المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌سورة القصص من السور المكية، وآياتها ثمان وثمانون، ووجه مناسبتها لما - التفسير الوسيط - مجمع البحوث - جـ ٧

[مجموعة من المؤلفين]

الفصل: ‌ ‌سورة القصص من السور المكية، وآياتها ثمان وثمانون، ووجه مناسبتها لما

‌سورة القصص

من السور المكية، وآياتها ثمان وثمانون، ووجه مناسبتها لما قبلها أنها تشتمل على شرح بعض ما أُجمل في قصة موسى في سورتى الشعراء والنمل، وقد روى عن ابن عباس وجابر بن زيد أن الشعراء نزلت ثم النمل ثم القصص.

وقد ذكر الله في السورة السابقة سؤال الكفار يوم القيامة على جهة التوبيخ، وفي هذه السورة سؤالهم وتوبيخهم بما هو أوسع مما جاء في سورة النمل، كما ذكر هنا في أمر الليل والنهار أكثر مما ذكر هناك، إلى غير ذلك من المناسبات.

‌مقاصدها:

اشتملت هذه السورة المباركة على التنويه بآيات القرآن المبين، وحكاية ما حدث لقوم موسى من جبروت فرعرن، حيث كان يذبح أبناءهم ويستبقى بناتهم، وأنه - تعالى - شاء إنقاذهم من هذه المحنة فنجى موسى من القتل، حيث ألهم أُمه أن تصنع له تابوتًا وتلقيه في النيل ففعلت، فدفعته المياه إلى قصر فرعون، فالتقطه آله ليكون لهم عدوًّا وحزنًا، وليخلص بني إسرائيل من ظلم فرعون وأعوانه ويجعل هلاكه وجنوده على يد من رباه في كنفه، وقد ربط الله على قلب أُمه فصبرت، وفرحت به امرأة فرعون وأوصت بعدم قتله قائلة:{لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} وأوصت أمه أُختًا له أن تتبع أثره ففعلت، وحرم الله عليه المراضع فقالت أخته لأهل فرعون:{هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} فقبلوا نصيحتها، فرده الله بذلك إلى أمه:{كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ} .

ولما بلغ أشده آتاه الله حكمًا وعلما، وجعل من همه إنصاف بني إسرائيل:{وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ} واستغفر ربه من ذلك فغفر له: {فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِين} .

ص: 1730

ثم أراد أن يبطش بعدوه فقال له: {أتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19) وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} فخرج منها متجهًا إلى مدين: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} وانتهى أمره مع أبيها إلى الزواج من إحدى ابنتيه على أن يكون أجيرا عنده ثماني سنين فإن أتم عشرًا فمن عنده، فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله رأى نارا بجانب الطور وكانت امرأته بحاجة إلى الاستدفاء بالنار لشدة البرد، وحينئذ:{قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} وهنا شرفه الله بالرسالة إلى فرعون وملئه فرد قائلا: {إنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ} وطلب من الله أن يشرك معه أخاه في رسالته ليكون عونًا له فإنه أفصح منه لسانا، فاستجاب له ربه قائلًا:{سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ} .

فلما جاءهم موسى بآياته وصفوه بالسحر، وقالوا:{مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ} وطلب فرعون من وزيره هامان أن يبني له صرحا ليبلغ به إلى حيث يطلع إلى إله موسى، وقال: إنه يظنه من الكاذبين. وظل أمرهما في صراع فترة طويلة، فلما لم تغنه النذر انتقم الله منه ومن جنوده بما حكاه في قوله -سبحانه-:{فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} ثم بين الله - تعالى - ما لهذه القصة من الدلالة على نبوة محمَّد صلى الله عليه وسلم فقال: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ} ثم قال: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} .

ص: 1731

ثم عابَتْ هذه السورة عليهم أنهم لما جاءهم القرآن الحق من عند الله معجزة لنبيهم محمَّد، سألوه أن يأتيهم بكتاب من السماء جملة واحدة، كما جاء موسى قومه بالتوراة جملة واحدة، فأفحمهم الله بأنهم كفروا بما أوتى موسى من قبل قائلين:{قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} فلا همَّ لهم إلَاّ المكابرة والعناد، ثم بينت أن بعض أهل الكتاب لما تُلِيَ عليهم آمنوا به قائلين:{إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا} وأنهم إذا سمعوا لغوهم فيه أعرضوا عنه، ثم نعت عليهم شركهم، وذكرت أن الله تعالى أمر نبيه أن يستخبرهم عمن يأتيهم بضياء يبصرون فيه إن جعل الله عليهم الليل مستمرًّا وسرمدًا إلى يوم القيامة، أو يأتيهم بليل يسكنون فيه إن جعل عليهم النهار كذلك؟ وأنه - تعالى - هو الذي تفضل عليهم برحمته فجعل لهم الليل ليسكنوا فيه، والنهار ليبتغوا فيه من فضله ولعلهم يشكرون وأنه سوف يناديهم يوم القيامة فيسألهم:{أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} وأن الحق سوف يظهر لله عليهم، بشهادتهم على أنفسهم.

ثم حكت قصة قارون، فبينت أنه من قوم موسى، فلما أغناه الله بغى عليهم وطغى وأعرض عن الآخرة، وزعم أن ما أُوتيه على علم عنده، فلم يسند الفضل فيه لرب العالمين، فخسف الله به وبداره الأرض، وما نفعه ماله ولا كبرياؤه ولا أتباعه، ثم ذكرت أن الدار الآخرة يجعلها الله للذين لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين.

ثم تحدثت عن فضل الله وعدله في قضائه يوم القيامة، فذكرت أن:{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} . ثم ختمت السورة بدعاء كل مكلف إلى توحيد الله: {وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} .

ص: 1732

بسم الله الرحمن الرحيم

{طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُوعَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)}

المفردات:

{الْكِتَابِ الْمُبِينِ} : القرآن الواضح، من: أبان بمعنى اتضح، والمبين للأحكام، من: أبان غيره أي: أوضحه، وأطلق الكتاب على القرآن لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، أو لأنه يكتب في الصحف. {مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ} بعض خبرهما.

{لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون} يصدقون حالًا واستقبالًا. {عَلَا فِي الْأَرْضِ} : استكبر في أرض مصر.

{وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا} أي: جعلهم أصنافًا يستخدم كل صنف منهم فيما يريد، أو أحزابًا يعادى بعضهم بعضًا، وللكلام بقية في التفسير.

{يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ} : هم بنو إسرائيل.

{وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ} : يبقى إناثهم دون قتل.

التفسير

1، 2 - {طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ}:

تقدم الكلام على أسماء الحروف التي بدئت بها بعض السور فارجع إلى مثله في أوائل سورتي البقرة وآل عمران وغيرهما، كما تقدم الكلام على {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} في سورتي يوسف والشعراء فارجع إليها إن شئت.

ص: 1733

والمعنى الإجمالي: طسم: هذه الآيات التي جاءت بسورة القصص آيات القرآن المكتوب في اللوح المحفوظ الواضح الدلالة على الحق، المبين للحلال، والحرام وقصص الأنبياء، ونبوة محمَّد صلى الله عليه وسلم وأحوال البعث والحشر والنشور والحساب والجزاء.

3 -

{نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} :

نقص عليك - أيها الرسول - بعض أخبار موسى وفرعون وقوميهما قصصا متصفا بالحق لقوم يصدقون به حالًا واستقبالًا، لينتفعوا بما جاء فيها ويتعظوا بمواعظها.

ففي قصة موسى مع قومه يعلمون أن قرابة موسى مع قارون لم تنفعه مع كفره، وفي قصته مع فرعون يعرفون أن كبرياء فرعون وعلوه وبطشه لم تعصمه من نقمة الله القوى الجبار المتكبر.

4 -

{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} :

فرعون: لقب قديم لكل ملك كان يحكم مصر من أهلها. علوه في الأرض: تجبره على أهلها: كما قاله ابن عباس، وقال قتادة: علا في نفسه عن عبادة ربه بكفره، وادعى الربوبية والمراد من الأرض: أرض مصر، والشِّيَعُ: جمع شيعة، وتطلق على كل قوم أمرهم واحد، يتبع بعضهم رأى بعض، وشيعة الرجل: أتباعه وأنصاره، والمراد من جعل فرعون أهل مصر شيعا: أنه جعلهم أصنافا يتبعونه في تحقيق غاياته ومآربه من الشر والفساد. أو من مختلف الأغراض والغايات من بناء وحرث وحفر وغير ذلك، أو أنه فرق بينهم وجعل بعضهم عدوًّا لبعض حتى يشتغلوا بأنفسهم، ويتم له بذلك السيادة عليهم، وفقًا للقول المعروف عن الجبارين: فرق تسد.

والمراد بالطائفة المستضعفة: بنو إسرائيل، فهم الذين كان يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، والمراد من نسائهم: إناثهم - صغارًا كُنَّ أم كبارا - وسبب ذلك على ما قيل، أنه كان يعتمد في أمور المستقبل على رأى الكهنة والمنجمين، فقال له قائل منهم: إن هلاكه سيكون على يد ذكر من بني إسرائيل، أو أنه رأى رؤيا فعُبرَتْ له بذلك. قال الزجاج: العجب من حمقه: لم يدر أن الكاهن إن صدق فالقتل لا ينفع، وإن كذب فلا موجب للقتل

ص: 1734

والمعنى الإجمالي للآية: إن فرعون علا بجبروته في أرض مصر وجعل أهلها فرقا، فأما من كان من أهل مصر، فقد استظهر بهم واستعان على ظلمه وجبروته، ولم يمس ذكورهم ولا إناثهم بسوء، وأما بنو إسرائيل فإنه كان يذبح صغار الذكور من مواليدهم خوفا منهم، ويستبقى إناثهم لخدمة أهل مصر ، ولأنه كان لا يتوقع الشر من جهتهن، إنه كان من المفسدين الراسخين في الفساد، لاجترائه على قتل من لا جريرة له بناءً على رأى فاسد، فإن قتلهم لا يغير من قضاء الله إن جعل هلاكه على يد أحدهم، فإنه لا ينفعه حذره من قدره.

{وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)}

المفردات:

{نَمُنَّ} : ننعم. {أَئِمَّةً} : مقدمين في أمر الدين.

{وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} : لبعض ما كان يملكه فرعون.

{مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} : ما كانوا يخافون.

التفسير

5 -

{وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} :

بين الله في الآية السابقة أن فرعون تجبر في الأرض، ولم يكن عادلًا في حكم مملكته، إذ أنه جعل بعض أهلها سادة وهم أهل مصر الأصليون، وجعل بعضا آخر من ساكنيها عبيدًا مسخرين هم بنو إسرائيل، وكان يذبح المواليد من أبنائهم الذكور خوفا على نفسه منهم، ويستبقى إناثهم أحياءً لخدمتهم وجاء بهاتين الآيتين لبيان الحكمة في إرسال موسى عليه السلام -

ص: 1735

لفرعون وبنى إسرائيل، وقد ثبت تاريخيًا أنه لم يكن لبنى إسرائيل ميراث لأرض مصر الأصلية ولا حكم فيها، بل الذي ثبت هو خروجهم منها إلى أرض فلسطين، فلذلك يكون المراد من ميراثهم الأرض إسكانهم أرض فلسطين، وجعلهم أصحاب ملك فيها كأنها ميراث لهم، أو أنهما كانت متابعة لحكم فرعون فأورثهم الله إياها منه بتسليطهم عليها وقتئذ، وقد عاقبهم الله بنزع سلطانهم عليها حين أفسدوا في الأرض، كما أشارت إليه سورة الإسراء وكما ثبت عندهم في سفر الخروج.

ومعنى الآيتين: ونريد بإرسال موسي عليه السلام أن ننعم علي بني إسرائيل الذين استضعفهم فرعون وقومه في أرض مصر، وأن ننقلهم من الشرك إلى عبادة الله - تعالى - ونجعلهم بذلك أئمة في الدين يقتدى بهم المشركون من حولهم، ونجعلهم مستقرين في أرض فلسطين استقرارا يشبه الميراث، وأن نمكن لهم في الأرض التي أسكناهم فيها ونسلطهم عليها فتكون تحت سلطانهم وحكمهم ما داموا عاملين بشرعنا، وأن نرى فرعون ووزيره هامان وجنودهما ما كانوا يخافونه من الهلاك على يد رجل من بني إسرائيل، حيث أغرقناهم في اليم أجمعين، وسيأتي تفصيل ذلك قرآنا وتفسيرا إن شاء الله تعالى.

{وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9)}

ص: 1736

المفردات:

{وَأَوْحَيْنَا} : وألهمنا. {فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ} اليم: البحر. والمقصود به هنا: النيل، وكل نهر عظيم يطلق عليه بحر لاستبحاره. {آلُ فِرْعَوْنَ} المراد بآله: من ينسبون إليه ولو بالخدمة. {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} أي: فتكون عاقبة أمره أن يكون لهم معاديًا، ومصدر حزن لهم. {خَاطِئِينَ}: اسم فاعل من خطىء بمعنى تعمد الذنب، وللكلام بقية في التفسير. {قُرَّتُ عَيْنٍ} أي: سكون وطمأنينة، يقال: قرت عينه، تقر - بفتح القاف وضمها - قرة وقُرَّة: إذا سكنت بعد حيرة، أو بردت وانقطع بكاؤها.

التفسير

7 -

{وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} :

بين الله في الآية السابقة أنه - تعالى - يريد أن ينعم على بني إسرائيل بالحرية بعد استعبادهم ويمكن لهم في الأرض، ويهلك فرعون وهامان وجنودهما على أيديهم دون أن ينفعهم حذرهم، وجاءت هذه الآية وما بعدها تحكى قصة الإنعام على الأولين وإهلاك الآخرين.

واختلف العلماء في تفسير المراد من الوحى إلى أُم موسى، فقال قتادة: أنه بمعنى الإلهام، وقال جماعة: إنه كان خطابًا مناميًّا كسائر الرؤى الصادقة، وقال آخرون: إنه كان يملك، ولا يثبت لها بهذا نبوة؛ فإن النبوة لا تكون في النساء بالإجماع، وقد جاء تكليم الملائكة لغير الأنبياء في قصة الأبرص والأقرع والأعمى من بني إسرائيل حيث أنزل إليهم ملكًا يسألهم أمنياتهم، فسألوه أن يكشف الله ما بهم ويحسن إليهم، فأجابهم الله إلى ما سألوه، فبخل الأولان، وكان الأخير سخيا فيما أعطاه الله فرضى الله عنه، وقد روى حديثهم البخاري ومسلم وغيرهما (1).

(1) ارجع إليه في الجزء الثامن من القرطبي ص 188 طبع دار الكتب في تفسير قوله تعالى: "إنما الصدقات". المسألة الرابعة والعشرون.

ص: 1737

وأخرج البخاري في صحيحه (1) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لقد كان فيما كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمتى منهم أحد فعمر". وقد سلمت الملائكة على عمران بن حصين ولم يكن نبيًّا - نقله القرطبي.

ويقول مجاهد: كان الإيحاء بالرضاعة والإلقاء في اليم عند الخوف عليه - كان ذلك - قبل الولادة، وقال السدى: لما ولدت أم موسى أمرت أن ترضعه وتصنع به ما في الآية، وهذا وذاك من باب الاجتهاد.

ويروى أنها صنعت له تابوتا من نبات البردي، وقَيَّرَتْهُ بالقار، فلما خافت عليه ألقته في النيل، وكان فرعون قد استشار جلساءه فيما يصنعه ببنى إسرائيل، فأشاروا عليه بقتل مواليدهم من الذكور ففعل، روى عن ابن عباس أنه لما استحرَّ القتل فيهم قالوا: إن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم والصغار يذبحون، فتحرمون من خدمتهم، وتقومون بما كانوا يقومون به، فاقتلوا عامًا كل مولود ذكر، ودعوهم عاما فلا تقتلوا منهم أحدا، فيشب الصغار مكان من ماتوا من الكبار، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون فتخافوا مكاثرتهم إياكم، وكانوا قد كثروا بمصر واستطالوا على الناس وعملوا بالمعاصي، فسلط الله القبط عليهم، فأجمعوا أمرهم على قتل ذراريِّهم الذكور عاما وتركهم عاما، فحملت أُم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدته علانية آمنة، فلما كان من قابل حملت بموسى عليه السلام فكان من أمره ما قصَّ الله - تعالى -.

وقد اشتملت هذه الآية على أعلى صور البلاغة، يروى أن امرأة أنشدت شعرًا فمدح الأصمعى فصاحتها وبلاغتها، فقالت: أبعد قوله - تعالى -: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ

} وقد جمعت بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين.

وتفصيل ذلك: أن {أَوْحَيْنَا} و {خِفْتِ} خبران، و {أَرْضِعِيهِ} و {فَأَلْقِيهِ} أمران، {وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي} نهيان، و {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} بشارتان، فما أعظم وأبلغ القرآن، إذ يجمع كل ذلك في هذه الآية القصيرة.

(1) في كتاب الأنبياء، باب: مناقب عمر.

ص: 1738

والمعنى الإجمالي للآية: وأعلمنا أم موسى أن ترضعه وقتما تكون آمنة عليه، فإذا خافت عليه من الجواسيس أَلْقَتْه في تابوت في النيل، كما أعلمناها أنه موضع رعايتنا، فلا تخاف عليه ضَيْعَةً، ولا خطرا من عدم رضاعه، ولا تحزن على مفارقته إيَّاها إنا سنرده إليها عن قرب ونجعله من المرسلين حينما يبلغ سن الرسالة.

وهذا ما نراه في معنى الآية الكريمة حسب نصها، وللمفسرين كلام كثير حول قصة وضعه وإخفائه وخوفها عليه من جواسيس فرعون، وننقل فيما يلي ما قاله ابن كثير في ذلك فإنه احتاط فيه أكثر من غيره - وإن لم نجد له سندًا - ونراه تصويرًا للحال حسب الخيال أقرب من أن يكون حكايته للمقال.

قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: ذكروا أن فرعون لما أكثر من قتل ذكور بني إسرائيل، خافت القبط أن يفنى بنو إسرائيل، فيلون هم ما كانوا يلونه من الأعمال الشاقة، فقالوا لفرعون: إنه يوشك - إذا استمر هذا الحال - أن يموت شيوخهم، وغلمانهم لا يعيشون، ونساؤهم لا يمكن أن يقمن بما يقوم به رجالهم من الأعمال، فيخلص إلينا ذلك، فأمر بقتل الولدان عامًا وتركهم عامًا، فولد هرون في السنة التي يتركون فيها الولدان، وولد موسى - عليه السملام - في السنة التي يقتلون فيها الولدان، وكان لفرعون أناس موكلون بذلك، وقوابل يدرن على النساء، فمن رأينها قد حملت أحصوا اسمها، فإذا كان وقت ولادتها، لا يقبلها (1) إلَاّ نساء القبط فإن ولدت جارية تركنها وذهبْن، وإن ولدت غلاما دخل أولئك الذباحون بأيديهم الشفار المرهفة، فقتلوه ومضوا - قبحهم الله - فلما حملت أُم موسى عليه السلام لم يظهر عليها مخايل العمل كغيرها، ولم تفطن لها الدايات، ولكن لما وضعته ذكرا ضاقت به ذرعا، وخافت عليه خوفا شديدًا، وأحبته حبًّا زائدا، وكان موسى عليه السلام لا يراه أحد إلَاّ أحبه، قال تعالى:{وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي} ، فلما ضاقت ذرعا به أُلهمت في سرِّها، ونُفِث في روعها كما قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ

} الآية. وذلك أن دارها كانت على حافة النيل، فاتخذت تابوتا

(1) يقال: قبلت القابلة المرأة: إذا تلقت ولدها حين ولادته.

ص: 1739

ومهدت له فيه مهدا، وجعلت ترضع ولدها فإذا دخل عليها أحد ممن تخافه جعلته في ذلك التابوت وسيرته في البحر وربطته بحبل عندها، فلما كان ذات يوم دخل عليها من تخافه فذهبت فوضعته في ذلك التابوت وأرسلته في البحر، وذهلت عن ربطه، فذهب مع الماء حتى مرَّ به على دار فرعون (1)، فكان من أمره ما قص الله - تعالى - بقوله:

8 -

{فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} :

الفاء في قوله: {فَالْتَقَطَهُ} أفصحت عن جمل مقدرة تعرف من السياق، أي: فنفذت ما أُمرت به من إرضاعه ثم إلقائه في اليم عندما خافت عليه. والمراد من آل فرعون: أتباعه وجواريه، ومن التقاطه: أخذه، والتعبير عنه بالالتقاط للإيذان بأنهم أخذوه بإعزاز واهتمام كما يهتم باللقطة، قال ابن كثير في تصوير ذلك: فالتقطه الجوارى فاحتملنه فذهبن به إلى امرأة فرعون، ولا يدرين ما فيه، وخشين أن يفتحنه قبل أن تفتحه هي، فلما كشفت عنه إذا هو غلام من أحسن الخلق وأجمله وأبهاه، فأوقع الله محبته في قلبها حين نظرت إليه وذلك لسعادتها وما أراده الله من كرامتها، وشقاوة زوجها (2).

واللام في قوله: {لِيَكُونَ} لام العاقبة، وليست لام التعليل؛ فإنهم التقطوه ليكون لهم قرة عين، لا ليكون لهم عدوًّا وحزنا، أي: فكانت عاقبة التقاطه أنه كان عدوا لهم ومصدر حزن، لا قرة عين ومصدر فرح وغبطة، حيث كان من أمره معهم ما قص الله.

ومن المفسرين من جعل اللام هنا للتعليل، على معنى أن الله قيَّضهم لالتقاطه، ليجعله لهم عدوا وحزنا، فيكون أبلغ في إبطال حذرهم وخوفهم ولهذا قال عقبه:{إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} .

ولفظ: {خَاطِئِينَ} إما من الخطيئة، وهي الإثم (3)، وإما من الخطأ ضد الصواب (4)، ويكون عن غير عمد.

(1) انتهى كلام ابن كثير مع تصرف سير.

(2)

ابن كثير مع تصرف قليل.

(3)

ويطلق عليه الخِطْء أيضًا - بكسر الخاء وسكون الطاء - وفعله: خَطِىء - بفتح فكسر - إذا تعمد الذنب.

(4)

وفعله: خطيء أيضًا في بعض لغات العرب، أو: هو اسم فاعل من أخطأ على غير قياس.

ص: 1740

والمعنى الإجمالي للآية: ففعلت ما أوحاه الله إليها من إرضاعه ثم إلقائه في اليم عندما خافت عليه، فجرى به الماء إلى قصر فرعون، فأخذه أتباعه بعناية وحرص وفرح كما تؤخذ اللقطة - أخذوه - لتكون عاقبته أن يصير لهم عدوا مخاصمًا في الحق، ومصدر حزن دائم لهم، حيث كان سببًا في غرقهم في اليم وحزن أهليهم عليهم، عقابا لهم على كفرهم بربهم وعصيانهم لرسولهم، إن فرعون وهامان وزيره وأعوانه كانوا آثمين باستعباد بني إسرائيل وظلمهم وقتلهم ذكرانهم، وكفرهم بآيات ربهم، كما كانوا مخطئين في تقديرهم نجاتهم بقتل ذكور بني إسرائيل فقد جحدوا أن الله شديد العقاب.

9 -

{وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ (1) لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9)} (2):

لم يأت في القرآن ولا السنة اسم امرأة فرعون، وجاء اسمها (آسية بنت مزاحم) عند عدد من المفسرين، ويبدو أنه اسم عربى، فهل هي من ذرية العماليق الذين حكموا مصر وكانوا عربًا، أم كانت من قبيلة من قبائل العرب؟ ويبدو لي أنه لا سند له؛ فلذا لا نجزم بصحة هذه التسمية وندعها لعلام الغيوب.

قال القرطبى: يروى أن آسية امراة فرعون رأت التابوت يعوم في البحر فأمرت بسوقه إليها وفتحه، فرأت صبيا صغيرا فرحمته وأحبته فقالت لفرعون:{قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ} أي: هو قرة عين لي ولك.

وقال ابن كثير: يعني أن فرعون لما رآه همّ بقتله؛ خوفا من أن يكون من بني إسرائيل، فجعلت امرأته آسية بنت مزاحم تحاج عنه وتحببه إلى فرعون، فقالت:{قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ} فقال: أما لك فنعم، وأمّا لي فلا، فكان كذلك، وهداها به، وأهلكه الله على يديه اهـ.

وقد نقل ابن كثير عن النسائى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "والذي يحلف به لو أقرَّ فرعون أن يكون قرة عين له كما أقرت امرأته لهداه الله كما هداها".

(1) وقدمت نفسها عليه لما تعلمه من حبه إياها، وإيثار مصلحتها على مصلحته.

(2)

جملة {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} حال من آل فرعون، والتقدير: فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا وقالت امرأته كيت وكيت وهم لا يشعرون وجوز كونه حالا من القائلة والمقول له، والمراد بالجمع اثنان، وقيل غير ذلك.

ص: 1741

والخطاب في {لَا تَقْتُلُوهُ} إما موجه منها إلى فرعون على طريقة التعظيم، حيث خوطب خطاب الجمع، كما قال الشاعر: فقلت ارحموني يا إله محمَّد.

وإما موجه إلى المأمورين بقتل الصبيان، كأنها بعد أن خاطبت فرعون وأخبرته بما يستعطفه على موسى، آنست منه بادرة أمن جديد، فالتفتت إلى خطاب المأمورين بقتل الصبيان فنهتهم عن قتله، معلِّلَة ذلك بقوله - تعالى - حكايته عنها:{عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} أما نفعه لهم فلما رأته فيه من مخايل النجابة، وأما اتخاذه ولدا فلما رأته فيه من مخايل الشرف اللائق بتبنى الملوك، ولم يكن لها منه ولد.

والمعنى الإجمالي للآية: وقالت امرأة فرعون حين بهرها حسن موسى - قال لفرعون أو لأعوانه -: لا تقتلوه وذروه حيًّا لعله ينفعنا نفعا جزيلًا نتوقعه منه، أو نتخذه ولدا ونتبناه حيث لا ولد لنا، وهم لا يدرون ما يُخبئه لهم القدر، من هلاك فرعون وجنوده وإنقاذ بني إسرائيل من عبوديتهم على يديه.

{وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}

المفردات:

{فَارِغًا} أي: خاليًا من كل شيء إلَاّ من شأن موسى، أو خاليا من التعقل وحسن التصرف.

{إنْ كَادَتْ لَتُبْدِي (1) بِه} : إنها كادت لتعلن أمره للناس.

{لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا} الربط على القلب: مجاز عن التثبيت بالصبر.

{لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} : لتكون راسخة الإيمان بصدق وعدنا برده.

(1)(إن) مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، واللام فارقة بينها وبين (أن) النافية، أي: أنها قربت أن تصرح بموسى وحاله معها.

ص: 1742

{قُصِّيهِ} : تتبعي أثره وتعرّفى خبره.

{فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ} : أبصرته عن بعد.

التفسير

10 -

{وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} :

اختلف العلماء في تفسير فراغ قلب أم موسى، فمنهم من فسره بخلوه من كل شيء إلَاّ من أمر موسى، وصح ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما كما روى ذلك التفسير عن ابن مسعود والحسن ومجاهد وعكرمة.

ومنهم من فسَّره بالخلو من الصبر، ومنهم من فسره بنسيانها وعد الله برده إليها من اليم، وقال أبو عبيدة: فارغا من الهم حيث عرفت أنه لم يغرق، وأن فرعون عطف عليه وتبناه - كما يقال: فلان فارغ البال، وقال أخرون: فارغا من العقل لما دهمها من الخوف والحيرة حين سمعت بوقوعه في يد عدوه فرعون كما في قوله - تعالى -: {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} أي: لا عقول فيها.

فعلا رأى ابن عباس يكون معنى الآية: وصار قلب أم موسى فارغا من كل شيء إلا من أمر موسي حيث ألقته في البحر، ولا تدرى أين ذهب الماء به، إنها كادت لشدة وجدها وحزنها على فراقه، لتظهر أنها ذهب ولدها في البحر، وتخبر بحالها معه، لولا أن ثبتها الله وصبرها لتكون من الملتزمين بتصديق الله في وعده ، وعلى رأى أبي عبيدة: وصار فؤاد أم موسى فارغا من الهم حيث عرفت أنه لم يغرق. وأن فرعون وامرأته تبنياه. إنها أوشكت أن تبوح بأمره وتكشف سره إلى آخر المعنى السابق.

11 -

{وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} :

كان لموسى عليه السلام أخت كبرى تحسن تنفيذ ما تكلف به، وكان اسمها مريم - كما قيل - فلما ألقته أمه في البحر قالت لأخته هذه: تتبعي أثره واعرفي خبره لتعرف مصيره، فأبصرته عن بعد وأهل فرعون لا يشعرون أنها أُخته، وأنها تتعرف حاله ومصيره.

ص: 1743

{وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (13) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14)}

المفردات:

{حَرَّمْنَا} : منعنا، فالتحريم مجاز عن المنع؛ لأن من حُرِّم عليه شيء فقد منعه.

{الْمَرَاضِعَ} : جمع مرضع؛ وهي المرأة لها ولد ترضعه فإن وصفتها بإرضاع الولد قلت: مرضعة.

{يَكْفُلُونَهُ} : يتولونه ويقومون على تربيته ورضاعته.

{أَشُدَّهُ} : قوته، وهو ما بين ثماني عشرة إلى ثلاثين سنة كما ذكره صاحب القاموس، وقال البيضاوى: هو من ثلاثين إلى أربعين سنة، وهو واحد جاء على بناء الجمع، كآنُك (1)، ولا نظير لهما، أو جمع لا واحد له.

{وَاسْتَوَى} : واعتدل وتمَّ وبلغ المبلغ الذي لا يُزَاد عليه، واستوى الرجل: بلغ أشده أو أربعين سنة.

{حُكْمًا} أي: حكمة.

{وَعِلْمًا} : ومعرفة وفهما، وعلمه - بكسر اللام - علمًا: عرفه.

التفسير

12 -

{وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} :

(1) الآنك: الرصاص.

ص: 1744

لما أصبح موسى بدار فرعون وأحبته زوجته وطلبت منه الإبقاء على حياته قائلة: {قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} عرضوا عليه المراضع التي كانت لديهم، فلم يقبل منهن ثديا، فذلك قوله - تعالى -:{وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ .. } إلخ.

والمعنى: منع الله موسى أن يرضع ثدى امرأة قط - قال ابن عباس: لا يؤتى له بمرضع فيقبلها، وهذا تحريم منع لا تحريم شرع، قال امرؤ القيس:

جالت لتصرعنى فقلت لها اقصرى

إني امرؤ صَرْعِي عليك حرام

أي: ممتنع.

وقد منعه الله - سبحانه - أن يرتضع ثدى امرأة غريبة، حتى يحدث ما أراده - سبحانه - من قبل حضور أخته التي كانت تتبعه.

قال ابن كثير: وذلك لكرامته عند الله وصيانته له أن يرتضع غير أمه، ولأن الله سبحانه وتعالى جعل ذلك سببا لرجوعه إليها.

فاغتم آل فرعون لامتناعه عن الرضاعة وأهمَّهم ذلك وخافوا عليه التلف والهلاك.

وتلمّسوا له المراضع؛ فلما رأتهم أُخته حائرين فيمن يرضعه قالت: ألا أرشدكم إلى أسرة كريمة تكفله وتتعهده بالرضاع والتربية وتقوم برعايته، ولا تقصر في خدمته، وهم له حافظون ومخلصون في رعايتهم له، فلما قالت لهم ذلك طلبوا هذه المرضع، فلما حضرت دخلوا بها عليه، فأعطته ثديها فالتقمه، ففرحوا بذلك فرحا شديدا، واستدعت زوجة الملك أم موسى وأحسنت إليها وأعطتها عطاء جزيلا - وهي لا تعرف إنها أمه الحقيقية - وحين طلبت أم موسى أن تأخذ معها موسى لترضعه في بيتها أجابتها امرأة فرعون إلى ذلك، وأجرت عليها النفقة والإحسان الجزيل، وهكذا رجعت أم موسى بولدها إلى بيتها راضية مرضية قد أبدلها الله بعد خوفها آمنا في عز وجاه ورزق واسع، ولهذا جاء في الحديث:"مثل الذي يعمل ويحتسب في صُنعه الخير كمثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها".

ص: 1745

ولم يكن بين الشدة والفرج إلا القليل، فسبحان من بيده الأمر، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فهو الذي جعل لمن اتقاه عند كل هم فرجا، ومع كل ضيق مخرجا، ولله در القائل:

وإذا العناية لاحظتك عيونها

نم فالمخاوف كلهن أمان

13 -

{فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} :

أرجع الله موسى إلى أُمه كي تطيب نفسها وتسرّ بعودته إليها، ولا تحزن بفراقه، ولتزداد علما بأن جميع ما وعد الله حق لا خُلف فيه من رده إليها وجعله من المرسلين، بمشاهدة بعضه، وقياس بعضه عليه، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أنه حق فيرتابون، ويشبه أن تكون جملة {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} تعريضا بما فرط من أمه حين سمعت بخبر موسى ووقوعه في يد عدو الله فرعون، فنسيت وعد الله فجزعت وأصبح فؤادها فارغا بعد أن أضحى وليدها الرضيع كالحمل الوديع في عرين الأسد.

{وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} : حكتم الله في أفعاله وعواقبها المحمودة، فربما يقع الأمر كريها إلى النفوس وعاقبته محمودة، كما قال تعالى:{وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} .

وقال القرطبي: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} يعني أكثر آل فرعون لا يعلمون، أي: كانوا في غفلة عن التقدير وسر القضاء.

14 -

{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} :

لما ذكر الله - تعالى - مبدأ أمر موسى عليه السلام ذكر أنه لما بلغ أشده وكمل وتم نضجه أعطاه الله الحكمة والعلم والمعرفة والحلم، ومثل ذلك الجزاء الذي جزينا به موسى وأمه نكافيء المحسنين على إحسانهم.

واختلف في زمان بلوغ الأشُّد والاستواء، أخرج ابن أبي الدنيا من طريق الكلبي عن ابن عباس أنه قال: الأشد ما بين الثماني عشرة إلى الثلاثين، والاستواء ما بين الثلاثين

ص: 1746

إلى الأربعين ، وأخرج ابن حميد عن مجاهد أنه قال: الأشد ثلاث وثلاثون سنة، والاستواء أربعون سنة، وهي رواية عن ابن عباس.

ونقل عن الزجاج: أن الأشد ما بين الثلاثين إلى الأربعين، واختاره بعضهم لموافقته لقوله تعالى:{حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} لأنه يشعر بأنه منتهٍ إلى الأربعين، والحق أن بلوغ الأشد في الأصل هو الانتهاء إلى حد القوة وذلك وقت تمام النمو وغايته، والاستواء: تمام العقل وكماله ونضجه، وذلك يختلف باختلاف الأقاليم والأعصار والأحوال ولذا وقع له تفاسير كثيرة في كتب اللغة والتفسير.

كما اختلف في المراد من الحكم والعلم، قال الزمخشرى: العلم: التوراة، والحكم: السنة، وحكمة الأنبياء عليهم السلام: سنتهم، قال تعالى في سورة الأحزاب:{وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} الآية: 34.

وقيل: آتيناه سيرة الحكماء والعلماء وأخلاقهم وسَمْتَهم قبل البعثة، لأن استنباءه عليه السلام كان بعد وكْزِ القبطى، والهجرة إلى مدين ورجوعه منها.

ص: 1747

{وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (17) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19)}

المفردات:

{فَاسْتَغَاثَهُ} : فطلب غوثه ونصره ومساعدته. {شِيعَتِهِ} شيعةُ الرجل - بكسر الشين -: أتباعه وأنصاره، ويقع على الواحد وغيره مذكرا ومؤنثا، وقد غلب على كل من يتولى عليا وآل بيته حتى صار اسما خاصا بهم.

ص: 1748

{فَوَكَزَهُ مُوسَى} : فضربه بِجُمْع كفه (1)، وقد يطلق الوكز على معنى الطعن والدفع. {فَقَضَى عَلَيْهِ} قال الآلوسى: أنهى حياته، أي: جعلها منتهية مُتقضِّية.

{ظَهِيرًا} : مُعِينًا ومساعدا. {يَتَرَقَّبُ} : ينتظر ويترصد المكروه.

{اسْتَنْصَرَهُ} : طلب نصره ومعاونته. {يَسْتَصْرِخُهُ} : يستغيث به.

{يَبْطِشَ} : يأخذه بالعنف والشدة والبأس. {جَبَّارًا} الجبار: اسم من أسمائه تعالى، والجبار: العظيم القوى، وكل عات، ومن يقاتل في غير حق.

التفسير

15 -

{وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ} :

ذكر سبحانه وتعالى قصة قتل موسى ذلك القبطى الذي كان سبب خروجه من الديار المصرية إلى بلاد مدين، ثم ما قدر له بعد ذلك من الإكرام والنبوة والتكليم فقال:

{وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا

} إلخ.

قال ابن عباس: دخل موسى مدينة - منف - من أرض مصر في وقت لا يعتاد دخولها أو لا يتوقعونه فيه، وكان - كما روى عن الحَبْر - وقت القائلة، وفي رواية عنه: بين العشاء والعتمة.

وإزاءَ هذا الخلاف في الرواية عن ابن عباس، نرى أن التعيين لا مبرر له، فيكفى أنه وقت غفلة، والله يعلم أكان ليلًا أم نهارا؟

وقال ابن إسحاق: هي مصر، وكأن موسى - عليه ابسلام - قد بدت منه مجاهرة لفرعون وقومه بما يكرهون، فاختفى وغاب ثم دخلها متنكرا، فوجد فيها رجلين يتنازعان ويتحاربان أحدهما ممن شايعة وتابعه، وهم بنو إسرائيل، والآخر من مخالفيه وهم القبط،

(1) في القاموس: جمع الكف - بالضم - وهو حين تقبضها.

ص: 1749

فاستعان الإسرائيليُّ بموسى وطلب منه نصره ومساعدته على خصمه القبطى، واستجاب له موسى وأعانه وضرب القبطى فقتله من غير قصد، ثم أسف موسى وقال: إن إقدامي على هذا من تزيين الشيطان وإغوائه، إن الشيطان للإنسان لعدو ظاهر العداوة واضح الضلال والإضلال.

واختلف في سبب تقاتل هذين الرلجبن، فقيل: كان أمرا دينيا، وقيل: كان أمرًا دنيويا، روى أن القبطى كلف الإسرائيلى حمل الحطب إلى مطبخ فرعون فأبى، فاقتتلا لذلك، وكان القبطى - كما روى عن سعيد بن جبير - خبازا لفرعون، والله أعلم بصحة ذلك.

16 -

{قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} :

قال موسى - متضرعا داعيا ربه -: يا رب إني أسأت إلى نفسي، بما فعلت من ضرب ترتب عليه القتل، وكان فيه ذهاب النفس، فاغفر لي ذنبي، وهكذا ندم على عمله فحمله ندمه على الرجوع لربه والاستغفار من ذنبه فغفر الله له.

ولا يشكل ذلك على القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر قبل الرسالة وبعدها، لأن الوكز من الصغائر، وما وقع من القتل كان خطأ كما قاله كعب وغيره - بل قيل: لا يشكل أيضًا على القول بعصمتهم عن الصغائر والكبائر مطلقا لجواز أن يكون عليه السلام قد رأى أن في الوكز دفع ظالم عن مظلوم وتخليص ضعيف من قوي، ومنْعَ معتد من اعتدائه، ففعله غير قاصد به القتل، وكأنه عليه السلام بعد أن وقع منه ما وقع تأمل، فظهر له إمكان الدفع بغير الوكز، وأنه لم يتثبت في أمره لما اعتراه من الغضب، فعلم أنه فعل خلاف الأولى بالنسبة إلى أمثاله، فقال ما قال من أنه من عمل الشيطان على عادة المقربين في استعظام خلاف الأوْلى:

17 -

{قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} :

قال موسى - خاضعا سائلا ربه متوجها إليه -: يا رب بحق إنعامك عليّ بالمعرفة والحكمة والتوحيد، وحفظي من شر فرعون وقومه وفقني للخير والصواب، فإن وفقتنى إلى ذلك

ص: 1750