المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌النهي عن معاونة الظلمة: - التفسير الوسيط - مجمع البحوث - جـ ٧

[مجموعة من المؤلفين]

الفصل: ‌النهي عن معاونة الظلمة:

فلن أكون عونا ومساعدا للكافرين والمخالفين لأوامرك، وعن ابن عباس: لم يستثن ، فابتلى به مرة أخرى، يعني: لم يقل: فلن أكون إن شاء الله.

وقيل معناه: بسبب ما أنعمت علي من قوة الجسم ومتانة التركيب وغير ذلك من النعم أشكرك، فلن أستعمل نعمك في مظاهرة من تؤدي معاونته إلى الوقوع في جرم وإثم.

‌النهي عن معاونة الظلمة:

احتج أهل العلم بهذه الآية على منع معاونة الظلمة وخدمتهم، أخرج عبد الله بن الوليد الرصافى: قلت لعطاء بن رباح: إن أخي ليس له من أمور السلطان شيء إلا أنه يكتب له بقلم ما يدخل وما يخرج، وله عيال، ولو ترك ذلك لاحتاج واستدان، فقال: مَن الرأس؟ قال: خالد بن عبد الله القسرى. قال: أما تقرأ ما قاله العبد الصالح: {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} فلا يعينهم أخوك، فإن الله يعينه. ذكره القرطبي والآلوسى والزمخشرى.

قال عطاء: فلا يحل لأحد أن يعين ظالما، ولا يكتب له، ولا يصحبه، وإن فعل شيئًا من ذلك كان معينا للظالمين، قال تعالى:{وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} فإذا كان الركون إلى الظلمة أو العمل معهم موجبا لغضب الله وسخطه، معرِّضا لعقابه وناره ، فماذا يكون حال من انغمسوا منهم في شرورهم وآثامهم ، وشاركوهم في ظلمهم وأعانوهم على القتل والتشريد للأحرار الصالحين؟ بل من كانوا أداة تعذيب وقهر وظلم للأبرياء؟ لا شك أن عقابهم أشد وعذابهم أعظم.

18 -

{فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} :

فأصبح موسى في مصر بعد قتله القبطى فزعا يتوقع أن يصيبه الأذى من القوم بسبب قتله المصري، وقيل: خائفا وقوع المكروه من فرعون، يترقب نصرة الله عليه، فإذا صاحبه الإسرائيلى الذي نصره بالأمس وساعده وقتل القبطى بسببه يستغيث به مرة ثانية على

ص: 1751

مصرى آخر، فنهره موسى وزجره قائلًا له: إنك لظاهر الغواية كثير الشر؛ لأنك تسببت في قتل رجل، وتقاتل آخر، ودعوتنى مرة ثانية لنصرتك ومساعدتك.

19 -

{فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ} :

أي: فلما أراد موسى أن يبطش بالقبطى الذي هو عدوٌّ لهما توهم الإسرائيلى المستصرخ لضعفه وذلته أن موسى يريد البطش به، فقال له - يريد أن يدفع عن نفسه -:{أتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ} الآية - ولم يكن أحد يعلم بقتل موسى للقبطى أمس سوى هذا الإسرائيلى؛ لأن ذلك كان والناس في غفلة، فلما سمع القبطى ذلك تلقفه من فمه، ثم ذهب به إلى بيت فرعون، فألقاها عنده، فاشتد حنقه، وعزم على قتل موسى .. هكذا قال ابن كثير، وكون الخطاب من الإسرائيلى لموسى هو رأى ابن عباس، وهو الذي قال به ابن كثير كما تقدم.

وقال الحسن: قاله القبطى الذي هو عدو لهما، كأنه عرف من قول موسى للإسرائيلى:{إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} أنه الذي قتل القبطى بالأمس من أجله، ولما انتشر الحديث ووصل - بأية صورة - إلى فرعون ومَلَئِه هموا بقتل موسى عليه السلام فخرج مؤمن من آل فرعون - قيل: هو ابن عم فرعون - ليخبره بذلك وينصحه، كما قال عز وجل:

ص: 1752

{وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22)}

المفردات:

{الْمَلَأَ} كجبل: الأشراف، والقوم ذوو الشارة والتجمع.

{يَأْتَمِرُونَ بِكَ} : يتشاورون بسببك، وسمى التشاور ائتمارا لأن كلا من المتشاورين يأمر الآخر ويأتمر بأمره، والائتمار والمؤامرة: المشاورة والهم بالشر.

{سَوَاءَ السَّبِيلِ} : الطريق السوى.

التفسير

20 -

{وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} :

المعنى: وجاء رجل مؤمن من آل فرعون من أقصى المدينة يسرع في مشيه لمزيد اهتمامه بإخبار موسى ونصحه قال: يا موسى إن وجوه قوم فرعون والأشراف منهم يتشاورون في أمرك ويشير بعضهم على بعض بقتلك قصاصًا للقبطى الذي قتلته بالأمس، فاخرج من مصر قبل أن يظفروا بك، إني لك من الناصحين المخلصين، ولا أخبره ذلك الرجل بما تمالأ عليه فرعون وكبار دولته في أمره كان ما قص الله بقوله:

ص: 1753

21 -

{فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} :

فخرج موسى عليه السلام من مصر ممتثلًا نصح ذلك المؤمن خائفا يتوقع أن يتعرض له أعداؤد بالأذى في الطريق، يتلفت خشية أن يُدْرَك، يقول ضارعًا إلى الله ربه أن يحفظه وينجيه من اعتداء المعتدين، من فرعون وقومه.

22 -

{وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ} :

ولما خرج موسى عليه السلام فارًّا بنفسه منفردا خائفا، وصرف وجهه ناحية مدين - قرية شعيب - ورأى حاله من خلوه من زاد وغيره، وعدم معرفته بالطريق فوض أمره إلى الله - تعالى - راجيا أن يهديه الطريق الأقوم السوى - طريق الخير والنجاة - قال ابن عباس: خرج وليس له علم بالطريق إلَاّ حسن ظنه بربه، وقال ابن كثير: حقق الله له ما طلبه، وهداه إلى الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة فجعله هاديا مهديا.

ص: 1754

{وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ}

المفردات:

{وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ} : وصل إليه، والوِرْد - بالكسر -: الإشراف على الماء وغيره دخله أو لم يدخله، والنصيب من الماء، والقوم يردون الماء. {تَذُودَانِ}: تدفعان وتمنعان غنمهما عن الماء ، ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"فَليُذَادَنَّ رجالٌ عن حوضي" أي: ليُطْرَدَنَّ

ص: 1755

ويمنعن. {مَا خَطْبُكُمَا} : ما شأنكما؟ وفي القاموس: الخطب: الشأن والأمر صغر أو عظم، والجمع: خُطوب. {يُصْدِرَ} : قرأ ابن عامر وأبو عمرو: {يَصْدِرَ} - بفتح الياء - من صدر، ضد ورد، أي: يرجع الرعاة بأغنامهم، وقرأ الباقون:{يُصْدِرَ} من أصدر بمعنى أرجع، أي: حتى يُرْجعوا مواشيهم. {الرِّعَاءُ} : جمع الراعى، وهو كل من ولى أمر الحيوان وغيره ولاحظه محسنًا إليه، وقام على حفظه ومراقبته. {تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} قال أبو البقاء: تأجرني من أجرته إذا كنت له أجيرًا، كقولك: أبَوْتُهُ إذا كنت له أبا، أو من تأجرني بمعنى تثيبنى، ومنه تعزية الرسول صلى الله عليه وسلم:"أجَرَكُم الله ورحمكم"، وفي القاموس: أجره، يأجِرُه، ويأجُرُه. جزاه كآجره، والأجر: الجزاء على العمل.

{حِجَجٍ} : جمع حِجَّة - بالكسر - وهي السنة. {أَشُقَّ عَلَيْكَ} : أوقعك في الشقة والصعاب. {فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ} أي: لا يعتدي عليَّ في طلب الزيادة.

التفسير

23 -

{وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} :

ولما بلغ موسى ماء مدين ووصل إلى بئرها وأشرف عليه وجد فوق شفيرها وعلى جوانبها جماعة كثيرة من الناس مختلفي الأصناف يسقون مواشى مختلفة، منهم من كان يسقى إبلا ومنهم من كان يسقى غنمًا وهكذا، ووجد في مكان أسفل من مكانهم أو مما يلي جهته إذا قدم عليهم امرأتين تمنعان غنمهما عن الماء خوفا من السقاة الأقوياء كما قال ابن عباس، أو: لئلا تختلط بغيرها كما قاله الزجاج، فلما رآهما موسى عليه السلام رق قلبه لهما وعطف عليهما وقال: ما شأنكما وما خبركما؟ لماذا لا تردان الماء مع هؤلاء؟ قالتا: عادتنا ألَاّ نسقى حتى يصرف الرعاة مواشيهم عن الماء بعد ريِّها؛ لأننا امرأتان ضعيفتان مستورتان لا نقدر على مدافعة الرجال ومزاحمتهم، وما لنا رجل يقوم بذلك، وأبونا شيخ كبير السن قد أضعفه الكبر، فلا بد لنا من تأخير السقي إلى أن يقضى الناس أوطارهم من الماء، يقصدان إبداء العذر عن توليهما السقى بأنفسهما.

وفي سؤاله عليه السلام إياهما دليل على جواز مكالمة الأجنبية مع التصون والعفاف.

ص: 1756

قال الزمخشرى: فإن قيل: كيف ساغ لنبى الله أن يرضى لبنتيه بسقى الغنم؟

فالجواب: أن الأمر في نفسه ليس بمحذور فالدين لا يأباه، وأما المروءة فالناس مختلفون في ذلك، والعادات متباينةٌ فيه، وأحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم، ومذهب أهل البدو فيه غير مذهب أهل الحَضر، خصوصا إذا كانت الحال حال ضرورة.

قال ابن كثير ج 3 ص 384: وقد اختلف المفسرون في هذا الرجل من هو على أقوال: أحدها: أنها شعيب عليه السلام الذي أرسل إلى أهل مدين وهذا هو المشهور عند كثير من العلماء، وقد قاله الحسن البصري وغير واحد، ورواه ابن أبي حاتم، قال: حدثنا أُبَيّ، حدثنا عبد العزيز الأزدى، حدثنا مالك بن أنس أنه بلغه أن شعيبا هو الذي قص عليه موسى القصص.

وقال آخرون: بل كان ابن أخي شعيب، وقيل: رجل مؤمن من قوم شعيب، وكان شعيب قبل زمن موسى بمدة طويلة، لأنه قال لقومه:{وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ} ولقد كان هلاك قوم لوط في زمن الخليل عليه السلام كما يشير إلى ذلك القرآن الكريم، وكان بين الخليل وموسى مدة طويلة، وما قيل: إن شعيبا عاش مدة طويلة إنما هو- والله أعلم - احتراز من هذا الإشكال، ومما يقوى كونه ليس بشعيب النبي أنه لو كان إياه لكان جديرا أن ينص على اسمه في القرآن ها هنا، وما جاء من التصريح بذكره في قصة موسى لم يصح إسناده، ثم الموجود في كتب بني إسرائيل أن هذا الرجل اسمه شيرون - والله أعلم -.

ويقول الآلوسى - بعد أن ساق مثل ما تقدم -: والأخبار التي وقفنا عليها في هذا المطلب مختلفة ولم يتميز عندنا ما هو الأرجح فيها.

24 -

{فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} :

اهتز وجدان موسى، وتحركت عوامل الرحمة في قلبه، فتطوع لمساعدتهما وسقى غنمهما لأجلهما، ثم ركن إلى مكان ظليل ليستريح من الجهد الذي بذله، وهو يقول في تضرع وتذلل لربه: يا رب إني فقيرٌ إلى ما تسوقه إليّ من خير، محتاج إلى شيء تنزله من خزائن كرمك، ويبدو من عبارته شدة الحاجة إلى نجدة من رحمة الله بعد ما قاسى من سفر طويل وحرمان شديد، فعرَّض بالدعاء ولم يصرح بالسؤال.

ص: 1757

قال الزمخشرى: وإنما فعل ذلك رغبة في المعروف، وإغاثة للملهوف؛ لأنه بعد أن وصل إلى ماء مدين وقد ازدحمت عليه أمة من أناس مختلفة متكاثفة العدد، ورأى الضعيفتين من ورائهم مع غنيماتهما مترقبتين لفراغهم فما أبطأت همته في انتهاز تلك الفرصة احتسابا على ما كان به من النصَب والجوع، فرحمهما وأغاثهما وكفاهما أمر السقي في تلك الزحمة بقوة قلبه وشدة ساعده وما آتاه الله من الفضل في متانة الخلقة، وفيه انتهاز فرصة الاحتساب وترغيب في الخير، وبعث على الاقتداء في ذلك بالصالحين، والأخذ بسيرهم ومذاهبهم.

ولما رجعت الفتاتان بالغنم إلى أبيهما أنكر حالهما بسبب مجيئهما مسرعين، فسألهما عن خبرهما، فقصَّتا عليه ما فعل موسى عليه السلام فبعث إحداهما إليه لتدعوه إلى أبيها.

25 -

{فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} :

فجاءت إحدى الفتاتين مُوفدة من قبل أبيها تسير نحو موسى سير الحرائر، في حياء وخَفَر، قالت: إن أبي يدعوك ليثيبك ويكافئك على سقيك غنمنا، فلما ذهب موسى إلى والد الفتاتين وحدثه حديث، وقصَّ عليه قصصه، وما جرى له، وسبب خروجه من مصر، وتتبع القوم له واقتفائهم أثره، وشدة حرصهم على ملاقاته والفتك به، قال له: طِبْ نفسًا وقَرَّ عينًا؛ فقد خرجت من مملكتهم، ولا سلطان لهم في بلادنا وسلمت من القوم المعتدين: يريد فرعون وقومه.

وفي قول الفتاة السابق ما فيه من الدلالة على كمال العقل والحياء والعفة، وقد لبى موسى دعوة شعيب لا على سبيل أخذ الأجر على معروف بذله لبنتيه، ولكن على سبيل التقبل لمعروف قُدِّم له، وقد قص على شعيب قصصه وعرَّفه أنه من بيت النبوة، ومثله حقيق بأن يُضَيّف ويُكَرَّم، على أنه ليس بمنكر أن يقبل الأجر على خير فعله لاضطرار الفقر والفاقة.

ص: 1758

رُوِي أنها لما قالت له: {لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} كره ذلك، ولما قدم إليه الطعام امتنع مع شدة حاجته إليه وقال: إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بطلاع (1) الأرض ذهبا ولا نأخذ على المعروف ثمنا؛ فقال شعيب: هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا (2).

هذا وإن كل من فعل معروفًا فأهدى بشيء لم يحرم أخذه.

26 -

{قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} :

قالت إحدى ابنتي هذا الرجل (ولعلها هي التي استدعت موسى إلى أبيها والتي زوجها من موسى عليه السلام: يا أبت اتخذه أجيرًا لرعى الغنم والقيام على شئونها وحفظها، ورعايتها، إنه خير من تستأجره للقيام بهذه المهمة، وأداء هذا العمل لقوته وأمانته، وكلامها هذا كلام حكيم جامع لا يزاد عليه؛ لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان - أعني القوة والأمانة - في القائم بالعمل فقد فرغ بال صاحبه وتم مراده، وقد ساقته مساق المثل حيث قالت:{إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} بدلًا من أن تقول استأجره لقوته وأمانته.

وعن ابن عباس: أن شعيبا أحفظته الغيرة: أغضبته، فقال: وما علمك بقوته وأمانته؟ فذكرت له حمله حجر البئر ونزعه الدلو، وأنه صوَّب رأسه (3) حين بلغته رسالته، وأمرها بالمشى خلفه. اهـ: بتصرف.

وروى ابن كثير والزمخشرى عن ابن مسعود قال: أفرس الناس ثلاثة: بنت شعيب حين قالت {إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} ، وصاحب يوسف في قوله:{أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا} ، وأبو بكر في عمر، أي: في اختياره عمر وترشيحه ليكون خليفة بعده.

وقدمت وصفه بالقوة مع أن أمانة الأجير لحفظ المال أهم في نظر المستأجر، لتقدُّم علمها بقوته على علمها بأمانته، أو ليكون وصفه بالأمانة بعده من باب الترقى من المهم إلى الأهم،

(1) طلاع الشيء - ككتاب -: ملؤه. اهـ: قاموس.

(2)

الكشاف بتصرف.

(3)

صوب رأسه: خفضها. اهـ: قاموس ص 94 ج 1.

ص: 1759

واستُدِلّ بقولها: {اسْتَأْجِرْهُ} على مشروعية الإجارة عندهم، وكذلك كانت في كل ملة وهي من ضروريات الحياة وفيها قضاءٌ لمصالح الناس.

27 -

{قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} :

استئناف بياني وقع جوابا لسؤال مقدر، كأنه قيل: فما قال أبوها بعد أن سمع كلامها؟

أي: قال شعيب عليه السلام لموسى: إني أُريد أن أزوجك واحدة من ابنتي هاتين على أن يكون مهرها أن تعمل عندي أجيرا لرعي الغنم ثماني سنوات فإن أتممت عشرا في الخدمة والعمل فالإتمام من عندك لا ألزمك به، ولكن إذا فعلته فهو منك تفضل وتبرع، وما أريد أن أصعب الأمر عليك وأوقعك في مشقة بإلزام أطول الأجلين، ستجدني إن شاء الله من الصالحين المحسنين للمعاملة الموفين بالعهد.

وعلى النحو المتقدم وعد شعيب موسى المساهلة والمسامحة من نفسه، وأنه لا يشق عليه فيما استأجره له من رعي غنمه ولا يفعل نحوه ما يفعله المعاسرون مع من يعمل لهم من المناقشة في مراعاة الأوقات، والمضايقة في استيفاء الأعمال، وتكليف الرعاة أشغالا خارجة عن حد الشرط، وهكذا كان الأنبياء - عليه م السلام - آخذين بالأسمح في معاملات الناس، وفي الآية الكريمة السابقة جواز عَرْضِ الولى ابنته على الرجل الصالح، وهذه سنة حسنة، عرض صالح بني مدين كل صالح بني إسرائيل بنته، وعرض عمر بن الخطاب بنته حفصة على أبي بكر وعثمان، فلا بأس بعرض الرجل وليّته، والمرأة نفسها على الرجل الصالح اقتداء بالسلف الصالح.

كما تدل على أن للأب أن يزوج ابنته البكر البالغ من غير استئمار، وبه قال الشافعي ومالك. واحتجا بهذه الآية، وقال أبو حنيفة: إذا بلغت الصغيرة فلا يزوجها إلَاّ برضاها، أما الصغيرة البكر فيزوجها وليها بغير رضاها بلا خلاف، واستدل الشافعي بقوله:{إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ} على أن النكاح موقوف على لفظ التزويج والإنكاح، وخالفه غيره.

ص: 1760

قال القرطبى في المسألة العاشرة: قوله تعالى: {إحْدَى ابْنَتَيَّ} يدل على أنه عرض لا عقد لأنه لو كان عقدا لعيَّنَ المعقود عليها له، لأن العلماء اتفقوا على أنه لا يجوز الإبهام في النكاح، فلابد من تعيين المعقود عليها.

ثم قال في المسألة الحادية عشرة: أما تعيين الفتاة فقد حدث عند العقد.

ثم قال: وأما ذكر أول المدة في الإجارة فليس في الآية ما يقتضي إسقاطه بل هو مسكوت عنه، فإما عيناه وإلا فهو من أول العقد.

وقد دلت الآية الكريمة على أنه قد أصدقها منفعة هي الإجارة، وهو أمر قد قرره شرعنا، وجرى في حديث الرجل الذي لم يكن عنده إلَاّ شيء من القرآن، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم للرجل سائلا:"ما تحفظ من القرآن؟ " فقال: سورة البقرة والتي تليها. قال: "فعلِّمها عشرين آية وهي امرأتك" اهـ: ملخصا من القرطبي.

وتسمية المهر أجرا اصطلاح قرآني وقد قال: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} .

فإن قيل: إن إجارته كانت منفعة لأبيهما كما هو ظاهر النص ، فالجواب: أن الغنم إما أن تكون لها فمنفعة إجارته عائدة عليها، وإن كانت الغنم لأبيها فربما كان ذلك شرع من قبلنا يجعل المهر من حق الأب.

28 -

{قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} :

قال موسى لصهره: ذلك الذي قُلْتَه وعاهدتني فيه، وشارطتنى عليه قائم بيننا، لا يخرج كلانا عنه، لا أنا عما شرطت على، ولا أنت عما شرطت على نفسك أي أجل من الأجلين - أطولهما الذي هو العَشْرُ أو أقصرهما الذي هو الثماني - وفيتك بأداء الخدمة فيه فلا يعتدى عليّ بطلب الزيادة عليه.

قال الزمخشرى: أراد بذلك تقرير أمر الخيار وأنه ثابت مستقر، وأن الأجلين على السواء، إما هذا وإما هذا من غير تفاوت بينهما في القضاء، وأما التتمة فموكولة إلى رأيي

ص: 1761

إن شئت أتيتُ بها وإلا لم أُجبر عليها، وقيل معناه: فلا أكون معتديا، وهو نفي للعدوان عن نفسه، كقولك: لا إثم عليّ ولا تبعة عليّ، والله على ما نقول من الشروط الجارية بيننا وكيل وشاهد وحفيظ، والمراد: توثيق العقد وأنه لا سبيل لأحد منهما إلى الخروج عنه أصلًا، وبما سبق في الآيتين استدل العلماء على أن اليسار لا يعتبر في الكفاءة، فإن موسى لم يكن حينئذ موسرا، وأن في قوله تعالى-:{وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} اكتفاءً بشهادة الله عز وجل إذ لم يشهد أحدا من الخلق، فيدل ذلك على عدم اشتراط الإشهاد في النكاح عندهم، وقد اختُلف في ذلك على قولين: أحدهما: أنه لا ينعقد إلَاّ بشاهدين، وبه قال أبو حنيفة، والشافعى، الثاني: أنه ينعقد دون شهود، وبه قال مالك؛ لأنه عقد معاوضة فلا يشترط فيه الإشهاد، وإنما يشترط فيه الإعلان والتصريح، وفرق ما بين النكاح والسفاح الدُّف (1).

قال ابن كثير ج 3 ص 385: وقد دل الدليل على أن موسى عليه السلام إنما فعل أكمل الأجلين وأتمهما.

قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الرحيم ، حدثنا سعيد بن سلمان، حدثنا مروان بن شجاع، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير قال: سألنى يهودى من أهل الحيرة: أي الأجلين قضى موسى؟ فقلت: لا أدرى حتى أُقدم على حبر العرب فأسأله، فقدمت على ابن عباس رضي الله عنه فسألته، فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال فعل، والله - تعالى - أعلم.

(1) انظر القرطبي: المسألة الثالثة والعشرين.

ص: 1762

{فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ}

المفردات:

{فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ} : أتم المدة المضروبة بينه وبين شعيب.

{آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ} : أبصر من الجهة التي تلى الطور، وأصل الإيناس: إبصار ما يؤنس.

{بخَبَر): بنبإ يعلم منه الطريق، وكانوا قد أخطأوا الطريق وضلوا عنه.

{جذوة} - مثلثة الجيم -: عود غليظ مشتعل. {تَصْطَلُونَ} : تستدفئون.

التفسير

29 -

{فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ

} الآية،

هذه الآية تتضمن كلاما قبلها يقتضيه سياق القصة، وتتابع أحداثها، فإن قوله - تعالى - على لسان شعيب: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ

} الآية (1) لم يزد على أنه مجرد عرض، وإبداء رغبة لم يبرم فيه عقد ، ولم تتكامل معه أركان الزراج، ومن عادة القرآن أن يستغنى عن ذكر ما يستدعيه المقام ويفهم من التتابع، فإن الإيجاز من مقاصد البلاغة، وتمام النسج على هذا أن يقال: فلما توافقا، وتم عقد النكاح أخذ في إمضاء ما التزمه {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ} أي: فلما أتم موسى المدة التي تركها شعيب لخيار موسى عليه السلام والمراد به: الأجل الآخر كما أخرجه ابن مردويه عن مقسم، عن الحسن ابن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما وأخرج البخاري، وجماعة عن ابن عباس: أنه سئل: أي الأجلين قضى موسى - عليه إلسلام -؟ فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله إذا قال فعل.

(1) من الآية 27 من سورة القصص.

ص: 1763

وقوله تعالى: {وَسَارَ بِأَهْلِهِ} أي: مضى إلى مصر بأهله: وما كان معه من الزاد بإذن من شعيب عليه السلام قالوا: كان موسى عليه السلام قد اشتاق إلى بلاده وأهله فعزم على زيارتهم خفية من فرعون وقومه، قال ابن عطاء: لما أتم موسى أجل المحنة، ودنت أيام الزلفة، وظهرت أنوار النبوة سار بأهله ليشتركوا معه في لطائف صنع ربه.

ومعنى {آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا} : أبصر من الجهة التي تلي الطور، لا من بعضه كما هو المتبادر، واصل الإيناس - على ما قيل -: الإحساس من الأُنس فيكون أعم من الإبصار.

وقال الزمخشرى: هو الإبصار البين الذي لا شبهة فيه، واستظهر بعضهم أن المبصر كان نورًا حقيقة إلَاّ أنه عبر عنه بالنار اعتبارًا لاعتقاد موسى، ولأن النار هي طلبته.

وقوله تعالى: {قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا} معناه: قال موسى لأهله حين آنس النار: أقيموا مكانكم، واثبتُوا، وفي البحر: أنه خرج بأهله وماله في فصل الشتاء، وأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام، وامرأته حامل لا يدرى أليلا تضع أم نهارا، فسار في البرية لا يعرف طريقها، فألجأه السير إلى جانب الطور الغربي في ليلة مظلمة مثلجة شديدة البرد، فأضل الطريق يوما حتى أدركه الليل، فأخذ امرأته الطلق، فقدح زنده فأصلد (1)، فنظر فإذا نار تلوح من بعد، فقال لأهله: امكثوا وأقيموا مكانكم إني أبصرت نارا سأقصدها {لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} أي: رجاء أن أجد عندها من يرشدني إلى الطريق فآتيكم بخبر عنه، أو آتيكم بعود غليظ ملتهب بالنار تلتمسون به الدفء من شدة ما تعانون من البرد.

(1) أي: لم يخرج نارا.

ص: 1764

{فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (31) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (32)}

المفردات:

{شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ} : الجانب الأيمن بالنسبة لموسى، وقيل: الأيمن من اليُمْن.

{الْبُقْعَةِ} - بضم الباء -: القطعة من الأرض على غير هيئة التي بجانبها، وتفتح باؤها أيضًا كما في القاموس. {جَانٌّ}: حية كحلاء العين بيضاء وتكثر في الدور ولا تؤذى.

{مُدْبِرًا} : منهزما خلفه من الخوف. {يُعَقِّبْ} : يرجع. {اسْلُكْ} : ادخل.

{جَيْبِكَ} الجيب: فتحة القميص من حيث يدخل الرأس. {جَنَاحَكَ} الجناح:

العضد والذراع؛ لأنه الذراع للإنسان كالجناح للطائر. {سُوءٍ} : عيب ومرض.

{الرَّهْبِ} - بفتح الراء والهاء -: الخوف، - وفيه إسكان الهاء مع فتح الراء وضمها - وبه قرئ.

{بُرْهَانَانِ} : حجتان واضحتان، تثنية برهان، وهو الحجة النيرة القاطعة يقال: أبره الرجل، إذا جاء بالبرهان.

التفسير

30 -

{فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ

} الآية.

أي: فلما أتى النار التي آنسها موسى عليه السلام جاءه النداء من الجانب الأيمن

ص: 1765

بالنسبة إلى موسى في مسيره، فالمقصود بالجانب الأيمن: الجهة اليمنى، وجوزوا أن يكون الأيمن بمعنى المتصف باليُمن والبركة، وعلى هذا يجوز أن يكون وصفا للشاطئ أو الوادى، وقوله:{فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ} معناه: نودى من شاطىء الوادى الأيمن في هذه القطعة التي باركها الله بما خصها به من آياته وأنواره المشتملة على الشجرة النابتة فيها.

وقوله: {أَنْ يَا مُوسَى} تفسير للنداء، أو بيان لشأنه وحقيقته حسما لكل شك وقطعًا لكل تأويل، قال جعفر: أبصر نارا دلته على الأنوار؛ لأنه رأى النور في هيئة النار، فلما دنا منها شملته أنوار القدس، وأحاطت به أجواء الأنس فخوطب بألطف خطاب، واستدعى منه أحسن جواب فصار بذلك مكلما شريفا أعطى ما سأل، وأمن مما خاف. ومعنى:{إنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} : إني أنا الله ربك الذي يخاطبك ويكلمك، ورب العالمين الفعال لما يشاء، لَا إله سواه، ولا رب غيره - تنزه وتعالى - عن المماثلة في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله فاسمع مني، ولا تك في شك مما يلقى إليك، وقد سمع موسى عليه السلام على ما تدل عليه الآثار كلاما لفظيا خلقه الله في الشجرة - وقيل: خلقه في الهواء كذلك، وسمعه موسى من جهة الجانب الأيمن أو من جميع الجهات، وذهب الشيخ الأشعرى والإمام الغزالي إلى أن موسى عليه السلام سمع كلامه النفسي القديم بلا صوت ولا حرف، كما ترى ذاته عز وجل يوم القيامة بلا كيف ولا كم.

وقال الحسن: إنه - سبحانه - نادى موسى عليه السلام نداء الوحى لا نداء الكلام، ولم يرتض ذلك العلماء لما فيه من مخالفة الظاهر، وأنه لا يظهر عليه وجه اختصاصه باسم الكلم من بين الأنبياء.

ولفظ: (أنا) وإن كان كل واحد يشير به إلى نفسه فليس المعنى به محل لفظه.

هذا: وجاء في سورة طه في التعبير عن هذه القصة {نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ} ، وفي سورة النمل:{نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ} وما هنا غير ذلك، بل ما في كل غير ما في الآخر، فاستشكل ذلك، وأُجيب بأن المغايرة إنما هي في اللفظ، وأما في المعنى المراد فلا مغايرة والواقع أن ما في القرآن ترجمة عربية لما سمعه موسى، فتؤدَّي بأي عبارة تفهم أصل المعنى، وذهب الإِمام إلى أنه - تعالى - حكى في كل من هذه السور بعض ما اشتمل عليه النداء لما أن المطابقة بين ما في المواضع الثلاثة تحتاج إلى تكلف ما.

ص: 1766

ومثل هذا يقال فيما تكرر ذكره من القصص في القرآن الكريم مع اختلاف التعبير فيه،؛ لأن كل سورة تعنى عند ذكر القصة بالجانب الذي تسوقها من أجله، والتعبير الذي يناسبه.

31 -

{وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} الآية.

هذه الآية معطوفة على قوله: {أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ} فهي من جملة ما نودى به، فقد ناداه أولًا بما يؤكد ألوهية الله وربوبيته - سبحانه - لموسى وللعالمين جميعا ليستيقظ انتباهه وتنقشع غفلته، وناداه ثانيًا بما يؤدى الغرض ويحقق المقصود من اصطفائه للرسالة بقوله: وألق العصا التي تحملها في يديك على الأرض تنقلب حية في سرعة حركتها، ثعبانا عظيمًا في ضخامة جثتها وضخامة فمها، آية لك.

وعن الحسن: ما كانت إلا عصا من الشجرة التي اعترضها اعتراضا، وعن الكلبي: كانت عصا من شجرة العوسج التي نودى منها موسى.

وقوله تعالى: {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ} يفصح عن كلام محذوف تقديره: فألقى موسى العصا طاعة لأمر ربه فانقلبت حية في خفتها وسرعة حركتها. وثعبانا في ضخامة جثتها. وعظم حجمها، فلما أبصرها تهتز وتتحرك بهذه الخفة تملاسه الخوف واستبد به الرعب ففر منهزما. ولم يعقب على شيء ولم يرجع وراءه أو يلتفت خلفه من شدة خوفه، وعند ذلك نودى من قبل الله تعالى:{إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ} من المخاوف لأنك رسول الله، وإنه لا يخاف لدى المرسلون.

32 -

{اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ

} الآية.

هذه الآية من جملة ما نودى به موسى. والمعنى: أَدخل يدك في فتحة ثوبك حيث يخرج الرأس، فإن فعلت تخرج بيضاء من غير مرض ولا عيب.

{وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ} في الكشاف: فيه معنيان:

(أحدهما): أن موسى عليه السلام لما قلب الله - تعالى - العصا حية فزع واضطرب فاتقاها بيده، كما يفعل الخائف من الشيء، فقيل له: إن اتقاءك بيدك فيه غضاضة عند الأعداء، فإذا ألقيت العصا فانقلبت حية فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها، ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران: اجتناب ما هو غضاضة عليك، وإظهار معجزة أخرى، والمراد

ص: 1767

بالجناح: اليد لأن يد الإنسان بمزلة جناحي الطائر، وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضد يده اليسرى فقد ضم جناحه إليه.

(الثاني): يراد بضم جناحه إليه تجلده وضبطه لنفسه وتشدده عند انقلاب العصا حية حتى لا يضطرب ولا يرهب، استعارة من فعل الطائر، لأنه إذا خاف نشر جناحيه وأرخاهما ومعنى:{مِنَ الرَّهْبِ} من أجل الرهب، أي: إذا أصابك الرهب عند رؤية الحية فاضمم إليك جناحك. انتهى بتصرف يسير.

وقوله تعالى: {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ

} معنا: فهذان الأمران العجيبان - وهما قلب العصا، وخروج اليد بيضاء - برهانان واضحان، وحجتان نيرتان، مُرْسلان من ربك، واصلان إلى فرعرن وقومه ليرتدعوا عما هم فيه، إنهم كانوا قوما خارجين عن طاعة الله، أحقاء بأن نرسل إليهم هاتين المعجزتين لزجرهم وردهم عن فسقهم وكفرهم، والبرهان معناه: الحجة النيرة من قولهم: أبره الرجل: إذا جاء بالبرهان مأخوذ من: بره، إذا ابيضَّ وتسمى الحجة سلطانا أيضا من السليط، وهو الزيت الذي يتلألأ عند الاتقاد.

{قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34)}

المفردات:

{رِدْءًا} : معينًا يشتد به أمرى.

{يُصَدِّقُنِي} : بإيضاح الحق بلسانه، وبسط القول فيه، ونفى الشبهة عنه.

التفسير

33 -

{قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ} :

أي: قال موسى عليه السلام تعقيبا على تكليفه بالرسالة، وطلبا لما يعينه عليها، ويقويه كل أدائها كما يفهم من قوله - تعالى -:{فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي} ولم يقله استعفاء

ص: 1768

من الرسالة ورفضا - كما زعم اليهود - قال: يا رب إني قتلت من هؤلاء القوم نفسا حين استنصرني الرجل الذي من شيعتي، فإذا تعرضت لهم ورأوني فإني أخاف أن يقتلوني بقتيلهم، ولا معين لي يمنعنى منهم، أو يدفع عني شرهم.

34 -

{وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ} :

أي: وأخى هارون هو أقدر مني على توضيح الحجة ورد الشبهة، وقوة المعارضة - وأنما قال

ذلك لأنه عليه السلام كانت به عقدة في لسانه تضعف تعبيره وتعوق بيانه - فأحتاج إلى من يعيننى ويبلغ حجتى، فأرسل معى أخي هارون ردءا وعونا يساعدني على توضيح الدعوة وإبراز الحجة، ويصدقني، ويخلص بلسانه الحق، ويبسط القول فيه، ويجادل الكفار ويظهر صدقي بتقرير الحجج وتزييف الشبه:{إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ} فلا يسعفنى لساني على محاجتهم ولا يطاوعنى على مقاومتهم، ومعارضة باطلهم.

{قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ}

المفردات:

{سَنَشُدُّ عَضُدَكَ} : سنقويك ونعينك.

{سُلْطَانًا} : تسلطا وغلبة بالحجة والبرهان.

التفسير

35 -

{قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا

} الآية.

استئناف وقع جوابا من الله لسؤال موسى عليه السلام بقوله: {أَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا} أي: قال الله - سبحانه - لموسى: سنعينك ونقربك بإجابة مطلوبك، حيث نشد عضدك بإرسال أخيك هرون معك.

ص: 1769

وشدة عضده كناية عن تقويته لأن الجسد يشتد بشدة العضد - وهو ما بين المرفق إلى الكتف وقوله تعالى: {وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا} معناه: ونجعل لك ولأخيك تسلطا وغلبة عليهم فلا يقوون على تكذيبكم، وتمتنعون عليهم فلا يصلون إليكما باستيلاء أو محاجة.

وقوله تعالى: {بِآيَاتِنَا} يجوز أن يكون متعلقا بـ {نَجْعَلُ} ، أو بـ {لَا يَصِلُونَ} ، والمعنى: أنت يا موسى وأخوك هرون ومن اتبعكما - أنتم - الغالبون بآياتنا، الممتنعون بقوتنا فلا سبيل لفرعون وقومه إلى الوصول إليكما بأذى.

وبهذه العدة من الله اشتد عضد موسى عليه السلام وقوى عزمه، وتسامت همته إلى مواجهة طغيان فرعون وملئه، وتحطيم إلاهيته، كما تمت نعمة الله على هرون بإرساله، بفضل طلب موسى لذلك من ربه، ولهذا قال بعض السلف: ليس أحد أعظم منة على أخيه من موسى على هرون عليهما السلام فإنه شفع فيه حتى جعله الله نبيا ورسولا معه إلى فرعون وملئه.

{فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (36)}

المفردات:

{بَيِّنَاتٍ} : واضحات الدلالة على رسالة موسى. {مُفْتَرًى} :. مختلفا لم يحدث قبل هذا مثله، أو سحر تفعله أنت ثم تكذب به على الله. {الْأَوَّلِينَ}: السابقين.

التفسير

36 -

{فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ

} الآية.

أي: فلما جاء موسى بآيات الله ومعجزاته الواضحات أنكرها فرعون ومَلَؤه، وكذبوها، وقالوا: ما هذا الذي جئت به إلَاّ سحر مختلق لم يفعل مثله قبله، أو سحر تفعله أنت من عند نفسك ثم تفتريه على الله وتكذب، وزادوا في العناد والكفر والإنكار فقالوا: وما سمعنا بهذه النبوة التي تدعيها في آبائنا السابقين علينا، ولا وقع فيهم مثل هذا القول.

ص: 1770

{وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (37)}

المفردات:

{عَاقِبَةُ الدَّارِ} : هي العاقبة والنهاية المحمودة لقوله تعالى: {لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} . و {الدَّارِ} هي: الدنيا.

التفسير

37 -

{وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى

} الآية.

تتعلق بهذه الآية مباحث:

أولًا: أن موسى عليه السلام يعني نفسه بقوله: {مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ} .

ثانيا: أن السياق يقتضي عدم العطف بالواو لأن الموقع موقع سؤال وجواب، ولكنه جاة عطفا بالواو على قولهم: ما هذا إلا سحر مفترى ليوازن الناظر بين القولين، ويتبصر فساد أحدهما وصحة الآخر.

ثالثا: أن الآية جرت على أسلوب التشكيك والتعمية استجهالًا لهم على حد قوله: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} .

والمعنى: قال موسى عليه السلام ردا على قولهم: {مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى} ربي أعلم منكم بحال من أهله للدعوة إلى الهدى والفلاح الأعظم حيث جعله نبيا وبعثه بالهدى، ووعده العاقبة المحمودة في الدنيا، وعاقبتها أن يختم للإنسان فيها بما يفضى به إلى الجنة بفضل الله وكرمه.

ووجه اختصاص العاقبة بالعاقبة المحمودة دون مطلق العاقبة: أنها هي التي دعا الله إليها عباده، وحضهم عليها، وهيأ فيهم العقول التي ترشدهم إليها، وقال عنها:{وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} .

ص: 1771

وقوله تعالى: {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} : تنزيه لله - تعالى - أن يرسل الكاذبين، أو ينبئ الساحرين، أو يفلح عنده الظالمون فيفوزون بمطلوب، أو ينجون من محذور.

{وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38)}

المفردات:

{الْمَلَأُ} : الأشراف وذوو الرأي. {أَوْقِدْ} : أشعل النار.

{صَرْحًا} : قصرا عاليا وبناء شامخا.

التفسير

38 -

{وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي

} الآية.

بعد أن جمع فرعون السحرة وتصدى للمعارضة، وكذب موسى وسمع إجماع قومه على التكذيب قال في تيه وشموخ مخاطبًا أشراف قومه: يأيها الملأ ما علمت لكم من إله غيرى مما يدعيه موسى ويدعو إليه، نفي علمه بإله غيره دون أن ينفى وجود الإله، حيث لم يقل: ليس لكم إله غيرى، يريد بذلك: أنه لو كان لهم إله غيره لعلمه، وهو بذلك يحاول أن يخلع على نفسه خلق الإنصاف في الحكم، ولهذا رتب عليه قوله:{فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ} والواقع أنه كاذب؛ فإن ألوهية الله - تعالى - لعباده لا يمكن أن تخفى على مثله، وهذا ما يشهد به قوله تعالى حكايته عن موسى عليه السلام:{لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ} .

ومعنى: {فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ} : أشعل النار على الطين شديدة قوية ليتحول إلى آجُر، فيكون أقوى في البناء، فإذا استحال الطين آجُرا فابْنِ قصرا عاليا، وبناء شامخا

ص: 1772

لأصعد عليه فأطلع إلى إله موسى الذي يدعيه، ويدعو له، وكأنه يوهم قومه أنه لو كان كما يقول موسى لكان جسما في السماء يمكن الصعود إليه، والاطلاع عليه، وإني لأظنه من الكاذبين فيما يذكر من أمر الإله وما يدعى من شأن النبوة، ولكن أحب أن أحقق الأمر من طرقه المختلفة حتى لا يكون لديّ ولا لديكم شك في أنه ليس لكم إله غيرى، وهذا منه مبالغة في التمويه، وإغراق في التلبيس واللعب بعقولهم:{فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} .

{وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (41) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (42)}

المفردات:

{بِغَيْرِ الْحَقِّ} : بالباطل؛ لأن الاستكبار بالحق لله وحده. {لَا يُرْجَعُونَ} : - بضم الياء - من الرجع المتعدى إلى المفعول بنفسه، و - بفتحها - من الرجوع الذي لا يتعدى إلى المفعول بنفسه. {فَنَبَذْنَاهُمْ}: طرحناهم ورميناهم. {الْيَمِّ} : البحر.

{أَئِمَّةً} : قادة ودعاة. {لَعْنَةً} : طردا وإبعادا عن الرحمة.

{الْمَقْبُوحِينَ} : المشوهين الموسومين بعلامات منكرة قبيحة.

التفسير

39 -

{وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ

} الآية.

المعنى: واستكبر فرعون اللعين وجنوده في أرض مصر، واستعلوا وتعاظموا على الإيمان باللهِ، والتصديق برسالة موسى استكبارا باطلا بغير أهلية ولا استحقاق؛ لأن رؤية العظمة

ص: 1773

للنفس على الخصوص دون غيرها لا تكون حقا إلَاّ من الله عز وجل قال الزمخشرى: الاستكبار بالحق إنما هو لله وحده، وكل مستكبر سواه فاستكباره بغير حق، وفي الحديث القدسى:"الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في واحد منهما ألقيته في النار".

وأكثر المفسرين على أن الأرض هي مصر، وقيل: مطلق الجرم المقابل للسماء، وفي التقييد بها زيادة تشنيع عليهم، وتسفيه لعملهم، حيث استكبروا في أسفل الأجرام بغير استحقاق ولا تأهيل، ومعنى قوله تعالى:{وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ} : توهموا أن لا معاد ولا بعث، وأنهم لا يعودون إلينا، ولا يرجعون لنا لملاقاة الجزاء، ومواجهة العذاب.

والتعبير عن اعتقادهم بالظن إما على ظاهره، وإما تحقير لهم، وسخرية باعتقادهم؛ حيث بنوه على الأوهام.

40 -

{فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} :

أي: فباغتنا فرعون وجنوده فأخذناهم فنبذناهم وطرحناهم في البحر، ورميناهم فيه رمي البقايا التالفة والمخلفات التافهة، وفيه فخامة وتعظيم لشأن الآخذ، واستحقار شديد للمأخوذين وكأنه أخذهم مع كثرتهم وطرحهم في اليم كما يأخذ الإنسان شيئًا عديم القيمة فيرميه.

{فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} أي: فتأمل يا رسول الله وانظر كيف انتهت عاقبة هؤلاء الطغاة وكيف استحال تجبرهم وكفرهم، وبَيِّنْ هذا لقومك وللناس ليعتبروا ويتدبروا.

41، 42 - {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (41) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ}:

المعنى: خلقناهم وصيرناهم في عهدهم قدوة للضلال يدعون إلى موجبات النار في الدنيا من الكفر والمعاصي، ويوم القيامة لا ينصرون من أحد بدفع العذاب أو تخفيف ويلاته عنهم بوجه من الوجوه.

وأتبعناهم في هذه الدنيا التي فتنتهم وصرفتهم عن اتباع الهدى - أتبعناهم - لعنة وطردًا وإبعادا عن الرحمة، أو أتبعناهم لعنًا من اللاعنين الذين يجرى ذكرهم على ألسنتهم، حيث لا تزال الملائكة تلعنهم والمؤمنون خلفا عن سلف.

ص: 1774

{وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ} أي: وهم فوق لعنتهم في الدنيا، يوم القيامة من المطرودين المبعدين، أو من المهلكين المشوَّهين، فيجمع لهم بذلك خزى الدنيا وذل الآخرة، روى ابن عدى والطبراني عن ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم قال:"خلق الله يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنا وخلق فرعون في بطن أمه كافرا".

{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43)}

المفردات:

{الْكِتَابَ} : التوراة. {الْقُرُونَ الْأُولَى} : هم أقوام نوح، وهود، وصالح، ولوط عليهم السلام {بَصَائِرَ لِلنَّاسِ}: أنوارا لقلوبهم.

التفسير

43 -

{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ

} الآية.

هذه الآية والآيات بعدها تشعر - بتصدرها بالقسم والتوكيد - بأنها بداية حديث عن موسى عليه السلام مع أن السورة من أولها تحكى قصته، والذي يفهم من هذا الأسلوب - والله أعلم - أنه إثارة للانتباه بعد أن طال الكلام عن القصة، وتجديد للتشويق، ومدخل إلى التصديق برسالة سيدنا محمَّد عليه الصلاة والسلام بما يخبر به من غيبيات في قصة موسى لم يكن شاهدها ولا علم له بها من قبل.

والمعنى: ولقد آتينا موسى التوراة، وأنزلناه مفصل الأحكام، من بعد ما أهلكنا القرون السابقة عليه من أقوام نوح وهود وصالح ولوط عليهم السلام.

والتعرض لبيان كون إيتاءِ التوراة بعد إهلاك الأمم السابقة للإشعار بأنها نزلت بعد مساس الحاجة إليها، وضرورة نزولها لهداية الناس، وردهم إلى العبادة، وذلك تمهيد لما يعقبه من بيان الحاجة الملحة إلى إنزال القرآن الكريم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن إهلاك

ص: 1775

القرون الأُولى من موجبات اندراس معالم الشرائع المؤدى إلى اختلال نظام العالم وفساد أحواله، وذلك يستدعى تشريعا جديدا يرد الناس إلى جادة الصواب، ويرشدهم إلى السلوك القيم، ولهذا قال:{بَصَائِرَ لِلنَّاسِ} أي: أنوارا لقلوبهم، تبصر بها الحقائق، وتميز بين الحق والباطل، حيث كانت من طول ما تغشَّاها من الجهل عمياء عن الفهم والإدراك؛ فإن البصيرة نور القلب، كما أن البصر نور العين.

والمراد بالناس أُمة موسى عليه السلام ومن أُنزل إليهم التوراة لترشدهم إلى الاستقامة وحسن السلوك، وما تتضمنه من تأييد بعثة محمَّد صلى الله عليه وسلم وحقية رسالته.

وقوله تعالى: {وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} :

معناه: هدى إلى شريعة الله التي هي الطريق الموصلة إلى الله عز وجل ورحمة ينال من عمل بها ثوابه وحسن جزائه ليكونوا على حال يرجى منه التذكر والاعتبار، فمعنى: لعل هنا؛ التعليل، حكى الواقدى عن البغوى أنه قال: جميع ما في القرآن من لعل للتعليل إلَاّ {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} فإنها للتشبيه، والمشهور أنها للترجى.

{وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوعَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46)}

المفردات:

{الْغَرْبِيِّ} : الجبل الغربى، أو المكان الغربي الذي وقع فيه الميقات.

ص: 1776

{إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ} : إذ عهدنا إليه وأحكمنا أمر نبوته بالوحى.

{الشَّاهِدِينَ} : الحاضرين للوحى من جملة السبعين المختارين للميقات.

{أَنْشَأْنَا قُرُونًا} : خلقنا بين زمانك وزمان موسى قرونا كثيرة.

{فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ} : تمادى وتباعد عليهم الزمن.

{ثَاوِيًا} : مقيمًا. {الطُّورِ} : الجبل. {لِتُنْذِرَ} : تخوف وتحذر.

التفسير

44 -

{وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ} :

هذه الآية وما بعدها شروع في التنبيه إلى نبوة محمَّد صلى الله عليه وسلم وفي بيان أن إنزال القرآن واقع في زمان مساس الحاجة إليه، واقتضاء الحكمة له البتة. وقد صدر بتحقيق كونه وحيا صادقا من الله عز وجل ببيان أن الوقوف على ما تناول من أخبار، وما فصَّل من أحوالا لا يتسنى إلَاّ بالمشاهدة أو بالتعلم ممن شاهدها على أُسلوب قوله تعالى:{وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} .

والمعنى: وما كنت بجانب الجبل الغربى، أو المكان الغربي الذي وقع فيه الميقات {إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ} وعهدنا إليه، وأحكمنا أمر نبوته بالوحى وإنزال التوراة، وما كنت من جملة الشاهدين الحاضرين الوحى، وهم السبعون المختارون للميقات، المنوه عنهم بقوله تعالى:{وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا} ما كنت من الشاهدين ذلك حتى تشاهد ما جرى من أمر موسى ونزول ألواح التوراة عليه فتخبر بذلك.

ويصح أن يكون المعنى: وما كنت من الشاهدين بجميع ما أعلمناك من شأن موسى، وأخبرت به فهو نفي لشهادته عليه الصلاة والسلام جميع ما جرى لموسى فكان عموما بعد خصوص.

45 -

{وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوعَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} :

هذه الآية استدراك لتأكيد المعنى السابق في الآية قبلها.

ص: 1777

والمعنى: ولكنا خلفنا بين زمانك وزمان موسى قرونا وأممًا كثيرة تمادى وتباعد عليها الزمن، فتغيرت الشرائع، وتبدلت الأحكام، وعممت عليهم الأنباءُ، لا سيما ما كان منهم في آخر هذه الأزمان من الذين أنت فيهم، فاقتضت حكمته - تعالى - التشريع الجديد وقصَّ الأنباء على ما كانت عليه، فأوحينا إليك، وقصصنا عليك ما لم تكن شاهده ولا قريبا من زمانه، تصديقا لنبوتك وتحقيقا لرسالتك.

{وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ} أي: ما كنت مقيما في أهل مدين وقوم شعيب حتى يكون علمك بما تقصه وما تتلوه من آياتنا الناطقة بما كان لموسى عليه السلام معهم، وبما كان لهم معه عن طريق إقامتك فيهم تتسمع منهم، وتتعلم هذه الأخبار عنهم، ثم تتلوها عليهم {وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ}: ولكن ذلك بإرسالنا لك ووحينا إليك.

46 -

{وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} :

المعنى: كما لم تكن بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر، ولم تكن ثاويا في أهل مدين، لم تكن كذلك ولم تحضر بجانب الطور وقت ندائنا موسى: إني أنا الله رب العالمين، واستنبائنا إياه، وإرسالنا إياه إلى فرعون. {وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} أي: ولكن أرسلناك بالقرآن الكريم الناطق ذكر وغيره رحمة من ربك لقومك، وهداية لهم بما تدعوهم إليه من نبذ عبادة الأصنام إلى عبادة الله وحده، وتهذيب سلوكهم، وتقويم عوجهم حتى تطهير الأرض من فسادهم، وتنجلي عن بصائرهم غشاوات الجهل، وأدران الكدر والضلال، كما أرسلناك لتنذر قوما عربا وغير عرب طال عليهم أمد الجهل، وامتد بهم زمان الضلال، ما آتاهم من نذير من قبلك ينذرهم، ويخوفهم عواقب أمورهم.

قال العلامة ابن حجر في المنح المكية: من المقرر أن العرب لم يرسل إليهم رسول بعد إسماعيل عليه السلام وأن إسماعيل انتهت رسالته بموته.

ونزيد على ذلك: أن إسماعيل أرسل إلى العرب العاربة، أما العرب المستعربة التي نشأت بعد إسماعيل من ذريته، فلم يرسل إليهم سوى محمَّد صلى الله عليه وسلم ولذا قال الله - تعالى - في سورة يس:{لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُون} .

ص: 1778

وقوله - تعالى -: {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} :

معناه: فعلنا هذه الأمور كلها ليكون لهم منها تذكر وعظة واعتبار فيرجعوا عن كفرهم، ويقلعوا عن إصرارهم وعنادهم.

{وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47)}

المفردات:

{مُصِيبَةٌ} : عقوبة ونقمة. {لَوْلَا أَرْسَلْتَ} : هلا أرسلت.

التفسير

47 -

{وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ

} الآية.

الكلام عن الرسالات السماوية وعن إرسال الرسل خليق أنا يثير في نفس السامع تساؤلا عن الدوافع والأسباب المقتضية لذلك، وجاءت هذه الآية إجابة عن هذا التساؤل، توضح أن الحكمة السامية في إرسال الرسل قطع أعذار المشركين والعصاة، وإلزامهم الحجة حتى لا يكون لهم اعتذار إذا واجهوا مصيرهم ولاقوا جزاءهم، والآية وإن كانت تشير إلى الحكمة في إرسال محمَّد صلى الله عليه وسلم إليهم، لكنها تشير إلى مثلها في جميع الرسالات.

والمعنى: ولولا أن تصيب المشركين من قريش وغيرهم من الكفار عقوبة، أو تحل بهم نقمة بسبب ما يقترفون من الكفر، وما يرتكبون من المعاصي، فيقولوا معتذرين عن إتيانها: فعلنا ذلك جهلًا، يا ربنا هلَّا أرسلت إلينا رسولًا يرشدنا إلى خير ما نفعل، ويوجهنا إلى السلوك السوي فنتبع آياتك الظاهرة على يديه، ونسير في أفعالنا على هديه، ونكون من المؤمنين بما جاء به فلا نفعل ما فعلناه.

ص: 1779

لولا أن هذا يمكن أن يقولوه عند عقوبتهم على جناياتهم التي قدموها ما أرسلناك، لكن لما كان قولهم ذلك محققًا لا محيد عنه أرسلناك قطعا لأعذارهم.

{فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (48)}

المفردات:

{الْحَقُّ} : القرآن المنزل على سيدنا محمَّد صلى الله عليه وسلم أو الرسول المصدق بالقرآن.

{تَظَاهَرَا} : تعاونا بتصديق كل منهما الآخر.

التفسير

48 -

{فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} :

أي: فلما جاء هؤلاء القوم من أهل مكة الموجودين عند بعثة سيدنا محمَّد صلى الله عليه وسلم لما جاءهم القرآن الحق وهو المنزل على محمَّد صلى الله عليه وسلم قالوا تعنتا واقتراحا: هلا أوتي محمَّد مثل ما أوتي موسى من التوراة المنزلة جملة، ومن المعجزات الأخرى كقلب العصا حية وفلق البحر، وغير ذلك، قالوا هذا كما قالوا:{لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ} (1).

وقوله - تعالى -: {أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} رد عليهم وإظهار لتعنتهم، وبعدهم عما يرشدهم إلى الحق.

(1) سورة هود، من الآية:12.

ص: 1780

والمعنى: أولم يكفر أمثالهم، ومن مذهبهم كمذهبهم في الكفر والعناد بما أوتي موسى؟

وعن الحسن رحمه الله كان للعرب أصل في أيام موسى، فيكون المعنى على هذا: أولم يكفر آباؤهم المعاصرون لموسى، وقوله:{مِنْ قَبْلُ} متعلق بـ {يَكْفُرُوا} أي: أولم يكفروا من قبل هذا القول؟ أومن قبل هؤلاء الكفار؟ قالوا: سحران تظاهرا وتعاونا: سحر موسى وسحر هارون.

ونحن نرجح أن الذين كفروا بما أوتي موسى من قبل وقالوا: سحران تظاهرا، هم أهل مكة، روى أن أهل مكة بعثوا رهطا منهم إلى رؤساء اليهود في عيد لهم فسألوهم عن شأن محمَّد عليه الصلاة والسلام فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الرهط وأخبروهم بما قالت اليهود قالوا ذلك، وقالوا: إنا بكل من الكتابين - القرآن والتوراة - كافرون، قالوا ذلك تأكيدا لكفرهم لغاية عتوهم وتماديهم في العناد والطغيان، وقرئ:{سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} يعنون موسى ومحمد صلى الله عليه وسلم.

{قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (49) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)}

المفردات:

{أَهْدَى} : أقوى في الهداية.

{مِنْهُمَا} : من القرآن والتوراة.

ص: 1781

التفسير

49 -

{قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} :

أي: قل يا رسول الله لهؤلاء المشركين: إذا كان القرآن والتوراة سحرين متظاهرين فأتوا بكتابٍ من عند الله أقوى منهما في الهداية، فإن تأتوا به أتبعه وأصدقه، وأمضي على هديه، وهذا الشروط مما يأتي به من يشير إلى وضوح حجته وسنوح محجته؛ لأن الإتيان بما هو أهدى من الكتابين أمر بيّن الاستحالة، فيوسع دائرة الكلام للتبكيت والإفحام.

وقوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} معناه: إن كنتم صادقين في أنهما سحران مختلقان تظاهرا، وإيراد الجملة بأسلوب التشكيك مع استحالة صدقهم مزيد تهكم بهم.

50 -

{فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ

} الآية.

أي: فإن لم يستطيعوا أن يفعلوا ما كلفتهم به من الإتيان بكتاب هو أهدى من القرآن والتوراة - ولن يستطيعوا ذلك ولن يقابلوه - فاعلم أنهم إنما يتبعون آهواءهم الزائغة، ويصرون على موقفهم عنادا وكفرا من غير أن يكون لهم مُتَمسك ما أصلا، إذ لو كان لهم لأتوا به.

وإنما عبر عن عجزهم عن الإتيان بعدم الاستجابة إيذانا منه صلى الله عليه وسلم بأنه على كمال أمنٍ من أمره - كأن أمره صلى الله عليه وسلم لهم بالإتيان بما ذكر دعاء لهم إلى أمر يريد وقوعه.

{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} :

أي: لا أحد أضلُّ ممن أَتبع هواه، واستبد برأيه بغير هدى من الله، فهو أضل من كل ضال.

وتقييد اتباع الهوى بغير الهدى من الله - تعالى - لزيادة التقريع، والإشباع في التشنيع والضلال.

{إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} : الذين ظلموا أنفسهم بالانهماك في اتباع الهوى، والإعراض عن الآيات الهادية إلى الحق المبين.

ص: 1782

طبع بالهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية

رئيس مجلس الإدارة

رمزي السيد شعبان

رقم الإيداع بدار الكتب 1679/ 1985

الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية

242 س 85/ 86 - 25.004

ص: 1783

{وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (54) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55) إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}

المفردات:

{وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ} من التوصيل؛ وهو كثير الوصل وتكريره، أي: والينا وأتبعنا تبليغهم القرآن، وقرأ الحسن "وصلنا" قال الرَّاغب (1): أي: أكثرنا لهم القول موصولًا بعضه ببعض.

{يَتَذَكَّرُونَ} يَتعظون ويتدبَّرون.

{وَيَدْرَءُونَ} أي يزدّون ويدفعون، وفي الحديث:"ادرَأَوا الحدود بالشُّبهات" أي: ادفعوها.

{بِالْحَسَنَةِ} : بالطاعة. {السَّيِّئَةَ} المعصية.

{اللَّغْوَ} كل ما ليس بحق، وقال مجاهد: الأذى والسبّ، وفي اللغة: اللَّغو واللَّغا

(1) قال الآلوسي: وأصل التوصيل: ضم قطع الحبل ووصل بعضها ببعض.

ص: 1785

بوزن الفتى: السَّقَط وما لا يعتدُّ به من كلام وغيره (1).

{أَعْرَضُوا عَنْهُ} انصرفوا عنه ولم يشتغلوا به.

{سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} قال القرطبي: أَمْنٌ مِنَّا لكم، وعند الزمخشرى: كلمة توديع ومتاركة لا تحيَّة.

{لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} لا نطلب صحبة الجاهدين ولا نريد مخالطتهم ولا جدالهم.

التفسير

51 -

{وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} :

قال القرطبي: الآية الكريمة ردٌّ على من قال: هلَاّ أُوتى محمد القرآن جملة واحدة مثل ما أُوتي موسى التوراة كذلك؟

والمعنى: ولقد نزلنا القرآن - وعدًا ووعيدًا وقصصًا وعبرا ونصائح - أنزلناه كذلك متواصلًا متتابعًا وفق ما تقتضيه الحكمة لعلهم يتذكرون ما يجب على كل عاقل من الخضوع للحق متى تبين، والقرآن حق واضح يعرفه كل من نظر فيه وفتح قلبه وعقله، فلو فعلوا لتذكروا وآمنوا.

ولقد ظل القرآن ينزل على الرسول ثلاثة عشر عامًا بمكة يشرح العقيدة ويُعَمِّق الإِيمان في نفس المؤمنين، ويردُّ على شبهات المشركين، وعشر سنوات بالمدينة بعد أن انتقل الرسول إليها وكوّن هناك الدَّولة الإِسلامية الفاضلة التي لم يسمع الزمان بمثلها، وفي المدينة نزلت آيات الأحكام مبينة الدستور الإسلاميَّ للدولة الإِسلامية الأُولى شارحًا أحوال الأُمَّة في السلم والحرب موضِّحًا الآداب الاجتماعية والسلوك السويَّ الذي يجب أن ينهجه المسلمون، ولقد كان القرآن ينزل أحيانًا ردًّا على سؤال أو على شُبَه أهل الكتاب، أو تشريعًا في حادثة فكان ينزل مناسبًا لمقتضى الحال، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله الله أُميًّا، لا يقرأُ ولا يكتب، فلكى ييسر الله حفظه أنزله عليه مفرّقًا ولم ينزله جملة واحدة، وفي ذلك يقول الله تعالى:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} (2).

(1) القاموس ج 4 ص 386

(2)

سورة الفرقان، الآيتان 23:33.

ص: 1786

وفي فضل القرآن وبيان قيمته ومنزلته يقول تعالى:

52 -

{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ} :

أخبر الله سبحانه وتعالى أن بعض الذين أوتوا الكتاب من بني إسرائيل قبل نزول القرآن ومجىء الرسول يؤمنون به وبما نزل عليه من قرآن كعبد الله بن سلام وغيره (1).

قال القرطبي: ويدخل فيه من أسلم من علماء النصارى وهم أربعون رجلًا، قدموا المدينة، منهم اثنان وثلاثون رجلًا من الحبشة مع جعفر بن أبي طالب، وثمانية من الشام وكانوا أئمة النصارى، وأنزل الله فيهم هذه الآية وما بعدها.

53 -

{وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} :

هذه الآية استئناف لبيان ما أوجب إيمانهم.

والمعنى: وإذا يُقرَأُ القرآن على أهل الكتاب من اليهود والنصارى قالوا: صدَّقنا بما فيه إنه الحق من ربنا لأن مثله لا يقوله بشر، إنا كنا قبل نزوله أو قبل بعث محمد عليه الصلاة والسلام مؤمنين بأنه سيُبعث وينزل عليه القرآن، فإيمانهم به متقادم العهد لما شاهدوا ذكره فما الكتب المتقدمة، فالمراد بالإِسلام: الانقياد الظاهرى، أي: إنا كنا - قبل نزول القرآن - مُنقادين لأحكام الله - تعالى - الناطق بها كتابه المنزل إلينا، ومنها وجوب الإِيمان به، فنحن مؤمنون به قبل نزوله على الرسول، ونحن عرفنا محمدًا وكتابه قبل نزوله، فإسلامنا سابق على تلاوته.

54 -

{أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} :

أُولئك الموصوفون بما سبق من النُعُوت يُمْنحون جزاءهم مرتين: مرة على إيمانهم بكتابهم، ومرة على إيمانهم بالقرآن، وذلك بسبب صبرهم وثباتهم على الإيمان بكتابهم، ثم بالقرآن بعد نزوله، أو على الإِيمان بالقرآن قبل النزول وبعده، أو على أذى من هجرهم وعاداهم من أهل دينهم ومن المشركين (2).

(1) الآلوسي.

(2)

الآلوسي.

ص: 1787

قال القرطبي: ثبت في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعرى أن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - قال: - "ثَلاثَةٌ يُؤَتَؤْنَ أجْرَهُم مَّرَّتَينِ: رَجُلٌ من أَهْلِ الْكتَابِ آمن بنبيِّهِ وأَدْرَكَ النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتَّبَعَهُ فله أَجْرَانِ، وعبْدٌ مملُوكٌ أَدَّى حَقَّ الله عز وجل وحقَّ سَيِّده فَلَهُ أجْرَان، وَرَجُلٌ كانت لَهُ أَمَةٌ فغذَّاها فأحسن غذاءَها، ثم أَدَّبها فأحسن أَدبها، ثم أعتقها وتَزَوَّجها فله أَجران" أخرجه مسلم في كتاب الإِيمان، والبخاري بلفظ مختلف.

قال العلماء: وكما أنهم يؤجرون على صبرهم، فإنهم يؤجرون على دفعهم المعصية بالطاعة قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ:"وأتبع السيئة الحسنة تمحها" أو يدفعون بالاحتمال والكلام الحسن الأذى، فهو وصف لهم بمكارم الأَخلاق، أي: من قال لهم سُوءًا لا يَنُوه وقابلوه من الخلق الحسن بما يدفعه، كالإعراض ولين الحديث.

وأثنى عليهم ربهم بأنهم ينفقون من أموالهم التي كسبوها من الحلال في الطاعات وفي سبيل الخير، ويبذلون مما رزقهم الله من كسب طيب فما سبيل الله، ولتخفيف آلام المرضى والمحتاجين.

55 -

{وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} :

أي: يؤتيهم الله أجرهم مرتين على ما تقدم بيانه بن الصفات الكريمة، وعلى إعراضهم عن اللغو، وإذا سمعوا ما قاله المشركون من سَقَطِ القول وبذيئه أعرضوا عنه ولم يشتغلوا به، كما قال - تعالى -:{وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} (1). {وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} : أي قالوا متاركين لهم على سبيل التوديع لا على سبيل التحية: سلام عليكم وَأَمْنٌ منا لكم، فإنَّا لا نحاوركم ولا نُسَابُّكم {لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ}: أي لا نطلب الجاهلين والسفهاءَ للجدال والمراجعة والمشاتمة ولا نريد صحبتهم ومخالطتهم، وهذا تعليل لمتاركتهم.

قال ابن إسحق في السيرة: قدم على رسول الله - صلي الله عليه وسلم - وهو بمكة - عشرون (2) رجلًا أو قريب

(1) سورة الفرقان الآية: 72.

(2)

هذه الرواية تخالف ما حكاه القرطبي من أنهم كانوا أربعين من أئمة النصارى، وتقدمت هذه الرواية.

ص: 1788

من ذلك من النصارى حينما بلغهم خبره عن الحبشة فوجدوه بالمسجد، فجلسوا إليه وكَلَّمُوه وسأَلوه - ورجال من قريش في أندبتهم حول الكعبة - فلما فرغوا من مساءلة رسول الله عمَّا أرادوا دعاهم إلى الله - تعالى - وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع ثم استجابوا لله وآمنوا به، وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام فما نفر من قريش فقالوا لهم: خيَّبكم الله مِنْ رَكْبٍ، بعثكم من وَرَاءَكم مِنْ أهل دينكم ترتادون لهم لتأُتوهم بخبر الرجل فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدَّقْتُمُوه فيما قال، ما نعلم ركبًا أحمق منكم، أو كما قالوا - فقالوا لهم: سلامٌ عليكم، لا نُجاهلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه، لم نَأْلُ أنفسنا خيرًا - ويقال: إنهم النَّفر النَّصارى من أهل نجران، فالله أعلم أيُّ ذلك كان، قال: وسألت الزهري عن هذه الآيات فيمن نزلت؟ قال: ما زلت أسمع من علمائنا أنها نزلت في النجاشي وأصحابه، وكذلك الآيات التي في سورة المائدة:{ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} إلى قوله {فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} اهـ ابن كثير ج 3 ص 394.

56 -

{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} :

المعنى: إنك - أيها الرسول - لا تقدر على هداية قلوب من أحببتهم إلى الحق، بأن تدخلهم في الإِسلام وإن بذلت في ذلك غاية المجهود، وجاوزت في السعى إليه كل حد معهود، ولكن الله يهدى من يشاء هدايته فيدخله في الإِسلام، وهو - سبحانه - أعلم بالمستعدين لذلك وهم الذين يشاء - سبحانه - هدايتهم، ومنهم من ذكرت أوصافهم من أهل الكتاب (1).

وقال الزمخشري: المعنى: إنك لا تقدر أن تُدْخِل في الإِسلام كل من أحببت أن يدخل فيه من قومك وغيرهم؛ لأنك عبد لا تعلم المطبوع على قلبه من غيره، ولكن الله - تعالى - يقدر على أن يُدْخِل من يشاءُ إدخاله، وهو الذي علم - سبحانه - أنه غير مطبوع على قلبه.

وقال الآلوسي: هذه الآية سيقت لتسليته صلى الله عليه وسلم حيث لم ينجع في قومه الذين بحبهم إنذارُه عليه الصلاة والسلام إيَّاهم وما جاء به من الحق، بل أصروا على ما هم

(1) الآلوسي.

ص: 1789

عليه وقالوا: {لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى} ثم كفروا به وبموسى، فكانوا على عكس قوم أجانب من أهل الكتاب، حيث آمنوا بما جاءَه من الحق، وقالوا: إنه الحق من ربنا، ثم صرحوا بتقادم إيمانهم به، وأشاروا بذلك إلى إيمانهم بنبيِّهم وبما جاء به أيضًا، وذلك فيما حكاه الله بقوله:{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ} إلى قوله {إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} (1).

وقال ابن كثير: قد ثبت في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم.

قال الزهري: حدثني سعيد بن المسيب عن أبيه رضي الله عنه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاةُ جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمَيَّة ابن المغيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا عم، قل: لَا إله إلَاّ الله، كلمة أحَاجُّ لك بها عند الله" فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أُمَيَّة: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه -، وَيَعُودان له بتلك المقالة، حتى كان آخر ما قال هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلَاّ الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عن ذلك"، فأنزل الله - تعالى -:{مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} (2). وأُنزل في أبي طالب: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} وخالف في ذلك الشيعة، وقالوا بإيمانه، وادعوا إجماع أئمة أهل البيت على ذلك.

(1) سورة القصص، الآيتان: 52، 53.

(2)

سورة التوبة، الآية:113.

ص: 1790

{وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58) وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوعَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59) وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (60) أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ}

المفردات:

{نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا} أي نُخرج من أرضنا ومقرِّنا، أَو يبطش بنا أعداؤنا. قال الآلوسى: وأصل الخطف؛ الاختلاس بسرعة، فاستعير لما ذكر.

{أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا} : أي أولم نهيِّء لهم في الأرض حرمًا مكينًا ونمنعهم فيه من العدوان. {يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} : يحمل إليه ويجمع فيه من كل جانب وجهة؛ عن ابن عباس وغيره.

ص: 1791

{بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} : اغتر أصحابها ولم يقوموا بحق النعمة، من البطَرِ، وهو: جحود النعمة وكفران الفضل. وفي القاموس: البَطَرُ: الأَشَرُ وقلَّة احتمال النعمةِ، أو الطغيان بها، وفعله: كَفَرِح (1). أهـ.

{أُمِّهَا} في القاموس؛ أُمُّ كل شيء: أصله وعماده وأُمُّ القرى: مكَّةُ؛ لأَنها توسَّطت الأرض، أو لأنَّها قبلة الناس يؤُمُّونها.

{لَاقِيهِ} : مدركٌ له، ظافر به.

{الْمُحْضَرِينَ} : الذين يُحْضَرُون مرغَمين للعذاب، وفي القاموس: حضر - كنصر وعلِم - حضورًا، ضد غاب (كاحتضر وتحضر).

التفسير

57 -

{وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا

} الآية.

هذا قول بعض مشركى مكة (2)، قال ابن عباس: قائل ذلك من قريش: الحارث ابن عثمان بن نوفل بن عبد مناف القرشيّ، قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لنعلم أن قولك حق، ولكن يمنعنا أن نتبع الهدى معك ونؤمن بك مخافةَ أن يتخطَّفنا العرب من أرضنا - يعني مكة - لاجتماعم على خلافنا ولا طاقة لنا بهم، وهذا من تَعِلاتِهم الكاذبة، وأعذارهم الباطلة، وحججهم الواهيةِ. وفيه ما فيه من اعترافهم بأن ما مع محمد عليه السلام هو الهدى، وتسجيلهم على أنفسهم أنه ما صدّهم عن الإِيمان به إلا خوفهم على مصالحهم وفزعهم من ثورة العرب عليهم إذا أسلموا، وقد أجاب الله عن تعللهم هذا بقوله:

{أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا} : أي أو لم نعصمهم ونثبت أقدامهم ونجعل مقرهم حرما أمينا لحُرمة البيت الحرام الذي تتناحر العرب حوله، ولا تجتريء على القتال فيه، وكانت العرب في الجاهلية يغير بعضهم على بعض لأوهى الأسباب، وأهل مكة آمنون في حرمهم لا يخافون، ومع أنهم قارُّون بواد غير ذي زرع فإن الثمرات والأرزاق تجمع لهم من كل صوْب ويحملها الناس إليهم من كل حدب،

(1) قاموس ج 4 ص 374.

(2)

انظر القرطبي الكشاف.

ص: 1792

وكان هذا كده رزقًا من عند الله لا فضل فيه إلا لله وحده، فإذا ما خوّلهم لله الأمن والأمان والاستقرار والاطمئنان والرزق الواسع بحرمة البيت وحدها وهم كفرة عبدة أصنام، فكيف يستقيم أن يُعرِّضهم للتخوف والتخطف، ويسلبهم الأمن إذا ضمُّوا إلى حرمة البيت حرمة الإِسلام؟.

قال يحيى بن سلام: يقول: كنتم آمنين في حرمي تأْكلون رزقى، وتعبدون غيري أفتخافون إذا عبدتموني، وآمنتم بي؟

{وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} : جهلة لا يتفطنون ولا يتفكرون فهم غافلون عن الاستدلال بأَنَّ مَنْ رزقهم وأَمَّنهم فيما مضى حال كفرهم يرزقهم لو أسلموا ويمنع الكفار عنهم.

58 -

{وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} :

بيَّن الله في الآية السابقة فساد دعواهم الخوف من الناس إن آمنوا، وبيَّن في الآية أَنهم أحِقَّاء بالخوف من بأس الله الذي يشاهدونه بأعينهم كلما ساروا بقوافلهم على آثار من هلك قبلهم، وبقايا وخرائب المدن والقرى التي جحدت آلاء ربها وكفرت بأنبيائها كما يكفرون بنبيهم، فعذبهم الله بكفرهم وذكَّرهم فيها بأن ما حدث في الماضى لغيرهم يمكن أَن يقع لهم في الحاضر والمستقبل وحينئذ يتبين أن الخوف في الكفر لا في الإيمان.

أي: وكثير من أهل القرى كانت حالهم كحال هؤلاء في الأمن وخفض العيش والدَّعة والاطمئنان حتى بطروا واغترُّوا ولم يقوموا بحق النعمة من الشكر عليها بالإيمان، فدمَّرنا عليهم وخربنا ديارهم، وتلك مساكنهم التي تمرُّون عليها في أسفاركم كحجر ثمود خاوية بما ظلموا، لم تسكن من بعد تدميرهم إلَاّ زمانًا قليلًا؛ إذ لا يسكنها إلا المارة أثناء سفرهم يومًا أو بعض يوم.

59 -

{وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} :

قال الآلوسي: هذه الآية الكريمة فيها بيان للعناية الربانية إثر بيانا إهلاك القرى المذكورة.

ص: 1793

والمعنى: ما صحَّ وما استقام، أو ما كان في حكمه الماضي وقضائه السابق أن يُهْلِك القرى قبل الإنذار، بل كانت سنته عز وجل التي لا تتخلف ودستوره الذي لا يتغير ألَّا يهلكها حتى يبعث في أصلها وحاضرتها التي ترتجع تلك القرى إليها رسولًا يتلو عليهم آياتنا الناطقة بالحق ويدعوهم إليه بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد ويوضح لهم المنهج، وإنما أهلكهم بعد إلزامهم الحجَّة بإرسال الرسول كيلا يقولوا:{لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ} (1). وتحقيقًا لوعده الذي لا يتخلف: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} (2).

{وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} : أي وما كنا مهلكى أهل القرى بعد ما بعثنا في أُمِّها رسولًا يدعوهم إلى الحق ويرشدهم إليه في حال من الأحوال إلا في حال كونهم ظالمين بتكذيب رسولنا والكفر بآياتنا، فاعتبروا - يا كفار مكة - بما حدث لمن كان قبلكم، وما يمكن أن ينزل بكم.

وإنما كان البعث في أُم القرى لأَن في أهل البلدة الكبيرة فطنة وكَيْسا، فهم أقبلُ للدعوة وأَشرف، وفي إيمانهم عون على إيمان غيرهم.

60 -

{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ} :

بيَّن الله في الآيات السابقة فساد رأْى المشركين في رفضهم الإسلام خوفًا على أنفسهم بقولهم: {إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا} وجاءت هذه الآية لتبين حقارة الدنيا وما فيها من الزينة الدنيئة والزهرة الفانية بالنسبة إلى ما أعده الله لعباده الصالحين في الدار الآخرة من النعيم العظيم المقيم.

(1) سورة القصص من الآية: 47

(2)

سورة الإسراء، الآية: 15

ص: 1794

والمعنى: أي شيءٍ أصبتموه من أُمور الدُّنيا وزينتها فشأْنه أن يتمتَّع به أيَّامًا قلائل ثم يزول عنكم أو تزولون عنه، وما عند الله في الجنة من الثواب خير في نفسه من ذلك؛ لأَنَّه لذَّة خالصة عن شوائب الأَلم، وبهجة كاملة عارية عن سمات الهمّ، وأبقى؛ لأنه أبَدِىّ، أَغفلتم فلا تعقلون هذا الأَمر الواضح وتستبدلون الذي هو أدنى بالذى هو خير وتخافون على ذهاب ما أَحببتموه من متاع الحياة الدنيا، وتمتنعون من اتباع الهدى المفضى إلى ما عند الله من سعادة أبدية؟

61 -

{أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ} :

هذه الآية الكريمة تقرير وتوضيح لما قبلها، ومعناها - كما قال ابن كثير -: أفمن هو مؤْمن فصدّق بما وعده الله على صالح الأَعمال من الثواب الذي هو صائر إليه لا محالة؛ لأن وعده - تعالى - لا يتخلف، كمن هو كافر مُكذِّب بلقاء الله ووعده ووعيده فهو مُمتَّع في الحياة الدنيا أيَّامًا قلائل ثم هو يوم القيامة من المُحضرين، أي: من المعذبين - كما قال مجاهد وقتادة.

وفي سبب نزولها قال ابن عباس: نزلت في حمزة بن عبد الطلب وأبي جهل بن هشام.

وقال مجاهد: نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وأبي جهل، وعمَّم الثعلبي فقال: نزلت في كل كافر مُتِّعَ في الدنيا بالعافية والغنى وله في الآخرة النار، وفي كل مؤْمن صبر على بلاء الدنيا ثقة بوعد الله وله في الآخرة الجنة.

ص: 1795

{وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (62) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (63) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (64) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (66) فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (67) وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (69) وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70)}

المفردات:

{حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ} : تحقق مؤَدى القول على الشياطين والدعاة إلى الكفر، والمراد بالقول: آيات الوعيد، كقوله تعالى:{لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} (1).

{أَغْوَيْنَا} : أضْللنا بأن دعوناهم إلى الغي وهو الضلال، وغوى يغوي غيًّا: ضَلَّ.

(1) سورة السجدة، من الآية: 13

ص: 1796

{تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ} : تَتَبْرأَ بعضنا من البعض، فالشياطين يتبرءون ممن أطاعهم، والرؤساءُ يتبرءُون ممن تبعهم.

{فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ} : خفيت عليهم الحجج خفاء المرئي على الأعمى.

{لَا يَتَسَاءَلُونَ} : لا يسأل بعضهم بعضًا عن الححج.

{مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} : قال الآلوسي: الخيرة، التخيُّر، كالطيرة بمعنى التَّطُّير، والخِيَرَةُ والتَّخَيُّرُ: الاختيار.

{مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ} : ما يخفون في صدورهم من الاعتقادات الباطلة وعداوتهم للرسول.

{وَمَا يُعْلِنُونَ} : ما يظهرونه من الأَفعَال الخبيثة والطعن في الإِسلام.

{لَهُ الْحَمْدُ} : لله وحده القضاءُ النافذ في كل شيءٍ من غير مشاركة فيه لغيره.

التفسير

62 -

{وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} :

لا يزال الحديث متَّصلًا عن أحداث يوم القيامة، ففي هذه الآية إشارة إلى ما يوبخ الله به الكفار المشركين في هذا اليوم حيث يناديهم ويسأَلهم فيقول:{أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} : أي أين الآلِهَةُ التي كنتم تعبدونها في الدار الدنيا من الأصنام أو غيرها ليدافعوا عنكم وليشفعوا فيكم؟ والتعبير بشركائي، تقريع لهم على زعمهم، وفيه تهكم بهم. والتعبير بلفظ:{تَزْعُمُونَ} للإِشارة إلى كذبهم، فقد قيل:"زعموا" مطية الكذب.

63 -

{قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ} :

الآية الكريمة استئناف مبنى على سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا صدر عنهم من قول حينئذ؟ فقيل: قال الذين حق عليهم القول وهم شركاؤهم من الشياطين، أو رؤساؤهم الذين اتخذوهم أربابًا من دون الله، بأن أطاعوهم في كل ما أمروهم به ونهوهم عنه:

ص: 1797

{رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا} :

أي: ما أكرهناهم على الغَيِّ، وإنما أغويناهم بطريق الوسوسة، والتَّسْويل لا بالقَسر والإِلجاء، فغووا باختيارهم غيًّا مثل غَيِّنا باختيارنا، تبرأْنا إليك منهم ومما اختاروه من الكفر والمعاصي هوى منهم للباطل ومقْتًا للحق، ما كانوا يعبدوننا وإنما كانوا يعبدون أهواءهم ويطيعون شهواتهم، ومسارعة الذين حق عليهم القول إلى الجواب مع كون السؤال لِلْعَبَدةِ، إمَّا لتفطنهم أن السؤال عنهم لاستحضارهم وتوبيخهم بالإِضلال وجزمهم بأن الْعبَدَة سيقولون: هؤلاء أضلُّونا، وإمَّا لأن العَبدة قد قالوا: إنهم أضلُّونا، فاعتذر هؤلاء المعبودون بما قالوه ردًّا لقولهم، إلا أن القرآن لم يَحْك قول العبدة إيجازا لظهوره.

ومرادهم بالإشارة في قوله {رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا} : بيان أنهم يقولون ما يقولون بمحضر منهم، وأنَّهم غير قادرين على إنكاره ورده.

64 -

{وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ} :

وقيل للكفار تقريعًا لهم، وتهكمًا وتشهيرًا بهم على رءُوس الأشهاد بدعاء من لا نفع فيه لنفسه - قيل للكفار -: استعينوا بآلِهتكم التي عبدتموها في الدنيا لتنصركم، وتدفع عنكم كما كنتم ترجون منهم ذلك في الدار الدنيا، فاستغاثوا بهم، فلم يجيبوهم ولم ينتفعوا بهم، ضرورة عدم قدرتهم على الاستجابة والنصرة ولأنهم في شغل شاغل عنهم، وتيقنوا أنهم صائرون إلى النار لا محالة، ولو أنهم كانوا يهتدون لوجه من وجوه الجيل يدفعون به العذاب لدفعوا به العذاب، أو: لو أنهم كانوا مهتدين مؤمنين لما رأوه.

قال الزمخشري. حكى سبحانه وتعالى أولًا ما يوبخهم به من اتخاذهم له شركاء، ثم ما يقوله الشياطين أو أئمتهم عند توبيخهم؛ لأنهم إذا وُبِّخُوا بعبادة الآلهة اعتذروا أن الشياطيبن هم الذين استفزوهم وزينوا لهم عبادتها، ثم ما يشبه الشماتة بهم من استغاثتهم ألهتهم، وخذلانهم لهم وعجزهم عن نصرتهم، ثم ما يبكتون به من الاحتجاج عليهم بإرسال الرسل وقطع الحجة، وإبطال المعاذير في قوله تعالى:

ص: 1798

65 -

{وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} :

أي: واذكر - أيها الرسول - كذلك يوم يُنَادى المشركون من جانب الله تعالى - نداءَ توبيخ، فيُقال لهم: بأَي شيء أجبتم رسلي الذين بعثتهم لإرشادكم ودعوتكم للإيمان والتوحيد فبلغوا الرسالة وأدوا الأمانَة وكيف كان حالكم معهم؟

66 -

{فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ} :

أي: فخفيت عليهم الحجج وغابت، قال مجاهد: لأن الله قد أدحض حججهم، وقال الزمخشري: لا يسأل بعضهم بعضًا كما يتساءَل الناس في المشكلات لأنهم يتساوون جميعًا في عمى الأنباء عليهم والعجز عن الجُواب، وإذا كان الأنبياءُ - لهول ذلك اليوم - يترددون في الجواب عن مثل هذا السؤال لعجزهم ويفوضون الأمر إلى علم الله، وذلك قوله تعالى:{يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} (1). فما ظنك بالضُّلَّالِ من أُممِهم؟.

67 -

{فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ} :

لما ذكر الله سبحانه وتعالى من حق عليهم القول من التابع والمتبوع قال سبحانه وتعالى، حثا لهم على التوبة والإقلاع عن الشرك -: فأما من تاب من المشركين عن الشرك وجمع بين الإيمان والعمل الصالح فعسى أن يكون من الفائزين بالمطلوب عنده عز وجل الناجين من الهلاك، فلا جدوى لتوبة بغير إيمان ولا حجة لإيمان بغير عمل صالح، وقد جاء هذا المعنى في القرآن الكريم قال تعالى:{وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} (2).

و (عسى) للتحقيق على عادة الكرام، فهي من الله واقعة بفضله وكرمه ومنِّه ووعده الذي لا يتخلف، والتعبير بعسى ليعلم أن الإنسان مهما عمل صالحًا فليس له إلا الرجاءُ والأمل في رحمة الله، وفي الحديث الصحيح: "لن يُدخل أحدًا عملهُ الجنة، قالوا: ولا أنت

(1) المائدة الآية: 109.

(2)

سورة طه الآية: 82

ص: 1799

يا رسول الله؟ قال: لا، ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة (1)، وقيل:(عسى) للترجِي من قبل التائب المذكور، بمعنى: فيتوقع أن يفلح ويفوز.

68 -

{وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} :

بين الله في الآيات السابقة أن الشركاء لا ينفعُون المشركين في أُخراهم، وجاءَت هذه الآية لتبين أن الأَمر كله لله، ولهذا اختار لعباده من يرشدهم إلى سواء السبيل، فليس لهم الخيرة في عقائدهم ولا في اختيار رسلهم، كما نزلت لكي ترد على أولئك الذين يقترحون على الله الرسل، كالوليد بن المغيرة حيث قال:{لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} يعني بذلك نفسه من مكة، وعروة بن مسعود الثقفى من الطائف.

والمعنى: وربك يخلق ما يشاء من خلقه بقدرته ويختار منهم من يشاء بحكمته لطاعته وحمل رسالته، على مقتضى علمه باستعدادهم لذلك، فليس في مقدور الخلق ولا من حقهم أن يختاروا على الله ما يشاءُون من أديان باطلة وآلهة زائفة، تنزَّه الله تعالى بذاته تنزُّهًا خاصًّا به من أن ينازعه أحد أو يزاحم اختياره، وتقدس وتمجد عن إشراكهم.

قال الزمخشرى: إن الاختيار إلى الله - تعالى - في أفعاله وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها، ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه، ولا يبعث الله الرسل باختيار المرسل إليهم.

وجعل بعضهم (سبحان الله) تعجيبًا من إشراكهم من يضرهم ولا ينفعهم بمن يريد لهم الخير ويسوق لهم النِّعم.

69 -

{وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} :

وربك - أيها الرسول - يعلم ما يخفون في صدورهم من الاعتقادات الباطلة ومن عداوتهم لك، ويعلم ما يظهرونه من الأفعال الخبيثة والطعن فيك، وقولهم: هلَّا اختير غيرك للنبوة، فهو - سبحانه - يعلم ما تُكن الضمائر وما تنطوى عليه السرائر، كما يعلم ما تبديه الظواهر من جميع الخلائق:{سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} (2) والآية الكريمة تهديد وتحذير شديد لأعداء الله؛ لأنه - سبحانه - يعلم كل

(1) صحيح البخاري (كتاب الطب) باب تمني المريض الموت.

(2)

سورة الرعد الآية: 10.

ص: 1800

ما تجيش به صدورهم من الشر، وما يجول بعقولهم من الإثم، ويعلم بكل ما يعلنونه على ملأ من الناس من ضلال.

70 -

{وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} :

وهو - سبحانه - المستأثر بالأُلوهية المتفرد بها، لا ربّ غيره ولا معبود سواه، له وحده كل الحمد، وجميع الثناءِ والشكر لا إلى غيره؛ لأنه المُولى للنعم كلها - عاجلها وآجلها - على الخلق كافة، يحمده المؤمنون في الدنيا على إنعامه وهدايته، وفي الآخرة على عدله ومثوبته، وله القضاءُ النافذ في كل شيءٍ من غير مشاركة فيه لغيره. عن ابن عباس: له الحكم بين عباده فيحكم لأهل طاعته بالمغفرة والفضل، ولأهل معصيته بالشفاء والويل، لا مُعقب له، لقهره وغلبته وحكمته، وإليه ترجعون لا إلى غيره فيجزى كلّ عامل بعمله من خير وشر ولا يخفى عليه منكم خافية.

{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (74) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (75)}

ص: 1801

المفردات:

{قُلْ أَرَأَيْتُمْ} : أخبروني.

{سَرْمَدًا} : دائمًا متصلًا مؤبدًا، وهو عند البعض من السَّرد: وهو المتابعة، ومنه قولهم: الأشهر الحرم ثلاثة سَرْدٌ، وواحد فرد، والميم زائدة لدلالة الاشتقاق عليه.

{تَسْكُنُونَ فِيهِ} : تستقرُّون فيه، مأَخوذ من (السَّكن) وهو الهدوءُ والطمأْنينة.

{وَنَزَعْنَا} : أخرجنا بشدة وأبرزنا بسرعة، وجاء في اللغة: نَزَعَهَ من مكانه ينزعه: قلَعَه، كانتزعه.

{شَهِيدًا} : أي شاهدًا. {بُرْهَانَكُمْ} : حجتكم.

{وَضَلَّ عَنْهُمْ} : ذهب وغالب عنهم غيبة الشيء الضال، أي: الضائع.

{مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} : أي ما كانوا يختلقونه في الدنيا من الباطل والكذب على الله - تعالى - من أن معه آلهة تُعْبَد.

التفسير

71 -

{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ} :

انتهت الآيات السابقة بإثبات الوحدانية لله - تعالى - وانفراده بالخلق والاختيار، وعلمه السرائر والظواهر، واستحقاقه وحده الحمد من عباده، في الدنيا على إنعامه وهدايته وفي الآخرة على عدله ومثوبته، وتفرده بالحكم والفصل بين العباد، وإليه المرجع والمصير.

وتواصل هذه الآية وما بعدها توكيد هذه المعاني وتوضيحها بأمثلة مُحَسَّة تشهد له - سبحانه - بكل ما سبق وبأَنه صاحب النعم وواهب المنن، فالآيات القرآنية الثلاث الآتية تنبه الناس إلى حقيقة يجب أن يفهموها، وهي أنه - تعالى - لو خلق الأرض بحيث يكون ليلها دائمًا، أو بحيث يكون نهارها كذلك فليس هناك إله غيره ينعم عليهم بالليل والنَّهار

ص: 1802

المتعاقبين، وبفضل الله ورحمته كان النظام الكونيّ يكفل تعاقب الليل والنهار فيكون السكون والهدوءُ في اللَّيل، والسعى والكدح في النَّهار وبهذا يتهيأُ التوقيت الصالح لحياة الإنسان والحيوان والنبات، وهذا فضل من الله على عباده، يستدعى الإقرار بقدرته ودوام شكره.

ومعنى الآية: أخبروني من يقدر على هذا؟ إن جعل الله عليكم الليل دائمًا متصلًا متتابعًا إلى يوم القيامة فأَصبح الكون ملفوفًا في ليل دامس لا يعقبه نهار، وظلام طامس لا يأتي بعده نور، أخبروني من إله غير الله يأتيكم بنور تبصرون فيه معايشكم وتنطلقون في أرجاء الأرض وأنحائها تعمرونها، فتزرعون وتتاجرون وتنتقلون من مكان إلى مكان، أفلا تسمعون هذا الكلام الحق سماع تدبر واستبصار وقبول للدلائل الباهرة، لتعرفوا أن غير الله - تعالى - لا يقدر على ذلك فتقوموا بشكره، وتعترفوا بفضله، وتُقِرُّوا بوحدانيته.

72 -

{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} :

ثم أخبر سبحانه وتعالى أنه لو جعل النهار دائما مستمرًا إلى يوم القيامة بحيث تعملون دائما دون انقطاع من إله غير الله يأتيكم بليل تستريحون فيه من التعب ومشاق الحياة وتفرغون فيه من النصب؟ أفلا تبصرون ما أنتم عليه من الخطإ في عبادة غيره؟

وقال الآلوسي: أفلا تبصرون الشواهد المنصوبة الدالة على القدرة الكاملة، لتقفوا على أن غير الله لا قدرة له على ذلك؟ فإذا أقررتم بأنه لا يقدر على الإتيان بالليل والنَّهار غيره فلم تشركون؟

وقال البيضاوى: لعله لم يصف الضياء بما يقابله لأن الضوءَ نعمة في ذاته مقصود بنفسه ولا كذلك الليل، ولأن منافع الضوء أكثر مما يقابله، ولذا قرن به أفلا تسمعون، وبالليل أفلا تبصرون لأن استفادة العقل من السمع أكثر من استفادته من البصر. اهـ: بيضاوي.

ولذا ما اجتمع السمع والبصر في موضع من كتاب الله إلَاّ وقُدِّم السمع على البصر.

ص: 1803

قال - تعالى -: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} (1). {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ} (2).

ولقد ذكر العلماء والمحدثون في تعليل ذلك أن السمع أول الحواس يؤدي وظيفته في الدنيا، وهو أداة الاستدعاء في الآخرة، ولأن الأُذن لا تنام فالسمع أسبق وأنفع وأدوم، وللعلامة الآلوسي تعليق مطول على الآيتين في الجزء السابع ص 107 وما بعدها فليرجع إليه من أراد التوسع.

73 -

{وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} :

أي: وبسبب رحمته بكم خلق لكم الليل والنهار لتسكنوا في الليل وتستريحوا من عناء الأعمال وأعباءِ الحياة وأثقال المعيشة، ولتطلبوا الرزق الحلال بالنهار بالأَسفار والترحال والضرب في الأرض، ولتدركوا فضل الله عليكم فتشكروه بأنواع العبادات في الليل والنهار، ومن فاته شيءٌ بالليل استدركه بالنهار، أو بالنهار استدركه بالليل كما قال - تعالى -:{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} (3).

74 -

{وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} :

المعنى: واذكر كذلك - أيها الرسول - يوم يُنادَى المشركون من جانب الله فيقال لهم: أين الشركاء الذين زعمتموهم آلهة ينصرونكم أو شفعاءَ يشفعون لكم؟

وهو تقريع إثر تقريع، للإِشعار بأنه لا شيء أَجلب لغضب الله - تعالى - من الإشراك، كما لا شيء أدخل في مرضاته من توحيده عز وجل.

يقول القرطبي: ينادى الله المشركين مرة فيقول لهم: {أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} فيدعون الأصنام فلا تستجيب فتظهر حيرتهم وخيرتهم، ثم ينادَون مرة أخرى على رؤُوس الأشهاد فيسكتون، وهو توبيخ وزيادة خزى.

(1) سورة الإسراء الآية: 36

(2)

المؤمنون، الآية:78.

(3)

سورة الفرقان، الآية: 62

ص: 1804

75 -

{وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} :

الآية الكريمة إنذار بما ينتظر هؤلاء المشركين يوم القيامة لجدالهم في وحدانية الله، وتعاميهم عن نعمه عليهم ورحمته بهم.

والمعنى: وأَخرجنا يوم القيامة من كل أُمة شاهدًا يشهد عليهم بما كانوا عليه، وهو نبي تلك الأُمة كما روى عن مجاهد وقتادة، ويؤيده قوله - تعالى -:{فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} (1). فقلنا لكل أُمة من الأُمم: هاتوا حجتكم وأحضروا دليلكم على صحة ما تدينون به، وعلى صدق ما ادعيتموه من أن لله شركاء، فعلموا يومئذ أن الحق لله في الألوهية لا يشاركه - سبحان - فيها أحد ولا إله غيره ولم يجدوا جوابًا، وغاب عنهم غيبة الشيء الضائع ما كانوا يختلقونَه من الكذب على الله - تعالى - من أن معه آلهة تعبد.

ويقول ابن كثير: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} أي: ذهبت معبوداتهم فلم ينفعوهم. ويقول الآلوسي: وصيغة الماضي في "ونزغنا" للدلالة على التحقق والثبوت، والالتفات إلى نون العظمة لإبراز كمال العناية بشأن النزع وتهويله، لصدوره من المولى عز وجل فهو نزع يليق بعزيز قوى. والله أعلم.

* {إنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)}

(1) سورة النساء الآية: 41

ص: 1805

المفردات:

{فَبَغَى عَلَيْهِمْ} : أي ظلمهم، أو تكبر عليهم.

{الْكُنُوزِ} : الأموال المدخرة المحبوسة، من: كنزه، بمعنى: ادَّخره وحبسه عن الناس، ومنه قوله تعالى:{الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} .

{مَفَاتِحَهُ} : جمع مِفتح - بكسر الميم - وهو المفتاح الذي تفتح به الأغلاق، أو جمع: مَفْتح - بفتح الميم والتاء - وهو الوعاءُ الذي يكنز فيه كالصندوق.

{لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ} : العصْبة، الجماعة يتعصب بعضها لبعض ويشد أزره، ومعنى {تَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ}: تثقلها، يقال: ناءَ به، وأناءَه، أي: أَثقله، كما يقال: ذهب به وأذهبه، فالباءُ للتعدية، وبه قال الخليل وسيبويه والفراءُ، واختاره النحاس، وسيأتي بسط الكلام في تفسيره.

{لَا تَفْرَحْ} : أي لا تفرح بدنياك فرحًا يذهلك عن أُخراك.

{الْفَرِحِينَ} : قال الزجاج؛ الفرحين والفارحين سواءٌ، ونزيد على ما قاله: أن الفَرِح صيغة مبالغة تفيد زيادة الفرح.

{وَابْتَغِ} : واطلب. {وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ} : ولا تطلبه.

التفسير

76 -

{إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ

} الآية.

اختلف في قارون من جهة قرابته لموسى - علبه السلام - فمن قائل: إنه ابن عمه، وهو ما روى عن ابن عباس وابن جريج وغيرهما - ومن قائل: إنه عمه، وحكاه محمَّد ابن إسحق، ومنهم من قال: إنه ابن خالته، ولم نجد لهذه الروايات سندًا، وحسبنا ما قاله الله - تعالى - في نسبه من أنه من قوم موسى، أي: من بنى إسرائيل، وبصفه الله بأنه بغى عليهم، والبغي - في اللُّغة -: التطاول ومجاوزة الحد، وقد فسره المفسرون هنا بتفسيرات

ص: 1806

مختلفة، فمنهم من فسره بالتكبر، فإنه كان جميل الصورة واسع الثراء، وكان أحفظ بني إسرائيل للتوراة، فتكبر عليهم لذلك، ومنهم من فسره بالظلم؛ لأن فرعون ملكه عليهم فظلمهم وبغي عليهم، والذي نراه أن لكنوزه دخلًا في ظلمه؛ لأن من نصحوه من قومه قالوا له:{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ} فهذا واضح في أن ماله أغراه بالإفساد والظلم، ولذا عقبه الله بقوله: {وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ

الآية}.

{وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ} :

أي: وأعطيناه من كنوز الأَموال ما دفعه إلى التكبر والتعالى على قومه وظلمهم، فالمراد من الكنوز؛ الأموال المدخرة، ويصف الله عظمة هذه الكنوز بأَن مفاتحها تنوءُ بالعصبة أُولى القوة، والمراد من المفاتح الخزائن. قال الضحاك: مفاتحه: ظروفه وأوعيته، وروى نحو ذلك عن ابن عباس والحسن، وعلى هذا الرأى تكون مفاتح جمع مفْتَح - بفتح الميم وسكون الفاء - أي: مكان الفتح، وهو الوعاء.

ومنهم من قال: إنه جمع مِفتح - بكسر الميم وسكون الفاء - وهو المفتاح الذي تفتح به الخزانة، والأول أقرب إلى التعقل؛ فإن العُصبة أولى القوة تقْدر على حمل المفاتيح، ولا تنوءُ بها، وإنما تنوءُ بحمل الخزائن، والله أعلم.

والعصبة: الجماعة الكثيرة من غير تعيين بعدد خاص كما قاله الراغب، ومنهم من عين لمعناها عددا خاصًّا من عشرة إلى خمسة عشر، هو مروى عن مجاهد، ومنهم من زاد إلى سبعين.

وقال الخفاجي: إن أصل معناها: الجماعة مطلقًا - كما هو مقتضى الاشتقاق (1)، والعرف هو الذي يخص العدد، ومعنى (تفوءُ به العصبة أُولو القوة): تنهض به متثاقلة كما قال ابن عباس وأبو صالح والسُّدى وبه قال الخليل والفراءُ والنحاس.

(1) فإن أصلها الجماعة يتعصب بعضهم لبعض.

ص: 1807

وبعض المفسرين جعل هذه العصبة من الرجال، وحددوها بأربعين رجلًا أقوياء، ونسبوا هذا إلى ابن عباس، حيث رووا عنه أن المفاتح هي الخزائن، وكانت خزائنه يحملها أربعون رجلًا أقوياء.

وبعضهم جعلها من الحيوانات كالبغال والخيل، وإطلاق العصبة عليها لغوى؛ قال صاحب القاموس: العصبة - بالضم - من الرجال والخيل والطير: ما بين العشرة إلى الأربعين، كالعصابة - بالكسر - ونقول: إنهم أَخذوا هذا المعنى من العَصْب، بمعنى الشد، فإنها يشد بعضها أَزر بعض، وبعضهم جعل المفاتح كناية عن العلم والحفظ، كما فسروها في قوله تعالى:{وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ} فالمراد من الآية: وآتيناه من الكنوز ما إن حفظها والإحاطة بها ليثقل على الجماعة القوية من الرجال، لاختلاف أصنافها وكثرتها التي تتعب القائمين على حفظها وحسابها والإحاطة بها، وهذا هو تفسير أبي مسلم للآية، وهو - وإن استبعدوه - له سنده من قوله تعالى:{وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ} كما أنه تجنَّب فيه المبالغات التي ذكرها كثير من المفسرين في تفسيرها: {لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} .

قال ابن عطية: (إذْ قَالَ) متعلق ببغى عليهم، أي: بغى على قومه إذ قالوا له: لا تفرح ورجح بعض المفسرين تعلقه بمحذوف يقتضيه المقام، أي: فأظهر قارون الفرح بكنوزه إذ قال له الأتقياءُ من قومه: لا تفرح بها إن الله لا يحب الفرحين، وقد نهوه عن فرحه الذي أورثه البغى، ومنعه حق الله تعالى، فهذا هو الذي يُنْهى عنه، أما الفرح سرور بنعمة الله ورضا عنها مع أداء حقها المشروع فلا ينهى عنه؛ لأنه نوع من الشكر على النعم الذي حضَّن عليه الشرع، كما قال - تعالى -:{وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} (1). والمراد من عدم محبة الله للفرحين البطرين: بغضه لهم، إبعادهم عن حضرته وعن كرمه.

والمعنى العام للآية: إن قارون كان من بني إسرائيل قوم موسى، فظلمهم وتكبر عليهم بما أُوتيه من علم وجاه ومال، وأعطيناه من الأموال التي كنزها وحبسها عن مَبَرَّات الآخرة - أَعطيناه - ما إن خزائنه لتثقل الجماعة القوية من الدواب التي تحملها، أو من الرجال القائمين على حفظها وحسابها وتدبير أمرها، فأظهر قارون الفرح والتفاخر بكنوزه، إذ قال له أتقياءُ قومه: لا تفرج بها فرح البطر والكفران، إن الله لا يحب الفرحين البطرين الذين يكفرون ولا يشكرون، بل يبغضهم وينتقم منهم.

(1) سورة إبراهيم، من الآية: 37

ص: 1808

77 -

{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} :

واطلب فيما أعطاك الله من الكنوز والأموال ثوابا في الدار الآخرة بِصَرْفها في مصارف البر والتقوى، ولا تترك حظك من الدنيا ترك المنسى، فخذ من زينتها وطيباتها ورزقها ما تتجمل به ويعينك على تقوى الله - تعالى - ويقيك شر الحاجة، وأحسن إلى عباد الله - تعالى - كما أحسن الله إليك تأسي بصنيعه معك، أو: أحسن بالشكر والطاعة كما أحسن الله إليك بالنعم (1)، ولا تطلب بهذه الكنوز الفساد في الأرض والبغى على العباد إن الله لا يحب المفسدين، بل ببغضهم وينتقم منهم.

{قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} :

{أُوتِيتُهُ} : أُعطيته.

{الْقُرُونِ} : جمع قرن، واختلف في زمنه، وأَصح ما قيل فيه: إنه مائة سنة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لغلامه: "عِشْ قرنًا" فعاش مائة سنة، ويطلق على كل أمة هلكت فلم يبق منها أحد، قاله صاحب القاموس وهو المراد هنا، ويطلق أيضا على أهل زمان واحد، ومنه قول الشاعر:

إذا ذهب القرن الذي أنت فيهمُ

وخُلِّفْتَ في قرن فأنت غريب

(1) ويجوز أن تكون الكاف في كلا المعنيين للتعليل، أي: أحسن لأجل إحسان الله إليك.

ص: 1809

ذكره صاحب المختار.

{الْمُجْرِمُونَ} : المذنبون، والجرْم والجريمة: الذنب.

التفسير

780 -

{قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي .... } الآية.

لما نصح أتقياءُ بني إسرائيل قارونَ بأن يحسن الإنفاق من ماله كما أحسن الله به إليه، ظن أنهم يصفونه بأنه أوتيه إحسانًا عليه بغير سبب يقتضيه، فرد عليهم بقوله:{إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} واختلف في تفسير هذا العلم، فقيل: إنه علم التوراة فإنه كان أعلم بني إسرائيل بها، وقال أبو سليمان الداراني: علم التجارة ووجوه المكاسب، وقيل: علم استخراج الكنوز والدفائن، وقيل: علم الكيمياء، فكان يحول الرصاص والنحاس ذهبًا، ورده العلماء بأن فيه دعوى قلب الحقائق، وذلك لا يكون إلَاّ لله - تعالى - ولم يثبت حدوثه منه بطريق صحيح، وما يشاع بين العامة من إمكان ذلك، إنما هو من باب الأراجيف التي لم تثبت في الواقع، بل هي من باب الصبغ والتزييف (1).

وقال الإمام عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في تفسيرها: إنما أُوتيتُه على علم من الله باستحقاقي إياه، فلولا رضاه عني وعلمه بفضلي ما أعطانيه، وكلمة {عِنْدِي} على هذا الرأي معناها: في ظني واعتقادي (2) وقد رد الله عليه بقوله: {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} :

أي: أجَهِل قارون فبغى على قومه وأفسد في الأرض، ولم يعلم أن الله - تعالى قد أهلك من قبله من الأُمم الخوالي من هو أشد منه قوة في الآلات، وجمعًا للأعوان والأنصار والأموال، ولا يسأل عن ذنوبهم المذنبون سؤال استعلام أو معاتبة واسترضاء، وإنما يُسأَلون سؤال تقريع وتوبيخ، لقوله تعالى:{فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} فكيف جهل قارون ذلك فأَفسد وبغى وزعم أنه أوتى كنوز المال استحقاقًا؟

(1) راجع ابن كثير.

(2)

و (عندي) - على هذا - خبر لمبتدأ محذوف، أي: هذا عندي وفي اعتقادي، أما على ما تقدم فهو صفة لعلم.

ص: 1810

{فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُوحَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80)}

المفردات:

{فِي زِينَتِهِ} : فيما تزين به من متاع الجياة الدنيا.

{وَيْلَكُمْ} : هو في الأصل دعاء بالويل، وهو الهلاك، ثم شاع استعماله في الزجر عمَّا لا ينبغي، وهو المراد هنا.

{وَلَا يُلَقَّاهَا} : أي ولا يلقى هذه النصيحة، أي: لا يتقبلها ويعمل بها.

{إِلَّا الصَّابِرُونَ} : على الطاعات، وعن المعاصي.

التفسير

79 -

{فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} :

اختلف في المراد من الذين يريدون الحياة الدنيا، فقيل: هم جماعة من مؤمني بني إسرائيل تمنَّوْا أن تكون لهم دنيا كدنيا قارون جريًا على سنة البشر من حب التوسع فيها، وكان ذلك على سبيل الغبطة، لا على سبيل الحسد، وقيل: هم جماعة من الكفار أو المنافقين الذين لا هَمَّ لهم إلَاّ دنياهم، والظاهر مع الرأى الأول، وتمنى مثل ما للغير لا يقدح في الإيمان، ولكن طلب الآخرة أفضل، كما يشير إليه رد أهل العلم عليهم في الآية التالية.

ص: 1811

ومعنى الآية: فحرج قارون ذات يوم على قومه بني إسرائيل في زينة عظيمة وتجمل باهر: من ملابس ناضرة، ومواكب فارهة فاخرة، وخدم وحشم، فلما رآه من يريد الحياة الدنيا ويميل إلى زخرفها وزينتها، تمنوا مثل الذي أُعيطه قارون ليتمتعوا به مثل متاعه، قائلين: يا ليت لنا مثل ما أُوتي تارون إنه لذو حظ وافر من دنياه، فلما سمع مقالتهم أهل العلم ردوا عليهم بما حكاه الله بقوله:

80 -

{وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} :

أي: وقال الذين أوتوا العلم ينصحون طلاب الدنيا وزخرفها، ويزجرونهم عن طلب التوسع فيها حتى لا تفسدهم كما أفسدت قارون - قالوا لهم -: ويلكم لا تطلبوا مثل ما أوتي قارون ولا تتمنوا مثل زيتته ومتاعه الدنيوي، ثواب الله في الآخرة خير من زينته ومتاعه وأعظم مما أوتيه - من ماله ورجاله - لمن آمن بالله واليوم الآخر وعمل عملًا صالحًا يرضاه، ولا يتلقى هذه النصيحة بحسن قبولها والعمل بمقتضاها إلَّا الصابرون على الطاعات، وعن السيئات.

{فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82)}

ص: 1812

المفردات:

{فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ} : أي أدخله الله وداره في جوف الأرض، يقال: خسف المكانُ يخسِف خسوفًا: ذهب في الأرض، وخسف الله به الأرض: ذهب به فيها وأدخله في جوفها، وخسف هو في الأرض وخسف به (1) {فِئَةٍ} أي: جماعة {وَيْكَأَنَّ} هي كلمتان (وى) و (كَأَنَّ). قال الخليل وسيبويه: (وَيْ): اسم فعل بمعنى أعجب، وتكون للتحسُّر والتندم أيضًا، قال الجوهرى: وقد تدخل (ويْ) على (كأَن) المخففة والمشددة، تقول:{وَيْكَأَنَّ اللَّهَ} قال الخليل: هي مفصولة، تقول: ويْ - ثم تبتدئ فتقول: (كأَن) يعني: أن الوقف على (وَيْ). كما في البحر، و (كأن) فيه عارية عن معنى التشبيه جيءَ بها للتحقيق، كما في قول الشاعر:

وأَصبح بطن مكة مقشعرا

كأَن الأرض ليس بها هشام

ويروي الثعلبي عن الفراء أَن (ويكأَن) كلمة تقرير، كقولك: أما ترى صنع الله وإحسانه؟ وذكر أن أعرابية قالت لزوجها: أين ابنك ويلك؟ فقال: ويكأنه وراء البيت أي: أما ترينَّه؟ وبهذا قال ابن زيد وجماعة، وهو بمعنى ما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما (ويكأن): حرف واحد بجُمْلته، وهو بمعنى ألم تر (2).

التفسير

81 -

{فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ} :

لما ذكر الله - تعالى - خروج قارون في زينته، وفخره على الناس وخيلاته بدنياه، وبغيه على عباد الله، عقب ذلك ببيان ما حل به من الجزاء على البغي والخيلاء، وبضم إليهما الكفر، كما سيصرح به في الآية التالية:{وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} .

ويرى ابن كثير أنه هو المعنى بحديث البخاري في صحيحه من حديث الزهري عن سالم أن أباه حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بينا رجلًا يجر إزاره إذ خسف به، فهو

(1) انظر القرطبي.

(2)

هذه خلاصة بحوث طويلة، فارجع إلى القرطبي والآلوسي وغيرهما من الموسوعات إن شئت المزيد.

ص: 1813