الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الروم؛ لأنها لم تتوقف أبدا، حتى في سنوات الإعداد لحصار "القسطنطينية"، بل وأثناء حصارها أيضا1.
وإذا كانت أحداث الفتن الداخلية "من 60-72هـ" أدت إلى انكسار الدولة الأموية في صراعها مع الروم البيزنطيين فإنه ما إن استقرت الأوضاع في الداخل -ولو جزئيا- حتى بدأ الأمويون يعاودون الهجوم بعنف، ويحققون الفتوحات والانتصارات، ويستعيدون بعض ما ضاع من الدولة الإسلاميةن مثل "المصيصة" التي استردها عبد الملك بن مروان "سنة 84هـ" بعد أربعة عشر عاما من وقوعها في يد البيزنطيين.
وفي عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك "86-96هـ" -وبفضل الإنجازات الهامة التي حققها والده في إرساء دعائم الجبهة الداخلية توحيد الدولة الأموية- ستبدأ حركة فتوحات واسعة في الشرق والغرب، وسوف يجبر البيزنطيون على الارتداد لموقف الدفاع مرى أخرى. وقد استهل "الوليد" عهد بفتح حصين "طوانة""88هـ" -وهي مفتاح الطريق بين الشام ومضيق البوسفور، بعد أن كبد البيزنطيين خمسين ألف مقاتل2. ثم فتح "عمورية" و"هرقلية" "عام 89هـ"3. وبدأ يعد العدة للإيقاع بالقسطنطينية.
1 راجع: الدولة الأموية دولة لفتوحات "ص26".
2 راجع: الكامل لابن الأثير "4/ 246".
3 الكامل لابن الأثير "4/ 249".
الحصار الثالث للقسطنطينية بقيادة مسلمة بن عبد الملك "97-98ه
ـ":
تابع الوليد بن عبد الملك سياسة تقوية الأسطول الإسلامي، وعمل على تنسيق التعاون بين القوات البرية والبحرية، وخلق مناخا طيبا للعمليات الحربية، حتى إذا جاءت "سنة 94هـ" بدأ في الاستعداد لغزو العاصمة البيزنطية، وجهز حملة بحرية برية بقيادة أخيه مسلمة بن عبد الملك. وما إن ترامت أخبار هذه الاستعدادات إلى السلطات البيزنطية حتى بدأ تهتم بتدعيم وسائل الدفاع عن أسطوار "القسطنطينية"، كما عنيت بقتوية الدفاع البحري تمهيدا لحصار قد يطول أمده كما حدث في الحصار الثاني. ولكن وفاة الوليد بن عبد الملك أدت إلى إرجاء إنفاذ الحملة إلى مقصدها،
فلما تولى سليمان بن عبد الملك الخلافة أخذ يجهز الجيوش للسير إلى "القسطنطينية" وخرجت الحملة بالفعل بقيادة مسلمة بن عبد الملك في أسطول كبير يقدر عدده ثمانية عشر ألف سفينة -وقيل: ألف وثمانمائة سفينة- ومعه مائة وعشرون ألف مقاتل، وتوجه نحو المدينة العتيقة "سنة 98هـ/ 716م" ليبدأ الحصار الثالث.
ولقد انتهى هذا الحصار -الذي استمر عامين- بالفشل في اقتحام "القسطنطينية" كما حدث في الحصار السابق له. ويرجع فشل هذا الحصار الثالث إلى العديد من الأسباب، بعضها كان عاملا هاما في فشل حصار السبع سنوات السابق، وبعضها ظهر جديدا في الحصار الأخير. فمن الأسباب المتكرره: قسوة الظروف الطبيعية "المناخ"، ومهارة المقاتلين البيزنطيين في استخدام "النار الإغريقية"، وعزم أهل المدينة واستماتهم في الدفاع عنها، يساعدهم في ذلك منعة أسوارها وموقعها1.
أما أهم الأسباب المستجدة والتي أدت إلى فشل الحصار فهو محالفة المسلمين لأحد الروم البيزنطيين، وهو القائد العسكري "ليو الأيسوري""الأرمني"، وكان طامعا في عرش بيزنطة، ففاوض "مسلمة بن عبد الملك" قائد الحملة على أن يعاونه فيما يريد، ويتركه يدخل "القسطنطينية"، حتى إذا نجح "ليو" في عزل الإمبراطور "ثيودوسيوس" الثالث، ونصب نفسه إمبراطورا، مهد للمسلمين دخول المدينة. وقد عاونه مسلمة وأجابه إلى طلبه، فلما تمكن "ليو" من الحكم نقض عهده المدينة، وانقلب عليهم، وانضم إلى إخوانه البيزنطيين، واجتهد في تحصين البلد، ونجح في صد الحملة الإسلامية عن أسوارها المنيعة2. وهذا يؤكد أن معاهدة المسلمين لأطراف غير إسلامية بغرض التناصر ضد طرف غير إسلامي إنما هو سلاح ذو حدين، وأن عواقب استخدامه بغير حرص وخيمة وحاسمة.
وبالرغم من أن المسلمين قد لاقوا في هذا الحصار صعوبات كثيرة، وقدموا تضحيات هائلة، وقتل منهم عدد كبير، وحطمت الريح العاتية عددا من السفن، وسببت خللا في الأسطول، وانتهز البيزنطيون هذه الفرصة وسلطوا نيرانهم اليونانية
1 الدولة الأموية دولة الفتوحات لنادية مصطفى "ص30"، الصراع بين العرب وأوروبا من ظهور الإسلام إلى انتهاء الحروب الصليبية للدكتور عبد العظيم رمضان "ص113".
2 راجع: تاريخ الطبري "6/ 530، 531"، والكامل في التاريخ لابن الأثير "4/ 304، 305"، وراجع: الحدود الإسلامية البيزنطية لفتحي عثمان "2/ 85-91".
على السفن الإسلامية وأحرقوا عددا كبيرا منها -بالرغم من ذلك كله فإن المسلمين استمروا في إحكام الحصار إلى أن توفى سليمان بن عبد الملك "في 10 من صفر سلنة 99هـ"، وحل الشتاء ببرده وثلجه، فهلك عدد كبير من العسكر من شدة البرد، ونفقت معظم الخيول والدواب، وعدم الأقوات، وحل الضيق بمعسكر المسلمين حتى أكل الجند الدواب والجلود وأصول الشجر والورق، وكل شيء غير التراب، وظل الأمر كذلك إلى أن كتب الخليفة الجديد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى مسلمة -وهو بأرض الروم- يأمره بالعودة بمن معه من المسلمين، ووجه إليه خيلا وطعاما كثيرا، وحث الناس على معونتهم1.
لقد كانت هذه الحملة الثالثة على "القسطنطينية" أعظم وأضخم الحملات التي استطاعت قوى الإسلام أن تجردها لهزيمة القوى البيزنطية، وكانت أعظم مجهود استطاع أن يبذله المسلمون لحمل لواء الإسلام إلى أمم الغرب غير الإسلامي، ثم إن الظروف لم تكن -ولن تكن أبدا مواتية- لتحقيق هذه الهدف إلا بعد سبعة قرون عندما سينجح الأتراك "المسلمون" العثمانيون في فتح "القسطنطينية""857هـ/ 1453م".
ولقد حاول إخفاق المسلمين -زمن بني أمية- في فتح "القسطنطينية" من انتشار الإسلام في أوروبا، ولو قدر للمسلمين النجاح في ذلك الوقت لتغير مصير أوروبا بعد هذا الوقت وإلى الآن، ولنشأت فيها أمم غير الأمم، ودين غير دين المسيحية، أي لو قدر ونجحت تلك الحملة الثالثة في الاستيلاء على "القسطنطينية" لكانت الدولة الأموية قد نقلت النظام الدولي من نظام ثنائي الأقطاب إلى نظام عالمي أحادي الأقطاب، يتسيده المسلمون، وتدخل فيه أوروبا ضمن ديار الإسلامن ويتغير مسار التاريخ2.
وختاما نقول: لم تكن تلك الغزوة إلا جولة من جولات عديدة تعاورها الظفر والفشل، ولم تتوقف حركة الجهاد بعدها، وظل الفتح مستمرا على جميع الجبهات في الشرق والغرب، وظل الجهاد مع البيزنطيين قائما وإن لم يحدث غزو لـ "القسطنطينية" مرة أخرى في الفترة المتبقية من عصر بني أمية.
1 تاريخ الطبري "6/ 530، 531"، ص"553"، الكامل لابن الأثير "4/ 315".
2 راجع: الدولة الأموية دولة الفتوحات، ص"32""بتصرف يسير".