المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

مما اسْتَخْفَوْا به منكم. (1) 8097- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق - تفسير الطبري جامع البيان - ط دار التربية والتراث - جـ ٧

[ابن جرير الطبري]

الفصل: مما اسْتَخْفَوْا به منكم. (1) 8097- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق

مما اسْتَخْفَوْا به منكم. (1)

8097-

حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا الحارث بن مسلم، عن بحر السقاء، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن قال: سئل عن قوله:"قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم"، قال: كتب الله على المؤمنين أن يقاتلوا في سبيله، وليس كل من يقاتل يُقتل، ولكن يُقتل من كَتب الله عليه القتل. (2)

* * *

القول في تأويل قوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ‌

(155) }

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إنّ الذين ولَّوا عن المشركين، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وانهزموا عنهم.

* * *

وقوله:"تولَّوا"،"تفعَّلوا"، من قولهم:"ولَّى فلان ظهره". (3)

* * *

(1) الأثر: 8096- سيرة ابن هشام 3: 122، وهو تتمة الآثار التي آخرها:8089.

(2)

الأثر: 8097-"الحارث بن مسلم الرازي المقرئ"، روى عن الثوري، والربيع بن صبيح وغيرهما. قال أبو حاتم:"الحارث بن مسلم، عابد، شيخ ثقة صدوق. رأيته وصليت خلفه". مترجم في ابن أبي حاتم 1 / 2 / 88.

و"بحر السقاء"، هو"بحر بن كنيز الباهلي السقاء أبو الفضل" روي عن الحسن، والزهري وقتادة. وهو جد"عمرو بن علي الفلاس". وروى عنه الثوري وكناه ولم يسمه، قال يحيى بن سعيد القطان:"كان سفيان الثوري يحدثني، فإذا حدثني عن رجل يعلم أني لا أرضاه كناه لي، فحدثني يوما قال حدثني أبو الفضل، يعني بحرًا السقاء". وقال يحيى بن معين: "بحر السقاء، لا يكتب حديثه". وهو متروك. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 418.

(3)

انظر تفسير"تولى" فيما سلف 2: 162، 299 / 3: 115، 131 / 4: 237 / 6: 283، 291، 477، 483.

ص: 326

وقوله:"يوم التقى الجمعان"، يعني: يوم التقى جمعُ المشركين والمسلمين بأحد ="إنما استزلهم الشيطان"، أي: إنما دعاهم إلى الزّلة الشيطانُ.

* * *

وقوله"استزل""استفعل" من"الزلة". و"الزلة"، هي الخطيئة. (1)

* * *

="ببعض ما كسبوا"، يعني ببعض ما عملوا من الذنوب (2) . ="ولقد عفا الله عنهم"، يقول: ولقد تجاوز الله عن عقوبة ذنوبهم فصفح لهم عنه (3) ="إن الله غفور"، يعني به: مغطّ على ذنوب من آمن به واتبع رسوله، بعفوه عن عقوبته إياهم عليها ="حليم"، يعني أنه ذو أناة لا يعجل على من عصاه وخالف أمره بالنقمة. (4)

* * *

ثم اختلف أهل التأويل في أعيان القوم الذين عُنوا بهذه الآية.

فقال بعضهم: عني بها كلُّ من ولَّى الدُّبُرَ عن المشركين بأحد.

*ذكر من قال ذلك:

8098-

حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا أبو بكر بن عياش قال، حدثنا عاصم بن كليب، عن أبيه قال: خطب عمر يوم الجمعة فقرأ"آل عمران"، وكان يعجبه إذا خطب أن يقرأها، فلما انتهى إلى قوله:"إنّ الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان"، قال: لما كان يوم أحد هزمناهم، ففررتُ حتى صعدت الجبل، فلقد رأيتني أنزو كأنني أرْوَى، (5) والناس يقولون:"قُتل محمد"! فقلت: لا أجد أحدًا يقول:"قتل محمد"، إلا قتلته!. حتى اجتمعنا على الجبل، فنزلت:"إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان"، الآية كلها. (6)

(1) انظر تفسير: "زل" فيما سلف 1: 524، 525 / 4: 259، 260.

(2)

انظر تفسير"كسب" فيما سلف 2: 273، 274 / 3: 101، 128 / 4: 449 / 6: 131، 295.

(3)

انظر تفسير"عفا" فيما سلف من فهارس اللغة.

(4)

انظر تفسير"غفور حليم" فيما سلف من فهارس اللغة.

(5)

"أنزو": أثبت، والنزو الوثب. والأروى: أنثى الوعول، وهي قوية على التصعيد في الجبال.

(6)

الأثر: 8098-"أبو هشام الرفاعي" هو"محمد بن يزيد بن محمد بن كثير"، مضى في رقم: 3286، 4557، 4888، وغيرها. و"أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي الكوفي الحناط"، قيل اسمه"محمد"، وقيل:"عبد الله" وقيل وقيل، ولكن الحافظ قال:"والصحيح أن اسمه كنيته، كان حافظًا متقنًا، ولكنه لما كبر ساء حفظه، فكان يهم إذا روى، والخطأ والوهم شيئان لا ينفك عنهما البشر، كما قال ابن حبان". مترجم في التهذيب.

و"عاصم بن كليب بن شهاب المجنون الجرمي"، روى عن أبيه، وأبي بردة بن أبي موسى، ومحمد بن كب القرظي، وغيرهم. روى عنه ابن عون وشعبة وشريك والسفيانان وغيرهم. قال أحمد:"لا بأس بحديثه"، وقال النسائي وابن معين:"ثقة". وكان من العباد، ولم يكن كثير الحديث. مترجم في التهذيب.

وأبوه: "كليب بن شهاب بن المجنون الجرمي"، روى عن أبيه، وعن خاله الفلتان بن عاصم، وعمر، وعلي، وسعد، وأبي ذر، وأبي موسى، وأبي هريرة وغيرهم. قال ابن سعد:"كان ثقة، ورأيتهم يستحسنون حديثه ويحتجون به". مترجم في التهذيب.

ص: 327

8099-

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان"، الآية، وذلك يوم أحد، ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تولوا عن القتال وعن نبيّ الله يومئذ، وكان ذلك من أمر الشيطان وتخويفه، فأنزل الله عز وجل ما تسمعون: أنه قد تجاوز لهم عن ذلك وعفا عنهم.

8100-

حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثني عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان"، الآية، فذكر نحو قول قتادة.

* * *

وقال آخرون: بل عني بذلك خاصٌّ ممن ولَّى الدبر يومئذ، قالوا: وإنما عنى به الذين لحقوا بالمدينة منهم دون غيرهم.

*ذكر من قال ذلك:

8101-

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لما انهزموا يومئذ، تفرّق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

ص: 328

أصحابه، فدخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها، فذكر الله عز وجل الذين انهزموا فدخلوا المدينة فقال:"إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان"، الآية.

* * *

وقال آخرون: بل نزل ذلك في رجال بأعيانهم معروفين.

*ذكر من قال ذلك:

8102-

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عكرمة قوله:"إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان"، قال: نزلت في رافع بن المعلَّى وغيره من الأنصار، وأبي حُذيفة بن عتبة ورجل آخر = قال ابن جريج: وقوله:"إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم"، إذ لم يعاقبهم.

8103-

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: فرّ عثمان بن عفان، وعقبة بن عثمان، وسعد بن عثمان -رجلان من الأنصار- حتى بلغوا الجلْعَب = (1) جبل بناحية المدينة مما يلي الأعوص - فأقاموا به ثلاثًا، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: لقد ذهبتم فيها عريضةً!! (2)

8104-

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قوله:"إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا" الآية،

(1)"الجلعب" ضبطه البكري بفتح الجيم وسكون اللام وفتح العين، وضبطه ياقوت بفتح الجيم واللام وسكون العين، وقال: وقد تناء بعضهم في الشعر كعادتهم في أمثاله فقال (من أبيات صححتها، ففي مطبوعة معجم البلدان خطأ كثير) : فَمَا فَتِئَتْ ضُبْعُ الجَلَعْبَيْنِ تَعْتَرى

مَصَارِعَ قَتْلَى فِي التُّرَابِ سِبَالُهَا

(2)

قوله: "لقد ذهبتم فيها عريضة"، أي واسعة. والضمير في قوله:"فيها" إلى"الأرض"، يقول: لقد اتسعت منادح الأرض في وجوهكم حين فررتم، فأبعدتم المذهب، يتعجب من فعلهم. هذا، ولم أجد الأثر في سيرة ابن هشام.

ص: 329

والذين استزلهم الشيطان: عثمان بن عفان، وسعد بن عثمان، وعقبة بن عثمان، الأنصاريان، ثم الزّرَقَّيان (1) .

* * *

وأما قوله:"ولقد عفا الله عنهم"، فإن معناه: ولقد تجاوز الله عن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان، أن يعاقبهم بتوليهم عن عدوّهم. كما:-

8105-

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قوله:"ولقد عفا الله عنهم"، يقول:"ولقد عفا الله عنهم"، إذ لم يعاقبهم.

8106-

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله في تولِّيهم يوم أحد:"ولقد عفا الله عنهم"، فلا أدري أذلك العفو عن تلك العصابة، أم عفوٌ عن المسلمين كلهم؟.

* * *

وقد بينا تأويل قوله:"إن الله غفور حليم"، فيما مضى. (2)

* * *

القول في تأويل قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ}

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وأقرّوا بما جاء به محمد من عند الله، لا تكونوا كمن كفر بالله وبرسوله، فجحد نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال لإخوانه من أهل الكفر ="إذا ضربوا في الأرض"

(1) الأثر: 8104- لم أجد هذا الأثر أيضًا في سيرة ابن هشام.

(2)

انظر ما سلف 5: 117، 521.

ص: 330

فخرجوا من بلادهم سفرًا في تجارة ="أو كانوا غُزًّى"، يقول: أو كان خروجهم من بلادهم غزاةً فهلكوا فماتوا في سفرهم، أو قتلوا في غزوهم ="لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا"، يخبر بذلك عن قول هؤلاء الكفار أنهم يقولون لمن غزا منهم فقتل، أو مات في سفر خرج فيه في طاعة الله، أو تجارة: لو لم يكونوا خرجوا من عندنا، وكانوا أقاموا في بلادهم ما ماتوا وما قتلوا ="ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم"، يعني: أنهم يقولون ذلك، كي يجعل الله قولهم ذلك حزنًا في قلوبهم وغمًّا، ويجهلون أن ذلك إلى الله جل ثناؤه وبيده.

* * *

وقد قيل: إن الذين نهى الله المؤمنين بهذه الآية أن يتشبَّهوا بهم فيما نهاهم عنه من سوء اليقين بالله، هم عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه.

*ذكر من قال ذلك:

8107-

حدثني محمد قال: حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"يا أيها الذين آمنو لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم" الآية، قال: هؤلاء المنافقون أصحاب عبد الله بن أبي.

8108-

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله:"وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غُزًّى"، قول المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول.

8109-

حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

* * *

وقال آخرون في ذلك: هم جميع المنافقين.

*ذكر من قال ذلك:

8110-

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"يا أيها

ص: 331

الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم" الآية، أي: لا تكونوا كالمنافقين الذي ينهون إخوانهم عن الجهاد في سبيل الله والضرب في الأرض في طاعة الله وطاعة رسوله، ويقولون إذا ماتوا أو قتلوا: لو أطاعونا ما ماتوا وما قُتلوا. (1)

* * *

وأما قوله:"إذا ضربوا في الأرض"، فإنه اختلف في تأويله. (2) فقال بعضهم: هو السفر في التجارة، والسير في الأرض لطلب المعيشة.

*ذكر من قال ذلك:

8111-

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"إذا ضربوا في الأرض"، وهي التجارة.

* * *

وقال آخرون: بل هو السير في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.

*ذكر من قال ذلك:

8112-

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"إذا ضربوا في الأرض"، الضربُ في الأرض في طاعة الله وطاعة رسوله. (3)

* * *

وأصل"الضرب في الأرض"، الإبعاد فيها سيرًا. (4)

* * *

وأما قوله:"أو كانوا غُزًّى"، فإنه يعني: أو كانوا غزاة في سبيل الله.

* * *

و"الغزَّى" جمع"غاز"، جمع على"فعَّل" كما يجمع"شاهد""شهَّد"، و"قائل""قول"،. وقد ينشد بيت رؤبة:

(1) الأثر: 8110- سيرة ابن هشام 3: 122، 123، وهو تتمة الآثار التي آخرها:8096.

(2)

انظر تفسير"ضرب في الأرض" فيما سلف 5: 593، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1:106.

(3)

الأثر: 8112- سيرة ابن هشام 3: 122، 123، وهو بعض الأثر السالف: 8110، وتتمته.

(4)

انظر تفسير"ضرب في الأرض" فيما سلف 5: 593، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1:106.

ص: 332

فاليوم قَدْ نَهْنَهِني تَنَهْنُهِي

وَأوْلُ حِلْمٍ لَيْسَ بِالمُسَفَّهِ وَقُوَّلٌ: إلا دَهٍ فَلا دَهِ (1)

وينشد أيضًا:

وقَوْلُهُمْ: إلا دَهٍ فَلا دَهِ *

* * *

وإنما قيل:"لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى"، فأصحبَ ماضي الفعل، الحرفَ الذي لا يصحب مع الماضي منه إلا المستقبل، فقيل:"وقالوا لإخوانهم"، ثم قيل:"إذا ضربوا"، وإنما يقال في الكلام:"أكرمتك إذْ زرتني"، ولا يقال:"أكرمتك إذا زرتني". لأن"القول" الذي في قوله:"وقالوا لإخوانهم"، وإن كان في لفظ الماضي فإنه بمعنى

(1) ديوانه: 166، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 106، ومشكل القرآن: 438، وجمهرة الأمثال: 23، وأمثال الميداني 1: 38، والخزانة 3: 90، واللسان (قول)(دها) ، وغيرها كثير، وسيأتي في التفسير 24: 66 (بولاق) . وهو من قصيدته التي يذكر فيها نفسه وشبابه، وقد سلفت منها عدة أبيات في مواضع متفرقة.

"نهنهت فلانًا عن الشيء فتنهنه"، أي: زجرته فانزجر، وكففته فانكف. و"الأول": الرجوع. يقول: قد كفني عن الصبا طولى عتابي لنفسي وملامتي إياها، ورجوع عقل لا يوصف بالسفه، بعد جنون الشباب، ثم قول الناس:"إلا ده، فلا ده".

وقد اختلف في تفسير"إلا ده فلا ده"، اختلاف كثير، قال أبو عبيدة:"يقول إن لم يكن هذا فلا ذا. ومثل هذا قولهم: إن لم تتركه هذا اليوم فلا تتركه أبدًا، وإن لم يكن ذاك الآن، لم يكن أبدًا". وقال ابن قتيبة: "يريدون: إن لم يكن هذا الأمر لم يكن غيره. . . ويروى أهل العربية أن الدال فيه مبدلة من ذال، كأنهم أرادوا: إن لم تكن هذه، لم تكن أخرى".

وقال أبو هلال: "قال بعضهم: يضرب مثلا للرجل يطلب شيئًا، فإذا منعه طلب غيره. وقال الأصمعي: لا أدري ما أصله! وقال غيره: أصله أن بعض الكهان تنافر إليه رجلان فامتحناه، فقالا له: في أي شيء جئناك؟ قال: في كذا، قالا: لا! فأعاد النظر وقال: إلا ده فلا ده - أي: إن لم يكن كذا فليس غيره، ثم أخبرهما. . . وكانت العرب تقول، إذا رأى الرجل ثأره: إلا ده فلا ده - أي: إن لم يثأر الآن، لم يثأر أبدًا".

ومهما يكن من أصله، فإن رؤبة يريد: زجرني عن ذلك كف نفسي عن الغي، وأوبة حلم أطاره جنون الشباب، وقول ناصحين يقول: إن لم ترعو الآن عن غيك، فلن ترعوى ما عشت!

ص: 333

المستقبل. وذلك أن العرب تذهب بـ"الذين" مذهب الجزاء، وتعاملها في ذلك معاملة"من" و"ما"، لتقارب معاني ذلك في كثير من الأشياء، وإن جميعهنّ أشياء (1) مجهولات غير موقتات توقيت"عمرو" و"زيد". (2) .

فلما كان ذلك كذلك = وكان صحيحًا في الكلام فصيحًا أن يقال للرجل:"أكرمْ من أكرمك""وأكرم كل رجل أكرمك"، فيكون الكلام خارجًا بلفظ الماضي مع"من"، و"كلٍّ"، مجهولَيْنِ ومعناه الاستقبال، (3) إذ كان الموصوف بالفعل غير مؤقت، وكان"الذين" في قوله:"لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض"، غير موقَّتين، (4) = أجريت مجرى"من" و"ما" في ترجمتها التي تذهب مذهب الجزاء، (5) وإخراج صلاتها بألفاظ الماضي من الأفعال وهي بمعنى الاستقبال، كما قال الشاعر في"ما":(6)

وإنّي لآتِيكُمْ تَشَكُّرَ مَا مَضَى

مِنَ الأمْرِ واسْتِيجَابَ مَا كَانَ فِي غَدِ (7)

فقال:"ما كان في غد"، وهو يريد: ما يكون في غد. ولو كان أراد الماضي لقال:"ما كان في أمس"، ولم يجز له أن يقول:"ما كان في غد".

ولو كان"الذي" موقَّتًا، لم يجز أن يقال ذلك. خطأ أن يقال:"لتُكرِمن

(1) في المطبوعة: "وأن جمعهن أشياء. . ."، وهو خطأ صوابه من المطبوعة.

(2)

الموقت، والتوقيت: هو المعرفة المحددة، والتعريف المحدد، وهو الذي يعني سماه تعيينًا مطلقًا غير مقيد، مثل"زيد"، فإنه يعين مسماه تعيينًا مطلقًا، أو محددًا. وانظر ما سلف 1: 181، تعليق: 1 / 2: 339. والمجهول: غير المعروف، وهو النكرة.

(3)

في المخطوطة والمطبوعة"مع من وكل مجهول"، والصواب ما أثبت، ويعني بقوله"مجهولين": نكرتين.

(4)

"موقتين" جمع"موقت" بالياء والنون، وهي المعرفة كما سلف. والسياق"وكان الذين.. .. .. غير موقتين"، لأن"الذين" جمع، فوصفها بالجمع.

(5)

في المخطوطة"التي تذهب الجزاء"، وفي معاني القرآن للفراء 1: 243: "لأن"الذين" يذهب بها إلى معنى الجزاء، من: من، وما". فالتصرف الذي ذهب إليه الناشر الأول صواب جيد جدًا."والترجمة" هنا: التفسير والبيان.

(6)

هو الطرماح بن حكيم.

(7)

مضى تخريج البيت وشرحه فيما سلف 2: 351، تعليق:5.

ص: 334

هذا الذي أكرمك إذا زرته"، (1) لأن"الذي" ههنا موقّت، فقد خرج من معنى الجزاء، ولو لم يكن في الكلام"هذا"، لكان جائزًا فصيحًا، لأن"الذي" يصير حينئذ مجهولا غير موقت. ومن ذلك قول الله عز وجل: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) [سورة الحج: 25] فردّ"يصدون" على"كفروا"، لأن"الذين" غير موقتة. فقوله:"كفروا"، وإن كان في لفظ ماض، فمعناه الاستقبال، وكذلك قوله:(إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا)[سورة مريم: 60] وقوله: (إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ)[سورة المائدة: 34]، معناه: إلا الذين يتوبون من قبل أن تقدروا عليهم = وإلا من يتوب ويؤمن. ونظائر ذلك في القرآن والكلام كثير، والعلة في كل ذلك واحدة. (2) .

* * *

وأما قوله:"ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم"، فإنه يعني بذلك: حزنًا في قلوبهم، (3) كما:-

8113-

حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"في قلوبهم"، قال: يحزنهم قولهم، لا ينفعهم شيئًا.

8114-

حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

8115-

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم"، لقلة اليقين بربهم جل ثناؤه. (4)

* * *

(1) في المطبوعة"خطأ أن يقال لك من هذا الذي. . ." أخطأ قراءة المخطوطة فجعل"لتكرمن""لك من" وهو فاسد، والصواب ما أثبت، وهو الذي يدل عليه السياق.

(2)

انظر معاني القرآن للفراء 1: 243، 244.

(3)

انظر تفسير"الحسرة" فيما سلف 3: 295 - 299.

(4)

الأثر: 8115- سيرة ابن هشام 3: 123، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8110، 8112.

ص: 335

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: {وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156) }

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (والله يحيي ويميت) والله المعجِّل الموتَ لمن يشاء من حيث يشاء، (1) والمميت من يشاء كلما شاء، دون غيره من سائر خلقه.

وهذا من الله عز وجل ترغيبٌ لعباده المؤمنين على جهاد عدوه والصبر على قتالهم، وإخراج هيبتهم من صدورهم، وإن قل عددهم وكثر عدد أعدائهم وأعداء الله = وإعلامٌ منه لهم أن الإماتة والإحياء بيده، وأنه لن يموت أحدٌ ولا يقتل إلا بعد فناء أجله الذي كتب له = ونهيٌ منه لهم، إذ كان كذلك، أن يجزعوا لموت من مات منهم أو قتل من قتل منهم في حرب المشركين.

* * *

ثم قال جل ثناؤه:"والله بما تعملون بصيرٌ"، يقول: إن الله يرى ما تعملون من خير وشر، فاتقوه أيها المؤمنون، إنه محصٍ ذلك كله، حتى يجازي كل عامل بعمله على قدر استحقاقه.

* * *

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال ابن إسحاق.

8116-

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"والله يحيي ويميت"، أي: يعجل ما يشاء، ويؤخر ما يشاء من آجالهم بقدرته. (2)

* * *

(1) أخشى أن يكون سقط من الناسخ بعض تفسير الآية، وكأنه كان:"والله المؤخر أجل من يشاء من حيث شاء، وهو المعجل. . ."، وانظر الأثر الآتي رقم:8116.

(2)

الأثر: 8116- سيرة ابن هشام 3: 123، وهو تتمة الآثار التي آخرها:8115.

ص: 336