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ} :
قال لوط لقومه على سبيل التوبيخ والإِنكار: أتاتون الفاحشة مع الذكران من بني آدم، فلا حياء عندكم يمنعكم عن قريب أو غريب، كأن النساء أعوزتكم؟!
166 -
{وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ} :
وتتركون ما خلق الله لاستمتاعكم من أزواجكم الحلائل، قال الزمخشري:
(منْ أزْوَاجكُمْ): تبيين لما خلق الله، أو للتبعيض، ويراد بما خلق: العضو المباح منهن، فكأنهم كانوا يفعلون مثْل ذلك بنسائهم.
{بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} : بل أنتم قوم معتدون مجاوزون الحد في جميع المعاصي، وهذا من أفحشها، أو متجاوزون حد الشهوة، فزدتم فيها على سائر الناس وعلى الحيوان.
167 -
{قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ} :
قالوا: لئن لم تنته يالوط عن توبيخنا وتقبيح أمرنا، أو عما أنت عليه من دعوى الرسالة ودعوتنا إلى الإيمان بها، وتترك ما أنكرته من أَمرنا، لتكونن من جملة من أخرجناهم من بين أظهرنا وطردناهم من بلدنا ونفيناهم، ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على أسوأ حال، من تعنيف واحتباس مال، وغير ذلك مما يفعله الظالمون إذا نفوا بعض من يغضبون عليهم، كما كان أهل مكة يفعلون بمن يريد الهجرة إلى المدينة.
168 -
{قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ} :
قال لوط عليه السلام مخاطبًا قومه: إني لعملكم هذا من المبغضين غاية البغض، ولم يقل: إني لعملكم قال بالإفراد، للإيذان بأنه كان يوجد من كرام الناس من يبغض حالهم، ثم أعرض عنهم بعد أن بالغ في نهيهم ولجأ إلى الله تعالى قائلًا:
169 -
{رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ} :
دعا لوط ربه أن ينقذه وأهله مما يعمل هؤلاء الجاهلون -: أَي من عقوبة أعمالهم - وشؤمها.
170، 171 - {فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ}:
فاستجاب الله دعائه ونجاه وأَهله الذين اتبعوا دعوته بإِخراجهم من بيوتهم ليلا قبل حلول العذاب بالمكذبين، إلَاّ عجوزًا هي امرأَة لوط كانت في الغابرين، أي: مقدرًا كونها في الباقين في العذاب، لأنها كانت كافرة بربها، منافقة لزوجها، والتعبير عنها بالعجوز، للإشارة إلى أنها بقيت في الكفر إلى أن صارت عجوزًا.
172 -
{ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ} : أهلكناهم أشد إهلاك وأفظعه.
173 -
{وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ} :
أي وأنزل الله على شرار قوم لوط مطرًا من الحجارة فأَهلكتهم، وفي ذلك يقول الله
في سورة هود: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ} (1).
{فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ} مَطَرُهُمْ، إذ نزل بأَشد أنواع الهلاك والدمار، ولا شك أنهم جديرون بذلك، فقد ابتدعوا عادة مستهجنة تهبط بالرجولة إلى الحضيض وتصيب ذويها بأمراض جسمية ونفسية وخلقية، من تخنث وميوعة، وتخالف ناموس الحياة الذي شرعه الله للتوالد والتكاثر.
وعقاب اللياط في الشريعة الإسلامية القتل، والخلاف إنما هو في طريقته، ومن عجب أن بعض الأُمم التي تدعي الحضارة في البلاد الأورربية اعترفت بالشذوذ الجنسي (اللياط) رسميا، ولا يستحون من إتيانه سرا وعلانية.
174 -
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} :
أن في ذلك العقاب الذي نزل بقوم لوط لدليلا على تمام قدرة الله، وما كان أكثر هذه الأُمة مؤمنين، فلذلك لحق بهم ما لحق.
175 -
{وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} :
وإن ربك - أيها الرسول - لهو الغالب على كل شيءٍ المتصف بالرحمة، فيعاقب المجرمين المصرين، ويثيب التائبين المصلحين.
(1) الآيتان: 82، 83
التفسير
176 -
{كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ} :
الأيكة: الغيضة التي تنبت ناعم الشجر، وهي غيضة بقرب مَدْيَن، يسكنها طائفة من المشركين، بعث الله لهم شعيبًا عليه السلام وكان أجنبيًّا منهم، ولذا قيل:{إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ} ولم يقل: أخوهم. وقد أُهلكوا بعذاب يوم الظلة، وأهلك أهل مدين بالصيحة والرجفة.
وذهب كثير من المفسرين إلى أن أصحاب الأيكة هم أهل مدين، وكان نبي الله شعيب من أنفسهم، وإنما لم يقل هنا:(أخوهم شعيب)؛ لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة - وكانت شجرا ملتفًّا - (1).
وقيل: شجرة معينة منها - فقطع نسب الأُخوة بينهم وبينه للمعنى الذي نسبوا إليه، وإن كان أخاهم نسبًا. وهذا هو الصحيح، فقد وصفوا بتطفيف الكيل والميزان الذي وصف به أهل مدين، ونهوا عن ذلك، ممَّا يدل على أنهم جميعًا أُمة واحدة. وذلك كقوله تعالى في سورة هود:{وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} الآية 85.
177 -
{إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ} : ألَاَّ تخافون عاقبة ما تفعلون من كفر.
وتطفيف، وعلَّل أمرهم بالتقوى بقوله:
178 -
{إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} :
إني مرسل لهدايتكم وإرشادكم، أمين على رسالة ربي إليكم.
179 -
{فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} : فاحذروا عقوبة الله وأطيعوني باتباع أوامر الله والبعد عما يغضبه.
180 -
{وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} :
وما أطلب على تبليغ الرسالة لكم أجرًا، فما أجرى إلَاّ على رب العالمين.
(1) من السدر والأراك ونحوهما.
المفردات:
{وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ} : أي من الذين ينقصون الكيل والوزن. يقال: أَخسر الميزان إخسارًا: نقص الوزن، وخَسره خسْرًا من باب ضرب لغة فيه.
{بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ} : أي الميزان السوى، والقُسطاس - بضم القاف وكسرها -: الميزان. قيل: هو عربي مأْخوذ من القِسط وهو العدل، وقيل: هو رومي معرب.
{وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} : أي ولا تنقصوها، أو: ولا تعيبوها. يقال: بخسه بخسًا من باب نفع: نقصه أو عابه.
{وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} : أي ولا تفسدوا فيها مبالغين في الإفساد، والعُثُوّ: الإِفساد أَو أَشده، ويقال: عثا يعثو- من باب قال يقول - وَعَثِيَ يعثَى - من باب تَعبَ يَتْعَبُ - أي: أَفسد، فهو عاثٍ.
{وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ} : أي أوجدكم وأوجد الخليفة من الناس السابقين لهم.
التفسير
181، 182 - {أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ}:
نزلت هذه الآية وما بعدها حكاية لما وجهه نبي الله شعيب إلى قومه أصحاب الأيكة وهم أهل مدين على الصحيح - من الأمر بإيفاء المكيال والميزان والنهي عن التطفيف فيهما - كما مر بيانه كان قد شاع فيهم وانتشر بينهم سوءُ المعاملة في الأخذ والإعطاء، فكانوا إذا اكتالوا من الناس للشراءِ ونحوه يأَخذون مكيلهم وافيًا وافرًا، وإذا اكتالوا لهم للبيع ونحوه ينقصون مكيم، وإلى ذلك أشارت الآية الكريمة: "أَوْفُوا الْكَيْلَ
…
": أي إذا دفعتم إلى الناس الكيل فأتموا الكيل لهم ولا تعطوه ناقصًا لأنكم ملزمون أن تعطوه كما تأخذون كاملًا وافيًا بلا تفرقة بين الأخذ والإعطاء إحقاقا لشريعة العدل التي شرعها الله في المعاملة بين عباده.
والكيل للناس إما واف وهو مأمور به، وطفيف وهو منهى عنه، وزائد وهو مسكوت عنه، وتركه دليل على أنه إن فعله فقد أحسن.
{وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ} : أي يجب عليكم التزام العدل في الموزونات أَخذا وإعطاءً، وذلك بأن تزنوا بالميزان السوى حيث لا حيف فيه ولا ظلم.
والأَمر بوفاءِ الوزن وإِتمامه يشير ضمنًا إلى النهي عن النقص فيه دون النهي عن الزيادة، ولم يذكر النهي هنا اكتفاء بذكره صريحًا في الآية السابقة، لاتحاد الغرض في المأْمور به هنا والمنهى عنه في الآية السابقة، وهو الأَمانة في الكيل والميزان، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن معنى "وَزِنُوا
…
" الآية وعَدِّلوا أموركم كلها بميزان العدل الذي جعله الله تعالى لعباده، ويدخل فيها طلب العدل في الميزان المعروف دخولًا أوليا حتى يستقيم أَمرهم.
183 -
{وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} :
أي ولا تنقصوا الناس شيئًا من حقوقهم، أي حق كان، كبر أو صغر، هان أو عظم،
وهذا تعميم بعد تخصيص لبعض المراد بالذكر في الآيتين السابقتين لغاية انهماكهم فيه واقترافهم لمساوئه بيعا وشراءً ليكمل لهم بهذا التعميم في النهي البعد عن شريعة الله إلى شرعها لهم في كل شأن من شئونهم.
{وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} : أي ولا تبالغوا في الإفساد فيها بقطع الطريق والقتل والسلب، وإهلاك الزرع، وكانوا يفعلون ذلك، فنهوا عنه بالتنصيص ردعا لهم، وتقبيحًا لصنيعهم السىء الذي ينفر منه كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
184 -
{وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ} :
يخوفهم شعيب عليه السلام بأس الله - تعالى - الذي أَوجدهم، أوجد الجبلة: أي الخليقة الأَولين، ويراد بها العدد الكثير من الأمم الماضية في الأزمان المتعاقبة كما يشير إلى ذلك قوله سبحانه وتعالى:{وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا} (1).
والمعنى: اتقوا الله - سبحانه - فهو بعظيم قدرته وواسع سلطانه أوجدكم من عدم، وأوجد أُممًا تقدمت عليكم كثيرة العدد، ومع ما هم عليه من كثرة وعُتُوٍّ لم يعجزوه جل شأْنه بل أَخذهم أخذ عزيز مقتدر، وفي ذلك الدليل الساطع على تفرده بالأُلوهية والدَّافع القوي على عبادته وتقواه، وهو سبحانه عزيز ذو انتقام ممن استحب العمى على الهدى، واستمرأَ الضلال، واستهواه الإِعراض والتكذيب لدعوة الأنبياء والمرسلين.
(1) من الآية 62 من سورة يس.
المفردات:
{قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185)} : الذين سحروا كثيرًا حتى غلب السحر عليهم، أو من البشر الذين لهم سحْرٌ، والسَّحْرُ: الخرطوم والرئة، وسحر بهذا المعنى على وزن فَلْسٍ وسببٍ، وَقُفْلٍ.
{فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ} : أي قطعا من السحاب، وقرئ:"كسْفا" - بسكون النسين - ومع فتح السين وسكونها فهي جمع كِسْفة، كقِطْعة، وقال الأخفش: من قرأ كِسْفا - بسكون السين - جعله واحدًا، ومن قرأ كِسَفا - بفتحها - جعله جمعا.
{عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ} : الظلة سحابة بَدَت لهم أرادوا أن يستظلوا بها، فكانت عذابا لهم، وسيجىءُ شرح ذلك.
التفسير
185، 186 - {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ}:
أجابوا بذلك شعيبًا عليه السلام مبالغين في تكذيبه، حيث جمعوا له بين غلبة
السحر على عقله حتى اضطرب، وهو مناف للرسالة، وبين البشرية التي يرونها منافية لها كذلك، للإيذان بأَن اجتماعهما ينافى الرسالة أشد المنافاة. {وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ} أي: وإن شأْنك يجعلنا نظنك من الكاذبين فيما تدعيه، ومرادهم أنه عليه السلام، وحاشاه - من الراسخين في الكذب المعتادين له، فلا يصدقونه في دعوى الرسالة، أو فيها وفي دعوى نزول العذاب بهم الذي يشعر به الأمر بالتقوى في قوله - سبحانه - فيما سبق:{وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ .... } الآية. فإِنه يأْمرهم بأَن يقوا أَنفسهم من عذابه.
وظاهر حالهم أنهم أرادوا من ظنهم كذبه في قولهم: {وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ} الجزم بوقوعه منه؛ لأنه أصبح له عادة وطبيعة في زعمهم، ولهذا أكدوا الظن بلام التأكيد في قولهم:{لَمِنَ الْكَاذِبِينَ} . واستعمال الظن بمعنى اليقين والعلم لُغويٌّ وقد جاء به القرآن في مواطن، كقوله تعالى:{قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُواللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} (1).
187 -
{فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} :
حكى الله في الآية السابقة اتهامهم لشعيب عليه السلام بالكذب حسبما تخيلته نفوسهم المريضة، وجاءت هذه الآية تحكى ما بنوه على هذا الاتهام الكاذب.
والمعنى: إن كنت صادقًا في أَنك نبى، فادع الله أن ينزل علينا قطعًا من السحاب وأَجزاء منه عقابًا لنا على تكذيبك. قال السدى:{فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} أي: عذابًا واقعا عليهم من جهة السماء، وهذا شبيه بما قالته قريش للنبي صلى الله عليه وسلم:{وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا} إِلى أَن قالوا: {أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا} (2)، وقولهم:{وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32)} (3).
ومن هذا يتضح أن جواب المكذبين لرسلهم متقارب في المعنى.
(1) سورة البقرة من الآية 249.
(2)
90، 91 من سورة الإسراء.
(3)
الآية: 32 من سورة الأنفال.
188 -
{قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (188)} :
تهديد لهم بتفويضه أمرهم إلى الله، أي قال لهم: ربي أعلم بكم، وبما تقترفون من الكفر والمعاصي، وبما تسرون وتعلنون من قول وعمل، وبما تستحقون من العذاب فسينزله عليكم في وقته المقدر له لا محالة، أما أنا فرسول، وليس لي أمر العذاب الذي طلبتم أن ينزل بكم.
189 -
{فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} :
أي فلما أقاموا على تكذيب نبيهم شعيب عليه السلام وأَصروا على هذا التكذيب مرة بعد مرة جعل الله عقابهم من جنس اقترحوه بإسقاط الكسف من السماء عليهم.
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما عن ابن عباس أن الله - تعالى - بعث عليهم حرا شديدًا فأَخذ بأَنفاسهم فدخلوا أجواف البيوت فدخل عليهم فخرجوا منها هربا إلى البرية، فبعث الله عليهم سحابة فأظلتهم من الشمس - وهي الظلة - فوجدوا لها بردًا ولذة، فنادى بعضهم بعضًا، حتى إذا اجتمعوا تحتها أسقط الله عليهم نارًا فأَكلتهم جميعا.
وكان هذا اليوم من أَشد أَيام الدنيا عذابا لما وقع فيه من الهول المذهل، والداهية التامة التي لا يقادَرُ قدرها، وفي إضافة العذاب إلى يوم الظلة دون نفس الظلة إيذان بأَن لهم عذابًا آخر غير عذاب الظلة، ترك بيانه تهويلًا لشأْنه.
190 -
{إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} :
أي إِن في هذه القصة وما سبقها من قصص الأنبياء السابقين لعظة وعبرة لمن له قلب واع، وفكر مستنير، وما كان أكثر قريش مؤمنين.
وقصة شعيب عليه السلام مع قومه هي آخر القصص السبع التي أوحيت للرسول صلى الله عليه وسلم لصرفه عن الحرص البالغ على إسلام قريش، وقطع رجائه بشأْنه لإعراضهم عن الحق واستمساكهم بالباطل، وإلى ذلك يشير مضمون ما مر في مطلع السورة الكريمة:{وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ. فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} فإن كل واحدة من هذه القصص ذكر مستقل متجدد النزول قد أتاهم من جهته - تعالى - بموجب رحمته الواسعة يدعوهم إلى ترك العناد
بعد ما سمعوها على التفصيل قصة بعد قصة، وفيها من الدواعي إلى الإيمان، والزواجر عن الكفر والطغيان ما يصرفهم عما هم عليه، ولكنهم أعرضوا عن التأَمل فيها واستمروا على تكذيبهم:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} كأنهم لم يسمعوا شيئًا منها يردعهم عن ذلك أصلًا ويحبب إليهم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ويزينه في قلوبهم، ومن كان أَمرهم علي ذلك فلا تبالغ في الحرص على إيمانهم.
وقيل: المراد بالضمير في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} قوم شعيب عليه السلام نُقل أَنه لم يؤمن به سوى تسعمائة نفر، ذكر ذلك القرطبي في تفسيره، والله أعلم بصحة ذلك.
191 -
{وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} :
فهو - سبحانه - العزيز في انتقامه من الكفار، الرحيم في ثوابه بعباده المؤمنين.
المفردات:
{نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} : هو جبريل عليه السلام فإِنه أمين وحيه - تعالى - إلى أنبيائه. (عَلَى قَلْبِكَ): لتحفظه. {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} : أي بلغة عربية واضحة المعنى ظاهرة المدلول. {لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ} : والزُّبُرُ؛ جمع زَبُور، كرسول، وهو الكتاب، والمعنى: أن ذكره ثابت في جميع الكتب السماوية.
التفسير
192 -
في هذه الآيات تنويه بالقرآن العظيم الذي تقدم ذكره أول السورة، ورَدَّ لما قاله المشركون فيه.
أي: وإن هذا القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه منزل من رب العالمين، نزل به الروح الأمين جبريل عليه السلام.
نزل به {عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} : أي يتلوه الروح الأَمين على سمعك فيعيه قلبك حفطًا، وفهمًا، وثباتًا، لتكون به من جملة الرسل الذين ينذرون قومهم، فهو حجتك وآيتك، وقد نزل به بلسان عربى واضح، ليقطع أعذار قومك ويلزمهم الحجة، ويحملهم على المحجة (1).
ولو نزل بلسان أعجمى لتجافوا عنه، ولقالوا: ما نصنع بما لم نفهمه، ولم ندرك كنهه، ولتعذر عليك الإنذار، حيث يكون بذلك نازلًا على سمعك لا على قلبك، فتسمع أجراس حروف لا تفهم معانيها، ولا تعي مراميها.
وفي حكاية القرآن الكريم لهذه القصص التي لا سبيل لنبى أُمى لم يقرأ ولم يكتب أن يعلمها، دليل واضح على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم فلا سبيل له علمها إلا الوحى الذي نزل به الروح الأمين.
وقد سجل الله هذا المعنى في قوله - تعالى -: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} (2).
196 -
{وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ} :
أي: وإن القرآن الكريم لمذكورٌ في كتب الأنبياء السابقين، وقيل معناه: إنه لفى الكتب المتقدمة باعتبار العقائد والاحكام؛ فإن التوحيد وسائر ما يتعلق بالذات والصفات، وكثيرًا من المواعظ والقصص والأحكام والأخلاق مسطور في الكتب السابقة.
(1) أي: الطريق.
(2)
الآية 48 من سورة العنكبوت.
أو: وإنَّ محمدا صلى الله عليه وسلم لم تخل من ذكره كتب الأولين كما قال - تعالى -: {الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} (1) وفي قوله - تعالى -: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} (2).
المفردات: {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً} : الآيته العلامة الواضحة.
{وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ} جمع أَعجم أَي: على رجل لا يفصح ولا يبين، وإن كان عربيًّا، وقرأ الحسن (على بعض الأَعجميين): جمع أعجميٍّ بياء النسب، والأَعجم والأَعجمي: غير الفصيح وإن كان عربيًّا، والعجمى ما كان من جنس العجم وإن كان فصيحًا، وأجاز الفراءُ أَن يقال: رجل عجميّ بمعنى أَعجميٍّ (3).
{كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ} : أدخلنا القرآن في قلوب مشركى مكة
(1) من الآية 157 من سورة الأعراف.
(2)
من الآية 6 من سورة الصف.
(3)
انظر القرطبي.
إدخالًا مثل ذلك في التكذيب عنادا ومكابرة، والفعل من باب نصر، والسَّلْكُ: إِدخال الشيءِ في الشيء.
{فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ} : أي مؤخرون وممهلون؟ يطلبون الرجعة هناك فلا يجابون.
التفسير
197 -
{أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ} :
الهمزة للإنكار والنفي، كأنه قيل: أَغفلوا ولم يكن لهم علامة على صدق القرآن أن يعرفه علماءُ بني إسرائيل بنعوته في كتبهم المذكورة فذلك آية واضحة على أنه تنزيل رب العالمين، وإلى علم علماء بني إسرائيل به يشير قوله - تعالى -:{وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} (1) والمراد من علماء بني إسرائيل: العدول منهم، وهم من أَسلموا، قال مجاهد: يعني عبد الله بن سلام وسلمان وغيرهما ممن، ذكره القرطبي، وذلك أن جماعة منهم أسلموا، ونصوا على مواضع من التوراة والإِنجيل فيها ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم. وهذا يقتضي أن الآية مدنية، وعن قتادة أن الضمير في {أَنْ يَعْلَمَهُ} للنبي صلى الله عليه وسلم وذكر الثعالبي عن ابن عباس أَن أَحبار يثرب، بعث إليهم أهل مكة يسألونهم عن النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذا زمانه، وذكروا المواضع التي ذكر فيها النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة، وهذا ما يقتضيه كون السورة كلها مكية.
199،198 - {وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ، فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ} :
أَخبر الله عن شدة كفر قريش، وقوة شكيمتهم في المكابرة، وعنادهم للقرآن العظيم.
فقال تعالى: "وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ .... " الآية.
أَي: نحن نزلنا القرآن على رجل عربى مبين، ففهموه وعرفوا فصاحته، وأَنه معجز، وانضم إلى هذا شهادة علماء بني إسرائيل على أن كتبهم ذكرت صفته وقصصه، وصح
(1) القصص، الآية: 53
بذلك أن قصص الأنبياء في القرآن من عند الله، وليست بأَساطير كما زعموا، ومع هذا لم يؤمنوا به، وقالوا: إِنَّه سحر أَو شعر ومن افتراءٍ محمَّد صلى الله عليه وسلم.
ولو نزلناه عربيا على أَعجمى لا يعرف العربية، ونطق به نصيحًا، ما آمنوا بأَن هذا القرآن من عند الله مع أن هذا الأَعجمى لا يتوهم أَحد أَنه يستطيع الإِتيان بمثله، ولا قراءته بفصاحته، لأنهم قوم معاندون يتمسكون بدين آبائهم، ويقتفون أَثرهم كما قال تعالى:{بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22)} (1).
وقد وصف الله عنادهم بقوله: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} (2).
200 -
المراد من المجرمين: مشركو مكة، وقد يراد من المجرمين: جنس المجرمين. فيدخل فيه مشركو مكة دخولًا أَوليا.
والمعنى: مثل هذه الحال من الإصرار على التكذيب والكفر بالقرآن سلكنا القرآن وأدخلناه في قلوب المجرمين، فلا سبيل إلى أن يتغيروا عما هم عليه من جحود ومكابرة كما قال تعالى:{وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7)} (3)، قوله سبحانه وتعالى:{لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} أي: لا يزالون على الكفر حتى يبصروا العذاب الشديد الملجىء إلى الإِيمان به.
أو المراد: أَدخلنا القرآن في قلوب المجرمين، ففهموا معانيه، وعرفوا فصاحته، وأنه خارج عن قدرة البشر من حيث النظم المعجز، والإِخبار عن الغيب، واتفاق علماء بني إسرائيل على أن كتبهم المنزلة قبله تضمنت البشارة بإِنزاله، ورسالة من أُنزل عليه بذكر أوصافه.
(1) من الآية 23 سورة الزخرف.
(2)
سورة الحجر: 14 - 15
(3)
الآية 7 سورة الأنعام.
أدخلنا القرآن مثل ذلك الإِدخال، لكنهم لم يؤمنوا به، فقوله تعالى:{لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} على هذا الرأَى استئناف مسوق لبيان حالهم من أنهم لا يتأَثرون بأَمثال تلك الأُمور الداعية إلى الإيمان به، بل يستمرون على ما هم عليه حتى يعاينوا العذاب المكرِه لهم على الإيمان فجأَة من غير توقع وانتظار وهم لا يشعرون بإِتيانه.
وقريء: فتأَتيهم بالتاء، والمراد: فتأْتيهم الساعة، وأُضمرت لدلالة العذاب الواقع فيها عليهم، ولكثرة ما في القرآن من ذكرها.
وقال رجل للحسن وقد قرأَ (فتأْتيهم): يا أَبا سعيد إِنما يأَتيهم العذاب فانتهره وقال: إِنما الساعة تأتيهم بغتة. اهـ من تفسير القرطبي وغيره.
{فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ} : أَي فيتمنون حين يرون العذاب، التأْخيرَ والإمهالَ ليعملوا بطاعة الله تداركًا لما فاتهم تفريطًا وإِهمالًا فلا يجابون إلى ما أَملوه مما يملأَ نفوسهم حسرة وحزنًا، كما قال الله تعالى:{وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} . (1)
وهذه الآيات تصوير وتمثيل لحال مشركى مكة الذين ماتوا على الكفر قبل فتح مكة سنة ثمان من الهجرة.
(1) آية 44 من سورة إبراهيم.
المفردات:
{إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ} : أَي إن أَخرناهم سنين وجعلناهم ينتفعون بالمتاع، ويطلق على كل ما ينتفع به من مأْكل ومشرب وأَثاث ونحوها. {مَا كَانُوا يُوعَدُونَ}: من العذاب، والوعد: مع المفعول يستعمل في الخير وفي الشر، فإِذا أَسقطوا المفعول وهو الخير والشر قالوا في الخير: الوعد والعدة، وفي الشر: الإيعاد والوعيد، فإذا جاءُوا بالباء في الشر جاءوا بالهمز فقالوا: أوعده بالسجن. اهـ: مختار الصحاح بتصرف.
{إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ} : أي مخوفون من العقاب.
{وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ} : أي واضعين الشيء في غير موضعه حينما أنزلنا بهم العذاب.
التفسير
204 -
الآيات توبيخ للمشركين وإِنكار عليهم في قولهم للرسول تكذيبًا واستبعادًا: {فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (1)، وقولهم:{أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا} (2).
قال مقاتل: قال المشركون للنبي - صلى المه عليه وسلم -: يا محمَّد إِلى متى تعدنا بالعذاب فنزلت هذه الآيات.
ومعناها: كيف يستعجلون عذابنا تكذيبًا به، واستبعادًا لوقوعه، وهو لا حق بهم لا محالة لكفرهم مهما طال عليهم الأَمد، أخبرني - أيها العاقل - عن هؤلاء المكذبين إن متعناهم سنين متطاولة بمختلف أنواع المتع الدنيوية التي أملوها، فطالت أَعمارهم، وصحت أبدانهم، وكثرت أموالهم وأولادهم، وتحققت كل رغباتم، ثم أَتاهم الذي كانوا يوعدونه من العذاب، فأي شيء أَغنى عنهم ما كانوا فيه من متاع الدنيا؟ إِنه لا يغنى عنهم شيئًا في دفع العذاب أو تخفيفه، وإنما هم في العذاب خالدون. وفي هذه الآية:{مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} موعظة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
(1) من الآية 32 من سورة الأنفال.
(2)
من الآية 92 من سورة الإسراء.
روى عن ميمون بن مهران أنه لقى الحسن رضي الله عنه في الطواف، وكان يتمنى لقاءَه، فقال له: عظني، فلم يزد على تلاوة هذه الآيات، فقال ميمون: لقد وعظت فأَبلغت.
208، 209 - {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (208) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ}:
أي: وما أنزلنا الهلاك بقرية من القرى إلا بعد أن بعثنا إليها رسلًا منذرين أَنذروا أَهلها بالعقاب إن خالفوا أوامر الله ونواهيه، حتى لا تكون لهم على الله حجة {وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ}: ولسنا مجاوزين الحق في الجزاء، فنهلك غير الظالمين؛ لأنه ليس من شأْننا أن يصدر عنا بمقتضى الحكمة ما هو ظلم بأَن نعاقب من لم يظلم أو بأَن نعذب أحدًا قبل إنذاره، كما قال تعالى:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} (1).
المفردات:
{وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ} : أي لم تتنزل الشياطين بالقرآن الكريم، والشياطين: جمع شيطان، من: شاط بمعنى احترق أو من: شَطَنَ بمعنى بَعُدَ.
{وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ} : أي أن التنزل بالقرآن لا يصح أن يكون من شأْنهم.
{لَمَعْزُولُونَ} : أي لممنوعون عن السمع.
التفسير
210 -
(1) من الآية 15 من سورة الإسراء.
ردٌّ لما زعمه كفار قريش أَن لمحمد عليه الصلاة والسلام تابعًا من الجن يخبره كما تخبر الكهنة، وأن القرآن مما ألقاه إليه التابع، أي: لم يحدث ما زعمتموه من نزول الشياطين بالقرآن، لما أَشار إليه قوله سبحانه:{وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ} : أي ما يصح ولا يليق أن يحملوه وينزلوا به؛ لأَن من سجاياهم الإفساد، وإضلال العباد، والقرآن فيه الإصلاح وهداية العباد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو نور وهدى للعالمين، فبينه وبين الشياطين منافاة بينة، ولهذا حيل بينهم وبين السماء حال نزول القرآن على الرسول، فقد ملئت حرسا شديدا وشهبا، فكيف يستطيع أحد أن يخلص إلى استماع حرف منه؟ إنهم منعوا من ذلك؛ رحمة بعباده، وحفظًا لشرعه، وصيانة لقرآنه من تخليط الشياطين وإضلالهم، ويشير إلى هذا قوله سبحانه:{إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} ففي هذه الآية تعليل لنفي تنزلهم بالقرآن، أَي: أَن الشياطين عن السمع لما يتكم به الملائكة في السماء لممنوعون بالشهب بعد أن كانوا مُمَكَّنِيَن منه، كما قال تعالى مخبرًا عن الجن:{وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا} (1).
أو: إنهم عن السمع لمعزولون لانتفاءِ المشاركة بينهم وبين الملائكة، حيث إن ذوات الملائكة نورانية، وصفاتهم خيِّرة، ونفوس الشياطين خبيثة ظلمانية، وصفاتهم شريرة، غير مستعدة إلا لقبول ما لا خير فيه، فمن أين لهم أن يحوموا حول القرآن المنطوى على الخير والهدى والرشاد؟ فلهذا صان الله كتابه، فأنزله بالروح الأَمين على قلب رسوله الأَمين، ليكون من المنذرين بلسان عربى مبين، وحرسه من الشياطين.
{فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ} : خوطب النبي صلى الله عليه وسلم ليعلم الناس أن الله تعالى لا يقبل الإشراك من أحد، فهو في الحقيقة خطاب لجميع المكلفين ببيان أن للإِشراك من القبح والسوءِ ما يجعله حقيقا بأن يُنْهى عنه من لا يمكن صدوره منه؛ فكيف بمن عداه؟ أو خوطب به والمراد أُمته، فهو في الحقيقة خطاب للأُمة في شخص إمامها ونبيها.
(1) الآيتان 8، 9 من سورة الجن.
المفردات:
{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} : العشيرة؛ القبيلة، والجمع: عشيرات وعشائر، والمراد بها قريش، وقيل: عبد مناف. {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ} : الجناح؛ اليد والعضد والإِبط والجانب وهو المراد هنا،: أَي أَلن جانبك، وجمع الجناح: أَجنحة وأَجنُح.
{الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} : إلى الصلاة، أو حيثما كنت.
{وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} : المراد بالساجدين؛ المصلون: أَي ويرى تصرفك وتغيرك من حال كالجلوس إِلى حال كالقيام بين المصلين إِذا أَممتهم.
التفسير
214 -
أُمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينذر عشيرته الأَقربين ويخوفهم من العذاب الذي يستتبعه الشرك والمعاصي، فإن الإهتمام بشأْنهم أهم، وليكونوا اللبنة الأولى للأُمة الإِسلامية، أو ليعلموا أنك لا تغنى عنهم من الله شيئًا وأن النجاة في اتباع شرعه دون قرابته.
روى مسلم من حديث أبي هريرة: لما نزلت هذه الآية: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشًا فاجتمعوا، فَعمَّ، وخصّ، فقال: "يا بنى كعب ابن لؤى: أْنقذوا أنفسكم من النار. يا بني مرة بن كعب: أَنقذوا أنفسكم من النار.
يا بنى عبد شمس: أَنقذوا أنفسكم من النار. يا بنى عبد المطلب: أنقذوا أَنفسكم من النار. يا فاطمة: أَنقذى نفسك من النار، فإِنى لا أَملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رَحِما سأبُلُّها بِبَلالها" (1).
ويؤخذ من الحديث أن القرب في الأنساب لا ينفع مع البعد في الأَسباب، وأَنه لا مانع من أَن يصل المؤمن الكافر وأن يقدم له النصيحة والإرشاد، وفي ذلك يقول الله تعالى:{لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (2).
ثم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالتواضع ولين الجانب، وإِحسان المعاملة مع من اتَّبعه وصدَّق به وذلك في قوله تعالى:{وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} أَي: وأَلن جانبك للذين آمنوا بك إِيمانًا حقيقيا من عشيرتك الأَقربين ومن غيرهم، ومِنْ للبيان.
216 -
{فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} :
أَي: فإِن أَعرضت عنك عشيرتك الأقربين ولم يتبعوك بعد إِنذارهم، فقل لهم: إنِّي برىء من عملكم الشامل لاتخاذكم مع الله إلهًا آخر، والمراد بهم: من تمسك بالشرك من عشيرته الأَقربين مع إنذارهم، والمراد من براءته - صلى الله لجه وسلم - من عملهم: أَنه ليس مسئولًا عنه، وإنما يسأَل عنه صاحبه، وذلك قبل أَن يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم بجهاد المشركين كافة.
217 -
{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} :
أي: وفوض أَمرك إليه سبحانه وتعالى فإِنه القادر بعزه وسلطانه على قهر أَعدائه، ونصر أوليائه.
قال الجنيد رحمه الله: التوكل، أن تقبل بالكلية على ربك، وتعرض بالكلية عما دونه فإن حاجتك إليه عزٌّ وتَعَال في الدارين.
(1) البلال: الندى، والمراد به هنا الخير، والمعنى: سأصلكم بالخير الملائم لها.
(2)
الآية 8 من سورة الممتحنة.
وتقديم وصف العزة المنبىء بقهر أعدائه - صلى الله عليه وصم - وإهلاكهم أوفق بمقام التسلى والصبر على المشاق اللاحقة به من هؤلاء المشركين.
218، 219 - {الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ}:
المراد من الساجدين هنا: المصلون، أَي: الذي يراك حين تقوم للصلاة، وتتصرف فيما بين المصلين بقيامك وركوعك وسجودك وقعودك إذا أمَمْتَهُم. هكذا قال ابن عباس.
وقيل: يراك حين تقوم للتهجد، ويرى تقلبك بين المتهجدين بذهابك ومجيئك فيما بينهم؛ لتصلح أحوالهم، ولتطلع عليهم من حيث لا يشعرون؛ لتعم كيف يعملون لآخرتهم (1).
وقال مجاهد: يراك حيثما كنت.
220 -
{إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} : أي السميع لأقوال عباده، ولكل ما يتعلق به السمع، العلم بحركاتهم وسكناتهم، وبكل ما يتعلق به العلم، ويندرج فيه ما تنويه وتعمله، كما قال تعالى:{وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُومِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} الآية (2).
المفردات:
{هَلْ أُنَبِّئُكُمْ} : أَي هل أُخبركم، وفعله نبَّأَ. يقال: نبأَه الخبر، وبه.
{عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} : أي على كل من اتصف بكثرة الإِفك وهو الكذب،
(1) روى أنه عليه السلام لما نسخ فرض قياما الليل طاف عليه السلام تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون حرصًا كثرة طاعتهم، فوجدها كبيوت الزنابير، لما سمع بها من دندنتهم بذكر الله وتلاوة القرآن.
(2)
سورة يونس، من الآية: 61
وبكثرة الإِثم وهو أن يعمل ما لا يحل، ويطلق عليه: الذنب، وفعله أفَكَ كَضرب وعلم، إفكا - بكسر الهمزة وفتحها، ؤَأفَكًا بالتحريك - وأُفُوكا كأَفَّك، أي: كذب، وأَثيم: فَعيل من أَثِم كعلم إثمًا ومأْثمًا فهو آثم وأَثيم وأَثَّام.
التفسير
221 -
الآيات استئناف مسوق لبيان استحالة تنزل الشياطين على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بيان امتناع نزولهم بالقرآن فيما سبق، وللرد على قول المشركين الذين قالوا: إن ما جاءَ به محمَّد ليس حقًّا، وإِنه شيء افتعله من تلقاءِ نفسه أو أتاه به رئيٌّ، أَي: تابع من الجن. تنزيهًا من الله سبحانه وتعالى لجناب رسوله عما قالوه كذبًا وافتراءً، وتنبيهًا على أَن الذي جاءَ به هو من عند الله نزل به ملك كريم ولم تأت به الشياطين، فإنهم لا رغبة لهم في مثله، ولا ينزلون إلَاّ على من يشابههم ويشاكلهم، كما قال تعالى:{هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} : أَي هل أُخبركم على مَنْ تتنزل الشياطين، تتنزل على كل من اتصف بالكذب الكثير والذنب العظيم من الكهنة والمتنبئة وما جرى مجراهم من الفسقة والفجرة أَمثال: سطيح، وطليحة، وميسلمة، فلا تنزل الشياطين إلَاّ على مثلهم فلا يتجاوزهم، ولا ينفك عنهم إلى غيرهم من الصالحين وبخاصة الأنبياء، وحيث تنزهت ساحته صلى الله عليه وسلم عن نزولهم اتضح أَن الذى نزل بالقرآن عليه ملائكة الله المقربون.
{يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} : أَي يلقى الأَفاكون سمعهم إلى الشياطين، ويتلقون وحيهم إِليهم، وإِلقاء السمع مجاز عن شدة الاهتمام والمبالغة في الِإصغاء إلى ما يلقى إليهم
…
إلخ.
أو المراد: يلقى الأَفاكون ما سمعوه من الشياطين إلى أَتباعهم وأَوليائهم.
وأَكثر الأَفاكون مفترون كاذبون، يفترون على الشياطين ما لم يخبروهم به، على معنى أَنهم قلَّما يصدقون فيما يحكونه عن الجنيّ، وإِنما هم في أَكثره كاذبون، فقد جاءَ في الحديث
أَن الكلمة يخطفها الجنى فيقرها في أُذن وليه، فيزيد فيها أَكثر من مائة كذبة، ولا كذلك محمَّد صلى الله عليه وسلم فقد أخبر عن مغيبات كثيرة وصدق في جميعها، والمراد من أَكثرهم في قوله تعالى:{وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} : جميعهم، أَو غالبهم، وهذا كاف في عدم الاطمئنان إلى أَقاويلهم.
وقيل: المراد من قوله تعالى: {يُلْقُونَ السَّمْعَ} : هم الشياطين، وكانوا قبل أَن يحجبوا بالرجم يتسمعون إلى الملإ الأعلى، فيخطفون بعض ما يتكلمون به ممَّا اطلع عليه الملائكة من الغيوب، ثم يوحون به إِلى أَوليائهم بن الإنس ويزيدون على ما يسمعون أَكثر من مائة كذبة فيصدقهم الناس في كل ما يقولون.
روى البخاري من حديث الزهرى قال: أَخبرنا يحيى بن عروة بن الزبير يقول: قالت عائشة رضي الله عنها: سأَل الناس النبي صلى الله عليه وسلم عن الكُهَّان؟ فقال: "إنهم ليسوا بشيءٍ" فقالوا: يا رسول الله إِنهم يحدثون بالشيء يكون حقًّا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"تلك الكلمة من الحق يخطفها الجنى فيُقَرْقرُها (أَي: يرددها) كقرقرة الدَّجاجة، فيخلطون معها أَكثر من مائة كذبة. وأكثرهم كاذبون فيما يوحون به إِليهم؛ لأنهم يُسْمعُونهم ما لم يسمعوا من الملائكة لشرارتهم، أَو لقصور فهمهم، أَو لأَنهم لا يسمعون حقًّا وإِنما هو كذب واختلاق".
المفردات:
{وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} : أَي شعراء الكفار ومن ماثلهم من أهل الضلال.
{فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} : أي هم متحيرون، فلا يهتدون إلى العبادة، يقال: رجل هائم وهيوم بمعنى متحير. {انْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} : أَي عالجوا أَسباب النصر بوسائل الحق حتى تحقق لهم. {أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} : أَي أَيَّ تحوُّل، وتغير يصيبهم بين يدي الله. فالظالم ينتظر العقاب، والمظلوم ينتظر الثواب، والفعل: قَلَبَه من باب: ضرب ونصر: حوَّله ظَهْرًا لبطن، والمنقَلَب: اسم زمان أَو مكان ما يحيق بهم.
التفسير
224 -
الآيات استئناف مسوق لِإبطال ما قاله المشركون في حق القرآن العظيم من أَنه من قبيل الشعر، وأَن الرسول - صلى إلله عليه وسلم - من الشعراءِ، ببيان حال الشعراءِ المنافية لحاله - عليه أَفضل الصلاة وأَزكى السلام - تنزيهًا عن الاتصاف بما وصفوه به حيث قال سبحانه:{وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} : أَي أَن من يحق وصفهم بالشعر هم شعراء الكفار الذين كانوا يهجون رسول الله ويقولون فيه كل كذب وباطل، والذين يشيعون بشعرهم الفحش والخنا
فيمزقون الأَعراض، وينشرون المثالب، ويقدحون في الأنساب، ويفرطون في الثناء والهجاء ابتغاءَ عرض زائل، ومنزلة حائلة، ومع كل واحد غواة قومه - وهم السفهاء - يجارونهم ويسلكون مسلكهم، وعن ابن أَبي طلحة: هم ضلال الجن والإنس، وشعر هؤلاء - كما يقول القرطبي في تفسيره -: ضلال وباطل لا يبيحه خلق ولا دين فلا يحل سماعه ولا إنشاده في مسجد وغيره كمنثور الكلام القبيح ونحوه.
أَما شعر غيرهم من أَهل الرشاد والنُّهى المهتدين إلى طريق الحق المنافحين عن دين الله فلا بأْس به قولًا أَو سماعًا، فمثل شعرهم كان يقبل على سماعه الرسول والتابعون، ولا ينكر الشعر الحسن في مبناه ومعناه أَحد من أَهل العلم، وكثير منهم قاله وتمثل به، أَو سمعه فأَنصت إِليه وأَثنى عليه، حيث كان حكمة وعظة، ولم يكن هجرًا ولا أَذى لمسلم. روى عن أَبي هريرة قال: سمعت رسول الله - صل الله علبه وسلم - على المنبر يقول: "أَصدق كلمة قالتها العرب قول لبيد: أَلا كل شيءٍ ما خلا الله باطل، أَخرجه مسلم، وزاد: "وكاد أُمية بن أبي الصلت أن يُسْلم" (1) ذكر ذلك القرطبي. وقال صلى الله عليه وسلم في الشعر الذي يرد به حسان على المشركين: "إِنه لأَسرع فيهم من رشق النبل" أخرجه مسلم.
وما أَحسن قول الماوردى: الشعر كلام العربى، مستحب، ومباح، ومحظور، فالمستحب: ما حذر من الدنيا ورغب في الآخرة، وحث على مكارم الأَخلاق، والمباح: ما سلم من فحش وكذب، والمحظور: ما كان كذبًا وفحشًا، وجعل الرويانى منه ما فيه الهجو لمسلم سواءٌ كان بصدق أَو كذب.
{أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} : الاستفهام للتقرير، والخطاب لكل من تتأَنى منه الرؤية للِإيذان بأَن حالهم من الظهور والوضوح بحيث: لا يختص برؤيته راءٍ، أَي: أَلم تر أَن الشعراءَ يهيمون على وجوههم في كل واد من أَودية الغي والضلال، وفي كل مسلك من مسالك الزور والبهتان وفي كل شعْب من شعاب الوهم والخيال، لا يهتدون إلى الحق الذي
(1) كان أمية كثير العجائب يذكر في شعره خلق السوات والأرض ويذكر الملائكة، ويذكر من ذلك ما لم يذكره أحد من الشعراء، وكان قريبًا من أهل الكتاب وهو شعراء الطائف. اهـ: من فحول الشعراء لابن سلام الجمحي.
يدعو من اتبعه إلى التثبت والتروى والصدق ويحول بينه وبين شهوة الشهرة التي تطمس على قلبه وبصيرته، فلا يكترث بما فعل، ولا يبالى بما قال، ولا يستبين طريق الحق التي تدعوه إلى الإِقلاع عما تعوده من كل خلق قبيح، وأُسلوب ذميم، وإفراط وتفريط {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} من الأَفاعيل التي ذكروها في شعرهم، ورددوها في قصيدهم غير مكترثين بما يستتبعه صنيعهم من لوم وتقريع كما كانوا يحثون في قولهم على الكرم والجود والمواساة وإِغاثة الملهوف مع أَنهم من كل ذلك بَراء، يقولون بأَلسنتهم ما ليس في قلوبهم.
فكيف يتوهم أَن ينتظم الرسول في سلكهم وقد تنزهت ساحته عن أَن تحوم حوله شائبة الاتصاف بشيءٍ من الأُمور المذكورة، فقد كان معروفًا بمحاسن الصفات، وكريم الخلال، وحاز جميع الكمالات القدسية وفاز بجميع الملكات الإنسية، ولم يكن أَتباعه كأَتباعهم سفهاءَ ضالين، وإِنما هم هداة مرشدون، لهم في رسول الله أسوة حسنة.
روى ابن عباس أَن الآيات نزلت في شعراء المشركين: عبد الله بن الزِّبَعْرى، وهبيرة ابن أَبي وهب المخزومى، ومسافع بن عبد مناف، وأَبي غَزَّةَ الجمحى، وأُمية بن أَبي الصلت. قالوا: نحن نقول مثل قول محمَّد، وكانوا يهجونه، ويجتمع لهم الأعراب من قومهم يستمعون أَشعارهم وأَهاجيهم، وهم الغاوون.
والظاهر من السياق أَنها نزلت عامة شاملة لجميع شعراءٍ الكفار، ويدخل فيهم هؤلاءٍ الشعراءُ دخولًا أوليًّا.
ثم استثنى - سبحانه - بقوله: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا
…
الآية) شعراء المؤمنين الذين كانوا يدعون إلى التوحيد ويثنون على الله - تعالى - ويحثون على امتثال أَوامره واجتناب نواهيه، وقد ابتغوا فيما آتاهم الدار الآخرة، ولم يُغْفلوا نصيبهم من الدنيا، وذكروا الله كثرًا، ولو وقع منهم في بعض الأَوقات هجو، وقع منهم بطريق الانتصار إِلى الحق، وبما حده الله عز وجل من غير ظلم أَو زيادة على ما قيل فيهم افتراءً وعدوانًا.
وقيل: المراد بالذين استثناهم الله سبحانه وتعالى شعراء المؤمنين الذين كانوا ينافحون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وَيُقَبِّحُون بهجائهم هُجَاةَ قريش، واستدل لذلك
بما أَخرج عبد بن حميد وابن أَبي حاتم عن قتادة: أَن هذه الآية نزلت في رهط من الأَنصار هَاجَوْا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم: كعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت، كما استدل عليه بما أَخرجه جماعة عن أَبي سالم حسن بن البراء أَنه قال: لما نزلت {وَالشُّعَرَاءُ
…
} الآية، جاءَ عبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت، وكعب ابن مالك، وهم يبكون، فقالوا: يا رسول الله لقد أَنزل الله هذه الآية، وهو يعلم أنَّا شعراء فأَنزل الله {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا
…
} الآية. فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاها عليهم.
وقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الشعر، وأَجاز عليه، وكان يقول لحسان اين ثابت:"اهجهم - يعنى المشركين - وإِن روح القدس سيعينك، وفي رواية: "اهجهم وجبريل معك"، وعن كعب بن مالك رضي الله عنه أَن رسول الله - صلى الله علية وسلم - قال: "اهجهم فوالذى نفسى بيده لهو أَشد عليهم من النبل" ذكر ذلك أَبو السعود، والآلوسى في تفسيريهما.
{وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} : تهديد شديد لكل من انتصر بظلم يشير إِليه الِإبهام والتهويل في قوله تعالى: {أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} . وقرأ ابن عباس: أَي منفلت ينفلتون؛ من الانفلات وهو النجاة.
والمعنى على القراءتين لا يختلف في غايته، فهو على القراءَة الأولى: وسيعلم الذين ظلموا من الشعراء وغيرهم أي مصير يصيرون، وأَي مرجع يرجعون؛ لأَن مصيرهم إِلى النار وهو أَقبح مصير ومرجعهم إِلى العقاب وهو شر مرجع، ويومئذ لا تنفعهم معذرتهم عما فرطوا في جنب الله. كما قال تعالى:{يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} (1).
(1) الآية: 52 من سورة غافر.
وعلى القراءَة الثانية: أن الظالمين يطمعون أن ينفلتوا من عذاب الله تعالى، وسيعلمون أَن ليس لهم وجه من وجوه الانفلات ينفلتون إِليه من عذاب الله طمعًا في النجاة حيث توصد في وجوههم كل الطرق والمسالك، ويساقون إلى النار فهي مصيرهم وإِلى العذاب مرجعهم.
وكون الآية عامة فكل ظالم هو الصحيح كما قال ابن أبي حاتم، وقيل: المراد بالظالمين
أهل مكة فهو عام أُريد به خاص.