المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌النوع الأوللقاء الدعاة والعلماء والصالحين - التوريث الدعوي

[محمد بن موسى الشريف]

الفصل: ‌النوع الأوللقاء الدعاة والعلماء والصالحين

‌النوع الأول

لقاء الدعاة والعلماء والصالحين

إن من أعظم طرق التوريث المخالطةَ المباشرة مع الدعاة والعلماء العاملين والصالحين، فإن أكثر هؤلاء لم يترك مذكرات، ولم يورث كتباً ولا رسائل ولا تجارب مكتوبة، فإن ماتوا ماتت معهم تجاربهم وعلومهم إلا من شاء الله تعالى أن يبقي له ميراثاً تتناقله الأجيال.

وسبيل تعويض ذلك هو الاستفادة من أولئك العظماء في حياتهم، والمكوث معهم والأخذ منهم، فهذه وراثتهم، ولقد حرص السلف على ذلك حرصاً عظيماً فضربوا بذلك أحسن الأمثلة في اعتنائهم بعلمائهم الأحياء وأخذ ما عندهم من العلم؛ فهذا الإمام مالك بن أنس (1) - إمام دار الهجرة- يقول:

(1) مالك بن أنس بن مالك، شيخ الإسلام، الحميريّ ثم الأصبحيّ المدني. أحد الأئمة الأربعة الفقهاء. توفي سنة 179 عن 89 سنة رحمه الله تعالى. انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)): 8/ 48 - 135.

ص: 39

((كان الرجل يختلف إلى الرجل ثلاثين سنة يتعلم منه)) (1)، فلتتصور هذا أيها القارئ ولتعجب طويلاً من أولئك العظماء.

وهذا مهدي بن حسان (2) يقول:

((كان عبد الرحمن بن مهدي (3) يكون عند سفيان (4) عشرة أيام وخمسة عشر يوماً بالليل والنهار، فإذا جاءنا ساعة جاء رسول سفيان في أثره يطلبه، فيدعنا ويذهب إليه)) (5) فهذا حرص عظيم من الطالب والأستاذ معاً رحمهما الله تعالى.

وكان العلماء يعرفون أهمية هذا الأمر، فربما خصُّوا بعض طلبتهم بوراثة علمهم أو أن الطالب قد نبغ بين طلاب شيخه فعرف وخُصّ به؛ وهذا كان حال جماعة من السلف والخلف رحمهم الله تعالى، أذكر منهم:

(1)((نزهة الفضلاء)): 2/ 736.

(2)

هذا والد عبد الرحمن بن مهدي، الآتية ترجمته.

(3)

عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري الأزدي بالولاء البصري اللؤلؤي. ولد سنة 135، وكان إماما حجة قدوة في العلم والعمل. توفي بالبصرة سنة 198 رحمة الله تعالى انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)): 9/ 192 - 209.

(4)

سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، إمام الحفاظ، وسيد العلماء العاملين في زمانه. توفي سنة161 رحمه الله تعالى عن أربع وستين سنة. انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)): 7/ 229 - 279.

(5)

((نزهة الفضلاء)) 2/ 817 - 818.

ص: 40

1 -

حبر الأمة عبد الله بن عباس وبعض طلبته الذين اصطفاهم:

وكانوا جماعة اشتهروا بالأخذ عنه والاختصاص به، فمنهم: مجاهد بن جََبْر المكي (1)، وقتادة بن دِعامة السَّدوسيّ (2)، وقد ورّث أولئك الطلبة عمله حتى أن مجاهداً قرأ عليه القرآن ثلاث مرات من فاتحته إلى خاتمته يسأله عنه، فقد قال رحمه الله تعالى:

((قرأت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات، أقف عند كل آية أسأله فيم نزلت وكيف كانت)) (3).

2 -

شيخ الإسلام ابن تيمية (4) وتلميذه الحافظ ابن القيم (5):

(1) أبو الحجاج المخزومي بالولاء، ثقة إمام في التفسير وفي العلم، مات سنة مائة ونيف وله 83 سنة. انظر ((التقريب)):520.

(2)

أبو الخطاب البصري. ثقة ثبت. مات سنة بضع عشرة ومائة. انظر المصدر السابق: 453.

(3)

انظر ((تهذيب التهذيب)): 10/ 40.

(4)

أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، يُدعى لجدته تيميّة. أحد أئمة المسلمين المجتهدين. توفي - رحمة الله تعالى- سنة 728 بدمشق مسجوناً بعد أن خلف علماً كثيراً ومصنفات عديدة. انظر ((الدرر الكامنة)): 1/ 154 - 170.

(5)

محمد بن أبي بكر بن أيوب الزُّرَعي الدمشقي، شمس الدين ابن قيم الجوزية الحنبليّ. ولد سنة 691، وكان جريء الجنان، واسع العلم، غلب عليه حب ابن تيمية حتى كان لا يخرج عن شيء من أقواله بل ينتصر له في جميع ذلك. توفي سنة 751 بدمشق رحمة الله تعالى. انظر المصدر السابق: 4/ 21 - 23.

ص: 41

هذا وقد عرف القاصي والداني شدة تعلق ابن القيم بابن تيمية رحمهما الله تعالى، وشدة اختصاصه به وانتصاره له، رحمهما الله تعالى، وكان ذلك ناتجاً عن المعاشرة الطويلة والقرب من الأستاذ.

3 -

شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني (1) وتلميذه الحافظ السخاوي (2):

وتعلق السخاوي بشيخه معلوم، حتى أنه وضع له

(1) أحمد بن علي بن محمد، الأستاذ، أبو الفضل الكناني العسقلاني المصري الشافعيّ. ويعرف بـ (ابن حجر) وهو لقب لبعض أبائه. ولد سنة 773 بمصر العتيقة، ونشأ بها يتيماً. وحفظ بعض المنظومات، وأخذ على كثير من المشايخ، وجَدّ في الفنون حتى بلغ الغاية. وولي بعض وظائف الدولة من حسبة وقضاء وإمامة. وله العديد من المصنفات النافعة المشهورة. توفي - رحمة الله تعالى- سنة 852. انظر ((الضوء اللامع)): 2/ 36 - 40.

(2)

الشيخ الإمام الحافظ الرُّحلة أبو عبد الله شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن محمد السخاويّ القاهري الشافعي، ولد سنة 831. حفظ القرآن وهو صغير وحفظ عدة متون وعرضها على مشايخ عصره. اختص بشيخ الإسلام ابن حجر، وكان يحبه ويثنى عليه. توفي رحمة الله تعالى بالمدينة مجاوراً سنة 902 وقد خلف مصنفات كثيرة. انظر ((النور السافر)): 16 - 21.

ص: 42

ترجمة حافة سماها ((الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر)) (1)، وكان ابن حجر يتفرّس في تلميذه السخاوي خيراً ويخصه بأشياء، وكان السخاوي من أكثر الآخذين عنه، وأعانه على ذلك قرب منزله منه، فكان لا يفوته مما يقرأ عليه إلا النادر (2) وكان الحافظ ابن حجر يعلم شدة حرص تلميذه فيقابل حرصه بحرص أيضاً على تعليمه، ((فكان يرسل خلفه أحياناً بعض خدمه لمنزله يأمره بالمجيء للقراءة)) (3).

هذا فيما يتعلَّق بالعلماء مع طلبتهم، أما الدعاة فقد حرص كثير منهم على توريث دعوته لغيره من الناس باللقاء معهم، وإفادتهم من تجاربه، وتوريثهم من علمه وفنِّه، وكان منهم من يخص بعض طلبته بمزيد من الاعتناء والتوجيه، وذلك متضح في سير بعض الدعاة، منهم:

1 -

جمال الدين الأفغاني (4) وتلميذه الأستاذ محمد

(1) وهي مطبوعة متداولة.

(2)

((الضوء اللامع)): 4/ 6.

(3)

المصدر السابق.

(4)

محمد بن صَفْدر - أو صَفْتر- الحسيني، جمال الدين، الفيلسوف. ولد في أسعد آباد بأفغانستان سنة 1254، ونشأ بكابل، وتلقى العلوم العقلية والنقلية، وبرع في الرياضيات. وارتحل مراراً، وساءت علاقته بالدولة العثمانية، وقصد مصر فتتلمذ له كثيرون، وصار لدعوته ضجة فيها، فنفته الحكومة المصرية، ثم عاود الارتحال الطويل. وكان عارفاً بعدة لغات، وله بعض المصنفات القليلة، وهو ممن اختلفت فيه الأنظار توثيقاً وتضعيفاً. توفي سنة 1315 رحمة الله تعالى، وانظر ((الأعلام)): 6/ 168 - 169.

ص: 43

عبده (1).

2 -

الأستاذ محمد عبده وتلميذه محمد رشيد رضا (2).

(1) محمد عبده بن حسن خير الله، من آل التركماني، مفتي الديار المصرية، ومن كبار رجال التجديد في الإسلام. ولد في إحدى قرى الغربية بمصر سنة 1266، وتعلم بالجامع الأحمدي بطنطا ثم بالأزهر، ثم تصوَّف وتفلسف، وعمل في التعليم وكتب في الصحف، وتولى تحرير جريدة الوقائع المصرية، وأجاد اللغة الفرنسية بعد الأربعين. ولما احتل الإنكليز مصر ناوأهم فسجن ثم نفي سنة 1299، وسافر إلى باريس فأنشأ مع أستاذه جمال الدين الأفغاني جريدة ((العروة الوثقى)) وعاد إلى بيروت فمصر سنة 1306، فتولى منصب القضاء، ثم جعل مستشاراً في محكمة الاستئناف ثم مفتياً للديار المصرية سنة 1317 فاستمر إلى أن توفي بالإسكندرية سنة 1323 رحمة الله تعالى، له عدة مصنفات. انظر المصدر السابق: 6/ 252 - 253.

(2)

القلموني البغدادي الأصل الحسيني النسب، أحد رجال الإصلاح. ولد سنة 1282 في القَلَمون من أعمال طرابلس الشام، وتعلم فيها وفي طرابلس. رحل إلى مصر سنة 1315 فلازم الشيخ محمد عبده وتتلمذ له ثم أصدر مجلة المنار لبثَّ آرائه الإصلاحية، وأصبح مرجع الفتيا. ارتحل إلى الشام والهند والحجاز وأوروبا ثم عاد فاستقر في مصر التي توفي بها سنة 1354 رحمة الله تعالى. له عدد من المصنفات النافعة. انظر المصدر السابق: 6/ 126.

ص: 44

3 -

الشيخ محمد محمود الصواف (1) وأستاذه أمجد الزهاوي (2).

(1) داعية إسلامي مناضل. ولد بالموصل سنة 1333 وتعلم بها وبالأزهر، وعمل بالتدريس في كلية الشريعة بجامعة بغداد، وشارك في الجهاد ضد الإنكليز. وأسس جمعية إنقاذ فلسطين بالعراق، وجمعية الأخوة الإسلامية، وكان المراقب العام للإخوان المسلمين بالعراق. هرب من العراق إلى الشام بعد ثورة الشيوعيين الذين هاجموا مقر مجلة لواء الأخوة الإسلامية التي أنشأها، وحطموا المطبعة وبدَّدوا المكتبة، ومن الشام خرج إلى السعودية التي عمل فيها في مناصب كان أرفعها ما كان مع الملك فيصل رحمة الله تعالى. له عدد من المصنفات. توفي سنة 1413 رحمة الله تعالى. انظر ((ذيل الأعلام)): 200 - 201.

(2)

أحد كبار علماء العراق. ولد في العراق وتعلم فيه، وكان رجلاً ربانياً ورعاً، ذكياً، فقيهاً مجتهداً بارزاً، عمل بدأب طيلة حياته لمصلحة الإسلام والمسلمين، وأسس جمعية إنقاذ فلسطين وعدة جمعيات أخرى للتربية ونشر الثقافة الإسلامية. ارتحل من أجل ما حدث في فلسطين مراراً على شيخوخته، وكان لسانه لا يفتر عن ذكر الله تعالى. توفي سنة 1387 رحمة الله تعالى. انظر ((الموسوعة الحركية)): 1/ 137 - 138.

ص: 45

وعلاقة هؤلاء الثلاثة بمشايخهم وثيقة إلى حد كبير جداً، ولقد ورثوا منهجهم وطريقتهم في الدعوة، وكان للمشايخ أثر كبير في حياة التلاميذ الأعلام، وهذه العلاقة ينبغي أن تكون منهجاً يُسار عليه ويُصار إليه، ونبرات يضيء لنا الطريق إلى الاستفادة من كبار العلماء والدعاة الأحياء حتى لا يأتيهم الأجل إلا وقد وُرِثوا وراثة حقيقية نافعة (1).

(1) هناك عدد من التلامذة اختصوا بمشايخهم وعرفوا بهم إضافة إلى هؤلاء، ومنهم: الشيخ محمد الأمين الشنقيطي وتلميذه الشيخ عطية محمد سالم رحمهما الله تعالى وغفر لهما، وكذلك الشيخ حافظ الحكمي مع شيخه الشيخ عبد الله القرعاويّ، وغيرهم كثر رحمهم الله تعالى جميعاً.

ص: 46