المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وَلَوْ قَالَتْ طَلَّقْتَنِي، أَوْ خَالَعْتَنِي، أَوْ طَلَّقْنِي، أَوْ خَالِعْنِي فَإِقْرَارُ أي: - التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب - جـ ٤

[خليل بن إسحاق الجندي]

الفصل: وَلَوْ قَالَتْ طَلَّقْتَنِي، أَوْ خَالَعْتَنِي، أَوْ طَلَّقْنِي، أَوْ خَالِعْنِي فَإِقْرَارُ أي:

وَلَوْ قَالَتْ طَلَّقْتَنِي، أَوْ خَالَعْتَنِي، أَوْ طَلَّقْنِي، أَوْ خَالِعْنِي فَإِقْرَارُ

أي: قالت طلقني أو خالعني في جواب قولها قد تزوجتك فإقرار؛ لأن المرأة لا تطلب ذلك إلا من زوجها.

وَلَوْ قَالَ: اخْتَلَعْتِ مِنِّي فَإِقْرَارُ

أي: في جواب قولها: قد تزوجتني.

وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ حَرَامُ، أَوْ بَائِنَةُ، أَوْ بَتَّةُ فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ إِلا جَوَابَ طَلَّقْنِي. وَلَوْ قَالَ: أَنَا مِنْكِ مُظَاهِرُ فَإِقْرَارُ بِخِلافِ أَنْتِ عَلَيَّ كَمظَهْرِ أُمِّي ..

هكذا قال ابن سحنون: إنه إن قال لها أنت حرام أو بائن أو بتة، فليس بإقرار بالنكاح؛ لأن الأجنبية عليه حرام، إلا أن تسأله الطلاق، فيجيبها بهذا، فهو إقرار بالنكاح في إجماعنا، قال: وكذلك قوله لها أنا منك مظاهر، بخلاف قوله أنت طالق أو أنت علي كظهر أمي؛ لأن مظاهر اسم فاعل، ولا يصدق ذلك إلا في زوجته بخلاف أنت علي كظهر أمي، فإن ذلك يصدق على الأجنبية، واعلم أن ما ذكره المصنف هنا من الإقرار إنما يفيد في الطارئين. وكذلك ذكر ابن عبد الحكم لما تكلم على بعض الفروع التي ذكرها المصنف، وأما غيرهما فلا؛ لأنه قد تقدم أنهما لو تصادقا على الزوجية لم يقبل على الظاهر.

‌الصَّدَاقُ:

وَأَقَلُّهُ رُبُعُ دِينَارٍ أَوْ ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ أَوْ قِيمَتُهَمَا وَلَوْ كَانَ عَبْداً لأَمَتِهِ

لما قدم المصنف أن أركان النكاح خمسة، وتكلم على أربعة منها تكلم على الخامس وهو الصداق. ويقال بفتح الصاد وكسرها، والفتح أفضل، ويقال: صدقة.

الجوهري: ومنه قوله تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: 4]، والصدقة مثله بالضم وتسكين الدال.

ص: 152

عياض: ويقال له: فريضة ونحلة وأجر، قال الله تعالى:{وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} [البقرة: 237]، وقال:{وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: 4]، وقال:(اللَاّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ)[الأحزاب: 50]، ويسمى أيضاً عقراً وعلاقة ومهراً، ولا يقال: عده ركناً لا يصح لصحة نكاح التفويض مع عدم الصداق، ألا ترى أنه لو مات أو طلق قبل البناء لم يكن عليه شيء، وهو يدل على صحة النكاح بدون الصداق؛ لأنا نقول ما ذكرته من عدم الصداق غير صحيح بدليل أنه لو صرح بإسقاطه فسد، وعلى هذا فالصداق موجود وإنما المعدوم تسميته، وما استدللت به على العدم من سقوطه بالموت أو الطلاق ليس بجيد؛ لأن عقد النكاح أحد عقود الشروع، ونكاح التفويض أحد تحكمات الشرع وتحكماته مألوفة.

ونقل عن غير واحد الإجماع على أنه لا حد لأكثره.

ابن الهندي وغيره: وتكره المغالاة فيه، ولا شك أن التغالي أمر نسبي، فرب صداق هو كثير في حق امرأة دون أخرى أو رجل دون آخر، وأما أقله فالمشهور أنه ربع دينار أو ثلاثة دراهم.

المتيطي وغيره: ويشترط فيها أن تكون خالصة، وأشار ابن عبد السلام إلى أنه يمكن تخريج الخلاف في اشتراط الخلوص من الزكاة.

وقوله: (أَوْ قِيمَتُهَمَا) أي: أو ما يقوم بهما. وهذا قول مالك.

اللخمي وغيره: قال مالك: أقل الصداق ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو ما يساوي أحدهما. وقال ابن شعبان: ما يساوي ثلاثة دراهم.

اللخمي: وهو موافق لقول ابن القاسم في السرقة أنها إنما تقوم بالدراهم. ووقع في بعض نسخ ابن الحاجب: أو قيمتها، فيكون عائداً على الفضة، والنسخة الأولى أصوب لموافقتها النقل كما ذكرنا. وذهب ابن وهب إلى أنه لا حد لأقل الصداق وأنه يجوز النكاح بالقليل والكثير، ونص على جوازه بنصف درهم، واستحب كونه ربع دينار وهو مذهب الشافعي وجمهور أهل العلم، ووجه أصحابنا المشهور بالقياس على السرقة والجامع بينهما

ص: 153

استحلال العضو المحترم، ولهذا قال الدراوردي لمالك: تعرقت فيها يا أبا عبد الله. أي: ذهبت مذهب أهل العراق في الأخذ بالقياس.

(وَلَوْ كَانَ عَبْداً لأَمَتِهِ) يعني: فلابد من هذا القدر لحق الله تعالى. ونبه على هذه الصورة؛ لأنه قد يتوهم خروجها من حيث إن صداق الأمة إن كان مالاً لسيدها جاز له تركه، وإن كان لها فله انتزاعه.

فَإِنْ نَقَصَ وَلَمْ يَدْخُلْ أَتَمَّهُ، وَإِلا فُسِخَ، وَإِنْ دَخَلَ أَتَمَّهُ جَبْراً، وَقِيلَ: كَالصَّدَاقِ الْفَاسِدِ

يعني: فلو نقص عن ربع دينار أو ثلاثة دراهم، فإن لم يدخل الزوج فالمشهور- وهو مذهب المدونة- ما ذكره المصنف: يخير الزوج بين أن يتمه أو يفسخ. وقيل: لابد من فسخه، وأما إن دخل فالمشهور أنه يتم لها ربع دينار ولا يفسخ. قال في المدونة: للاختلاف فيه.

قوله: (وَقِيلَ: كَالصَّدَاقِ الْفَاسِدِ) ظاهره أنه يثبت بعد البناء بصداق المثل، ويحتمل أيضاً أنه يفسخ بعده؛ لأن الفسخ بعد البناء أحد الأقوال في الصداق الفاسد، وهذان الاحتمالان قد تؤولا على قول غير ابن القاسم في المدونة في هذه المسألة.

المتيطي [320/ ب] وغيره: وغير ابن القاسم الذي أشار إليه في المدونة هو ابن الماجشون.

أَمَّا لَوْ طَلَّقَ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَلَهَا نِصْفُ الْمُسَمَّى عَلَى الأَصَحِّ

أي: في هذا النكاح الذي انعقد بأقل من ربع دينار اختياراً، والأصح مذهب المدونة، وعلى قول ابن القاسم في المسألة السابقة لا يكون لها شيء. وكذلك اختلف إذا لم يرض بالإتمام، فقال ابن القاسم: يكون فراقاً بطلقة بائنة ولها نصف الدرهمين؛ لأنه صداق مختلف فيه. وقال ابن حبيب: لا شيء لها. واختاره ابن الكاتب واللخمي وغيرهما، قالوا: لأن الفسخ إنما جاء من قبل أنه غير صداق، فكيف تعطي نصف ما وقع الفسخ لأجله.

ص: 154

وَشَرْطُهُ: أَنْ يَكُونَ مُتَمَّوَلاً

أي: مال يصح تملكه، ولهذا قال ابن القاسم فيمن تزوج امرأة بقصاص وجب له عليها: إن النكاح يفسخ قبل البناء ويثبت بعده كسائر الأنكحة الفاسدة لصداقها، لكن اتفق المذهب على أنه يجوز النكاح إذا قالت المرأة: أتزوجك على أن تهب عبدك لفلان أو تتصدق به عليه. وحكى في البيان فيما إذا تزوجها على أن يعتق أباها عنها أو عن نفسه ثلاثة أقوال: أجازه مالك فيهما، ومنعه ابن الماجشون، وقال ابن القاسم: إن كان على أن يعتقه عنها جاز النكاح، وإن كان على أن يعتقه لم يجز.

ورجح قول مالك بالاتفاق على الفرع الأول، وقول مالك في الثاني قد ينقض قول المصنف:(أَنْ يَكُونَ مُتَمَّوَلاً) لأنه إذا وهب عبده لفلان أو عتق عبده عن نفسه لم يحصل لها مال، وقد يقال: لا نسلم خلو النكاح هنا عن المال؛ لأنها لما دخلت على عتق العبد عنه أو هبته للغير فكأنها ملكته ثم أعتقته عن الزوج أو وهبته للغير، وفيه نظر.

وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَبِيعِ فِي مَا تَقَدَّمَ

أي: يشترط أن يكون طاهراً منتفعاً به، مقدوراً على تسليمه، معلوماً.

وقوله: (فِيمَا تَقَدَّمَ) أي: في الذي يقوم بربع دينار أو ثلاثة دراهم، وشبه المصنف بـ (الْمَبِيعِ) وإن لم يقدم ذكره؛ لأنه قد يفعل مثل ذلك كما قال في الشركة:(الْعَاقِدَان كَالْوكِيلِ والمَوكُل).

ولأجل أنه كالبيع قال ابن القاسم في المدونة في من تزوج امرأة أو اشترى سلعة بدراهم بعضها غائبة: لا خير في ذلك، إلا أن يشترط أن عليه بدلها إن تلفت ولو حضرت الدراهم ونقدها إياها جاز النكاح والبيع.

ص: 155

فَيَجُوزُ عَلَى عَبْدٍ تَخْتَارُهُ لا يَخْتَارُهُ هُوَ كَالْبَيْعِ

لأنها إذا كانت هي المختارة فقد دخل على أنها تأخذ الأحسن فلا غرر، بخلاف ما إذا كان الزوج هو المختار.

وقوله: (كَالْبَيْعِ) تشبيه لإفادة الحكم، لكن المصنف لم يذكر هذه المسألة في البيع.

وهذا كقوله: (ويُسِرُّ كَالْمَامُومِ والمنْفَرِد)، وما ذكره المصنف من المنع إذا كان الخيار للزوج والبائع هو المشهور. وقال سحنون: يجوز ذلك فيهما.

وقوله في النكاح أظهر؛ لأنه مبني على المكارمة بدليل أنهم أجازوا فيه الغرر اليسير كما سيأتي.

وَلا يَجُوزُ بِخَمْرٍ، ولا خِنْزِيرٍ، ولا مَجْهُولٍ، ولا غَرَرٍ؛ كَآبِقٍ، وشَارِدٍ، وجَنِينٍ، وثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلاحُهَا، وَدَارِ فُلانٍ، أَوْ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَهَا ..

هذا كالبيان لما خرج من قوله: (حكم المبيع).

وقوله: (بِخَمْرٍ، ولا خِنْزِيرٍ) أي: سواء كانت الزوجة مسلمة أو ذمية. واختلف إذا استهلكت الذمية الخمر، فقال ابن القاسم: لها صداق المثل ولا تتبع بشيء؛ وقال أشهب: تعطى ما يستحل به الفرج وهو ربع دينار.

اللخمي: وهو أحسن لأن حقها في الصداق سقط بقبضها الخمر، وإنما بقي الحق لله تعالى.

وقوله: (وثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلاحُهَا) يريد: على التبقية، وأما على القطع فهو جائز كالبيع.

محمد: وإن غفل عنها حتى بدا صلاحها لم يفسخ؛ لأنه كان جائزاً أولاً، ولا يتممان على ذلك ويكون لهما قيمة ذلك يوم عقد النكاح، وترد الثمرة التي طابت للزوج.

ص: 156

وقوله: (وَدَارِ فُلانٍ، أَوْ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَهَا) نحوه في المدونة، وزعم ابن عبد السلام أنه من الترادف، وكان شيخنا رحمه الله يفرق بينهما، فيقول: قوله (عَلَى دَارِ فُلانٍ)؛ أي: يشتري رقبتها ليجعلها صداقاً لها.

وقوله: (أَوْ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَهَا) للمرأة من مالها ويجعل مهرها سمسرته فيها، وبذبلك فسر أبو الحسن الصغير المدونة، وإنما لم يجز ذلك للغرر أن لا يصلح هل يحصل ذلك أم لا؟ وهذا هو المشهور، وروى أبو عبيد عن مالك أن النكاح على عبد فلان جائز.

إِلا أَنْ يَخِفَّ مِثْلَ: شَوْرَةِ الْبَيْتِ، أَوْ عَدَدٍ مِنَ الإِبِلِ والْغَنَمِ فِي الذِّمَّةِ، أَوْ صَدَاقِ مِثْلِهَا فَيَكُونُ الْوَسَطُ مِنْ شَوْرَةِ مِثْلِهَا، ومِنْهَا ومِنْ صَدَاقِ مِثْلِهَا حَالاً ..

أي: إلا أن يخف القدر فيجوز ذلك في النكاح كالصور التي ذكرها وإن كانت لا تجوز في البيوع؛ لأن النكاح مبني على المكارمة، والبيع مبني على المكايسة، فلذلك جاز في النكاح ما لم يجز في البيع، وعلى هذا فيقال: كل ما صح أن يكون ثمناً أو مثموناً في البيع صح أن يكون صداقاً.

وقد يجوز الصداق بما لا يجوز في البيع، وهو جوازه على الوصف كشورة البيت أو عدد من الإبل أو الغنم أو صداق المثل، ويكون الوسط من جميع ذلك، وإليه أشار بقوله:(مِنْ شَوْرَةِ مِثْلِهَا) فإن كانت حضرية فلها الوسط من شورة مثلها في الحاضرة، وإن كانت بدوية فالوسط من أهل البادية.

عياض: والشورة والشوار بفتح الشين: [321/ أ] المتاع وما يحتاج إليه البيت، والشورة بالضم الجمال.

وقوله: (ومِنْهَا) راجع إلى قوله: (أَوْ عَدَدٍ مِنَ الإِبِلِ والْغَنَمِ)؛ أي: ويكون لها الوسط من الإبل والغنم، قال في التهذيب: وعليه الوسط من الأسنان. وفي المدونة: الأهلية وعليه الوسط من ذلك، فقيل: معناه وسط ما يتناكح به الناس، ولا ينظر إلى كسب البلد،

ص: 157

وقيل: وسط من الأسنان من كسب البلد. واختلف هل يشترط في جواز النكاح بالرقيق ذكر الجنس وهو قول سحنون، أو لا يشترط وهو قول محمد؟ قال: ولها الوسط من الأغلب في البلد من الحمر أو السودان، فإن استووا نظر وسط السودان ووسط الحمران فأعطيت نصف ذلك.

ابن يونس: يريد من كل جنس نصفه. ابن القاسم: وتكون القيمة يوم عقد النكاح.

فرع: قال في العتبية: وتعطى الإناث دون الذكور، وذلك شأن الناس. يريد: إذا لم يسم ذكراناً ولا إناثاً.

وقوله: (ومِنْ صَدَاقِ مِثْلِهَا) راجع إلى قوله: (أَوْ صَدَاقِ مِثْلِهَا) أي: يكون عليه الوسط من صداق مثلها إذا تزوجها على صداق المثل.

فائدة: قد علمت أن النكاح يجوز فيه من الغرر ما لا يجوز في البيع، والرهن أوسع من النكاح، فإنه يجوز رهن الآبق ونحوه إلى الجنين فلا يجوز عنه على المشهور، والهبة والخلع أوسع من الرهن لجواز الجنين وغيره فيهما، والله أعلم.

وقوله: (حَالاً) راجع إلى الجميع؛ لأن الأصل في الصداق الحلول.

فرعان:

الأول: لو تزوج على عبد غير موصوف مثلاً فطلقها قبل البناء، فقال ابن المواز: على الزوج نصف قيمة عبد يوم زوجت. وقيل: يحضر الزوج عبداً وسطاً ويكون شركاً بينهما.

الثاني: قال صاحب تهذيب الطالب وابن يونس وغيرهما: ذكر عن أبي عمران فيمن تزوج امرأة ببيت على أن يبنيه للمرأة: فإن كانت بقعة بعينها في ملكه ووصف الطول والعرض والبناء فذلك جائز، وإن كان البيت الذي يبنيه مضموناً عليه، فقد أفتى أبو محمد وغيره بعدم الجواز، قال: كما لو أسلم في بيت.

ص: 158

ابن يونس: لأن ذلك يرجع إلى السلم في الشيء المعين؛ لأنه يصف البناء والموضع فيؤدي ذلك إلى تعيينها وهو ظاهر الواضحة، وفي الموازية ما يدل على خلافه، قيل: والجواز ظاهر المدونة، خلاف ما أفتى به ابن أبي زيد من قوله:(وإن كان على بيت) وعطف عليه (شَوْرَةِ الْبَيْتِ)

فَإِنْ اسْتَحَقَّ فَمِثْلُهُ

أي: استحق الصداق في هذه الأمثلة الثلاثة، فيجب على الزوج مثله؛ لنه مضمون في الذمة.

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لا يَجُوزُ إِلا عَلَى مُقَدَّرٍ مَعْلُومٍ.

أي: كالبيع، فلا يجوز عنده الأمثلة الثلاثة وشبهها.

أَمَّا لَوْ كَانَ بِعَيْنِهِ غَائِباً فَلا بُدَّ مِنْ وَصْفِهِ

يعني: أن ما قدمه من الجواز في العبد غير الموصوف على المشهور إنما هو إذا كان في الذمة وأما إن كان معيناً غائباً فلابد من وصفه لقوة الغرر حينئذ.

وَأَمَّا الْبَعِيدُ جِدّاً كَخُرَاسَانَ مِنَ الأَنْدَلُسِ مُمْتَنِعُ بِخِلافِ الْمَدِينَةِ مِنْ مِصْرَ

لما كان قوله: (أَمَّا لَوْ كَانَ بِعَيْنِهِ غَائِباً فَلا بُدَّ مِنْ وَصْفِهِ) يوهم الجواز في الغائب مطلقاً، بين أن ذلك إنما هو في القريب، وأما البعيد جداً فلا يجوز، وما ذكره هو قول ابن القاسم في الموازية ففيها قال ابن القاسم: وأما إن تباعدت الغيبة كخراسان من الأندلس لم يجز، وأما مثل المدينة من مصر فجائز.

محمد: وسواء في ذلك العبد أو الدار، وعن ابن القاسم أنه قال: يجوز في مسيرة الشهر، والضمان من الزوج حتى تقبضه المرأة.

ص: 159

ابن حبيب: والشهر قريب، ومثل إفريقية من المدينة بعيد، ويفسخ كان معه غيره أو لم يكن. وقال أصبغ: ما بين إفريقية والمدينة قريب، وحكى ابن مزين أن ما بين إفريقية ومصر قريب.

وَفِي دُخُولِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ ثَالِثُهَا: يَجُوزُ مَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ كَالْبَيْعِ

يعني: وإن أجزنا النكاح لقرب الغيبة، فهل يجوز الدخول قبل القبض؟ ثلاثة أقوال وهي مخصوصة بما إ ذا كانت الغيبة متوسطة، أما القريبة جداً فيجوز فيها اشتراط الدخول.

ابن بشير: والمشهور عدم صحة اشتراط الدخول في المتوسطة. وقيل: تصح لأن النكاح مبني على المكارمة، والقول بجواز الدخول مطلقاً قبل القبض لابن حبيب، واستحب أن يقدم ربع دينار، والقول بالمنع مطلقاً حكاه في تهذيب الطالب عن ابن القاسم، فقال: قال ابن القاسم: وله أن يدخل إن كانت الغيبة قريبة، ولا يدخل بها في الغيبة البعيدة وإن قدم لها ربع دينار وإن سماه مع البعد؛ لأن النقد في هذا البعد لا يجوز، والدخول انتفاء.

عبد الحق: وفيه نظر؛ وذلك أن النقد في بعيد الغيبة بغير شرط جائز فهلا كان الدخول مثله، ففهم أن ابن القاسم قال بالمنع مطلقاً. وفهمها ابن يونس كالقول الثالث من كلام المصنف، وأنه إنما منع إذا كان على شرط الدخول.

ابن عبد السلام: ومنهم من حد الغيبة في هذا باليومين والثلاثة، ومنهم من يقول بالجمعة.

وَإِذَا عَقَدَ بِخَمْرٍ وشِبْهِهِ فَمَشْهُورُهَا: يُفْسَخُ قَبْلَهُ ويَثْبُتُ بَعْدَهُ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ

أي: فيه ثلاثة أقوال، والثلاثة لمالك، والمشهور مذهب المدونة.

خليل: وهل الفسخ قبل الدخول إيجاب وهو قول المغاربة، أو استحباب وهو قول العراقيين؟ وفي المسالة رابع وسيحكيه المصنف بعد هذا، إن كان مع الفاسد ما يتمول مما قيمته ربع دينار فأكثر، فرضيت المرأة به أو رضي الزوج بإعطائها قيمة الآبق مثلاً على أنه غير آبق وتراضيا بما يجوز صح قبل البناء، وإن بنى بها فلها صداق المثل وهو قول أصبغ.

ص: 160

تنبيه: لم يقف ابن عبد السلام على أن القول بعدم الفسخ مطلق لمالك، وقد نقله عنه صاحب الأشراف، ووجهه أنه إذا لم يجز النكاح بذلك صار كنكاح التفويض، ونقله ابن الجلاب أيضاً وغيره.

فرع: ولو دعي الزوج في هذا النكاح إلى البناء والنفقة فأنفق بناء على أنه صحيح، ثم عثر على الفساد ففسخ، فقيل: يرجع عليها، كمن اشترى من رجل داره على أن ينفق عليه حياته فإنه يفسخ البيع ويرجع عليه بما أنفق. وقال عبد الله بن الوليد: لا يرجع بها عليها؛ لأن الفسخ قبل البناء واجب؛ إذ أجازه جماعة من العلماء إذا عجل ربع دينار.

وَتَرُدُّ مَا قَبَضَتْهُ مِنْ مُتَمَوَّلٍ

أي: إذا فسخ فترد ما قبضته من متمول كالآبق والشارد. واحترز بمتمول من الخمر والخنزير وشبههما.

وَتَضْمَنُهُ بَعْدَ قَبْضِهِ لا قَبْلَهُ كَالسِّلْعَةِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَلذَلِكَ لَوْ فَاتَ فِي بَدَنٍ أَوْ سُوقٍ أَوْ نَحْوِهِ كَانَ لَهَا، وتَغْرَمُ الْقِيمَةَ. وقِيلَ: إِنْ كَانَ مَعَ الْفَاسِدِ مُتَمَوَّلُ بِرُبُعِ دِينَارِ فَرَضِيَتْ بِهِ أَوْ رَضِيَ هُوَ بِإِعْطَاءِ قِيمَةِ الآبِقِ وَنَحْوِهِ، أَوْ قَدِمَ فَرَضِيَ بِإِعْطَائِهِ لَمْ يُفْسَخْ ..

أي: وتضمن المتمول بالقبض في النكاح الفاسد كما تضمنه في البيع الفاسد بالقبض، وما ذكره من ضمان الزوجة بالقبض هو قول ابن القاسم وهو المشهور. وحكى ابن حبيب عن أصحاب ابن القاسم أنهم خالفوه هنا وقالوا: لا ضمان عليها؛ لأنها لو قبضت عبداً في نكاح صحيح فطلقها قبل البناء وقد مات فلا يرجع عليها بشيء. ونحوه لابن المواز، فإنه قال: إذا أصدقها المريض جارية ودفعها إليها فماتت الجارية بيدها لا تتبع بشيء. وفرق بعض القرويين بين أن يكون النكاح فاسداً لعقده فيكون كالصحيح، وبين أن يفسد لصداقه فتضمنه بالقبض.

ص: 161

وقوله: (فَلذَلِكَ

إلخ) أي: ولأجل أنه ملحق بالبيع الفاسد لزم إذا فات بما يفوت به البيع الفاسد من حوالة سوق أو غيرها أن يبقى ذلك الذي قبضته من آبق أو شارد ملكاً لها، وتعطي قيمته يوم قبضته كما في البيع الفاسد.

وقوله: (وقِيلَ: إِنْ كَانَ مَعَ الْفَاسِدِ

إلخ) تقدم.

وَلَوْ عَقَدَ بِمَغْصُوبِ فَكَذَلِكَ، وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا يُفْسَخُ ولَوْ تَعَمَّدَهُ كَمَا لَوْ أَصْدَقَهَا مَعِيباً فَرَدَّتْهُ ..

ظاهره أن الإشارة بذلك إلى الخلاف المتقدم، وتصوره ظاهر، ولم أر نقلاً يساعده، وها أنا أذكر ما رأيته في العتبية: قال سحنون: إن كانت الزوجة لم تعلم أن العبد مغصوب أو حر فالنكاح ثابت، وإن علمت ذلك فسخ قبل البناء لا بعده.

أصبغ: وسمعت ابن القاسم يقول في الذي يتزوج بالحر أو بالعبد لغيره: لا يفسخ على كل حال دخل أو لم يدخل، تعمد ذلك أو لم يتعمده.

أصبغ: وكذلك لو علمت هي بحرية العبد ولم يعلم الزوج مثله. قال: ولو علما جميعاً أنه حر وعليه نكحها فسخ قبل الدخول وثبت بعده. انتهى.

قال في البيان: وقال سحنون: إن كانت عالمة بغصبه أو بحريته فسخ النكاح. يريد: والزوج عالم أيضاً، وأما لو علم أحدهما بذلك دون صاحبه لم يفسخ النكاح على مذهبه، فليس قوله بخلاف لابن القاسم ونقل ابن حبيب في الواضحة عن ابن الماجشون وابن كنانة: إن علم أحدهما بحرية العبد يفسد النكاح ويوجب فسخه قبل الدخول وصداق المثل بعده. انتهى.

وعلى هذا اتفق ابن القاسم وسحنون على أن الزوجين إذا علما أنه يفسخ قبل البناء، واتفقا أيضاً على أن علم أحد الزوجين دون الآخر لا يفسخ به النكاح على ما فسر به

ص: 162

أصبغ قول ابن القاسم، وما فسر به صاحب البيان قول سحنون، وخالفهما في ذلك ابن الماجشون وابن كنانة ورأيا أن علم أحدهما موجب للفسخ كعلمهما، وما ذكرناه عن ابن القاسم في العتبية هو الذي ذكره المصنف عنه. وقال ابن بشير: إن علمت الزوجة بالغصب فقالوا: النكاح فاسد، وهو يجري على القولين فيمن اشترى من غاصب وهو يعلم بالغصب، وإن لم يعلم بالغصب ففيه قولان مخرجان أيضاً، والمنصوص في النكاح الجواز وهو المشهور في البيع، فجعل المعتبر على الزوجة فقط، وفيه نظر لما ذكرناه.

وَتَجِبُ قِيمَتُهُ أَوْ مِثْلُهُ، وقِيلَ: مِثْلُهُ فِيهِمَا. وقِيلَ: صَدَاقُ الْمِثلِ

يعني: إذا استحق الصداق المغصوب. وأما غير المغصوب فسيأتي الكلام عليه، وإنما قلنا: إن النكاح لا يفسخ؛ لأنها ترجع عليه بالقيمة في المقوم وبالمثل في المثلي، وهذا هو المشهور. قاله صاحب البيان وغيره. وقال ابن كنانة في كتاب المدنيين: في العبد إذا استحق ترجع بمثله. ونحوه في كتاب ابن شعبان، وإليه أشار بقوله:(وقِيلَ: مِثْلُهُ فِيهِمَا)؛ أي: في المقوم والمثلي. وقيل: ترجع بصداق [322/ أ] المثل مطلقاً. وهو قول مالك في العتبية، قال في البيان: وهو الصحيح؛ لأن العبد عوض البضع، فإذا استحق العبد وجب أن ترجع بقيمة بضعها لفواته بالعقد، وكان العقد في النكاح فوتاً وإن لم يدخل فيه لما يوجب من الحرمة. وقد قيل: إنه ليس بفوت، ويفسخ النكاح إذا كان الصداق عرضاً بعينه واستحق قبل الدخول، وهو قول يحيى في العشرة. انتهى.

وعلى هذا ففي المسألة أربعة أقوال، وحكى في البيان في موضع آخر خامساً لسحنون والمغيرة بالفرق، فإن استحق العبد بالحرية فصداق المثل وفرق فقيمته، وذكر ابن حارث عن سحنون: إن غرها بالعبد وكان حراً في أصله أنه يفسخ النكاح قبل الدخول، قال: ومن أصحابنا من يفسخه بعد الدخول. وقال اللخمي: لو قيل: يرجع بالأقل من قيمته وصداق المثل، لكان وجهاً، إلا أن يعلم أنها تزوجت بعين لم ترض إلا بما يكون قيمته العبد.

ص: 163

وَإِذَا وَجَدَتْهُ مَعِيباً أَوْ مُسْتَحَقاً رَجَعَ بِقِيمَتِهِ أَوْ مِثْلِهِ فِي الْمِثْلِى

أي: مستحقاً في غير الغصب. وهذا الكلام مما يبين لك أن المراد بالاستحقاق في المسألة السابقة الاستحقاق في الغصب، لكن حكايته في الأولى الخلاف دون هذه يوهم اختصاص الأولى بالخلاف، وليس كذلك، بل الخلاف فيهما واحد. وكذلك أيضاً الخلاف حاصل في المعيب، صرح به ابن بشير وغيره.

فَإِنْ فَاتَ الْمَعِيبُ فَكَالْبَيْعِ كَالزَّوْجِ فِي الْخُلْعِ

يعني: إن فات المعيب في يد الزوجة رجعت بقيمة العيب كما إذا اطلع المشتري على عيب بعد الفوات، وكما لو اطلع الزوج في الخلع على عيب بعد الفوات فإنه يرجع عليها بقيمة العيب. وهذا من المواضع التي شبه المصنف فيها لإفادة الحكم، ولم يتقدم له حكم البيع والخلع. قال في المدونة: وإن حدث به عندها عيب مفسد فلها رده، وما نقصه أو حبسه وأخذ الأرش القديم، وكذلك الزوج في الخلع.

فرع: وإن تزوجها بقلل من خل فوجدتها خمراً، ففي المدونة: هي كمن تزوجت على مهر فأصابت به عيباً فلها رده، وترجع بمثله، يريد: إما بمثلها بعد تطهيرها إن طهرت، أو بمعرفة ما تحمل من ماء إن لم تطهر، ثم يكال ذلك الماء، ويرفع من الخل قدره، ثم تكسر القلال لأنها لمسلم. ونقل أبو عمران عن سحنون أنه نحا في هذا إلى ما ذكره ابن المواز أنهما إذا دخلا على الجزاف في الصبرة ثم علما بعد ذلك كيلها، ثم استحقا ما في يد البائع، أنه يرجع بقيمة صبرته لا بمثلها ولو عرف كيلها.

أبو عمران: والأول أصوب. ونقل اللخمي عن سحنون في هذا وفيما إذا تزوجت بعبد فوجدته حراً أن النكاح يفسخ.

ص: 164

اللخمي: ولو تزوجت بالقلل على أن فيها خمراً فوجدته خلاً ثبت النكاح إن أحبا؛ كالمتزوجة وهي ترى أنها في عدة ثم تبين أنها في غير عدة، وقد اختلف فيها، وإن كرهه أحدهما فسخ النكاح في مسألة القلل؛ لأنه إن رضي الزوج دونها فمن حجة الزوجة أن تقول: إنما لم أشتر خلا، وإنما رضيت الزوجة دونه، فمن حجة الزوج أن يقول: أنا لم أبعك خلا. وهي في هذه الوجوه تفارق المعتدة؛ لأن المعتدة هي العين المشتراة، وإنما كان يظن أنه كان يتعلق بالمنع حق لله وقد تبث خلافه.

وَأَمَّا مَا اسْتَحَقَّ بَعْضُهُ مِنَ الْعُرُوضِ فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ خُيِّرَتْ بَيْنَ الرَّدِّ وقِيمَةِ الْجَمِيعِ وبَيْنَ قِيمَةِ الْمُسْتَحَقِّ وإِلا فَقِيمَةُ الْمُسْتَحَقِّ، والْجُزْءُ الْيَسِيرُ مِنَ الرَّقِيقِ كَالْكَثِيرِ ومَا يُسْتَحَقُّ مِنْ جَمَاعَةِ ثِيَابٍ أوْ رَقِيقٍ بِعَيْنِهَا فَكَالْبَيْعِ ..

حاصله: أن لاستحقاق البعض صورتين:

الأولى: أن يستحق جزء شائع. انتهى كلامه عليها عند عند قوله: (كَالْكَثِيرِ).

والثانية: أن يستحق جزء معين.

ثم الصورة الأولى إما أن يكون الصداق عرضاً أو رقيقاً، ومراده بالعرض العقار وسائر العروض، وإن كان عرضاً وكان أكثر من الثلث خيرت بين رد الباقي وأخذ جميع القيمة، وبين التمسك وأخذ قيمة المستحق، وإن كان الثلث فأقل فليس لها إلا قيمة المستحق. ولم يفصل في القليل بين أن يكون فيه ضرر أم لا، وقد نص في المدونة على الرد فيما فيه ضرر.

عياض وغيره: ولو كان العشر. كما لو استحق العشر من دار ذات مساكين والذي اشتراها لا يمكن أن يسكن معه أحد لكثرة حشمه، فله أن يردها، وإنما يتم ما ذكره المصنف في مثل الفنادق. وهكذا فسر سحنون المسألة.

ص: 165