المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

و"المتقون"، هم الذين خافوا الله وحَذِروا عقابه، فاتقوه بطاعته فيما - تفسير الطبري جامع البيان - ط دار التربية والتراث - جـ ١٠

[ابن جرير الطبري]

الفصل: و"المتقون"، هم الذين خافوا الله وحَذِروا عقابه، فاتقوه بطاعته فيما

و"المتقون"، هم الذين خافوا الله وحَذِروا عقابه، فاتقوه بطاعته فيما أمرهم، وحذروه بترك ما نهاهم عن فعله. وقد مضى البيان عن ذلك بشواهده قبل، فأغنى ذلك عن إعادته. (1)

* * *

القول في تأويل قوله عزّ ذكره: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنْجِيلِ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ‌

(47) }

قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة قوله:"وليحكم أهل الإنجيل".

فقرأته قرأة الحجاز والبصرة وبعض الكوفيين: (2)"وَلْيَحْكُمْ" بتسكين"اللام"، على وجه الأمر من الله لأهل الإنجيل: أن يحكموا بما أنزل الله فيه من أحكامه. وكأنّ من قرأ ذلك كذلك، أراد: وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونورٌ ومصدقًا لما بين يديه من التوراة، وأمرنا أهْلَه أن يحكموا بما أنزل الله فيه= فيكون في الكلام محذوف، ترك استغناءً بما ذكر عما حُذِف.

* * *

وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة: (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنْجِيلِ) بكسر"اللام"، من"ليحكم"، بمعنى: كي يحكم أهل الإنجيل. وكأنّ معنى من قرأ ذلك كذلك: وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونورٌ ومصدقًا لما بين يديه من التوراة، كي يحكم أهله بما فيه من حكم الله.

* * *

والذي نقول به في ذلك، (3) أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، فبأيِّ ذلك قرأ قارئ فمصيبٌ فيه الصوابَ.

(1) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة.

(2)

في المطبوعة: "فقرأ قراء الحجاز

"، وأثبت ما في المخطوطة.

(3)

في المطبوعة: "والذي يتراءى في ذلك"، وفي المخطوطة:"وللذي يترك [محذوفة النقط] به في ذلك"، وأرجح أن صواب قراءتها ما أثبت.

ص: 374

وذلك أن الله تعالى لم ينزل كتابًا على نبيٍّ من أنبيائه إلا ليعمل بما فيه أهله الذين أمروا بالعمل بما فيه، ولم ينزله عليهم إلا وقد أمرهم بالعمل بما فيه، فللعمل بما فيه أنزله، وأمرًا بالعمل بما فيه أنزله. (1) فكذلك الإنجيل، إذ كان من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه، فللعمل بما فيه أنزله على عيسى، وأمرًا بالعمل به أهلَه أنزله عليه. (2) فسواءٌ قرئ على وجه الأمر بتسكين"اللام"، أو قرئ على وجه الخبر بكسرها، لاتفاق معنييهما.

* * *

وأما ما ذكر عن أبيّ بن كعب من قراءته ذلك (وأن ليحكم) على وجه الأمر، فذلك مما لم يَصِحّ به النقل عنه. ولو صحّ أيضا، لم يكن في ذلك ما يوجب أن تكون القراءة بخلافه محظورةً، إذ كان معناها صحيحًا، وكان المتقدّمون من أئمة القرأة قد قرأوا بها.

* * *

وإذ كان الأمر في ذلك على ما بيَّنَّا، فتأويل الكلام، إذا قرئ بكسر"اللام" من"ليحكم": وآتينا عيسى ابن مريم الإنجيل فيه هدًى ونورٌ ومصدقًا لما بين يديه من التوراة وهدًى وموعظة للمتقين، وكيْ يحكم أهلُ الإنجيل بما أنزلنا فيه، فبدّلوا حكمه وخالفوه، فضلُّوا بخلافهم إياه إذ لم يحكموا بما أنزل الله فيه وخالفوه="فأولئك هم الفاسقون"، يعني: الخارجين عن أمر الله فيه، المخالفين له فيما أمرهم ونهاهم في كتابه.

* * *

فأما إذا قرئ بتسكين"اللام"، فتأويله: وآتينا عيسى ابن مريم الإنجيل، فيه هدى ونورٌ ومصدقا لما بين يديه من التوراة، وأمرنا أهله أن يحكُموا بما أنزلنا

(1) في المطبوعة: "وأمر بالعمل بما فيه أهله"، فغير ما في المخطوطة تغييرًا مفسدًا للمعنى، مزيلا لقصد أبي جعفر من هذه الجملة التي احتج بها في تقارب معنى القراءتين. وهذا عجب من سوء التصرف. وكذلك سيفعل في الجملة التالية، كما سترى في التعليق.

(2)

في المطبوعة، أسقط قوله:"أنزله عليه" وكتب"وأمر بالعمل به أهله"، فأخل بمقصد أبي جعفر، كما فعل بالجملة السالفة. انظر التعليق السالف.

ص: 375

فيه، فلم يطيعونا في أمرنا إياهم بما أمرناهم به فيه، ولكنهم خالفوا أمرنا، فالذين خالفوا أمرنا الذي أمرناهم به فيه، هم الفاسقون.

* * *

وكان ابن زيد يقول:"الفاسقون"، في هذا الموضع وفي غيره، هم الكاذبون.

12103 -

حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون"، قال: ومن لم يحكم من أهل الإنجيل أيضًا بذلك="فأولئك هم الفاسقون"، قال: الكاذبون. بهذا قال. وقال ابن زيد: كل شيء في القرآن إلا قليلا"فاسق" فهو كاذب. وقرأ قول الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ)[سورة الحجرات: 6] قال:"الفاسق"، ههنا، كاذب.

* * *

وقد بينا معنى"الفسق" بشواهده فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (1)

* * *

(1) انظر تفسير"الفسق" فيما سلف ص: 189 تعليق: 4، والمراجع هناك.

وعند هذا الموضع، انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه مخطوطتنا، وفيها ما نصه:

"يتلوه القول في تأويل قوله:

{وَأَنْزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بِيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عليه} .

وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم كثيرًا".

ثمّ يتلوه ما نصه:

"بسم الله الرحمن الرحيم"

ص: 376

القول في تأويل قوله عز ذكره: {وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}

قال أبو جعفر: وهذا خطابٌ من الله تعالى ذكره لنبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم. يقول تعالى ذكره: أنزلنا إليك، يا محمد،"الكتاب"، وهو القرآن الذى أنزله عليه= ويعني بقوله:"بالحق"، بالصدق ولا كذب فيه، ولا شك أنه من عند الله (1) ="مصدقًا لما بين يديه من الكتاب"، يقول: أنزلناه بتصديق ما قبله من كتب الله التى أنزلها إلى أنبيائه=

"ومهيمنًا عليه"، يقول: أنزلنا الكتاب الذي أنزلناه إليك، يا محمد، مصدّقًا للكتب قبله، وشهيدًا عليها أنها حق من عند الله، أمينًا عليها، حافظا لها.

* * *

وأصل"الهيمنة"، الحفظ والارتقاب. يقال، إذا رَقَب الرجل الشيء وحفظه وشَهِده:"قد هيمن فلان عليه، فهو يُهَيمن هيمنة، وهو عليه مهيمن".

* * *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، إلا أنهم اختلفت عباراتهم عنه.

فقال بعضهم: معناه: شهيدًا.

ذكر من قال ذلك:

12103م - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"ومهيمنًا عليه"، يقول: شهيدًا.

12104 -

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ومهيمنًا عليه"، قال: شهيدًا عليه.

(1) انظر تفسير"الحق" فيما سلف 7: 97/9: 227.

ص: 377

12105 -

حدثني بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب"، يقول: الكتب التي خلت قبله="ومهيمنًا عليه"، أمينًا وشاهدًا على الكتب التي خلت قبله.

* * *

12106 -

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد:"ومهيمنًا عليه"، مؤتمنًا على القرآن، وشاهدًا ومصدِّقًا= وقال ابن جريج: وقال: آخرون (1) القرآن أمين على الكتب فيما إذا أخبرنا أهل الكتاب في كتابهم بأمرٍ، إن كان في القرآن فصدقوا، وإلا فكذبوا.

* * *

وقال بعضهم: معناه: أمينٌ عليه.

ذكر من قال ذلك:

12107 -

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن= وحدثنا هناد بن السري قال، حدثنا وكيع= جميعًا، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس:"ومهيمنًا عليه"، قال: مؤتمنًا عليه.

12108 -

حدثنا محمد بن عبيد المحاربي قال، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس في قوله:"ومهيمنًا عليه"، قال: مؤتمنًا عليه.

12109 -

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي قال، حدثنا سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، مثله.

12110 -

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق، بإسناده، عن ابن عباس، مثله.

12111 -

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية قال، حدثنا إسرائيل،

(1) في المطبوعة: "وقال ابن جريج وآخرون"، والصواب من المخطوطة.

ص: 378

عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، مثله.

12112 -

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، مثله.

12113 -

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن مطرف، عن أبي إسحاق، عن رجل من تميم، عن ابن عباس، مثله. (1)

12114 -

حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"ومهيمنًا عليه"، قال: والمهيمن الأمين: قال: القرآن أمين على كلِّ كتاب قبله.

12115 -

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدِّقًا لما بين يديه من الكتاب"، وهو القرآن، شاهد على التوراة والإنجيل، مصدقًا لهما="ومهيمنًا عليه"، يعني: أمينًا عليه، يحكم على ما كان قبله من الكتب.

12116 -

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن قيس، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس:"ومهيمنًا عليه"، قال: مؤتمنًا عليه.

12117 -

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن زهير، عن أبي إسحاق، عن رجل من بني تميم، عن ابن عباس:"ومهيمنًا عليه"، قال: مؤتمنًا عليه.

(1) الآثار 12107- 12113-"التميمي" و"رجل من تميم"، هو"أربدة التميمي"، يروي التفسير عن ابن عباس، رواه عنه أبو إسحق السبيعي، مضى برقم: 1928، 1929، ولكن كتب أخي السيد أحمد على الأثر رقم: 2095، ثم كتبت أنا على الآثار من رقم: 3986- 3989، أنه رجل مجهول من تميم، ولكن الصواب أنه معروف وهو"أربدة التميمي"، وهو تابعي ثقة. ثم انظر الآثار الآتية من رقم: 12116- 12118.

ص: 379

12118 -

حدثني المثنى قال، حدثنا يحيى الحماني قال، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، مثله. (1)

12119 -

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي= عن سفيان وإسرائيل، عن علي بن بذيمة، عن سعيد بن جبير:"ومهيمنًا عليه" قال: مؤتمنًا على ما قبله من الكتب.

12120 -

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء قال: سألت الحسين عن قوله:"وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدِّقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه"، قال: مصدقًا لهذه الكتب، وأمينا عليها. وسئل عنها عكرمة وأنا أسمع فقال: مؤتمنًا عليه.

* * *

وقال آخرون: معنى"المهيمن"، المصدق.

ذكر من قال ذلك:

12121 -

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ومهيمنًا عليه"، قال: مصدِّقًا عليه. كل شيء أنزله الله من توراة أو إنجيل أو زَبُورٍ، فالقرآن مصدِّق على ذلك. وكل شيء ذكر الله في القرآن، فهو مصدِّقٌ عليها وعلى ما حُدِّث عنها أنه حق.

* * *

وقال آخرون: عنى بقوله:"مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه"، نبي الله صلى الله عليه وسلم.

ذكر من قال ذلك:

12122 -

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن

(1) الآثار: 12116- 12118-"التميمي"، و"رجل من بني تميم"، هو"أربدة التميمي"، انظر التعليق السالف.

ص: 380

ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ومهيمنًا عليه"، محمد صلى الله عليه وسلم، مؤتمنٌ على القرآن.

12123 -

حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ومهيمنًا عليه"، قال: محمد صلى الله عليه وسلم، مؤتمنٌ على القرآن.

* * *

قال أبو جعفر: فتأويل الكلام على ما تأوّله مجاهد: وأنزلنا الكتاب مصدقًا الكتبَ قبله إليك، مهيمنا عليه= فيكون قوله:"مصدقًا" حالا من"الكتاب" وبعضًا منه، ويكون"التصديق" من صفة"الكتاب"، و"المهيمن" حالا من"الكاف" التي في"إليك"، وهي كناية عن ذكر اسم النبي صلى الله عليه وسلم، و"الهاء" في قوله:"عليه"، عائدة على الكتاب.

* * *

وهذا التأويل بعيد من المفهوم في كلام العرب، بل هو خطأ. وذلك أنّ"المهيمن" عطفٌ على"المصدق"، فلا يكون إلا من صفة ما كان"المصدِّق" صفةً له. ولو كان معنى الكلام ما روي عن مجاهد، لقيل:"وأنزلنا إليك الكتاب مصدِّقًا لما بين يديه من الكتاب مهيمنًا عليه"(1) = لأنه لم يتقدم من صفة"الكاف" التي في"إليك" بعدَها شيءٌ يكون"مهيمنًا عليه" عطفًا عليه، (2) وإنما عطف به على"المصدق"، لأنه من صفة"الكتاب" الذي من صفته"المصدق".

* * *

(1) في المطبوعة والمخطوطة: "ومهيمنًا" بالواو، والصواب إسقاطها، لأنه أراد إسقاط العطف، إذ كان"مهيمنًا" حالا من"الكاف" في"إليك"، غير معطوف على شيء قبله، كما ترى في بقية كلامه.

(2)

في المطبوعة: "لأنه متقدم من صفة الكاف التي في إليك وليس بعدها شئ

"، فزاد"وليس"، وليست في المخطوطة، وجعل"يتقدم""متقدم"، إذ كان في المخطوطة خطأ، فأساء الفهم، وأساء التصرف!! كان في المخطوطة كما أثبت إلا أنه كتب"لأنه يتقدم من صفة الكاف" سقط من الناسخ"لم"، فأثبتها، واستقام الكلام على وجهه.

ص: 381

فإن ظن ظان أن"المصدق"= على قول مجاهد وتأويلهِ هذا= من صفة"الكاف" التي في"إليك"، فإن قوله:"لما بين يديه من الكتاب"، يبطل أن يكون تأويل ذلك كذلك، وأن يكون"المصدق" من صفة"الكاف" التي في"إليك". لأن"الهاء" في قوله:"بين يديه"، كناية اسم غير المخاطب، وهو النبي صلى الله عليه وسلم في قوله"إليك". (1) ولو كان"المصدق" من صفة"الكاف"، لكان الكلام: وأنزلنا إليك الكتاب مصدِّقًا لما بين يديك من الكتاب، (2) ومهيمنا عليه= فيكون معنى الكلام حينئذٍ كذلك. (3)

* * *

القول في تأويل قوله عز ذكره: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ}

قال أبو جعفر: وهذا أمر من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يحكم بين المحتكمين إليه من أهل الكتاب وسائر أهلِ الملل بكتابه الذي أنزله إليه، وهو القرآن الذي خصّه بشريعته. يقول تعالى ذكره: احكم، يا محمد، بين أهل الكتاب والمشركين بما أُنزل إليك من كتابي وأحكامي في كل ما احتمكوا فيه إليك، من الحدود والجُرُوح والقَوَد والنفوس، فارجم الزاني المحصَن، واقتل النفسَ القاتلةَ بالنفس المقتولة ظلمًا، وافقأ العين بالعين، واجدع الأنف بالأنف، فإني أنزلت إليك القرآن مصدِّقًا في ذلك ما بين يديه من الكتب، ومهيمنًا عليه رقيبًا، يقضي على ما قبله من سائر الكتب قبلَه، ولا تتبع أهواء هؤلاء اليهود= الذين

(1) في المخطوطة: "والنبي صلى الله عليه

" بإسقاط"هو"، والصواب ما في المطبوعة.

(2)

في المخطوطة: "لما بين يديه"، والصواب ما في المطبوعة.

(3)

في المخطوطة: "فيكون معنى الكلام حينئذ يكون كذلك"، بزيادة"يكون"، والصواب ما في المخطوطة، إلا أن يكون الناسخ أسقط من الكلام شيئًا. ومع ذلك، فالذي في المطبوعة مستقيم.

ص: 382

يقولون: إن أوتيتم الجلدَ في الزاني المحصن دون الرجم، وقتلَ الوضيع بالشريف إذا قتله، وتركَ قتل الشريف بالوضيع إذا قتله، فخذوه، وإن لم تؤتوه فاحذروا (1) = عن الذي جاءك من عند الله من الحق، وهو كتاب الله الذي أنزله إليك. يقول له: اعمل بكتابي الذي أنزلته إليك إذا احتكموا إليك فاخترتَ الحكم عليهم، (2) ولا تتركنَّ العمل بذلك اتباعًا منك أهواءَهم، وإيثارًا لها على الحق الذي أنزلته إليك في كتابي، كما:-

12124 -

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"فاحكم بينهم بما أنزل الله"، يقول: بحدود الله="ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق".

12125 -

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هارون، عن عنبسة، عن جابر، عن عامر، عن مسروق: أنه كان يحلف اليهوديَّ والنصراني بالله، ثم قرأ:(وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ)[سورة المائدة: 49]، (3) وأنزل الله:(أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا)[سورة الأنعام: 151] .

* * *

القول في تأويل قوله عز ذكره: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لكل قوم منكم جعلنا شرعةً. (4)

* * *

(1) السياق: "ولا تتبع أهواء هؤلاء اليهود

عن الذي جاءك من عند الله

".

(2)

في المطبوعة: "فاختر الحكم"، والصواب ما في المخطوطة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مخير في الحكم بينهم وفي ترك الحكم، كما سلف ص:333.

(3)

في المخطوطة: "ثم قرأ: فإن جاءوك فاحكم بينهم بما أنزل الله"، وصواب الاستدلال في هذه الآية من المائدة، أما آية المائدة الأخرى (42)، فتلاوتها:"فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم"، وليس فيها الدليل الذي تطلبه في استحلافهم بالله عز وجل.

(4)

انظر تفسير"كل" فيما سلف 3: 193/6: 209/8: 269.

ص: 383

و"الشرعة" هي"الشريعة" بعينها، تجمع"الشرعة""شِرَعًا"، (1)"والشريعة""شرائع". ولو جمعت"الشرعة""شرائع"، كان صوابًا، لأن معناها ومعنى"الشريعة" واحد، فيردّها عند الجمع إلى لفظ نظيرها. وكل ما شرعت فيه من شيء فهو"شريعة". ومن ذلك قيل: لشريعة الماء"شريعة"، لأنه يُشْرع منها إلى الماء. ومنه سميت شرائع الإسلام"شرائع"، لشروع أهله فيه. ومنه قيل للقوم إذا تساووا في الشيء:"هم شَرَعٌ"، سواءٌ.

* * *

وأما"المنهاج"، فإنّ أصله: الطريقُ البيِّن الواضح، يقال منه:"هو طريق نَهْجٌ، وَمنهْجٌ"، بيِّنٌ، كما قال الراجز:(2)

مَنْ يكُ فِي شَكٍّ فَهذَا فَلْجُ

مَاءٌ رَوَاءٌ وَطَرِيقٌ نَهْجُ (3)

ثم يستعمل في كل شيء كان بينًا واضحًا سهلا.

* * *

فمعنى الكلام: لكل قوم منكم جعلنا طريقًا إلى الحق يؤمُّه، وسبيلا واضحًا يعمل به.

* * *

(1) في المطبوعة والمخطوطة: "تجمع الشرعة شراعًا"، وهذا خطأ من الناسخ لاشك فيه، فإن جمع"فعلة"(بكسر فسكون) إنما يكسر على"فعل"(بكسر ففتح) ، في الصحيح وفي غيره مثل"كسر"، و"لحى". وقد جاء في"فعلة""فعال"، وهو قليل، كجمع"لقحة" و"لقاح"، و"حقة"، و"حقاق". فجائز أن يكون"شراع" جمعًا عزيزًا للشرعة، ولكن الأقرب في مثل ذلك أن يذكر الجمع الذي أطبق عليه القياس.

(2)

كأنه راجز من بني العنبر بن عمرو بن تميم.

(3)

مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 168، ومعجم ما استعجم: 1027، واللسان (روي)، وروايتهم جميعًا:"من يك ذا شك". ولكن هكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة.

و"فلج"(بفتح فسكون) : ماءه لبني العنبر بن عمرو بن تميم، يكثر ذكره في شعر بني تميم، ويمتدحون ماءه، قال بعض الأعراب: أَلا شَرْبَةٌ مِنْ مَاءٍ مُزْنٍ عَلَى الصَّفَا

حَدِيثَهُ عَهْد بالسَّحَاب المُسَخَّرِ

إلَى رَصَفٍ مِنْ بَطْنِ فَلْجٍ، كأَنَّهَا

إذَا ذُقْتَهَا بَيُّوتَةً مَاءُ سُكَّرِ

و"ماء رواء"(بفتح الراء) : الماء العذب الذي فيه للواردين ري.

ص: 384

ثم اختلف أهل التأويل في المعنيِّ بقوله:"لكل جعلنا منكم".

فقال بعضهم: عنى بذلك أهلَ الملل المختلفة، أي: أن الله جعل لكل مِلّةٍ شريعة ومنهاجًا.

ذكر من قال ذلك:

12126 -

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا" يقول: سبيلا وسُنّة. والسنن مختلفة: للتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، وللقرآن شريعة، يحلُّ الله فيها ما يشاء، ويحرِّم ما يشاء بلاءً، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه. ولكن الدين الواحد الذي لا يقبل غيره: التوحيدُ والإخلاصُ لله، الذي جاءت به الرسل.

12127 -

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قوله:"لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا"، قال: الدينُ واحد، والشريعةُ مختلفة.

12128 -

حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن هاشم قال أخبرنا سيف بن عمر، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي قال: الإيمان منذُ بَعث الله تعالى ذكره آدم صلى الله عليه وسلم: شهادةُ أن لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء من عند الله، لكلّ قوم ما جاءَهم من شرعة أو منهاج، فلا يكون المقرُّ تاركًا، ولكنه مُطِيع. (1)

* * *

وقال آخرون: بل عنى بذلك أمَّةَ محمد صلى الله عليه وسلم. وقالوا: إنما معنى الكلام: قد جعلنا الكتاب الذي أنزلناه إلى نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم،

(1) الأثر: 12128-"عبد الله بن هاشم"، لم أعرف من يكون. وقد مضى في الإسنادين رقم: 7329، 7938، في مثل هذا الإسناد نفسه.

و"سيف بن عمر التميمي"، مضى برقم: 7329، 7938، وهو ساقط الرواية. وكان في المطبوعة هنا أيضا، كما في الإسنادين المذكورين:"سيف بن عمرو"، وهو خطأ محض.

ص: 385

أيها الناس، لكُلِّكم= أي لكل من دخل في الإسلام وأقرّ بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه لي نبيٌّ= شرعةً ومنهاجا.

ذكر من قال ذلك:

12129 -

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله:"لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا" قال: سنة، ="ومنهاجًا"، السبيل="لكلكم"، من دخل في دين محمد صلى الله عليه وسلم، فقد جعل الله له شرعة ومنهاجًا. يقول: القرآن، هو له شرعة ومنهاج.

* * *

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: معناه: لكل أهل ملة منكم، أيها الأمم جعلنا شِرعةً ومنهاجًا.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لقوله:(وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) ولو كان عنى بقوله:"لكل جعلنا منكم"، أمة محمد، وهم أمّة واحدةٌ، لم يكن لقوله:"ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة"، وقد فعل ذلك فجعلهم أمة واحدة= معنىً مفهوم. ولكن معنى ذلك، على ما جرى به الخطاب من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: أنه ذكر ما كتب على بني إسرائيل في التوراة، وتقدم إليهم بالعمل بما فيها، ثم ذكر أنه قفَّي بعيسى ابن مريم على آثار الأنبياء قبله، وأنزل عليه الإنجيل، وأمر من بَعثه إليه بالعمل بما فيه. ثم ذكر نبيَّنا محمدًا صلى الله عليه وسلم، وأخبره أنه أنزل إليه الكتابَ مصدِّقًا لما بين يديه من الكتاب، وأمره بالعمل بما فيه، والحكم بما أنزل إليه فيه دون ما في سائر الكتب غيره= وأعلمه أنه قد جعل له ولأمته شريعةً غيرَ شرائع الأنبياء والأمم قبلَه الذين قصَّ عليهم قصصَهم، وإن كان دينه ودينهم- في توحيد الله، والإقرار بما جاءهم به من عنده، والانتهاء إلى أمره ونهيه- واحدًا، فهم مختلفو الأحوال فيما شرع لكم واحد منهم ولأمته فيما أحلّ لهم وحرَّم عليهم.

* * *

ص: 386

وبنحو الذي قلنا في"الشرعة" و"المنهاج" من التأويل، قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

12130-

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا مسعر، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس:"لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا" قال: سنةً وسبيلا.

12131 -

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس:"لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا"، قال: سنة وسبيلا.

12132 -

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان وإسرائيل وأبيه، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، مثله.

12133 -

حدثنا هناد قال، حدثنا أبو يحيى الرازي، عن أبي سنان، عن أبي إسحاق، عن يحيى بن وثَّاب قال: سألت ابن عباس عن قوله:"لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا"، قال: سنة وسبيلا. (1)

12134 -

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس:"شرعة ومنهاجًا"، قال: سنة وسبيلا.

12135 -

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن مطرف، عن أبي إسحاق، عن رجل من بني تميم، عن ابن عباس، بمثله.

(1) الأثر: 12133-"أبو يحيى الرازي "أو"أبو يحيى العبدي" هو: "إسحق بن سلمان الرازي"، ثقة. مضى برقم:6456.

و"أبو سنان" هو: "سعيد بن سنان البرجمي". روى عن أبي إسحق السبيعي، وروى عنه إسحق بن سليمان أبو يحيى الرازي. مضى برقم: 175، 11240. وكان في المطبوعة:"أبو شيبان"، وهو خطأ صرف.

و"يحيى بن وثاب الأسدي" المقرئ. روى عن ابن عمر، وابن عباس. وروى عنه أبو إسحق السبيعي. قال ابن سعد:"كان ثقة قليل الحديث صاحب قرآن". ومضى برقم: 11488.

ص: 387

12136 -

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، مثله.

12137 -

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا" يعني: سبيلا وسنةً.

12138 -

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين قال: سمعت الحسن يقول:"الشرعة"، السنة.

12139 -

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد قال: سنة وسبيلا. (1)

12140 -

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره:"شرعة ومنهاجًا"، قال:"الشرعة"، السنة="ومنهاجًا"، قال: السبيل.

12141 -

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.

12142 -

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا"، يقول: سبيلا وسنة.

12143 -

حدثني المثنى قال، حدثنا الحوضي قال، حدثنا شعبة قال، حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت رجلا من بني تميم، عن ابن عباس، بنحوه. (2)

12144 -

حدثني محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن المفضل قال،

(1) الأثر: 12139-"أبو يحيى القتات الكناني"، مختلف في اسمه. وهو ضعيف متكلم فيه. مترجم في التهذيب.

(2)

الأثر: 12143-"الحوضي" هو"حفص بن عمر بن الحارث بن سخبرة النمري" أبو عمر الحوضي، ثقة ثبت متقن. مضى برقم:11449.

ص: 388

حدثنا أسباط، عن السدي:"شرعة ومنهاجًا"، يقول: سبيلا وسنة.

12145 -

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: السنَّة والسبيل.

12146 -

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا"، يقول: سبيلا وسنة.

12147 -

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال، أخبرني عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"شرعة ومنهاجًا"، قال: سبيلا وسنةً.

* * *

القول في تأويل قوله عز ذكره: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} "

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولو شاء ربُّكم لجعل شرائعكم واحدة، ولم يجعل لكل أمة شريعةً ومنهاجًا غيرَ شرائع الأمم الأخر ومنهاجهم، فكنتم تكونون أمة واحدةً لا تختلف شرائعكم ومنهاجكم، ولكنه تعالى ذكره يعلم ذلك، فخالف بين شرائعكم ليختبركم، فيعرف المطيع منكم من العاصي، والعاملَ بما أمره في الكتاب الذي أنزله إلى نبيِّه صلى الله عليه وسلم من المخالف.

* * *

و"الابتلاء": هو الاختيار، وقد أبنتُ ذلك بشواهده فيما مضى قبلُ. (1)

* * *

وقوله:"فيما آتاكم"، يعني: فيما أنزل عليكم من الكتب، كما:-

(1) انظر تفسير"الابتلاء" فيما سلف 2: 49/3: 7/7: 574، تعليق: 1، والمراجع هناك.

وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا: "وقد ثبت ذلك"، وليس بشيء، أخطأ الناسخ، صوابها ما أثبت.

ص: 389

12148 -

حدثنا القاسم، قال، حدثنا الحسين، قال، ثني حجاح، عن ابن جريج:(ولكن ليبلوكم فيما آتاكم) قال عبد الله بن كثير: لا أعلمه إلا قال، ليبلوكم فيما آتاكم من الكتب.

* * *

فإن قال قائل: وكيف قال:"ليبلوكم فيما آتاكم"، ومن المخاطب بذلك؟ وقد ذكرت أنّ المعنيَّ بقوله:"لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجًا" نبيُّنا مع الأنبياء الذين مضوا قبله وأممِهم، والذين قبل نبيّنا صلى الله عليه وسلم على حِدَةٍ؟ (1)

قيل: إن الخطاب وإن كان لنبينا صلى الله عليه وسلم: فإنه قد أريد به الخبر عن الأنبياء قبله وأممهم. ولكن العرب من شأنها إذا خاطبت إنسانًا وضمَّت إليه غائبًا، فأرادت الخبر عنه، أن تغلِّب المخاطب، فيخرج الخبرُ عنهما على وجه الخطاب، فلذلك قال تعالى ذكره:"لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا".

* * *

القول في تأويل قوله عز ذكره: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) }

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فبادروا أيها الناس، إلى الصالحات من الأعمال، والقُرَب إلى ربكم، بإدمان العمل بما في كتابكم الذي أنزله إلى

(1) كانت هذه الجملة في المطبوعة: "وقد ذكرت أن المعنى: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا. لكل نبي من الأنبياء الذين مضوا قبله وأممهم الذين قبل نبينا صلى الله عليه وسلم، والمخاطب النبي وحده". غير ما في المخطوطة، وحذف منه وزاد فيه. وفي المخطوطة:"وقد ذكرت أن المعنى: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا نبيا مع الأنبياء الذين مضوا قبله وأممهم، والذين قبل نبينا صلى الله عليه وسلم حده". وهو سياق لا يستقيم، ورجحت أن الناسخ أسقط"قوله" قبل الآيه، وأسقط"على" من قوله:"على حدة". لأن مراد أبي جعفر أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا يدخل في خطابه خطاب الأنبياء الذين قبله هم وأممهم. وأما الذي في المطبوعة، فهو تصرف جاوز حده.

ص: 390

نبيكم، فإنه إنما أنزله امتحانًا لكم وابتلاءً، ليتبين المحسن منكم من المسيء، فيجازي جميعكم على عمله جزاءَه عند مصيركم إليه، فإن إليه مصيركم جميعًا، فيخبر كلَّ فريق منكم بما كان يخالف فيه الفرقَ الأخرى، فيفْصَل بينهم بفصل القضاء، وتُبِينُ المحقَّ مجازاته إياه بجناته، (1) من المسيء بعقابه إياه بالنار، فيتبين حينئذ كل حزب عيانًا، المحقَّ منهم من المبطل. (2)

* * *

فإن قال قائل: أو لم ينبئنا ربُّنا في الدنيا قبل مرجعنا إليه ما نحن فيه مختلفون؟

قيل: إنه بيَّن ذلك في الدنيا بالرسل والأدلة والحجج، دون الثواب والعقاب عيانًا، فمصدق بذلك ومكذِّب. وأما عند المرجع إليه، فإنه ينبئهم بذلك بالمجازاة التي لا يشكُّون معها في معرفة المحق والمبطل، ولا يقدرون على إدخال اللبس معها على أنفسهم. فكذلك خبرُه تعالى ذكره أنه ينبئنا عند المرجع إليه بما كنَّا فيه نختلف في الدنيا. وإنما معنى ذلك: إلى الله مرجعكم جميعًا، فتعرفون المحقَّ حينئذ من المبطل منكم، كما:-

12149 -

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن حباب، عن أبي سنان قال: سمعت الضحاك يقول:"فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعًا"، قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، البرُّ والفاجر. (3)

* * *

(1) في المطبوعة: "ويبين المحق بمجازاته إياه

"، أساء قراءة المخطوطة، فتصرف فيها.

(2)

انظر تفسير"استبق" فيما سلف 3: 196= وتفسير"الخيرات" فيما سلف 3: 196= وتفسير"المراجع" فيما سلف 6: 464= وتفسير"أنبأ" و"النبأ" فيما سلف 1: 488، 489/6: 259، 404/10: 201

(3)

الأثر: 12149-"أبو سنان" هو: "سعيد بن سنان"، مضى قريبا برقم:12133.

ص: 391