المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[أولا الجهاد أمره عظيم في الإسلام] - مهمات حول الجهاد

[صالح الفوزان]

الفصل: ‌[أولا الجهاد أمره عظيم في الإسلام]

[أولا الجهاد أمره عظيم في الإسلام]

مهمات حول الجهاد أولا: الجهاد أمره عظيم في الإسلام: جاء الحث عليه في الكتاب والسنة وضبطه أهل السنة والجماعة بضوابط تميزوا بها عن غيرهم ممن خالفهم في ذلك.

ومما قرروه في ذلك ما قاله أبو جعفر الطحاوي -رحمه الله تعالى-: "والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة "(1) ونقل شيخ الإسلام في "الواسطية" عقيدة أهل السنة والجماعة فكان مما قال "ويرون إقامة الحج والجهاد والجمع مع الأمراء أبرارا كانوا أو فجارا "(2) .

ونقل الإمام الحسن بن علي البربهاري عن الإمام أحمد رحمهما الله أنه قال "والحج والغزو مع الإمام ماض "(3) .

قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن - رحمهما الله تعالى - "واستمر العمل على هذا بين علماء الأمة من سادات الأمة وأئمتها يأمرون بطاعة

(1) ينظر شرح الطحاوية (2 / 555) .

(2)

مجموع الفتاوى (3 / 158) .

(3)

شرح السنة ص 29، 28.

ص: 13

الله ورسوله والجهاد في سبيله مع كل إمام بر أو فاجر، كما هو معروف في كتب أصول الدين والعقائد " (1) .

ومن عقيدتهم أيضا ما نقله الإمام الحسن بن علي البربهاري عن الإمام أحمد - رحمهما الله تعالى - أن من ولي الخلافة بإجماع الناس عليه ورضاهم به فهو أمير المؤمنين لا يحل لأحد أن يبيت ليلة ولا يرى أن ليس عليه إمام برا كان أو فاجرا (2) .

ويدل على ذلك ما روى الإمام مسلم (3) أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما جاء إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية فقال: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة فقال: إني لم آتك لأجلس أتيتك لأحدثك حديثا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية.»

ولما خلع الناس يزيد بن معاوية جمع عبد الله بن عمر بنيه وأهله ثم

(1) الدرر السنية (7 / 178، 177) .

(2)

شرح السنة للبربهاري ص 28.

(3)

في صحيحه (12 / 240) بشرح النووي.

ص: 14

تشهد ثم قال: أما بعد فإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني سمعت رسوله الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة» ، وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني لا أعلم غدرا أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال، وإني لا أعلم أحدا منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه (1) .

وإذا تقرر سبيل أهل السنة والجماعة في الجهاد وأنه لا يجوز لمن حان تحت ولاية إمام أن يجاهد إلا بإذنه، فإن مما ينبغي بيانه هنا أقوالهم في انعقاد الإمامة، وبم تحصل.

وقد أجمعوا على أنها تنعقد بأمور منها:

1 -

لو نص الرسول صلى الله عليه وسلم على أن فلانا هو الإمام فإنها تنعقد له بذلك، وقال بعض أهل العلم: إن إمامة أبي بكر رضي الله عنه من هذا القبيل؛ لأن تقديم النبي صلى الله عليه وسلم له في إمامة الصلاة هي أهم شيء، وفيه الإشارة إلى التقديم للإمامة الكبرى وهو ظاهر (2) .

(1) صحيح البخاري كتاب الفتن باب: إذا قال عند قوم شيئا ثم خرج فقال بخلافه (13 / 74) من فتح الباري.

(2)

أضواء البيان (1 / 51) .

ص: 15

2 -

الاختيار من أهل الحل والعقد (1) .

3 -

الاستخلاف: قال أبو الحسن الماوردي: "وأما انعقاد الإمامة بعهد من قبله فهو مما انعقد الإجماع على جوازه، ووقع الاتفاق على صحته لأمرين عمل المسلمون بهما ولم يتناكروهما، أحدهما:

أن أبا بكر رضي الله عنه عهد إلى عمر رضي الله عنه فأثبت المسلمون إمامته بعهده.

والثاني: أن عمر رضي الله عنه عهد بها إلى أهل الشورى فقبلت الجماعة دخولهم فيها وهم أعيان العصر اعتقادا لصحة العهد بها، وخرج باقي الصحابة منها (2) .

4 -

التغلب: قال الإمام أحمد رحمه الله في العقيدة التي رواها عنه عبد الله بن مالك العطار "ومن غلب عليهم- يعني الولاة- بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماما برا كان أو فاجرا (3) .

(1) أضواء البيان (1 / 51) .

(2)

الأحكام السلطانية ص 39.

(3)

الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 23 ط الفقي، وطبقات الحنابلة لأبي يعلى (1 / 241، 246) وينظر في اعتقاد أهل السنة- اللالكائي (1 / 160) .

ص: 16

وكان ابن عمر رضي الله عنه في زمان الفتنة لا يأتي أمير إلا صلى خلفه وأدى إليه زكاة ماله (1) .

وروى البخاري عن عبد الله بن دينار قال: شهدت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حيث اجتمع الناس على عبد الملك قال: إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين على سنة الله وسنة رسوله ما استطعت وإن بني قد أقروا بمثل ذلك (2) .

قال ابن حجر: " قوله "حيث اجتمع الناس على عبد الملك " يريد ابن مروان بن الحكم، والمراد بالاجتماع: اجتماع الكلمة وكانت قبل ذلك مفرقة، وكان في الأرض قبل ذلك اثنان كل منهما يدعى له بالخلافة وهما: عبد الملك بن مروان، وعبد الله بن الزبير (3) .

وقال: " وكان ابن عمر في تلك المدة امتنع أن يبايع لابن الزبير أو لعبد الملك فلما غلب عبد الملك واستقام له الأمر بايعه (4) أ. هـ.

(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات (4 / 193) دار بيروت.

(2)

صحيح البخاري كتاب الأحكام، باب: كيف يبايع الإمام الناس.

(3)

فتح الباري (13/ 194) .

(4)

فتح الباري (13 / 195) .

ص: 17

وروى البيهقي في مناقب الشافعي عن حرملة قال: سمعت الشافعي يقول: "كل من غلب على الخلافة بالسيف حتى يسمى خليفة ويجمع الناس عليه فهو خليفة (1) .

قال ابن حجر: " وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه (2) أ. هـ.

وذكر الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن - رحمهما الله تعالى - حصول ولاية آل مروان بالتغلب ومع ذلك انقاد لهم سائر أهل القرى والأمصار، وكذلك مبدأ الدولة العباسية، ثم قال: "وأهل العلم مع هذه الحوادث متفقون على طاعة من تغلب عليهم في المعروف يرون نفوذ أحكامه وصحة إمامته لا يختلف في ذلك اثنان (3) .

وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب: "الأئمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلب على بلد أو بلدان له حكم الإمام في جميع الأشياء ولولا هذا ما استقامت الدنيا لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام

(1) مناقب الشافعي (1 / 448) تحقيق أحمد صقر.

(2)

فتح الباري (13 / 7) .

(3)

مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (3 / 167) .

ص: 18

أحمد إلى يومنا هذا ما اجتمعوا على إمام واحد ولا يعرفون أحدا من العلماء ذكر أن شيئا من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم (1) .

وقد قدمت كلام الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن على كلام الإمام محمد بن عبد الوهاب لفائدة في كلام الأخير يحسن التنبيه عليها وهي:

صحة تعدد الأئمة عند الاضطرار وحل إمام منهم في قطره يأخذ حكم الإمام

ولذلك قال شيخ الإسلام: والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد والباقون نوابه، فإذا فرض أن الأئمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها وعجز من الباقين أو غير ذلك فكان لها عدة أئمة لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود ويستوفي الحقوق (2) .

ولما تكلم ابن كثير عن هذه المسألة قال: "وهذا يشبه حال الخلفاء من بني أمية والعباس بالعراق، والفاطميين بمصر، والأمويين بالمغرب (3) .

(1) الدرر السنية (9/ 5) .

(2)

مجموع الفتاوى (34 / 175، 176) .

(3)

تفسيره (1 / 74) ط. مكتبة النهضة بمكة المكرمة.

ص: 19

وقال الشوكاني في شرح قول صاحب الأزهار: " ولا يصح إمامان " "وأما بعد انتشار الإسلام، واتساع رقعته، وتباعد أطرافه؛ فمعلوم أنه قد صار في كل قطر أو أقطار الولاية إلى إمام أو سلطان، وفي القطر الآخر كذلك، ولا ينعقد لبعضهم أمر ولا نهي في قطر الآخر وأقطاره التي رجعت إلى ولايته.

فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين، ويجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطر الآخر.

فإذا قام من ينازعه في القطر الذي قد ثبتت فيه ولايته، وبايعه أهله؛ كان الحكم فيه أن يقتل إذا لم يتب.

ولا تجب على أهل القطر الآخر طاعته، ولا الدخول تحت ولايته لتباعد الأقطار، فإنه قد لا يبلغ إلى ما تباعد منها خبر إمامها أو سلطانها، ولا يدري من قام منهم أو مات، فالتكليف بالطاعة والحال هذا تكليف بما لا يطاق.

وهذا معلوم لكل من له اطلاع على أحوال العباد والبلاد".

ثم قال في آخر كلامه: " فاعرف هذا فإن المناسب للقواعد الشرعية، والمطابق لما تدل عليه الأدلة، ودع عنك ما يقال في مخالفته، فإن الفرق

ص: 20

بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في أول الإسلام وما هي عليه الآن أوضح من شمس النهار.

ومن أنكر هذا فهو مباهت لا يستحق أن يخاطب بالحجة لأنه لا يعقلها (1) ا. هـ

(1) السيل الجرار (4 / 512) .

ص: 21