المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الطَّلاقُ عَلَى ضَرْبَيْنِ بِعِوَضٍ مِنَ الزَّوْجَةِ أَوْ غَيْرِهَا وَيُسَمَّى خُلْعاً - التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب - جـ ٤

[خليل بن إسحاق الجندي]

الفصل: ‌ ‌الطَّلاقُ عَلَى ضَرْبَيْنِ بِعِوَضٍ مِنَ الزَّوْجَةِ أَوْ غَيْرِهَا وَيُسَمَّى خُلْعاً

‌الطَّلاقُ

عَلَى ضَرْبَيْنِ بِعِوَضٍ مِنَ الزَّوْجَةِ أَوْ غَيْرِهَا وَيُسَمَّى خُلْعاً وحُكْمُهُ الْبَيْنُونَةُ

أصله في اللغة انطلاق والذهاب، ومنه انطلق فلان في كذا، ثم استعمل في إرسال العصمة لأن المرأة تذهب عن الزوج، وحقيقته في الشرع معلومة، وهي حل العصمة الكائنة بين الزوجين بصيغة تقتضي ذلك فإذا أعطته شيئاً سمي خلعاً، ونص المصنف على أن الخلع طلاق تنبيهاً على قول ابن عباس وغيره أنه فسخ.

ولعل المصنف قدم الكلام على الخلع وإن كان أكثر المصنفين يؤخرونه، لأن أحكام الخلع معنوية وأكثرها معنوي. والطلاق الذي ليس خلعاً أكثر ما يتكلم فيه على الألفاظ ومدلولها والمعنى أشرف، فكان تقديم الكلام عليه أولى.

ونقل اللخمي وغيره عن مالك جواز الخلع ابتداءً.

ابن يونس: قال مالك: ولم أزل أسمع إجازة الفدية بأكثر الصداق لقوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ)[البقرة: 229] ولإباحته عليه السلام أن يأخذ قيس بن شماس من زوجته حبيبة بنت سهل ما أعطته إذ كرهته، وقد زادت على حديقته التي أخذتها منه.

وقال ابن القصار: هو مكروه. واقتصر عليه صاحب المقدمات وجعله من طلاق البدعة، ولعل الاختلاف في كون طلاق الخلع ليس سنياً هو المقتضي لتقديم الكلام على القسم الآخر عند من قدمه.

ولم يفصل المصنف فيما افترق بالعوض وسمى الجميع خلعاً.

وفي المدونة: والمبارئة هي التي تباري زوجها قبل البناء فتقول: خذ الذي لك واتركني، والمختلعة التي تختلع من كل الذي لها، والمفتدية التي تفتدي ببعض ما أعطاها، وكذلك المصالحة.

ص: 274

وروي المبارئة التي تأخذ شيئاً ولا تعطي شيئاً، والمختلعة التي تعطيه ما أعطاها وتزيد من مالها، والمفتدية التي تفتدي ببعض ما أعطاها وكذلك المصالحة. وقيل: المبارئة تترك ما لها عليه من الحق، أو يترك كل واحد منهما ما له على صاحبه على الطلاق والمفتدية التي تترك جميع ما أعطاها، ولعل المصنف لما لم ير بهذا جدوى ومعنى تركه.

وقوله: (وحُكْمُهُ الْبَيْنُونَةُ) لأن المرأة إنما أعطته على ذلك، وهذا هو المعروف. قال في البيان: وكان ابن عتاب يفتي بأن من باري امرأته المباراة التي جرى بها عرف الناس ثم طلقها بعد ذلك أن الطلاق يرتدف عليها ما لم تنقض العدة، وذلك استحسان على غير قياس مراعاة لقول من رآها طلقة رجعية.

المتيطي: والمشهور أن الزوج يملك العوض ملكاً تاماً لا يفتقر فيه إلى حيازة لأنه أخذه في مقابلة عوض فأشبه البيع، وفي الموازية ما يدل على افتقاره إلى الحيازة؛ وهو قوله: إذا حال الزوج رجلاً بدين على المرأة فيما خالعها به فماتت قبل أن يقبض المحال دينه فله الرجوع على الزوج، فهذا دليل على بطلانه بالموت.

فَلَوْ وَقَعَ النَّصُّ عَلَى رَجْعِيَّةِ بِبِدَلٍ فَبَائِنُ عَلَى الْمَشْهُورِ

يعني: إذا أعطته شيئاً على أن يطلقها طلقة رجعية فالمشهور- وهو مذهب المدونة- أنه يقع بائناً لأن حكم الطلاق على العوض البينونة فلا ينتقل عنه، وروي عن مالك [341/ أ] أنه يقع رجعياً، وبه أخذ سحنون عملاً بالشرط.

وَعَكْسُهُ لَفْظُ: الْخُلْعُ مِنْ غَيْر بَدَلَ، ثَالِثُهَا: ثَلاثُ، وفِيهَا: سُئِلَ مَالِكُ عَنِ الْمُطَلِّقِ طَلاقَ الْخُلْعِ أَوَاحِدَةُ بَائِنَةُ أَوْ رَجْعِيَّةُ أَمِ الْبَتَّةَ؟ فَقَالَ: بَلِ الْبَتَّةَ لأَنَّهُ بَائِنُ ولا يَكُونُ باَئِناً إِلا بِخُلْعٍ، أَوِ الأَقْصَى ..

يعني: وعكس الفرع الذي قبله عدم البدل مع وجود لفظ الخلع، اتفق فيه على وقوع الطلاق، واختلف فيما يلزمه على ثلاثة أقوال:

ص: 275

الأول: لمالك وابن القاسم تلزمه طلقة بائنة، وكأن الزوج أسقط العوض، المتيطي: وبه القضاء.

والقول الثاني: أنها طلقة رجعية، ونصه عند ابن يونس، وقال مطرف: قوله: أنت طالق طلاق الخلع كقوله: أنت طالق واحدة لا رجعة لي عليك فيها فهي واحدة، وله الرجعة؛ لأن الخلع لا يكون إلا بشيء أخذه منها، ابن حبيب: وبه أقول. اللخمي: وهو قول أشهب وابن عبد الحكم.

والقول الثالث: تلزمه الثلاث ووجهه ما ذكره المصنف.

وكلام المصنف ليس بظاهر لإبهامه، أن المذهب لزوم الثلاث؛ لأنه هو الذي حكاه عن المدونة دليلاً وتقوية على عادته، ولم يبين كما فعل فيها أن هذا قول غير ابن القاسم، أي ابن الماجشون، ومذهب ابن القاسم ومالك هو ما قدمناه.

عياض عن بعضهم: وهذا الخلاف إنما هو في المدخول بها، وأما غيرها فلا خلاف أنها واحدة.

تنبيه

وهذا ما لم يقل: أنت طالق طلقة بائنة، وأما لو قال ذلك لزمه الثلاث نص عليه في المدونة وقيل: تلزمه واحدة وقيل: بائنة، وقيل: رجعية.

وَفِيهَا فِيمَنْ طَلَّقَ وأَعْطَى: أَكْثَرُ الرُّوَاةِ: رَجْعِيَّةُ

لأنه بمنزلة من طلق وأعطى لزوجته المتعة، قال في التهذيب: وروي عن مالك أنها واحدة بائنة وفرق ابن المواز فقال: إن كان ذلك على وجه الخلع فهي طلقة بائنة، وإن لم يجر بينهما ذلك فله الرجعة.

وتأول ابن الكاتب القول الذي وقع في المدونة بالبينونة عليه.

ص: 276

أبو بكر بن عبد الرحمن وعبد الحق: وهذا الاختلاف إنما هو في موطأ ابن وهب، والأسدية، والموازية فيمن صالح وأعطى، ليس فيمن طلق وأعطى. قال في النكت: وهذا هو الصحيح والنقل الذي في المدونة ليس بصحيح، ولا خلاف فيمن طلق وأعطى أن له الرجعة؛ لأنه إنما وهبها هبة وطلقها وليس من الخلع في شيء.

ابن عبد السلام: ونقل عن غير واحد أنهم صححوا الأقوال الثلاثة، أي: المتقدمة في الخلع من غير عوض في ثلاث مسائل وهي: إذا طلقت طلاق الخلع من غير عوض، وإذا صالح وأعطى، وإذا طلق وأعطى.

ولَوْ أَعْطَتْهُ مَالاً فِي الْعِدَّةِ عَلَى أَنْ لا رَجْعَةَ فَقَالَ مَالِكُ: أَرَاهُ خُلْعاً بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ. وقَالَ أَشْهَبِ: لَهُ الرَّجْعَةُ ويَرُدُّ مَالَهَا. وقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: تَبِينُ بِالأُولَى ..

تصور كلامه ظاهر، فوجه قول مالك أن عدم الرجعة ملزوم للطلاق البائن، والأولى قد وقعت فصار كأنه أوقع أخرى، ورأى أشهب وابن وهب أن ما فعله ليس صريحاً في الطلاق ولا من كنايته غير أن أشهب رأى أن هذا شرط مخالف للرجعة التي ثبتت بالطلاق الأول فيلغي، فإذا ألغي لزم أن يرد المال إليها، ورأى ابن وهب أن الرجعة حق للزوج فكان له أن يسقطها على عوض كما لو أسقطت حقها في القسم لشيء تأخذه.

وَشَرْطُ الْمُوجِبِ أَنْ يَكُونَ زَوْجاً مُسْلِماً مُكَلَّفاً أَوْ وَلِيّاً لِصَغِيرٍ أَباً أَوْ غَيْرَهُ بِخِلافِ السَّفِيهِ الْبَالِغِ ولَوْ كَانَ أَباً وبِخِلافِ السَّيِّد فِي الْعَبْدِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِمَا ..

اعلم أن الخلع خمسة أركان: الموجب، والقابل، والمعوض، والعوض، والصيغ’.

وتكلم المصنف على الأول: ومراده بـ (الْمُوجِبِ): الزوج، واشتراطه الإسلام مع كون المرأة مسلمة لا يظهر له كبير معنى، وأخرج بقوله:(مُكَلَّفاً) الصبي والمجنون. وشمل كلامه السفيه والرشيد لكنه لما تكلم على السفيه بعد هذا بمفرده علم أن مراده هنا بالمكلف الرشيد.

ص: 277

وقوله: (أَوْ وَلِيّاً) عطف على قوله: (زَوْجاً) وقوله: (أَوْ غَيْرَهُ) أي: تجوز مخالعة ولي الصبي عنه كان أباً أو وصياً أو حاكماً إذا كان على وجه النظر، ونقل بعضهم الاتفاق على أن للأب والوصي والسلطان أن يخالعوا عن الصغير، وإنما اختلف هل يطلقون عليه بغير عوض، والذي ذكره اللخمي عن مالك وابن يونس عن ابن القاسم أنهم لا يطلقون عليه بغير عوض.

قوله: (بِخِلافِ السَّفِيهِ) فيه حذف مضاف تقديره ولي السفيه، يدل عليه قوله:(ولَوْ كَانَ أَباً) يعني: وليس لولي السفيه ولو كان أباً أن يخالع عنه على المشهور؛ لأن الطلاق بيد السفيه، والذي شهره المصنف في السفيه هو مذهب المدونة، لكن نص اللخمي على أنه من قول ابن الماجشون. قال: وأجاز ابن القاسم في العتبية للوصي أن يخالع عن السفيه.

ابن عبد السلام: واتفق على أنه ليس للأب والوصي أن يطلقا عليه بغير عوض.

وقوله: (وبِخِلافِ السَّيِّد فِي الْعَبْدِ) أي فليس له أن يخالع عنه على المشهور.

ابن عبد السلام: ومراده العبد البالغ. ثم قال: وحكم العبد البالغ حكم السفيه البالغ. وقال ابن بشير: وهل [341/ ب] يجوز الخلع عن العبد والأمة بغير اختيارهما؟ قولان: المشهور جوازه، والشاذ منعه، وهما خلاف في النظر إلى الجبر على النكاح وهذا من توابعه كون العبد قد استقل ولا حكم للسيد فيه؛ ولهذا رأى أبو الحسن اللخمي أنه يخالع عن الأمة التي ليست العصمة بيدها دون العبد. انتهى.

فانظره مع كلام ابن عبد السلام، إلا أن يكون مراد ابن بشير العبد الصغير، وقد نص في المدونة على أن العبد الكبير ليس للسيد أن يخالع عنه، ولم أقف على القول بأن للسيد أن يخالع عنه، وإن ثبت فهو مشكل. وفي المدونة: إذا زوج السيد عبده الصغير لم يطلق عليه إلا بشيء يأخذه له. روى ابن نافع عن مالك فيمن زوج وصيفه أو وصيفته ولم يبلغ أنه جائز، فإن فرق السيد بينهما على النظر والاجتهاد جاز ذلك ما لم يبلغا. وقال

ص: 278

ابن نافع: لا يجوز ذلك إلا ما كان على وجه الخلع. فظاهره أنه يتفق على جواز المخالعة ويختلف في طلاقه عليه بغير عوض. عياض: ومذهب ابن القاسم في الكتاب في تطليق السيد على عبده الصغير طلاق السنة عند غير واحد، وروايته عن مالك مثل مذهب ابن نافع أنه لا يجوز إلا ما كان على وجه الخلع، فإن رواية ابن نافع تخالف ذلك إذا لم يشترط الخلع، ويجوز إذا كان نظراً بغير خلع إ ذا حمل على ظاهره وهو قول أكثرهم، وحمل بعضهم الكل على الوفاق. وقال ابن لبابة: وقيل: لا يجوز وإن كان على وجه الخلع، لأن للسيد انتزاعه، فكأنه أخذه لنفسه.

تنبيه:

وفهم من هنا أن ما يفعله الأب في خلع الصغير لازم له، وكذلك هو النص، لكن عورض ذلك بالنكاح إذا عقد على شروط، فقد قال ابن القاسم: إذا بلغ ونزع عنها أنه لا يلزمه. قيل: وقول ابن وهب باللزوم فيها أقيس.

وَفِي خُلْعِ السَّفِيهِ قَوْلانِ

نحوه في الجواهر، زاد: وإذا صححناه فلا يبرأ المختلع بتسليم المال إليه بل إلى وليه، والظاهر صحته لأنه إذا كان له أن يطلق من غير عوض فلأن يكون له ذلك مع العوض أولى. واقتصر المتيطي وغيره على هذا القول.

وَخُلْعُ الْمَرِيضِ نَافِذُ

عبر بالنفوذ ولم يعبر بالجواز لأن الإقدام عليه لا ينبغي لأنه طلاق في المرض، قال في المدونة: ومن خالع زوجته من مرضه جاز له ما أخذ منها، فإن مات في مرضه ذلك ورثته، وإن ماتت هي لم يرثها، وكذلك إذا ملكها في مرضه أو خيرها، وكذلك أي طلاق طلقها فإنها ترثه ولا يرثها.

ص: 279

محمد وأبو عمران: وترث مما اختلعت به، لأنه من جملة تركته، وروى مالك أنها لا ترث منه.

أبو عمران: والأول مذهب المدونة، وروى زياد بن جعفر في المملكة في المرض لا ترث، وهو مذهب المغيرة في المخيرة، وخرج بعضهم منه قولاً آخر بعدم الميراث في المختلعة، وهو ظاهر لأن سبب الطلاق في جانب المرأة في مسألة الخلع أقوى منها في مسألة المملكة لبدلها المال.

القَابِلُ شَرْطُهُ أَهْلِيَّةُ الْتِزَامِ الْمَالِ فَيَلْزَمُ فِي الأَجْنَبِيِّ والْمَالُ عَلَيْهِ

يعني بـ (القَابِلُ) من يدفع العوض، وذلك جائز من كل ما فيه أهلية التزام المال من أجنبي أو غيره، فقد نص في المدونة على أن من قال لرجل: طلق زوجتك ولك علي ألف، أنه إذا طلقها يلزمه الألف.

واحترز بقوله: (أَهْلِيَّةُ) من المحجور عليه، وينبغي أن يقيد ما قاله أهل المذهب في الأجنبي بما إذا كان في ذلك حصول مصلحة أو درء مفسدة مما لا يقصد به إضرار المرأة، وأما ما يفعله بعضهم من التزام الأجنبي ذلك وليس قصده إلا إسقاط نفقة العدة فلا ينبغي أن يختلف في منعه وفي انتفاع المطلق به بعد الوقوع نظر، قاله ابن عبد السلام.

فَإِنْ وَكَّلَتْهُ فَكَوَكِيلِ الشِّرَاءِ

أي: فإن وكلت الزوجة من يخالع لها (فَكَوَكِيلِ الشِّرَاءِ) أي: فإن خالع بخلع المثل فأقل لزمها الخلع ودفع العوض، وإن خالع بأكثر لم يلزمها. ويفهم من قوله:(كَوَكِيلِ الشِّرَاءِ) أيضاً أن العوض وعهدته عليه إلا أن يشترط أن ذلك عليها. ابن راشد: وإذا وكلته على عدد فزاد عليه غرم الزائد.

ص: 280

وَلا يَلْزَمُ فِي الأَمَةِ والسَّفِيهَةِ والصَّغِيرَةِ، ويَقَعُ الطَّلاق ويُرَدُّ الْمَالُ، ولا يَضْمَنُهُ السَّيِّدُ بِمُجَرَّدِ الإِذْنِ، وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الصَّغِيرَةِ يُبْنَى بِهَا: يَنْفُذُ إِنْ كَانَ يُصَالَحُ بِهِ مِثْلُهَا ..

أي: ولا يلزم دفع العوض إذا خالعته الأمة أو الصغيرة أو السفيهة، لكن يقع الطلاق بائناً. قاله في المدونة.

وينبغي أن يفهم قول المصنف: (الأَمَةِ) على كل من فيها شائبة رق، غير أن أم الولد والمدبرة إذا خالعها في مرض السيد وقف المال؛ فإن مات السيد صح الخلع لعدم منفعة السيد، وإن صح بطل ورد المال.

ابن عبد السلام: وهذا هو المشهور في أن السيد يمنع من انتزاع مالها في مرضه. قال في المدونة: ويجوز ما خالعت به المكاتبة أو وهبت من مالها بإذن السيد.

سحنون: وذلك في الشيء السيير التافه، وأما ما له القدر فلا؛ لأن ذلك داعية إلى عجزها.

قوله: (ولا يَضْمَنُهُ السَّيِّدُ بِمُجَرَّدِ الإِذْنِ) ابن عبد السلام: أي الإذن في التجارة؛ لأن إذن السيد لأمته في التجارة [342/ أ] لا يستلزم الإذن في الخلع لعدم منفعة إذن السيد به.

وقد نقل في البيان: الاتفاق على أنه لا يجوز للمأذون لها أن تخالع بغير إذن سيدها. وفي الإشراف: المأذون لها في التجارة يمضي خلعها إذا وقع. فكأنه يرى أن ذلك ليس بمجرد عطية، لأنه قد يكون طلاقها من ذلك الرجل أحسن لها ولسيدها.

خليل: وانظر هل يمكن أن يكون الإذن راجعاً إلى الخلع كما تقدم أن السيد لا يكون ضامناً للمهر بمجرد الإذن في التزويج، وهو الذي يؤخذ من كلامه في الجواهر فإنه قال: القابل شرطه التزام المال والتزام الأمة فاسد وخلعها بإن السيد صحيح ولا يكون السيد ضامناً للمال.

ص: 281

وقوله: (وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) يعني أن المشهور: لا ينفذ خلع الصغيرة. وقال ابن القاسم في العتبية: ينفذ.

ابن اللباد: المعروف الأول. وكذلك صاحب البيان والمتيطي أن الأول هو المشهور، زاد المتيطي: وبه العمل. وحكى في الطراز أن العمل على قول ابن القاسم. واختار اللخمي التفصيل في الصغيرة فيمضي الخلع إن كان الفراق لها أحسن وترد المال وينفذ الطلاق إن كان بقاؤها زوجة أحسن. وكذلك اختلف في رد خلع السفيهة غير المولى عليها بناء على أن رد التصرفات للسفه أو للحجر. ولسحنون قول ثالث بالتفصيل: يمضي خلع البالغة السفيهة دون البكر الصغيرة.

خليل: وينبغي على قول ابن القاسم بلزوم خلع الصغيرة أن يمضي خلع السفيهة، ولو كانت مولى عليها.

وَصُلْحُ الأَبِ عَنِ الْمُجْبَرَةِ بِالصَّدَاقِ كُلَّهِ نَافِذُ بِخِلافِ الْوَصِيِّ عَلَى الْمَشْهُورِ

أما صلح الأب عن ابنته البكر الصغيرة أو البالغة فجائز.

الباجي: بلا خلاف. وألحق اللخمي بها البكر المدخول بها إذا لم تطل إقامتها وطلقت قبل المسيس، لأن له الجبر على النكاح والصغيرة التي ثيبت قبل البلوغ على القول بجبرها، ولعل المصنف عبر بالمجبرة لهذا. وفي بعض النسخ وصف المجبرة بالصغيرة، وفيه نظر لأنها تقتضي لو كانت بالغة لم يمض خلعه عليها، وليس كذلك.

وقوله: (بِخِلافِ الْوَصِيِّ عَلَى الْمَشْهُورِ) أي: فليس له أن يخالع عن البكر على المشهور.

الباجي: وهو مشهور قول ابن القاسم ورواية عن مالك أنه لا يجبرها على النكاح إلا الأب وحده.

ص: 282

ومقابل المشهور رواه ابن نافع عن مالك أن الوصي يخالع عن اليتيمة، وهو لابن القاسم، وألحق السلطان بالوصي في ذلك، وأنكر سحنون رواية ابن نافع وأسقطها عند السماع.

عياض: وهي ثابتة في روايتنا وكتب الأندلسيين. وقال ابن لبابة: رواية ابن نافع أحسن، ولم أر أحداً تعجبه رواية ابن القاسم أنه لا يبارئ عنها إلا برضاها.

ابن عبد السلام: وعلى الشاذ فاختلف في إذنها إذا كانت بالغاً على قولين.

وَعَنِ السَّفِيهَةِ قَوْلانِ

أي: وفي صلح الأب عن ابنته البالغة الثيب السفيهة قولان، الأول لابن العطار وابن الهندي وغيرهما من الموثقين: لا يجوز له ذلك إلا بإذنها.

وقال ابن أبي زمنين وابن لبابة: جرت الفتيا من الشيوخ بجواز ذلك، ورأوها بمنزلة البكر ما دامت في ولايته على المشهور.

اللخمي: وهو الجاري على قول مالك في المدونة. ابن راشد: والأول هو المعمول به.

ابن عبد السلام: وهو أصل المذهب.

واختلف في خلع الوصي عنها برضاها، وفي ذلك روايتان لابن القاسم، والقياس المنع في الجميع.

وَصُلْحُ الْمَرِيضَةِ لا يَمْضِي إِلا قَدْرَ مِيرَاثِهِ، فَفِي تَعْيينِ يَوْمِ الْمَوْتِ أَوْ يَوْمِ الْخُلْعِ قَوْلانِ، وفَائِدَتُهُ الرُّجُوعُ لَهُ وعَلَيْهِ، ولا يَتَوَارَثَانِ. وقِيلَ: يَمْضِي مُطْلَقاً. وقِيلَ: خُلْعُ الْمِثْلِ ..

هذه مسألة المدونة ففيها قال مالك: وإن اختلعت منه في مرضها وهو صحيح بجميع مالها لم يجز ولا يرثها.

ص: 283

ابن القاسم: وأنا أرى أنها إذا اختلعت منه على أكثر فله قدر ميراثه، فإما على قدر ميراثه منها أو أقل فذلك جائز ولا يتوارثان.

وكذلك قال ابن نافع وحمل ابن المواز قول مالك لا يجوز، على أنه خلاف لقول ابن القاسم، وأنه أبطله على الإطلاق، ولم يجز منه شيئاً كالمرأة تهب جميع مالها أنه لا يجوز منه إلا الثلث على المشهور، والمسألة عند محمد على ذلك.

عياض: وأكثرهم يرون قول ابن القاسم مفسراً لقول مالك.

وكذا جاء في العتبية من رواية ابن القاسم عنه كقول ابن القاسم في المدونة، وإذا فرعنا عن قول ابن القاسم فهل يعتبر قدر ميراثه يوم الموت؟

اللخمي: وهو قول ابن القاسم في الموازية.

ابن عبد السلام: وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة أو يوم الخلع؟ اللخمي: وهو قول ابن القاسم في العتبية لأنه موجب للتهمة.

اللخمي وغيره: والأول أصوب؛ إذ لو أعطى يوم الخلع ثم تلف المال لكان هو الوارث وحده، وإن نقص كان أخذ أكثر من ميراثه، ولأجل أن هذا مفرعاً على قول ابن القاسم أتى المصنف بالفاء المؤذنة لذلك. قوله:(وفَائِدَتُهُ) أي: فائدة هذا الخلاف تظهر في اختلاف ما لها ما بين زماني الخلع والموت.

فرع: وهل يوقف قدر الميراث أو يعجل؟ قال ابن نافع في المدونة: يوقف. واختلف قول أصبغ في ذلك وقول صاحب النكت ذلك على الخلاف المتقدم، أي: إن اعتبر يوم الخلع عجل وإن اعتبر يوم الموت وقف، ورأى اللخمي أنه إذا كان الخلع على دنانير أو دراهم لا توقف وإن على عبد أو دار وقف ومنعت من بيعه والتصرف فيه، فإن صحت أخذه

ص: 284

وإن ماتت كان الورثة بالخيار بين أن يجيزوه أو يردوه [342/ ب] ميراثاً، لأنهم شركائه ويكون على حقه في الميراث على الوفاء شائعاً، وإن كانت قيمة ما خالع أقل من ميراثه لأن الزوج لم يترك الفضل إلا لغرضه في عين ما خالع عليه، وإن كان ذلك العبد أو الدار أفضل مالها كان أبين في رد الورثة. ابن عبد السلام: وتعطي قوة كلام المصنف أن المال المخالع به إذا كان مثل الثلث فأقل أن يدفع للزوج بدليل قوله: (الرُّجُوعُ لَهُ وعَلَيْهِ) وقوله: (وقِيلَ: يَمْضِي مُطْلَقاً) أي: يمضي خلعها مطلقاً سواء كان قدر الميراث أو أكثر. وذكر في الجواهر: أن هذا القول رواه ابن وهب عن مالك، والقول بأن له خلع المثل رواه ابن الحكم. اللخمي: وقال عبد الوهاب: له ما خالعها عليه إذا حمله ثلثها يريد أن الطلاق كان بطوعه فسقط أن يكون وارثاً وصح أن يأخذ من الثلث على أحكام أفعال المريض فيما لم يأخذ له عوضاً مع غير الوارث، ورأى مالك أنها معاوضة لأنها اشترت نفسها.

وعلى هذا فيتحصل في المسألة خمسة أقوال.

البطلان مطلقاً، وهو مذهب الموازية، وأخذ التأويلين على قول مالك.

والثاني: أن لها الأقل، والثالث: الإمضاء مطلقاً، والرابع: خلع المثل، والخامس: أنه يكون من الثلث.

وَلَوْ خَالَعَتْهُ لِظُلْمِهِ أَوْ لِضَرَرِهِ فَلَهَا اسْتِرْجَاعُهُ، ويَنْفُذُ الطَّلاق

يعني: إذا خالعته ثم ادعت أنها خالعته لظلمه لها في بدنها أو لضرره بها كما لو كان يمنها من زيارة والدها على أن الظلم والضرر كالمترادفين، ولعله تبع في عطفه الضرر على الظلم المدونة، فإن فيها: كذلك فإن أثبتت ذلك فلها استرجاع مالها، وينفد الطلاق بائناً لأن الله تعالى شرط في حلية ما تدفعه أن يكون عن طيب نفس فقال تعالى:(فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً)[النساء: 4]

ص: 285

ابن القاسم: وليس من الإضرار بها البغض لها، وإنما الإضرار الإيذاء بضرب أو إيصال شتم في غير حق أو أخذ مال من غير مشاورة.

مالك: وليس عندنا في قلة الضرر وكثرته شيء معروف.

وروى ابن القاسم عن مالك في من علم من امرأته الزنا فليس له أن يضارها حتى تفتدي؛ وقال ابن القاسم في الناشزة تقول: لا أصلي ولا أصوم ولا أغتسل من جنابة؛ لا يجبر على فراقها إن شاء فارقها وأحل له ما افتدت به.

قال في البيان: وله أن يؤدبها على ترك الصلاة ويمسكها. قال ف يالمقدمات: ولا يحل له أن يضيق عليها وإن أتت بفاحشة من زنا أو نشوز أو بذاء، قال: ولا خلاف بين مالك وجميع أصحابه في ذلك، ورأيت في بعض كتب أصحابنا المغاربة عن ابن القاسم أنه يجوز له المضارة في تركها حتى تخالعه.

وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ

أي: على الضرر. والمعمول به عند الشيوخ وهو قول ابن القاسم أن الشاهد يشهد فيه بالقطع، وغمز ذلك ابن القاسم وقال: من أين للشهود القطع بمعرفة ذلك؟ ولهذا قال أصبغ أن الشاهد يقول: أحاط بذلك علمي وصح عندي.

ابن القاسم: وصفة الشهادة أن يقولوا: سمعنا سماعاً فاشياً مستفيضاً على ألسنة النساء والخدم والجيران. قال: ويكفي في ذلك عندي عدلان، والعدول الكثير أحب إلي.

ابن راشد: وهذا هو المشهور والمعمول به. وعندي أيضاً أن السماع إنما يكون من العدول إلا في الرضاع فيجوز أن يكون على يقين القرابة والأهلين والجيران وإن لم يكونوا عدولاً كالنساء والخدم.

ص: 286

وعن مالك: تجوز شهادة السماع في ضرر الرجل بامرأته إذا سمع بذلك الرجال والنساء سماعاً فاشياً وإن لم يسمع بذلك الرجال والنساء فليس بفاش.

وإِنْ شَهِدَ وَاحِدُ أَوِ امْرَأَتَانِ بِالضَّرَرِ حَلَفَتْ واسْتَرْجَعَتْ لأَنَّهُ عَلَى مَالٍ

يعني: وإن شهد واحد على أنه يضر بها أو شهد لها امرأتان بذلك حلفت على ذلك واسترجعت المال.

وقوله: (لأَنَّهُ عَلَى مَالٍ) جواب عن سؤال مقدر، كأن قائلاً قال: شهادة الرجل أو المرأتين مع اليمين إنما تفيد في المال، وإضرار الرجل بامرأته ليس بمال. فأجاب عن ذلك بأنه وإن لم يكن مالاً ولكن آيل إلى المال، وهذا أصل مختلف فيه في المذهب، وإن شهد لها بالضرر ولم يقيد أنها خالعته طائعة أعذر للرجل في الشهادة، فإن سلمها وادعى مدفعاً فعجز عن إثباته حكم عليه وإن اعترفت في عقد الخلع بالطوع وكانت استرعت فلها الرجوع بالاتفاق، وكذلك إن لم تسترع وقامت لها بينة لم تكن علمت بها، وأما إذا كانت تعلم بها ففيه نظر. والذي قاله ابن الهندي وابن العطار وغيرهما أن لها الرجوع ولا يضرها ذلك، ولا يضرها أيضاً إسقاط البينات المسترعيات وغيرها، وهو أصوب لأن ضرره بها يحملها على أن تعترف بالطوع، ومن ابتلي بالأحكام يكاد يقطع بذلك.

ابن بطال: وإذا كان لفظ الطوع لا يفيد فلا معنى لذكره في العقد.

فرع:

وإن خالعها وأخذ منها حميلاً بالدرك فقال ابن العطار: إذا أثبتت الضرر لا تسقط التبعات عن الحميل، لأنه غير مكره، وقد أدخل الزوج في زوال العصمة ولا يرجع الحميل عليها بشيء. وإليه ذهب بعض فقهائنا الصقليين، وذكر ابن يونس في ذلك خلافاً بين القرويين، وأن منهم من يقول هكذا، ومنهم من يقول: إذا أثبتت

ص: 287

المرأة [343/ أ] الضرر يسقط الطلب عن الحميل، لأنه إذا سقط المال عن الأصل تسقط عن الحميل المطالبة.

وَيَجُوزُ أَنْ تُعْطِيَهُ عَلَى إِمْسَاكِهَا أَوْ يُعْطِيهَا عَلَى الأَثَرَةِ، ولا إِثْمَ عَلَيْهِ بَعْدَ رِضَاهَا بِشَيْءٍ أَوْ بِغَيْرِ شَيْءٍ ..

أي: إذا أراد أن يطلقها فأعطته شيئاً على أن يترك طلاقها فإن ذلك جائز، وكذلك يجوز أن يعطيها على الأثرة، أي: يعطيها ليؤثر ضرتها عليها في المبيت وكلامه ظاهر التصور.

فرع:

وإذا أعطته مالاً على أن يمسكها ثم فارقها عاجلاً فقالوا: لها الرجوع، وأما إن كان بعد طول بحيث يرى أنها بلغت الغرض في مقامها لم ترجع، وإن طال ولم تبلغ ما يرى أنها دفعت المال لأجله كان له من المال بقدر ذلك على التقريب فيما يرى، وهكذا قال مالك فيمن أسقطت صداقها عن زوجها على أن لا يتزوج عليها فطلقها بحضرة ذلك أن لها أن ترجع، وإن طلقها بعد ذلك فيما يرى أنه لم يطلقها لمكان ذلك لم ترجع.

أصبغ: إلا أن يكون الطلاق بحدثان الإسقاط ليمين نزلت ولم يتعمد ولم يستأنف اليمين فلا شيء عليه. ورأى اللخمي أن لها الرجوع ولو كان الطلاق ليمين نزلت ولم يتعمد ولم يستأنف اليمين، وقد تقدم لهذه المسالة نظائر عند الكلام على شروط النكاح.

الْمُعَوَّضُ شَرْطُهُ مِلْكِيَّةُ الزَّوْجِ فَلا يَصِحُّ خُلْعُ الْبَائِنَةِ والْمُرْتَدَّةِ وشِبْهِهِمَا بِخِلافِ الرَّجْعَيَّةِ ..

هذا هو الركن الثالث، فإذا كانت الزوجة في عصمته أو طلقها طلاقاً رجعياً جاز له أن يخالعها لأن البضع في حكمه، وأما البائن والمرتدة ومن كان نكاحها مفسوخاً فلا ملك

ص: 288

له عليه فلا يصح له أخذ العوض عنه، ولهذا الشرط وقع في الموازية وكتاب ابن سحنون في امرأة فقدت فبذل أبوها لزوجها مالاً على أن يطلقها ففعل ثم قال الأب: لعلها ماتت قبل هذا فرد علي ما أخذت. فإنه يوقف المال ويؤخر أمرها إلى وقت لا تجيء إلى مثله فذلك للزوج، فإن تبين أنها ماتت قبل الفراق أخذه الأب وورثها الزوج، وإن مات الزوج قبل كشف ذلك لم يوقف لها من ميراثه لها شيء، لأنه مات بعد أن طلق إن كانت حية أو مات بعد موتها. وقال ابن المواز: لا أرى أن ينزع ذلك من يد الزوج حتى يتبين باطل ما قبض بأن تقوم بينة بموتها قبل الطلاق، ألا ترى أنها لو كانت رابعة ما منعته نكاح غيرها لأن فراقه بائن، فإن قيل: لم قلتم إذا خالعها ثم تبين أنه كان أبانها يرد المال بخلاف ما إذا كاتب عبده وتأدى منه ثم تبين أنه كان أعتقه وهو منكر فيهما؟ قيل: لأن للسيد أن ينزع مال عبده ويستسعاه، ولا يزيل ملكه عنه إلا بالحكم عليه، والزوجة ليس له سبيل إلى مالها وهو أجنبي، فلا يصل إليه إلا بحق، فإذا ثبت طلاقه قبل ذلك فقد أخذه بغير حق. والله أعلم.

العِوَضُ شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُتَمَوَّلاً

أي: الذي تدفعه الزوجة عوضاً عن عصمتها، والمراد بالمتمول ما يصح تملكه، ليحترز من الخمر ونحوه، وليس المراد أن غير المال لا يصح فإنه لو خلعها على أن تعتق عبدها جاز، قاله مالك، قال: وإن جعل خلعها خروجها إلى أمها فذلك لازم.

وَيُغْتَفَرُ الْغَرَرُ والْجَهَالَةُ كَعَبْدٍ آبِقٍ، أوْ غَيْرِ مَوْصُوفٍ، أَوْ مُعَيَّنٍ غَائِبٍ، أَوْ نَفَقَةِ حَمْلٍ إِنْ كَانَ أَوْ جَنِينٍ عَلَى الْمَشْهُورِ بِخِلافِ الصَّدَاقِ ..

قوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) راجع إلى جميع ما تقدم لا إلى الجنين وحده. ومقابل المشهور عدم الجواز كالنكاح. والفرق للمشهور أن الأصل أنه لا يستباح البضع إلا بعوض

ص: 289

بخلاف الطلاق فإن الأصل فيه عدم العوضية. وانظر عطف المصنف نفقة الجنين على نفقة الحمل، وإنما قلنا: مقابل المشهور عدم الجواز. وإن كان اللخمي حكى ثالثاً بالكراهية لأن المنع هو الذي يقابل الاغتفار حقيقة. وحكى في البيان رابعاً بالجواز في الغرر الذي يقدر على إزالته وبالمنع في الذي لا يقدر على إزالته، وعلى التحريم فلو وقع فقال مالك مرة: لا شيء. وقال مرة: يرجع إلى خلع المثل إن بطل الجميع، وإن بطل البعض رجع بما ينوب ذلك البعض. وحكى بعضهم ثالثاً: أنه يرجع بقيمة ما خالع عليه ولو جاز بيعه.

قوله: (بِخِلافِ الصَّدَاقِ) تقدم، ونظير هذه المسألة في جواز الغرر فيها الهبة والرهن على المشهور إلا في الجنين، فإنه يمتنع رهنه على المشهور.

واختلف هل يجوز الغرر في صلح العمد؟ والمنع هو قول ابن القاسم.

وَلا يَجُوزُ بِحَرَامٍ كَخَمْرٍ وشِبْهِهِ اتِّفَاقاً ويَنْفُذُ

لما قدم أنه يجوز بالغرر خشي أنه يتوهم جوازه بالخمر ونحوه فبين أن ذلك لا يجوز بالاتفاق، ولعل مراده بشبه الحرام المغصوب، وهو الذي يؤخذ من كلامه في الجواهر. فإن قلت: كلامه هذا يلزم منه تحصيل الحاصل، لأنه قدم أن شرط العوض أن يكون متمولاً.

قيل: الكلام الأول يحتمل أن يكون في جواز الإقدام أو في النفوذ، فكان مجملاً بخلاف هذا فإنه صريح في عدم الجواز ابتداءً.

فرع:

وتكسر الخمر وتقتل الخنازير كان ذلك في يده أو في يدها، فإن تخللت في يده فقال ابن القاسم: عادت حلالاً كانت الزوجة مسلمة أو كتابية.

ص: 290

وقوله: (ويَنْفُذُ) أي الطلاق بائناً. وحكى بعضهم عن مطرف أنه يقول في هذا الأصل: إنه إذا لم يصح ما عاوض عليه [343/ ب] تكون الطلقة رجعية.

والنَّصُّ: ولَيْسَ لَهُ فِيهِ شَيْءُ

هكذا وقع في بعض النسخ، ونحوه في الجواهر لقوله: أما لو خالعت بخمر أو خنزير أو بمغصوب فلا يختلف المذهب في منعه ابتداء ونفوذه إذا وقع. والمنصوص أنه لا شيء للزوج فيه. واستقرأ اللخمي إيجاب خلع المثل من خلع المريضة، وأفادت الواو من قوله:(ولَيْسَ) أن المنصوص أيضاً نفوذ الطلاق، و (فِيهِ) من كلام المصنف تحتمل الظرفية والسببية.

وكَذَلِكَ عَلَى أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْكَنِ أَوْ عَلَى أَنْ تُسْلِفَهُ أَوْ تُعَجِّلَ لَهُ دَيْناً مُطْلَقاً

يعني: ومثل المخالعة بالخمر، لأن سكنى المعتدة في موضعها من حق الله تعالى فلا يجوز إسقاطه على عوض ولا غير عوض، فالمعاوضة عليه كالمعاوضة على الخمر، وأما إن أراد كراء المسكن فذلك جائز.

قوله: (أَوْ عَلَى أَنْ تُسْلِفَهُ) لأنه سلف جر منفعة، وهو ملكها لعصمتهأ. قال في المدونة: ويمضي الطلاق ويرد السلف.

قوله: (تُعَجِّلَ لَهُ دَيْناً مُطْلَقاً) أي: من بيع أو سلف كان مما يجبر على قبوله أم لا، وعلة المنع فيها أيضاً السلف بزيادة؛ لأن من عجل ما أخر عد مسلفاً على المشهور، فتصير المرأة مسلفة، وازدادت العصمة.

أَوْ يُعَجِّلَ لَهَا مَا لا يَجِبُ قَبُولُهُ

لأن فيه حط الضمان وإن بدت العصمة.

ص: 291

أَمَّا لَوْ عَجَّلَ مَا يَجِبُ قَبُولُهُ فَقَدْ طَلَّقَ وأَعْطَى

ظاهر التصور، ومن الشيوخ من تأول منع هذا؛ لأنه في المدونة: إذا كان لأحد الزوجين قبل الآخر دين فتخالعا على تعجيله قبل محله يقع الطلاق ويرد الدين إلى أجله. ولم يفرق بين أن يكون الدين مما يجب قبوله أم لا.

فمن الأشياخ من حمل ذلك على إطلاقه، ومنهم من فصل كما ذكر المصنف، وعلل ابن الكاتب المنع في تعجيل الزوج الدين فإنه سلف جر منفعة، إذا كانت مدخولاً بها، لأنه انتفع بذلك في إسقاط نفقة العدة.

وكَذَلِكَ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرَ دَيْناً.

لأن من أخر ما عجل عد مسلفاً اتفاقاً، فصارت مسلفة وازدادت، وهذا على أن تؤخر بالتاء المثناة من فوق. ويصح أن يقرأ ويؤخر بالياء المثناة من تحت ويكون التشبيه في قوله:(وكَذَلِكَ) عائد على قوله (أَمَّا لَوْ عَجَّلَ مَا يَجِبُ قَبُولُهُ فَقَدْ طَلَّقَ وأَعْطَى) لأنه إذا طلق وأخر يكون قد طلق وأسلف، والسلف كالإعطاء.

وخَرَّجَ اللَّخْمِيّ خلْعَ الْمِثْلِ مِنْ خلْعِ الْمَرِيضَةِ.

أي: في الصور الممنوعة بجامع المنع فيها، وهو مقابل قوله:(والنَّصُّ: ولَيْسَ لَهُ فِيهِ شَيْءُ) كما تقدم، ولا حاجة إلى هذا التخريج لأنه أحد القولين عن مالك كما تقدم.

وَلَوْ خَالَعَهَا بِحَلالٍ وحَرَامٍ سَقَطَ الْحَرَامُ

كما لو خالعته بسلعة وزق خمر فإن له السلعة ولا شيء له في زق الخمر.

ابن المواز: ومن تزوج بعشرة نقداً وعشرين إلى أجل فصالحته قبل البناء على إن عجل العشرة النقد وأسقطت العشرين لم يجز ذلك، وجاز الطلاق، وترد إليه خمسة

ص: 292

تأخذها منه إذا حل الأجل، فالوضعية حلال والتعجيل حرام، فترد إليه الخمسة لتأخذها منه عند الأجل.

ولَوْ خَالَعَهَا بِمَالٍ إِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ كَانَ حَالاً

نحوه في المدونة، وزاد فيها: كمن باع إلى أجل مجهول فالقيمة فيه حالة. وظاهر كلام المصنف أنه يجب للرجل جميع ما خلعت به حالاً وهو أحد التأويلين على المدونة.

ووجهه أن المال في نفسه حلال وكونه إلى أجل مجهول حرام فيبطل الحرام، والتأويل الثاني أنها تدفع القيمة، ووجهه أن في الأول ظلماً للمرأة لأنها لم تلزمه حالاً، وبأن الأول خلاف ما يقتضيه التشبيه.

ابن محرز: وقوله هنا بالحلو مخالف للأصل، وهو جواز الخلع بالغرر.

قال: فينبغي أن يكون لها خلع أو قيمة ما خالع به.

وَلَوْ خَالَعَهَا عَلَى ويَزِيدُهَا أَلْفَ دِرْهَمٍ جَازَ بِخِلافِ النِّكَاحِ، وَإِنْ كَانَ مُسَاوِياً لِلأَلْفِ أَوْ أَقَلَّ فَكَمَا لَوْ خَالَعَ مَجَّاناً أَوْ خَالَعَ وأَعْطَى ..

يعني: يجوز اجتماع الخلع والبيع، بخلاف اجتماع النكاح والبيع كما تقدم، فإن كان العبد يساوي أكثر من الألف فلا شك أنه خلع، وإن كان مساوياً للألف فكما لو خالع مجاناً- أي: بغير شيء- فتأتي فيه الأقوال الثلاثة المتقدمة، وإن كان مساوياً للألف أو أقل من ألف فكما لو خالع وأعطى فأكثر الروايات أنها طلقة رجعية، وما ذكره المصنف نحوه في المدونة.

ابن بشير: واعترض ذلك اللخمي، ورأى أن الواجب كونه خلعاً صحيحاً مطلقاً، لأنه قد يعطي في العبد فوق قيمته لغرض له فيه، وما قاله بين، وقد علمت أن في كلام المصنف لفاً ونشراً فإن قوله:(كَمَا لَوْ خَالَعَ مَجَّاناً) راجع إلى قوله: (مُسَاوِياً لِلأَلْفِ) وإن قوله: (خَالَعَ وأَعْطَى) راجع إلى قوله: (بأقل).

ص: 293

فَإِنْ كَانَ آبِقاً رُدَّتِ الزِّيَادَةُ وكَانَ لَهُ نِصْفُهُ. وقَالَ مُحَمَّدُ: وكَانَ لَهُ مِنْهُ مَا زَادَ عَلَى الأَلْفِ بِتَقْوِيمِهِ بَعْدَ وِجْدَانِهِ، وإِلا فَلا شِيْءَ لَهُ ..

أي: فإن كانت المسألة بحالها إلا أن العبد آبق لا تجوز المعاوضة عليه في البيع ردت المرأة الزيادة وهي الألف، وكان للزوج نصف العبد، هذا مذهب ابن القاسم في المدونة. وقال محمد: إنما له ما زاد على الألف بتقويمه بعد وجدانه، فإن كانت قيمته ألفين كان له النصف، وإن كانت ألفاً وخمسمائة كان له الثلث، وإن كان ألفاً ومائتين كان له السدس.

قوله: (وإِلا فَلا شِيْءَ لَهُ) أي: وإن لم يزده على الألف فلا شيء للزوج في العبد، وهذا الخلاف [344/ أ] مبني على الخلاف في الشيء المعلوم إذا وقع في مقابلة معلوم ومجهول هل يكون بينهما على السواء؟ ففيكون نصف العبد في مقابلة الخلع ونصفه في مقابلة البيع، فإذا أنقص ما قابل البيع لزم أن يكون له نصفه، وهو قول ابن القاسم هنا، وفي الشقص المصالح به عن موضحتي العمد والخطأ وإنما يكون المعلوم في مقابلة معلوم، فإن فضل شيء كان في مقابلة المجهول، وعلى هذا يأتي قول محمد، وهو مذهب ابن نافع فيمن صالح بشقص عن موضحتي العمد والخطأ.

ونقل ابن راشد عن بعضهم أنه جعل قول محمد تفسيراً، ولم أر إلا من حمله على الخلاف.

وفهم من قول المصنف: (بِتَقْوِيمِهِ بَعْدَ وِجْدَانِهِ) أن القيمة إنما تعتبر عند محمد يوم وجدان الآبق.

محمد: وكذلك الجنين يوم خروجه والثمرة يوم تجذ. قال في الجواهر: وهو المشهور وقال أصبغ: القيمة في الآبق يوم الخلع وكذلك الثمرة القيمة يوم الصلح إن كانت مؤبرة، وإن لم تؤبر فيوم تؤبر، ووافق في الجنين أن قيمته يوم ولد.

اللخمي: والقيمة في جميع ذلك يوم الصلح أحسن، لأن فيه وقع البيع.

ص: 294

وَلَوْ خَالَعَهَا عَلَى مَا فِي يَدِهَا فَوَجَدَهَا فَارِغَةً أَوْ كَالْفَارِغَةِ فَفِي لُزُومِ الطَّلاق قَوْلانِ، فَلَوْ وَجَدَ فِيهَا مُتَمَوّلاً لَزِمَهُ ..

أي: إذا كانت يدها مقبوضة فخالعها على ما في يدها، فإن وجد فيها ما له قدر كالدينار وشبهه لزم، وإن وجدها فارغة أو كالفارغة مثل أن يجد حجراً أو وجد فيها درهماً فحكى اللخمي وغيره ثلاثة أقوال:

اللزوم لابن الماجشون وسحنون؛ لأنه طلق بشيء يأخذه أو لا يأخذه. محمد: وهو أحب إلي لأنها لم تخدعه.

ونفي اللزوم وحكاه ابن حبيب عن مالك، قال: وهذا مما لا يجوز على أحد.

والثالث: لأشهب بالفرق، فإن وجدها فارغةً أو وجد فيها حجراً لم يلزم وإن وجد فيها درهماً لزمه.

وظاهر كلام المصنف أنه إذا وجد في يدها الدرهم يتفق على اللزوم لأن الدرهم مما يتمول، وحكى ابن حبيب عن مطرف أنه إن كان في يدها ما ينتفع به كان خلعاً وإن كان مما لا ينتفع به فليس بخلع وتكون طلقة له فيها الرجعة.

وَلَوْ خَالَعَهَا عَلَى عَبْدٍ فَاسْتَحَقَّ لَزِمَهُ ويَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَها فِيهِ شُبْهَةُ فَفِي لُزُومِ الطَّلاق فَيَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ قَوْلانِ ..

يعني: إذا خالعها على عبد فاستحق فإن كان لها فيه شبهة لزم الخلع ورجع بقيمته، وسواء استحق إلى رق أو إلى حرية. وحكى في الجواهر قولاً بعدم الرجوع إذا استحق إلى حرية ويرجع على المشهور بالقيمة ولم يرجع لخلع لأنه لم يدخل عليه. وحكى ابن عبد السلام عن ابن عبد الحكم أنه يرجع بخلع المثل.

ص: 295

أبو الحسن: وهنا سبع مسائل يرجع فيها العبد بعده، ومن نكح بعبد بعينه فاستحق أو صالح من دم عمد على عبد، أو باع السيد عبده من نفسه بعبد، أو باع السيد قطاعة مكاتب له بعبد أو كان عوضاً عن عمد أو صالح على الإنكار وإن لم تكن لها فيه شبهة، كما لو قالت: أخالعك علي هذا العبد أو الدار، فإذا بالعبد أو الدار كغيرهما، ولا شبهة لها في ذلك، فقال عبد الملك: لا يلزمه الطلاق؛ لأنه طلق على أن يتم له ذلك.

ولم يحك الباجي وابن يونس وصاحب الجواهر وغيرهم هذا القول، والقول باللزوم بعيد وهو للخمي، قال: ويلزمه الطلاق وتغرم القيمة إن كانت موسرة، وإن كانت فقيرة فحينئذ تعود زوجته.

وقول المصنف: (فَيَرْجِعُ) عطفه بالفاء ليؤذن أن ذلك مرتب على القول بلزوم الطلاق.

ولَوْ خَالَعَتْهُ عَلَى دَرَاهِمَ أَرَتْهُ إِيَّاهَا فَوَجَدَهَا زُيُوفاً فَلَهُ الْبَدَلُ كَالْبَيْعِ

كذا في المدونة، وقيدها بعضهم بأن تصالحه على دراهم طيبة، ولو اشترطت عليه أنك تأخذها دون تقليب لما لزمها بدل.

وَلَوْ خَالَعَهَا عَلَى أَلا سُكْنَى لَهَا فَإِنْ أَرَادَ كِرَاءَ الْمَسْكَنِ وهُوَ لِغَيْرِهِ لَزِمَ، وإِنْ كَانَ لَهُ وسَمَّى الْكِرَاءَ لَزِمَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى أَنْ تَخْرُجَ لَمْ يَلْزَمْهَا

فاعل (لَزِمَ) في الموضعين من كلام المصنف عائد على الكراء، أي لزمها الكراء ووقع الخلع.

وقوله: (وَإِنْ كَانَ عَلَى أَنْ تَخْرُجَ لَمْ يَلْزَمْهَا) أي: الخروج وأما الطلاق البائن فقد وقع.

اللخمي: وقال ابن القاسم في المدونة في التي خالعت على أن لا سكنى لها: إن كانت في مسكن الزوج لم تخرج، ولا شيء للزوج عليها. قال: لأن مالكاً قال: إذا وقع الخلع بحرام مضى الخلع ورد الحرام.

ص: 296

اللخمي: وأرى أن لا يرجع عليها بالأقل من كراء المسكن أو ما كانت تكري به، لأن أخذ العوض عن السكنى يجوز، وهو بمنزلة من خالع على شيء فاستحق من يده، إلا أن يكون انتقالها إلى أبيها أو إلى مسكنها، وهو الآن لا كراء له لأنها لم تنتفع بشيء.

وفهم ابن عبد السلام أن فاعل (لَزِمَ) عائد على الخلع، واعترض كلام المصنف وقال: إنما قال في المدونة: جاز، وهو أحسن؛ لأن تسمية الكراء شرط في جواز الخلع ابتداء لا في لزومه، لأنه لازم؛ سمى الكراء أو لم يسمه. وعلى ما قررناه يندفع هذا على أن قوله: تسمية الكراء، شرط في جواز الخلع إنما اعتمد فيه على مفهوم المدونة. وقد يقال: هذا المفهوم غير مراد، لأن غايته إذا لم يسم الكراء يكون غرراً، والخلع بالغرر جائز إلا أن يفهم قوله فيها سمى الكراء على أن المراد ذكر الكراء لا ذكر قدره، ويكون احترز بذلك مما لو أراد إسقاط الكراء. والله أعلم.

وَلَوْ خَالَعَهَا عَلَى [344/ ب] أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ عِنْدَهُ لَزِمَ، إِلا أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ يُخَافُ عَلَيْهِ ..

وقعت هذه المسالة هنا في أكثر النسخ، ولا حاجة إليها، وستأتي من كلام المصنف بأتم من هذا، فلنترك الكلام على هذه لذلك.

ولَوْ خَالَعَهَا عَلَى أَنْ تُرْضِعَ وَلَدَهُ وتُنْفِقَ عَلَيْهِ حَوْلَيْنِ وَتَحْضُنَهُ صَحَّ

قوله: (حَوْلَيْنِ) أي حولي الرضاع، وليس المراد حولين مطلقاً.

وقوله: (صَحَّ) أي الخلع، ولا إشكال في ذلك. ونقل في التنبيهات عن ابن وهب أنه قال في المبسوط: إنما يجوز من ذلك صلحها في الحولين على الرضاع وحده، وأما على نفقته فلا يجوز في الحولين ولا بعدهما.

ص: 297

فَإِنْ أَضَافَ إِلَيْهِ نَفَقَةً مُدَّةً أُخْرَى عَلَيْهِ أَوْ عَلَى نَفْسِهِ سَقَطَتْ، وَقَالَ الْمَخْزُومِيُّ: لا تَسْقُطُ، وصُوِّبَ ..

أي: فإن زيد على نفقة الولد ورضاعه نفقة مدة أخرى، إما على الطفل وإما على الزوج، فمذهب المدونة سقوط الزائد، وقال اللخمي والمغيرة وابن الماجشون وأشهب وابن نافع وسحنون: لا تسقط. وهو صواب عند جماعة الشيوخ حتى قال ابن لبابة: والجل على خلاف ابن القاسم وروايته.

المتيطي: قال غير واحد من الموثقين والعمل على هذا القول، ووجهه ظاهر لأن غايته أنه غرر، والغرر جائز هنا، ولذلك أقام بعضهم من المدونة خلافاً في جواز المخالعة على الغرر، وقال: هذه تدل على المنع. وفرقوا بين هذه وغيرها من الغرر بفروق ضعيفة لم أرتض شيئاً منها. وفي المسألة قولان آخران:

الأول: رواه ابن زياد عن مالك: أنه يجوز في العامين وما قاربهما لا فيما كثر.

الثاني: قال أصبغ: أكرهه ابتداءً، فإن وقع أمضيته.

اللخمي وغيره: وهذا الخلاف إنما هو إذا وقع الخلع على ذلك ولم يشترط ثبات ذلك إن مات الولد ولا سقوط وأما إذا اشترط الأب نفقة الولد مدة معلومة عاش الولد أو مات فيجوز عند ابن القاسم وغيره، وإن مات الولد أخذ الأب ذلك منها مشاهرة حتى يتم الأجل وكذلك الأب.

وعَلَى الْمَشْهُورِ لَوْ مَاتَتِ الأُمُّ قَبْلَهُمَا فَفِي مَالِهَا، وَلَوْ مَاتَ الطِّفْلُ فَقَوْلانِ

(قَبْلَهُمَا) أي: قبل الحولين. وقوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) أي مذهب المدونة: إذا خالعها على رضاع ولدها ونفقته مدة حولي الرضاع، لو ماتت الأم قبل تمام الحولين وقف منمالها بقدر مؤنة الولد إلى انقضائهما لأنه دين ترتب في ذمتها فوجب أن يكونفي تركتها كسائر الديون، فإن مات الطفل فالمشهور وهو مذهب المدونة عدم الرجوع.

ص: 298

مالك في المدونة: ولم أر أحداً طلبه. وكأنه سلم أن القياس الرجوع إلا أن العرف عدم الرجوع فترك القياس لذلك.

محمد- موجهاً لهذا القول-: بمنزلة من صالح على أن عليها نفقة الحمل ورضاعه فأسقطته سقطاً فلا تتبع.

والقول الثاني: رواه أبو الفرج عن مالك، ولا شك أيضاً على قول المخزومي أنها إذا ماتت أنه يكون ما بقي في مالها، ولا أعلم إذا مات الطفل ما يقوله المخزومي؟ ولعل المصنف لهذا خصص التفريع على المشهور.

فروع:

الأول: قال ابن المواز لو ولدت في المسألة المتقدمة ولدين لزمها إرضاعهما، ولا تعذر إن قالت: لا أقدر على رضاعهما.

الثاني: إذا انقطع لبنها لزمها أن تشتري له لبناً. نقله ابن راشد.

الثالث: قال محمد: لو شرط عليها أن تكفل ولده بعد فطامه ثلاث سنين ولا تتزوج، لم يلزمها ذلك قربت المدة أو بعدت، كما لا يلزم الزوج اشتراط ذلك عليه، وأما لو اشترط ألا تنكح حتى تفطم ولدها، فنقل ابن رشد عن مالك: ليس لها النكاح.

وقال ابن القاسم في العتبية: إذا كان يضر بالصبي منعت. وقال الأبهري: لها أن تتزوج وشرطه باطل، ولعله محمول على إذا لم يضر ذلك بالطفل فيتفق مع قول ابن القاسم.

وحكى ابن عبد السلام أن لها أن تتزوج وإن ضر ذلك بالصبي ولم يعزه، وهو بعيد، قالوا: ومذهب المدونة ليس لها أن تتزوج وإن لم يشترط عليها عدم التزويج إذا شرط إرضاعها الصبي كما قال في المرأة إذا أجرت نفسها ظئراً.

ص: 299

ابن عبد الغفور: فإن تزوجت قبل أمر الحضانة فسخ قبل البناء.

الرابع: اختلف إذا خالع امرأته على أنها إذا ولدت فعليها نفقته في الحولين، فقال مالك في المبسوط: ليس لها أن تطلبه بنفقة الحمل. وقال ابن القاسم وابن الماجشون والمغيرة: لها نفقة الحمل. واختاره اللخمي لأنهما حقان أسقطت أحدهما وبقي الآخر، زاد الباجي في قول مالك: وليس لها أن تطلبه بالصداق. وكذلك نقل عن المغيرة، ووجه قولهما لما لم تشترط بقاء الصداق كان الظاهر إسقاطه لأنه لم يرض منها بترك ما كان في ذمته حتى زادت نفقة الحمل.

فَإِنْ عَجَزَتْ فَعَلَيْهِ ويَتْبَعُهَا

يعني: فإن عجزت المرأة عما التزمته من النفقة على الطفل في الحولين، فعلى الأب أن ينفق عليه لأن نفقته بالأصل على أبيه، فله أن ينقلها عنه بشرط أن لا يضر ذلك بالطفل فإن عجزت رجعت إلى الأب وإلا لحصل الضرر للطفل. وإذا أنفق فهل يتبع الأم بما أنفقته إذا أيسرت؟ وهو قول مالك في العتبية. قال ابن يونس: وهو قول ابن القاسم وأشهب وعبد الملك لأنه أدى عنها حقاً قد لزمها، أو لا يتبع وهو قول ابن القاسم أيضاً وأصبغ.

واقتصر المصنف على الأول، ووجه الثاني أن الأم [345/ أ] إنما التزمت نفقة الولد على الوجه الذي كان يجب على الأب فتسقط بالعسر.

وَلَوْ خَالَعَهَا عَلَى أَنْ تَسْقُطَ حَضَانَتُهَا فَالْمَشْهُورُ: تَسْقُطُ إِلا أَنْ يُخَافَ عَلَيْهِ، وتَنْتَقِلُ إِلَيْهِ أَوْ إِلَى غَيْرِهِ كَمَا لَوْ أَسْقَطَتْهُ. وقِيلَ: لا تَسْقُطُ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ حَقُّ لَهَا أَوْ لِلْوَلَدِ ..

هذا هو الذي ذكرناه أنه أتم مما قبله ومعناه: أن الأم مقدمة في حضانة ولدها، فإذا خالعها على أن تسقط حضانتها فإن كان في ذلك ضرر إما لعلوق الولد بأمه أو لأن مكان

ص: 300

الأب غير حصين لم تسقط حضانتها بالاتفاق ويقع الطلاق بائناً، وهكذا قال في المدونة. وأقام الشيوخ منها أن من طلق امرأته وله منها ولد رضيع فتزوجت وطلب الأب الولد أنه إن خيف على الولد إن نزع من أمه لم يكن له ذلك حتى ينتفي الضرر كما هنا، وإن لم يكن في ذلك ضرر فالمشهور سقوط حضانتها.

ابن يونس: وقال عبد الملك: لا تسقط. وقاله في كتاب المدنيين، ومنشأ الخلاف ما ذكره المصنف: هل الحق للحاضنة فيكون لها إسقاطه، أم للولد فلا يكن لها الإسقاط؟ واختار اللخمي قول عبد الملك إن كان الصبي رضيعاً ونحوه.

خليل: لأنه حينئذ لا يقوم به أحد كأمه، والمشهور وهو مذهب المدونة الحجة لأحد القولين في باب الحضانة إذا ترك من له الحق في الحضانة حقه إلى من هو في ثالث درجة أنه لا يكون للثاني القيام.

أبو عمران: والقياس خلافه وعارض فضل قوله في المدونة أن الحضانة حق للحاضن برواية ابن القاسم، يمنع أن يبيع الرجل الأمة برضاها على أن يفرق بينها وبين ولدها الذي لم يثغر، فمنعه من البيع مخالف للمشهور، وموافق لقول عبد الملك ففرق بينهما بأن الولد انتقل في مسألتنا إلى من له الحضانة وهو الأب، بخلافه في مسألة البيع فإنه ينتقل إلى من لا حضانة له.

ونَفَقَةُ الآبِقِ والشَّارِدِ عَلَى الزَّوْجِ مَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ، وفِي نَفَقَةِ ثَمَرَةِ لَمْ يَبْدُ صَلاحُهَا قَوْلانِ ..

مراده بالنفقة الجعل على طلب الآبق والشارد، وإلا فالنفقة عليهما مع الجهل بموضعهما أو مع عدم القدرة على تحصيلهما بحال.

وقوله: (مَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ) أي على المرأة فيكون عليها، وهذا متفق عليه. والقولان في نفقة الثمرة التي لم يبد صلاحها لشيوخ عبد الحق.

ص: 301

أحدهما: أن ذلك أيضاً على الزوج، لأن الملك قد انقتل ولا جائحة في الثمرة هنا فلا موجب لكونها على المرأة.

وثانيهما: أن ذلك على المرأة كالبيع، لأن الشرع لما اغتفر الغرر هنا صار الخلع على من يبدو صلاحه، يتنزل منزلة البيع فيما بدا صلاحه. قال هذا القائل: وليس للمرأة أن تجبر الزوج على جذ الثمرة، لأنه إنما دخل على بقائها.

ابن عبد السلام: وأشار بعض من سلك هذه الطريقة إلى إلزام حكم الجائحة. وسكت المصنف عن نفقة الأم إذا خولع على جنينها، قال غير واحد: والنفقة في ذلك على المرأة إلى خروج الجنين.

ابن عبد السلام: وهكذا ينبغي أن يكون السقي على المرأة إذا كانت الثمرة لم تؤبر أو لم تخلق.

ابن المواز: وإذا خالعها على جنين في بطن أمه فهو له إذا خرج ويجبر على الجمع بينهما فيباع مع أمه.

وَلَوْ تَبَيَّنَ فَسَادُ النِّكَاحِ إِجْمَاعاً رَدَّ مَا أَخَذَهُ، وفِي الْمُخْتَلَفِ فِيهِ قَوْلانِ.

لأن ما أجمع على فساده يفسخ بالاتفاق فلا ملك للزوج في البضع لأنه يفسخ بغير طلاق، والخلع طلاق فلا يمكن الجمع بينهما، وأما المختلف فيه فالقولان فيه مبنيان على الخلاف في أن الفسخ فيه هل بطلاق فيلزم الخلع؟ أو بغير فلا يلزم.

والقولان في المدونة، لأن في إرخاء الستور إذا خالعها ثم تبين أنه تزوجها وهو محرم أنه يرد المال، وفي النكاح الثاني إذا تزوجها بغرر أو بغير ولي وخالعها قبل البناء قولان: أولهما: كما في إرخاء الستور، والثاني: أنه لا يرد المال.

ابن القاسم: ولو رأيت الخلع فيه غير جائز ما أجزت الطلاق. يريد: ولكن الطلاق فيه لازم.

ص: 302

فَإِنْ تَبَيَّنَ بِهِ عَيْبُ خِيَارٍ رَدَّ مَا أَخَذَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ ومَضَى الْخُلْعُ

يعني: أن الخلع متفق على إمضائه، بمعنى أنه يقع الطلاق البائن، وإنما اختلف في رد ما أخذه، والمشهور رده، وهو مذهب المدونة، وهو في كتاب إرخاء الستور. وقول المصنف:(عَيْبُ خِيَارٍ) يشمل العيوب الأربعة.

وقوله: (بِهِ) احترزاً مما لو تبين بها فإنه لا يرد ما أخذه، صرح بذلك في المدونة، وعلل ذلك فيها بأن له أن يقيم على النكاح.

ابن المواز: وليس له الرجوع بالصداق على من غره لعيب ذهب وعارض سحنون هذه المسألة بما قاله في النكاح الثاني في الذي تزوج بغرر أو بغير ولي قبل البناء أن له ما أخذ وقال: هذه ترد إلى ما في كتاب الخلع ووجه المعارضة أنه إذا كانت تأخذ منه ما دفعت إليه في العيب الذي لها الرضى به والمقام على ذلك النكاح فلأن يكون لها أخذه بما دفعت إليه حيث يكونان مجبورين على الفسخ- أولى.

وقد يعارض بين المسألتين على العكس فيقال: إذا كان للزوج ما دفعت إليه في النكاح الفاسد المجبور على فسخه، فلأن يكون له ذلك في النكاح الصحيح أولى.

وقد يعارض بين المسألتين على العكس فيقال: إذا كان للزوج ما دفعت إليه في النكاح الفاسد المجبور على فسخه، فلأن يكون له ذلك في النكاح الصحيح أولى.

وأجيب بأن ما في إرخاء الستور إنما هو لعبد الملك وأنه لا فرق على مذهب ابن القاسم بين أن يظهر العيب بالزوج أو بالزوجة لا يرد المال في الوجهين، وحينئذ تسقط المعارضة [345/ ب] لعدم اتحاد القائل لكن قال عياض: وكلام سحنون برد مسألة النكاح إليها يدل على خلاف ذلك حينئذ تتحقق المعارضة وقد يجاب عنها بأنه لما اتفق العلماء على الرد بعيوب النكاح صار كالمجمع على فسخه، فلذلك قال ابن القاسم برد المال بخلاف إنكاح المرأة نفسها فإن أبا حنيفة يخالف في ذلك بخلاف النكاح بالغرر فإن الخلاف عندنا فيه شهير.

ص: 303

والقول بأنه لا يرد إذا كان به عيب خيار لابن المواز قال: وإن تزوجها بغرر أو بغير ولي ثم خالعها قبل البناء فإنه يرد ما أخذ منها كقول سحنون وجعله ابن يونس ثالثاً قال: وهو أبينها. والله أعلم.

وَلَوْ قَالَ: خَالِعْهَا بِمائَةٍ فَنَقَصَ لَمْ يَقَعْ طَلاقُ، وَلَوْ قَالَتْهُ فَزَادَ وَقَعَ وَالزِّيَاَدةُ عَلَى الْوَكِيلِ ..

يعني: إذا وكل رجل من يخالع له زوجته بمائة مثلاً فإن خالعها بها أو زيد فلا شك في وقوع الطلاق البائن، فإن نقص لم يقع الطلاق، لأنه معزول عن ذلك، وهو ظاهر في النقص الكثير، وأما اليسير فينبغي أن يختلف فيه كالبيع.

قوله: (وَلَوْ قَالَتْهُ) أي ولو قالت المرأة ما قاله الرجل فقالت: خالع لي زوجي بمائة، فإن خالعه بها أو أقل لزمها ذلك، وإن زاد وقع الطلاق البائن، وكانت الزيادة على الوكيل وينبغي أيضاً أن يقيد الزيادة بالزيادة الكثيرة، وأما اليسيرة فيلزمها كالوكيل على شراء سلعة.

وَلَوْ قَالَ: خَالِعْهَا فَنَقَصَ عَنِ الْمِثْلِ حَلَفَ أَنَّهُ أَرَادَ خُلْعَ الْمِثْلِ

أي: لو وكل الزوج رجلاً على أن يخالع له زوجته فإن خالعها بخلع المثل فأكثر لزمه، وإن نقص عن المثل. ففي الجواهر: القول قوله أنه أراد خلع المثل ولم يذكر يميناً، ولم يذكرها أيضاً مالك في المجموعة.

ابن عبد السلام: ولا تكاد تجد النص على اليمين، قال: وظاهر الرواية سقوط اليمين كما في البيع وهو الأقرب، وقد يقال بثبوتها هنا، لأن السلعة في البيع لها قيمة كالمعرفة ولا قيمة هنا.

خليل: والظاهر أن اليمين هنا يجري الخلاف في توجيهها على الخلاف في أيمان التهم، وقد نص مالك في العتبية على اليمين في من قال لامرأته: إن دعوتني إلى الصلح فلم أجبك فأنت طالق فدعته إلى دينار فقال: لم أرد هذا، وإنما أردت نصف ما تملكينه.

فقال: لا يلزمه الخلع، ويحلف ويخلى بينه وبينها.

ص: 304

ابن القاسم: وإن لم تكن له نية فلم يجبها حنث. لكن قال في البيان: قوله: (يحلف) يدل على أنه لم يكن مستفتياً في يمينه وإنما كان مخاصماً ويحلف لأنه ادعى نية تخالف ظاهر اللفظ، ولو كان مستفتياً لقبل ذلك منه بغير يمين. ونقل ابن بشير مسألة العتبية هذه وذكر أنه لم يجب عليه في الرواية يميناً قال: وقد تجري على أيمان التهم.

وعند ابن شعبان: له أن يطالبها بجميع ما تملكه، وأنكره اللخمي ورأى أن ذلك ليس من مقاصد الناس، وإنما يقصدون بعض المال لا كله، وانظر قول ابن بشير مع ما تقدم ولم يوجب في الرواية يميناً إلا أن يكون حمل ما في الرواية على المرافعة كما ذكر صاحب البيان.

وَإِذَا تَنَازَعَا فِي أَصْلِ الْعِوَضِ حَلَفَتْ وَبَانَتْ بِقَوْلِهِ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: يَتَحَالَفَانِ وَتَعُودُ زَوْجَةً ..

إذا اختلفا على الطلاق وقال الزوج: كان على عوض ولم تدفعيه لي. وقالت الزوجة: إنما كان على غير عوض، فقال مالك وابن القاسم: القول قولها مع يمينها ولا شيء عليه.

ابن راشد: وهو المشهور. وقال عبد الملك: القول قوله وتعود زوجته بعد أن يحلف الزوج أنه خالع على ما ذكر، وتحلف هي أنه كان طلاقاً بغير عوض.

اللخمي: والأول أحسن، ولا يرتفع الطلاق بعد وقوعه ومنشأ الخلاف هل تتبعض الدعوى ويؤخذ الزوج بما أقر به أم لا؟ ولأصبغ ثالث: إن أقر بالخلع وسبق إقراره بقوله: إنما أردت أن لا يتم حتى تعطيني، فالقول قوله، وإلا فالقول قولها.

وَفِي جِنْسِهِ وَقَدْرِهِ حَلَفَتْ وَبَانَتْ

(وَفِي جِنْسِهِ) أي فإن اتفقا على الخلع واختلفا في جنس ما وقع الخلع به كما لو قال: بعبد. وقالت: بل بدينار أو قدره كما لو قال: بدينارين. وقالت: بل بدينار، حلفت وبانت لأنه مقر بالطلاق ومدع عليها فإن نكلت حلف وأخذ ما ادعاه.

ص: 305

وَلَوْ تَنَازَعَا فِي وَقْتِ مَوْتِ غَائِبٍ خُولِعَ عَلَيْهِ، أَوْ عَيْبِهِ فَهْيَ مُدَّعِيَةُ، فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ بَعْدَهُ فَلا عُهْدَةَ بِخِلافِ الْبَيْعِ ..

هكذا قال ابن القاسم ونص ما نقله ابن يونس عنه: قال سحنون عن ابن القاسم: وإذا صالحته على عبد غائب فمات أو وجد به عيباً، فقالت: كان ذلك به بعد الصلح. وقال هو: قبل الصلح. فالمرأة مدعية وعليها البينة، وإن ثبت أنه مات بعد الصلح فلا عهدة فيه بخلاف البيع.

وإلى هذا أشار بقوله: (فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ بَعْدَهُ) أي الموت أو العيب بعد الخلع فلا عهدة على الزوجة.

وقوله: (بِخِلافِ الْبَيْعِ) ظاهره أن المخالفة راجعة إلى قوله: (ثَبَتَ أَنَّهُ بَعْدَهُ) ووجه المخالفة على هذا أنها بائعة للعبد بالعصمة فكان ينبغي أن يكون الضمان منها، لأن المشهور أن ضمان المبيع على الصفة من البائع، إلا أن يشترطه على المشتري، ويحتمل أن تعود المخالفة إلى قوله، فتكون مدعية، ويكون وجهها على هذا أن يجعل الزوج هو البائع للعصمة فكان ينبغي أن يكون الضمان منه، لأن المشهور في المبيع الغائب، وإطلاق البائع عليه أولى، لأن لها أن تخالع عوضاً عن العبد بدارهم وحينئذ لا يقال عرفاً أنها باعت الدراهم، وهذا [346/ أ] يعين أن يكون قول المصنف:(فَهْيَ مُدَّعِيَةُ) ثابتاً في متن كلامه كما في الجواهر وكلام ابن القاسم المتقدم. وسقط ذلك في بعض النسخ وليس يجيد فإن قيل: ما الفرق على هذا بين البيع والخلع؟

فالجواب: إنما لم نقل أن الضمان منه لكونه لا يدفع العبد، بخلاف البائع في البيع.

هذا ما ظهر لي، ولم أجزم بمراد المصنف، والمراد هنا بالعهدة عهد الدرك والاستحقاق لا عهدة الثلاث وعهدة السنة. والله أعلم.

ص: 306

وَلَوْ ثَبَتَ مَوْتُ الآبِقِ قَبْلَهُ فَلا عُهْدَةَ؛ لأَنَّهُ عَلَيْهِ دَخَلَ، إِلا أَنْ تَكُونَ عَلِمَتْ فَعَلَيْهَا قِيمَتُهُ ..

يعني: أن ما قدم هو في الغالب غير الآبق، وأما الآبق يتبين بعد الخلع أنه مات قبل الخلع فلا شيء عليها وهو معنى قوله:(فَلا عُهْدَةَ) أي على المرأة لأن الموت بعض ما دخل عليه الزوج وهو معنى قوله: (عَلَيْهِ دَخَلَ) إلا أن تكون حين المخالعة علمت بموته فتكون غارة، وتعد كالملتزمة بقيمته، وهكذا نقل عبد الحق عن غير واحد من شيوخه.

الصِّيغَةُ: وهُوَ كَالْبَيْعِ فِي الإِيجَابِ والْقَبُولِ.

هذا هو الركن الخامس وهو كالبيع أي في أنه لابد من الإيجاب والقبول ولا يشترط فيه أن يكون بصيغة خاصة بل تكفي المعاطاة، قال في المدونة: وإن أخذ شيئاً منها وانقلبت، وقالت ذلك بذلك ولم يسميا طلاقاً فهو خلع.

إِلا أَنْ يَقَعَ مُعَلَّقاً مِنْهُمَا فَلا يُحْتَاجُ إِلَى الْقَبُولِ نَاجِزاً ولَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ مِثْلَ: مَتَى أَعْطَيْتِنِي أَلْفاً فَأَنْتِ طَالِقُ، أَوْ مَتَى طَلَّقْتَنِي فَلَكَ أَلْفُ ..

قوله: (مِنْهُمَا) أي منه أو منها ولابد أن يكون التعليق وقع منهما جميعاً.

وقوله: (مَتَى أَعْطَيْتِنِي)، تعليق من جهة الزوج و (مَتَى طَلَّقْتَنِي) تعليق من جهتها، وذكر المثالين مما يبين لك أن مراده بقوله:(مُعَلَّقاً مِنْهُمَا) ما ذكرناه.

وقوله: (فَلا يُحْتَاجُ إِلَى الْقَبُولِ نَاجِزاً) يقتضي أنه إذا لم يكن معلقاً يحتاج إلى القبول ناجزاً وهو كذلك كما في عقود المعاوضة.

وفي المدونة: إن قال لها أنت طالق على عبدك هذا فإن قبلت قبل التفرق لزمها وإلا فلا قبول لها.

ص: 307

عبد الحق: وسألت بعض القرويين: هل هذا على أحد قولي مالك في التمليك؟ فقال: لا يدخل الاختلاف هنا لأن هذا ضرب من المبايعة فيقتضي الجواب في الحال، فإذا افترقا ولم يجب فلا كلام لها. وقال في الجواهر: إذا علق بالإقباض والأداء والإعطاء لم يختص بالمجلس، إلا أن يدل ليل على اختصاصه به وإن كان يقتضي الجواب ففي بقائه لها وإن تفرقا خلاف.

اللخمي: وإن قال: أنت طالق على عبدك أو إن اعتني أو إذا أعطيتيني أو متى أعطيتني عشرة دنانير فأنت طالق، كل ذلك لازم إذا أعطته، ويفترق الجواب في الوقت الذي إذا أعطته لزمه أخذه، والطلاق؛ فإن قال: أنت طالق على عبدك فلم ترض في المجلس لم يلزمه شيء لأنه يقتضي المجاوبة في الحضرة، وإن قال: إذا أو متى؛ كان ذلك بيدها وإن افترقا ما لم يطل ويرى أنها تاركة أو يمضي ما يرى أن الزوج لن يجعل التمليك إلى ذلك الوقت.

واختلف إذا قال: إن أعطيتني هل يحمل ذلك على المجلس وإن افترقا؟ وأرى أن ذلك بيدها إذا قالت: نعم وانصرفت على ذلك وإن سكتت ضعف قولها انتهى.

ابن راشد: اختلف إذا تراخى القبول عن الإيجاب في البيع، أشار ابن العربي في ذلك ثم قال: والمختار جواز تأخير ما تأخر، ومقتضى هذا أن يجوز ذلك في الخلع أيضاً لأنه قال في الأصل: هو كالبيع في الإيجاب والقبول فتأمله.

ابن عبد السلام: ومراد المصنف بالقبول دفع المال لا التزام دفعه من المرأة والرضى بذلك من الرجل، فإن ذلك لابد منه عند سماع كلام من طلب ذلك منهما، إلا أن المؤلف تجوز في العبارة فعبر بالقبول الذي هو سبب عن دفع المال الذي هو مسبب.

وَمِثْلَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي أَلْفاً خَالَعْتُكِ، إِنْ فُهِمَ الالْتِزَامُ لَزِمَ، وَإِنْ فُهِمَ الْوَعْدُ وَدَخَلَتْ فِي شِيْءٍ بِسَبَبِهِ- فَقَوْلانِ

(لَزِمَ) أي الطلاق البائن بدفع المال إن فهم الالتزام.

ص: 308

ابن راشد: بلا خلاف وإن فهم الوعد ودخلت في شيء بسببه كما لو باعت قماشها أو كسرت حليها فقولان: روى أبو زيد عن ابن القاسم أنه يلزمه.

ابن عبد السلام: وهو المعروف. وقيل لا يلزمه ويحلف ما أردت طلاقاً، ومفهوم كلامه أنها إن لم تدخل في شيء بسبب الوعد فلا يلزمه الطلاق وهو جار على المشهور في عدم الوفاء بالوعد، وعلى الشاذ بلزوم الوفاء يلزم الطلاق هنا، قال في البيان: وعليه فيحلف.

وَلَوْ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتَنِي مَا أُخَالِعُكِ بِهِ لَمْ يَلْزَمْ بِالتَّافِهِ، وَيَلْزَمْ بِالْمِثْلِ عَلَى الأَصَحَّ

يعني إذا قال: إن أعطيتني ما أخالعك به فقد خالعتك أو فأنت طالق لم يلزم بالتافه. قال في المدونة: ويخلى بينه وبينها، ولم يوجب عليه يميناً وفي قوله:(بِالتَّافِهِ) نظر.

والذي قاله ابن بشير: فأعطته نصف دينار. وقال اللخمي: فأعطته دينار وأما لو أعطته ما يخالع به مثلها فقال المصنف: الأصح اللزوم، لأنه إذا تقيد الكلام بالعرف وخرج عنه القليل فكذلك يتقيد بالعرف إذا طلب هو الزائد عن خلع المثل، ومقابل الأصح لابن شعبان: أن القول قوله إلى قدر ما تملكه المرأة وليس بالبين ولا يؤخذ مقابل الأصح من كلام المصنف.

وَلَوْ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي عَبْداً لَزِمَ بِمُسَمَّى عَبْدٍ

قال في الجواهر: وإن قال إن أعطيتني عبداً؛ بغير تقييد بصفة، طلقت بكل [346/ ب] ما يطلق عليه اسم عبد من السليم، فقيده بأن يكون سليماً ولابد من ذلك، وظاهر كلامه في الجواهر وكلام المصنف أنه لا فرق في اللزوم بين أن يكون العبد قليل القيمة أو لا وفي المدونة: ولو خالعته على ثوب مروي ولم تصفه جاز وله ثوب وسط من ذلك، فانظر هل يؤخذ من هذا أنه يشترط في العبد أن يكون وسطاً؟

ص: 309

وَلَوْ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي عَبْداً لَزِمَ بِمُسَمَّى عَبْدٍ

لأنه لما عينه بالإشارة ودفعته إليه لم يقدح في ذلك خطاه على نفسه لتفريطه في ذلك.

وَلَوْ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي هَذَا الثَّوْبَ الْمَرْوِيَّ فَإِذَا هُوَ هَرَوِيُّ لَزِمَ، وَلَوْ قَالَ: إِنْ خَالَعْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقُ ثَلاثاً ثُمَّ خَالَعَهَا فَالْمَنْصُوصُ يَرُدُّ مَا أَخَذَ، وأَجْرَاُه اللَّخْمِيّ عَلَى الشَّاذُّ فِي: إِنْ بِعْتُكَ فَأَنْتَ حُرُّ، وتَبِينُ ثَلاثاً فَإِنْ لَمْ يُقَيِّدْ فَطَلْقَتَانِ وأَجْرَاهُ اللَّخْمِيّ عَلَى الْخِلافِ فِيمَنْ أَتْبَعَ الْخُلْعَ طَلاقاً

يعيني: إن علق طلاقها على خلعها ثم خالع فإن كانت يمينه باثلاث ففي المدونة وغيرها أنه يرد ما أخذ منها ويقع عليه الطلاق الثلاث، وقاسها في الموازية على قول مالك في القائل لعبده: إن بعتك فأنت حر، وكذلك أجراه اللخمي في الخلع قولاً بعدم الرد من الخلاف في القائل إن بعت عبدي فهو حر، ثم باعه.

والمشهور أنه يرد البيع ويعتق على البائع، والشاذ أن البيع ماض ولا عتق لأنه إنما يلزمه العتق إذا حصل في ملك المشتري ولا يمكن إلزامه العتق وهو في ملك الغير.

اللخمي: فجعل هذا القائل البيع يسبق الحنث، وكذلك يكون الطلاق الثلاث بعد الخلع فلا يكون عليه رد المال، وهو أحسن لأن الفاء للتعقيب. والمشهور جار على أن الشرط والمشروط يقعان معاً.

ابن راشد: والحق هو المشهور لأنه لما علق على فعله لا على فعل غيره لقوله: إن بعتك فأنت حر وبيعه إنما هو صدور الإيجاب، وصدور الإيجاب هو السبب في العتق لكن لا يتحقق كونه سبباً إلا بقبول المشتري فإذا قبل المشتري تحققنا تقدم سبب العتق فلذلك قلنا بفسخ البيع وإمضاء العتق.

ص: 310

كذلك مسألة الخلع فقوله: (إِنْ خَالَعْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقُ ثَلاثاً) علق الطلاق على خلعه فتبين إن صدر منه الإيجاب وصدر منها القبول وقع الطلاق مستنداً لإيجابه لا لقبولها. انتهى.

وفيه نظر؛ لأن المعلق علق بوجود البيع وحقيقة البيع لا تحصل إلا بمجموع الإيجاب والقبول.

قوله: (فَإِنْ لَمْ يُقَيِّدْ) يعني وإن يقيد يمينه بالثلاث بل قال: إن خالعتك فأنت طالق فقال في المدونة وغيرها يلزمه طلقتان واحدة بالخلع وأخرى باليمين وأجرى اللخمي قولاً بلزوم واحدة فقط من الشاذ فيمن أتبع الخلع طلاقاً، أو قال لغير المدخول بها: أنت طالق أنت طالق. وقد يفرق بينهما، فإن قوله: إن خالعتك فأنت طالق قد يقال فيه بوقوع الشرط والمشروط معاً، وذلك أن المعلق عليه علة شرعية للمعلق أجراها العلماء مجرى العلة العقلية، فكما أن العلة العقلية لا يتأخر عنها معلولها في الزمان كحركة الخاتم والإصبع، فكذلك العلة الشرعية بخلاف من أتبع الخلع طلاقاً، أو قال لغير المدخول بها: أنت طالق أنت طالق. فإن وقعت الطلقة الثانية متأخرة عن الأولى بالزمان، ثم في القياس على من أتبع الخلع طلاقاً- نظر؛ وذلك أن الخلاف ليس منصوصاً فيمن اتبع الخلع طلاقاً، إنما الخلاف فيمن قال لغير المدخول بها: أنت طالق أنت طالق. والصحيح عن أهل الأصول المنع من قياس فرع على فرع مقيس على أصل، وبيان ذلك في محله، وقوله:(طَلْقَتَانِ) يعني ولا يرد العوض.

وَلَوْ قَالَ: طَلَّقْتُكِ ثَلاثاً عَلَى أَلْفٍ، فَقَالَتْ: قَبِلْتُ وَاحِدَةً عَلَى ثلثه لَمْ يَقَعْ، وَلَوْ قَبِلَتْ بِأَلْفٍ وقعت

إنما لم يقع إذا قبلت واحدة على ثلث الألف لأن الزوج يقول لم أرض بخلاصك مني إلا بالألف، وأنت إذا قبلت واحدة بثلث الألف تريدين أن تتخلصي مني بدون

ص: 311

ذلك، ولأن الزوج قد يكون مقصوده في مجموع الألف، ولهذا قلنا باللزوم إذا قبلت واحدة على الألف لأن مقصوده حصل ولا يتعلق بوقوع الثلاث غرض شرعي.

وَلَوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي ثَلاثاً عَلَى أَلْفٍ، فَقَالَ: طَلَّقْتُكِ وَاحِدَةً أَوْ بِالْعَكْسِ وَقَعَ واسْتَحَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمَنْصُوصِ فِيهِمَا لأَنَّ مَقْصُودَهَا حَصَلَ ..

يعني: إذا سألته أن يطلقها ثلاثاً على ألف فطلقها واحدة على ذلك، أو سألته أن يطلقها واحدة على ألف فطلقها ثلاثاً على ذلك، وهو معنى قوله:(أَوْ بِالْعَكْسِ وَقَعَ) أي الطلاق البائن فيهما.

(واسْتَحَقَّ ذَلِكَ) الألف (عَلَى الْمَنْصُوصِ فِيهِمَا) أي: الفرعين.

والصورة الأولى منصوصة في الموازية، والثانية في المدونة وغيرها إلا أنه فرضها في المدونة إذا سألته طلقتين، وعلل المصنف ذلك بأن (مَقْصُودَهَا حَصَلَ) أي: مقصودها في الأولى البينونة وقد حصلت والثلاث لا يتعلق بها غرض شرعي، ولا شك في حصول مقصودها في الثانية بل وزيادة، وقال اللخمي: أرى إذا أعطته على أن يطلقها واحدة فطلقها ثلاثاً أن ينظر إلى سبب ذلك، فإن كان راغباً في إمساكها وهي راغبة في الطلاق لا مقال لها، وإن كان راغباً في طلاقها فأعطته على أن يكون طلاقه واحدة أن ترجع بجميع ما أعطته، لأنها إنما أعطته على ألا يوقع إلا اثنتين لتحل إن بدا له من قبل من الزوج، وكذلك إن أعطته على أن يطلقها [347/ أ] ثلاثاً فطلقها واحدة، ينظر فإن كان عزاماً على طلاقها واحدة كان لها أن ترجع بجميع ما أعطته لأنها للاثنين أعطت، وإن كان راغباً في إمساكها فأعطته على أن يطلق ثلاثاً جرت على قولين فيمن شرط شرطاً لا ينفعه هل يوفى له به أم لا؟

وحكى ابن عبد السلام: في قوله: جرى على القولين في شرط ما لا يفيد: فقد يقال في هذا الوجه أنه من شرط ما يفيد، لأنه إذا كان راغباً فيها وهي كارهة كان مقصودها من

ص: 312

إعطاء العوض البعد عنه على أتم الوجوه بحيث لا يبقى له فيها طلب، وذلك إنما يحصل مع الثلاث، وأما الواحدة فقد يتوسل إلى مراجعتها بمن لا يمكنها رده، قال وقول اللخمي مقابل للمنصوص الذي أشار إليه المصنف، إلا انه لا يفهم من كلامه مفصلاً، ويحتمل أن يريد المصنف بمقابل المنصوص في الصورة الأولى ما قاله عبد الوهاب في الإشراف فإنه قال بعد أن نقل عن ابن المواز ما تقدم من اللزوم إذا قالت: طلقني ثلاثاً بألف، فقال: طلقتك واحدة بالألف، قال: عندي أن النظر أن الخلع يقع ولا يستحق شيئاً من الألف.

وَالطَّلاقُ الُّسنِّيُّ: أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ وَاحِدَةً، وهِيَ غَيْرُ مُعْتَدَّةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ ..

لما قدم أن الطلاق على ضربين أحدهما بعوض، وفرغ منه شرع في الكلام على الضرب الآخر وهو الخالي عن العوض، وليس المراد بالسني أنه راجح الفعل كما هو المتبادر إلى الذهن من النسبة إلى السنة، بل على أنه الذي أذنت فيه السنة مقابلاً للبدعي ونحوه لعبد الوهاب وغيره.

وطلاق البدعة: ما وقع على غير الوجه المشروع، والطلاق مباح من حيث الجملة. وقال بعض الشيوخ: إنه مكروه لما في أبي داوود عنه عليه الصلاة والسلام: "أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى الطَّلَاقُ".

ولا إشكال أنه قد يعرض له الوجوب والتحريم والندب، وثبت أنه عليه الصلاة والسلام طلق حفصة واحدة ثم راجعها وطلق العالية بنت سفيان وهي التي كانت تدعى أم المساكين.

وذكر المصنف لطلاق السنة أربعة قيود:

ص: 313

الأول: أن يطلق في طهر فلو طلقها في حيض كان مطلقاً للبدعة.

عبد الوهاب: وهو حرام بإجماع.

واختلف هل المنع في الحيض تعبداً أو لطول العدة عليها؟ وهو المشهور كما سيذكره المصنف، لأنه إذا طلقها في حيض لا تعتد به فيلغي بقية أيام الحيض.

القيد الثاني: أن لا يجامعها في ذلك الطهر، فإن جامعها ثم طلقها كان مطلقاً للبدعة، وليس ممنوعاً كطلاق الحيض. فقد صرح في المدونة بكراهيته وفي الاستلحاق عن بعض الشيوخ: أنه محظور كالطلاق في الحيض، واختلف في وجه الكراهة، فقال عبد الوهاب: لأنه ليس عليها عدة، فلم تدر هل تعتد بالوضع أو بالإقراء؟ لأنه يندم إن خرجت حاملاً. وقيل لخوف الندم خاصة إن خرجت حاملاً، وقيل: لتكون مستبرأة فيكون على يقين من نفيالحمل إن أتت بولد وأراد نفيه. وضعف اللخمي الأول لعدم اللبس في العدة، وكذلك لأن العدة لا تفتقر إلى نية وهي تنتظر في المستقبل فإن رأت حيضاً بنت عليه، وإن ظهر حمل انتظرت الوضع.

القيد الثالث: أن يطلقها واحدة.

اللخمي: وإيقاع الاثنتين مكروه والثلاث ممنوع لقوله تعالى: (لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً)[الطلاق: 1] أي: من الرغبة في المراجعة والندم على الفراق، ونقل ابن عبد البر وغيره الإجماع على لزوم الثلاث في حق من أوقعها؛ لما خرجه ابن أبي شيبة أن ابن عباس أتاه رجل فقال له: إن عمي طلق امرأته ثلاثاً فقال: إن عمك عصى الله. فأندمه ولم يجعل له مخرجاً، وعن أنس أن عمر رضي الله عنه: كان إذا أتي له برجل طلق امرأته ثلاثاً في مجلس واحد أوجعه ضرباً وفرق بينهما وقال عمران بن الحصين نحوه قال: ولا أعلم لهما مخالفاً من الصحابة.

ص: 314

وحكى في الإشراف عن بعض المبتدعة أنه إنما يلزم موقع الثلاث واحدة، وعن بعض الظاهرية أنه لا يلزمه شيء.

الباجي: وإنما يروى هذا عن الحجاج بن أرطاة ومحمد بن إسحاق، وتعلقوا بحديث طاوس عن ابن عباس أنه قال: كان الطلاق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه وسنين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فقال عمر: قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فأمضاه عليهم. وهو خبر صحيح رواه الأئمة، وطاوس إمام وابنه إمام، وقال بعضهم: هو وهم.

الباجي: وعندي أن الوهم وقع في التأويل، ومعناه عندي أنهم كانوا يوقعون طلقة واحدة بدل إيقاع الناس ثلاثاً بدليل قوله: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة.

وقد روي عن ابن عباس من غير طريق أنه أفتى بلزوم الثلاث لمن أوقعها مجتمعة.

فإن حمل حديث طاوس على ما تأولناه فلا كلام، وإن كان على غير ذلك فقد رجع ابن عباس إلى قول الجماعة وانعقد به الإجماع، وحكى التلمساني عندنا قولاً بأن إذا أوقع الثلاث في كلمة أنه إنما تلزمه واحدة؛ وذكر أنه في النوادر ولم أره، وشذ بعض المبتدعة أيضاً فقال بعدم اللزوم إذا طلق في الحيض، وبذلك قال بعض البغداديين.

ويرده ما جاء في الصحيح في بعض طرق حديث ابن عمر لما طلق في الحيض قال: فراجعتها وحسبت لها التطليقة التي طلقها. ذكره مسلم، وفي البخاري:[347/ ب] وحسبت علي تطليقة، لكن خرج أبو داوود عن ابن الزبير أنه سمع ابن عمر قال: فردها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرها شيئاً.

أبو داود: والأحاديث كلها على خلافه ولعل هؤلاء لاحظوا كون النهي يدل على الفساد.

القيد الرابع: أن تكون غير معتدة منه، يتحرز من أن يطلقها في كل طهر طلقة ما لم يرتجعها فإن فعله فالأولى للسنة والأخيرتان للبدعة، وهذا مذهب المدونة وقال أشهب:

ص: 315

له أن يطلقها في كل طهر طلقة ما لم يراجعها في خلال ذلك وهو يريد أن يطلقها ثانية فلا يسعه ذلك لأنه تطويل للعدة عليها ويضر بها وهذا مقابل المشهور ورأى في المشهور أن ذلك بمنزلة من طلق ثلاثاً في دفعة ورأى أنه ليس في ذلك تطويل.

عياض: ولأشهب قول آخر أنه لا بأس إن ارتجع بنية الفراق ولا خلاف أنه لو ارتجع بنية البقاء ثم بدا له فطلق هكذا في كل طهر لما كره له الرجعة ولا الطلاق.

وَالْبِدْعِيُّ عَلَى خِلافِهِ

أي: فقد منه القيود، إما بأن يكون في حيض، أو في طهر مس فيه، أو أكثر من واحدة، أو طلقها وهي معتدة ويحسب ما فقد منه من القيود من الكثرة والقلة يبعد عن السنة ولا يمكن أن يفقد جميع القيود لأن أحد القيود أن يكون في حيض، والآخر أن يكون في طهر جامع فيه فلا يمكن اجتماعهما، ولا يلحق بالطهر المجامع فيه الحيض المجامع فيه لأنه الوطء في الطهر يكون عنه الحمل فيحصل اللبس، نعم يمكن أن يتكلف إلحاقه به إذا كان الجماع في أواخر الحيض كما يقال في كتاب الاستبراء.

فَلا بِدْعَةَ فِي الصَّغِيرةِ والْيَائِسَةِ والْمُسْتَحَاضَةِ غَيْرِ الْمُمَيِّزَةِ إِلا فِي العدَدِ، وفِي الْمُمَيِّزَةِ قَوْلانِ ..

لأنهن لا حيض عليهن، والقولان في المستحاضة المميزة مبنيان على القولين في عدتها هل هي بالأقراء أو بالسنة؟ فعلى المشهور أنها تعتد بالأقراء فيكون طلاقها في الحيض بدعياً. وعلى أنها تعتد بالسنة لا يكون بدعياً. ونقل الباجي عن عبد الوهاب أنه قال: من جاز طلاقها في كل وقت كالصغيرة واليائسة لا يوصف بسنة ولا بدعة.

وعُلِّلَ فِي الْحَيْضِ بِتَطْوِيلِ الْعِدِّةِ، وقِيلَ: غَيْرُ مُعَلَّلِ، وعَلَى الْمَشْهُورِ يَجُوزُ طَلاقُ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا والْحَامِلِ فِي حَيْضِتهَما.

أما قوله: (وعُلِّلَ فِي الْحَيْضِ بِتَطْوِيلِ الْعِدِّةِ) وقيل: غير معلل، وقد تقدم التنبيه عليه.

ص: 316

(وعَلَى الْمَشْهُورِ) أي التعليل. (يَجُوزُ طَلاقُ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا والْحَامِلِ فِي حَيْضِتهَما) إذ لا تطويل في حقهما لأن غير المدخول بها لا عدة عليها، والحامل في عدتها بالحمل فلا أثر لحيضتهما، وما ذكرناه جار على المشهور هو في المدونة فقد نص فيها على طلاق غير المدخول بها والحامل متى شاء ونص ابن شعبان وأبو عمران على الجواز في الحامل ومنعه ابن القصار لما عورض بقول المخالف لو كانت الحامل تحيض لكان الطلاق فيه حراماً فقال: كذلك أقول.

ابن عبد السلام: وروي عن مالك أيضاً منع طلاق الحائض غير المدخول بها وعن أشهب كراهته فقط.

فرع:

فإن طلق من ولدت ولد وبقي في بطنها آخر، فقال أبو عمران: إن قلنا بطلاق الحامل حال الحيض لم يجبر على الرجعة.

تنبيهان:

الأول: ما ذكر المصنف من أن المشهور التعليل بتطويل العدة، قال اللخمي الظاهر من المذهب خلافه، وأنه غير معلل قال: ولو كانت العلة التطويل لجاز أن يطلقها في الحيض برضاها لأنه حق لها ويلزم أيضاً ألا يجبر على الرجعة إلا أن تقوم بحقها في التطويل، لأنه حق لأدمي فلا يقتضي به حتى يقوم به، ولا يجبر على الرجعة إذا طهرت لأن المدة لاتي كان فيها التطويل قد ذهبت.

الثاني: إنما تعرض المصنف لعلة المنع في الطلاق في الحيض دون سائر الطلاق لأن كتابه ليس موضوعاً لبيان التوجيه، وذكر الأسباب وإنما هو موضوع للأحكام فلذلك ذكر هذا لما يترتب عليه من الأحكام دون غيره.

ص: 317

والْخُلْعُ كَالطَّلاقِ، وقِيلَ: لا، لأَنَّهُ بِرِضَاهَا

قوله: (والْخُلْعُ كَالطَّلاقِ) أي فيمتنع وهو قول ابن القاسم وأشهب وهو المشهور، وقيل: ليس الخلع كالطلاق فيجوز وهذا القول هو الجاري على التعليل بتطويل العدة قال في الجواهر: واختلف في علة الجواز على هذا القول فقيل: لأن ذلك تطويل برضاها، وقيل: لأنه معلل بضرورة الافتداء، ويخرج على تحقيق العلة فرعان: جواز الطلاق برضاها وأن يكون عوض، واختلاع الأجنبي، وإلى هذين الفرعين أشار بقوله:

فَيَتَخْرَّجُ عَلَيْهِ جَوَازُ طَلاقِهَا فِي الْحَيْضِ بِرِضَاهَا، ومَنْعُهُ فِي اخْتِلاعِ الأَجْنَبِيِّ

تصوره ظاهر.

وَإِذَا وَقَعَ فِي حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ ابْتِدَاءً أَوْ حِنْثاً أُجْبِرَ عَلَى الرَّجْعَةِ مَا بَقِيَ مِنَ الْعِدَةِ شَيْءُ، وقَالَ أَشْهَب: مَا لَمْ تَطْهُرْ مِنَ الثَّانِيَةِ ..

الأصل فيه ما خرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتغيظ، ثم قال:"مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها قبل أن يمسها فتلك العدة كما أمر الله عز وجل".

قال في الاستذكار: هكذا روى جماعة عن ابن عمر، وبه أخذ فقهاء الحجاز منهم مالك والشافعي [348/ أ] فقالوا: إذا طلقها أنه يراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم يطلق إن شاء.

ورواه جماعة عن ابن عمر وقالوا فيه مرة: فليراجعها حتى تطهر ثم إن شاء طلقها طاهراً قبل أن يمسها أو حاملاً، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وأكثر العراقيين وللرواية الأولى أوجه حسان منها: أنه لما طلق في الوضع الذي نهي عنه لئلا تطول العدة أمر بالمراجعة

ص: 318

ليوقع الطلاق على سنته، فلو أبيح له أن يطلق إذا طهرت من تلك الحيضة كانت في معنى المطلقة قبل البناء، أو كانت تبني على عدتها الأولى فيتم مقصوده، فأمر بالوطء ليقطع حكم الطلاق الأول وإذا طلقها لم يكن طلاقها في ذلك الطهر لأنه عليه الصلاة والسلام نهى أن يطلقها في طهر مسها فيه ومنها أن الطهر الثاني جعل للإصلاح الذي قال الله تعالى:(وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً)[البقرة: 228] لأن المرتجع لا يرتجع رجعة ضرر لقوله تعالى: (وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً)[البقرة: 231] فالطهر الأول فيه الإصلاح بالوطء فإذاً لم يجز له أن يطلق في ذلك الطهر. ومنها: أن المراجعة لا تعلم صحتها إلا بالوطء لأنه المبتغى من النكاح والمراجعة في الأغلب. انتهى.

قوله: (ابْتِدَاءً) أي طلقها طلاقاً مبتدئاً في حيض أو نفاس أو حنث كما لو علق طلاقها على دخول الدار فدخلت وهي حائض أو نفساء أجبر على الرجعة لحديث ابن عمر وهو وإن ورد في الحيض فلا فرق بينه وبين النفاس كما في سائر الأحكام، والمشهور أنه يجبر ما بقي من العدة شيء معاقبة له ولا طلاق لقوله عليه الصلاة والسلام:"مره فليراجعها" وقال أشهب: يجبر على الرجعة ما لم تطهر ثم تحيض ثم تطهر وهو معنى قوله: ما لم تطهر من الثانية، ووجهه: أن في هذه الحالة أباح النبي صلى الله عليه وسلم طلاقها فلم يكن للإجبار معنى، وفهم من قول المصنف:(أُجْبِرَ عَلَى الرَّجْعَةِ) أن الإجبار مختص بالطلاق الرجعي وهو الصحيح.

وقال في المقدمات: كان أبو المطرف يفتي بالإجبار في طلاق الخلع، وكان شيوخ عصره يخطئونه في ذلك.

فَإِنْ أَبَى أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ بِالأَدَبِ، فَإِنْ أَبَى ارْتَجَعَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ

ابن القاسم وأشهب وابن المواز: يجبر عندنا بالضرب والسجن والتهديد، ويكون ذلك في مجلس واحدلأنه على معصية فإن أبى أجبره الحاكم عليه.

ص: 319

ابن راشد: وحكى الباجي في وثائقه قولين في سجنه أحدهما: أنه يسجن، والآخر: أن الحاكم يرتجع عليه ويتم القضاء.

وفي المقدمات عن ابن القاسم في العتبية: إن أبى حكم عليه بالرجعة قال: ولم يذكر سجناً ولا ضرباً قيل: وظاهره خلاف الأول، ووجهه: أنه إذا كانت الرجعة تحصل من الحاكم فلا معنى لجبره، ورأى في القول الآخر أن من شرط إلزام الحاكم له تحقق الإباية ولا يتحقق ذلك إلا بالسجن والضرب.

وَلَهُ وَطْؤُهَا بِذَلِكَ عَلَى الأَصَحِّ، كَمَا يَتَوَارَثَانَ بَعْدَ مُدَّةِ الْعِدَّةِ

قوله (بِذَلِكَ) أي بارتجاع الحاكم على الأصح والأصح قول أبي عمران وقاسه على المتزوج هازلاً، أنه يلزمه النكاح وله الوطء، قال في المقدمات: وهو الصحيح قياساً إلى من يجبر على النكاح من أب أو وصي أو سيد فيجوز للمتزوج الوطء إن غلب على ظنه النكاح، ومقابله لبعض أصحابنا البغداديين: أنه ليس له الوطء إلا أن يستمتع منها حال حيضتها بما فوق الإزار إذا لم يكن نوى الرجعة.

ابن عبد السلام: قال بعضهم: وعلى هذا إذا انقضت العدة ولا نية له في الرجعة فليس له وطئها ولا أن يبيت معها ومن يقول بهذا لا يبعد أن يخالف فيما احتج به المصنف من الميراث ومقتضى كلام المصنف أنه يوافق على الميراث وإلا لم يحسن الاستدلال بذلك.

وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ

دليله حديث ابن عمر المتقدم وقد تقدم وجه ذلك.

ص: 320

فَإِنْ طَلَّقَ فِي الطُّهْرِ الأَوَّلِ أَوْ فِي طُهْرٍ جَامَعَ فِيهِ أَوْ قَبْلَ أَنْ تَغْتَسِلَ مِنَ الْحَيْضِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ لَمْ يُجْبَرْ ..

يعني: أنه إذا طلق طلاق بدعة فلا يجبر إلا في الحيض فقط، لأن الجبر على خلاف الأصل فيقضي به على مورده فقوله:(لَمْ يُجْبَرْ) راجع إلى الجميع ولا يلزم من نفي الأمر وفي أصل المدونة: لم يؤمر.

واختصر أبو محمد المدونة على نفي الجبر. وذكر عبد الوهاب قولاً بأمر من طلق في طهر مس فيه بالمراجعة من غير جبر.

عياض: وظاهر الكتاب خلافه، وحكى بعض المغاربة قولاً بالجبر فيما إذا طلق في طهر مس فيه.

قال في المدونة: ولا تطلق التي رأت القصة البيضاء حتى تغتسل بالماء فإن فعل لزمه ولا يجبر على الرجعة: وإن كانت مسافرة لا تجد ماء فتيممت فلا بأس أن يطلقها بعد التيمم لجواز الصلاة لها.

قال في النكت: قال بعض شيوخنا: وسواء صلت بالتيمم أو لم تصل به له طلاقها. فقول المصنف: أو ما يقوم مقامه أي مقام الغسل وهو التيمم كما جاء في المدونة ويحتمل أن يكون الضمير في مقامه عائداً على الحيض، ويكون مراده النفاس لأنه يشاركالحيض في هذا وفهم من قول المصنف:(لَمْ يُجْبَرْ) منع الطلاق بعد الطهر وقبل الغسل وهو صحيح كما ذكرنا في المدونة. وحكى ابن عبد السلام قولاً بجواز الطلاق إذا رأت القصة قال: وهو الظاهر إما على أن الطلاق منع في الحيض لتطويل العدة فلا تطويل هنا إلا قدر الاغتسال، وإما على التعبد فلانتفاء الحيض وتعذر القياس، فإن انقطع الدم فطلقها فعاودها الدم بالقرب فهل يجبر على [348/ ب] الرجعة؟ - وإليه ذهب أبو عمران وأبو بكر بن عبد الرحمان؛ لأنه دم يضاف إلى الأول- أو لا يجبر؟

ص: 321

الباجي: وهو الأظهر عندي لأنه طلق في وقت يجوز له فيه الوطء ويجوز صومها وقد رأيت ذلك لبعض الصقليين انتهى. ولأنه لم يقصد التطويل.

وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا أَنَّهَا حَائِضُ، وَلا تَكْشِفَ

يعني: إذا اختلفا فقالت: طلقتني وأنا حائض، فقال: بل وأنت طاهر، فلا تكشف بالاتفاق، قاله ابن عبد السلام.

واختلف هل تصدق عليه كما في عيوب الفرج ويجبر على الرجعة؟ وإليه ذهب ابن القاسم وسحنون.

أو لا تصدق عليه ويكون القول قوله؟ وهو أيضاً لابن القاسم ووجهه أنه أدعى حلالاً وادعت حراماً.

ابن عبد السلام: ابن المواز وهذا الخلاف إنما هو إذا تنازعا وترافعا إلى الحاكم حين الحيض، وأما لو كانت حينئذ طاهراً فالقول قوله، ونحوه للباجي، وذكر ابن راشد قول ابن المواز على أنه ثالث.

ابن يونس: ولو قيل تنظر إليها النساء بإدخال خرقة، ولا كشفة في ذلك ورأيته صواباً، ولأن ذلك حق للزوج كعيوب الفرج والحمل ولأنها تتهم على عقوبة الزوج بالارتجاع ولا ضرر عليها في الاختبار فوجب أن تختبر.

فرع:

قال محمد في النكاح الفاسد إذا كان مما يفرق فيه بعد الدخول ولا يحتاط فيه بالطلاق كنكاح المحرم فإنه يفسخ في الحيض لأن إقراره أعظم من الطلاق في الحيض.

محمد: ولا يطلق على المجنون والمجذوم والعنين ومن عدم النفقة في الحيض والنفاس.

ص: 322

اللخمي: وإن أخطأ الحاكم وطلق حينئذ لم يقع بخلاف الزوج نفسه، لأن الحاكم كالوكيل فلا ينفذ في غير ما وكل عليه ولأنه لو أجيز فعله لجبر الزوج على الرجعة ثم يطلق عليه أخرى إذا ظهرت فتلزمه تطليقتان وفي هذا ضرر إلا على العنين فإنه يمضي عليه الطلاق لأن الطلاق بائن.

وعن مالك في التطليق على المولي في الحيض وتأخيره روايتان، وكلام اللخمي يقتضي أن الطلاق الذي يوقع على المجنون والمجذوم رجعي وهو قول التونسي وهو خلاف أصل المذهب، ففي المقدمات ذهب التونسي إلى أن تطليق الإمام على المجنون والمجذوم والأبرص إنما هي طلقة رجعية وأن الموارثة بينهما قائمة ما دامت في العدة ولو صحوا في العدة من دانهم كانت لهم الرجعة، وهو خلاف المعلوم من المذهب إن كان طلاق يوقعه الحاكم فهو بائن، إلا طلاق المولي والمعسر بالنفقة فقال: فعلى قوله لو أخطأ الإمام فطلق على واحد منهم في الحيض يجبر على الرجعة إن صح فيها من دانه.

وَإِذَا قَالَ لِلْحَائِضِ: أَنْتِ طَالِقُ لِلسُّنَّةِ، طُلِّقَتْ مَكَانَهَا وَيُجْبَرُ عَلَى الرجعة لأَنَّهَا طُلِّقَتْ فِي الْحَيْضِ مِثْل: إِذَا طَهُرَتْ ..

لأن قوله: (لِلسُّنَّةِ) بمنزلة قوله: أنت طالق إذا طهرت، والقاعدة أن من علق الطلاق على غالب تنجز في الحال كما سيأتي، وقوله:(وَيُجْبَرُ عَلَى الرجعة لأَنَّهَا طُلِّقَتْ فِي الْحَيْضِ) ظاهر.

وَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقُ ثلاثاً لِلسُّنَّةِ طُلِّقَتْ ثلاثاً مَكَانَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ مثل: كلَّما طهرت

لأن قوله: (أَنْتِ طَالِقُ ثلاثاً لِلسُّنَّةِ) بمنزلة قوله: أنت طالق في كل طهر طلقة؛ فلما لزمه أن يطلقها في الطهر الأول طلقة، وفي الثانية أخرى، وفي الثالثة أخرى نجزت عليه الثلاث للقاعدة.

ص: 323

وقوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) لم يقع في كل النسخ وهو في الجواهر وهو ينبني على أصل وهو أنه: إذا علق الطلاق على آت، فهل ينجز؟ وإن لم يبن وقع في أجله، ولا يقدر واقع في أجله وهو المشهور وعليه يلزم الثلاث أو لا ينجز وإلا ما لو أتى زمنه كان واقعاً؛ وهو قول ابن الماجشون وسحنون وعليه فلا يلزمه إلا اثنتان لأن المرأة تحل للغير بدخولها في الحيضة الثالثة فلا يأتي الطهر الثالث إلا وهي بائنة، ولا فرق على المشهور بين أن تكون المرأة حال كلامه طاهراً أو حائضاً، صرح بذلك في المدونة وظاهر كلام ابن عبد السلام أن الشاذ أيضاً كذلك.

خليل: وفيه نظر؛ لأنه إذا قال لها وهي حائض: أنت طالق كلما طهرت؛ ينبغي أن يتفق على لزوم الثلاث لأنه يلزمه بالطهر الأول طلقة، وكذلك بالثاني وكذلك بالثالث لأنها لم تخرج من العدة إلى الآن لأن المرأة إذا طلقت في حيض أو نفاس لا تحل بالدخول في الحيضة الرابعة، ولم ينقل اللخمي وغيره قول سحنون إلا فيما إذا قال لها ذلك وهي طاهر.

فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا فَوَاحِدَةُ

هذا الفرع ذكره ابن سحنون عن أبيه. ابن عبد السلام: والأقرب أنه أجراه على أصل ابن الماجشون لأنها لا عدة عليها فكأن الطلقتين أوقعهما على غير زوجة، وأما على أصل ابن القاسم فتلزمه الثلاث.

وَلَوْ قَالَ: خَيْرُ الطَّلاقِ وَشِبْهِهِ فَوَاحِدَةُ، وَشَرُّهُ ثَلاثاً

شبه (خَيْرُ الطَّلاقِ) أحسنه وأجمله وأفضله نص عليه في كتاب ابن سحنون.

وقوله: (وَشَرُّهُ ثَلاثاً) يريد بذلك أسوأه وأقبحه وأقذره وأنتنه وأبغضه نص عليه في كتاب ابن سحنون أيضاً.

ص: 324

وكذلك إن قال: أكثر الطلاق، وقالك بإثره عدداً أو لم يقل.

سحنون: وأكمل الطلاق عندي كأكثره قال: وإن قال: أنت طالق خلاف السنة أو على خلافها فهي واحدة إن لم تكن له نية، وكأنه قال أنت طالق إذا حضت أو في طهر وطئتك فيه.

ابن عبد السلام: ولا يبعد أن يختلف فيه لأن من الطلاق البدعي الثلاث.

سحنون: من قال لامرأته: أنت طالق واحدة عظيمة أو كبيرة أو شديدة أو طويلة أو خبيثة أو منكرة أو مثل الجبل أو مثل القصر، أو أنت طالق إلى البصرة [349/ أ] أو إلى الصين فذلك كله سواء تلزمه واحدة، وله الرجعة إلا أن ينوي أكثر.

ابن عبد السلام: وهذا أبين على من يرى أن البينونة لا تحصل إلا مع العوض وأما من لا يشترط العوض فلا يبعد إلزامه هنا واحدة بائنة.

وَأَرْكَانُهُ أَهْلُ، وَمَحَلُّ، وقَصْدُ، ولَفْظُ

يعني: أن أركان الطلاق- أعم من أن يكون بعوض أو غيره- أربعة، ثم أخذ يتكلم على الأول، فالأول فقال:

الأَهْلُ مسلمُ مُكلَّفُ

مراده بالأهل موقع الطلاق.

فرع:

إذا طلق رجل زوجة الغير فأجازه زوجها فذلك طلاق، ويتصور على ذلك أن يطلق الرجل في ساعة واحدة خمس زوجات فأكثر نقله ابن راشد، وحاصله صحة طلاق الفضولي كالبيع، ثم أخذ المصنف يتكلم في ذكر من احترز منه فقال:

ص: 325

فَلا يَنْفذُ طَلاقُ الْكَافِرِ وإِنْ أَسْلَمَتْ وَكَانَت مَوْقُوفَة

أي: لا ينفذ طلاق الكافر زوجته الكافرة، واختلف إذا تحاكموا إلينا على أربعة أقوال قد تقدمت في أنكحة المشركين، وما ذكره في نفوذ طلاق الكافر هو المشهور.

اللخمي: وقال المغيرة: يلزمه الطلاق ويحكم عليه به الآن، وإن أسلم بعد ذلك احتسب.

وقوله: (وإِنْ أَسْلَمَتْ) مبالغة، يعني أنه لا ينفذ طلاق الكافر ولو أسلمت زوجته وطلقها في العدة، وإذا أسلم قبل انقضائها كان أحق بها كما يطلق وإنما بالغ بهذه الصورة لأنه قد يتوهم فيها اللزوم لكونه حكماً بين مسلم وكافر، وما ذكره نص عليه في المدونة وغيرها، وتأول ذلك اللخمي على أن المرأة لم تقم بحقها قال: وإن قامت حكم لها بما أوقع عليها من واحدة أو ثلاث، وإن طلقها ثلاثاً كان لها أن تمنعه من الرجعة لأن الطلاق يتضمن حقاً لله- تعالى- وحقاً لها فلا يسقط حق الله تعالى بإسقاطها حقها، قال: ويحكم عليه بذلك لأنه حكم بين مسلم وكافر.

ابن راشد: وفي كلامه نظر، وقد نص ابن القاسم على أنه لا يلزمه، وإذا لم يلزمه لم يكن لها القيام.

خليل: ولأنه يلزم ألا يجوز البقاء على الزوجية إن لم تقم بحق الله تعالى.

وَلا الصَّبيِّ، ولا الْمَجْنُونِ.

لانتفاء التكليف عن كل واحد منهما، والمشهور عدم لزوم الطلاق للمراهق، وفي كتاب ابن شعبان في من ناهز البلوغ إذا قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق فتزوجها يفرق بينهما.

قوله: (الْمَجْنُونِ) أي في حال جنونه، وأما لو أفاق وطلق في حال إفاقته لزمه قال في المدونة، وألحق مالك في الموازية بالجنون المريض يهذي فيطلق في هذيانه، ولو طلق وقد ذهب عقله من المرض فأنكر ذلك وقال: لم أعقل، حلف ولا شيء عليه، قاله مالك في الموازية، وكذلك عنه في العتبية إلا أنه قال: ثم إن صح فأنكر وزعم أنه لم يكن يعقل.

ونص اللخمي وغيره على عدم لزوم طلاق المعتوه.

ص: 326

بِخِلافِ السَّكْرَانِ، وقَالَ الْبَاجِيُّ: الْمُطْبَقُ بِهِ كَالْمَجْنُونِ اتِّفَاقاً إِلا فِي الصَّلاةِ

(بِخِلافِ السَّكْرَانِ) أي فإن طلاقه لازم، ثم قال في الجواهر: وأما السكران بخمر أو نبيذ فالمشهور نفوذ طلاقه، قاله المازري وقد رويت عندنا رواية شاذة أنه لا يلزم.

وقال محمد بن عبد الحكم: لا يلزمه طلاق ولا عتاق.

ونزل الشيخ أبو الوليد الخلاف على المختلط الذي معه بقية من عقله إلا أنه لا يملك الاختلاط من نفسه فيخطئ ويصيب قال: وأما السكران الذي لا يعرف الأرض من السماء ولا الرجل من المرأة فلا اختلاف أنه كالمجنون في جميع أفعاله وأقواله فيما بينه وبين الناس، وفيما بينه وبين الله تعالى- إلا فيما ذهب وقتته من الصلوات، فقيل أنها لا تسقط عنه، بخلاف المجنون؛ من أجل أنه بإدخاله السكر على نفسه كالمتعمد لتركها حتى خرج وقتها. انتهى.

ابن عبد السلام: ويظهر من كلام غير واحد من الشيوخ أن الصلاة يقضيها السكران سواء كان مطبقاً أم لا، وأنه لا يختلف في ذلك، وتحصيل القول في السكران أن المشهور تلزمه الجنايات والعتق والطلاق والحدود، ولا تلزمه الإقرارات والعقود، قال في البيان وهو قول مالك وعامة أصحابه وأظهر الأقوال اللخمي.

وذكر أبو الفرج أنه لا يجوز طلاقه، فعلى هذا لا يجوز عتقه ولا يحد إذا زنا أو افترى ولا يقطع إن سرق ولا يقتل إن قتل، وقال ابن نافع: يجوز عليه كل ما فعل من بيع أو غيره، يريد: النكاح والهبات وغيرها.

وروى ابن نافع وأشهب عن مالك أنه قال: إن استوقن أنه سكران لم يجز بيعه وأخاف أنه إن ربح قال: كنت صحيحاً، وإن خسر قال: كنت سكراناً قيل له: أترى نكاحه مثل ذلك؟ قال: نعم.

ص: 327

ومن يعلم أنه سكران يقتل هذا ويقع في الحدود ويسرق متاع هذا ويقول: إني سكران لا أدري ما هذا؟ فوقف في الجواب لإمكان أن يكون السكر لم يستغرقه، وأرى إ ذا صح اختلاطه أن يجري في جميع أحكامه كالمجنون. انتهى.

وقال الباجي: ولم يختلف أصحابنا في أن الحدود والطلاق تلزمه وفيه نظر كما تقدم، وظاهر كلام اللخمي أن الخلاف في السكران مطلقاً سواء كان معه ميز أم لا، وكذلك حكى ابن راشد عن المازري أنه قال: المشهور لزوم طلاقه والشاذ عدم لزومه؛ ولم يفصل.

وقال ابن بشير: إن كان في حال تمييز لزمه الطلاق بالاتفاق، وإن كان مغموراً فالمشهور اللزوم ونقل بعضهم ذلك عن ابن شعبان وعياض وهذه عكس طريقة ابن رشد، [349/ ب] ويتحصل في المسألة ثلاث طرق، وإذا فرعنا على المشهور من عدم إلزامه بالنكاح، ففي البيان اختلف إذا قالت البينة أنها رأت منه اختلاطاً ولم تثبت الشهادة بسكره، على قولين: أحدهما- وهو المشهور-: أنه يحلف ولا يلزمه النكاح، وروى ذلك زياد عن مالك وقاله في المبسوط.

والقول الثاني: أنه لا يصدق ولا يمكن من اليمين ويلزمه النكاح، وهو دليل قوله في رواية أشهب عنه، وكيف يعلم ذلك؟ وأخاف إن ربح قال: كنت صحيحاً، وإن خسر قال: كنت سكراناً إلى آخر قوله. انتهى.

ففهم منه اللزوم خلاف ما تقدم للخمي، وحمل في البيان قول مالك: لا رأى نكاح السكران جائزاً، وقال سحنون: لا يجوز بيعه ونكاحه وهباته وصدقاته وعطياته، على معنى أنه لا يلزم ذلك وله أن يرجع عنه قال: ولا يقال في شيء من ذلك على مذهب مالك أنه غير منعقد، وإنما يقال أنه غير لازم انتهى.

وكلام ابن شعبان يدل على أن عقوده غير منعقدة لأنه جعل بيعه من الغرر ونص اللخمي على أنه لا فرق بين أن يسكر بخمر أو غيرها، قال: ولا يجوز أن يشرب شيئاً يصده عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة.

ص: 328

وفي شرح البخاري لابن بطال: من سكر بلبن أو طعام حلال أو دواء فقذف غيره فمحمله محمل المجنون والمغمى عليه، وقد بلغني عن ابن الفخار الفقيه أنه كان يقول: من شرب من لبن أو طعام حلال أنه لا يلزمه طلاق إن طلق في حال ذلك.

وحكى الطحاوي أنه إجماع الفقهاء، وقال أصبغ: إن شرب سيكراناً ولم يعلم به فلا شيء عليه، وكذلك إن علم به وشرب تداوياً.

ابن بشير: وإن شربه تعدياً فيه نظر هل يكون كالخمر نظراً إلى عدواه أو لا؟ لأن النفوس لا تدعو إليه بخلاف الخمر.

سحنون في العتبية: وإذا أوصى السكران بوصية فيها عتق ووصايا لقوم فإن ذلك لا يجوز على حال.

قال: وإذا بت عتق عبيده في مرضه جاز ذلك عليه لأنه لو صح مضى وهو بحال عتقه في صحته، فكل ما أعتق السكران مما له فيه الرجوع مثل الوصية فلا يجوز وكل ما أعتق مما ليس له فيه الرجوع فذلك جائز عليه، ثم رجع سحنون بالعشي في وصية السكران فقال: أرى وصيته جائزة مما أوصى به من عتق أو غيره ولا يكون أسوأ حالاً من الصبي والسفيه فإن وصيتهما جائزة.

قال في البيان: وقول سحنون الأول أن وصية السكران لا تجوز غلط ولهذا أسرع في الرجوع عنه، وكذلك تفرقته فيه بين ما مثل في مرضه من العتق وغيره إن مات في مرضه غلط، والصحيح على ما ذهب مالك إن مات من مرضه ذلك نفذ العتق وغيره من الثلث على معنى الوصية وإن صح من مرضه نفذ عليه العتق ولزمه وكان له الرجوع فيما بث له من الهبة والصدقة من أجل السكر.

واعلم أن اصطلاحه في الجواهر إذا أراد الباجي قال: القاضي أبو الوليد، وإن أراد ابن رشد قال: الشيخ أبو الوليد فقوله هنا: ونزل الشيخ أبو الوليد على هذا، فهو ابن رشد

ص: 329

وقد التبس هذا على المصنف فقال في مواضع: قال في الجواهر قال الشيخ أبو الوليد قال الباجي، أولها هذا الموضع.

ثانيها: قوله في القراض، قال الباجي: لو قامت بينة لم تبع.

ثالثها: قوله في آخر المزارعة، وقال الباجي في الفاسدة ستة أقوال.

رابعها: قوله في الوقف، قال الباجي: وأخطأ ابن زرب.

خامسها: قوله في الأقضية، وقال الباجي: العالم من الثالث.

سادسها: قوله في الشهادات، وصوبه الباجي إلا في الأحباس ونحوها.

سابعها: قوله بأثر هذا الموضع، وقال الباجي: فلا ينبغي أن يختلف فيه لما قد تساهل الناس.

ابن عبد السلام: ولو عكس ابن شاس ما وصف به كل واحد من الشيخين لكان أولى لأن ابن رشد ولي قضاء قرطبة شبيهاً بالمكره، ولم يزل يسعى في العزل حتى عزل. والباجي إنما ولي قضاء أوريولة وليس لها قدر قرطبة، غير أن بعضهم حكى أن الباجي ولي قضاء حلب في رحلته. انتهى.

ولا يقال لا اعتراض على المصنف في هذا الموضع لأن الباجي أيضاً نص على أن السكران المطبق لا يختلف في عدم اللزوم، ولعل المصنف لم يتبع ابن شاس ويكون إنما اعتمد على الباجي لأنا نقول قوله:(إلا في الصلاة يرده) لأن الباجي لم يتكلم على الصلاة وإنما تكلم عليها ابن رشد. والله أعلم.

وَطَلاقُ الْمَرِيضِ وإِقْرَارُهُ بِهِ كَالصَّحِيحِ فِي: أَحْكَامِهِ، وتَنْصِيفِ صَدَاقِهِ، وعِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ، وسُقُوطِهَا فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا إِلا أَنَّهُ لا يَنْقَطِعُ مِيرَاثُهَا هِيَ خَاصَّةً إِنْ كَانَ مَخُوفاً قَضَى بِهِ عُثْمَانُ لامْرَأَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ

لما ذكر من يلزمه الطلاق ومن لا يلزمه، وكان المريض يترتب على طلاقه بعض الأحكام دون بعض أشكل بسبب ذلك كونه أهلاً للطلاق، وأخذ يذكر حكمه وبين أن

ص: 330

طلاق المريض سواء أنشأه في المرض أو أقر أنه فعله في الصحة كطلاق الصحيح في أحكامه، وعطف المصنف تنصيف الصداق وسقوط العدة عن غير المدخول بها على قوله:(كَالصَّحِيحِ فِي: أَحْكَامِهِ)، من باب عطف الخاص على العام وحسن ذلك إما لأن قوله:(فِي أَحْكَامِهِ) قد يتوهم أنه أراد بالأحكام ما قدمه من طلاق السنة والبدع’، وإما للتنبيه على الخلاف فيهما، أما عدم تكميل الصداق فالخلاف فيه خارج المذهب لأنه روي عن الحسن البصري [350/ أ] أن لها الصداق كاملاً وأما سقوط العدة عن غير المدخول بها فهو المعروف في المذهب، وحكى أبو عبيد عن مالك أن عليها العدة.

ابن عبد السلام: ويلزم مذهب الحسن البصري.

وقوله: (إِلا أَنَّهُ .. إلى آخره) بيان لما يخالف فيه طلاق المريض طلاق الصحيح، يعني أن المريض الذي طلق زوجته أو أقر بطلاقها لا ينقطع بذلك ميراثها منه، بل ترثه إن مات من مرضه ذلك لأنه لما اتهم على حرمانها من الميراث عوقب بنقيض قصده، وإن ماتت هي قبله لم يرثها، وأخذ عدم إرثه منها من قول المصنف: خاصة، وترثه سواء كان طلاقه بائناً أو رجعياً، ثلاثاً أو واحدة، انقضت عدتها أم لا.

قوله: (إِنْ كَانَ مَخُوفاً) ابن عبد السلام: ولا خلاف في اشتراطه عند من أثبت لها الميراث واستدل على وجوب إرثها بقضاء عثمان لامرأة عبد الرحمن، وهو في الموطأ: وهو أن عبد الرحمن طلق امرأته البتة وهو مريض، فورثها عثمان ابن عفان منه بعد انقضاء عدتها وفي الموطأ أيضاً: أن عثمان ورث نساء ابن مكمل منه، وكان طلقهن وهو مريض وبذلك قال عمر وعلي وعائشة. قال في الاستذكار: ولا أعلم لها مخالفاً من الصحابة إلا عبد الله بن الزبير.

ص: 331

وَلَوْ كَانَ بِخُلْعِ أَوْ تَخْبِيرِ أَوْ تَمْلِيكٍ أَوْ إِيلاءٍ أَوْ لِعَانٍ عَلَى الْمَعْرُوفِ بِخِلافِ الرِّدَّةِ

يعني: أن لها الميراث ولو كان لها في الطلاق تسبب، كما لو بذلت مالاً حتى طلقها.

محمد: ولها الميراث في ماله، وفيما اختلعت به، وكما لو خيرها أو ملكها فاختارت الفراق. أو كانت الفرقة بينهما بلعان.

ونبه المصنف باللعان على أنه لا فرق بين أن يكون فراقه بطلاق أم لا، فإن فرقة المتلاعنين فسخ بغير طلاق، وهذا هو مذهب المدونة المعروف.

وفي الجواهر قول آخر بعدم الميراث في هذه الصورة لعدم التهمة فيها لأن الفراق وإن كان ابتداؤه منه لم يستقل به وإنما تممته هي أو غيرها وهذا مقابل المعروف.

فرع:

ابن محرز وغيره: وإذا لاعن في المرض انتفى الولد لأن الأنساب لا تهمة فيها، ألا ترى أنه لو استلحق ولداً في مرضه ألحق به ولم يتهم، فكذلك إذا نفاه.

وقوله: (بِخِلافِ الرِّدَّةِ) نحوه في المدونة ففيها: وارتد في مرضه فقتل على ردته لم يرثه ورثته المسلمون ولا ترثه زوجته، إذ لا يتهم أحد بالردة على منع الميراث.

يريد: وكذلك لو مات على كفره قبل رجوعه إلى الإسلام، وقد يقال: إذا أوجبتم الميراث في اللعان مع كونه فسخاً فلأن توجبوه في الردة مع كون الفرقة فيها طلاقاً على الأشهر من باب الأولى، لأن الفسخ أولى في حل العصمة، وجوابه لما كان اللعان خاصاً بالزوجة اتهم، بخلاف الارتداد فإنه لا تهمة فيه لأنه يمنع سائر الورثة من الميراث.

اللخمي: ولو عاد للإسلام ثم مات بقرب ذلك ورثه ورثته المسلمون دون زوجته على مذهب ابن القاسم، لأن الردة عنده طلاق بائن، والإسلام ليس مراجعة وترثه على مذهب أشهب وعبد الملك لأنهما يريان إذا عاد إلى الإسلام أنها تعود زوجته على الأصل من غير طلاق. انتهى.

ص: 332

وقيل: لا يرثه ورثته على قول عبد الملك.

ابن عبد السلام: وألحق الشيخ أبو إسحاق بالردة ما إذا طلق عليه في المرض بسبب جنون أو جذام أو لعان أو لنشوز منها في المرض.

وفي الباجي: أن المطلقة لنشوز منها كالمخالعة والملاعنة في أن حكم الميراث باق خلافاً لأبي حنيفة ولم يذكر في ذلك خلافاً.

وَلِذَلِكَ حُكِمَ فِي الْوَصِيَّةِ لَهَا وعَلَيْهَا، وقَتلُهَا إِيَّاهُ كَحُكْمِ الْوَارِثِ

أي: ولأجل أن المطلقة في المرض وارثة (حُكِمَ) لها في الوصية إذا أوصى لأجنبي بزائد عن الثلث، ولوارث غيرها ولو بدون الثلث وقف على إذنها.

(وعَلَيْهَا) أي: إذا أوصى لها بشيء بطل لأنها وراثة، وإذا قتلته خطأ ورثت من المال دون الدية، وعمداً لم ترث منهما، كما في الوارث، وكلام المصنف هنا ظاهر منصوص في المدونة وغيرها.

وفِي اشْتِرَاطِ كَوْنِ الطَّلاق مِنْ سَبَبِهِ، وكَوْنِهَا حِينَئِذٍ مِنْ أَهْل الْمِيرَاثِ: قَوْلانِ، وكَمَا لَوْ أَحْنَثَتْهُ، هِي أَوْ غَيْرُهَا أَوْ أَسْلَمَتْ أَوْ عُتِقَتْ بَعْدَ الطَّلاق

يعني: هل يشترط في الطلاق الذي لا يقطع الميراث أن يكون من سببه؟ لم يشترط ذلك في المدونة لقوله فيها: وإن قال لها في صحته إن قدم فلان أو قال: إن دخلت بيتاً فأنت طالق، فقدم فلان أو دخلت في مرضه لزمه الطلاق وورثته.

الباجي: وهو المشهور، وروى ابن زياد بن جعفر عن مالك: أنه لا إرث لها، لعدم التهمة بالكلية، ورأى المشهور ربط الحكم بالمظنة، ألا ترى أن عبد الرحمن رضي الله عنه أنزهه الله عن أن يقصد منعها من الميراث. وإنما الحكم إذا ثبت بعلة غالبة اكتفى بغلبتها عن تتبعها في أحد الصور، وهذا في الشريعة كثير لمن تأمله لا سيما على مذهبنا بسد

ص: 333

الذراع، ولأنه قد يبدي لها ما يحملها على الدخول، وخرج اللخمي على رواية زياد عدم الإرث في الخلع، وفصل المغيرة في مسألة الحالف فقال: إذا حلف ليقضين فلان حقه، فمرض الحالف ثم حنث في مرضه ومات إن كان بين الملأ فلم يقضه فامرأته ترثه، وإن كان عديماً فطرأ له مال لم يعلم به حتى مات فقد حنث ولا ترثه.

سحنون: ولا أعرف هذا ولا أراه وقد قال أصحابنا: إنها ترثه بكل حال.

قوله: (وكَوْنِهَا حِينَئِذٍ .. إلى آخره)، أي [350/ ب] لو تزوج كتابية أو أمة وطلقها طلاقاً بائناً وهو مريض ثم أسلمت النصرانية وعتقت الأمة ثم مات من مرضه ذلك، ففي ذلك أيضاً قولان، وروى أصبغ عن ابن القاسم في العتبية أنهما ترثانه وبه قال محمد، وقال سحنون: لا ترثانه ولا يتهم في ذلك، قال: وكذلك لو طلقها البتة إلا أن يطلقها واحدة ويموت في العدة بعد أن أسلمت هذه وعتقت هذه فترثانه.

وعلل أصبغ ما رواه عن ابن القاسم بأنه يتهم أن يمنعها الميراث لما خشي أن تسلم امرأته أو تعتق.

والقولان في هذا الفرع يشبهان القولين في تزويج المريض أمة أو نصرانية، وفي كلام المصنف لف ونشر؛ لأن قوله:(كَمَا لَوْ أَحْنَثَتْهُ)، راجع إلى قوله:(وفِي اشْتِرَاطِ كَوْنِ الطَّلاق مِنْ سَبَبِهِ) وقوله: (أَوْ أَسْلَمَتْ أَوْ عُتِقَتْ) راجع إلى قوله: (وكَوْنِهَا حِينَئِذٍ مِنْ أَهْل الْمِيرَاثِ).

ثُمَّ لا يَنْقَطِعُ مِيرَاثُهَا بِأَنْ تَتَزَوَّجَ بَلْ وَلَوْ تَزَوَّجَتْ جَمَاعَةً وَطُلِّقَتْ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَرِثَتْ مَنْ مَاتَ وَلَوِ الْجَمِيعَ وَإِنْ كَانَتْ مُتَزِّوَجَةً ..

هكذا في المدونة، وأخذ اللخمي منه أنها ترث في المرض الطويل لأنها تحتاج للعدة من كل شخص، وهو قول عبد الوهاب، وخالف ابن الماجشون في الأمراض المتطاولة

ص: 334

كالسل والربع والطيحال والبواسير ورأى أنها تجري بعد تطاولها مجرى الصحة، وإن كان الموت قبل المطاولة ورثته زوجته وكان فعله في ثلثه. اللخمي: وهو أحسن. ورد عياض ما أخذه اللخمي من المدونة بأنه قد يتفق هذا في المدة القريبة بأن يكون جميعهم لم يدخل بها، واتفق مرض كل منهم إثر نكاحه، أو تفترق حالاتهم بأن يكون الأول طلقها حاملاً فولدت للغد ثم تزوجها آخر فمرض بعد العقد في القرب.

قوله: (وَإِنْ كَانَتْ مُتَزِّوَجَةً) يعني أنها ترث من طلقها في المرض ولو كانت تحت زوج آخر.

ويَنْقَطِعُ مِيرَاثُهَا بِصِحَّةِ بَيِّنَةٍ فَيَقْدِرُ كَأَنَّهُ طَلَّقَ صَحِيحاً

لأن المقتضي للإرث مرضه المخوف فإذا وجدت الصحة ارتفع الميراث لارتفاع سببه، وهذا كما لو أعتق المديان فإن للغرماء رد العتق إلى أن يحصل له مال قدر دينه فينفذ عتقه ويقدر كأنه أوقعه ملياً.

فَلَوْ صَحَّ ثُمَّ مَرِضَ فَطَلَّقَهَا ثَانِياً فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ عِدَّةِ الأُولَى وَرِثَتْهُ، وإِلا لَمْ تَرِثْهُ

يعني: إذا طلقها في المرض طلاقاً رجعياً ثم صح من مرضه فلم يرتجعها حتى مرض وهيفي العدة فطلقها طلقة ثانية فالحكم إن مات قبل انقضاء العدة من الطلقة الأولى ورثته؛ لأن الطلاق في الصحة لا يمنع الميراث إن مات المطلق في العدة؛ فأحرى الطلاق في المرض.

وإن مات بعد انقضاء العدة لم ترثه لأن ميراثها قد انقطع بسبب الصحة الكائنة بعد الطلاق ولا عبرة بالطلقة الثانية لأنها لا تستأنف العدة من يومها وإنما تحتسب من الطلقة الأولى- إن كان قول المصنف: (قَبْلَ عِدَّةِ الأُولَى) قد يوهم أن ثم عدة أخرى- أما لو راجعها انفسخت العدة ثم إن طلقها بعد ذلك في المرض فلها حكم المطلقة في المرض.

ص: 335

وَلَوْ صَحَّ فَأَبَانَهَا لَمْ تَرِثْهُ.

يعني: ولو طلقها في المرض ثم صح فأبانها لا ترثه، وسواء كان ارتجاعها أم لا، وهو ظاهر وهو مما يبين أن مراده في الفرع الذي قبل هذا أن الطلقتين كانتا رجعيتين.

وَلَوْ أَبَانَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ صِحَّتِهِ، فَالْمَنْصُوصُ كَمَنْ تَزَوَّجَ فِي مَرَضِهِ يُفْسَخُ، وقِيلَ: إِلا أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَيصِحُّ مُطْلَقاً ..

(الْمَنْصُوصُ) مذهب المدونة ففيها: وإن طلق مريض زوجته قبل البناء ثم تزوجها قبل صحته فلا نكاح لها إلا أن يدخل بها فيكون كمن نكح في المرض وبنى فيه.

وقوله: (كمن نكح في المرض) يدل على أنه يفسخ بعد البناء، والقول بفسخه قبل البناء لسحنون، ورأى أن فساد هذا النكاح إنما هو لصداقه فكان كالمتزوج بغرر ونحوه، وما كان كذلك يثبت بعد البناء على المشهور، ووجه سحنون الغرر هنا بأن صداق المنكوحة في المرض إنما هو في الثلث، ولا يدري ما حمل الثلث. قال: وليس هو كنكاح المريض لأن الموجب للفساد في نكاح المريض زيادة الوارث، وهذه المطلقة قد يثبت لها الميراث، ورده بعض القرويين بالتفرقة بين هذا والنكاح بالغرر؛ فإن الغرر إذا بنى فيه وجب صداق المثل لا ينقص منه، وهذا من الثلث ولا يدري ما حمل الثلث منه.

ابن يونس: إلا أن يكون له مال مأمون يكون ثلثه أضعاف صداقها فيصح قول سحنون.

أبو عمران: ولو حمل أجنبي على الزوج فلا يفسخ النكاح لأن الصداق قد ثبت للمرأة في مال الأجنبي والميراث ثبت بالنكاح الأول ولو كان ذلك على وجه الحمالة، فهي كمسألة الكتاب لأن الأجنبي إنما يطالب بالصداق في عدم الزوج وهو إنما يقوى على قول سحنون، وأما على مذهب المدونة، ففيه نظر لأن ظاهر المدونة أن فساده لعقد وقد تبين لك أن قوله:(وقِيلَ) هو قول سحنون وهو مقابل المنصوص، وسحنون وإن كان إنما قاله على وجه التقييد، لكن كلام ابن يونس وعياض وغيرهما يدل على أنه ليس بتقييد.

ص: 336

فرع: قال الباجي: لو مات فشهد الشهود أنه كان طلقها البتة في صحته فقد جعله ابن القاسم كالمطلق في المرض، لأن الطلاق إنما يقع بعد الحكم ولو لم يقع بعد الحكم لكان فيه الحد إذا أقر بالوطء وأنكر الطلاق، وهذا الذي علل به الباجي في المدونة نحوه، لأن فيها: في من [351/ أ] طلق امرأته في السفر وأشهد على ذلك، ثم قدم الشهود فشهدوا عليه ثم أنكر أن يكون أشهدهم وأقر بالوطء أنه يفرق بينهما ولا شيء عليه.

واستشكل الشيوخ سقوط الحد، واختلفوا في الجواب عن ذلك، فقال الأبهري: ولم ير عليه الحد لأنهما على حكم الزوجية حتى يحكم الحاكم بالفراق.

ابن المواز: لأنها تعتد من يوم يحكم بالفراق.

وقال المازري: لم ير عليه الحد لأنه كالمقر بالزنا الراجع عنه. وقيل لم ير عليه الحد لأنه جوز عليه أن يكون نسي ولم يرتض سحنون شيئاً من هذه الوجوه وأوجب الحد إذا شهد عليه أربعة بالطلاق ثم أقر بالوطء.

عياض: وظاهر الكتاب أنها تعتد من يوم الحكم، وهو دليل قوله:(لا حد عليه).

ويشهد لما في المدونة الأمة يعتقها في السفر، وتشهد بينة بذلك ثم يقدم فيطأها ويستغلها، فقد اتفق على أنه لا حد عليه واختلف في رد العلة.

المحَلُّ: شَرْطُهُ مِلْكِيَّةُ الزَّوْجِ قَبْلَهُ تَحْقِيقاً أَوْ تَعْلِيقاً، فَلَوْ قَالَ لأَجْنَبِيَّةٍ أَوْ بَائِنٍ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقُ فَنَكَحَهَا فَدَخَلَتِ الدَّارَ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ إِلا أَنْ يَنْوِيَ: إِنْ نَكَحْتُكِ فَلَوْ قَالَ: إِنْ نَكَحْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقُ؛ فَالْمَشْهُورُ اعْتِبَارُهُ، وتُطلَّقُ عَقِيبَهُ، ويَثْبُتُ نِصْفُ الصَّدَاقِ فَإِنْ دَخَلَ فَالْمُسَمَّى كَمَنْ وَطِئَ بَعْدَ الْحِنْثِ ولَمْ يَعْلَمْ، وقِيلَ: صَدَاقُ ونِصْفُ ورَوَى ابْنُ وَهْبٍ والْمَخْزُومِيُّ: لا شَيْءَ عَلَيْهِ، وأَفْتَى بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبَ الشُّرْطَةِ، وكَانَ أَبُو الْمَخْزُومِيِّ حَلَفَ بِهِ عَلَى أُمِّهِ ..

هذا هو الركن الثاني، والمراد بـ (المحَلُّ) هو الزوجة، والضمير في (شَرْطُهُ) عائد على

ص: 337

المحل ويحتمل على بُعْد أن يعود على الطَّلاق المفهوم من الكلام، والضمير في (قَبْلَهُ) عائد على الطَّلاق.

والتحقيق أن يكون مالكاً للعصمة قبل إنشاء الطلاق، والتعليق أن يطلق امرأته على تقدير نكاحه لها. فلأجل هذا الشرط لو قال لأجنبية: إن دخلت الدار فأنت طالق، فلا شيء عليه لعدم ملك عصمتها تحقيقاً أو تعليقاً، إلا أن ينوي إن تزوجتك، فيلزمه لأنه قد ملك عصمتها تعليقاً.

وفي قوله: (إِلا أَنْ يَنْوِيَ) دليل على أن الشرط يصح أن يلتزم قصداً دون لفظ.

وقوله: (فَلَوْ قَالَ: إِنْ تزوجتك فَأَنْتِ طَالِقُ؛ فَالْمَشْهُورُ اعْتِبَارُهُ) هو مستفاد مما قبله، وإنما أعاده لإفادة الشاذ وليفرع على المشهور؛ يعني أن المشهور لزوم الطلاق المعلق.

وروى ابن وهب والمخزومي عن مالك: أنه لا يلزمه، وبه قال ابن وهب ومحمد بن عبد الحكم.

ابن بشير: ولم أر أحداً من أشياخي إلا ويختار هذا القول، وبعضهم يصرح بالفتوى، وبعضهم يقف كراهة مخالفة المشهور والمشهور يحكي في الموطأ عن عمر وابنه عبد الله وابن مسعود وسالم والقاسم وابن شهاب، والشاذ قول الشافعي وجماعة.

قال في الاستذكار: وروي على نحو هذا القول أحاديث، إلا أنها عند أهل الحديث معلولة ومنهم من يصحح بعضها. قال: وأحسنها ما خرج قاسم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا طلاق إلا من بعد نكاح أنثى" وروى أبو داود أنه عليه الصلاة والسلام قال: "لا طلاق إلا فيما تملك ولا بيع إلا فيما تملك ولا وفاء بنذر فيما لا تملك" البخاري: وهو أصح شيء في الطلاق قبل النكاح.

وأجيب عنهما بأنا تقول بموجبهما لأن الذي دل عليه الحديثان إنما هو انتفاء وقوع الطلاق قبل النكاح، ونحن نقول به.

ص: 338

ومحل النزاع إنما هو التزام الطلاق ثم فرع المصنف على المشهور بقوله: (وتُطلَّقُ عَقِيبَهُ) أي ولا يفتقر إلى حكم.

(ويَثْبُتُ نِصْفُ الصَّدَاقِ) لأنه طلاق قبل البناء والمذهب أنه يباح له زواجها، وبعض الفقهاء يمنعه، لأن ما لا يترتب عليه مقصده لا يشرع، وجوابه أن فائدته تحصل فيما بعد ذلك لأنها إذا طلقت عليه الآن ثم تزوجها لم يلزمه شيء، إلا أن يكون لفظه مقتضياً للتكرار، وإن بنى فالمشهور أنه يلزمه المسمى فقط، إن كان هناك مسمى وإلا فصداق المثل.

وقوله: (كَمَنْ وَطِئَ بَعْدَ الْحِنْثِ ولَمْ يَعْلَمْ) أي فليس عليه إلا صداق واحد، وقيل: صداق ونصف.

ابن عبد السلام: هو قول ابن نافع، وظاهره أنه أوجب لها صداقاً كاملاً من نسبة النصف والقياس أنه يجب لها نصف المسمى ثم يلزمه الأكثر من صداق المثل أو المسمى لأنه إذا كان صداق المثل أكثر فقد قدم على وطء فاسد فيجب عليه قيمته، وإن كان المسمى أكثر فيلزمه لأنه أقدم على الوطء راضياً بالمسمى، وألزم ابن المواز هذا القائل أن يقول في كل وطأة مهراً.

فرع:

لو أتى في لفظه بما يقتضي التكرار، فقال قبل النكاح: كلما تزوجت فلانة فهي طالق، فظاهر كلام ابن المواز أنه يلزمه نصف الصداق ولو بعد ثلاث تطليقات. وقال التونسي وعبد الحميد وغيرهما: الصواب أن لا شيء عليه بعد الثلاث قوله: (وأَفْتَى بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبَ الشُّرْطَةِ) أي بالشاذ، ونص ما نقله أبو محمد في هذه الرواية وروى أبو زيد عن ابن القاسم في رجل تزوج امرأة حلف بطلاقها إن تزوجها، هل يفسخ نكاحه؟ فكتب إليه: لا يفسخ، وقد أجازه ابن المسيب، ولا يؤخذ من كلام المصنف أن فتوى ابن القاسم إنما هي بعد الفسخ لاحتمال أن يحمل كلامه على أنه أفتى بالجواز ابتداءً، وليس

ص: 339

[351/ ب] ما رواه ابن وهب كما أفتى به ابن القاسم ويتبين لك ذلك بكلام الباجي فإنه قال: وقد روى ابن وهب عن مالك أنه أفتى رجلاً حلف إن تزوج فلانة فهي طالق أنه لا شيء عليه إن تزوجها ثم قال: وليست هذه الرواية بالمشهورة، والمشهور رواية أبي زيد عن ابن القاسم أنه لا يفسخ إن وقع.

وقد صرح غيره أيضاً بأن قول ابن القاسم مخالفاً لرواية ابن وهب وأن في المسألة ثلاثة أقوال.

وفي البيان: المشهور أنه يفسخ وإن دخل ولا يراعى الاختلاف في هذه، ومراعاته شذوذ في المذهب وإنما الاختلاف المشهور المراعى في الميراث والطلاق والعدة، فقيل: أنهما لا يتوارثان إن مات أحدهما قبل أن يعثر عليه، وإن كان هو الميت لم تلزمها عدة إلا أن يدخل فتعتد بثلاث حيض وهو قول مالك في الموازية واختيار ابن القاسم في سماع عيسى ودليل المدونة على هذا لا يكون الفسخ طلاقاً ولا يلزمه ما طلق قبل أن يعثر عليه.

وقيل: إنهما يتوارثان إن مات أحدهما قبل الفسخ ويلزمه ما طلق قبل أن يعثر عليه، وإن مات هو اعتدت أربعة أشهر وعشراً، ويكون الفسخ فيه طلاقاً ويكون لها نصف الصداق إن فرق بينهما قبل الدخول، وإنما يراعى الاختلاف في وجوب الحد ولحوق النسب فيدرأ فيه الحد ويلحق فيه النسب على المشهور من المذهب.

وشذ ابن حبيب فلم يراعي الاختلاف في ذلك وأوجب الحد وأسقط النسب إذا كان الذي فعل ذلك عالماً غير جاهل. ونص ابن بشير على أن المشهور فسخ هذا النكاح.

وزعم ابن عبد السلام: أن ما تقدم من كلام الباجي مخالف لكلام ابن رشد.

خليل: وقد يقال لا مخالفة بين كلاميهما لأن الباجي إنما شهر الرواية بعدم الفسخ بالنسبة إلى الرواية بالجواز ابتداءً وهو بين من كلام الباجي، وإنما تقع المخالفة لو قال الباجي

ص: 340

المشهور من المذهب أنه لا يفسخ، فانظره فإن قلت قد حكى ابن عبد السلام عن الباجي أنه قال: المشهور من المذهب أنه لا يفسخ، قيل: ليست حكايته بظاهرة ولفظه كما تقدم.

وَعَلَى الْمَشْهُورِ- لَوْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا طَالِقُ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْحَرَجِ

أي: إذا فرعنا على المشهور من لزوم الطلاق لمن قال لامرأة معينة: إن تزوجتك فأنت طالق، فلو عمم في يمينه وقال: كل امرأة أتزوجها طالق، فلا شيء عليه. والفرق أن هنا إلزامه اليمين حرجاً وربما أدى ذلك إلى العنت ولم يلزموه اليمين وإن كان أبقى لنفسه التسري إما لأن التسري لا يقدر عليه كل واحد، وإما لأن الزوجة أضبط لمال الرجل وولده من السرية.

ابن بشير: وقد أخذ اللزوم في مسألة العموم من القائل: كل بكر أتزوجها طالق، ثم قال: وكل ثيب أتزوجها طالق، وليس بظاهر لأنه ليس من عمم أولاً كمن آلت يمينه إلى التعميم. ونقل ابن بزيزة قولاً باللزوم إذا عمم ومقتضاه أنه منصوص.

وَلَوْ أَبْقَى لِنَفْسِهِ شَيْئاً كَثِيراً فَذَكَرَ جِنْساً أَوْ بَلَداً أَوْ زَمَاناً يَبْلُغُهُ عُمرُهُ ظَاهِراً لَزِمَهُ إِلا فِي مَنْ تَحْتَهُ إلا إذا طَلَّقَها ثُمَّ تَزَوْجَها ..

يعني: فإن لم يعمم بل أبقى لنفسه شيئاً كثيراً كما لو التزم طلاق جنس كالسودان أو الترك أو البيض أو طلاق من تزوجها من بلد كالإسكندرية مثلاً، لو التزم ذلك باعتبار زمان مقيد كسنتين وهو مراده بقوله:(يَبْلُغُهُ عُمرُهُ ظَاهِراً) أي يبلغ ذلك الزمان في ظاهر الحال، واحترز بذلك مما لو قال: إلى مائتي سنة، أو ما يعلم أنه لا يعيش إليه، لأنه لا يلزمه شيء صرح بذلك في المدونة، وروى ابن حبيب عن ابن الماجشون في من قال: كل امرأة أتزوجها إلى عشر سنين أو عشرين سنة إن كان ممن يشبه أن يعيش إلى مثل ذلك لزمه، وإلا لم يلزمه.

ص: 341

ابن الماجشون: ويعمر في هذا تسعين عاماً، ونقل ابن بشير في من ضرب أجلاً لا يبلغه إلا في حال الهرم والشيخوخة قولين: أحدهما: لا يلزمه لوجود الحرج، والثاني: أنه يلزمه، لأنه أبقى لنفسه زماناً.

ووقع لمالك في غلام عمره عشرون سنة حلف في سنة ستين ومائة أن كل امرأة يتزوجها إلى سنة مائتين طالق أن اليمين لازمة له.

اللخمي: والقياس في هذا لا شيء عليه؛ لأنه قد عمم المعترك من العمر وأوان الشبيبة والوقت الذي يحتاج فيه إلى الاستمتاع ولم يبق إلا موت أو قلة حركة، ورأى اللزوم إذا قال إلى ثلاثين سنة أو عشرين وهو ابن عشرين لأنه أبقى لنفسه زمناً يحتاج فيه إلى ذلك، وعدم اللزوم إذا قال إلى أربعين سنة، قال: واختلف إذا كان الأجل حياة فلان، فقيل يلزمه، لإمكان أن يموت فلان قبله، وقال في كتاب ابن شعبان: لا شيء عليه. يريد لإمكان أن يموت هو قبل فلان فيكون كمن عمم جميع الأزمنة.

ابن عبد السلام: وكلام اللخمي صحيح لو كان المعتبر عند أهل المذهب إنما هو الجماع ولم يعتبروه؛ ألا ترى أنه لم يلزمه الطلاق في كل امرأة وإن كان أبقى لنفسه التسري.

واعلم أنه إذا علق المنع ببلد كالإسكندرية، فتارة يقول: لا أتزوج من الإسكندرية؛ وتارة يقول: لا أتزوج بالإسكندرية، فأما الأول فيلزمه سواء كانت بإسكندرية أم بغيرها نص عليه في المدونة محمد في المصرية.

محمد: ولو حلف لا يتزوج مصرية فلا بأس أن يتزوج بمصر غير مصرية.

اللخمي: يريد ما لم يطل مقامها وتصير على طباعهم وسيرتهم.

الباجي: وإن حلف أن لا يتزوج من أهل مصر فتزوج امرأة أبوها مصري وأمها [352/ أ] شامية فقال ابن أبي حازم: يحنث، والأم تبع للأب.

ص: 342

وأما الثاني فقال الباجي: إن نواها وعلمها لزمه ذلك، وإن نواها خاصة فقال ابن حبيب عن ابن كنانة وابن الماجشون وأصبغ: يلزمه في من على مسافة الجمعة، قالوا وإن لم ينو شيئاً لزمهفي من على مسافة القصر ثمانية وأربعين ميلاً.

وقال ابن القاسم: استحسن أن يتباعد إلى حيث لا تلزمه الجمعة.

أصبغ: والقياس أن يتباعد إلى حيث يقصر الصلاة إذا خرج في ظعنه ولا يتم في الصلاة إذا قدم.

والأول استحسان ولو تزوج في الموضع الذي إذا برز إليه لم يقصر حتى يجاوزه لم أفسخه، وروى ابن سحنون عن أبيه في الحالف ألا يتزوج من قرطبة لا يلزمه إلا في قرطبة وأرباطها، ولو قال: بالغير وإن لم يلزمه إلا في المدينة نفسها ولو تزوج من منزل العلويين لم يلزمه شيء.

وجه الأول: أن من حلف ألا يتزوج من الإسكندرية فقد حلف ألا يتزوج امرأة بموضع يقع عليه هذا الاسم وفي حكم ما يقع عليه، فإذا لم ينو شيئاً لزمه في كل من تلزمه الجمعة، لأنه في حكمها.

وقد قال أصبغ: أن ذلك على وجه التحري، ومن تزوج من موضع تقصر فيه الصلاة لم أفسخه، ووجه قول سحنون: أن الاسم إنما يتناول المصر وأرباطه المتصلة إليه.

ومن حلف بطلاق من يتزوجها من المدينة، فقال ابن القاسم في العتبية: لا بأس أن يواعدها بالمدينة ويعقد نكاحها بغيرها. انتهى بمعناه.

وقوله: (إِلا فِي مَنْ تَحْتَهُ) استثناء من اللزوم، أي فإنه يلزمه الطلاق في كل امرأة من البلد أو الجنس الذي قد التزم فيه الطلاق إلا المرأة التي تحته فإنه لا يلزمه طلاقها لأن قوله:(أتزوجها) يقتضي الاستقبال وقوله: (إلا إذا تزوجها) أي أن هذه التي تحته إذا قلنا

ص: 343

أنه لا يلزمه فيها طلاق فإنما ذلك ما دامت تحته، فأما إذا أبانها ثم تزوجها فإنها تطلق عليه كما لو تزوج من ذلك الجنس ممن لم يتقدم له عليها نكاح.

فَلَوْ أَبْقَى قَلِيلاً فَقَوْلانِ

يعني: فلو لم يعم النساء وأبقى جنساً (قليلاً) أو بلدة صغيرة أو قبيلة صغيرة.

(فَقَوْلانِ) أحدهما: اللزوم لكونه لم يعم. والثاني- وهو مذهب المدونة-: نفى اللزوم، ففيها: وإن قال: إلا من قرية كذا- لقرية صغيرة ليس فيها ما يتزوج، أو قال: إلا من فلانة، وهي ذات زوج أم لا، أو قال: إن لم أتزوج فلانة فكل امرأة أتزوجها طالق، فلا شيء عليه في ذلك وسبب الخلاف الشهادة بوجود الحرج ونفيه.

وأنكر ابن عبدوس تسويته في المدونة بين المسألتين، ورأى أن الأولى أي: كل امرأة أتزوجها إلا فلانة، فيها الحرج والتضييق، لأنه لا يقدر أن يتزوج غير فلانة لا قبلها ولا بعدها بخلاف الثانية أي: إن لم أتزوج فلانة فكل امرأة أتزوجها طالق، فإنه لا كبير حرج فيها لأنه قادر على أن يتزوجها أولاً ثم يتزوج بعدها ما أحب، فصار كمن صرح في يمينه بطلاق من يتزوج قبل فلانة أو قبل دخول الدار، ولا شك في لزوم ذلك، وقد يقال لما علق طلاق هذه على عدم زواجها وقد لا ترضى صار كمن عمم.

فرع:

أشهب في العتبية إن قال: كل امرأة أتزوجها تفويضاً فهي طالق لزمه، ولو قال: كل امرأة أتزوجها إلا تفويضاً لم يلزمه لأن التفويض غير مقدور ولا مرجو.

وَعَلَى اللُّزُومِ فَفِي إِبْقَاءٍ واحِدِةٍ قَوْلانِ

أي: إذا فرعنا على المشهور من عدم اللزوم إذا بقي قليلاً فمن باب الأولى لا يلزمه إذا أبقى واحدة، وإذا فرعنا على اللزوم فهل يلزمه في الواحدة؟ قولان، وزاد ابن بشير وابن

ص: 344

شاس قولاً ثالثاً، وهو نفي اللزوم ما دامت متزوجة ولزمه أو إذا تزوجت، ولزومه إن لم تكن متزوجة.

وَلَوْ خَشِيَ الْعَنَتَ فِي التَّاجِيلِ، وتَعَذَّرَ التَّسَرِّي نَكَحَ ولا شَيْءَ عَلَيْهِ

يعني: إذا ضرب أجلاً يبلغه ظاهراً وألزمناه اليمين فخشي العنت، وتعذر عليه التسري يريد أو لم يعفه تزوج ولا شيء عليه، وهكذا في المدونة، ابن القاسم لأن نكاحه خير من الزنا. قال: وقد أجاز هذا النكاح سعيد بن المسيب وغيره.

ابن القاسم في الموازية: ولا حد لمقدار ما يعذر فيه ولا شك أن عشرين سنة كثير ويتزوج. أصبغ بعد تصبر وتعفف، وقال أشهب وابن وهب: لا يتزوج وإن خاف العنت في الثلاثين سنة وقال مالك: يتزوج فيها إن خاف العنت.

والعجب من ابن عبد السلام كيف حكى عن أشهب وابن وهب ما ذكرناه وقال: ولم أر خلافاً في أن خشية العنت عذر.

وانظر هل مرادهم بالعنت المشقة أو الزنا؟ وهو الظاهر كما قالوا في نكاح الأمة، وقول ابن القاسم: نكاحه خير من الزنا يدل عليه.

وَلَوْ تَكَرَّرَ التَّزْوِيجُ فِي وَاحِدَةٍ تَكَرَّرَ الطَّلاقِ وإِلا لَمْ يَكُنْ حَرَجاً فِي كُلِّ امْرَأَةٍ

يعني: حيث ألزمناه اليمين إما بأن خصص قبيلة أو بلداً أو نوعاً فإنه إذا تزوج امرأة مما التزمه لزمه الطلاق، وكذلك ولو بعد زوج، وهكذا بخلاف ما لو قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق ولم يأت في لفظه بأداة تقتضي التكرار، فإنه لا يلزمه إلا الطلاق أول مرة. وقرر المصنف التكرار فإنه لو لم يتكرر لم يكن حرجاً في قوله:(كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا طَالِقُ) لأنه حينئذ يمكنه أن يعقد النكاح على امرأة فتطلق عليه بمقتضى يمينه ثم يكون له أن يتزوجها وكانت اليمين تلزمه، وقد تقدم أنه لا يلزمه.

ص: 345

وَلَوْ قَالَ: كُلُّ بِكْرٍ أَتَزَوَّجُهَا طَالِقُ، ثُمَّ قَالَ: كُلُّ ثَيِّبٍ أَتَزَوَّجُهَا طَالِقُ، فَثَالِثُهَا: يَلْزَمُهُ الأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي ..

من نظر إلى لزوم التعميم قال: بعدم اللزوم، وهذا القول حكاه جماعة واختاره اللخمي. ومن نظر [352/ ب] إلى الخصوص قال: باللزوم وهو مروي عن مالك وابن وهب.

والثالث لابن القاسم ومطرف وابن الماجشون وابن كنانة وأصبغ وسحنون وابن المواز وغيرهم.

ابن بشير وابن راشد: وهو الجاري على المشهور.

ابن عبد البر وغيره: وهو أصح؛ لدوران الحرج مع الثانية وجوداً وعدماً، ولا وجه لعدم لزوم اليمين الأول وانحلالها بعد انعقادها.

فرعان:

الأول: قال ابن القاسم في العتبية في الحر يقول: كل حرة أتزوجها فهي طالق يلزمه وله نكاح الإماء، وقاله ابن حبيب قال: لأنه أبقى الإماء وهو بيمينه كعادم الطول.

وقال محمد: لا يلزمه إن كان ملياً، قيل: والأول المشهور.

ابن القاسم: وإن قال كل امرأة أتزوجها من أرض الإسلام طالق إن كان يقدر على التزويج من أرض الشرك وإخراجها لزمته اليمين وإلا فلا. وخالف أصبغ كمن استثنى قرية صغيرة.

الثاني: في الموازية: لو قال كل امرأة أتزوجها حتى انظر إليها طالق فعمى رجوت ألا شيء عليه، وكذلك حتى ينظر إليها فلان فمات فلان.

محمد: وإن مات من استثنى نظره فلا يتزوج حتى يخشى العنت ولا يجد ما يبتاع به أمة.

وقال: مطرف وابن الماجشون وأصبغ في الذي قال: حتى أراها له أن يتزوج من كان رآها قبل العمى، واليمين عليه قائمة فيمن لم يكن رآها.

ص: 346

وَلَوْ قَالَ: آخِرُ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا طَالِقُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا شَيْءَ عَلَيْهِ، والْحَقُّ، أَنْ يُوقَفَ عَنِ الأُولَى حَتَّى يَنْكِحَ ثَانِيَةً فَتَحِلُّ لَهُ الأُولَى، ثُمَّ يُوقَفُ عَنِ الثَّانِيَةِ كَذَلِكَ، وهُوَ فِي الْمَوْقُوفَةِ كَالْمُولي ..

اللخمي: وإن قال: أول امرأة أتزوجها طالق لزمه، لأنه أبقى ما بعد الأولى ثم لا يحنث فيها ولا في غيرها. واختلف إذا قال: آخر امرأة أتزوج بها طالق، فقال ابن المواز: لا شيء عليه، قال في العتبية: وهو مثل من حرم جميع النساء لأنه كلما تزوج امرأة فرق بينه وبينها، ولعل تلك المرأة آخر امرأة يتزوجها فلا تستقر معه امرأة.

وقال محمد وسحنون: يلزمه ذلك ويوقف عنها خوف أن لا يتزوج غيرها، فإن تزوج غيرها حلت الأولى ويوقف عن الثانية، فإن تزوج ثالثة وقف عنها وحلت الثانية.

اللخمي: والصواب لا شيء عليه في الأولى لأنه لما قال: آخر امرأة علمنا أنه جعل لنكاحه أولاً لم يرده باليمين، وبالثاني قال ابن الماجشون أيضاً.

وجزم المصنف بأنه الحق لأنه لما التزم طلاق الأخيرة ولسنا على يقين إذا تزوج واحدة أنها الأخيرة فصار شكاً مقدوراً على تحقيقه، وما كان كذلك فإنه يوقف مثل: إن لم أدخل الدار فأنت طالق.

ابن راشد: وما قاله ابن القاسم أصوب لأنا إذا قلنا باللزوم ولم يصح له أن يعقد لأنه ممنوع من الوطء إثر العقد حتى يتزوج أخرى، على ما قاله ابن الماجشون وغيره.

والمقصود بالعقد الوطء، إذا امتنع لم يترتب على العقد مقصوده فلا يشرع، ولما أبحنا له العقد وجب أن يباح له الوطء.

قوله: (وهُوَ فِي الْمَوْقُوفَةِ كَالْمُولي) هو تفريع على القول الثاني.

ص: 347

محمد: والأجل من يوم الرفع. ابن الماجشون مفرعاً على قوله: فإن تزوج امرأة فماتت وقف ميراثه منها حتى يتزوج ثانية فيأخذه أو يموت قبل أن يتزوج فيرد إلى ورثتها، وإذا طلق عليه بالإيلاء فلا رجعة له، لأنه لم يبن بها.

وقوله: (وهُوَ فِي الْمَوْقُوفَةِ كَالْمُولي) مقتضى اللسان إظهار الفاعل فيقال وهو في الموقوفة عنها، لأن الوقف إنما هو من وصف الرجل لا المرأة ألا ترى إلى قوله:(والْحَقُّ، أَنْ يُوقَفَ عَنِ الأُولَى) وقوله: (ثُمَّ يُوقَفُ عَنِ الثَّانِيَةِ).

خليل: وقد يجاب عنه بأنه إذا وقف عنها فهي أيضاً موقوفة عنه فليس من باب جريان الصفة على غير من هي له فانظره. وإن قال: آخر ما أتزوج إلا واحدة طالق، يريد تطليق التي تلي الأخيرة، فإن تزوج وقف عنها وعن الأولى إذ لا يدري ما تلي الأخيرة منهما، فإن مات فالأولى المطلقة وإن تزوج حلت له الأولى، ثم إن مات فالثانية المطلقة ثم كذلك.

وَلَوْ قَالَ: إِنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ مِنَ الْمَدِينَةِ فَكُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا مِنْ غَيْرِهَا طَالِقُ فَتَزَوَّجَ مِنْ غَيْرِهَا أَوَّلاً تَنَجَّزَ الطَّلاق عَلَى الْمَشْهُورِ وقيل: بنَاءً عَلَى أَنَّهُ بِمَعْنى المولي مِنْ غَيْرِهَا أَوْ تَعْلِيقِ مُحَقَّقٍ .. َ

اختلف في قول القائل: إن لم أتزوج من المدينة فكل امرأة أتزوجها طالق فحمله في المشهور على أن معناه التزام طلاق من ليست من المدينة وكأنه قال كل امرأة أتزوجها من غير المدينة طالق لأنه الذي يقصد في العرف، إذ المقصود عرفاً الرغبة في نساء المدينة، والتزام طلاق غيرها.

وحمله سحنون على ظاهره لغة من التعليق، وهو التزام طلاق من يتزوج من غير المدينة بشرط أن لا يتزوج من المدينة.

ص: 348

سحنون: ويوقف عن التي تزوج من غير المدينة حتى يتزوج من المدينة، بمنزلة قول القائل: إن لم أتزوج من المدينة فامرأتي طالق، وعلى ما قررنا فيكون المشهور إلزام الطلاق في غيرم ن تزوج من غير المدينة سواء تزوج من المدينة قبلها أو بعدها، وكذلك يؤخذ من الجواهر.

ابن راشد: وهو الذي يفهم من المدونة لأنه سوى بين ذلك وبين قوله: كل امرأة أتزوجها من غير الفسطاط طالق، وكلام اللخمي يدل على أنه إنما يلزمه الطلاق إذا تزوج من غير المدينة قبل أن يتزوج منها لأنه قال: وقول ابن القاسم أشبه، لأن قصد الحالف في مثل هذا أن كل امرأة يتزوجها قبل أن يتزوج من الفسطاط طالق.

وقاله ابن محرز أيضاً، [353/ أ] إلا أنه رده بأن ظاهر المدونة تسويته بين هذه المسألة وبين قوله: كل امرأة أتزوجها من غير الفسطاط طالق، كما ذكرنا وظاهر قول المصنف أولاً يوافق كلام اللخمي لكن قوله: في البناء بناء على أنه بمعنى المولي من غيرها يرده. والله أعلم.

والْمُعْتَبَرُ فِي الْوِلايَةِ حَالُ النُّفُوذِ فَمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقُ ثَلاثاً ثُمَّ أَبَانَهَا فَدَخَلَتْ لَمْ يَقَعْ شَيْءُ ..

يعني: الولاية على المحل الذي يلتزم فيه الطلاق، إنما يعتبر وقت وقوع المحلوف عليه لا وقت الحلف، فإن كانت المرأة زوجته وقت وقوع المحلوف عليه لزمه الطلاق.

ابن عبد السلام: وإلا فلا، فلذلك لو قال لزوجته: إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثاً ثم أبانها ودخلت، لم يقع عليه الطلاق لأنها حال وقوع المحلوف عليه لم تكن زوجة.

فَلَوْ نَكَحَهَا فَدَخَلَتْ أَوْ أَكَلَتْ بَقِيَّةَ الرَّغِيفِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وقَدْ بَقِيَ شَيْءُ وَقَعَ- تَزَوَّجَتْ أَو لا- بِخِلافِ مَا لَوْ نُكِحَتْ بَعْدَ الثَّلاثِ لأَنَّ الْمِلْكَ الَّذِي علَّقَ فِيهِ قَدْ ذَهَبَ وكَذَلِكَ الظَّهَارُ ..

يعني (فَلَوْ) تزوجها بعد أن أبانها (فَدَخَلَتْ) الدار (أَوْ أَكَلَتْ بَقِيَّةَ الرَّغِيفِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ) إن كانت يمينه أولاً على ترك أكله لزمه ما حلف به وسواء (تَزَوَّجَتْ)

ص: 349

غيره في الزمان الذي كانت بائنة فيه (أَو لا) لأن نكاح الأجنبي عندنا لا يهدم الطلاق السابق قبله، وإذا راجعها الزوج ترجع عنده على بقية الطلاق وقوله:(بِخِلافِ مَا لَوْ نُكِحَتْ بَعْدَ الثَّلاثِ) يعني ثم تزوجها فإنه لم يبق له مما علقه قبل ذلك شيء.

(لأَنَّ الْمِلْكَ الَّذِي علَّقَ فِيهِ قَدْ ذَهَبَ) ورجعت بملك مستأنف، وحاصل كلامه – وهو المذهب- أن اليمين تلزمه ما بقي من العصمة الأولى شيء.

قوله: (وكَذَلِكَ الظَّهَارُ) أي: إذا قال لها إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي، فأبانها فدخلت لم يلزمه ظهار، فإن راجعها فدخلت لزمه إلا أن يكون قد طلقها ثلاثاً فلا تعود عليه اليمين.

وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةِ أَتَزَوَّجُهَا عَلَيْكِ فَهِيَ طَالِقُ؛ اخْتَصَّ بِالْمِلْكِ الَّذِي علَّقَ فِيهِ عَلَى الْمَشْهُورِ ..

يعني إن قال لامرأته: (كُلُّ امْرَأَةِ أَتَزَوَّجُهَا عَلَيْكِ فَهِيَ طَالِقُ) ثم طلق امرأته ثلاثاً ثم تزوجها بعد زوج ثم تزوج عليها فلا شيء عليه، نص على ذلك في كتاب الأيمان بالطلاق من المدونة ورأى كما قال المصنف أن هذا الالتزام اختص بالملك الذي علق فيه المحلوف بها وأنكر ذلك ابن المواز وابن حبيب وغيرهما.

ورأوا أن المذهب ما في كتاب الإيلاء أن الاختصاص بالملك إنما يكون في المحلوف بطلاقها مثل المسألة التي قبل هذه وأما المحلوف لها أو عليها فإن اليمين منعقدة عليه في الإيلاء: ومن قال: زينب طالق ثلاثاً أو واحدة إن وطئت عزة؛ فطلق زينب واحدة، فإن انقضت عدتها فله وطء عزة، ثم إن تزوج زينب بعد زوج أو قبله عاد موليا في عزة، وإن وطئ عزة بعد ذلك أو وطئها في عدة زينب من طلاق واحد حنث ووقع على زينب ما ذكر من الطلاق، ولو طلق زينب ثلاثاً ثم تزوجها بعد زوج لم يعد عليه في عزة إيلاء لزوال طلاق ذلك الملك، ولو طلق عزة ثلاثاً ثم تزوجها بعد زوج وزينب عنده عاد

ص: 350

مؤلياً في عزة ما بقي من طلاق زينب شيء كمن آلى وظاهر ثم طلق ثلاثاً ثم تزوجها بعد زوج، فذلك يعود عليه أبداً. فأنت تراه كيف لم يفرق في عزة المحلوف عليها بين أن يتزوجها بعد الثلاث أم لا.

ابن عبد السلام: والحاصل أن مذهب الجمهور هو الذي ذكر المؤلف أنه الشاذ، وأن الذي وقع في كتاب الأيمان بالطلاق لم يقل به أحد.

وَفِيهَا: ولَوْ طَلَّقَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا طُلِّقَتِ الأَجْنَبِيَّةُ ولا حُجَّةَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا عَلَيْهَا ولَوِ ادَّعَى نِيَّةً لأَنَّ قَصْدَهُ أَلا يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا ..

هذه المسألة متصلة في المدونة بمسألة كتاب الأيمان بالطلاق التي فرع المصنف منها ونصها: وأما إن طلق المحلوف لها وانقضت عدتها ثم تزوجها، ثم تزوج عليها أجنبية، أو تزوج الأجنبية ثم تزوجها فإن الأجنبية تطلق عليه في الوجهين ما بقي من طلاق الملك الأول شيء، ولا حجة له إن قال: إنما تزوجتها على غيرها ولم أنكح غيرها عليها ولا أنويه؛ ادعى نية ذلك لأن قصده ألا يجمع بينها.

وخالف أشهب إذا ابتدأ بنكاح الأجنبية ثم راجع مطلقته بعدها وقال: لا شيء عليه لأنه لم ينكح عليها، وراعى اللفظ ولم يعتبر ما قاله في المدونة من قصد الجمع.

وقال مطرف: إن كان شرطاً في أصل العقد فكالمدونة وإن كان طوعاً فله نيته هكذا نقل ابن عبد السلام وغيره.

وفي المتيطية: إن كان الشرط على الطوع قبلت نيته قاله ابن القاسم، وإن انعقد ذلك على الشرط في أصل النكاح، فقال المغيرة: لا تعود اليمين عليه لأنه لم يتزوج عليها وأنما تزوج الثانية عليها.

وروى مطرف وابن الماجشون: أنها تعود لأن نيته ألا يجمع بينهما.

ص: 351

وفي كلامه في المدونة نظر، لأن الحالف يقول: نويت ألا أتزوج عليها، ونحن نقول: بل قصدك ألا تجمع بينهما، وكذلك مخالفة له في قصده وليس بظاهر، وهذا للنظر إنما هو [353/ ب] إذا أجرينا المدونة على ظاهرها من العموم سواء قامت عليه بينة أو جاء مستفتياً، لصدق فلا إشكال.

أبو الحسن: وقيل: إنما لم ينوه لأنه حالف للزوجة والحلف على نية المحلوف.

فرع:

قال في المدونة: وإن قال: كل امرأة أتزوجها ما عاشت فلانة طالق؛ لزمه، كانت فلانة تحته أم لا، فإن كانت تحته فطلقها فإن نوى ما عاشت ما دامت تحته فله أن يتزوج، فإن لم تكن له نية فلا يتزوج ما بقيت إلا أن يخشى العنت.

وقوله: (فإن نوى فله أن يتزوج) أي وتقبل نيته في القضاء والفتوى.

وفِي: إِنْ دَخَلْتَ فَأَنْتَ حُرُّ فَبَاعَهُ ثُمَّ مَلَكَهُ بِغَيْرِ إِرْثٍ. ثَالِثُهَا: إِنْ بَاعَهُ الْحَاكِمُ لِفَلَسٍ لَمْ يَعُدْ ..

ليست هذه المسألة من هذا الباب وأتى بها المنصف لأنها تشبه مسألة الطلاق السابقة، يعني أن من حلف بحرية عبده على دخول الدار، إما على دخوله هو أو دخول العبد، فعلى هذا يصح أن تضبط التاء من قوله:(دَخَلْتَ)، بالفتح والضم، ثم باع العبد وملكه (بِغَيْرِ إِرْثٍ) يعني وإن ملكه بإرث لم تعد عليه اليمين بالاتفاق، وإنما اختلف إذا عاد إليه بأحد وجوه الملك إما بهبة أو شراء أو نحو ذلك، هل تعود عليه اليمين سواء باعه اختياراً أم لا؟ وإليه ذهب ابن القاسم. أو لا تعود عليه مطلقاً، وإليه ذهب ابن بكير، أو يفرق.

فإن باعه اختياراً عادت عليه اليمين، وإن باعه السلطان عليه لم تعد عليه، وإليه ذهب أشهب.

ص: 352

والسؤال على قول ابن بكير لأنه سوى بين العتق والطلاق، وأما ابن القاسم فإنما أعاد اليمين للتهمة أي لاحتمال أن يكون إنما باعه قصداً لحل اليمين بخلاف الزوجة فإن أحداً لا يتهم فيها على ذلك.

ولمراعاة التهمة، استحسن جماعة قول أشهب لعدم التهمة ببيع الحاكم فكان كالميراث. واختار المازري قول ابن بكير، لأنه اتفق على أن السيد لو دخل الدار والعبد مبيع قبل اشترائه أنه لا يحنث بذلك الدخول، ولو اشترى العبد بعد ذلك، وذلك لأن البيع الواقع اختياراً هو الموجب للتهمة عند من اتهمه، إما أن يقدر ناقلاً لملك العبد أولاً، فإن قدر الأول يلزم منه المطلوب، والثاني يلزم منه أن يعتق عليه العبد بالشراء لأنه دخل في حين كان يملك فيه العبد وإنما منع فيه من تنجيز العتق حق المشتري وقد زال. واختار ابن المواز قول ابن القاسم. والله أعلم.

وَلَوْ قَالَ الْعَبْدُ: إِنْ دَخَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقُ ثَلاثاً ثُمَّ عُتِقَ فَدَخَلَتْ طُلِّقَتْ ثَلاثاً، ولَوْ قَالَ: اثْنَتَيْنِ بَقِيَتْ وَاحِدَةُ ..

لأن المعتبر في الولاية حال النفوذ لا حال التعليق، وهو حال النفوذ مالك للثلاث لأنه حر.

وَلَوْ طَلَّقَ وَاحِدَةً ثُمَّ عُتِقَ بَقِيَتْ وَاحِدَةُ لأَنَّهُ طَلَّقَ النِّصْفَ

تصوره ظاهر، وشبه ذلك في الموازية فمن ذهبت له طلقة ونصف طلقة، قال ابن القاسم: ولو طلق العبد طلقتين ثم ثبت أنه عتق قبل الطلاق فله الرجعة.

وَلَوْ عَلَّقَ طَلاقَ زَوْجَتِهِ الْمَمْلُوكَةِ لأَبِيهِ عَلَى مَوْتِ أَبِيهِ لَمْ يَنْفُذْ

يعني: إذا تزوج أمة أبيه، وقال لها: إن مات أبي فأنت طالق، لم ينفذ الطلاق، لأنه بموت أبيه يملكها فيفسخ النكاح فلا تصير زوجة فيعدم محل الطلاق.

ص: 353

الْقَصْدُ: ولا أَثَرَ لِسَبْقِ اللِّسَانِ فِي الْفَتْوَى

هذا هو الركن الثالث، ومعنى (سَبْقِ اللِّسَانِ) أنه أراد أن يلفظ بغير الطلاق فزل لسانه فتلفظ به.

وقوله: (فِي الْفَتْوَى) أي إذا جاء مستفتياً احترازاً مما لو رفع إلى الحاكم وقامت عليه البينة وأقر؛ فإنه يلزمه الطلاق وقيد ذلك بعضهم بأن الشهود إذا فهموا من قرينة الحال صدقه وأنه أراد أن يتكلم بغير الطلاق فزل لسانه أنه ينفعه ذلك، وهو ظاهر، ولمراعاة القصد قال مالك في الموازية: ومن اعتذر في شيء سئل فيه بأنه حلف بالطلاق أو العتق ولم يحلف لا شيء عليه في الفتوى.

وقال: ومن حكى للناس يمين بالبتة، فقال: امرأتي طالق البتة وإنما أراد أن يقول: قال فلان، فإن ذكر في ذلك مستفتياً نسقاً لم يقطعه فلا شيء عليه.

وفي العتبية: في امرأة كتبت إلى أبيها ليزورها فأبى، فقالت لزوجها: اكتب إليه أنك طلقتني لعله يأتي، فكتب بذلك إليه، ولم يرد طلاقاً قال: إن صح ذلك وجاء مستفتياً فلا شيء عليه.

قال في الموازية: وإن أقيم عليه بخطه وشهد عليه لم ينفعه ما يدعي إلا أن تشهد قبل أن يكتب بالذي أراد فلا شيء عليه، فإن لم يكن أشهد وصدقته الزوجة فأرى أن يستحلف إن كان مأموناً قال في العتبية: إن قالت أردت خديعته بذلك وأردت الطلاق، وأنكر هو ذلك وقد علم ما ذكر من شأنها لا شيء عليه وإن لم يكن إلا قوله وقد ظهر كتابه وثبت عليه لزمه الطلاق، قيل: كم؟ قال: ينوى وتكون واحدة.

أبو محمد: انظر قوله ينوى وأعرف لأشهب نظيرها: يحلف أنه لم يرد طلاقاً وتكون واحدة.

ص: 354

وفي الموازية ما يوهم إلغاء القصد إذ فيها في من قال لامرأته: قد كنت طلقتك البتة، ولعبده قد كنت أعتقتك ولم يكن فعل ذلك، قال أبو الزناد: أما في الفتوى فلا شيء عليه، وقال مالك: ذلك يلزمه، كمن قال: أنت طالق. أو قال: أنت حر لا يريد طلاقاً ولا عتقاً، وقال ربيعة وابن شهاب.

ربيعة: إلا أن يأتي بعذر بين له وجه. فقول أبو الزناد ظاهر، وقول مالك يوهم عدم اعتبار القصد، إلا أن يتأول على أنه في معنى طلاق الهازل وإعتاقه وفي اللخمي [354/ أ] قال مالك في من قال أنت طالق فزل لسانه، فقال البتة، قال: هي ثلاث. فألزم الطلاق باللفظ من غير نية وقال سحنون: لا شيء عليه في ذلك، وهو أحسن. انتهى.

فحمل قول سحنون على الخلاف وسياقه في التهذيب يدل على خلاف ذلك ولفظه: وإن قال لزوجته أنت طالق البتة، وقال: والله ما أردت بقولي البتة، وإنما أردت واحدة فزل لساني فلفظت بالبتة فهي ثلاث.

سحنون: وهذا الذي قال البتة قد كانت عليه بينة فلذلك لم ينوه مالك.

عياض: وقد اختلف ابن نافع وغيره عن مالك في قبول قوله في الفتوى، ويتخرج من هذه المسألة وأخواتها القولان اللذان حكاهما البغداديون في إلزامه بمجرد اللفظ دون النية على ما خرجه الشيوخ من الكتاب، فأما إلزامه الطلاق بمجرد اللفظ فمن إلزامه الطلاق في مسألة: أنت طالق وقال: أردت من وثاق ولا بينة عليه ولم يعذره وإن جاء مستفتياً.

ومن قوله: يؤخذ الناس في الطلاق بألفاظهم ولا ينفعهم نياتهم، ومن الذي أراد واحدة فزل لسانه فقال البتة، ومن خلاف أهل المدينة في الذي قال لامرأته وهو يلاعبها: هو عليك حرام، ومن مسألة هزل الطلاق. انتهى.

وإنما ذكرنا هذا لتعلم أن ما ذكره المصنف ليس متفقاً عليه، وأن قول ابن راشد: لا خلاف في المذهب إن قصد إنشاء الصيغة؛ شرط ليس بظاهر. والله أعلم.

ص: 355

ولا لِقَصْدِ لَفْظٍ يَظْهَرُ مِنْهُ غَيْرُ الطَّلاق كَقَوْلِهِ لمن اسْمُهَا طَالِقُ يَا طَالِقُ

هو معطوف على قوله: (لسَبْق) أي: ولا أثر (لِقَصْدِ لَفْظٍ) وهو كلام ظاهر، قال في الجواهر: وإذا كان اسم زوجته طارق فقال: يا طالق، ثم قال: انفلت لساني قبل ذلك في الفتوى.

وَلا أَثَرَ لِلَّفْظِ يَجْهَلُ مَعْنَاهُ كَأَعْجَمِيِّ لُقِّنَ أَوْ عَرَبِيِّ لَقِّنَ

أي (كَأَعْجَمِيِّ لُقِّنَ) الطلاق بالعربية (أَوْ عَرَبِيِّ لَقِّنَ) الطلاق بالعجمية، أما لو فهم معناه لزمه بلا إشكال.

وَفِي الْهَزْلِ: فِي الطَّلاق، والنِّكَاحِ، والْعِتْقِ- ثَالِثُهَا: إِنْ قَامَ عَلَيْهِ دَلِيلُ لَمْ يَلْزَمْ

يلحق بالثلاث الرجعة، والمشهور اللزوم لما في الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة" قال: وهو حسن غريب، والقول بعدم اللزوم في السليمانية لكن إنما ذكره في النكاح، والقول الثالث في كلام المصنف نقله ابن شاس عن اللخمي.

ابن عبد السلام: والذي يحكيه غير واحد إنما هو قولان، وما ذكره من القول الثالث هو شرط قيام الدليل على عدم اللزوم يعدونه من تمام القول الثاني، لأن الهزل لا يثبت بمجرد الدعوى، لكن ذكر بعض المتأخرين أنه اختلف إذا قال: تزوجني وليتك؟ أو تبيعني سلعتك؟ فقال: قد بعتها من فلان أو زوجتها من فلان على أربعة أقوال:

يلزم ولا يلزم، والفرق بين أن يدعي ذلك بأمر متقدم أو لا يدعيه إلا بذلك اللفظ والفرق، فيلزم في النكاح لا البيع. والقول الثالث: يشبه الثالث من كلام المصنف.

ص: 356

أَمَّا لَوْ قَالَ: يَا عَمْرَةُ فَأَجَابَتْهُ حَفْصَةُ، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقُ يَحْسَبُهَا عَمْرَةَ- فَأَرْبَعَةُ

نظيرتها إذا قال: يا ناصح فأجابه مرزوق، فقال: أنت حر. والأقوال الأربعة منصوصة في مسألة العتق والكلام في المسألتين واحد، والقول بعتقهما لأصبغ.

والقول بعدم عتقهما حكاه ابن سحنون ولم يسم قائله. وقال أشهب يعتق المجيب في القضاء والفتوى ولا عتق للمدعو لأن الله حرمه العتق، وقال ابن القاسم: إن قامت عليه بينة عتقاً معاً، وإن لم تقم عليه بينة عتق المدعو، ولا يفهم هذا القول من كلام المصنف أربعة ولهذا يلقيها الطلبة في المعايات، فيقولون: ما مذهب ابن القاسم في من له عبد إن دعى أحدهما فأجابه الآخر فمن لا علم عنده بقوله يخطئ لأنه إن قال: يعتقان أو لا يعتقان أو يعتق المدعو والمجيب كان خطأ.

ولا أَثَرَ لِطَلاقِ الإِكْرَاهِ كَنِكَاحِهِ وعِتْقِهِ وغَيْرِهِ، أَوْ الإِقْرَارُ بِهِ أَوِ اليَمِينُ عَلَيْهِ أَوِ الْفِعْلُ الَّذِي يَحْنَثُ فِيهِ بِهِ ..

المذهب وهو مذهب الأكثر كما ذكر المصنف أن نكاح المكره وطلاقه لا يلزم.

وقوله: (وغَيْرِهِ) أي غير ما ذكر من بيعه وسائر عقوده، وقوله:(أَوْ الإِقْرَارُ بِهِ) يعني أنه لا فرق بين أن يكره على إيقاع الطلاق أو على الإقرار أو على اليمين أو الحنث في يمين لزمت به، كل ذلك لا يلزمه.

فروع:

إن أكره على اليمين في ما هو معصية، أو ليس بطاعة ولا معصية لم تلزمه اليمين باتفاق، وحكاه في البيان: وإن أكره على يمين فيها طاعة مثل أن يأخذ الوالي من يشرب الخمر فيحلفه بالطلاق أن لا يشربها أو لا يفسق، أو لا يغش في عمله، أو لا يتلقى

ص: 357

الركبان، أو يحلف الوالد ولده على شيء من ذلك. فقال مطرف وابن حبيب: تلزمه اليمين، وقال ابن الماجشون وأصبغ: لا تلزمه.

الثاني: لو أبان بعد أمنه ما طلقه في الإكراه فالذي رجع إليه سحنون اللزوم لاختلاف الناس في لزوم طلاق الإكراه، وكان يقول أولاً: لا يلزمه؛ لأنه لزم نفسه ما لم يلزمه.

الثالث: قال ابن سحنون: أجمع أصحابنا على بطلان نكاح المكره، وكذلك نكاح المكرهة، ولا يجوز المقام عليه لأنه لم ينعقد، ولو انعقد لبطل لأنه نكاح فيه خيار.

ابن سحنون: وفي قياس بعض مذهب مالك أن للمكره إمضاء ذلك النكاح إذا أمن، [354/ ب] وكذلك لأولياء المرأة المكرهة، وفي قياس بعض مذاهبهم: إنما تجوز إجازة المكره بحدثان ذلك.

وَفِي حِنْثِهِ بِمِثْلِ تَقْوِيمِ جُزْءِ الْعَبْدِ فِي الِعْتِق- قَوْلانِ

هذا كقوله في الجواهر: إذا حلف في نصف عبد لا باعه فأعتق شريكه نصفه. فأعتق عليه حنث إلا أن ينوي: إلا أن يغلب على بيعه، وقال المغيرة: لا حنث عليه، لأنه إنما أراد لا بعته طوعاً.

ابن عبد السلام: والأول أصل المشهور وهو مذهب المدونة على ما أشار إليه في كتاب التخيير والتمليك، ومنشأ الخلاف: هل إكراه القاضي كغيره أم لا؟ ويمكن أن يبني ذلك على الخلاف في من حلف أن لا يبيع سلعة فبيعت عليه وأتلفت فأخذ قيمتها هل يحنث أم لا؟

وَقِيلَ: إِنَّمَا الإِكْرَاهُ فِي الْقَوْلِ

هذا القول عزاه في الجواهر لسحنون، وقال ابن عبد السلام: وقع لسحنون وعبد الملك أنه مقصور على القول ما لم يخف القتل لأنه لا تأثير له في المعاني والذوات، بخلاف الفعل فإنه يؤثر.

ص: 358

وقِيلَ: إِنْ تَرَكَ التَّوْرِيَةَ مَعَ مَعْرِفَتِهَا حَنِثَ

حاصله في المسألة ثلاثة أقوال: المشهور، وقول سحنون، والقول الثالث: اللزوم إذا أمكنه أن يوري عن ذلك ويأتي بلفظ فيه إيهام على السامع فلم يفعل ذلك وأتى بلفظ صريح فإنه يحنث، وعده المصنف ثالثاً، وهو ظاهر كلام ابن شاس لقوله: ولا يقع طلاق المكره ولا يلزمه شيء.

هذا مطلق الروايات، وقال بعض المتأخرين: الحكم كذلك إلا أن يترك التورية مع العلم بها والاعتراف بأنه لم يدهش بالإكراه، وكذلك قال ابن بشير: أن المذهب عدم التفصيل، وفصل في ذلك اللخمي والمذهب خلافه. انتهى.

والظاهر أن كلام اللخمي تقييد لأنه قال: إن طلق المكره باللفظ دون النية لم يلزمه. والصحيح من المذهب فيمن وقع منه طلاق بغير نية أنه لا يلزمه وإن لم يكن مكرهاً فالمكره أولى. وإن نوى الطلاق وهو عالم ذاكر أن يجعله لفظاً بغير نية لزمه لأن النية لا تدخل تحت الإكراه وهو طائع بالنية وإن لم تكن متصلة عند الإكراه فيجعله نطقاً بغير نية أو كان يجهل إخراج النية لم يلزمه على الظاهر من المذهب.

ويتَحَقَقُ الإِكْرَاهُ بِالتَّخْوِيفِ الْوَاضِحِ بِمَا يُؤْلِمُ مِنْ قَتْلٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ صَفْعٍ لِذِي مُرُوءَةٍ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ غَيْرِهِ ..

يعني: أن الإكراه الذي لا تلزم معه الأحكام (يتَحَقَقُ) حصوله (بِالتَّخْوِيفِ الْوَاضِحِ).

(مِنْ قَتْلٍ) أي خوف قتل لا حصوله، لأنه لو حصل ذهبت النفس المكرهة، وإذا كان القتل مخوفاً لا واقعاً فالضرب والصفع المعطوفان عليه في كلام المصنف يكونان كذلك، وهو قريب من كلام اللخمي فإنه نص على أنه إذا هدد بقتل أو بقطع أو بقيد أن

ص: 359

ذلك إكراه، قال: واختلف في التهديد بالسجن، فأراه إكراهاً في ذوي الأقدار وليس إكراهاً في غيرهم إلا أن يسجن أو يهدد بطول المقام فيه.

ابن محرز: ولا خلاف في المذهب فيما علمته أن الإكراه بما يلقى المكره نفسه إكراهاً ويرفع أحكام اليمين.

وفي الواضحة قال مطرف وابن الماجشون وابن نافع وابن أبي أويس: من أكره على أن يحلف بيمين وهدد بضرب أو سجن وجاء من ذلك وعيد بين تقع فيه المخافة أو خاف ذلك، وإن لم يقف عليه مثل ما يفعلون في البيعة أو أشباهها لا يمين عليه وكأنه لم يحلف، ورواه مالك وأكبر أصحابه.

وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ، وهو قول ابن القاسم وأشهب وكذلك في كتاب ابن سحنون أن التهديد بالضرب أو السجن أو القيد إكراه، وقول ابن عبد السلام أن ظاهر المنصوص في المذهب أن الإكراه إنما يكون بحصول الضرب والصفع لا بتحقق وقوعهما، ليس بظاهر.

وقوله: (أَوْ صَفْعٍ لِذِي مُرُوءَةٍ) مقيد بما ذكره صاحب الجواهر وغيره بأن يكون في الملاء لا في الخلاء.

واحترز بذي المروءة من غيره فإن الصفع في حقه ليس إكراهاً، وهذا كله إذا كان الإكراه على طلاق أو عتق أو ما أشبه ذلك، وأما إن أكره على أن يكفر بالله أو يشتم النبي صلى الله عليه وسلم أو يقذف مسلماً، فقال سحنون وغيره لا يسعه الإقدام على ذلك إلآ مع خوف القتل وحده قال: وله أن يصبر حتى يقتل ولا يفعل ذلك، وهو مأجور وهو أفضل له.

سحنون وغيره من أصحابنا: أما لو أكره بوعيد بقتل أو قطع عضو أو بضرب يخاف منه تلف بعض أعضائه ولا يخاف منه تلف نفسه، أو بقيد أو بسحن على أن يفعل ما ذكره فإنه لا يسعه ذلك.

ص: 360

ابن عبد السلام: ووقع لسحنون أنه إذا أكره بما ذكرنا على أكل الميتة ولحم الخنزير وشرب الخمر فإنه لا يجوز له شربه، والصحيح جواز شربه كما يجوز له شربه على الصحيح أيضاً عند الضرورة والغصص.

وَفِي التَّخْوِيفِ بِقَتْلِ أَجْنَبِيِّ قَوْلانِ بِخِلافِ قَتْلِ الْولَدِ

يعني: إذا طلب بإحضار أجنبي ليقتل فأنكر أن يكون عالماً به وأحلف على ذلك، أو يقال له: احلف وإلا قتلنا زيدا، فهل يعد ذلك إكراهاً أو لا؟ والقول بأنه تلزمه اليمين لمالك وابن القاسم ومطرف وابن الماجشون وأصبغ قالوا: ويؤجر إن حلف ويلزمه الحنث. والقول بأنه إكراه لأشهب. ابن بزيزة: وهو المشهور.

قوله: (بِخِلافِ قَتْلِ الْولَدِ) مقتضاه أنه يتفق على أن قتل الولد إكراه، ونحوه في الجواهر فإنه قال: والتخويف بقتل الولد.

واختلف في التخويف بقتل أجنبي ونحوه، ابن راشد: لأنه قال: أما [355/ أ] التخويف بقتل الولد، فلا يختلف أنه إكراه لأن ما ينزل بالنفوس من قتل الولد أشد مما ينزل بها من ألمها.

وقال ابن عبد السلام: والمنقول في المذهب خلاف ما في الجواهر.

قال أصبغ في ثمانية أبي زيد: وإن قال له السلطان: احلف لي وإلا عاقبت ولدك، فحلف له كاذباً فهو حانث، وإنما يعذر بالمداراة عن نفسه.

خليل: وفيه نظر؛ لأن المصنف وابن شاس وابن راشد إنما قصدوا قتل النفس لا ما دونها والله أعلم.

وَفِي التَّخْوِيفِ بِالْمَالِ ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ كَثِيراً تَحَقَّقَ

القول بأنه إكراه لمالك وأكثر الأصحاب، ومقابله نقله اللخمي وغيره عن أصبغ وابن محرز عن ابن الماجشون. والثالث نقله ابن عبد السلام عن ابن الماجشون. وحكى

ص: 361

في البيان عن مطرف رابعاً، بالفرق بين أن يقال له: إن لم تحلف على هذا الشيء أنه ليس متاعك أخذناه، وبين ألا يأمن العقوبة على جسده، مثل أن يهدده اللصوص بالضرب أو القتل على أن يطلعهم على ماله ليأخذوه، فهو إن لم يحلف ضربوه أو قتلوه، وإن أطلعهم على ماله ذهبوا فأخذوه وهو قول مطرف.

ابن راشد: وبعضهم يجعل الثالث تفسير للأولين، وقوعه ونحوه لابن بشير.

ابن بريزة: والصحيح أنه إكراه، إلا في المال اليسير الذي لا قدر له.

اللخمي: وعلى هذا يختلف إذا مر على عاشر بجارية فقال له: هي حرة لئلا يغرمه عليها فأبى أن يتركه حتى يقول له: إن كانت أمة فهي حرة، فعلى قول أصبغ تعتق وعلى قول ابن الماجشون لا تعتق.

وقال ابن القاسم في المدونة: لا شيء عليه إذا قال ذلك وهو لا يريد حريتها.

اللخمي: ولو نوى الحرية وهو عالم أن له ألا ينوي لزمه العتق، وإنما الاختلاف إذا كان عامياً يجهل ذلك، أو لم تكن مهلة ليخرج النية.

اللَّفْظُ صَرِيَحُ، وَكِنَايَةُ، وغَيْرُهُما؛ الصَّرِيحُ: مَا فِيهِ صِيغَةُ الطَّلاق، مِثْلُ: أَنْتِ طَالِقُ أَوْ: أَنَا طَالِقُ فَلا يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ ..

هذا هو الركن الرابع، وقسمه على ثلاثة أقسام: صريح وكناية وغيرهما، وعدل المصنف عن طريقة أكثر الفقهاء، وهي أن الطلاق ينقسم إلى قسمين فقط: صريح وكناية، لأن المصنف رأى أن: اسقني الماء ونحوه لا ينبغي عده في الكناية لأن الكناية استعمال اللفظ في لازم المسمى لكن هذا اصطلاح ولا مناقشة فيه.

ثم أخذ يتكلم على الأول فالأول فذكر أن الصريح ما فيه الطاء واللام، والقاف، كقوله: أنت طالق أو مطلقة أو أنا طالق والطلاق لازم لي، أو علي الطلاق، فلا يفتقر إلى

ص: 362

نية لا يريد به أن الطلاق يلزم بمجرد جريان هذا اللفظ على لسان هذا الرجل من غير قصد إليه، فإن ذلك لا يلزم على الصحيح من القول وقد تقدم ذلك، وإنما يريد به أنه لا يقبل منه إذا أسرته البينة ولذلك لا يقبل منه في الفتوى إذا أقر على نفسه أنه أتى بهذا اللفظ قاصداً إلى النطق به وإن لم يرد به الطلاق.

تنبيه:

استشكل القرافي قول الفقهاء أن الصريح ما فيه الطاء واللام والقاف بأنه يبطل باتفاقهم على أنه لا يلزم الطلاق لمن قال لزوجته: أنت مطلقة إلا بالنية، وأشار إلى أنهم إنما لم يلزموه ذلك بأنت مطلقة لأن الأصل كان لا يلزم بقوله: أنت طالق، لأنه خبر والخبر لا يلزم به الطلاق، وإنما يلزم بالإنشاء، لكن العرف نقل أنت طالق إلى إنشاء الطلاق، ولم ينقل أنت متطلقة.

وفِيهَا: لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقُ، وقَالَ: أَرَدْتُ مِنْ وَثَاقٍ طُلِّقَتْ، ولَوْ جَاءَ مُسْتَفْتِياً ولا بَيِّنَة، ولا تَنْفَعُ النِّيَّةُ فِي ذَلِكَ إِلا أَنْ يَكُونَ جَوَاباً.

هذه المسألة على ثلاثة أوجه:

الأول: أن يقول لها: أنت طالق وليست موثقة، فلا خلاف أنه لا ينوي.

الثاني: أن تكون موثقة، وتقول له: طلقني، فيقول: أنت طالق، فلا خلاف أنه يدين، وظاهر كلامه أنه لا فرق بين أن تكون هنالك بينة أم لا.

والثالث: أن تكون في وثاق بحضرة البينة ولم تسأله إطلاقها، فقال: أنت طالق، وادعى أنه أراد من الوثاق، فقال مطرف: يصدق فيما ادعاه، وقال أشهب: لا يصدق.

قيل: وإن أتى مستفتياً صدق على كل حال إلا على مذهب من يرى أن مجرد اللفظ دون النية يوجب الطلاق واختلف في تأويل المدونة، فمنهم من تأولها كقول مطرف،

ص: 363

ومنهم من تأولها كقول أشهب. ومقتضى كلام المصنف في هذا الوجه الثالث أنه لا يصدق لكونه حكم باللزوم، إلا إذا كان كلامه جواباً.

وَهِيَ وَاحِدَةُ إِلا أَنْ يَنْوِيَ بِهَا أَكْثَرَ

يعني أن قوله: أنت طالق ونحوه، صالح للواحدة وللاثنتين وللثلاثة، لكنه محمول على الواحدة إلا أن ينوي أكثر من اثنتين أو ثلاث. المتيطي ويحلف في قوله: أنت طالق، وقال أصبغ: هي الثلاث ولا ينوى.

وزَادَ أَبُو الْحَسَنِ خَمْسَةُ فِي غَيْرِ الْحُكْمِ

أي: وزاد أبو الحسن بن القصار في صريح الطلاق خمسة ألفاظ وهي: السراح والفراق والحرام وبتة وبتلة، وهي الخمسة المذكورة في أول الكنايات من كلام المصنف.

وقوله: (فِي غَيْرِ الْحُكْمِ) يعني إنما ألحق الخمسة في التسمية فقط لا في الحكم لأن الحكم في الطلاق أنه تلزمه واحدة إلا أن ينوي أكثر، وهذه الثلاث كما سيأتي وعلى هذا فهو خلاف في الاصطلاح لا يترتب [355/ ب] عليه حكم في الخارج. والله أعلم.

وَالْكِنَايَةُ: قِسْمَانِ- ظَاهِرُ ومُحْتَمَلُ فَالظَّاهِرُ مَا هُوَ فِي الْعُرْفِ طَلاقُ مِثْلُ: سَرَّحْتُكِ، وَفَارَقْتُكِ وأَنْتِ حَرَامُ، وبَتَّةُ، وبَتْلَةُ، وخَلِيَّةُ، وبَرِيَّةُ، وبَائِنُ، وحَبْلُكِ عَلَى غَارِبكِ، وَكَالْمَيْتَةِ وكَالدَّمِ، وكَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَوَهَبْتُكِ، ورَدَدْتُكِ إِلَى أَهْلِكِ، وهِيَ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّهُ لا يُقْبَلُ دَعْوَاهُ فِي غَيْرِ الطَّلاقِ

يعني: أن الكناية تنقسم أيضاً إلى قسمين: (ظَاهِرُ ومُحْتَمَلُ) وذكر أن الظاهر ما يعد في العرف طلاقاً، وذكر أربعة عشرة لفظاً وبعضها أبين من بعض في التحريم.

وقوله: (كَالصَّرِيحِ

إلخ آخره) ظاهر التصور وقد ذكر في المدونة أكثر الصيغ التي ذكرها المصنف، إلا أنه لم يجمعها كما فعل المصنف بل ذكرها مفرقة، وظاهر المدونة يدل

ص: 364

على أن بعضها مخالف للبعض الآخر في بعض الأحكام، لكن حمل المصنف على ذكرها جملة الاختصار ففيها: إن قال: أنت حرام، فهي ثلاث في المدخول بها ولا ينوى وله نيته في التي لم يدخل بها.

وفيها: إن قال: بنت منك أو بنت مني أو أنت خلية وقال: لم أرد بذلك طلاقاً فإن تقدم كلام يكون هذا جوابه يدل على أنه لم يرد به طلاقاً صدق، وإلا فقد بانت منه إذا كان كلاماً مبتدأ.

وفيها: وإن قال لها: أنت علي كالميتة أو كالدم أو كلحم الخنزير، فهي ثلاث وإن لم ينو به الطلاق.

وفيها: وإن قال: حبلك على غاربك، فهي ثلاث ولا ينوي.

اللخمي: ومقتضى قوله في: (حَبْلُكِ عَلَى غَارِبكِ) في مادون الثلاث في غير المدخول بها ويحلف.

ونص في المدونة على أنه إذا قال: وهبتك أو رددتك إلى أهلك، أن ذلك ثلاث في المدخول بها وينوى في غيرها، وإذا قلنا أنه ينوي في (وَهَبْتُكِ) في غير المدخول بها ففي كتاب التفسير ليحيى أنه يحلف، وفي العتبية: هي واحدة، ولم يذكر يميناً وليس في المدونة التصريح بحكم سرحتك- عن الإمام، لكن نص عبد الوهاب وصاحب الكافي على أن سرحتك كهذه الألفاظ، ونص في الموازية على أنه يقبل قوله في نفي الطلاق إذا قال: سرحتك.

ابن المواز: ويحلف إلا أن يكون ذلك جواباً لسؤالها الطلاق، وكذلك قال في فارقتك وخليتك.

وقال أشهب: إن (سَرَّحْتُكِ) محمول على الواحدة إلا أن ينوي أكثر.

وفي عد المصنف (فَارَقْتُكِ) مع هذه الكنايات نظر سيأتي التنبيه عليه.

ص: 365

فرع:

روى ابن القاسم عن مالك فيما إذا قال لأهلها شأنكم بها، وقال: نويت الطلاق، أنها واحدة إلا أن يريد أكثر من ذلك في غير المدخول بها، وأما المدخول بها فإنها ثلاث ولا نية، كما لو قال: وهبتكم إياها.

والْمُحْتَمَلَةُ: مِثْلُ اذْهَبِي، وانْصَرِفِي، واغْرُبِي، وأَنْتِ حُرَّةُ، ومُعْتَقَةُ، والْحَقِي بِأَهْلِكِ أَوْ لَسْتِ لِي بِامْرَأَةٍ، أَوْ لا نِكَاحَ بَيْنِي وبَيْنَكِ، فَيُقْبَلُ دَعْوَاهُ فِي نَفْيِهِ وعَدَدِهِ

أي والكناية المحتملة، ومعنى (فَيُقْبَلُ دَعْوَاهُ فِي نَفْيِهِ) أي إذا ادعى أنه لم يرد الطلاق قبل منه.

ابن القاسم في الواضحة: ويحلف في ذلك كله، وكذلك نص في المدونة على الحلف في أنت سائبة أو عتيقة أو ليس بيني وبينك حلال ولا حرام.

وقوله: (وفي عَدَدِهِ) يعني وإن قال: أردت الطلاق وقصدت واحدة أو أكثر قبل ذلك منه.

أصبغ: فإن نوى به الطلاق ولم ينو عدداً فهي البتة مدخولاً بها أم لا، وما ذكره المصنف في (أَنْتِ حُرَّةُ) هو مذهب المدونة، وقال ابن الماجشون: إن قال لامرأته: أنت مني حرة، أو قال لأمته: أنت مني طالق وأنت طالق لوجه الله، فأمته حرة وامرأته طالق، ولا أسأله عن نيته.

وما ذكره في: (الْحَقِي بِأَهْلِكِ) نحوه في ابن بشير، وفي الموازية عن مالك في القائل: الحقي بأهلك فليس لك عندي سعة فإلى أهلك لا إلي. فليس بالطلاق البين ويحلف ما أراد طلاقاً، ولكن أردت أن تذهب إليهم لتعيش، وقريب من هذا عنه في العتبية والموازية إذا قال لامرأته: انتقلي إلى أهلك، أو قال لأمها: انقلي إليك ابنتك.

ص: 366

وقوله: (أَوْ لَسْتِ لِي بِامْرَأَةٍ، أَوْ لا نِكَاحَ بَيْنِي وبَيْنَكِ) نحوه في المدونة ففيها: وإن قال لها: لست لي بامرأة، أو ما أنت لي بامرأة، أو لم أتزوجك، أو قال له رجل: ألك امرأة؟ فقال: لا. فلا شيء عليه إلا أن ينوي به الطلاق، وإن قال لها: لا نكاح بيني وبينك، أو لا ملك لي عليك، أو لا سبيل لي عليك، فلا شيء عليه، إذا كان الكلام عتاباً، إلا أن ينوي بقوله هذا الطلاق.

عياض: وظاهر قوله: عتاباً ولم ينوي شيئاً أنه طلاق، مثل قوله ذلك لعبده في كتاب العتق، ونحوه للخمي.

تنبيه:

ما ذكرناه في لست لي بامرأة خاص بما إذا لم يكن معلقاً، وأما المعلق كقوله: إن دخلت الدار فلست لي بامرأة، فالصحيح أنه يلزمه به الطلاق لأنه يصح حمل كلامه عند عدم التعليق على الكذب لظهور ذلك فيه، ولا يصح ذلك مع التعليق، وبذلك أفتى ابن أبي زيد، وتوقف فيها أبو بكر النعالي سنة، ولم يجب بشيء، ولا يفرق فيها هكذا في لا عصمة لي عليك بين المعلق وغيره كما ظنه ابن بشير، فقد قال سحنون في كتاب ابنه في من اشترت [356/ أ] من زوجها عصمته ورضي بذلك أنها ثلاث لأنها ملكت جميع ما كان يملك من عصمتها وقال ابن القرطبي والأبياني في القائل لامرأته: لا عصمة لي عليك أنها الثلاث، إلا أن يكون معها فداء فتكون واحدة حتى يريد ثلاثاً.

أبو محمد: وذلك صواب، واستدل بما في العتق الأول من المدونة إذا قال لعبده ابتداء: لا سبيل لي عليك أو لا ملك لي عليك؛ عتق عليه، وإن علم أن هذا الكلام جواب لما كان قبله صدق في أنه لم يرد عتقاً ولم يلزمه عتق.

ص: 367

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِي الْكِنَايةِ الظَّاهِرَةِ فَجَاءَ: ثَلاثُ فِيهما ولا يُنَوَّى، وجَاءَ: ويُنَوَّى، وجَاءَ ويُنَوِّى فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا، وهُوَ الْمَشْهُورُ، وجَاءَ: وَاحِدَةُ بَائِنَةُ فِيهِمَا، وجَاءَ رَجْعِيَّةُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا، وجَاءَ: ثَلاثُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا ووَاحِدَةُ فِي الأُخْرَى ..

لما أراد المصنف أن يذكر وجه الأقوال أفردها وإلا فهي راجعة إلى ثلاثة أقوال:

الأول: أنها الثلاث واختلف على هذا القول هل هي الثلاث في المدخول بها وغيرها ولا ينوى، أو الثلاث وينوى فيهما، أو ينوى في غير المدخول بها فقط؟

والثاني: أنها طلقة، واختلف عليه فقيل: بائنة، وقيل: رجعية.

والثالث: أنها ثلاث ف المدخول بها، وواحدة في غير المدخول بها.

وقوله: (فِيهِمَا) أي في المدخول بها وغيرها، وفي بعض النسخ:(فيها) فيعود الضمير على الكنايات الظاهرة. ثم أخذ المصنف يوجه الأقوال الأول فالأول فقال:

فَالأَوَّلُ: رَأَى دِلالَتَهَا عَلَى الثَّلاثِ نَصّاً عُرْفيّاً

أي: القائل أنها (الثَّلاثِ نَصّاً عُرْفيّاً) رأى هذه الكنايات نصاً من حيث العرف على الثلاث.

والثاني: رَأَهَا ظَاهِراً

أي: (رَأَهَا) تدل على الثلاث (ظَاهِراً) فلذلك تدل عليها عند عدم النية، ثم إنما ينوى على هذا القول إذا لم تكن عليه بينة على ما تقدم في الأيمان إذا خالف ظاهر اللفظ النية.

وَالثاَّلِثُ: رَأهَا لِلْعَدَدِ ظَاهِراً ولِلْبَيْنُونَةِ احْتِمالاً

هكذا وقد في كثير من النسخ، وإنما كان نصاً كما في بعض النسخ، يعني فلما كانت نصاً في البينونة لزم أن لا ينوى في الدخول بها لأنها تبين منه بعد الثلاث، ولما كانت للعدد ظاهراً لزم أن ينوى في المدخول بها لكونها تبين بالواحدة.

ص: 368

رَأَىهَا لِلْبَيْنُونَةِ خَاصَّةً ورَأَى الْبَيْنُونَةَ بِوَاحِدِةٍ

تصوره ظاهر وهو ينبني على صحة الطلاق البائن من غير عوض.

وَالْخَامِسُ: رَأَىهَا لْمُجَرَّدِ الطَّلاقِ ظَاهِراً

أي: فتكون رجعية في المدخول بها.

وَالسَّادِسُ: رَأَىهَا لِلْبَيْنُونَةِ

أي: ورأى أن البينونة لا تقع في المدخول بها إلا بخلع أو الثلاث في المدخول بها ولا عوض فتعينت الثلاث.

وَكُلُّهَا غَيْرُ الأُولَى جَاءَتْ فِي: الْحَلالُ عَلَيَّ حَرَامُ، وجَاءَ الأَوَّلُ وغَيْرُهُ فِي غَيْرِهِ مُفَرَّقاً

أي: وكل هذه الأقوال الستة إلا القول الأول جاءت في قول القائل: (الْحَلالُ عَلَيَّ حَرَامُ). (وجَاءَ) القول (الأَوَّلُ وغَيْرُهُ) في غير: الحلال علي حرام (مُفَرَّقاً).

وأشار إلى أن جميع هذه الأقوال لم تأت في صيغة واحدة وإنما جاء منها في البعض ما لم يأت في البعض وبالعكس، فيتخرج من كل واحدة ماجاء في الأخرى، ولا يقال إن قول المصنف: غير الأول، ليس بصحيح لما قاله ابن الماجشون في المبسوط في من قال لزوجته: أنت حرام، يلزمه الثلاث قبل الدخول وبعده ولا ينوى، لأن المصنف لم يقل: وكلها جاءت غير الأول في: أنت حرام، وإنما قال جاءت في: الحلال علي حرام، نعم نقل المازري الستة في الحلال علي حرام.

تنبيهان:

الأول: ما ذكره المصنف أنه المشهور من أنه ينوى في الكنايات كلها في غير المدخول بها خلاف المدونة والرسالة، فإن فيهما أنه لا ينوى في البتة مطلقاً مدخولاً بها أم لا، وإنما ينوى فيما عداها من الكنايات.

ص: 369

وقد صرح ابن بشير أن المشهور في البتة أنه لا ينوى في غير المدخول بها، لكن صرح ابن غلاب بتشهير ماشهره المصنف.

الثاني: لا شك أن هذه الألفاظ بعضها أقوى من بعض في التحريم، فتخريج الثلاث أو البينونة من اللفظ الضعيف إلالقوي جيد دون العكس، فينبغي أن تتأمل الأقوال المنصوصة في كل واحد من تلك الألفاظ، وينظر مايصح تخريجه منها وما لا يصح وهذا يحتاج إلى بسط نبهناك على أوائله.

وَقِيلَ: يُنَوَّى فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا بِاتِّفَاقٍ إِلا أَلْبَتَّةَ

هذه طريقة لبعض الشيوخ وفيها بعد، لأن اللخمي والمازري وغيرهما حكوا خلافها.

وقوله: (إِلا أَلْبَتَّةَ) يحتمل أن يكون استثناء من قوله: (بِاتِّفَاقٍ) فتكون البتة مختلفاً فيها هل ينوى قائلها قبل الدخول أم لا؟

ويحتمل أن يكون من قوله: (يُنَوَّى) فتكون البتة محتملة للاتفاق والاختلاف.

ابن عبد السلام: والاحتمال الأول أولى لأن قول مالك اختلف هل ينوى المتكلم بها قبل الدخول أم لا؟

فرعان:

الأول: الباجي إذا قلنا ينوى قبل البناء فإنه يحلف ما أراد إلا واحدة، قاله مالك في البتة والبائنة والخلية والبرية.

سحنون وابن الماجشون: وإنما يحلف إذا أراد نكاحها وليس عليه يمين قبل ذلك لأنه قد لا يرتجعها.

ص: 370

الثاني: إذا نويناه قبل البناء، فلو حلف قبل البناء وحنث بعده ففي كتاب ابن سحنون عن أبيه في من [356/ ب] حلف بالحلال عليه حرام قبل البناء فحنث بعده ونوى واحدة وقامت عليه البينة بالحنث بعده لا ينوى، ولأنه يوم الحنث ممن لا ينوى.

الباجي: ووجه ذلك أن اليمين إنما تنعقد ويقع الطلاق بها يوم الحنث فيجب أن يراعى.

ابن سحنون وقال بعض أصحابنا: إلا أن يعلم ذلك منه البينة قبل البناء فلا يلزمه إلا طلقة، وله الرجعة. وقال سحنون: إذا حلف قبل البناء بالحرام أو الخلية أو البرية ثم حنث بعد البناء وقال: نويت واحدة فله ذلك وله الرجعة. وانظر هل ما نقله ابن سحنون تقييد للقول الأول أم لا؟

وَأَمَّا: وَجْهِي مِنْ وَجْهِكِ حَرَامُ، وَ: مَا أَعِيشُ فِيهِ حَرَامُ؛ فَقِيلَ: ظَاهِرُ، وقِيلَ: مُحْتَمِلُ ..

لو قال ظاهرة ومحتملة لكان أبين.

ابن عبد السلام: فعلى أنهما من الكنايات الظاهرة تأتي الستة الأقوال، وعلى أنهما من المحتملة فيقبل قوله في نفيه وعدده؛ وفيه نظر ولم أر القولين في كتب الأصحاب، هكذا والذي في اللخمي وغيره أنه اختلف إذا قال: وجهي من وجهك حرام، فقال ابن القاسم في العتبية: تحرم عليه زوجته، وقال محمد بن عبد الحكم: لا شيء عليه، وذهب في ذلك إلى ما اعتاده بعض الناسفي قول: عيني من عينك حرام ووجهي من وجهك حرام يريدون بذلك البغض والمباعدة، قيل: وأما لو قال: وجهي على وجهك حرام فهو طلاق، ونص اللخمي على عدم اللزوم. ولو قال: وجهي على وجهك حرام، وأما ما أعيش فيه حرام ولا نية له فقال محمد: لا شيء عليه، قال في تهذيب الطالب: وأعرف فيه قولاً آخر أن زوجته تحرم عليه، ورأيت في بعض التعاليق على الشيخ أبي عمران أنه سئل عن القائل: كل ما يعيش فيه حرام، فقيل له: قد صار هذا عند الناس طلاقاً في عادتهم

ص: 371

ويقصدون به تحريم الزوجة، فقال: إذا صار ذلك عادة لزم الطلاق، فالقون منصوصان في كل من الفرعين اللذين ذكرهما المصنف.

فرع:

إذا قال لزوجته: يا حرام، فقال محمد بن عبد الحكم: لا شيء عليه.

أبو عمران: وليس لغيره فيها نص.

ابن يونس: وكذلك إذا كان ببلد لا يريدون به الطلاق، وهو كقوله: أنت سحت أو حرام، وكذلك نص أصبغ على عدم اللزوم إذا قال: علي حرام، ولم يقل لزوجته أنت ولم يقصدها، وكذلك نص اللخمي وابن العربي على عدم اللزوم إذا قال: الحلال حرام ولم يقل: علي. زاد ابن العربي إذا قال: حرام فقط، أو حرام علي، لعدم ذكر الزوجة وكذلك أفتى أبو عمران وأبو بكر بن عبد الرحمن بعدم اللزوم لمن قال: جميع ما ملكت حرام.

أبو بكر المذكور: إلا أن يدخل الزوجة.

ابن العربي: ويلزمه إذا قال: ما أنقلب إليه حرام، ما يلزمه في قوله: الحلال علي حرام وهو الطلاق، إلا أن يحاشيها. وقاله اللخمي وزاد: إلا أن يقول: ما أنقلب إليه من أهلي حرام.

ابن عبد السلام: فإنه لا يصدق حينئذ في المحاشات، وذكر ابن عبد السلام عن بعضهم أنه يختلف إذا قال: ما أنقلب إليه حرام، وما أنقلب إليه من أهلي ومالي حرام، قيل: ينوى، وقيل: لا ينوى إذا نص الأهل، قال: ويختلف أن يحلف أم لا؟

فرع:

واختلف إذا قال: ما انقلب إليه حرام إن كنت لي بامرأة، أو إن لم أضربك، فقال ابن القاسم: لا يحنث في زوجته لأنه أخرجها من يمينه حين أوقع يمينه عليها، قال: وكذلك إذا قال: إن لم أبعك اليوم فرقيقي أحرار فإنه يحنث في رقيقه ولا يحنث فيه.

ص: 372

وقال أصبغ: لا يحنث في الزوجة والعبد ولو أضاف التحريم إلى جزء من أجزائها، فحكمه كالطلاق يلزمه في اليد والرجل، ويختلف في الشعر والكلام، ولا يلزمه في البزاق والسعال.

وفِيهَا: خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ، وفَارَقْتُكِ- ثَلاثاً بَنَى أَوْ لَمْ يَبْنِ

كأنه أتى بهذه المسألة استشهاداً للقول بإلزام الثلاث في الكنايات الظاهرة مطلقاً، وليس ما ذكره المصنف عن المدونة فيها وإنما فيها: وإن قال لها: قد خليت سبيلك وقد بنى بها أو لم يبن فله نيته في واحدة فأكثر، فإن لم تكن له نية فهي ثلاث.

ابن وهب عن مالك: وقوله: وقد خليت سبيلك، كقوله: قد فارقتك.

فأنت تراه كيف نواه في خليت سبيلك مطلقاً، ولم يعط جواباً في: فارقتك وشبهها، في رواية ابن وهب لفارقتك وذكر أن معناه: وفارقتك واحدة.

ابن المواز: روي عن مالك في: خليت سبيلك وفي: فارقتك- أنها واحدة حتى ينوي أكثر؛ بنى أو لم يبن وهذا أصح قوله، قاله ابن القاسم وأشهب.

أبو محمد: وقاله ابن عبد الحكم واشهب في خليت سبيلك أنها ثلاث، ولا أنويه إلا أن تكون غير مدخول بها وهذا يقتضي أن المذهب في فارقتك أنها الواحدة إلا أن ينوي أكثر خلاف ما تقدم للمصنف في عده فارقتك من الكنايات الظاهرة.

وفي الجلاب: وقد اختلف قول مالك في فارقتك؛ هل هو من صريح الطلاق أو من كناياته؟ فإن جعلناه صريحاً فهو كقوله: أنت طالق، وإن جعلناه كناية، لزم به الطلاق ورجع إلى نيته في عدة المدخول بها وفي اللخمي: واختلف في فارقتك فحمله [357/ أ] مالك مرة في الموازية على الثلاث، قل وبعد إلا أن ينوي واحدة، وقال أيضاً: إن لم يدخل

ص: 373

بها فهي واحدة إلا أن ينوي أكثر، وبعد الدخول ثلاث إلا أن ينوي واحدة، وقال أيضاً: هي واحدة وإن دخل إلا أن ينوي أكثر.

والقول بأنها واحدة دخل أم لا أحسن لأن الفراق واحد فرجح أيضاً القول بالواحدة، لكن قال في البيان: المعلوم من قول مالك في فارقتك أنها ثلاث في المدخول بها إذا لم تكن له نية، واختلف في التي لم يدخل بها فقيل: ثلاث إلا أن ينوي واحدة، وقيل: واحدة إلا أن ينوي ثلاثاً.

ابن بشير: ولا خلاف أنه ينوي في غير المدخول في: خليت سبيلك، وإنما الخلاف في المدخول بها.

اللخمي: وفي: خليت سبيلك. ثلاثة أقوال: أحدها أنه ثلاث في المدخول بها وغيرها إلا أن يقول أردت فيهما واحدة، وإن قال: لم أرد طلاقاً فهو أشد وهي البتة.

وقال محمد: في قوله خليت سبيلك وسرحتك ذلك سواء وهي واحدة إلا أن يقول فيهما: لم أرد طلاقاً فيكون ذلك في سرحتك إذا حلف، ولا يقبل قوله في: خليت سبيلك؛ أنه لم يرد طلاقاً.

وقال ابن حبيب في: خليت سبيلك وخلية وسرحتك وفارقتك، سواء وهي الثلاث في المدخول بها حتى ينوي أقل فيحلف وإن لم يدخل فهي واحدة إلا أن ينوي أكثر.

واعلم أنهم فرقوا بين قوله: خلية وخليت سبيلك وخليتك، فخلية من الكنايات الظاهرة كما تقدم، وفي خليت سبيلك ما ذكرناه، وأما خليتك فنص ابن المواز على قبول قوله فيها أنه لم يرد طلاقاً بخلاف خليت سبيلك، لأن استعمال هذه اللفظة في غير الطلاق أكثر من خليت سبيلك.

ص: 374

الثَّالِثُ: مِثْلُ اسْقِنِي الْمَاءَ- فَإِنْ قَصَدَ بِهِ الطَّلاقَ وَقَعَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وفِيهَا: كُلُّ كَلامٍ يَنْوِي بِهِ الطَّلاقَ فَهي به طالقُ ..

أي: الثالث من الأقسام الثلاثة السابقة وهو غير الصريح والكنايات، والشهور مذهب مالك وابن القاسم، ومقابله لأشهب قال: إلا أن يريد أنت طالق إذا قلت ذلك.

قوله: (وفِيهَا: كُلُّ) استشهاداً للمشهور ونصها قيل فإن قال لها: حياك الله، يريد بذلك التمليك أو: لا مرحباً يريد بذلك الإيلاء أو الظهار، قال مالك: كل كلام ينوي به الطلاق فهي به طالق فكذلك هذا.

ونص فيها على أنه إذا قال: اخرجي أو اتقنعي أو خزاك الله أو كلي واشربي ونوى بها الطلاق فإنه يلزمه الطلاق وكذلك يلزمه العتق إذا نواه بمثل هذه الألفاظ.

وقال القابسي في قوله في المدونة: لا مرحباً بك، يريد بذلك الإيلاء هذا إذا قال: والله لا مرحباً، وقصد بقوله: لا مرحباً لا وطئتك وأما إن لم يذكر الله تعالى بلسانه فليس بيمين فيحتمل أن يكون ذلك مبنياً على قول أشهب، ويحتمل أن يكون قال ذلك في الإيلاء وحده لأنه يمين، وغالب أيمان الناس إنما هي بأسماء الله تعالى، ومثل هذا اللفظ لا يصلح أن يقع موقع اسم الله تعالى بخلاف الطلاق والظهار قال في النكت: لأنه لا تكون لا مرحباً عبارة عن اسم الله تعالى فأما إن قصد بلفظه لا مرحباً مجردة على رقبة ولا وطئتك أو نحو هذا فيلزمه ذلك انتهى.

لكن ظاهر قول القابسي أنه شرط النطق باليمين ولم يكتف بالنية وذلك مذهب أشهب ونقل ابن راشد خلافاً بين المتأخرين في مسألة المصنف هل ذلك طلاق بالنية أو باللفظ والنية؟

ص: 375

الباجي: ومذهب ابن القاسم يقتضي أنه إنما وقع عليه الطلاق بالنية واللفظ، واستدل على ذلك بما رواه ابن القاسم عن مالك فيمن أراد أن يقول: أنت طالق، فقال: كلي واشربي، أنه لا يلزمه شيء. انتهى.

وفِيهَا: إِنْ قَصَدَ التَّلَفُّظَ بِالطَّلاقِ فَلَفَظَ بِهَذَا غَلَطاً فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ حَتَّى يَنْوِيَ أَنَّهَا بِمَا تَلَفَّظَ بِه: طَالِقُ، وكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: يَا أُمِّي، أَوْ يَا أُخْتِي، وشِبْهَهُ

تصوره ظاهر. ابن محرز وعبد الحميد: واختلف المذاكرون في هذه فرأى بعضهم أن عدم اللزوم هنا مبني على أن الطلاق بالنية لا يلزم، وعلى القول باللزوم بالنية يلزم هنا وأبى بعضهم ذلك لأنه لم يعقد أن يطلق بمجرد النية وإنما عقد أن يطلق بالنية واللفظ.

عبد الحميد: وهذا الأخير أظهر. ولم يأت في المدونة بقوله: يا أمي ويا أختي، على ما أورده المصنف ونصها: وإن قال لها يا أمي أو يا أختي أو يا عمتي أو يا خالتي، فلا شيء عليه وذلك من كلام أهل السفه.

وَالإِشَارَةُ الْمُفْهَمَةُ: مِنَ الأَخْرَسِ كَالصَّرِيحِ- كَبَيْعِهِ، وشِرَائِهِ، ونِكَاحِهِ، وقَذْفِهِ- ومِنَ الْقَادِرِ كَالْكِنايَةِ ..

نحوه في الجواهر وقوله: (ومِنَ الْقَادِرِ كَالْكِنايَةِ) أي فإن كانت لا تحتمل غير الطلاق حملت عليه، كما إذا قال: أنت طالق وأشار بأصابعه الثلاثة.

ابن عبد السلام: والتفرقة بين الأخرس وغيره ليست بظاهرة لأن الفعل لا يدل بذاته كما تقرر في أصول الفقه، وعلى هذا فينظر إلى القرائن التي انضمت إلى الإشارة فإن انقطع من عاين تلك الإشارة أنه فهم منها الطلاق كانت كالصريح في الأخرس وغيره وإلا فكناية فيهما. والله أعلم.

ص: 376

وإِذَا كَتَبَ بِالطَّلاقِ عَازِماً عَلَيْهِ وَقَعَ نَاجِزاً

نحوه في المدونة.

ابن راشد وابن عبد السلام: ولا خلاف في ذلك لأنه [357/ ب] وجدت النية والكتابة كالنطق وسواء أخرج الكتاب أم لا، وأقاموا من هذه المسألة أن من أتى إلى الموثق مع زوجته وقال: اكتب لهذه طلقة، فقال له الموثق: لا تفعل، فإن قال ذلك مجمعاً على الطلاق لزمه، ولا ينفعه قول الموثق: لا تفعل، ولم يفعل.

وكذلك إذا قال للشاهد: اكتب لهذه ثلاث تطليقات فقال: لا تفعل اجعلها واحدة، فإن كان مجمعاً لزمته الثلاث وكل ذلك يقع بنفس الكتابة.

وغَيْرَ عَازِمٍ بَلْ لِيُشَاوِر أَوْ يَنْظُرَ- فَإِنْ أَخْرَجَهُ مِنْ يَدِهِ ولَمْ يَصِلْ فَرَدَّهُ لَمْ يَقَعْ عَلَى الْمَشْهُورِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ وُصُولَهُ كَالنُّطْقِ أَوْ إِخْرَاجِهِ ..

يعني: إذا كتب لزوجته بالطلاق غير عازم بل ليشاور فله ثلاثة أحوال:

الأول: ألا يخرجه فلا يلزمه شيء، قال في الموازية وغيرها ويحلف أنه ما أراد به إنفاذ الطلاق ويدين.

الثانية: أن يصل إليها فيلزمه الطلاق من غير إشكال.

الثالثة: أن يخرجه من يده ويرده قبل أن يصل المشهور وهو مذهب المدونة: أنه لا يلزمه شيء.

والموازية والعتبية يلزمه، وقاله أشهب وأصبغ قال في الموازية: وسواء كان في الكتاب: أنت طالق أو إذا جاءك كتابي هذا فأنت طالق. ومنشأ الخلاف ما ذكره المصنف، ويمكن أن يقال: بناءً على أن إخراجه قرينة في التزام الطلاق أم لا.

ص: 377

فرع:

فإن لم تكن له نية ففي البيان: هو محمول على العزم، وقال اللخمي: هو محمول على عدمه وذكر فيه القولين السابقين، واختلف في صفة الكتاب إذا أحب الطلاق على ثلاثة أقوال:

قال ابن القاسم إذا كانت من ذوات الأقراء فيكتب: إذا جاءك كتابي وأنت طاهر فأنت طالق، ولا يزيد على ذلك، فإن كانت طاهراً وقعت طلقة وإلا بقيت زوجة، قال: وإن كانت حاملاً كتب: إن كنت حاملاً أو طاهراً بعد أن وضعت فأنت طالق، ولا يزيد على ذلك.

وأجاز أشهب أن يكتب: إن كنت حائضاً فأنت طالق إذا طهرت بناء على أصله أن من علق الطلاق على الحيض أو الطهر لا ينتجز.

وقال ابن المعدل: يكتب بإيقاع الطلاق يوم كتب الكتاب ولا يكتب إذا طهرت. وأشار اللخمي وغيره إلى منشأ الخلاف إن قلنا أن منع طلاق الحائض غير معلل فيكتب كما قال ابن القاسم، وإن قلنا: معلل بالتطويل، فيجوز أن يوقع عليها الطلاق الآن إذ قد لا يصل الكتاب إلا بعد انقضاء عدتها.

بِخِلافِ قَوْلِهِ لِلرَّسُولِ يُبَلِّغُهَا فَإِنَّهَا تُطَلَّقُ نَاجِزاً وإِنْ لَمْ يُبَلِّغْهَا

ابن راشد: لا خلاف في ذلك. ابن عبد السلام: ثم إن كان الزوج تقدم له الطلاق وكان كلامه للرسول إخباراً عن ذلك فلا إشكال وإن كان إنما تكلم الآن بهذا الكلام مع الرسول فانظر هل هو طلاق بالنية فقط أو بالنية واللفظ؟ كقوله: اسقني الماء وهو الظاهر. والله أعلم.

ص: 378

وَإِذَا بَاعَهَا أَوْ زَوَّجَهَا- فَثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ جَادّاً فَظَاهِرُ وَإِلا فَمُحْتَمَلُ

يعني: إذا باع زوجته، أو زوجها فقيل: ذلك من الكنايات الظاهرة، سواء كان جاداً أو هازلاً. وعلى هذا يختلف في اللازم بسبب ذلك. وقيل: من الكنايات الخفية، وعلى هذا فقيل قوله في نفيه وعدده.

وقيل: بالفرق بين الجاد والهازل، وهو ظاهر ولم يذكر الأصحاب الأقوال هكذا والذي ذكروه في البيع أربعة أقوال:

الأول لمالك وابن القاسم وابن نافع وسحنون: أنها بائنة، زاد سحنون: إن غاب عليها المشتري أو لم يغب.

ابن القاسم: فإن فعل ذلك لمسغبة أو أقرت له بالرق فإنهما يعذران بالجوع ولا تحد وتكون طلقة بائنة.

وبلغني ذلك عن مالك ويرجع عليه المشتري بالثمن.

الثاني لابن وهب: أن بيعه لها لا يكون طلاقاً، فإن طاوعته وأقرت أن المشتري أصابها طائعة فعليها الرجم.

الثالث لأصبغ: إن باعها أو زوجها هازلاً فليس بطلاق وإن كان جاداً في الوجهين فهو البتات.

الرابع لابن عبد الحكم: أنه ببيعها قد حرمت عليه كالموهوبة وبه قال أصبغ أيضاً.

عبد الحميد: وينبغي أن يحلف بالهزل في عدم اللزوم على قول أصبغ كما إذا أتى مستفتياً، وقال: ليس عليه بينة، وقال: لم أرد الطلاق ولا التحريم.

وصوب اللخمي قول ابن وهب وقال: وهو قول مالك لأن البيع إنما يتضمن التمكين منها ولا خلاف أن من مكن من زوجته من غير بيع أنه ليس بطلاق، وقد يبيعها

ص: 379

ويواطؤها على أن تهرب، أو يأمرها أن تثبت حريتها. وفي ما قاله نظر؛ لأن بيعها يتضمن التمليك المؤبد ولا يكون ذلك إلا بالبينونة.

اللخمي وغيره: وتتخرج هذه الأقوال في ما إذا زوجها. قال بعضهم: اختلف في من باع زوجته أو زوجها أو مثل بها فقيل: ذلك الطلاق الثلاث، وقيل: وليست هذه الأقوال منصوصة في كل مسألة من هذه الثلاث، ولكن نص في بعضها ما لم ينص في البعض ويتخرج من بعضها في بعض.

وَلَوْ أَوْقَعَ الطَّلاقَ بِقَلْبِهِ خَاصَّةً جَازِماً- فَرِوَايَتَانِ

قال القرافي: من عزم على طلاق امرأته ثم بدا له فلا يلزمه إجماعاً، وكذلك من اعتقد أنها مطلقة ثم تبين له أنها غير مطلقة لم يلزمه الطلاق إجماعاً.

والخلاف إنما هو إذا أنشأ [358/ أ] الطلاق بقلبه بكلامه النفساني، والقول بعدم اللزوم لمالك في الموازية وهو اختيار ابن عبد الحكم وهو الذي ينصره أهل الخلاف من أهل المذهب.

القرافي: وهو المشهور، والقول باللزوم لمالك في العتبية؛ قال في البيان والمقدمات: وهو الصحيح.

وقال ابن راشد: هو الأشهر.

ابن عبد السلام: والأول أظهر لأن الطلاق حل للعصمة المنعقدة بالنيةوالقول فوجب أن يكون حلها كذلك، وإنما يكتفي بالنية في التكاليف المتعلقة بالقلب لا في مابين الآدميين.

وَلِلْحُرِّ ثَلاثُ تَطْلِيقَاتٍ عَلَى الْحُرَّةِ والأَمَةِ، ولِلْعَبْدِ تَطْلِيقَتَانٍ فِيهِمَا

هذا مذهبنا أن الطلاق معتبر بالرجال فقط، والعدة معتبرة بالنساء لأن الله تعالى أضاف الطلاق للرجال فوجب أن يعتبر بهم قال الله تعالى: {إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ

ص: 380

لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1]{إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} [الأحزاب: 49] إلى غير ذلك من الآي، وفي معنى العبد كل من فيه شائبة حرية.

وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقُ وَاحِدَةً ونَوَى الثُّلاثَ وَقَعَتْ

نحوه في الجواهر، ويحتمل قوله:(وَاحِدَةً) على أنه أراد إيقاع الثلاث مرة واحدة، أو كلمة واحدة.

وفي المدونة: وإن قال لها: أنت طالق تطليقة ونوى اثنتين أو ثلاث فهو ما نواوإن لم ينو شيئاً فهي واحدة. وهذه المسألة أشد من مسألة المصنف لأنه لا يبعد ذلك التقدير في قوله: (تطليقة) وقد تردد بعضهم في ما زاد على الواحدة هل يلزم ذلك بالنية؟ أم النية واللفظ؟ فكان كـ (اسقيني الماء).

وَفِيهَا: لَوْ أَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ بِالثَّلاثِ، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقُ وسَكَتَ فَهِيَ وَاحِدَةُ إِلا أَنْ يَنْوِيَ بِطَالِقُ الثَّلاثَ ..

تصوره واضح، وحكى ابن حارث في من قال: أنت طالق ونيته أن يقول البتة، فقيل له: اتق الله، فسكت عن البتة. عن المدونة أنه لا يلزمه إلا واحدة، وعن مالك من رواية ابن نافع أنه تلزمه البتة بالنية.

وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقُ، أَنْتِ طَالِقُ، أَوْ أَنْتِ طَالِقُ طَالِقُ طَالِقُ فَثَلاثُ ويُنَوَّي فِي التَّاكِيدِ، وكَذَلِكَ لَوْ كَرَّرَ مُعَلَّقاً عَلَى مُتَّحِدٍ بِخِلافِ الْيَمِينِ بِاللهِ والظِّهَارِ ..

إنما لزمه الثلاث إلا أن ينوي التأكيد، لأن الأصل التأسيس، ومثل بمثالين تنبيها على أنه لا فرق بين أن يعيد المبتدأ وهو (أنت) أم لا، ومثل قوله:(أَنْتِ طَالِقُ طَالِقُ طَالِقُ) لو قال: اعتدي اعتدي اعتدي، قاله في المدونة، وروى مالك في تكرار اعتدي أن ذلك

ص: 381

واحدة إلا أن ينوي الثلاث، وكذلك قال ابن نافع في تكرار قوله: أنت طالق، أنه محمول على التأكيد حتى ينوي بالثانية طلقة أخرى وقال في الواضحة في تكرار أنت طالق ثلاثاً ولا ينوي، وقوله:(وكَذَلِكَ لَوْ كَرَّرَ مُعَلَّقاً عَلَى مُتَّحِدٍ) مثاله أن يقول مرتين أو ثلاثاً أنت طالق إن كلمت فلاناً ويدخله الخلاف المتقدم.

وقوله: (بِخِلافِ الْيَمِينِ بِاللهِ والظِّهَارِ) أي فإنه محمول على التأكيد ما لم ينو كفارات، وقد تقدم الفرق بين ذلك في باب الأيمان قال في المدونة: ولو قال أنت طالق أنت طالق أنت طالق إن كلمت فلاناً، فكلمته طلقت ثلاثاً إلا أن ينوي واحدة ويريد بالبقية إسماعها وذكر في العتبية عن مالك في هذه أنها تطلق ثلاثاً ويحتمل تعليقه بالشرط ندماً.

أَمَّا لَوْ كَرَّرَ مُعَلَّقاً عَلَى مُخْتَلِفٍ تَعَدَّدَ ولا يُنَوَّي

كما لو قال إن كلمت زيداً فأنت طالق وإن خرجت اليوم فأنت طالق، وإن لبست الثوب الفلاني فأنت طالق، فلبست الثوب وخرجت ذلك اليوم وكلمت زيداً. وإنما لم ينو هذا لأنه مع الاختلاف ولا يحتمل التأكيد.

إِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا وكَانَ مُتَتَابِعاً فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ كَذَلِكَ وإِلا فَوَاحِدَةً

أي: فإن كانت الزوجة غير مدخول بها وكان كلامه متتابعاً فإن قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق نسقاً، فالمشهور أنه كذلك تلزمه الثلاث إلا أن ينوي التأكيد، واحترز بمتتابع مما لو لم يتابعه فإنه لا تلزمه إلا واحدة بالاتفاق لبينونتها بالأولى فلا تجد الثانية لها محلاً وإليه أشار بقوله: وإلا فواحدة.

ومقابل المشهور للقاضي إسماعيل ومنشأ الخلاف هل الكلام بآخره؟ وكأنه قال: أنت طالق ثلاثاً أو بمجر قوله: أنت طالق، قد بانت فلا يمكن وقوع الثانية بدليل أن له يتزوج خامسة وأختها بإثر نطقه بالقاف من قوله: أنت طالق من غير مهلة، ومثل هذه المسألة ما لو أتبع الخلع طلاقا هل يلزمه أم لا؟

ص: 382

فرع:

واختلف إذا قال أنت طالق ثلاثاً أنت طالق إن فعلت كذا، فقال مالك: يلزمه بقوله الأول، والثاني ندم. وقال ابن القاسم يحلف ما كان ذلك منه إلا تكراراً ثم هو على يمينه. اللخمي وهو أبين.

وَبِالْفَاءِ وثُمَّ ثَلاثُ- فِي الْمَدْخُولِ بِهَا ولا يُنَوَّى-، ووَاحِدَةُ فِي غَيْرِهَا، قَالَ مَالِكُ: وفِي النَّسَقِ بِالواو إِشْكَالُ، قال ابن القاسم: رأيت الأغلب عليه أنه مِثْل ثُمَّ ولا يُنوّى وهو رأيي.

يعني: إذا كرر الطلاق (َبِالْفَاءِ) أو (ثُمَّ) فقال: أنت طالق فطالق فطالق، أو أنت طالق ثم طالق ثم طالق فتلزمه ثلاث في المدخول بها ولا ينوي في إرادة الواحدة، وهكذا قال [358/ ب] في المدونة، وقيل: ينوى في العطف بالفاء أو ثم ووجهه أن العطف قد سمع في التأكيد كقولك: والله ثم والله لأفعلن ويلزمه طلقة واحدة في غير المدخول بها، وهكذا قال في الجواهر. ولم أر نصاً يوافقهما.

ووجهه ما قالا أن غير المدخول بها تبين بالواحدة والعطف بثم أو بالفاء يقتضي التراخي وقد يعترض علي ذلك بأن المهلة المستفادة منهما إنما هي في غير الإنشاء كقولنا في الإخبار: طلقت فلانة، ثم طلقتها يخبر بذلك على أمر قد وقع وأما إذا كان الكلام إنشاءً فلا؛ لاستلزام الإنشاء الحال على أن الفاء وثم قد لا يأتيان للترتيب كما في الحديث:"توضأ فغسل وجهه ويده ومسح رأسه وغسل رجليه".

وكقول الشاعر:

جرى في الأنابيب ثم اضطرب

ص: 383

وقوله: (قَالَ مَالِكُ: وفِي النَّسَقِ بِالواو إِشْكَالُ .. إلى آخره). يعني أن مالك رحمه الله قال: وفي العطف بالواو إشكال، هل ذلك كالفاء، وثم فيلزمه الثلاث في المدخول بها أو لا ينوى لأن العطف يقتضي المغايرة أو لا تلزمه إلا واحدة.

والفرق بين الفاء وثم وبينها أن الواو لمطلق الجمع لا للترتيب ولا للمعية. فكأن ذلك كغير العطف، هذا تقرير الإشكال وهو يدل على سعة علم مالك بالعربية، وتبحره فيها، ولا يقال العطف يمنع التأكيد، ويوجب أن يكون ذلك كـ (ثم) لأن القاضي إسماعيل حكى أن الرجل من العرب يقول: أنت محسن وأنت محسن يريد الإحسان الأول.

ولما كان هذا مرجوحاً كان الأغلب على مالك أنها كـ (ثم) فتلزمه الثلاث ولا ينوي وهو رأي ابن القاسم. وحكى ابن شعبان قولاً أنه ينوي في النسق بالواو.

ورأى اللخمي أنه ينوي في العطف بالواو إذا جاء مستفتياً، قال: وليس قبح عطف الشيء على نفسه مما يوجب عليه طلاقاً لم ينوه.

وروي عن الحسن في من قال لامرأته: أنت طالق فاعتدي، فهي واحدة وإن قال: أنت طالق واعتدي، فهي اثنتان. وقال ابن القاسم في المجموعة: إذا قال أنت طالق واعتدي فهي طلقتان ولا ينوى وإن قال: أنت طالق اعتدي، أو أنت طالق فاعتدي لزمه اثنتان، إلا أن ينوي واحدة.

عبد الحق: والذي تقدم للحسن إذا قال أنت طالق فاعتدي أنها واحدة أصوب ونقل اللخمي عن ابن عبد الحكم مثل قول الحسن؛ فقال: وقال ابن عبد الحكم: إذا قال أنت طالق اعتدي، أو فاعتدي ليس عليه إلا طلقة بائنة.

اللخمي: وهو أبين. أي من قول ابن القاسم.

ص: 384

وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَهُ لأَجْنَبِيَّةٍ، وقَالَ: إِنْ تَزَوَّجْتُكِ

يعني: أن حكم الأجنبية في التعليق حكم الزوجة، فإذا قال: أنت طالق طالق طالق إن تزوجتك لزمه الثلاث إلا أن ينوي واحدة وإذا عطف بالفاء أو بـ (ثم) لم يلزمه إلا واحدة.

أَمَّا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقُ مَعَ طَلْقَتَيْنِ وشِبْهِهِ وَقَعَتِ الثَّلاثُ فِيهِمَا.

أي: في المدخول بها وغيرها (وشِبْهِهِ) أي مما يدل على المعينة كقوله: مصحوباً أو مقروناً بطلقتين، أو: أنت طالق فوق طلقتين وإن قال: أنت طالق قبل طلقة، أو: بعد طلقة؛ طلقت اثنين.

قال في الجواهر: ولو قال أنت طالقة مع طلقة أو معها طلقة أو تحت طلقة وقعت طلقتان بعد الدخول كان ذلك أو قبله.

ولو قال: للمدخول بها أنت طالق قبل طلقة أو بعد طلقة أو بعدها طلقت طلقتان.

ابن عبد السلام: وقيد بعضهم مسائل القبلية والبعدية بالمدخول بها، ولا يظهر هذا التقييد بإن اجتماع الطلقتين والطلقات حصل في كل واحدة من الصور إما بلفظ مع وهو ظاهر وإما بلفظ قبل أو بعد وهو كحرف العطف وقد سبق.

وَالتَّجْزِئُة تُكَمَّلُ ويُؤَدَّبُ

يعني: من جزأ الطلاق فقال: أنت طالق نصف طلقة أو ربع طقة أو غيرها من الأجزاء كملت عليه تلك الطلقة لأن الطلاقة لا تتبعض كما كملناها للعبد وجعلنا طلاقه اثنتين وكما كملنا عدة الأمة وجعلناها حيضتين، ورأى بعض الأئمة خارج المذهب أنه لا يكمل عليه الطلقة.

ابن القاسم وغيره: ويوجع ضرباً وهو معنى قوله: (ويُؤَدَّبُ) قالوا لأنه ليس على أحكام المسلمين. ابن عبد السلام: ويحتمل أن يكون لمخالفته سنة الطلاق، لأن الله عز

ص: 385

وجل بين عدد الطلاق وزمانه وقال بعد بيان زمانه: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)[الطلاق: 1].

أَمَّا لَوْ قَالَ: نِصْفَيْ طَلْقَةٍ، أَوْ نِصْفَ طَلْقَتَيْنِ فَوَاحِدَةُ

لأنه إذا قال: نصفي طلقة فقد أتى بمجموع أجزاء طلقة فكان كمن قال: أنت طالق طلقة، وإذا قال: نصف طلقتين احتمل أن يريد طلقة واحدة لأنها نصف طلقتين طلقة وهو المتبادر إلى الفهم، واحتمل أن يريد نصف كل طلقة. وعلى هذا الاحتمال فكان يلزمه اثنتان غير أنه مرجوح فلذلك لم يعتبر.

وَقَالُوا فِي نِصْفٍ ورُبُع طَلْقَةٍ: طَلْقَةُ، وفِي نِصْفِ طَلْقَةٍ ورُبُعِ طَلْقَةٍ: طَلْقَتَانِ

كأنهم رأوا في المثال الأول أن الجزئين أو الأجزاء راجعان إلى ماهية واحدة فتلزمه طلقة واحدة، ومثال آخر: لو قال أنت طالق نصف وربع وثمن طلقة.

ورأوا في المثال الثاني إذا أضاف كل جزء إلى طلقة لتعدد لأن الاسم إذا كرر بلفظ التنكير كان محمولاً على التعدد بخلاف تكرير المعرفة أو إعادة النكرة [359/ أ] بلفظ المعرفة فإن ذلك محمول على عدم التعدد. مثال تكرير النكرة والمعرفة قوله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً)[الشرح: 5 - 6] ولهذا قال عليه الصلاة والسلام "لن يغلب عسر يسرين".

ومثال إعادة النكرة بلفظ التعريف قوله تعالى: (َمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ)[المزمل: 15 - 16] ويلزم على هذا لو قال: أنت طالق نصف طلقة وربع الطلقة أنه لا يلزمه إلا واحدة، وكأن المصنف استشكل الفرق ببين المثالين ألا ترى إلى قوله:(قَالُوا) لأن النصف في المثال الأول مضاف في التقدير إلى مثل ما أضيف إليه الربع كما في قول الشاعر:

بين ذراعي وجبهة الأسد

ص: 386

والمنوي عند أئمة اللسان في حكم الملفوظ به، فلا فرق بين المثالين على هذا التقدير، وانظر لو ذكر في المثال الأول أجزاء تزيد على طلقة هل تلزمه طلقتان؟ أو يكون ذلك قرينة في أن كل جزء يختص بطلقة كما لو قال: أنت طالق نصف وثلث وربع طلقة.

وَلَوْ قَالَ: الطَّلاقُ كُلُّهُ إِلا نِصْفَ الطَّلاقِ فَثَلاثُ لأَنَّ مَعْنَاهُ إِلا نِصْفَ كُلٍّ طَلْقَةٍ

لأنه لما أكد الطلاق الأول بقوله: (كُلُّهُ) ولم يؤكد الطلاق الثاني، ولا أتى به بضمير كان ذلك قرينة تدل على أن المراد بالثاني غير الأول، والأول الطلاق المحمول على الثلاث فيتعين أن يكون المراد بالثاني الطلاق المحمول على الواحدة فيصير كأنه قال: أنت طالق طلقتين ونصف أو أنت طالق الطلاق كله إلا نصف طلقة، ولعل هذا أقرب من تعليل المصنف أن معناه إلا نصف كل طلقة ولو قيل في المثال المذكور بلزوم طلقتين فقط ما بعد، ومقتضى كلامه في الجواهر: أنه قول منصوص؛ لأنه قال: وإن قال الطلاق كله إلا نصف الطلاق لزمه طلقتان ولو قال: إلا نصف الطلاق وطلقت ثلاثاً من جهة أن هذا الطلاق يصح أن يكون واحدة فيصير كأنه استثنى نصف طلقة فتصير ثلاثاً وقيل: يصح أن تكون هذه المسألة كالتي قبلها وتكون الألف واللام في الطلاق للجنس. انتهى.

وَلَوْ قَالَ لأَرْبَعٍ: بَيْنَكُنَّ وَاحِدَةُ إِلَى أَرْبَع؛ طُلِّقَنْ طَلْقَةً طَلْقَةً

قوله: (إِلَى أَرْبَع) أي إلى أربع طلقات لأنه إذا قال لأربع: بينكن طلقة ناب كل واحدة ربع طلقة، ولو قال: بينكن طلقتان ناب كل واحدة نصف طلقة، وإن قال: بينكن ثلاث، ناب كل واحدة ثلاثة أرباع الطلقة فيكمل لكل واحدة طلقة طلقة، وإن قال: بينكن أربع ناب كل واحدة طلقة كاملة، وهذا مذهب المدونة وهو مبنى على اعتبار أنه يحصل لكل واحدة من الجملة، وقيل: يعتبر ذلك من كل طلقة، فإن قال لأربع: بينكن أربع؛ طلقن ثلاثاً ثلاثاً؛ قال في البيان: وهذا الخلاف مبني على الخلاف في من صرف دراهم بدنانير فيوجد فيها درهم زائف، هل ينتقض صرف دينار واحد أو الجميع؟

ص: 387

وعلى الأول فإن قال لأربع: بينكن خمس إلى ثمان، وقع على كل واحدة اثنتان وإن قال تسع إلى اثنى عشر بانت كل واحدة بثلاث.

وَقَالَ سَحْنُونُ: إِذَا قَالَ: شَرَكْتُكن طُلَّقنَّ ثَلاثاً ثَلاثاً

هذا الفرع لسحنون في كتاب ابنه، ونص في الكتاب المذكور على موافقة سحنون للمذهب في المسألة الأولى، والفرق بينهما عنده أن الشركة تقتضي الاشتراك في أجزاء كل طلقة بخلاف ما إذا قال: بينكن يقسم الجملة المسماة عليهن.

ابن يونس: ولو قال قائل: إن الفرعين سواء؛ لم أعبه إذ لا فرق بين (بينكن) أو (شَرَكْتُكن).

ونسب المصنف هذا الفرع لسحنون لاحتمال أن لا يوافق عليه ابن القاسم.

وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقُ ثَلاثاً ولأُخْرَى: وأَنْتِ شَرِيكَتُهَا، ولأُخْرَى: وأَنْتِ شَرِيكَتُهُمَا- طُلَّقَتِ الْوُسْطَى اثْنَتَيْنِ، والأُخْرَيَانِ ثَلاثاً ثَلاثاً ..

هذا الفرع لأصبغ في العتبية، وأتى به غير منسوب لقائله وكأنه عنده موافق لأصل المذهب، بخلاف قول سحنون. ووجهه ظاهر لأنه طلق الأولى ثلاثاً ولما أشرك الثانية معها فكأنه ألزم نفسه فيها طلقة ونصفاً فتكمل عليه طلقتان، ثم أشرك معها الثالثة فيخصها من الأولى طلقتان ومن الثانية طلقة.

وحكى بعضهم قولاً آخر بلزوم الثلاث في الوسطى أيضاً ولعله أخذه من قول سحنون.

وَنَحْوَ: يَدُكِ، أَوْ رِجْلُكِ كَالتَّجْزِئَةِ

يعني: أن الطلاق كما يكتمل بتجزئته فكذلك يقع إذا طلق عضواً، ولا أعلم في هذا خلافاً عندنا.

سحنون: وكذلك لو طلق ثلثها أو غير ذلك من أجزائها.

ص: 388

وَفِي نَحْوِ: شَعْرُكِ أَوْ كَلامُكِ- قَوْلانِ

القول باللزوم لأصبغ فيهما، قال: وشعرها من محاسنها حتى يزايلها، قال: وكذلك ريقها.

وقاله أشهب في الكلام. والقول بعدم اللزوم فيهما لسحنون، وقاله ابن عبد الحكم في الكلام. وشبه ابن عبد الحكم الكلام بالسعال.

محمد: وليس كلامها بمنزلة شيء من جسدها، قال وقد أمر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بالحجاب وكان يسمع كلامهن ويكتب عنهن الحديث.

ابن عبد السلام: وقول أصبغ أظهر.

اللخمي: ولا تحرم بالسعال لأنه ليس مما يلتذ به ولا بالبزاق، لأن البزاق إنما يقع على ما فارق [359/ ب] الفم وطرح، وتحرم بتحريم الريق لأنه يقع على ما في الفم قبل المفارقة وهو مما يلتذ به.

وأما الكلام فإن قصد تحريم استماعه لم تحرم، وإن قصد تحريم الالتذاذ به حرمت، لا سيما إذا كانت رخيمة الكلام، وكذلك الشعر وهو مما يلتذ به. وأشار الباجي إلى أنها لا تحرم بالدموع.

ابن عبد السلام: وحكى بعضهم في السعال والبزاق قولين، ولم أقف في السعال للمتقدمين إلا على عدم اللزوم.

وَالاسْتِثْنَاءُ مُعْتَبَرُ بِشَرْطِ الاتِّصَالِ وعَدَمِ الاسْتِغْرَاقِ

قد تقدم في باب الأيمان أنه يشترط في الاستثناء الاتصال وأنه لا يقدح في ذلك سعال ونحوه.

ص: 389

وقد حكى العلماء الإجماع على بطلان الاستثناء المستغرق ولا يقال هذا الإجماع منقوض بما حكاه ابن طلحة أن المشهور في من قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً- لزوم الثلاث.

وقيل: لا يلزمه شيء لأن الطلاق والإقرارات مبنية على العرف، فلعل القائل بعدم اللزوم إنما قال ذلك للعرف لا لصحة هذا الكلام في اللغة.

والاستغراق عبارة عن أن يكون العدد المستثنى منه أو أكثر.

وَلا يُشْتَرَطُ الأَقَلُّ عَلَى الْمَنْصُوصِ

لا يشترط في صحة الاستثناء أن يكون الباقي أكثر مما أخرج على المنصوص، بل يجوز استثناء الأكثر، وحكى اللخمي قولاً آخر بأنه لا يصح استثناء الأكثر قال: وقاله عبد الوهاب في مقدمة الأصول.

اللخمي: ويختلف في هذا إذا طلق اثنتين إلا واحدة لكن الواحدة من الاثنين ليست الأقل.

وَلذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقُ وَاحِدَةً واثْنَتيْنِ إِلا اثْنَتَيْنِ- فَإِنْ كَانَ مِنَ الْجَمِيعِ فَطَلْقَةُ وإِلا فَثَلاثُ ..

أي: ولأجل بطلان الاستثناء المستغرق وصحة استثناء الأكثر (لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقُ وَاحِدَةً واثْنَتيْنِ إِلا اثْنَتَيْنِ) فإن أعاد المتكلم الاستثناء إلى الجميع لزمه طلقة واحدة لأنه أخرج اثنتين من الثلاث وإن لم يعده للجميع بل أعاده للاثنتين لزمه الثلاث لكونه حينئذ مستغرقاً وكذلك تلزمه الثلاث إذا أعاده للأول من باب أولى.

وَلَوْ قَالَ: ثَلاثاً إِلا ثَلاثاً إِلا وَاحِدَةً طُلِّقَتِ اثْنَتيْنِ وفِيهِ نَظَرُ، والأَوْلَى وَاحِدَةُ

(طُلِّقَتِ اثْنَتيْنِ) لأن قوله: (إِلا ثَلاثاً) مستغرق فبطل ثم أخرج من الثلاث واحدة فلذلك لزمه اثنتان.

ص: 390

قال المصنف: (وفِيهِ نَظَرُ، والأَوْلَى وَاحِدَةُ) وكلامه يحتمل وجهين أحدهما: أن يريد الأولى في النظر مع كونه لم ير ذلك لغيره ويحتمل والأولى مع كونه قد رآه لغيره.

وقد نقل المازري في شرح التلقين عن بعض العلماء ما ذكره المصنف أنه الأولى ووجهه أنه يلزم من المذهب- الأولى مخالفة قصد المتكلم؛ لأن الناس إنما يقصدون إخراج الثالث من الثاني وعلى هذا فيكون قد أبطل الثلاث بقوله: (إِلا ثَلاثاً) ثم أثبت واحدة، فإن قيل: يلزم على ما اختاره المصنف صحة الاستثناء المستغرق؛ قيل: عد المصنف جميع أجزاء هذا الكلام جملة واحدة ورأى أن الاستثناء المستغرق هو الذي يقتصر المتكلم عليه، وفي هذه الصورة لما أخرج منه واحدة لم يبق مستغرقاً وحكى المازري قولاً ثالثاً عن بعض العلماء بإلزام الثلاث، لأن قوله:(إِلا ثَلاثاً) لغو، لاستغراقه؛ وما هو لغو يمنع الاستثناء منه وهذه المذاهب كلها مبنية على القواعد اللغوية وينبغي هنا الإقرار أن يراعى في ذلك العرف فقط.

وَلَوْ قَالَ: ثَلاثاً إِلا اثْنَتيْنِ إِلا وَاحِدَةً طُلِّقَتِ اثْنَتَيْنِ

لأن القاعدة أن الاستثناء من النفي إثبات وبالعكس، فقوله: أنت طالق ثلاثاً، إثبات فيكون قوله: إلا اثنتين، نفياً أخرج به اثنتين فصار اللزوم واحدة ثم أثبت أخرى بقوله:(إلا واحدة).

وَكَذَلِكَ الْبَتَّةَ عَلَى الأَصَحِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا تَتَبعض أَمْ لا

يعني: أن الأصح أن البتة مرادفة للثلاث فإذا قال: أنت طالق البتة إلا اثنتين إلا واحدة طلقت اثنتين وكذلك سائر الأمثلة هي كالثلاث، وبه قال أشهب وسحنون، ولسحنون أيضاً: لا يصح الاستثناء منه فتلزمه الثلاث بناءً على أنها لا تتبعض.

ص: 391

فَلَوِ اسْتَثْنَى مِنْ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثٍ- مِثْلَ: خَمْساً إِلا اثْنَيْنِ، فَقِيلَ: ثَلاثُ، وقِيلَ: وَاحِدَةُ بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِ الزَّائِدِ أَوِ الْغَايَةِ وعَلَيْهِمَا: أَرْبَعاً إِلا ثَلاثاً، أو مئة إلا تسعاً وتسعين

نحوه في الجواهر ومعنى إلغاء الزائد أو اعتباره أنه ليس في الشرع إلا ثلاث تطليقات، فهل يكون ما زاد عليها ملغي؟ ويعد المتكلم كأنه لم يتكلم به لأن المعدوم شرعاً كالمعدوم حساً. وهو قول سحنون الأول، أو يقال: المتكلم قصده فلا يلغى، وهو الذي رجع إليه سحنون في المجموعة. وهو الأقرب لما قدمنا أنه ينبغي الرجوع في هذا الباب إلى العرف، ولأن محاشاة الزوجة في: الحلال علي حرام؛ يصح على المذهب كما تقدم في باب الأيمان، وإن كان غير الزوجة لا يصح أن يراد شرعاً.

قوله: (فَقِيلَ: ثَلاثُ) أي بناءً على اعتبار الزائد، (وقِيلَ: وَاحِدَةُ) بناءً على الغاية لأن ما زاد على الثلاث عند هذا القائل ملغي فكان كمن استثنى الاثنتين من الثلاث وعليهما أربعاً إلا ثلاثاً فعلى اعتبار الزائد تلزمه واحدة وعلى الغاية تلزم الثلاث، ومثل بتسعة وتسعين أيضاً، ولم يكتف بالمثالين الأولين إشارة إلى أنه لا فرق بين أن تكون الزيادة في طرف المستثنى منه أو في طرف المستثنى [360/ أ] والمستثنى منه. والله أعلم.

ولَوْ عَلَّقَ الطَّلاقَ عَلَى مُقَدَّرٍ فِي الْمَاضِي فَإِنْ كَانَ مُمْتَنَعاً عَقْلاً أَوْ عَادَةً حَنِثَ

أي: إذا (عَلَّقَ الطَّلاقَ عَلَى مُقَدَّرٍ) أي على فعل يقدر وقوعه على صفة في الزمان الماضي فإن كان المقدر (مُمْتَنَعاً) في العقل أو العادة (حَنِثَ) مثال الممتنع عقلاً: علي الطلاق لو جئتني أمس لجمعت بين وجودك وعدمك، أو لجمعت بين الضدين، ومثال الممتنع في العادة: لو جئتني أمس لدخلت بك الأرض أو لرفعتك إلى السماء حنث؛ لأنه حلف على ما لا يبر فيه، ومثل ابن عبد السلام الممتنع عقلاً بما مثلنا به الممتنع عادة وليس بظاهر لأن العقل يجوز كل شيء لو فرض لم يلزم منه محال لذاته.

ص: 392

وَكَذَلِكَ الشَّرْعِيُّ، مِثْلُ: لَوْ جِئْتُ أَمْسِ لأَقْتُلَنَّك عَلَى الأَصَحِّ، مَا لَمْ يَقْصِدْ مُبَالَغَةً فِي جَائِزٍ فَكَالْجَائِزِ ..

أي: وكذلك يحنث في الممتنع شرعاً (عَلَى الأَصَحِّ) ومثاله ما ذكر، والأصح مذهب المدونة قال فيها في من قال لرجل: امرأتي طالق لو كنت حاضراً لشرك مع أخي لفقأت عينك-: هو حانث لأنه حلف على شيء لا يبر فيه.

ونقل حمديس عن مالك قولاً آخر في هذه المسألة بعدم الحنث، ووقع لمالك في رجل جذب ثوب آخر فقال: امرأتي طالق لو شققته لشققت بطنك، أنه قال: يستغفر الله ولا شيء عليه.

ابن بشير: ولم يذكر عليه يميناً ونقل ابن راشد أن ابن يونس نقل في هذه المسألة أن مالكاً قال: يحلف بالله لو خالف ليفعل ثم لا شيء عليه. وقال ابن القاسم: لا يعجبني وهو حانث كالذي حلف لو كنت حاضراً لشرك مع أخي لفقأت عينك، ولم أر ما نقله في ابن يونس عند كلامه على هذه المسألة.

عياض: ولو حلف على مثل هذا فيما يأتي لا يختلف في أنه لا يمكن من ذلك، وتطلق عليه إلا أن يتجرأ فيفعله قبل فيبر في يمينه، وأما ما يمكن فعله أو يباح في المستقبل فلا يحنث بالاتفاق.

وقوله: (لأَقْتُلَنَّك) صوابه لقتلتك بلفظ الماضي لأن (لو) لا يكون جوابها إلا ماضياً كما قرر في علم العربية قاله ابن عبد السلام.

وجوابه إن لأقتلنك جواب قسم محذوف. وقوله: (مَا لَمْ يَقْصِدْ

إلى آخره) يعني في جائز عقلاً فيكون كالجائز شرعاً فلا يحنث به على أحد القولين في الجائز، وإنما يحنث إذا أراد حقيقة الفعل.

ص: 393

ابن بشير: وإذا أخرجت الأيمان على قصد المبالغة والتفتا إلى المقاصد لم يقع حنث وإن لم يحصل جميع ما يتناوله اللفظ، وإن التفتنا إلى الألفاظ وجب الحنث، واستدل من التفت إلى المقاصد بقوله: صلى الله عليه وسلم في أبي جهم "لا يضع عصاه عن عاتقه" ومن هذا أن يحلف أن هذا الطير لا يسكت وإنما يريد كثرة صياحه. انتهى.

وعلى هذا فيكون قوله: (كَالْجَائِزِ) أي فيجري فيه قولان، ولم يحك ابن بشير في هذه المسألة خلافاً بل قال: وإن شرطه بصفة ممتنعة عادة أو شرعاً كقوله: لو جئت أمس لأدخلنك، يريد في الأرض أو لأقتلنك، فإن أراد حقيقة الفعل حنث، وإن أراد المبالغة لم يحنث.

وقال ابن عبد السلام: يعني ما لم يقصد في كل واحد من القسمين السابقين، أو في أحدهما المبالغة فيعبر مثلاً عن القصاص الذي وجب لأخيه على هذا المحلوف عليه بالقتل أو بالدخول في الأرض وما أشبه ذلك، وهو مراده بقوله:(في جائز منكراً) احترازاً من أن يعبر بذلك عن ممتنع شرعاً أيضاً أو عادة كضربه ألف سوط مثلاً، فإذا عبر بذلك عن جائز شرعاً أو عادة وهو الذي يلي هذا الكلام.

قال ابن عبد السلام: وعلى هذا فاستعمال المصنف الجائز في القدر المشترك بين الجائز في الثلاثة وقد اجتمعت الثلاثة في قوله:

وَإِنْ كَانَ جَائِزاً مِثْلَ: لَوْ جِئْت أَمْس لأَقْضِيَنَّكِ حَقِّكِ حَنِثَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ

لما شبه بالجائز أراد أن يبين حكمه، فإن قيل: لا نسلم أن هذا جائز شرعاً بل واجب، قيل: المسألة أعم من الوجوب والجواز، لاحتمال أن يكون الدين لم يجب قضاؤه وحينئذ إما لأن الأجل لم يحل أو لغير ذلك.

وفي قوله: (عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ) إشارة أنه لا يحنث عند غيره، وهو كذلك فإن عبد المالك قال: لا يحنث، ورأى ابن القاسم أنه لما احتمل أن يقضيه وحصل الشك فتطلق

ص: 394

عليه إذ لا يقدم على فرج مشكوك فيه. ورأى عبد الملك أن الشك لا عبرة به استصحاباً للعصمة المحقق وجودها. وقوله: (لأَقْضِيَنَّكِ) هو كقوله: (لأقتلنَّك).

وإِذَا عَلَّقَهُ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ- فَإِنْ كَانَ مُمْتَنَعاً مِثْلَ أَنْتِ طَالِقُ إِنْ لَمَسَتِ السَّمَاءَ لَمْ يَحْنَثْ عَلَى الأَصَحِّ، وكَذَلِكَ إِنْ شَاءَ هَذَا الْحَجَرُ أَوِ الْمَيِّتُ أَوْ زَيْدُ فَمَاتَ ..

لم يحنث على الأصح لأنه علق الطلاق بشرط لا يوجد والمشروط لا وجود له بدون شرطه، وحنث في مقابل الأصح إما لهزله وإما لأنه لما طلق ندم فعلقه بلمس السماء ونحوه، والأصح قول ابن القاسم في المدونة، ومقابله لسحنون، وروى مثله عن ابن القاسم. ومثل:(إن لمست السماء)، إن ولجت في سم الخياط.

قوله: (أو الحجر) الأصح فيه مذهب المدونة، ومقابله لسحنون، [360/ ب] وذكر عبد الوهاب في ذلك روايتين وقال: اللزوم أصح. وقال المازري: المشهور لزوم الطلاق وفيهما نظر لمخالفة المدونة والله أعلم.

وقوله: (أَوْ زَيْدُ فَمَاتَ) يريد ولم يشأ ففي المدونة: وإن مات فلان قبل أن يشاء وقد علم بذلك أو لم يعلم أو كان ميتاً فلا حنث عليه. ونص اللخمي على أنه إن مات فلان قبل أن يقضي أو يعلم هل قضى بشيء أم لا؟ لأنه لا شيء على الحالف. وفي الكافي: إن علق المشيئة بآدمي، لم تطلق حتى يعلم أنه شاء، فإن لم يعلم مشيئته لم تطلق عليه.

ابن عبد السلام: والأقرب أنه إن علم أن فلاناً نظر في اليمين ولم يعلم هل شاء الطلاق أم لا؟ أن يجري على الشك في الحنث كما سيأتي.

فَإِنْ كَانَ مُتَحَقِّقاً ويُشْبِهُ بُلُوغُهُمَا عَادَةً مِثْلَ: إِنْ مَضَتْ سَنَةُ أَوْ بَعْدَ سَنَةٍ، أَوْ إِذَا مَاتَ فُلانُ، أَوْ قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ حَنِثَ نَاجِزاً ثُمَّ لا يَحْنَثُ فِيهِ بَعْد لأَنَّهُ عَجَّلَ حِنْثَهُ

أي: فإن كان الشرط المستقبل المعلق عليه الطلاق محقق الوقوع وهو مع ذلك يشبه حال الزوجين مع البلوغ في العادة مثل: أنت طالق (إِنْ مَضَتْ سَنَةُ أَوْ بَعْدَ سَنَةٍ) أو (قَبْلَ

ص: 395

مَوْتِي بِشَهْرٍ حَنِثَ نَاجِزاً) أي حين التعليق لأنه شبيه بنكاح المتعة في توقيت الحل، وخالف في ذلك جماعة من أهل العلم ورأوا عدم اللزوم لأن الطلاق معلق على شرط غير محقق الوقوع لاحتمال ألا يبلغ كل من الزوجين أو أحدهما الأجل المذكور، وتقدير هذا في المثال الثالث وهو إذا مات فلان أظهر، إذ من الممكن حياته بعد كل منهما لاسيما إذا كان أصغر.

وأيضاً فالفرق بين هذا ونكاح المتعة أن توقيت الحل في نكاح المتعة واقع في العقد بخلاف هذا والمفسد إنما هو ما وقع في العقد لا ما تأخر عنه وخالف أشهب في المثال الآخر غير أنه ذكره فيما إذا قال: قبل موتك بشهر على ما نقله اللخمي وغيره لكن لا فرق بين أن يكون قبل موتي أو موتك على ما نص عليه في المجموعة.

وقوله: (لا يَحْنَثُ فِيهِ بَعْد) أي إذا عجلنا عليه الطلاق ثم جاء الأجل فلا يحنث به أيضاً لأنه لما عجلناه لم يبق شيء حتى يقع عند الأجل.

وَمِثْلُهُ: أَنْتِ طَالِقُ إِنْ لَمْ أَمَسَّ السَّمَاءَ، وشِبْهِهِ

أي: (وَمِثْلُهُ) في التنجيز، والتنجيز هنا واضح في المثال السابق يحتمل أن يموت كل من الزوجين قبل بلوغ الأجل فكان من الطلاق بالشك، وأما هنا فالطلاق واقع وإنما يرفعه حصول شرط لا يمكن أن يقع ولهذا اتفق هنا على وقوع الطلاق، حكى ذلك ابن بشير.

وشبه (إِنْ لَمْ أَمَسَّ السَّمَاءَ) أنت طالق إن لم أشرب البحر أو أحمل الجبل.

وَفِي مِثْلِ: إِنْ أَكَلْت، أَوْ شَرِبْت، أَوْ قُمْت أَوْ قَعَدْت، مِمَّا لا صَبْرَ عَنْهُ- ثَالِثُهَا: إِنْ أَسْنَدَهُ إِلَى غَيْرِهِ فَمِثْلُ إِنْ مَاتَ، وإِلا فَمِثْلُ إِنْ دَخَلْت ..

يعني: أنه اختلف إذا قال: (إن أكلت) أنا (أو شربت) أو أكل فلان أو شرب أو نحو ذلك من الأفعال التي لا صبر عنها فأنت طالق فتأول اللخمي وابن يونس وغيرهما على

ص: 396

المدونة أنها تطلق عليه في الحال. وذهب ابن محرز وغيره إلى أن ظاهر المدونة خلاف هذا ولا تطلق عليه حتى يفعل ما حلف عليه لقوله فيها: إذا قال لها: إن أكلت أو شربت أو لبست فأنت طالق. أنها أيمان. وحملها الأولون على ما إذا قيد يمينه بزمن يمكن الصبر فيه على المحلوف به.

وهذان القولان الأولان من كلام المصنف وقد تقدم أن مثل هذا لا ينبغي عده خلافاً.

خليل: وفي قول من حمل المدونة على عدم التنجيز بعد لأنه إذا كان المشهور فيها إذا علقه على الحيض أو الطهر، التنجيز كما سيأتي فلأن ينجز هنا من باب الأولى وما يفرق به بينهما بأن الفعل هنا داخل تحت المشيئة بخلاف الحيض والطهر ليس بظاهر.

وثالثها إن أسندها إلى غيره كانت طالق إن قام فلان أو أكل فمثل (إن مات) فينجز لأن الغير لا يصبر لحلفه (وإلا) أي وإن علقه بفعله فمثل إن دخلت فلا يتنجز لاحتمال اختياره الصبر عن ذلك الفعل ولو أداه إلى الموت.

اللخمي: وهذا إذا لم يضرب أجلاً أو ضرب أجلاً لا يمكنه الصبر إليه وإن كان مما يمكن الصبر إليه لم يحنث.

وَإِنْ كَانَ مِمَّا لا يُشْبِهُ بُلُوغُهُ لَمْ يَحْنَثُ عَلَى الأَصَحِّ

هذا قسيم قوله: (وإن متحققاً ويشبه بلوغهما عادة).

وفي الجلاب: وإن طلقها إلى أجل لا يبلغه عمره مثل قوله: أنت طالق بعد الف سنة وما ِأشبه ذلك من الزمان البعيد فإنها يتخرج على روايتين إحداهما: أنها تطلق عليه في الحال. والأخرى: أنها لا تطلق عليه بحال. وبعدم الحنث قال ابن القاسم في العتبية وابن الماجشون وعيسى: قال في الكافي: هو القياس، قال في البيان: وعليه فالمعتبر الأعمار التي يعمر إليها المفقود على الاختلاف بينهم في ذلك.

ص: 397

واللزوم مبني على أن قوله: بعد ألف سنة؛ كالندم والاستدراك.

فإن قيل: إذا كان هذا قسيماً لقوله: (يشبه بلوغهما) فلم ثنى الضمير أولاً وأفرده ثانياً؟ قيل: لأنه لو ثناه ثانياً لتوجه النفي على مجموع الجزئين لا على كل واحد منهما، والمراد إنما هو [361/ أ] لا يبلغه أحدهما فأفرد الضمير وخص الرجل دفعاً لذلك، ولأنه لزم أن يكون الحكم كذلك في المرأة لأنه إذا لم يلزم الطلاق لعدم بلوغ عمر الرجل لذلك الأجل المضروب لعدم المطلق فكذلك لا يلزم لعدم بلوغ عمر المرأة لعدم وجود محل الطلاق على أنه يمكن أن يكون الضمير في بلوغه عائد على أحد الزوجين لا بعينه، ويمكن أن يكون الضمير في بلوغه عائداً إلى الأجل، ويقرا على هذا بلوغه بفتح الغين، ويكون التقدير وإن كان مما لا يشبه حالة الزوجين بلوغ الأجل لم يحنث، وهذا أظهر والله أعلم.

وَرَجَعَ مَالِكُ إِلَى أَنْ إِذَا مِتُّ مِثْلُ إِنْ مِتُّ فِي أَنَّهُ لا يَحْنَثُ، بِخِلافِ يَوْمَ أَمُوتُ

حاصله أن للتعليق على موته ثلاث صور، إن قال: إن مت فأنت طالق، لم تطلق عليه لأنه علق الطلاق بموته ولا يطلق على ميت.

اللخمي وغيره: إلا أن يريد أنه لا يموت ويعاند في ذلك فيحنث. وإن قال: يوم أموت حنث ناجزاً لتعليقه على أجل لابد منه قال في المدونة، وقال أشهب: لا شيء عليه في مسألة يوم أموت. واختلف قول مالك في إذا مت، هل ذلك بمنزلة إن أو يوم؟ لأن إذا ظرفوشرط فإن غلبنا الظرفية كانت كـ (يوم) وإن غلبنا الشرطية كانت كـ:(إن).

اللخمي: ويلزم مثل هذا الخلاف إذا قال: إن مت وقد اختلف في من قال لعبده: إن بعتك فأنت حر، ولزوجته: وإن خالعتك فأنت طالق البتة؛ فباع أو خالع فقيل: يحنث فيهما، فيعتق العبد ويرد ما أخذ في الخلع والعتق، والحنث سبق البيع والخلع. وقيل: لا شيء عليه لأن العتق والبيع قبل الحنث وهو أحسن.

ص: 398

وإِنْ كَانَ مُحْتَمَلاً غَالِباً مِثْلَ: إِذَا حِضْتِ أَوْ طَهُرْتِ تَنَجَّزَ عَلَى الْمَشْهُورِ كَالْمُحَقَّقِ، وقَالَ أَشْهَبُ: لا يَتَنَجَّزُ، وقَالَ أَصْبَغُ: إِنْ كَانَ عَلَى حِنْثٍ تَنَجَّزَ، وعَلَى الْحِنْثِ فِي افْتِقَارِهِ إِلَى حُكْمِ قَوْلانِ ..

هذا قسيم قوله أولاً: (فإن كان متحققاً) أي وإن لم يكن متحققاً بل (كَانَ مُحْتَمَلاً غَالِباً) فالمشهور أنه يتنجز. وقال أشهب: لا يطلق عليه وينتظر ما علق عليه من حيض أو طهر وبه قال عبد الملك والمخزومي وابن وهب وابن عبد الحكم. وكلا القولين مروي عن مالك.

ومنشأ الخلاف هل الغالب كالمحقق أو كالمحتمل غير الغالب؟ فيتوقف على الشرط كما لو قال: أنت طالق إن دخلت الدار، وفرق أصبغ فقال كالمشهور إن كانت يمينه على حنث وكقول أشهب إن كانت يمينه على بر.

ابن عبد السلام: والمثال الذي ذكره المصنف يعني إذا حضت أو طهرت مما يعسر تصور القول الثالث فيه.

خليل: وليس بعسير ومثاله: إن لم تحيضي فأنت طالق؛ فإنه علق الطلاق على الطهر، أو: إن لم تطهري؛ فإنه علقه على الحيض، وإن أراد بالحنث والبر خلاف المصطلح عليه في كلام الفقهاء فيحتاج إلى ثبوته أولاً ليتكلم عليه ثانياً.

وسلم جماعة قول أشهب في: إذا حضت، واستشكلوا قوله في: إذا طهرت؛ لأنه محقق.

وعلى هذا ففي تمثيل المصنف للغالب بالطهر نظر؛ لأنه محقق إلا أن يقال: إنما ذكره ليبين أن أشهب قائل بعدم التخيير في الطهر والحيض لا لأنه من صورة المسألة وأجاب التونسي عن أشهب بأن الطهر ليس بمحقق لأن الموت قد يتأتى قبل انقضاء الحيض وهو ضعيف فإن احتمال الموت ملغى إذا قال: بعد شهر. إلا أن يقال إن الجواب جار على قول أشهب فيما إذا قال: قبل موتي بشهر، فإنا قدمنا عند اللزوم في ذلك.

ص: 399

قوله: (وعَلَى الْحِنْثِ .. إلى آخره) أي إذا فرعنا على المشهور من التخيير يريد وعلى أحد شقي قول أصبغ فاختلف فقال مالك وابن القاسم يلزمه الطلاق مكانه حين تكلم بذلك ولا يفتقر إلى حكم اللخمي وقيل في هذا الأصل لا يقع عليه الحنث بنفس اللفظ بل يفتقر إلى الحكم وهو أحسن لأنه أمر مختلف فيه والحكم يرفع الخلاف.

تنبيه:

هذا الخلاف إنما هو إذا كانت المرأة ممن تحيض.

اللخمي: وأما إن كانت يائسة أو شابة وهي ممن لا ترى حيضها لم يعجل بالطلاق بحال.

وَلا يَحْنَثُ فِي مِثْلِ: إِذَا حَمَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقُ إِلا إِذَا وَطِئَهَا لأَنَّهُ بِيَدِهِ، وفِيهَا: ويُمْكِنُ مِنْ وَطْئِهَا مَرَّةً، ولا يَحْنَثُ بِحَمْلٍ هِيَ عَلَيْهِ ..

يعني: إذا قال: إن حملت فأنت طالق؛ فإنه لا يحنث (إِلا إِذَا وَطِئَهَا) لأن الحمل موقوف على سبب والسبب بيد الحالف إن شاء أوقعه وإن شاء لم يوقعه وهو الوطء والضمير في قوله (لأَنَّهُ) يحتمل عوده على الحمل وإن لم يكن حقيقة بيد الحالف لكن سببه وهو الوطء بيده وأتى المصنف بهذا المثال في الغالب لأن الغالب على النساء الحمل ثم بين وجه المخالفة بينه وبين ما تقدم بقوله (لأَنَّهُ بِيَدِهِ) أي بخلاف الحيض والطهر في المثال السابق فلذلك عجلنا عليه الحنث هنالك ولم نعجله هنا.

وقوله: (وفِيهَا: ويُمْكِنُ مِنْ وَطْئِهَا مَرَّةً) لا خلاف في ذلك قاله ابن عبد السلام.

عياض: وقوله لا يمنع من وطئها مرة معناه إن لم يمكن وطؤها في ذلك الطهر ولو وطئها فيه طلقت عليه عند ابن القاسم وروايته: واختلف بعد الوطء فقال في المدونة: يعجل عليه الطلاق بإثر الوطء [361/ ب] وقال ابن الماجشون: لا يعجل وينتظر ثم يطأها في كل طهر مرة، كقوله في المدونة في العتق، وقال أشهب: لا شيءعليه حتى يكون ما شرط ابن يونس فوجه قول ابن القاسم إذا وطئها صار حملها مشكوكاً فيه فيعجل الطلاق لأن

ص: 400

من شك هل حنث أم لا فهو حانث، ووجه قول أشهب أن من أصله أن لا يطلق إلا على من علق إلى أجل آت لابد منه فكان هذا عنده بمنزلة من قال: إذا أتى فلان فأنت طالق، ووجه قول ابن الماجشون أنه لا يحصل الحمل من كل وطء فوجب أن لا تطلق عليه حتى يختبر أمر هذا الوطء، ويمسك عن وطئها إذ لا يدري هل حملت منه أم لا؟ قياساً على الأمة، إذ قال لها: إذا حملت فأنت حرة.

والفرق عند ابن القاسم بين الأمة والحرة أنهم أجمعوا أنه لا يجوز الطلاق إلى أجل ويجوز العتق إلى أجل.

وقوله: (ولا يَحْنَثُ بِحَمْلٍ هِيَ عَلَيْهِ) يعني إذا قال لها: إن حملت فأنت طالق، لا يحنث إذا كانت حاملاً وإنما يحنث في المستقبل كما ذكر وهذا تأويل الأكثر على المدونة، وتأولها بعضهم على أنه يحنث بحمل هي عليه. ولا يؤخذ من كلام المصنف أن قوله:(ولا يَحْنَثُ بِحَمْلٍ هِيَ عَلَيْهِ) أن ذلك في المدونة.

ابن عبد السلام: ظاهر كلامه أن هذا في المدونة وليس هو في التهذيب ليس بظاهر.

وَفِيهَا: إِذَا حَمَلْتِ ووَضَعْتِ فَأَنْتِ طَالِقُ إِنْ كَانَ وَطِئَهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ مَرَّةً حَنِثَ مَكَانَهُ ولا يُنْتَظَرُ أَنْ تَضَعَ، فَقِيلَ: اخْتِلافُ، والصَّحِيحُ: إِنْ كَانَ وَطِئَهَا بَعْدَ الْيَمِينِ، وقِيلَ: الْقَصْدُ هُنَا الْوَضْعُ ..

أتى بهذه المسألة لمخالفتها الأولى أو لأنها تحتمل ذلك وكذلك أتى بها في المدونة بإثر الأولى.

وقوله: (فَقِيلَ: اخْتِلافُ) هو مذهب اللخمي فإنه قال: واختلف في من قال: إذا حملت فأنت طالق؛ وهي غير ظاهرة الحمل، فظهر بها حمل بعد ذلك، فقال ابن القاسم: لا يمنع من وطئها وإذا وطئها مرة وقع عليه الطلاق، وقال أيضاً: في من قال: إذا حملت ووضعت فأنت طالق إن كان وطئها في ذلك الطهر فهي طالق مكانها لحنثه لما تقدم من

ص: 401

الوطء قال المصنف: (والصَّحِيحُ) في فهم المدونة أنها ليست خلافاً للأولى وأن في كلامه في هذه إضمار تقديره: إن كان وطئها في ذلك الطهر مرة بعد اليمين حنث، وفيما زعم أن المصنف أنه الصحيح بعد من جهة اللفظ.

وقال ابن شبلون: إنما المعلق عليه هنا الوضع وذلك لأن الطلاق مغيا بغايتين وقد علم في أصول الفقه أن الحكم المغيا بغايتين أن المعتبر منهما الأخيرة، وأن تسمية الأولى منهما غاية إنما هو لقربها من الأخيرة كقوله تعالى:{وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} [البقرة: 222] فالغاية الحقيقة هي التطهير، ويسمى الطهر غاية إما لقربه من التطهير وإما لكونه سبباً فيه فكأنه قال: هذا إذا وضعت وقد وجدت مظنة الحمل المسبب عنه الوضع بوطئها قبل اليمين فنجز لذلك وليس كذلك الأولى.

خليل: وعلى ما تقدم من نقل عياض أنه لو وطئ في المسألة السابقة قبل اليمين طلقت عليه في قول ابن القاسم، وروايته تدفع المعارضة بالكلية لأن الأولى حينئذ توافق الثانية في الحنث بالوطء قبل اليمين.

وَعَلَى الْحِنْثِ، لَوْ قَالَ: كُلَّمَا حِضْتِ فَأَنْتِ طَالِقُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَتَنَجَّزُ الثلاث، وقَالَ سَحْنُونُ: اثْنَتانِ ..

هذا الفرع مبني على المشهور، أي إذا علق الطلاق على غالب وبنينا على المشهور من التنجيز فلو قال لها: كلما حضت فأنت طالق، وأتى بما يقتضي التكرار، فقال ابن القاسم: تطلق ثلاثاً، ورأى أن الطلقة الثالثة تقع مع الحيضة الثالثة.

ورأى سحنون وقوعها بعد بينونتها بدخولها فيها فلا يقع وهو قول ابن الماجشون، ووجه قولهما أنه يعجل ما لو حصل زمناً كانت فيه زوجة، وعلى هذا فسحنون موافق على التعجيل.

ص: 402

ونقل اللخمي عن مالك في الموازية أنه لا يعجل عليه وإنما تطلق في الحيضة الأولى طلقة، وفي الثانية طلقة فقط.

وقيد ابن يونس قول سحنون بما إذا كانت طاهراً، فقال: وقال سحنون: إذا قال لها ذلك- أي كلما حضت- وهي طاهر لزمه طلقتان، قال: ووجهه كأنه قال لها: إذا حضت حيضة فأنت طالق، وإذا حضت الثانية فأنت طالق، وإذا حضت الثالثة فأنت طالق، وهي إذا حاضت فقد بانت منه فكأنه أوقع الثالثة بعد أن بانت منه، فلا يلزمه ونحو هذا التعليل لسحنون، والله أعلم.

وفيها: إنَّ (مَتَى مَا) مِثْلُ (إِنْ) إِلا أَنْ يَنْوِيَ بِهَا مَعْنَى (كُلَّمَا)

تقدم الكلام على هذا في باب الأيمان.

وإِنْ كَانَ مُحْتَمَلاً غَيْرَ غَالِبٍ يُمْكِنُ الاطِّلاعُ عَلَيْهِ- فَإِنْ كَانَ مُثْبَتاً انتُظِرَ ولَمْ يَتَنَجَّزْ إلا أَنْ يَكُونَ وَاجِباً، مِثْلَ: إِنْ صَلَّيْتِ فَيَتَنَجَّز إِلا أَنْ يَتَحَقَّقَ الْمُؤَجَّلُ قَبْلَ التَّنْجِيزِ.

لما قدم الكلام على المحقق والغالب تكلم على المحتمل غير الغالب بشرط أن يمكن الإطلاع عليه، ويعلم وقوعه ثم قسمه إلى قسمين أحدهما أن يكون مثبتاً كقوله: إن دخلت الدار أو جاء زيد فامرأته طالق، فهذا ينتظر بلا خلاف، ثم استثنى من هذا القسم ما كان واجباً، فقال:(إلا أَنْ يَكُونَ وَاجِباً، مِثْلَ: إِنْ صَلَّيْتِ فَيَتَنَجَّز) لأنه وجوبه يمنع من تركه فيصير كالمحقق، وهكذا قال ابن سحنون [362 /أ] عن أبيه أنه لو قال: أنت طالق إذا صليت أنت أو إذا صليت أنا فهو سواء وتطلق الساعة لأنه أجل آت ولابد من الصلاة.

خليل: وينبغي أن يجري على الخلاف فيما لا يمكنه تركه وهو قوله: (إن أكلت أو شربت) وهو مقتضى كلامه في المقدمات، وقال ابن عبد السلام: ينبغي أن يختلف فيه من الخلاف

ص: 403

في الغالب الوقوع، وقال ابن راشد في قول المصنف إلا أن يكون واجباً مثل إن صليت فيتنجز نظر لأن مذهبه في المدونة أن التنجيز لا يفتقر إلى حكم ويقع بنفس الحلف وها هنا قال أنه إن لم يصل لم يتنجز، والقياس أنه لا فرق بينه وبين إن دخلت لأن كليهما يفعله باختياره وليس وجوبه مما يضره غالباً فتأمله.

قوله: (إِلا أَنْ يَتَحَقَّقَ الْمُؤَجَّلُ) مثاله لو قال: إن صليت اليوم فأنت طالق فمضى اليوم ولم يصل.

فَإِنْ قَالَ: بَعْدَ قُدُومِ زَيْدٍ بِشَهْرِ طُلِّقَتْ عِنْدَ قُدُومِهِ

لأن التعليق في هذه المسالة على قدوم زيد وهو من المحتمل غير الغالب، فلذلك انتظر وحكم بالتنجيز عند قدومه لأن الشهر أجل لابد منه.

وَإِنْ كَانَ نَفْياً يُمْكِنُهُ دَعْوَى تَحْقِيقِهِ لفِعْلٍ لَهُ غَيْرَ مُحَرَّمٍ أَوْ لِغَيْرِهِ مُطْلَقاً غَيْرِ مُؤَجَّلٍ مُنِعَ مِنْهَا حَتَّى يَقَعَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ وقِيلَ: إِلا فِي مِثْلِ: إِنْ لَمْ أَحُجَّ ولَيْسَ وَقْتَ سَفَرٍ، أَوْ لأَخْرُجَنَّ إِلَى بَلَدِ كَذَا وكَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفاً فَيُتْرَكُ حَتَّى يُمْكِنَهُ.

هذا قسيم قوله: (فإن كان مثبتا انتظر) ومراده بالنفي أن تكون الصيغة على حنث، كقوله: إن لم أفعل، ومعناه لأفعلن، ولهذا لم يقل المصنف منفياً، وإن كان مقابل قوله:(مثبتاً)، وقابل اسم المفعول بالمصدر لكونه ليس منفياً في الحقيقة، واحترز بتمكن دعوى تحقيقه من نحو: إن لم تمطر السماء غداً، فإنه (يتنجز).

وبغير محرم من مثل: إن لم أشرب الخمر فامرأتي طالق، فإنه يتنجز عليه لمنعه مما حلف عليه أو لغيره مطلقاً أي محرماً كان أم لا، فعلى هذا لا فرق بين إن لم يخل زيد الدار أو لم يشرب الخمر فامرأته طالق في عدم التنجيز.

وما ذكره ليس بظاهر. والظاهر أنه لا فرق في التنجيز في المحرم بينه وبين غيره لمنعهما معاً من ذلك، بل ينبغي أن يكون الأمر في الأجنبي أشد، لأن الزوج قد يفعل

ص: 404

المحرم لرغبته في الزوجة وأن المشهور إنما يضرب أجل الإيلاء له إذا حلف على فعل نفسه وأما على غيره فلا، ويتلوم له القاضي ثم يطلق عليه، ولم يحك القرويون غيره. وحكى صاحب المقدمات الخلاف فقال: وحلف الإنسان بالطلاق على فعل غيره على وجهين: الأول: أن يحلف عليه ألا يفعل فعلا مثل أن يقول: امرأتي طالق إن لم يفعل فلان كذا، ففي ذلك لابن القاسم ثلاثة أقوال:

أحدهما أنه كالحالف على فعل نفسه ليفعلن فيمنع من الوطء ويدخل عليه الإيلاء جملة من غير تفصيل.

والثاني: أنه يتلوم على قدر ما يرى أنه أراد بيمينه، واختلف هل يطأ في هذا التلوم؟ على قولين جاريين على الاختلاف إذا ضرب أجلاً. لأن التلوم كضرب الأجل، فإن بلغ التلوم على مذهب من يمنعه من الوطء أكثر من أربعة أشهر دخل عليه الإيلاء.

والثالث: الفرق بين أن يحلف على غائب أو حاضر، وهو الذي يأتي على ما في سماع عيسى.

قوله: (غَيْرِ مُؤَجَّلٍ) احترازاً من المؤجل كما لو قال: إن لم أدخل الدار بعد شهر فأنت طالق، فإنه لا يمنع من الوطء قبل الشهر لأن القاعدة: أن من ضرب أجلاً فهو على بر إليه.

وقوله: (مُنِعَ مِنْهَا) هو جواب الشرط.

وقوله: (إِلا فِي مِثْلِ: إِنْ لَمْ أَحُجَّ

إلى آخره)، يعني أن المشهور منعه مطلقاً وهو قول ابن القاسم في كتاب الإيلاء، والشاذ وهو قول غيره فيها أنه يمنع من الوطء إلا في مثل قوله: إن لم أحج في هذا العام وذلك الوقت ليس وقت سفر لأنه في معنى المؤجل، ولأن الأيمان إنما تحمل على المقاصد ولا يقصد أحد أن يسافر إلى الحج إلا في وقته المعتاد.

ص: 405

ابن عبد السلام: والأظهر عندي أنه تقييد وإن كان شراح المدونة اختلفوا هل هو تقييد أو خلاف؟ وفي المقدمات: إن كان الفعل لا يمكنه فعله في الحال مثل أن يقول: امرأتي طالق إن لم أحج وهو في أول العام، ففي ذلك أربعة أقوال:

أحدهما: أنه يمنع من الوطء من الآن وهو ظاهر قول ابن القاسم في كتاب الإيلاء من المدونة ورواية عيسى عنه في الأيمان بالطلاق من العتبية.

والثاني: لا يمنع من الوطء حتى يمكنه فعل ذلك.

والثالث: أنه لا يمنع من الوطء حتى يخشى فوات ذلك الفعل.

والرابع: أنه لا يمنع حتى يفوته فعل ذلك الفعل.

فَإِنْ رَفَعَتْهُ فَكَالْمُولي مِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ

ظاهره سواء حلف على نفسه أو فعل غيره، وقد تقدم أن المشهور المعروف خلافه، وقوله:(مِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ) لأن ترك الوطء إنما جاء بطريق اللازم، وما كان كذلك فالأجل فيه من يوم الرفع بخلاف ما لو كانت يمينه على ترك الوطء صريحاً كقوله: والله لا أطأك فإن أجله من يوم اليمين، وقيل في الأول: أن الأجل أيضاً من يوم [362/ ب] اليمين، وقيل: بل من حين يتبين ضرره لا من حين المرافعة.

وإن حَبَسَهُ عُذْرُ فِي الْمَنْفِيِّ فَفِي حِنْثِهِ قَوْلانِ

هذان القولان ذكرهما في البيان في باب الأيمان فقال: ومن حلف أن لا يفعل فعلاً فأكره على فعله فلا يحنث بلا اختلاف، وإنما اختلف إذا حلف ليفعلن فعلاً فمنع وحيل بينه وبينه، فالمشهور أنه حانث إلا أن ينوي إلا أن يغلب. وقال ابن كنانة: لا حنث عليه، فلو قال: فلو حبسه عذر في النفي لكان أحسن ليكون موافقاً لقوله: أولاً: (وَإِنْ كَانَ نَفْياً).

ص: 406

تنبيه:

يستثنى من هذه القاعدة، ما إذا قال: امرأتي طالق إن لم أحبلها، فإنه لا يمنع من وطئها. قال في المقدمات: وله أن يطأها أبداً حتى يحبلها، لأن بره في إحبالها وكذلك إن قال لامرأته: أنت طالق إن لم أطأك، له أن يطأها لأن بره في وطئها، وإن وقف عن وطئها كان مؤلياً عند مالك والليث فيما يروى عنهما. وقال ابن القاسم: لا إيلاء عليه، وهو الصواب.

وإنما في مِثْلِ: إِنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ مُطْلَقاً أَوْ إِلَى أَجَلٍ إِذْ لا برَّ لَهُ إِلا بِالطَّلاقِ، وقِيلَ: يُمْنَعُ فَإِنْ رَفَعَتْهُ فَفِي ضَرْبِ الأَجَلِ أَوِ التَّعْجِيلِ: قَوْلانِ

لما قدم أنه إذا كانت يمينه على نفي يمكن دعوى تحقيقه يمنع منها ولا ينجز الطلاق خشي أن ينقض عليه بمثل هذه الصورة فذكرها، وذكر الوجه الذي خالف لأجله تلك القاعدة، وهو أنه لا بر له هنا إلا بالطلاق فلم يكن للإيقاف فائدة.

وقوله: (مُطْلَقاً) أي من غير ضرب أجل كما لو قال: إن لم أطلقك بعد شهر فأنت طالق، وهذا هو المشهور ومذهب المدونة. وحكى اللخمي قولاً آخر: أنه لا يلزمه طلاق حتى ترفعه ويوقعه السلطان، وإليه أشار بقوله:(وقِيلَ: يُمْنَعُ) قيل: وهو أقيس لأن المرأة قد تصبر.

ثم فرع المصنف على الشاذ بقوله: (فَإِنْ رَفَعَتْهُ

إلى آخره). يعني اختلف إذا رفعت هل يطلق عليه بالحضرة، إذا لا فائدة في الصبر أو بعد ضرب أجل المولي رجاء أن ينحل عزمها عن القيام بالطلاق، وهذان القولان ذكرهما اللخمي وغيره وكذا صرح ابن بشير وابن شاس بأن هذين القولين مبنيان على الشاذ وأما على المشهور فلا يأتي هذا لأنه يقع عليه الطلاق بمجرد كلامه كما صرح به في المدونة.

ص: 407

ولا إشكال أنه على القولين بضرب الأجل وعدمه أنه لا يمكن من الوطء لأنه على حنث في يمينه.

عياض: فإن اجترأ ووطء سقط عنه الإيلاء واستؤنف ضربه له، ولا يلزمه استبراء من هذا الوطء متى جاز له تطليقها ومراجعتها للاختلاف في منعه من الوطء في يمين الحنث.

وَكَذَلِكَ: إِنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ رَاسَ الشَّهْرِ أَلْبَتَّةَ فَأَنْتِ طَالِقُ أَلْبَتَّةَ، وقَالَ مُحَمَّدُ: لَهُ أَنْ يُصَالِحَ قَبْلَ الشَّهْرِ فَلا يَلْزَمُه إِلا طَلْقَةُ ..

(وَكَذَلِكَ) أي التنجيز على المشهور لو قال: إِنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ رَاسَ الشَّهْرِ أَلْبَتَّةَ فَأَنْتِ طَالِقُ رَاسَ الشَّهْرِ أَلْبَتَّةَ فإنها تطلق عليه أَلْبَتَّةَ لأن إحدى البنتين لابد منها لأنه إن طلقها أَلْبَتَّةَ فواضح، وإلا وقعت أَلْبَتَّةَ المعلقة فكان بمنزلة من قال: أنت طالق رأس الشهر أَلْبَتَّةَ، وقد تقدم أن ما علق الطلاق على مثل هذا يعجل عليه، ورأى محمد أن له أن يصالح أي يخالع قبل الشهر فتبين منه، ثم يراجعها بعد الشهر على ما بقي له من الطلاق.

وقول محمد إنما يتحقق على عدم التنجيز وإذا تأملته وجدته منتزعاً من قول المؤلف في المسألة التي قيست هذه المسألة عليها، وإنما نجز في مثل: إن لم أطلقك فأنت طالق، إذ لابد له منه، وأما هذه فله الخروج منها عن عقدة اليمين بطلاق غير الطلاق الذي حلف به.

فإن قيل: قول محمد مشكل، لأنه لم يقل فيما إذا قال لزوجته ابتداءً: أنت طالق رأس الشهر البتة إن لم يخالع، وهذه المسألة راجعة إلى هذا المعنى كما قررته، قيل: قد يقال في هذه المسألة الحلف أن للحالف أن يطلب ما حلف على فعله رأس الشهر فيؤخر لطلب ذلك، وإذا صح له التأخير صحت له المخالعة.

وأما من قال ابتداءً من غير حلف: أنت طالق ألبتة رأس الشهر؛ فلا معنى للانتظار، وفيه نظر.

ص: 408

فإن قيل: لم قررتم الكلام على أن معناه إن لم أطلقك رأس الشهر البتة فأنت طالق رأس الشهر البتة وما المانع من أن يكون المراد إن لم أطلقك رأس الشهر البتة فأنت طالق الآن البتة؟

قيل: لأنه لو كان المراد هذا لما لزم الحالف شيء بوجه لأنه إذا حلف على إيقاع البتة رأس الشهر بوقوع البتة الآن فله طلب تحصيل المحلوف عليه وهو إيقاع البتة عند رأس الشهر، فإذا جاء رأس الشهر فله ترك ذلك الطلب واختيار الحنث كما لكل حالف، فإاذ اختاره لم يكن له وقوع الحنث عليه لانعدام زمان البتة المحلوف بها هكذا قال ابن عبد السلام.

خليل: وما قاله من عدم وقوع الطلاق لمضي زمانه، يأتي على ما قاله ابن عبد الحكم في من قال لزوجته: أنت طالق اليوم إن كلمت فلاناً غداً؛ أنه إن كلمه غداً فلا شيء عليه لأن الغد الآن مضى وهي زوجة وقد انقضى وقت وقوع الطلاق.

ومثله لابن القاسم في الموازية في من قال لامرأته: إن تزوجتك فأنت طالق غداً؛ فتزوجها بعد غد: لا شيء عليه، وإن تزوجها قبل غد طلقت عليه، لكن قال أبو محمد: قول ابن عبد الحكم خلاف أصل مالك والطلاق يلزمه إذا كلمه وليس لتعلق الطلاق بالأيام وجه.

وفي العتبية: في أنت طالق اليوم إن دخل [363/ أ] فلان الحمام غداً لم تكن طالقاً إلا أن يدخل فلان الحمام غداً وله وطؤها. نقل ذلك كله عياض في باب الظهار، وعلى هذا تلزمه ألبتة ولو مضى زمانها، وأيضاً فالمسألة التي ذكرها المصنف بإثر هذه مما يرد ما قاله ابن عبد السلام، لأنه لو كان ما قاله صحيحاً لزم فيما إذا قال: إن لم أطلقك واحدة بعد ذشهر فأنت طالق الآن البتة لا يلزمه شيء لما ذكره ولا كان يحسن الخلاف في تعجيل الواحدة فانظره.

ص: 409

وإذا قَالَ: إِنْ لَمْ أُطَلَّقْكِ وَاحِدَةً بَعْدَ شَهْرٍ فَأَنْتِ طَالِقُ الآنَ أَلْبَتَّةَ ثُمَّ أَرَادَ تَعْجِيلَ الْوَاحِدَةِ قَبْلَ الأَجَلِ، فَوَقَفَ فِيهَا مَالِكُ، وقَالَ أَصْبَغُ: لا يُجْزِئُهُ، وقَالَ مُحَمَّدُ: إِنْ كَانَ الْقَصْدُ غمَّهَا بِهِ أَجْزَأَهُ

إذا أراد تعجيل الواحدة قبل الشهر فقال ابن بشير وابن شاس كالمصنف وقف مالك في ذلك.

وقال أصبغ: لا يجزئه لأن المشروط لا يتقدم على شرطه.

أصبغ: فإن طلق ثم جاء رأس الشهر فلم يطلق واحدة لزمته البتة.

ونظر محمد إلى المقاصد ونص قوله عند اللخمي: وقال محمد إذا سألته أو سأله أهلها أن يطلقها في غير هذا الحين فحلف لهم، ثم عجل الطلقة لم ينفعه وإن كان ذلك ابتداءً ليغمها أجزأه.

اللخمي: ولو حلف عند سؤالهم أنه لا يؤخر الطلاق عن رأس الهلال لجاز له أن يعجلها، وهذا إن كانت يمينه ليطلقها رأس الشهر، وأما إن قال: إلى رأس الشهر فليس له أن يعجل الطلقة لأن إلى غاية يثبت ألا يوقع الطلاق إلى رأس الشهر فإن أوقعه قبل ذلك وقع الطلاق ولم يبره المعجل. انتهى.

ولم يتعرض المصنف لحكم هذه المسألة ابتداءً وإنما تكلم على أنه هل له تعجيل الطلقة المحلوف على إيقاعها بعد شهر وذكر فيها قولين، هذا إن لم يعد التوقف قولاً وهو الظاهر، لأن الوقف ليس فيه حكم، وإن عددناه قولاً كان في المسألة ثلاثة أقوال: واعترضه ابن عبد السلام فقال في قوله (ووقف مالك)، تغيير ونقص: أما التغيير فنسبته الوقوف لمالك والواقف هو ابن القاسم، وهكذا ذكره الشيخ أبو محمد عن الموازية ونص ما ذكره: ومن قال: أنت طالق البتة لا طلقتك في الهلال واحدة ثم أراد تعجيل الحنث

ص: 410

بالواحدة فوقف فيها ابن القاسم، وقال: لا أرى أن تجزئه ولو جاء الهلال ولم يطلقها طلقت البتة، ولم يحك عن مالك في هذا الفصل شيئاً.

وتأمل قوله: ولا أرى أن تجزئه فإن كان بأثر الوقف فيكون توقيفه، كلا توقف، وإنما تردد في أول نظره ثم جزم، وإن كان تردده استمر ثم في زمان آخر جزم صح الوقف.

وأما النقص فهو أنه لم يذكر عن ابن القاسم قوله: ولا أرى أن تجزئه. انتهى. وهذا فيه تعسف والأحسن في مثل هذا تحسين الظن بالمصنف، وحاصل كلامه كشهادة على نفي، وقد ذكر اللخمي أن ابن القاسم روى عن مالك التوقف كما قال المصنف، وقد ذكر صاحب البيان حكم المسألة ابتداءً فقال: اختلف في قول القائل: امرأتي طالق ثلاثاً إن لم أطلقها عند رأس الهلال على ثلاثة أقوال:

أولها: لابن القاسم إن عجل الطلقة التي عند رأس الشهر لم يلزمه غيرها، وإن أبى – وقف، وقيل له: إما عجلت التطلقة الآن وإلا بانت منك بثلاث، وهذا يأتي على مذهبه في المدونة في الذي يقول: امرأتي طالق إن لم أطلقها، أنه يعجل عليه بالطلاق.

والثاني: أنه إن عجل التطليقة التي عند رأس الشهر لم يلزمه غيرها، وإن أبى أن يعجلها، ترك ولم يوقف على الإطلاق، فإن لم يطلق حتى يحل الشهر بانت منه بالثلاث وهو قول أصبغ وسحنون.

والثالث: أنه يوقف حتى يأتي الشهر فيبر بالطلاق عنده أو يحنث، وإن عجل التطليقة قبل أن يأتي الشهر ولم يخرجه ذلك عن يمينه، ولم يكن له بد من أن يطلق عند رأس الهلال وإلا حنث وهو قول المغيرة.

ص: 411

وإذا قَالَ: كُلَّمَا طَلَّقْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقُ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَفِي لُزُومِ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلاثٍ: قَوْلانِ، بِنَاءً عَلَى إِلْغَاءِ الْمُعَلَّقِ أَوِ اعْتِبَارِهِ

لأنه لما طلقها واحدة طلقت عليه أخرى بالتعليق، واختلف هل تلزمه ثلاثة؛ ينبني على أن فاعل السبب هل هو فاعل المسبب أم لا؟ فإن قلنا إنه فاعله طلقت عليه ثلاثاً، لأنه فعل الأولى وهي سبباً للثانية وإلا لم يلزمه، وهذا معنى قوله:(بِنَاءً عَلَى إِلْغَاءِ الْمُعَلَّقِ أَوِ اعْتِبَارِهِ) والقولان في مسألة المصنف لسحنون، والذي رجع إليه واختاره ولده لزوم الثلاث. وألحق سحنون بـ (كلما) في ما ذكرناه:(إذا ما)، و (متى ما).

أَمَّا لَوْ قَالَ كُلَّمَا وَقَعَ عَلَيْكِ طَلاقِي فَأَنْتِ طَالِقُ وَقَعَتِ الثَّلاثُ

لأنه لم يشترط في الطلقة التي هي سبب أن تكون من فعله فتقع الثانية لوقوع الأولى عليها والثالثة لوقوع الثانية ولا خلاف في هذه.

فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ فِي الْخُلْعِ فَقَالَ سَحْنُونُ: تَقَعُ وَاحِدَةُ عَلَى أَصْلِهِ، بِنَاءً عَلَى أَنْ الْمَشْرُوطَ مُقَدَّرُ بَعْدَ الشَّرْطِ أَمْ لا

يعني: فإن قال لامرأته كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق، ثم أوقع عليهخا طلقة قبل البناء، أو أوقع عليها طلقة بعوض، فقال سحنون: لا يلزمه فيها إلا واحدة بناءً على أن المشترط يقع بعد شرطه، ويأتي على أصل غيره لزوم الثلاث، بناءً على أن الشرط والمشروط يقعان معاً.

ونظير هذه المسألة ما إذا قال: [363/ ب] إن خالعتك فأنت طالق البتة أو قال لعبده: إن قاطعتك فأنت حر، ثم خالعها أو قاطعه فقال ابن القاسم: يرد ما أخذ فيهما.

قال في البيان: وحكى البرقي عن أشهب أنه لا يرد فيهما شيئاً. وكان عبيد يعجب بها ويقول: إنما رضي بالحنث لما أخذ.

ص: 412

ابن رشد: وكذلك أقول أنه الصحيح في القياس لأن المشروط إنما يقع بعد شرطه، وكذلك قال الصحيح في: إن بعتك فأنت حر، أنه لا يلزم البائع عتق.

وَلَوْ قَالَ: مَتَى طَلَّقْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقُ قَبْلَهُ ثَلاثاً فَقَبْلَهُ لَغْوُ

هذه المسألة تلقب بالسريجية نسبة لابن سريج الشافعي؛ لقوله هو وجماعة من أصحاب الشافعي: لا يلزمه شيء.

وما ذكره المصنف نحوه في ابن شاس، وقوله:(فَقَبْلَهُ لَغْوُ) أي فيكون بمنزلة ما لو لم ينطق بـ (قبله)، فإذا طلقها طلقت ثلاثاً، وعلى هذا فترجع إلى المسألة التي قبلها، ويفرق بين قبل البناء وبعده، وهذا مذهب أبي حنيفة.

الطرطوشي في تعليقه: وهو الذي يختاره فيقع عليه المباشر وتمام الثلاث من المعلق، لأنه طلاق من مالك صادق ملكه فوجب أن يقع أصله إذا لم يسبق منه هذا الشرط، واحتج ابن سريج وغيره بأن إثبات الطلاق مؤد إلى رفعه وكل ما أدى إثباته إلى نفيه فهو منتف من أصله وذلك لأنها لو طلقت لطلقت قبله ثلاثاً ولو طلقت قبله ثلاثاً لم ينفسخ.

ويشهد لهذا مسائل منها: إذا كانت لرجل أمة فزوجها وقبض صداقها وتصرف فيه ثم أعتقها وكان الزوج لم يدخل بها فلا خيار لها، لأن ثبوت الخيار يرفعه إذ لو اختارت لسقط الصداق، ولو سقط الصداق لبطل عتقها لصيرورة السيد مديناً، وإذا بطل عتقها بطل خيارها.

ومنها: من زوج عبده من حرة بصداق ضمنه لها، ثم باعها العبد بالصداق قبل الدخول لا يصح البيع لأنه لو صح لملكت زوجها، ولو ملكته فسخ النكاح. ولو فسخ لسقط مهرها، وإذا سقط المهر بطل البيع.

ومنها ما وقع لمالك في من أعتق عبديه فادعاهما غيره فشهد له العبد أنه قال: لا تقبل شهادتهما، لأنا لو قبلناها لصارا رقيقاً وبالرق تبطل الشهادة، فلو صحت لبطلت فتبطل.

ص: 413

خليل: ومذهبنا هو الصحيح؛ لأن ما قاله ابن سريج وغيره مؤد إلى اتخاذ آيات الله هزواً؛ إذ يلزم عليه أن كل شخص فعل مثل ذلك لا يمكنه الطلاق في البتة ويبقى يطلق ولا يلزمه وهو خلاف ما شرعه الله تعالى من الطلاق في حق كل زوج. والله أعلم.

فَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلاً لَمْ يُمْنَعْ

لما قال أولاً: (فإن كان نفياً يمكن دعوى تحقيقه لفعل له غير محرم

إلى آخره) وكان مشتملاً على قيود أخذ يتكلم عليها. يعني: فإن كان الفعل المنفي مؤجلاً كقوله: إن لم أدخل الدار إلى شهر فأنت طالق لم يمنع منها لأنه على بر؛ لأن القاعدة: أن كل من ضرب أجلاً فعلى بر إليه، وهذا هو المشهور، وحكى اللخمي قولاً آخر بالمنع. والقولان هنا كالقولين الذين لمالك في كتاب العتق الأول من المدونة في القائل: أمتي حرة إن لم أفعل كذا إلى أجل سماه هل يمنع من وطئها في ذلك الأجل أم لا؟

وإِنْ كَانَ مُحَرَّماً، مِثْلَ: إِنْ لَمْ أَقْتُلْ زَيْداً تَنَجَّز إِلا أَنْ يَتَحَقَّقَ قَبْلَ التَّنْجِيزِ عَلَى الْمَشْهُورِ ..

هذا مقابل قوله أولاً: (غير محرم) أي وإن كان الفعل محرماً كقوله: إن لم أقتل زيدا اليوم فأنت طالق فإنه يتنجز عليه الطلاق، لأنه لا يمكن من قتل زيد إلا أن يوقع الحالف الفعل المحرم قبل تعجيل الطلاق فقد أثم ولا يلزمه الطلاق وهذا معنى قوله: (إِلا أَنْ يَتَحَقَّقَ

إلى آخره) والمشهور منصوص في المدونة وغيرها، وكلامه في المقدمات يدل على نفي الخلاف في هذا، وكذلك قال ابن عبد السلام: لست أحفظ الشاذ.

خليل: ويمكن تخريجه مما تقدم في باب الأيمان فيمن حلف ليطأنها فوطئها حائضاً هل يبر أم لا؟ بناء على المعدوم شرعاً هل هو كالمعدوم حساً أم لا؟

ص: 414

فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ دَعْوَى تَحْقِيقِهِ، مِثْلَ: إِنْ لَمْ تُمْطِرِ السَّمَاءُ غَداً طَلُقَتْ نَاجِزاً عَلَى الْمَشْهُورِ لأَنَّ هَذَا مِنَ الْغَيْبِ بِخِلافِ مَا تَقَدَّمَ إِذْ يَدَّعِي مَعْرِفَتَهُ والْقُدْرَةَ عَلَيْهِ ..

هذا مقابل قوله أولاً: (يُمْكِنْ دَعْوَى تَحْقِيقِهِ) أي وإن لم يمكن دعوى تحقيقه، مثل: إن لم تمطر السماء غداً، أو إلى شهر، أو إن لم تمطر في الشهر الفلاني طلقت ناجزاً على المشهور.

اللخمي: وقيل لا يحنث حتى ينظر ما يكون غداً، ولابن القاسم في الواضحة قول ثالث في كل من حلف بطلاق على شيءلا يدري أحق هو أم باطل؛ مثل أن يقول: إن لم تكن مطرت الليلة بالإسكندرية وهو بالفسطاط، أو: إن لم تمطر غداً؛ فإنه إن رفع إلى السلطان طلق عليه ولا يؤخره، وإن لم يرفع حتى وجد ذلك الشيء حقاً لم يكن عليه في يمينه شيئ.

وقال أصبغ: إن قال: إن مطرت السماء غداً؛ فلا شيء عليه الآن حتى تمطر، قال: وهو بمنزلة من قال: إن قدم فلان غداً فأنت طالق.

اللخمي: يريد لأنه عنده على بر وعلى أصله إن قال: إن لم تمطر غداً؛ تطلق عليه لأنه على حنث، وهذا موافق للمشهور وليس هو رابع لأن المشهور يوافق في البر على عدم التنجيز كذلك بين في الواضحة في إذا مطرت أو إن ولدت جارية، وكذلك ساق عياض ما في الواضحة تقييداً ثم إن هذا الخلاف إنما هو إذا قيده بأجل قريب كما ذكرنا، وأما إن قال: إن لم تمطر ولم يقيد فلا شيء عليه.

اللخمي: [364/ أ] وسواء عمم أو سمى بلداً لأنه لابد أن تمطر في زمن ما، وكذلك إذا ضرب أجل عشر سنين أو خمس سنين، وقيد بعض الشيوخ وقوع الطلاق على من قال به بما إذا لم يكن يحلف لعادة وأما إن حلف على ذلك لعادة له وعلامات عرفها واعتاد بها ليس من جهة الحرز وتأثير النجوم عند من زعمها لم يقع الحنث حتى يكون ما حلف عليه ويحتج عليه بقوله عليه السلام:"إذا أنشأت بحرية ثم تشاءمتفتلك عين غديقة".

ص: 415

وقوله: (لأَنَّ هَذَا مِنَ الْغَيْبِ

إلى آخره) جواب عن سؤال تقديره: ما الفرق بين هذا على المشهور من أنه ينجز الطلاق وبين ما تقدم في أنه لا يتنجز الطلاق؟ وتقرير الجواب أن هذا حالف على الغيب فأمره دائر بين الشك والهزل، وكل منهما موجب للحنث على المذهب بخلاف ما تقدم، لأنه يمكن معرفته بمقتضى العادة وهو قادر على فعله.

فَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الاطِّلاعُ عَلَيْهِ، مِثْلَ: أَنْتِ طَالِقُ إِنْ شَاءَ اللهُ- طُلِّقَتْ، وكَذَلِكَ الْمَلائِكَةُ والْجِنُّ عَلَى الأَصَحِّ بِخِلافِ إِنْ شَاءَ زَيْدُ ..

وهذا أيضاً مقابل قوله: (لَمْ يُمْكِنِ الاطِّلاعُ عَلَيْهِ) يعني وإن لم يمكن الإطلاع مثل: أنت طالق إن شاء الله، طلقت ناجزاً لما تقدم في باب الأيمان أن الاستثناء بالمشئة لا يفيد في غير اليمين بالله لا طلاق ولا عتاق. قوله:(وكَذَلِكَ الْمَلائِكَةُ والْجِنُّ) ولعل الخلاف بين الأصح ومقابله مبني على الخلاف في الشك.

وقوله: (بِخِلافِ إِنْ شَاءَ زَيْدُ) أي فلا تطلق عليه حتى يشاء زيد ذلك. وانظر هل ذلك من باب التمليك فيزول من يد من جعل بيده بانقضاء المجلس أم لا؟

فَإِنْ قَالَ: إِلا أَنْ يَشَاءَ زَيْدُ فَمِثْلُ إِنْ شَاءَ عَلَى الْمَشْهُور

يعني: إذا قال: أنت طالق إلا أن يشاء زيد فهو بمنزلة ما إذا قال: أنت طالق إن شاء زيد على المشهور، فلا تطلق عليه حتى يشاء زيد لأن الطلاق موقوف على مشيئته، ورأى في الشاذ لزوم الطلاق، والفرق أن الكلام في صورة الثانية اقتضى وقوع الطلاق إلا أن يشاء زيد رفعه بعد وقوعه، والطلاق بعد وقوعه لا يرتفع بخلاف الصورة الأولى، فإن وقع الطلاق فيها مشروط بالمشيئة، ومن هذه المسالة ما وقع لأصبغ في من قال: أنت طالق إلا أن يمنعني أبي، فيمنعه فلا شيء عليه. واستشكله بعضهم لأن الطلاق بعد وقوعه لا يرتفع بإرادة أبيه، إلا أن يريد التعليق.

ص: 416

بِخِلافِ إِلا أَنْ يَبْدُوَ لِي عَلَى الأَشْهَرِ

يعني: فإنه إذا قال: أنت طالق إلا أن يبدو لي، يقع عليه الطلاق على الأشهر. ورأي مقابل الأشهر عدم اللزوم كالمشهور في إلا أن يشاء زيد، والفرق للأشهر قوة التهمة في: إلا أن يبدو لي، بخلاف إلا أن يشاء زيد، فإنه لا يتهم على ذلك.

وقول ابن عبد السلام: في الفرق؛ لأن (إِلا أَنْ يَشَاءَ زَيْدُ) يمكن رده إلى الشرط (بِخِلافِ إِلا أَنْ يَبْدُوَ لِي) ليس بظاهر، لأنه كما يرد إلا أن يشاء زيد كذلك يمكن رد إلا أن يبدو لي إلى إن بدا لي.

ابن راشد: ولم أقف على القول بعدم اللزوم في: إلا أن يبدو لي، وهو بعيد في النظر. انتهى.

وصرح في البيان بنفي الخلاف في هذا، وكذلك صرح بنفيه في أنه ينفعه إذا قال: امرأتي طالق إن فعلت كذا وكذا إلا أن يبدو لي أو غير ذلك.

كَالنّذرِ والْعِتْقِ فِيهِمَا

أي في: (إِلا أَنْ يَشَاءَ زَيْدُ) و (إِلا أَنْ يَبْدُوَ لِي) فإذا قال على هذي: إلا أن يشاء زيد توقف اللزوم على مشيئته على المشهور وإذا قال: على هذا أو عتق عبدي فلان إلا أن يبدو لي لزمه على الأشهر.

ويحتمل أن يريد بقوله: (فِيهِمَا) مشيئة الله تعالى ومن لا تعلم مشيئته كالملائكة.

وَفُرِّقَ بَيْنَ الطَّلاقِ والْيَمِينِ بِاللهِ تَعالى بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ لِلَفْظِ الطَّلاقِ بِمُجَرَّدِهِ حُكْماً قَدْ شَاءَهُ اللهُ فَلا يُقْبَلُ التَّعْلِيقُ عَلَيْهَا لِتَحَقُّقِهَا فَلا يَرْتَفِعُ، بِخِلافِ لَفْظِ الْيَمِينِ، والثاني: أنه متحقق فكان كاليمين على الماضي ..

لما ذكر أن الاستثناء بالمشيئة لا يفيد في الطلاق وقد تقدم له أن ذلك يفيد في اليمين بالله تعالى، وكان للأصحاب في الفرق بين ذلك طريقان أراد أن يذكرهما:

ص: 417

الطريق الأول: أن لفظ الطلاق جعله الله سبباً لحل العصمة فحيث ما وجد ذلك السبب ترتب عليه مسببه فلا يقبل التعليق لأن المتعلق على الشيء ينعدم عند عدم الشيء، وذلك الشيء هنا لا يقبل العدم لأنه حكم شرعي وجد سببه، بخلاف لفظ اليمين فإنه لا يوجب فعل ما حلف عليه بل خيره في وفي تركه، والإتيان بالكفارة تارة ومنعه تارة.

والطريق الثاني: للبغداديين أن الطلاق لما كان موجباً لحل العصمة لزم أن يقع الطلاق إذا تلفظ بلفظه، وإذا وقع فلا يصح فيه الاستثناء لأنه بمنزلة من حلف بالله تعالى على ما مضى. وهذا إذا تأملته هو في الحقيقة راجع إلى الأول، ويرد عليه أنه لو كان كما قالوه من تحقيق وقوع الطلاق بالتلفظ بالصيغة لزما لطلاق فيما إذا قال: أنت طالق إن شاء زيد، وهذا خلاف الاتفاق، وإذا قبل الطلاق والتعليق بمشيئة زيد ونحوها وجب أن يقبله في مشيئة الله تعالى.

وأيضاً فإن قوله: (أَنَّ لِلَفْظِ الطَّلاقِ بِمُجَرَّدِهِ .. إلى آخره) إن أراد بقوله: (قَدْ شَاءَهُ اللهُ) أي حكم به فصحيح، ولكن لما قلتم إنه لا يقبل التعليق؟ فإن هذا لم ينص الشرع [364/ ب] عليه وإلا أومئ إليه، وإن أراد أن كل ما حكم الله قد شاءه فليس بصحيح وهو خلاف مذهب أهل السنة لأن الأمر عندهم لا يستلزم الإرادة، لا يقال إنما قلنا يقبل التعليق في مشيئة زيد ونحوها لإمكان الإطلاع على مشيئته، بخلاف مشيئة الله تعالى فإنا لا نطلع عليها، فلذلك أوقعنا الطلاق، لأنا نقول: لو عكس هذا لكان أولى لأن مشيئة الله تعالى واجبة النفوذ فلذلك كل معدوم وجد نعلم أن الله تعالى أراده، وكل ما لم يوجد نعلم أن الله تعالى لم يرده.

وأن مشيئة غيره فلا تعلم لأن غايته أن يخبرنا وخبره إنما يفيد الظن، وفرق ابن المنير على ما نقله ابن راشد عنه بين الطلاق وغيره بأن الأصل في اليمين بالله تعالى والطلاق اللزوم، وإن كان واحد منهما لا ينحل بالاستثناء بالمشيئة خالفنا الأصل في اليمين بالله للحديث الوارد فيه، فيبقى الطلاق على أصل اللزوم.

ص: 418

المازري: وتحقيق قوله إن شاء الله؛ إن أراد بذلك إن شاء الله إيقاع هذا اللفظ مني لزمه الطلاق عند أهل السنة، وإن أراد إن شاء الله لزوم الطلاق للحالف به فيلزم قولاً واحداً، وإن أراد إن شاء الله طلاقك في المستقبل فأنت طالق الآن، فيجري على الخلاف في تعليق الطلاق في المشكوك في وقوعه.

وإليه أشار مالك رضي الله عنه بقوله: علق الطلاق بمشيئة من لا يعلم مشيئته.

وإن قصد بقوله: إن شاء الله إلزام الطلاق مع الاستثناء فهو من أشكل الوجوه والحق فيه أن يرجع إلى خلاف الأصوليين، هل لله تعالى في الفروع حكم مطلوب ونحن غير عالمين به فيرجع إلى القول الثالث، وهو تعليق اليمين بالمغيبات أو ليس له حكم؟ بل كل مجتهد مصيب؛ فيكون الحق في المسألة معلقاً باجتهاد المفتي.

فَإِنْ صَرَفَ مَشِيئَةَ اللهِ تَعَالَى إِلَى مُعَلَّقٍ عَلَيْهِ مِثْلَ: أَنْتِ طَالِقُ لأَدْخُلَنَّ الدَّارَ، أو إن دخلت الدار إِنْ شَاءَ اللهُ لَمْ يُفِدْ عَلَى الأَصَحِّ، وقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وأَصْبَغُ: يُفِيدُ ..

لما ذكر أن الاستثناء بالمشيئة لا يفيد إذا ادعاه على الطلاق تكلم على ما ادعاه على الفعل الذي علق عليه الطلاق، وذكر أن الأصح لا يفيده، وهو قول ابن القاسم.

ابن عبد السلام: وهو المشهور ويلزمه الطلاق إن لم يدخل إذا كانت يمينه على حنث بانعدام الدار مثلاً، أو إن دخلها إن كانت يمينه على بر.

واختار جماعة قول ابن الماجشون حتى زعم ابن رشد أنه هو الجاري على مذهب أهل السنة، وأن المشهور إنما يجري على مذهب القدرية، لأن معنى قوله: أنت طالق لأدخلن الدار إن شاء الله، إذا صرف المشيئة إلى الدخول هو إن امتنعت من الدخول بمشيئة الله فلا شيء عليه.

ص: 419

وكذلك قوله: امرأتي طالق إن دخلت الدار إن شاء اللهن هو إن شاء الله دخولي الدار، فلا شيء عليه، وقد علم من مذهب أهل السنة أن كل واقع في الوجود هو بمشيئة الله تعالى، فامتناع إذا من الدخول أو عدمه هو بمشيئة الله فلا يلزمه طلاق لأن ذلك هو الذي التزمه.

أما من قال بلزوم الطلاق فمقتضى قوله: أن بالفعل المعلق عليه الطلاق قد فعله والله تعالى لا يشاء أن يفعله. قال في المقدمات: وذلك مستحيل إلا على مذهب القدرية، فعلى قول ابن القاسم في قوله أن الاستثناء لا ينفعه وأن صرفه إلى الفعل درك عظيم.

وأشار صاحب الذخيرة إلى أنه لا ينبغي أن يختلف في صحة كلام ابن الماجشون، وذلك بعد أن قرر قاعدة وهي: أن الأسباب منها ما لم يكله الله إلى خلقه كالزوال. ومنها ما وكله إلى خلقه فإن شاءوا جعلوه سبباً وإلا فلا، وهو التعليقات كلها فدخول الدار ليس سبباً لطلاق امرأة، ولا لعتق عبد في أصل الشرع إلا أن يريد المكلف ذلك فيجعله سبباً للتعليق.

وكل ما وكل للمكلف سببيته لا يكون سبباً إلا بجزمه، وإذا تقرر هذا فإذا عاد الاستثناء إلى الفعل المعلق عليه كان معناه أن ذلك الفعل المعلق عليه لم أجزم بجعله سبباً للطلاق، بل فوضت سببيته إلى مشيئة الله تعالى، إن شاء جعله سبباً وإلا فلا وعلى هذا التقدير لا يكون الفعل سبباً ولا يلزمه شيء إجماعاً ولا يمكن أن يخالف ابن القاسم في هذا، ولكن ساق صاحب المقدمات قول ابن الماجشون على أنه خلاف.

وقرر ابن عبد السلام مذهب ابن القاسم بأن قال: يمكن أن يقال إن دخول الدار وعدمه المعلق عليهما لما كان لا يخرجان على المشيئة ولا واحد منهما فذكر المشيئة لا يعيد لأنه لم يقصد التبرك كما في اليمين ولا في حل اليمين لأن الطلاق لا ينحل بها كما مر، ولا إخراج بعض المعلق عليه لأن جمعيه داخل تحت المشيئة كما هو مذهب أهل السنة، فلم

ص: 420

يبق إذاً في ذكرها هنا فائدة فيكون الحكم مع ذكرها كالحكم مع عدم ذكرها، فوجب ترتب الطلاق على عدم الدخول في قوله: لأدخلن، وعلى الدخول في قوله: لا دخلت.

خليل: وفي كلام القرافي ما هو جواب عن هذا وهو أن يقال إنما معنى ذكر المشيئة هنا أن الفعل المعلق عليه لم أجزم بكونه سبباً بل فوضت سببيته إلى الله تعالى.

أَمَّا لَوْ قَالَ فِي مُعَلَّقٍ عَلَيهِ إِلا أَنْ يَبْدُوَ لِي [365/ أ] فَذَلِكَ لَهُ.

كما لو قال: أنت طالق إن دخلت الدار، أو إن لم أدخل الدار إلا أن يبدو لي، لن معناه حينئذ إن لم أصمم على جعل الدخول أو عدمه سبباً، بل الأمر موقوف على إرادتي في المستقبل فلهذا نفعه، لأن كل سبب وكل إلى إرادته لا يكون سبباً إلا بتضمينه على جعله سبباً.

وَإِنْ عَلَّقَهُ عَلَى حَالٍ وَاضِحَةٍ بَعْدَ الْمُعَلَّقِ فِيهَا هَازِلاً، مِثْلَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الإِنْسَانُ إِنْسَاناً وهَذَا الْحَجَرُ حَجَراً حَنِثَ لِهَزْلِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقُ أَمْسِ

هكذا وقع في بعض التي رأيتها، وعلل المصنف الحنث بهزله وهو ظاهر، ولا يمكن أن يكون وقوع الطلاق هنا لتحقق المحلوف عليه فإن المعلق عليه هنا الطلاق هو نفي الإنسانية ونفي إنسانية الإنسان عنه لا يمكن، فلو كان الوقوع للتحقق لم يقع طلاق وقول ابن عبد السلام: يمكن أن يكون وقوع الطلاق هنا لتحقق المحلوف عليه ليس بظاهر ولعل الواقع في نسخته: (إن كان هذا الإنسان إنساناً) بإسقاط حرف النفي، ولهذا قال: وإذا اقترن بالكلام ما يدل على أن المراد وهو تمام الأوصاف الإنسية كالكرم والشجاعة وغير ذلك، وكون الحجر صلباً بحيث لا يتأتى للحديد، فعلق المتكلم على وجود هذه الأوصاف أو عدمها فلا يحصل الطلاق إلا بحصول الشرط.

ص: 421

وقوله: (كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقُ أَمْسِ) أي فيلزم، وهذا أيضاً متردد بين الهزل والإخبار، لأن ما يقع الآن يستحيل أمس، فيكون هذا الاعتبار هازلاً، ويحتمل أن يريد به الإخبار أي أخبر أنه طلق أمس فيلزم أيضاً الطلاق.

فَإِنْ كَانَتْ لا تَعْلَمُ حَالاً ومآلاً طُلِّقَتْ

أي: فإن كانت الصفة المعلق عليها الطلاق (لا تَعْلَمُ حَالاً ومآلاً طُلِّقَتْ) كما لو قال: إن لم يكن خلف جبل قاف كيت وكيت. أو إن لم يكن في وسط البحر المالح كيت وكيت. فأنت طالق.

وكما لو حلف أن فلاناً من أهل الجنة أو النار فأنت طالق، أعني في غير الذين ثبت لهم ذلك.

ابن عبد السلام: ولا يبعد تخريج الخلاف في قوله: أنت طالق إن شاءت الملائكة أو الجن.

وَإِنْ أَمْكَنَ حَالاً وادَّعاه دُيِّنْ

كما لو قال ليلة تسع وعشرين والسماء مغيمة: علي الطلاق إن لم أكن رأيت الهلال وقوله: (دُيِّنْ) أي وكل إلى دائنه وحلف إن رفع إلى حاكم.

وتفسير ابن عبد السلام: قوله: (دُيِّنْ) فيحلف ليس بظاهر لأن النظر في الأيمان تختص بالأحكام.

وكَذِلِكَ لَوْ حَلَفَ اثْنَانِ عَلَى النَّقِيضِ فِيهِمَا، مِثْلَ: إِنْ كَانَ هَذَا غُرَاباً وإِنْ لَمْ يَكُنْ فَإِنْ لَمْ يدَّعِ يقيناً طُلِّقَت عَلَى الأَصَحِّ ..

يعني: لو حلف شخصان (عَلَى النَّقِيضِ) أي حلف كل منهما على نقيض ما حلف عليه صاحبه (فِيهِمَا) أي فيما لا يعلم حالاً ومآلاً، أو ما يعلم حالاً، ومثل المصنف بمثال واحد إما لأنه رآه صالحاً للصورتين فإنه إذا حلف أحدهما بالطلاق أنه غراب، والآخر

ص: 422

ليس بغراب، فإن كان الطائر لا يعرف لبعده حنثا، وإن كان قريباً بحيث يمكن كل منهما أن يدعي يقين ما حلف عليه الآخر صدقا، وهكذا قال ابن راشد، وإما لأنه مثل ما يمكن حالاً، وسكت عن تمثيل الذي لا يمكن حالاً ومآلاً، فيكون مثاله كما لو حلف شخص بالطلاق أن فلاناً من أهل الجنة وحلف غيره أنه من أهل النار.

وقوله: (فَإِنْ لَمْ يدَّعِ يقيناً).

ابن راشد: أي وإن لم يدع كل واحد منهما أنه حلف على يقينه وإنما حلف على ما يظن أو يشك، حنث على الأصح، والقول بعدم اللزوم مشكل.

ابن راشد: ولا يبعد ما نقله المصنف عن أصول المذهب، وعكس بعضهم النقل فأتى بما ظاهره العكس، أعني أنه جعل القولين فيما إذا جزم كل واحد من الحالفين بصحة ما حلف عليه، وإن لم يجزما لزمهما الطلاق، وأجمل بعضهم النقل وأتى بما يدل على أن المسألة مختلف فيها من حيث الجملة، وكأن المصنف اختصر المدونة ونصها: ومن قال لرجل: امرأتي طالق، لقد قلت كذا، وقال الآخر: امرأته طالق إن كنت قلته؛ فليدينا ويتركا إن ادعيا يقيناً. واختلف قول مالك خارج المدونة هل يحلفان أم لا؟

وبني ذلك على الخلاف في توجيه يمين التهمة، قيل: ومحل الخلاف إذا رفع الأمر إلى الحاكم، وأما لو جاءا مستفتيين فلا وجه لليمين، ونظير هذه المسألة في العتق من المدونة في العبد بين الشريكين فقال أحدهما: هو حر إن كان دخل المسجد، وقال الآخر: هو حر إن كان لم يدخل، فليدينا ويتركا إن ادعيا يقيناً فإن شكا عتق عليهما بغير قضاء.

وقال غيره بالقضاء فإن قيل: كيف جرى الخلاف هنا في الشك، وقد تقدم في باب الصيد والذبائح أنه متى شك هل مات من الزكاة أو غيرها لم يؤكل بالاتفاق، وإنما الخلاف في الظن قيل: لأن الأصل هنا استمرار النكاح بخلاف ما ذكرت.

ص: 423

أما لو كان لرجل امرأتان فرأى طائراً فقال: إن كان هذا غراباً فزينب طالق وإن لم يكن غراباً فعزة طالق؛ والتبس عليه الأمر وتعذر التحقيق طلقتا عليه، وكان ذلك كاختلاط الميتة مع الذكية قاله بعضهم.

وَفِيهَا: إِنْ قَالَ: فَعَلْتُ، ثُمَّ قَالَ: كُنْتُ كَاذِباً صُدِّقَ بِيَمِينِ

[365/ ب] مثاله لو قال لزوجته: تزوجت أو اشترين جارية ثم حلف لامرأته إن كنت فعلت ذلك فأنت طالق، ثم قال: كنت كاذباً في قولي أولاً، لم يلزمه الطلاق لأن كلامه أولاً لا مدخل له في الطلاق. قوله:(صُدِّقَ بِيَمِينِ) أي يحلف أنه كان كاذباً وإنما حلف لأن كلامه أولاً يوجب التهمة.

بِخِلافِ مَا لَوْ قَالَ بَعْدَ الْيَمِينِ: فَعَلْتُهُ فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ

كما لو حلف بالطلاق لا يدخل الدار ثم قال: دخلتها؛ لزمه الطلاق وقضى عليه به؛ لأنه أقر بانعقاد اليمين، وأقر بعد ذلك بالحنث، قالوا: ولو شهد عليه شهود بأنه فعل كذا فحلف بالطلاق لقد كذبوا في ذلك، لم يلزمه الطلاق لأنه حلف على رد قولهم، وفيه نظر، قالوا: ولو شهد عليه غيرهما، أنه فعل ذلك الفعل فإنه يحنث، وقالوا لو شهدت بينة أنه وجد منه ريح الخمر فحلف بالطلاق ما شربها لم يحنث.

وَلا يَسَعُ زَوْجَتَهُ- إِنْ عَلِمَتْ إِقْرَارَهُ- الْمُقَامُ إِلا كُرْهاً إِنْ بَانَتْ كَمَنْ عَلِمَتْ أَنَّهَا طُلِّقَتْ ثَلاثاً ولا بَيِّنَةَ لَهَا إِذْ لا يَنْفَعُهَا مُرَافَعَتُهُ ..

المسألة متصلة بالتي قبلها في المدونة كما هنا، ففيها: فإن كان علم أنه كاذب في إقراره عندهم بعد يمينه حل له المقام فيما بينه وما بين الله تعالى ولم يسع امرأته المقام معه إن سمعت إقراره هذا إن لم تجد بينة ولا سلطاناً فهي كمن طلقت ثلاثاً ولا بينة لها فلا تتزين

ص: 424

له ولا يرى لها شعراً ولا وجهاً إن قدرت، ولا يأتيها إلا كارهة ولا تنفعها مرافعته ولا يمين عليه إلا بشاهد.

وقوله: (إِلا كُرْهاً) معناه مكرهة وهو أحسن من قوله في المدونة: كارهة؛ إذ لا ينفعها كراهة إتيانه فيما بينها وبين الله تعالى، وإنما ينفعها أن تكون مكرهة ولتبعد منه بما قدرت عليه، وإن قدرت على ضربه إذا أرادها فلتفعل، وهو كالعادي والمحارب.

وقال سحنون: لا تقتله ولا تقتل نفسها، واختاره بعض الشيوخ، واعترض قياس ابن المواز بأن شرط القياس أن يثبت في الفرع مثل حكم الأصل، والمثلية هنا غير حاصلة، لأن الحكم في الحرابة التخيير بين ممانعة المحارب أو تسليم المال له، والحكم هنا متحتم الممانعة، ولأن قتله إما أن يكون قبل الوطء وهو لا يجوز لعدم حصول موجب الحد أو بعده وذلك لا يجوز لها أيضاً، لأن الواجب عليه الحد وذلك للأئمة، وأجيب عن الأول بأن مراد محمد الاستدلال الذي هو محاولة الدليل عن القواعد الشرعية لا حقيقة القياس، وذلك لأن حرمة الفروج أقوى من حرمة المال، وإذا جازت المدافعة في الأضعف ففي الأقوى أولى.

وعن الثاني باختيار أن لها القتل قبل الوطء إذا لم يمكنها دفعه إلا بذلك، كما لو أراد قطع عضو منها.

ابن عبد السلام: وأجاب بعضهم عن كلام ابن المواز أيضاً بأنه مبني على أحد القولين في تقييد المنكر بالقتل، وفيه نظر. والله أعلم.

فَإِنْ أَمْكَنَ مَآلاً مِثْلَ: إِنْ كُنْتِ حَامِلاً. أو: إِنْ لَمْ تَكُونِي حَامِلاً فَأَنْتِ طَالِقُ، فَقَالَ مَالِكُ: هِيَ طَالِقُ، لأَنَّهُ لا يَدْرِي أَحَامِلُ هِيَ أَم لا؟ وقِيلَ: إِنْ أَنْزَلَ وُقِفَتْ فِيهِمَا، وإِلا خُلِّيَ فِي الأُولَى، وطُلِّقَتْ فِي الثَّانِيَةِ ..

يعني: وإن طلق الطلاق على صفة يمكن الإطلاع عليها في المآل وذكر اللخمي في هذه المسألة أربعة أقوال فقال: إن قال لها: إن كنت حاملاً فأنت طالق وإن لم تكوني حاملاً

ص: 425

فأنت طالق، فإن كانت في طهر لم يمس فيه أو مس ولم ينزل كان محملها على البراءة، فإن قال: إن كنت حاملاً لم تطلق. وإن قال: إن لم تكوني حاملاً طلقت.

وكذلك إن كان يعزل لأن الحمل نادر. واختلف إذا أنزل ولم يعزل على أربعة أقولا، قال مالك في المدونة: هي طالق مكانها لأنه في شك من حملها، وسواء قال: إن كنت حاملاً، أو: إن لم تكوني حاملاً.

وفي الواضحة: لا يقع عليها طلاق إلا أن يوقعه الحاكم. وقال أشهب: لا شيء عليه الآن ويؤخر أمرهما حتى تنظر هل هي حامل أم لا، وفرق أصبغ بين أن يكون على بر أو حنث، وقال إن كنت حاملاً لم يقع الطلاق لأنه على بر حتى يعلم أنها حامل، وإن قال: إن لم تكوني حاملاً عجل الطلاق لأنه على حنث.

واختار اللخمي قول أشهب، والقول الثاني من كلام المصنف هو قول أصبغ إلا أنه زاد: إن أنزل وقفت فيهما، أي في الصورتين، لكن في كلام المصنف مخالفة للخمي؛ لأن المصنف إنما ذكر القول الثاني إذا لم ينزل، واللخمي ذكره إذا أنزل. والله أعلم.

وَإِذَا وَقَفَتْ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا فَثَالِثُهُا: تَرِثُهُ لا يَرِثُهُا

يعني: إذا فرعنا على مذهب المدونة من التخيير فلا ميراث، وإن فرعنا على القول بالوقوف أو على افتقاره إلى حكم حاكم، فمات أحدهما، فقيل يتوارثان.

ابن عبد السلام: وهو الأصح استصحاباً لحال الزوجية؛ لأن الطلاق لم يقع إلى الآن بل وقوعه متعذراً لأجل الموت.

والقول الثاني: أنهما يتوارثان لحصول الشك في العصمة.

والثالث لسحنون: ترثه ولا يرثها لأنه مرسل العصمة من يده بسبب يمينه. وفيه نظر؛ لأن الشك إن نهض مانعاً منع الجانبين وإلا لم يمنع منهما. وقيد اللخمي قول

ص: 426

سحنون بما إذا تبين له أنه كان باراً، قال: وهذا الخلاف إنما هو إذا كانت [366/ أ] يمينه بالثلاث، ولو كانت اليمين بطلقة توارثا بالاتفاق لأنه وإن كان حانثا فهو طلاق رجعي.

وَمِثْلُهُ: إِنْ كَانَ أَوْ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَطْنِكِ غُلامُ- فِي التَّنْجيز والْوُقُوفِ

أي: فيأتي الخلاف المتقدم، قوله:(والْوُقُوفِ) يعني: وعلى الوقوف تأتي الأقوال في الميراث كما تقدم وسكت عن ذلك للعلم به.

وقول ابن عبد السلام: إنما أراد التشبيه في التنجيز والوقوف ولو أراد الإرث لقال: والإرث ليس بظاهر، وهكذا كان شيخنا رحمه الله يقول.

فرع:

إذا قال: إن ولدت ولداً فأنت طالق اثنتين فولدت ولدين، طلقت بالأول وانقضت عدتها بالثاني، ولو قال: كلما ولدت ولداً فكذلك.

ابن سحنون عن أبيه: وإن قال: إن كان حملك جارية فأنت طالق واحدة، وإن كان غلاماً فأنت طالق اثنتين، فولدت غلاماً وجارية، فإن ولدت الغلام أولاً طلقت اثنتين وتنقضي العدة بوضع الجارية ولا يلزمه بوضعها، وإن ولدت أولاً الجارية لا يلزمه إلا طلقة.

وفِي مِثْلِ: إِنْ كُنْتِ تُجِيِّبنِي أَوْ: إِنْ كُنْتِ تُبْغِضِينِي؛ يُؤْمَرُ بِفِرَاقِهَا، وثَالِثُهَا: إِنْ أَجَابَتْهُ بِمَا يَقْتَضِي الْحِنْثَ حَنِثَ، ورَابعُهَا إِنْ أَجَابَتْهُ وصَدَّقَهَا

اعلم أنه لا خلاف في أمره بالفراق صرح بذلك ابن بشير وابن شاس، وهو الذي يؤخذ من كلام المصنف، وإنما اختلف هل الأمر مع الجبر أم لا على أربعة أقوال وتصورها من كلامه ظاهر.

واختلف هل مذهب المدونة عدم الجبر مطلقاً أو التفصيل بين أن تجيبه بما يقتضي الحنث فيجبر، وبين ما لا يقتضيه فلا يجبر؟ وما ذكره المصنف من تعميم الخلاف هي

ص: 427

طريقة بعضهم، وجعل بعضهم الثالث تفسيراً للأولين، ورأى بعضهم أنه لا يختلف في الجبر إذا أجابته بما يقتضي الحنث، وإنما اختلف إذا أجابته بخلافه.

قال عبد الحميد: إن قصد لفظها فلا طلاق عليه إن جاوبته بما لا يقتضيه، وإن قصد ما في قلبها فهو من باب وقوع الطلاق بالشك فيأتي الخلاف.

خليل: وينبغي إن ظاهر من قرائن أحوالها بغضه أو محبته أن يعمل عليه، وإن لم يظهر شيء فيكون محل الخلاف.

وَإِذَا شَكَّ أَطَلَّقَ أَمْ لا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَنِدَ إِلَى أَصْلٍ لَمْ يُؤْمَرْ

فهم من قوله: (لَمْ يُؤْمَرْ) عدم الجبر من باب الأولى، وحكى صاحب البيان وعياض الاتفاق على عدم الجبر هنا، وحكى التونسي في حنثه قولين، وخرج اللخمي الحنث على القول بوجوب الوضوء في حق من تيقن الطهارة وشك في الحدث، قال: وعلى القول بأن الوضوء مستحب يؤمر هنا بالفراق استحباباً، وفرق غيره بين الشك في الطلاق والحدث بفرقين:

أولهما: عظم المشقة الناشئة عن الطلاق لو أمر به، ويسارتها في الوضوء.

ثانيهما: أن المشكوك فيه يجب طرحهن فالشك في الوضوء شك في المشروط، وذلك يمنع من الدخول في الصلاة. والشك في الطلاق شك في حصول المانع من استصحاب العصمة فيطرح المانع.

فَإِنْ اسْتَنَدَ كَمَنْ حَلَفَ ثُمَّ شَكَّ فِي الْحِنْثِ وهُوَ سَالِمُ الْخَاطِرِ حَنِثَ عَلَى الْمَشْهُورِ

يعني: أن الشك إذا استند إلى سبب أقوى منه لأنه إذا لم يستند جرى مجرى الوسوسة، ومثل المستند بمن حلف ثم شك.

ص: 428

ابن عبد السلام: وفي مثاله نظر، وليس مراد العلماء بالسبب هذا المعنى، لأنه لا يلزم من وجود اليمين حصول الشك لأن من حلف بالطلاق لا يدخل زيد داره ثم شك هل دخل زيد داره أم لا؟

فهذا من الشك الذي لا يؤمر فيه بطلاق، وإن رأى إنساناً دخل تلك الدار وشبهه بزيد ثم غاب ذلك الإنسان بحيث يتعذر تحققه، هل هو المحلوف على الدخول أم لا؟ ففيه الخلاف، والمشهور عند أبي عمران وجماعة من الشيوخ كما ذكر المصنف، والمشهور عند الشيخ أبي محمد الأمر من غير جبر.

اللخمي: وهو المعروف وهو الذي في الخلاف، ونقله في الواضحة عن مطرف وابن الماجشون وابن القاسم.

واحترز بقوله: (وهُوَ سَالِمُ الْخَاطِرِ) مما لو كان ذا وسوسة فإنه لا شيء عليه، قاله في المدونة. قال في البيان في باب طلاق السنة: الشك في الطلاق على خمسة أوجه: وجه لا يجبر فيه على الطلاق ولا يؤمر به اتفاقاً، ووجه لا يجبر عليه، ويؤمر به اتفاقاً، ووجه لا يجبر فيه، واختلف هل يؤمر به أم لا؟ ووجه اختلف فيه، هل يجبر أم لا؟ ووجه يجبر عليه باتفاق.

فأما الذي لا يجبر فيه على الطلاق ولا يؤمر به فهو أن يحلف على رجل لا تفعل كذا ثم شك هل فعل أم لا؟ لغير سبب قام عنده.

وأما الوجه الذي لا يجبر فيه على الطلاق ويؤمر به باتفاق فهو أن يحلف ألا يفعل فعلاً ثم شك هل فعل أم لا؟ لسبب قام عنده.

وأما الوجه الذي لا يجبر على الطلاق واختلف هل يؤمر به أم لا؟ فهو أن يشك هل طلق أم لا؟ وهل حلف وحنث أو لم يحلف؟ فقال ابن القاسم: لا يؤمر بالطلاق. وقال أصبغ: يؤمر به.

ص: 429

وأما الوجه الذي اختلف فيه هل يجبر على الطلاق أم لا؟ فهو أن يشك في عدد الطلاق، ومن هذا إذا قال لزوجته: أنت طالق إن كانت فلانه حائضاً، فقالت فلانة: ما أنا حائض، أو حلف لصدقته، فقالت له: صدقتك، أو قال لها: إن كنت تبغضيني فقالت: لا أبغضك.

وأما الوجه الذي يجبر فيه على [366/ ب] الطلاق باتفاق، فهو أن يقول: إن كان أمس كذا فأنت طالق لفعل يمكن أن يكون ويمكن ألا يكون وقد عمي خبره، وكذلك إذا طلق إحدى نسائه ولم يعينها، أو قال: عينتها ونسيتها انتهى. فالوجه الثاني من كلامه الذي حكى فيه الاتفاق على أنه يؤمر ولا يجبر هو الذي ذكر المصنف أن المشهور فيه الحنث وعلى هذا فيتحصل في المذهب في هذا الوجه ثلاثة طرق:

طريقة أبي عمران وهي طريقة المصنف أن المشهور الحنث، وطريقة الشيخ أبي محمد واللخمي أن المشهور عدم الحنث، وطريق صاحب البيان.

وَفِيهَا: وكُلُّ يَمِينٍ بِالطَّلاقِ لا يَعْلَمُ صَاحِبُهَا أَنَّهُ فِيهَا بَارُّ فَهُوَ حَانِثُ يَعْنِي يَشُكُّ

هذا استشهاد منه رحمه الله تعالى على أن مذهب المدونة موافق لما شهر، وبهذا اللفظ تمسك أبو عمران.

وقوله: (يَعْنِي يَشُكُّ) هذا تفسير منه للمدونة، ولعل المصنف اعتمد في هذا التفسير على ما قاله ابن المواز: كل من حلف ثم شك في بره وحنثه فهو حانث ما لم تكن يمينه بالله تعالى.

وأخرج المصنف بقوله: (يَشُكُّ) الظن والاعتقاد.

خليل: وانظر هل لا يؤمر بشيء إذا ظن البر كما يفهم من تفسير المصنف، أو يكون أخف؟ فعلى القول بالجبر مع الشك يؤمر هنا بغير جبر، وعلى القول بالأمر مع الشك لا يؤمر هنا.

ص: 430

وَلو قَالَ: إِنْ كَتَمْتِنِي أَوْ كَذَبْتِنِي فَتُخْبِرُهُ ولا يَدْرِي أَكَتَمَتْهُ أَمْ كَذَبَتْهُ أَمْ لا؟ أمر بِغَيْرِ قَضَاءٍ، وفِيهَا: ولَوْ حَلَفَ بِطَلاقٍ فَلَمْ يَدْرِ أَحَنِثَ أَمْ لا أُمِرَ بِغَيْرِ قَضَاءٍ

ذكر أيضاً هاتين المسألتين حجة للقول بعدم الحنث، وينبغي أن يجري في مسألة (إن كذبتني) الأقوال التي تقدمت في: إن كنت تحبيني أو تبغضيني.

فَإِنْ شَكَّ أَوَاحِدَةً طَلَّقَ أَمِ اثْنَيْنِ أَمْ ثَلاثاً فَفِيهَا: قَالَ مَالِكُ: لا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ ذَكَرَ فِي الْعِدَّةِ كَانَ أَمْلَكَ بِهَا، ويُصَدَّقُ، وقِيلَ: رَجْعِيَّةُ- بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ تَحَقَّقَ التَّحْرِيمُ، وحِلَّ الرَّجْعيةِ مَشْكُوكُ، أَوْ تَحَقَّقَ مِلْك الثَّلاثُ، وسُقُوطُ اثْنَيْنِ مَشْكُوكُ

يعني: إذا تحقق وقوع الطلاق وشك عدده، فقال مالك في المدونة: تطلق عليه ثلاثاً بمعنى إيقاع ما زاد على الواحدة لم يقع على معنى التحقيق بل على طريق الاحتياط كما سيأتي، واختلف هل على هذا القول يحكم عليه بالثلاث؟ وهو الذي فهمه أكثر الشيوخ من المدونة كعبد الحق واللخمي، ومنهم من فهمها على الأمر بذلك فقط.

قوله: (قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ ذَكَرَ فِي الْعِدَّةِ) نحوه في المدونة، ولا إشكال فيه على الأمر بالثلاث من غير جبر، وأما على الحكم بالثلاث فلا يكون أحق، قاله بعض القرويين، وصدق لأنه شيء ما علم إلا من جهته.

ابن عبد السلام: ولا يمين عليه، قال في المدونة: وإن ذكر ذلك بعد العدة كان خاطباً ويصدق في ذلك.

وقوله: (وقِيلَ: رَجْعِيَّةُ) نحوه في الجواهر.

ابن عبد السلام: وتبع المصنف في هذا القول بعض المتأخرين، وأنكر غيرهما من حفاظ الشيوخ وجوده في المذهب، وأصول المذهب تشهد لوجوده.

ص: 431

وقوله: (بنَاءً .. إلى آخره) يعني ومنشأ الخلاف أن المشهور نظر إلى أن بالطلاق حصل التحريم، والتحريم لا يرفعه إلا الرجعة إن كانت الزوجة مدخولاً بها، أو تجديد العقد إن كانت غير مدخول بها فتلك الرجعة، وذلك العقد يشترط في صحتهما بقاء بعض أهل العصمة الأولى وبقاء البعض مشكوك فيه، فحصل الشك في صحة الرجعة والعقد فيبقى على الأصل المتيقن قبلهما وهو التحريم، ورأى في الشاهد أن ملك الثلاث متيقن وقد وقع الشك فيما زاد عليها، والأصل انتفاء ما لم يتيقن وقوعه، والواحدة هي المتبقية فلا يقع غيرها. وفهم من قوله:(وحِلَّ الرَّجْعيةِ مَشْكُوكُ) أن الرجعة محرمة وهو المذهب كما سيأتي، وفهم أيضاً أن هذا الخلاف إنما هو في المدخول بها لأنها التي فيها الرجعة، وأما غيرها فالواحدة تحرمها وقد تحقق ذلك.

وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَمَتَى تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ وطَلَّقَهَا وَاحِدَةً واثْنَتَيْنِ لَمْ تَحِلَّ لَهُ إِلا بَعْدَ زَوْجٍ أَبَداً لِدَوَرَانِ الشَّكِّ مَا لَمْ يَبُتَّ، ورَوَى أَشْهَبُ زَوَالَهُ بَعْدَ ثَلاثِةِ أَزْوَاجٍ وتَطْلِيَقَتَيْنِ ..

يعني: وإذا فرعنا على المشهور من إيقاع الثلاث ثم زوجها بعد زوج، ثم طلقها واحدة لم تحل له إلا بعد زوج، وكذلك في زوج ثالث ورابع، قال في المدونة: ومائة زوج، لأنه إذا تزوجها ثانياً وطلقها واحدة، قلنا يحتمل أن يكون طلقت اثنتين، فتكون هذه الطلقة مكملة الثلاث. فإذا تزوجها ثالثاً بعد زوج ثان فكذلك، لأنه يحتمل أن يكون المشكوك في عدده أولاً واحدة، وكذلك يفعل فيما بعد ذلك.

عياض: ويجرى على هذا ولو بعد ألف زوج، ولهذا تلقب هذه المسألة بالدولابية لدورانها هكذا، وكذلك إذا طلقها اثنتين، ولا يحصل الدوران مع الاختلاف وإن كان ظاهر كلام جماعة حصوله، وبيان ذلك إذا طلقها طلقتين في الثاني وفي الثالث طلقة وفي الرابع طلقة، فإن فرض المشكوك فيه ثلاثاً فهذه الأخيرة هي أول عصمة مستأنفة، فإن فرض اثنتين فتكون ثانية، وذلك إن فرض واحدة فاعلمه.

ص: 432

وقوله: (مَا لَمْ يَبُتَّ) أي ما لم يطلق ثلاثاً فيزول الشك حينئذ، وإذا تزوجها بعد زوج ترجع عنده على عصمة مستأنفة.

خليل: ويمكن أن يزيل [367/ أ] الشك أولاً بأن يقول: إن لم يكن طلاقي ثلاثاً فقد أوقعت عليه تكملة الثلاث، لأنه بين أحد أمرين إما أن طلقها ثلاثاً فلا شك، وإن طلقها دون ثلاث فهي في عصمته فيقع بقية الثلاث، اللهم إلا أن تنقضي العدة أو تكون غير مدخول بها، وإلى هذا أشار عبد الحميد. والله أعلم.

وروى أشهب أن الشك يرتفع بعد ثلاثة أزواج.

ابن يونس: ووجهه أنه لا يخلو أن يكون الطلاق الأول طلقة أو اثنتين أو ثلاثاً، فإن كان ثلاثاً فقد تزوجها بعد زوج، وإن كان اثنتين فقد طلقها بعد أن تزوجها بعد زوج فصارت ثلاثاً، ثم تزوجها بعد زوج، وإن كان واحدة فقط طلقها بعد الزوج الأول واحدة، وبعد الثاني ثانية، وطلقة الشك الأولى ثالثة فوجب أن يزول الشك بعد ثلاثة أزواج.

قال في البيان: وبه قال أشهب وابن وهب وابن حبيب وقال يحيى بن عمرو: قد تدبرته فوجدته خطأ وقال ذلك فضل أيضاً، وهو كما قالا لأنه لا يرتفع الشك. ونقل ابن يونس في المسألة قولاً ثالثاً عن ابن وهب أنه إذا طلقها ثلاثاً وإن كن متفرقات فإنها ترجع على ملك مبتدأ. وأشار عياض إلى أنه وهم في ذلك وأنه راجع إلى القول الثاني وليس بثالث، لأنه إن طلق ثلاثاً مجتمعة في كلمة واحدة فلا خلاف، وأما المفترقات فمعناها من الأزواج وهو قول أشهب.

فَإِنْ شَكَّ أَهِنْدُ هِيَ أَم غَيْرُهَا طُلِّقَنْ كُلُّهُنَّ بِغَيْرِ اسْتِئْنَافِ طَلاقٍ

يعني: فإن طلق واحدة معينة من نسائه ونسي عينها، أو حلف بطلاقها فحنث فإن نسائه الجميع يطلقن عليه.

ص: 433

قال في الكافي: واتفق على ذلك قول مالك.

قوله: (بِغَيْرِ اسْتِئْنَافِ طَلاقٍ) نحوه في المدونة، قال في الجواهر: ويوقف ليتذكر ولا يعجل عليه بالاتفاق لرجاء التذكر وإن طال الأمد ورفعناه ضرب له أجل الإيلاء، ونحوه للخمي وزاد: وقيل: يطلقن عليه من غير أجل.

اللخمي: والصبر أحسن لأنه يرجو أن يتذكر، فإن طلق ونوى التي لم يطلق حلتا للأزواج، وإلا طلق السلطان عليه ونوى التي لم تطلق أي لتحل للأزواج، وعلى هذا فيلزم إذا لم يتذكر أن يطلق التي لم يقع عليها طلاق، فيقول: امرأتي التي لم يقع عليها طلاق طالق. خلاف قول مالك يطلقن عليه من غير استئناف طلاق، وهو مذهب أبي حنيفة، واستحسنه ابن عبد السلام.

ولعل الخلاف مبني على اختلاف الأصوليين في اختلاط الميتة بالذكية هل يحرمان معاً أو إنما تحرم الميتة؟ فعلى الثاني لابد من استئناف الطلاق.

وَفِي إِحْدَاكُنَّ طَالِقُ، أَوِ امْرَأَتُهُ طَالِقُ، ولَمْ يَنْوِ وَاحِدةً مُعَيَّنَةً- قَالَ الْمِصْرِيُّونَ عَنْهُ: يُطَلَّقْنَ، وقَالَ الْمَدَنِيُّونَ: يَخْتَارُ كَالْعِتْقِ ..

قال في البيان: المشهور المعلوم من قول مالك وأصحابه أن الجميع يطلقن وقال المدنيون: ويختار واحدة كالمشهور في العتق.

والمشهور أن العتق أحق، لأنه يتبعض ولا يتنجز إذا علق على زمان آت، ويعتق فيه بالقرعة، بخلاف الطلاق، فإن قيل: فلم لم يقل المدنيون في الأولى أيضاً يختار كهذه؟ قيل: لأن الطلاق في الأولى وقع على واحدة معينة، وذلك التعيين مانع من نقله منها إلى غيرها، ولهذا قلنا: إذا تذكر المطلقة لم يلزمه في غيرها شيء، فإذا لم تعلم المطلقة احتجنا إلى طلاق الجميع، بخلاف هذه فإنه إنما ألزم نفسه الطلاق في غير معينة فكان تعيين له.

ص: 434

وفهم من قوله: (ولَمْ يَنْوِ وَاحِدةً) أنه لو نوى معينة لصدق. ابن بشير: بلا خلاف.

قال في المدونة: ويصدق في القضاء والفتيا وظاهرها نفي اليمين لتسويته بين القضاء والفتيا. وحكى اللخمي وغيره في ذلك قولين، وهما على الخلاف في أيمان التهم، وقال اللخمي: إن لم تكن عليه بينة لم يحلف على حال، وإن كانت عليه بينة وقال: أردت فلانة وكان كلامه نسقاً صدق بغير يمين، وإن لم يكن نسقاً وقال: نويت الشابة أو الحسنة أو من يعلم منه الميل إليها لم يحلف وإن قال: نويت الأخرى حلف. ابن بشير: وهذا إن كان التعيين والزوجتان في الحياة، فإن عين بعد الموت فقال: المطلقة هي الميتة، قبل قوله، واستظهر عليه باليمين.

وإن عكس فقال: المطلقة هي الحية، وليس للميتة مال قبل قوله، ولا يمين أيضاً، وإن كان لها مال. فقال اللخمي لا يقبل قوله، لأنه يريد الميراث، والأصل قبول قوله ويستظهر عليه باليمين، لأنه كان مقبول القول فلا يرجع قبول قوله بموت الميتة.

فَإِنْ شَكَّ أَطَلاقُ هُوَ أَمْ غَيْرُهُ فَفِي أَمْرِهِ بِالْتِزَامِ جَمِيعِ مَا يَحْلِفُ بِهِ عَادَةً قَوْلانِ

يعني: إذا تيقن أنه حلف يميناً ثم نسي ما حلف به، والقول بالأمر مذهب المدونة ففيها من لمي در بها حلف أبطلاق أو عتق أو مشي أو صدقة؟ فليطلق نسائه ويعتق رقيقه، وليتصدق بثلث ماله، وليمش إلى مكة، يؤمر بذلك من غير قضاء، وإذا تأملت كلام المصنف وجدته مخالفاً للمدونة، لأنه في المدونة إنما أمره بالتزام ما يحلف [367/ ب] به عادة كالمصنف، وعلى هذا ففي كلام المصنف نظر لكنه تبع ابن شاس.

وقال أصبغ: إن لم يدر بأي يمين حلف أبطلاق أو عتاق أو إيلاء أو مشي أو ظهار؟ فإنه تلزمه ولا تجري على لسانه. واعترضه اللخمي وقال: قول أصبغ أنه يجبر على المشي والصدقة خلاف المعروف من المذهب، ولعل ابن شاس رأى قول أصبغ إلا ما كان منها

ص: 435

ليس من أيمانه، فجعله تقييداً للمدونة وفيه بعد. وقول اللخمي إن المعروف من المذهب في المشي والصدقة عدم الجبر صحيح إلا أن ينص على الجبر فيهما إذ يحتمل أن يريد بلزوم ما ذكره في القضاء والفتيا أي يقضي عليه بما علم في غير هذا الموضوع أنه يقضي عليه به، وذلك الطلاق والعتق المعين والظهار على أن الصقة ليس لها ذكر في كلام أصبغ.

التَّفْوِيضُ: تَوْكِيلُ، وتَمْلِيكُ، وتَخْبِير

يقال: فوض الأمر إليه إذا رده إليه وهذا مشترك بين التوكيل والتمليك والتخيير فلذلك جعل التفويض جنساً والثلاثة أنواعاً له، والفرق بين التوكيل وغيره أن التوكيل يفعل على طريق النيابة بخلاف غيره.

وأما الفرق بين التخيير والتمليك فقيل أمر عرفي لا مشاركة للغة فيه، فقولهم: في المشهور كما سيأتي أن للزوج أن يناكر المملكة دون المخيرة إنما ذلك مستفاد من العرف، وعلى هذا ينعكس الحكم بانعكاس العرف، وقيل: هو وإن كان تابعاً للعرف إلا أن العرف موافق للغة أو قريب منها؛ لأن التمليك إعطاء ما لم يكن حاصلاً، فلذلك قلنا أن للزوج أن يناكرها، لأن الأصل بقاء ملكه بيده.

أما التخيير فقال أهل اللغة: خيرت فلاناً بين الشيئين إذا فوضت إليه الخيار، فيكون على هذا معنى تخيير الزوجة أن الزوج فوض إليها البقاء على العصمة والذهاب عنها وذلك إنما يتأتى لها إذا حصلت على ما لا يبقي للزوج معها رجعة.

ففِي التَّوْكِيلِ: يَرْجِعُ قَبْلَ أَنْ توقِعَ

تصوره ظاهر، ونحوه في التلقين وهو مقيد بما إذا لم يتعلق للمرأة حق صرح بذلك ابن بشير كما إذا قال لها إن تزوجت عليك فقد جعلت أمرك بيدك أو أمر الداخلة بيدك توكيلاً لا تمليكاً فهنا قد تعلق للمرأة حق في التوكيل فلا يكون له عزلها وهذا كما قلنا أن للموكل عزل الوكيل ما لم يتعلق به حق الغير.

ص: 436

واقتضى كلام المصنف أنه ليس للموكل له عند وكيله ما لم يتعلق به حق الغير- الرجوع في التمليك وهو كذلك في التلقين ليس له أن يرجع إلى أن يبطل تمليكها.

الباجي: وهو مما انفرد به.

وَالتَّمْلِيكُ: مِثْلُ: مَلَّكْتُكِ أَمْرَكِ، أَوْ أَمْرُكِ بِيَدِكِ وَطَلاقُكِ بِيَدِكِ، وطَلِّقِي نَفْسَكِ، وأَنْتِ طَالِقُ إِنْ شِئْتِ أَوْ كُلَّمَا شِئْتِ؛ فَتَمْنَعُ نَفْسَهَا، وَلا تُتْرَكُ تَحْتَهُ حَتَّى تُجِيبَ ..

هذه صيغة التمليك وقدم (مَلَّكْتُكِ) لأنها صريح هذا الباب فلما كان (أَمْرُكِ بِيَدِكِ) أقرب في باب التمليك من (طَلاقُكِ بِيَدِكِ) جعل (أَمْرُكِ بِيَدِكِ) إثر (ملكتك) ولا يقال: لا ينبغي عد (أمرك بيدك) لأن الأمر هو الشأن وشأنها بيدها قيل قوله لأن أمرك بيدك في هذا الباب المراد منه الإنشاء.

وقوله: (فَتَمْنَعُ نَفْسَهَا) أي إذا ملكها وتخصيصه هذا للتمليك يقتضي أنها ليس لها ذلك في التوكيل وهو ظاهر لأن للزوج عزلها وإذا كان لها المنع فليس لها أن تطول على زوجها وإنما لها ذلك في المجلس وشببهه كما سيأتي.

وقوله: (حَتَّى تُجِيبَ) يحتمل أن يكون غاية للجملة الأخيرة وهي (وَلا تُتْرَكُ تَحْتَهُ) ويحتمل أن يكون غاية لها ولقوله: (فَتَمْنَعُ نَفْسَهَا) وهو الأقرب.

وَالْجَوَابُ قَوْلُ صَرِيحُ وَمُحْتَملُ، وفِعْلُ، فَالصَّرِيحُ يُعْمَلُ بِهِ فِي رَدِّ التَّمْلِيكِ والطَّلاقِ

يعني: وجواب المرأة إذا صدر من الرجل التمليك ينقسم إلى (قَوْلُ .. وفِعْلُ) والقول ينقسم إلى (صَرِيحُ وَمُحْتَملُ) لأنه إذا كان نصاً في المراد فهو صريح وإلا فهو محتمل وينبغي أن يكون الفعل أيضاً ينقسم كذلك لأنه وإن لم تكن له دلالة بالوضع بل بالقرائن المحتفة به فتلك القرائن إما أن تحتمل النقيض أو لا.

ص: 437

ولعل المصنف ترك تقسيمه اكتفاءً بما سيذكره.

وقوله: (فِي رَدِّ التَّمْلِيكِ) كما لو قالت: رددت ما جعلت إلي أو لا أقبله (والطَّلاقِ) عطف على (رَدِّ) تقديره، وإيقاع الطلاق كما لو قالت: طلقت نفسي أو بنت منك أو بنت مني.

مَا لَمْ تُوقِعْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ فَلَهُ مُنَاكَرَتُهَا فِي قَصْدِهِ عَلَى الْفَوْرِ ويَحْلِفُ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ وَاحِدَةً وَقَعَتِ الثَّلاثُ، فَلَوْ قَالَ: لَمْ أُرِدْ طَلاقاً وقع ما زَادَته، فَإِنْ رَجَعَ فَفِي قَبُولِ قولِهِ قَوْلانِ، أَمَّا لَوْ شَرَطَ عِنْدَ نِكَاحِهِ أَوْ قَبْلَهُ- مثل: إِنْ تَزَوَّجْتُ عَلَيْكِ فَأَمْرُكِ بِيَدِكِ- فَلا مُنَاكَرَةَ لَهُ فِي الثَّلاثِ بَنَى أَوْ لَمْ يَبْنِ ..

يريد إذا أجابت صريحاً بالطلاق فإن صرحت بالواحدة إن لم تنو شيئاً وإنما صرحت بمجرد الطلاق وقعت واحدة وإن أوقعت أكثر فله مناكراتها بأن يكون: إنما قصدت واحدة بشروط أن يناكرها بالفور، فإن تراخى أي لزمه ما اوقعته وسئل أبو بكر بن عبد الرحمن عن من ملك امرأته فقضت بالثلاث فلم يناكرها [368/ أ] هل يدخل في مناكرتها بعد المجلس الخلاف الذي في المرأة ببطلان خيارها بانقضاء المجلس أم لا؟

فقال: لا يدخل وسكوته التزام بما قصدت بخلاف المملكة وإلى هذا أشار بقوله (عَلَى الْفَوْرِ).

ثانيها: أن يحلف، فإن لم يحلف ففي المبسوط عن القاضي إسماعيل تلزمه الثلاث.

مالك في العتبية: ولا تنقلب اليمين على المرأة لنكوله، قال في البيان ولا خلاف في ذلك إذا لم يعلم صدقه من كذبه في ما ادعاه من النية، قال وليس في حلفه خلاف.

ابن عبد السلام: وأصله من يمين التهمة.

فرع:

ومتى يحلف؟ قال ابن المواز: إن كانت مدخولاً بها حلف مكانه إذ له الرجعة، وإن كانت غير مدخول بها لم يحلف إلا إذا أراد أن يتزوجها ولا يحلف قبل ذلك، إذ لعله لا

ص: 438

يتزوجها قال الباجي وغير: لا يحلف في المدخول بها إلا عند إرادة الارتجاع إذ لعله لا يرتجعها، ولعل ابن المواز إنما ألزمه اليمين ناجزاً لتحقيق أحكام الزوجية الحاصلة في المطلقة طلاقاً رجعياً للنفقة وموارثة واستمتاع عند من يراه.

ثالثها: أن ينوي واحدة عند التمليك، فلوى نوى بعده أو لو لم ينو شيئاص وقع ما أوقعته وإلى هذا أشار في قوله:

(فَإِنْ لَمْ يَنْوِ وَاحِدَةً وَقَعَتِ الثَّلاثُ) وأشار إلى اشتراط القطع من التمليك بقوله أولاً (فِي قَصْدِهِ).

وقوله: (فَإِنْ لَمْ يَنْوِ وَاحِدَةً) فيه نظر؛ لأنه يقتضي أنه لو نوى اثنتين أن يقع الثلاث ولو كان كما في المدونة إلا أن يناكرها الزوج مكانه فيحلف ويلزمه ما نوى من واحد فأكثر لكان أحسن.

رابعها: أن يقصد بالتمليك الطلاق وإليه أشار في قوله: (فَلَوْ قَالَ: لَمْ أُرِدْ طَلاقاً وقع ما زَادَته) وزادته بالزاي المعجمة وفي بعض النسخ (أرادته) من الإرادة والمعنى متقارب وقوله: (فَإِنْ رَجَعَ .. إلخ) يعني فإن أنكر أن يكون قصد الطلاق فقلنا يلزمك ما أوقعته من الثلاث فرجع وقال إنما نويت واحدة. فهل تقبل هذه النية منه؟ وهو رواية ابن القاسم عن مالك بعد حلفه أو لا يقبل منه وهو ندم من قائله وهو قول أصبغ.

أصبغ: والقول الأول وهم من ناقله واختاره غير واحد وهو الذي يأتي على المشهور في ما إذا أنكر المودع الوديعة فأقام ربها البينة على الإيداع فقال المودع: رددتها؛ فلا يسمع قوله ولا بينته على الرد وكذلك إذا أنكر المدين الدين أو المشتري الشراء وأقيمت عليهما البنية بالدين والشراء فزعما الوفاء، بل قبول قوله في هذه المسألة أولى من قبول قوله في مسألة التمليك، لأن الوديعة التي قامت على ردها البينة وكذلك الدين وثمن السلعة قد يسوغ في الشرع أو يظن كثير من العوام أنه سائغ ويقول: إنما أنكرت لعلمي أنه لا

ص: 439

شيء له عندي وخفت متى أقررت له بذلك أن يطالبني فأتكلف إقامة بينة وهي الغائبة أو تزكيتها ونحو ذلك.

وأما إنكار إرادة الطلاق بقوله (ملكتك) مع أنه يعلم من نفس إرادة الطلاق، فلا يجهله أحد فناسب ألا يعذر.

أصبغ: وإنما تنفعه النية التي خرج لفظ التمليك عليها لا ما حدث له بعد القول.

محمد: إلا رواية أشهب عن مالك في من ملك امرأته وهو يلاعبها فتقول: قد تركتك؛ فيقول الرجل: كنا لاعبين ولم أرد طلاقاً.

قال مالك: يحلف ما أراد إلا واحدة.

وفي مسألتهم شبهة قيل: أعليه حرج أن يحلف والله يعلم أنه لم يرد شيئاً قال: لا، قد أمر بذلك ويحلف ما أراد الطلاق وتكون واحدة.

محمد: وليس بأصل مالك لأنه ملكها ولم يرد واحدة، والله أعلم.

خامسها: أن لا يكون التمليك مشترطاً عليه في أصل العقد، فإن كان مشترطاً ففي المدونة في كتاب الأيمان بالطلاق: لها أن تطلق نفسها بالطلاق ولا مناكرة له، بنى أو لم يبن، فإن طلقت نفسها واحدة وقد بنى بها فله الرجعة وإن لم يبن بها فقد بانت وإلى هذا أشار في قوله (أَمَّا لَوْ شَرَطَ

إلخ) وهذا هو المشهور، وفي سماع عيسى: إن لم يبن بها طلقت نفسها واحدة لا أكثر لأنها تبين بها وقد علمت أن مذهب المدونة إذا طلقت المدخول بها نفسها واحدة أن له الرجعة، وقال سحنون وغيره: لا رجعة له، لأن ذلك مشترط في أصل النكاح وقرره ابن عتاب بأنه راجع إلى الخلع، لأنها أسقطت من صداقها لشرطها، قال: وقوله في المدونة جار على غير أصوله واحترز بقوله: (إلا أن يكون التمليك مشترطاً في أصل العقد) مما لو ملكها فيه طائعاً من غير شرط فإن له مناكرتها. نص عليه غير واحد.

ص: 440

واختلف إذا لم يحصل التنصيص على الطوع أو الشرط فقال ابن العطار: ذلك على الطوع، وقال أبو الوليد وابن فتحون: ذلك على الاشتراط.

قوله: (أَوْ قَبْلَهُ) أي قبل العقد وهو كالمستغنى عنه لأنه إن استديم إلى عقدة النكاح فلا شك في اعتباره وإن لم يتعرض له في عقدة النكاح ألغي فدار الأمر مع ذكره في عقدة النكاح وجوداً وعدماً.

وَتَقَعُ الْوَاحِدَةُ ثُمَّ لا تَزِيدُ إِلا فِي كُلَّمَا، أَوْ يَكُونُ نَسَقاً لَمْ يَنْوِ بِهِ التَّاكِيدَ كَطَلاقِهِ قَبْلَ الْبِنَاءِ ..

يعني: أن المملكة إذا أوقعت واحدة وقعت وليس لها أن تزيد عليها إلا في [368/ ب] صورتين:

الأولى: أن تكون الصيغة مقتضية للتكرار. كما إذا قال: كلما شئت فأمرك بيدك.

والثانية: أن تكون نسقاً فلا تقبل منه المناكرة في غرادة التكرار بخلاف الصورة التالية.

واسم (يَكُونُ) في كلام المصنف يحتمل أن يعود على تمليكه وعلى ذلك مشاه ابن راشد وعليه فيقرأ (يَنْوِ) بالياء المثناة من أسفل.

ويحتمل أن يعود على جوابه وعلى ذلك حمله ابن عبد السلام، وعليه فيقرأ (تَنْوِ) بالتاء المثناة من فوق والوجهان في المدونة. أما الوجه الأول: ففيها: وإن قال أمرك بيدك، أمرك بيدك، أمرك بيدك فطلقت نفسها ثلاثاً سئل الزوج عما أراد فإن نوى واحدة حلف وكانت واحدة وإن نوى الثلاث فهي الثلاث وإن لم تكن له نية فالقضاء ما قضت من واحدة فأكثر ولا مناكرة له.

وأما الوجه الثاني ففيها: وإن ملكها قبل البناء ولا نية فطلقت نفسها واحدة ثم واحدة ثم واحدة فإن نسقتهن لزمه الثلاث إلا أن تنوي واحدة كطلاقه إياها إذا كان نسقاً

ص: 441

قبل البناء ولا ترقى على الوجه الأول بين أن يعطف تمليكه أم لا، فقد روي عن مالك في من ملك وزجته فقالت كما ملكتني؟ فقال: مرة ومرة ومرة ففارقته فليس ذلك بثلاث إذا حلف ما ملكها إلا واحدة.

التونسي: وهو مشكل بأنه قد أبان بقوله: مرة ومرة ومرة أنه أراد ثلاثاً إلا أن يكون قصد إلى حكاية الألفاظ وأنه تمليك واحد.

قال في البيان: إن قال أمرك بيدك فقالت قد قبلت ثم قال أمرك بيدك فقالت قد قبلت ثم كذلك، فإن لم تكن للزوج نية وقع في الثلاث بالاتفاق، وإن قال لم أنو إلا واحدة ففي الموازية عن مالك: تقع الثلاث.

محمد: والأحسن أنها واحدة ويحلف. وقوله في المدونة: إن ملكها قبل البناء؛ يريد أو بعده من باب الأولى، ولهذا لم يخصص المصنف.

وَالْمُحْتَمَلُ مِثْلُ: قَبِلْتُ، أَوْ قَبِلْتُ أَمْرِي أَوْ مَا مَلَّكْتَنِي فَيُقْبَل تَفْسِيرُهَا مِنْ رَدِّ، أَوْ طَلاقٍ، أَوْ بَقَاءٍ ..

لما تكلم على الصريح شرع في المحتمل ومثله بثلاثة ألفاظ لأن كل واحد منها يحتمل أن يفسر بالرد أي رد التمليك والاستدامة على العصمة أو بالطلاق أو بالبقاء، أي البقاء على النظر في الأمر ولا إشكال في تفسير كل من الألفاظ الثلاثة بالطلاق والبقاء، وأما التفسير بالرد ففيه نظر بأن القبول ليس موضوعاً للرد وليس الرد من مقتضى القبول بل دافع لمقتضاه وقد يجاب عنه بأنه لما كان الرد من آثار قبول النظر في الأمر صح التفسير به على سبيل المجاز، والله أعلم.

وما ذكره المصنف هو المشهور، وقيل يلزمه الطلاق إذا قالت قبلت أمري ولا تسأل وهل قبلت نفسي كقبلت أمري وهو مقتضى بالطلاق قولان:

ص: 442

وَالْفِعْلُ: إِنْ كَانَ مِثْلَ أَنْ تَنْتَقِلَ أَوْ تَنْقُلَ قُمَاشَهَا وتَنْفَرِدَ عَنْهُ، وَمِثْلَ أَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ مُبَاشَرَتِهَا طَوْعاً فَكَالصَّرِيحِ فِيهِمَا ..

(فِيهِمَا) أي في الطلاق والرد، فنقلها لقماشها وانفرادها عنه (فَكَالصَّرِيحِ) في الرد وفيه حذف مضاف أي كاللفظ الصريح وهو يقتضي أنها لو قالت لم ترد بنقل القماش والاستتار عنه والبعد منه الطلاق لم يقبل منها؛ لأن ذلك يجري مجرى جوابها بالطلاق، وكذلك قال مالك على ما نقله اللخمي وعليه اقتصر في الجواهر.

ونقل ابن محرز عن عبد الوهاب وأومئ إلى ترجيحه بأنها لو فعلت ما يدل على رضاها به كما لو قبلته لما كان لها كلام، وإن لم ترد الرضى فكذلك إذا فعلت ما يدل على فراقه. ونقل ابن محرز عن مالك: أنه لا يكون طلاقاً إلا إذا أرادت به ذلك، وبه قال ابن وهب ومحمد، وهو الذي اقتصر عليه في المقدمات، وإليه يرجع اختيار اللخمي لأنه قال: أرى أن تسأل لم فعلت ذلك؟ فإن قالت: خمرت وجهي كراهية في رؤيته، ونقلت متاعي خيفة أن يحتال علي فيه. صدقت ولم يكن فراقاً.

وإذا ألزمناه بذلك الطلاق فقال عبد الملك: إن قالت بعد أن خمرت رأسها ونقلت قماشها أردت البتة، فله أن يناكرها ويحلف أنه ما ملكها إلا واحدة.

قال ابن القاسم: لا ينوى. الباجي: ووجهه أن الظاهر من فعلها البينونة فترك الإنكار عليها في المجلس يقتضي الرضى بالثلاث.

وقيل: عليه أن يحلف يميناً أخرى أنه لم يظن انتقالها وما فعلت يكون طلاقاً بائناً.

ومقتضى قول ابن الماجشون وسحنون وأصبغ أن ذلك يلزمه مع يمينه أنه لم يملك إلا واحدة.

ص: 443

وقال ابن المواز: يمين واحدة تجزئة لجميع ذلك وهذا ليس بخلاف في الظاهر. انتهى.

وقيد المصنف التمكين بأن تكون طائعةً لأنها لو لم تكن طائعةً كانت على خيارها، وأحرى إذا كانت غير عالمة، ويعاقب الزوج في فعله، نص عليه في المدونة.

وهو وإن كان في المدونة إنما نص على المعاقبة في التخيير، فالتمليك مساوٍ له في ذلك.

ونظير هذه المسألة في عدم السقوط خيارها بالوطء إذا كانت غير عالمة: الأمة تعتق تحت العبد، ومن شرط لها إن تزوج عليها أو تسري فأمرها بيدها وفعل ولم تعلم، قاله في المدونة. وإن ادعى على المملكة العلم فلا قول لها، فإن [369/ أ] أعلمها وأمكنته وادعت الجهل لم تعذر، فإن اختلفا في الإصابة فالقول قولها، إلا أن تكون هناك خلوة، وإن أصابها وقالت: أكرهني، فالقول قوله مع يمينه، بخلاف إذا قبلها فالقول قولها مع يمينها.

فَإِنْ لَمْ تُجِبْ وتَفَرَّقَا، أَوْ طَالَ طُولاً يُخْرِجُ عَنِ الْجَوَابِ- فَفِي بَقَائِهِ كَالتَّخْبِيرِ رِوَايَتَانِ، وعَلَى بَقَائِهِ يَلْزمُ الْحَاكِم بِالإيقَاعِ أَوِ الرَّدِّ وإِلا أَسْقَطَ

الروايتان في المدونة والذي رجع إليه مالك أنه يبقى وإن تفرقا وطال ما لم توقف أو توطأ. وأخذ ابن القاسم بالقول الأول، أنهما إذا تفرقا من المجلس أو طال بهما حتى يعلم أنهما تركا ذلك، وخرجا من الكلام الذي كانا فيه إلى غيره بحيث يعلم أنهما تركا ما كانا فيه بطل، قال فيها: وعلى هذا جماعة من الناس. ونقل أشهب أن مالكاً إنما قال ببقائه وإن انقضى المجلس مرة ثم رجع عنه إلى أن مات.

واختار عبد الحميد القول بأنه بيدها وإن تفرقا. ورأى اللخمي أنها تمهل ثلاثة أيام قياساً على الشاذ في من وجبت له شفعة أنه يمهل ذلك. وفيه نظر، لأن المملك كالطالب للجواب، بخلاف حق الشفيع فإنه ثابت بالشرع، ولهذا قيل في الشفيع: إن حقه باق أبداً، وعلى القول بالسقوط بانقضاء المجلس فذلك بشرط أن يمكنها القضاء وأما لو ملكها

ص: 444

وأسرع القيام عنها لم يسقط خيارها ولا تمليكها قاله في الجلاب. واعلم أن هاتين الروايتين إنما هما في التمليك المطلق، أي إذا قال لها: أمرك بيدك.

قال في المقدمات: وأما التمليك المفوض فهو أن يقول لها: أمرك بيدك أن شئت، أو إذا شئت، أو متى شئت أربعة ألفاظ يكون بها التفويض وهي تختلف باختلاف معانيها، فأما متى شئت فلا يختلف أن الأمر بيدها ما لم توقف وإنما يختلف هل يقطع ذلك الوطء أم لا يقطعه فيقطعه على مذهب ابن القاسم، ولا يقطعه على مذهب أصبغ.

وأما: إن شئت، أو: إذا شئت، فيختلف فيه على ثلاثة أقوال:

أحدها: قول مالك أن ذلك كالتمليك المطلق سواء.

والثاني: قول ابن القاسم أن الأمر بيدها ما لم توقف بخلاف مذهبه في التمليك المطلق.

والثالث: لأصبغ إن قال: إن شئت؛ كان الأمر بيدها في المجلس، وإن قال: إذا شئت؛ كان الأمر بيدها حتى توقف، ولا يقطع ذلك الوطء عنده في: إذا، بخلاف قوله: إن.

واختلف قول ابن القاسم إذا قال: أنت طالق إن شئت، فله في المدونة أن ذلك تفويض والأمر إليها حتى توقف، وله في الواضحة أنه لا قضاء لها إلا في المجلس بخلاف قوله: أمرك بيدك إن شئت، وهو الصحيح. وقد تأول بعض الناس على ما لابن القاسم في المدونة أن: أمرك بيدك إن شئت. ليس بتفويض بخلاف قوله: أنت طالق إن شئت. ووجه ذلك بتوجيه بعيد، حكى ذلك أبو النجاء في كتابه. انتهى.

وحكى ابن بشير في ما إذا قال لها: أنت مخيرة أو مملكة إن شئت، وإذا شئت، طريقين للمتأخرين:

أحدهما: أن في ذلك القولين السابقين في التمليك المطلق.

ص: 445

والثاني: أنه يتفق على أن الخيار لها بعد المجلس، ولا خلاف أنه لو نص المخير أو المملك على أن ذلك لا يكون للمرأة إلا إن اختارت في الحال، أو نص على أن ذلك بيدها وإن تفرقا، أنه يعمل على ذلك.

فرع:

الأول: إذا ثبت أن لمالك فيما إذا خيرها ثم انقضى المجلس قولين، فذلك إنما هو إذا ملكها وهي حاضرة، وأما لو خيرها وهي غائبة من المجلس ثم بلغها ذلك فهل تكون بمنزلة ما لو كانت حاضرة؟ فيختلف فيه على قولين. وهي طريقة اللخمي، وقال: والقول ببقائه أحسن، لأن لفظه هنا لا يقتضي جواباً، أو يتفق هنا على أن لها القضاء وإن انقضى المجلس طريقان، وإلى الأولى ذهب صاحب المقدمات فقال: وأما إن كتب إليها أو أرسل إليها رسولاً فلم يختلف قول مالك أن ذلك بيدها وإن لم تقض ساعة وجب لها التمليك، وقيل: بيمين، وقيل: بغيرها ما لم يطل ذلك حتى يتبين أنها راضية بإسقاط حقها. والطول في ذلك أكثر من شهرين على ما في سماع ابن القاسم، إلا أن يكون الزوج حاضراً حين التمليك وتمنعه نفسها فيكون ذلك بيدها وإن طال الأمر كالأمة المعتقة تحت العبد. وروى ابن وهب أن حقها يسقط إذا لم تقض ساعة وجب التمليك كالمملكة التي تواجه بالتمليك. انتهى.

تنبيه:

وإن قالت المرأة في المجلس: قد قبلت أمري فلها أن تقضي بعد المجلس ولا يدخله اختلاف قول مالك، أشار إليه في المدونة، ونص عليه الباجي وغيره.

صاحب البيان: وليس ذلك بالبين إلا إذا قيدت القول بالمجلس فلم ينكر عليها الزوج، ويكون سكوته كالإذن، وأما إن رد عليها وقال لها: إما أن تقضي أو تردي فالمسألة جارية على القولين.

ص: 446

قوله: (وعلى بقائه) أي إذا فرع على قول مالك الثاني فإن الحاكم لا يمهل أمرها ويتركها ولو رضي الزوج بذلك لحق الله تعالى في بقاء [369/ ب] العصمة على الشك بل يوقفها، فإما أن توقع الطلاق أو ترد التمليك.

قوله: (وإلا) أي: وإن لم تفعل أحد الأمرين أسقط الحاكم ما بيدها.

والتَّخْبِيرُ مِثْلُ: اخْتَارِينِي أَوِ اخْتَارِي نَفْسَكِ، وهُوَ كَالتَّمْلِيكِ إِلا إِنَّهُ لِلثَّلاثِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا عَلَى الْمَشْهُورِ نَوَيَا أَوْ لَمْ يَنْوِيَا مَا لَمْ يُقَيَّدْ فَيَتَعَيَّنُ مَا قُيِّدَ ..

لما انقضى كلامه على التمليك شرع في التخيير وهو كالتمليك أي فيما تقدم من عدم العزل والجواب، ثم استثنى من ذلك أنه الثلاث المدخول بها من غير مناكرة وسواء نوى الزوجان ذلك أم لا. واحترزنا بالدخول بها من غيرها كالمملكة، فله أن يناكرها فيما زاد على الواحدة، كما سيأتي ومقابل المشهور القولان الآتيان في كلامه.

عياض: والمتحصل من الأقوال في مذهبنا في التخيير ستة أقوال:

أشهرها مذهب الكتاب: أن اختيارها ثلاث ولا مناكرة للزوج نوت المرأة الثلاث أم لا، وأن قضاءها بدون الثلاث لا حكم له.

ثم اختلف هل هو مسقط للخيار ولا قضاء لها بعد أم لها القضاء ثانية؟

الثاني: أن لها الثلاث بكل حال وإن نوت دونها أو لم تنو شيئاً ولا تسأل عن شيء، ولا مناكرة للزوج وهو قول عبد الملك.

الثالث: أنها واحدة بائنة، وهو الذي ذكره ابن خويز منداد عن مالك هو أحد مذهبي علي بن أبي طالب. وتأوله اللخمي على حكاية ابن سحنون عن أكثر أصحابنا واختياره هو.

الرابع: أن للزوج المناكرة في الثلاث والطلقة بائنة وهو قول ابن الجهم، وهو الظاهر عندي، من معنى ما حكاه ابن سحنون عن أكثر أصحابنا إلا ما تأوله اللخمي.

ص: 447

الخامس: له المناكرة والطلقة رجعية، وهو ظاهر قول سحنون، وعليه تأولها اللخمي كالتمليك وهو قول عمر وعلي أولاً.

السادس: أنها إن اختارت نفسها فهي ثلاث، وإن اختارت زوجها أو ردت الخيار عليه فهي واحدة بائنة، وهو قول زيد ابن ثابت، وحكاه النقاش عن مالك. انتهى.

وقوله: (مَا لَمْ يُقَيَّدْ) فيتعين ما قيد، كما لو قال لها: أنت طالق بالخيار في طلقة أو طلقتين وهل عليه يمين إذا قال: اختاري واحدة؟ فلا خلاف في وجوب اليمين أنه ما أراد إلا واحدة لأنك تختارين مرة واحدة، وإن قال: اختاري من الطلاق واحدة أو من الطلاق طلقة، أو اختاري طلقة فلا يمين عليه بلا خلاف، واختلف في وجوب اليمين إذا قال: في أن تطلقي نفسك طلقة واحدة وفي أن تقيمي على قولين، ونسب اللخمي وجوب اليمين لابن القاسم، وقال: عدم اليمين أحسن. وقد تقدم الفرق بين التخيير في أنه ليس له مناكرة بخلاف التمليك أول الباب.

وَقَالَ اللَّخْمِيّ: يَنْتَزِعُهُ الْحَاكِمُ مِنْ يَدِهَا مَا لَمْ تُوقِعْهُ لأَنَّ الثَّلاثَ مَمْنُوعَةُ، وقِيلَ: يَجُوزُ بِآيَةِ التَّخْبِيرِ، وأُجِيبَ بِأَنَّ السَّرَاحَ فِيهَا لا يَقْتَضِي الثَّلاثَ، ولأَنَّ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم لا يَرْتَجِعُ ..

يعني: أن اللخمي لما رأى أن التخيير مقتضي للثلاث وكان إيقاع الثلاث ممنوعاً قال: ينتزع الحاكم التخيير من يدها لتضمنه للممنوع إلا أن تسبق بالقضاء فيمضي.

عياض: وذهب بعض شيوخنا إلى أنه مباح إذ ليس هو إيقاع الثلاث وإنما هو سبب له والظاهر الآية في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتخيير وفعل ذلك. وهذا هو القول الذي ذكره المصنف بقوله: (وقِيلَ: يَجُوزُ بِآيَةِ التَّخْبِيرِ) وفي المسألة قول ثالث لأبي عمران يجوز التخيير وكيره للمرأة إيقاع الثلاث. وآية التخيير المشار إليها هي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ

ص: 448

وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً* وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً} [الأحزاب: 28 - 29].

قوله: (وأُجِيبَ .. إلى آخره) هذا جواب اللخمي عن الآية يعني أن قوله تعالى: (وَأُسَرِّحْكُنَّ) يقتضي أنه لم يجعل الطلاق إلى زوجاته وإنما هو المطلق، ولو يعلم أن الزوجة المطلقة فإنما تطلق طلقة لأن السراح لا يقتضي الثلاث لاسيما كونه وصف بالجميل، نعم هو صلى الله عليه وسلم لا يرتجع من اختارت الفراق بعد أن آثرت الدنيا على الله ورسوله والدار الآخرة، على أنه ولو سرح بالثلاث لكان ينبغي أن يكون حكمنا بذلك بخلافه لعدم حصول الندم له عليه الصلاة والسلام؛ لأنه كان يوحى إليه بخلافنا. والظاهر هنا هو الجواب الأول، وهو أنه صلى الله عليه وسلم هو المسرح وبه يبطل الاستدلال بالآية الكريمة ويؤيد هذا ما قاله القاضي إسماعيل في الأحكام: وقد ظن قوم أنه عليه الصلاة والسلام خير نساءه في الطلاق، وهذا ظن سوء منهم أن يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخير في طلاق ويكون ثلاثاً، وإنما خيرهن بين الدنيا والآخرة فإن اخترن الدنيا طلقن حينئذ طلاق السنة الذي علمه الله، ألا ترى إلى قوله:(أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً) وقاله ابن رشد وعياض، وروى البخاري ومسلم والنسائي أنه عليه الصلاة والسلام لما أمره الله بالتخيير وبدأ بعائشة وتلى عليها الآية وقال لها:"لا عليك أن لا تستعجيل حتى تستأمري أبويك". فقالت: أفي هذا [370/ أ] أستأمر أبوي، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. قالت: ثم فعل أزواجه مثل ذلك. وما وقع في المدونة أن بعض أزواجه اختارت الفراق، اللخمي وعياض وغيرهما: فليس بصحيح.

تنبيه:

استدل ابن عبد السلام على أن الطلاق المراد من الآية دون الثلاث لحصول المتعة لأنه لو كان الثلاث لم تكن متعة وليس بظاهر، لأن المذهب استحباب المتعة لكل مطلقة سواء طلقت ثلاث أم لا، إلا ما استثنى وقد تقدم ذلك.

ص: 449

وَقِيلَ: بَائِنَةُ، وقِيلَ: رَجْعِيَّةُ، ولَهُ مُنَاكَرَتُهَا فِيمَا زَادَ

هذان القولان هما مقابل المشهور المتقدم من كلام المصنف، والقول بأنها بائنة هو الذي حكاه ابن خويز منداد عن مالك كما تقدم.

وقوله: (وقِيلَ: رَجْعِيَّةُ، ولَهُ مُنَاكَرَتُهَا فِيمَا زَادَ) هو القول الخامس من كلام القاضي عياض، لأن قوله:(ولَهُ مُنَاكَرَتُهَا فِيمَا زَادَ) يدل على أنه إذا لم يناكرها تقع الثلاث، واعترض ابن عبد السلام عليه القول الأول بعدم وجوده، وقوله أنه يتفق على لزوم الثلاث عند عدم المناكرة ليس بظاهر لما تقدم.

وَعَلَى الْمَشْهُورِ لَوْ أَوْقَعَتْ وَاحِدَةً لَمْ تَقَعْ، وفِي بُطْلانِ اخْتِيَارِهَا: قَوْلانِ

يعني: وإذا فرعنا على المشهور أن التخيير للثلاث، فلو أوقعت المرأة واحدة لم تقع لأنها غير الذي جعل لها، وهل يبطل خيارها بعدولها عما جعل لها؟ وهو المشهور أم لا؟ ويكون لها بعد ذلك أن تقضي بالثلاث وهو قول أشهب، واستحسنه اللخمي لأن المرأة لم تترك ما جعل لها إلا على تقدير حصول الواحدة.

ابن المواز متمماً للمشهور: ما لم يتبين منه الرضى بما أوقعت فيلزم ذلك، وهل اللزوم فيما أوقعت من باب الطلاق بالنية أم لا؟ فيه تردد، وعورضت هذه المسالة بما إذا قالت المخيرة: اخترت نفسي إن دخلت علي ضرتي، فقال في المدونة: توقف لتختار أو تترك، ووجه المعارضة بينهما أن المخيرة في الأولى أخذت بعض حقها وهو الواحدة وأسقطت ما زاد عليها، كما أنها أخذت في الثانية حقها في إحدى الحالتين، أعني بشرط الدخول على ضرتها، فإسقاطها لبعض حقها إن كان مقتضياً لسقوط حقها فهو سقوط فيهما وإلا فلا فيهما، ولهذا قال سحنون: يسقط حقها أيضاً في الثانية، وأجيب بأنها في الأولى تركت بعض ما جعل لها. وللزوج فيه غرض لأنها إذا أوقعت الثلاث تسقط عنه نفقة العدة،

ص: 450

فصارت لذلك الواحدة كأنها أمر آخر بخلاف الثانية فإنها لم تترك شيئاً للزوج فيه غرض، وإنما وقفت لحق الله تعالى في بقاء العصمة على الشك.

فرع:

اللخمي: إذا قال: اختاري تطليقتين. أو من تطليقتين. أو في تطليقتين فالجواب مختلف فيه فإن قال: اختاري تطليقتين، كان لها أن تقضي بهما، وإن قضت بواحدة لم يلزمه شيء. وإن قال: اختاري من تطليقتين قضت بواحدة ولم تستكمل اثنتين. واختلف إذا قال: اختاري في تطليقتين ففي المدونة تقضي بهما، وإن قضت بواحدة لم يلزمه شيء. وقال ابن سحنون: لها أن تقضي بواحدة. وعن أصبغ إذا قال: اختاري من ثلاث؛ أنها البتة. قال في المدونة: وإن قال لها: طلقي نفسك ثلاثاً، فقالت: طلقت نفسي واحدة، لم يقع عليها شيء.

وَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا تُوقِعُ الثَّلاثَ فلَهُ نَيِّتُهُ ويَحْلِفُ وإِلا وَقَعَتْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةُ وَقَعَتِ الثَّلاثُ ..

حاصله أن الحكم في التخيير إذا كانت المرأة غير مدخول بها كالمملكة فله أن يناكرها فيما زاد على الواحدة بالشروط المتقدمة.

فرع:

واختلف في المدخول بها هل تعطي شيئاً على أن يخيرها، فقال مالك: تلزمه البتة باختيارها نفسها ولا مناكرة له. وقال سحنون وابن المواز: له أن يناكرها لأنها تبين بالواحدة.

ابن محرز: وهو أظهر، لأنها تبين بالواحدة فكانت كغير المدخول بها؛ قال: ووجه قول مالك أنها إنما أعطته على الخيار، وحكم الخيار أنه لا مناكرة فيه بعد الدخول.

ص: 451

وَيبْقَى بِيَدِهَا وَإِنْ تَفَرَّقَا أَوْ طَالَ، وإِلَيْهِ رَجَع ولَوْ عُلِمَ أَنَّهُمَا خَرَجَا عَمَّا كَانَا فِيهِ إِلَى غَيْرِهِ، حَتَّى تُجِيبَ أَوْ يُسْقِطَهُ الْحَاكِمُ، وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: والأَكْثَرُ يَسْقُطُ إِنْ تَفَرَّقَا أَوْ طَالَ ..

وهذا كما تقدم في التمليك سواء، ولا يؤخذ من قول المصنف (وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: والأَكْثَرُ) أن ابن القاسم قال بهذا القول، وقد قمنا أنه قال به ولم يحفظ له غيره.

أَمَّا لَوْ قُيِّدَ الْجَمِيعُ بِوَقْتٍ تَقَيَّدَ بِهِ إِلا أَنْ تَرُدَّ أَوْ يُسْقِطَهُ الْحَاكِمُ

(الْجَمِيعُ) أي: التمليك والتخيير ويحتمل أو يريد جميع صيغ التخيير والتمليك سواء كانت تدل على التكرار ككلما، أو على امتداد الزمان كمتى؛ كما لو قال: لك الخيار في هذا اليوم أو إلى شهر أو سنة، تقيد به ولا يتعداه، ففي المدونة وإن قال لها: اختاري اليوم كله فمضى اليوم ولم تختر فلا خيار لها. واختلف هل هذا على قوليه معاً في التمليك؟ وإليه ذهب ابن أبي زيد والقابسي وابن الحارث وغيرهم.

ابن محرز وابن يونس: وهو الصواب.

أو اليوم هنا مثل المجلس ويدخله القولان إذا انقضى اليوم، ونقله عبد الحق عن بعض القرويين.

(إِلا أَنْ تَرُدَّ) أي ما جعل لها وتختار زوجها أو يسقط الحاكم إذا اطلع لحق الله [370/ ب] في بقاء العصمة على الشك. قال في المدونة: وإن قال لها أمرك بيدك إلى سنة وقعت متى علم ذلك ولا تترك تحته، وأمرها بيدها حتى توقف فتقضي أو ترد.

ابن القاسم: وكذلك إذا قال لها إذا أعطيتني ألف درهم فأنت طالق، فإنها توقف إما أن تقضي أو ترد، إلا أن يطلقها في الوجهين وهي طائعة فيزول ما بيدها، وقال ابن شعبان: لا قضاء لها حتى يأتي الأجل وله الوطء إلى ذلك الأجل، وفي بعض الروايات لا يجوز أن

ص: 452

يجعل الرجل الخيار لامرأته في نفسها إلى أجل بعيد إلا أن يكون ذلك اليوم وشبهه، فيوقف عن امرأته في اليوم وشبهه حتى ترجع إليه أو تفارقه.

لَوْ قَالَتْ: اخْتَرْتُ نَفْسِي، ونَحْوَهُ مِنَ الظَّوَاهِرِ فَهُوَ الَبَتاتُ

لما قدم التخيير من جهة الرجل تكلم على الجواب من جهة المرأة،

واعلم أن جوابها قسمان:

صريح: كما لو قالت: طلقت نفسي ثلاثاً، ولا شك في لزوم الثلاث، كما لو قالت: اخترت زوجي، أو رددت ما جعل إلي من التخيير، فلا شك في عدم لزوم الطلاق، ولما كان هذا واضحاً أعرض المصنف عنه.

والثاني ظاهر: كما لو قالت: اخترت نفسي

ونحوه، قال في المدونة: وإن أجابته بألفاظ ظاهرة المعاني كقولها: اخترت نفسي، أو: طلقت نفسي، أو: طلقت نفسي ثلاثاً، أو: بنت منك، أو: بنت مني، أو: قد حرمت عليك، أو: حرمت علي، أو: برئت منك، أو: برئت مني، أو نحو هذا فهو البتات، ولا تسأل فيه المرأة عن نيتها في خيار ولا في تمليك إلا أن للزوج أن يناكرها في التمليك كما وصفنا قبل.

واختلف إذا سؤلت: أي الطلاق أرادت بقولها: اخترت نفسي؟ فلم تكن لها نية، فقال ابن القاسم: مرة واحدة، ومرة ثلاثاً. وبالأول قال ابن الماجشون. وبالثاني قال أصبغ، وكذلك إذا قالت اخترت الفراق.

وَإِنْ قَالَتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِي ونَحْوَهُ سُئِلَتْ- فَإِنْ أَرَادَتْ ثَلاثاً وَقَعَتْ، وإِلا لَمْ تَقَعْ

هذا مذهب المدونة، واختلف شارحوها إذا لم تكن لها نية فقال صاحب المقدمات: يلزم الزوج ثلاثاً إلا أن يناكرها في التمليك. وقال عبد الحق: إذا لم تكن له نية ولا لها فهي

ص: 453

طلقة واحدة تلزم في التمليك وسقط في التخيير. وفي المقدمات: إذا قالت: طلقت نفسي خمسة أقوال:

الأول: مذهب المدونة تسأل في المجلس وبعده، في التخيير والتمليك وإن لم تكن لها نية فهي ثلاث إلا أن يناكرها في التمليك.

والثاني: أنها تسأل في المجلس أيضاً وبعده في التخيير والتمليك، وإن لم تكن له نية فهي واحدة تلزمه في التمليك وتسقط في التخيير.

والثالث: أنها لا تسأل في التخيير والتمليك وهي واحدة تلزم في التمليك وتسقط في التخيير، فإن قالت في المجلس أردت ثلاثاً فهي ثلاث، إلا أن يناكرها في التمليك وهو قول ابن القاسم في الواضحة.

والرابع: أنها لا تسأل في التخيير والتمليك وهي ثلاث إلا أن: تقول في المجلس أردت واحدة فيسقط التخيير، وهو قول أصبغ في الواضحة.

والخامس: أنها لا تسأل في التمليك وهي واحدة إلا أن تريد أكثر من ذلك فيكون للزوج أن يناكرها، وتسأل في التخيير فإن قالت: أردت ثلاثاً صدقت وكانت ثلاثاً، وإن قالت: واحدة أو اثنتين أو لم تكن لها نية أو افترقا من المجلس قبل أن تسأل سقط خيارها.

قال: وأما إن قالت: أنا طالق، فلا تسأل في تمليك ولا تخيير وتكون واحدة تلزم في التمليك وتسقط في التخيير إلا أن تقول في المجلس: نويت ثلاثاً فتلزم في التخيير ويكون للزوج في التمليك أن يناكرها، ولا أحفظ في هذا نص خلاف.

وأما إن قالت: اخترت الطلاق فالذي أرى فيه على أصولهم أنها تسأل فيالتخيير والتمليك لأن هذه الألف واللام قد يراد بهما الجنس فتكون ثلاثاً، ويراد بهما العهد وهو الطلاق السني المشروع فتكون واحدة. فإذا احتمل اللفظ الوجهين وجب أن تسأل أيهما

ص: 454

أردت؟ فإن قالت: لم تكن لي نية كانت ثلاثاً على قول أصبغ في الواضحة. ومذهب ابن القاسم في المدونة في التي تقول: قد طلقت نفسي ولا نية لها أنها ثلاث. وواحدة على قول ابن القاسم في الواضحة في التي تقول: طلقت نفسي ولا نية لها أنها واحدة.

ويحتمل أن يكون الألف واللام للعهد وهو الطلاق الذي ملكها إياه فيكون ثلاثاً.

وقد كان ابن زرب يتوقف في الجواب في هذه المسألة إذ لم يجد في المدونة ولا في العتبية فيها نصاً. ونحو طلقت نفسي طلقت زوجي، أو أنا مطلقة أو هو مطلق وكذلك ما تقدم من الألفاظ التي في المدونة في التي قبلها.

فَلَوْ أَبَانَهَا قَبْلَ اخْتِيَارِهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا انْقَطَعَ التَّخْيِيرُ لأَنَّهَا رَضِيَتْ بِخِلافِ الرَّجْعِيِّ

يعني: إذا خيرها ثم أبانها إما بخلع أو بثلاث فإنه إذا تزوجها ينقطع خيارها لأنها رضيت بتزويجه، وإذا كان تمليكها من نفسها دليلاً على إسقاط حقها فإنشاء عقدة النكاح أولى بخلاف ما إذا طلقها طلاقاً رجعياً فإن خيارها لا ينقطع لأن حكمها حكم الزوجة فلها أن تختار.

وَلَوْ جَعَلَهُ بِيَدِ أَجْنَبِيِّ وتفرقا في المجلس فَكَالْمَرْأَةِ فِي الْقَوْلَيْنِ، فَإِنْ غَابَ ولَمْ يُشْهِدْ أَنَّهُ بَاقٍ سَقَطَ، وإِنْ أَشْهَدَ أَسْقَطَهُ الْحَاكِمُ فِي بَعِيدِ الْغَيْبَةِ وجَعَلَهُ إِلَى الزَّوْجَةِ، ورُوِيَ لا [371/ أ] يَسْقُطُ فَيَكُونُ كَالْمولي

اختلف أولاً هل له أن يجعل الأمر في الطلاق إلى غير الزوجة؟ وهو مذهب المدونة، وعليه اقتصر المصنف وسواء كان الأجنبي حاضراً أو قريب الغيبة، قال في سماع عيسى كاليومين والثلاثة، وقال في الواضحة عن ابن القاسم: كاليوم وشبهه، ابن القاسم وأما إن كان بعيداً رجع الأمر إليها وليس أن يجعل الأمر إلى غيرها وإن كان حاضراً ويرجع الأمر إليها فتقضي أو ترد، وهو قول أصبغ، وعلى المشهور فإما أن يكون حينئذ حاضراً أو غائباً.

ص: 455

وأنما تكلم المصنف على الحاضر، ثم الحاضر إن لم يغب ففي بطلان ما بيده بالقضاء المجلس القولان السابقان في المرأة وهكذا في المدونة، وزاد فيها أنه إن أمكن المملك من المرأة وزوجها زانل ما بيدها من أمرها، أي على القولين. وإذا فرع على القول بعدم السقوط بالتفرق فلو مكنت الزوجة ولم يعلم الأجنبي ففي المدونة يسقط خياره. وقال محمد: لا يسقط، واستحسنه اللخمي قال: وإذا ثبت أن للأجنبي حقاً فلا يكون للزوج أن يطأ الزوجة إلا بعد علم الأجنبي. وأما إن غاب وإليه أشار بقوله: (فَإِنْ غَابَ ولَمْ يُشْهِدْ أَنَّهُ بَاقٍ) على حقه (سَقَطَ) ما بيده، لأن عدم الشهادة دليل على إسقاط حقه، وظاهر كلام المصنف أنه لا فرق بين الغيبة القريبة والبعيدة، وكذلك كلام ابن بشير وابن شاس.

وقال ابن عبد السلام: ينبغي أن يفرق بين طول الغيبة وقصرها كما في القسم الذي يقابله، وقد يقال إذا لم يشهد كان ذلك قرينة في إسقاط حقه ولا سيما والخلاف في أصل المسألة، أعني: هل يسقط الخيار انقضاء المجلس أم لا؟ وأما إن أشهد أنه باق على حقه ففي الجواهر: إن قربت الغيبة كتب إليه بإسقاط ما بيده وإمضاء ما جعل إليه وإن بعدت، فقيل يسقط ما بيده وينتقل إلى الزوجة لأن المملك كالنائب عنها.

وفي الموازية ذلك بيده ولا يقربها الزوج لأنه قد جعل الأمر في طلاقها إلى غيره فيلزمه ما التزم. وإذا فرعنا على هذا ثم قامت بحقها في الوطء ضرب لها أجل المولي إذا رجي قدومه واستعلام ما عنده في الأجل، وأما إن لم يكن يرجى ذلك ففي ضرب الأجل قولان للمتأخرين، فقول المصنف في بعيد الغيبة، وأما في قربها فينظر ما عنده.

وقوله: (ورُوِيَ لا يَسْقُطُ) هو ما في الموازية.

مالك: والأجل من يوم ترفعه، وفيه نظر؛ لأن المشهور المذهب عدم ضرب الأجل في حق من امتنع من الوطء بغير يمين إلا أن يقال هذا مبني على الشاذ.

ص: 456

وقول المصنف في القول الأول وجعله إلى الزوجة قد يخرج منه خلاف من رواية علي عن مالك في الذي تزوج امرأة وشرطت عليه أمها في العقد إن نكح عليها أو تسري أو خرج بها من بلدها فأمرها بيد الأم، ثم ماتت الأم فلا يكون ذلك بيد أحد غير من جعله الزوج بيده، لأنه يقول: لم أكن أرضى أن أجعل أمر امرأتي إلا بيدها لنظرها وقلة عجلتها، وهو خلاف المدونة. وحكي المتيطي وغيره روايتين إذا أوصت الأم به إلى أجنبي وماتت هل ينتقل إلى من أوصت له أم لا؟

فرع:

قال اللخمي: وإن ملك غائباً فإن كان قريباً كتب إليه ليعلم ما عنده، واختلف إن كان بعيداً فلمالك في الموازية: يضرب له الأجل من يوم ترفع، فإن قدم وإلا طلقت عليه بالإيلاء.

محمد: فإن قدم في العدة فقضى بالطلاق لزم الزوج مع طلقه الإيلاء، وإن لم يطلق كأن أن يرتجع متى شاء ما كانت فيه العدة، وقال أيضاً: لا يرجع الأمر إليها إذا كان يرجى قدومه في الأجل.

وقد اختلف في هذا الأصل هل يجعل الطلقة الآن لما كان الصبر لا يفيد وهو مضرة عليها؟ أو يصيب رجاء أن ينتقل رأيها إلى الصبر، وإذا طلق بالإيلاء كان له أن يمنعه الرجعة، لأنه ممنوع من الإجابة، وإن انقضت العدة لم يجز له أن يتزوجها لأنه ممنوع منها حتى يقدم فلان، ولا يجوز له أن يتزوج من لا يحل له وطؤها ولا يتعرض بالحائض لأن ما فوق الإزار جائز وهذه ممنوعة جملة.

ولَوْ خَيَّرَهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ اعْتُبِرَ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِنْ بَلَغَتْ حَدَّ الوَطْءِ

مقتضى كلامه أن قول ابن القاسم مخالف للأول لعطفه عليه بالواو، وفي النوادر عن الموازية قال مالك: إذا خير زوجته قبل أن تبلغ وقبل البناء واختارت نفسها فهو طلاق إن بلغت في حالها.

ص: 457

ابن القاسم: يريد حد الوطء، فإن ابن القاسم إنما قصد التفسير، لكن وقع لمالك في سماع عيسى أن الطلاق يلزمه وإن لم تبلغ مبلغاً يوطأ مثلها إذا كانت قد عقلت وعرفت ما ملكت فيه.

ومثله أيضاً لابن القاسم أيضاً في سماع أبي زيد فتفسيره ضعيف، لأن الموجود لمالك خلافه. ولو كانت صغيرة لم تعقل معنى الخيار لاستؤني حتى تعقل ثم تختار قاله ابن القاسم في سماع أبي زيد. انتهى.

وقال سحنون في العتبية: لها الخيار وإن لم تبلغ لأنه هو الذي جعل ذلك إليها، ونحوه نقل [371/ ب] اللخمي عن أشهب وعبد الملك، قال في البيان: وقول سحنون: وإن لم تبلغ. يريد: وإن لم تبلغ الحيض، ومن تأول عليه أن لها الخيار وإن لم تبلغ مبلغاً تعرف فيه معنى الطلاق فقد أبعد، ووقع لعبد الملك في من خير المغمورة فاختارت نفسها قال: إن خيرها وهي مفيقة ثم غمرت فقضاؤها غير جائز، وإن خيرها وهي مغمرة فقضت جاز قضاؤها لأنه في حد رضي لنفسه بقضائها. قال: وكذلك لو ملك صبياً أمر امرأته لجاز قضاؤه إن كان يعقل ما جعل له وما يجيب به، فإن كان يخلط في كلامه ولا يعقل ما جعل له لم يجز. واانظر هل قوله في الصبي مخالف لقوله في المغمورة؟

وحكم التَّخْبِيرِ والتَّمْلِيكِ فِي التَّعْلِيقِ كَالطَّلاقِ فِي التَّنْجِيزِ والتَّاخِيرِ مِثْلَ إِنْ مَضَتْ سَنَةُ فَيَتَنَجَّزُ، وإِنْ دَخَلَتِ الدَّارَ فَيَتَأَخَّرُ ..

تصوره ظاهر، وقوله:(كَالطَّلاقِ) أي وفاقاً وخلافاً.

وَلَوْ قَالَ: إِنْ غِبْتُ شَهْراً فَأَمْرُكِ بِيَدِكِ فَغَابَ وَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا وتَزَوَّجَتْ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ قَدِمَ قَبْلَ ذَلِكَ وإِنْ كَانَتْ قَدْ عَلِمَتْ فُسِخَ، وإِلا فَقَوْلانِ- كَمَنْ طَلَّقَ فَتَزَوَّجَتْ وقَدِ ارْتَجَعَ ..

قوله: (وإِنْ كَانَتْ قَدْ عَلِمَتْ) أي بقدومه (فُسِخَ).

ص: 458

قوله: (وإِلا) أي: وإن لم تعلم (فَقَوْلانِ) المشهور أنها تفوت بالدخول وهاتان المسألتان من نظائر المفقود وقد تقدمتا.

واعلم أنها تطلق نفسها في المسألة الأولى بعد أن تثبت الغيبة ثم تحلف لقد غاب عنها الغيبة المذكورة ولا يرجع إليها سراً ولا جهراً، ثم إذا فعلت ذلك أباح لها القاضي أن تطلق نفسها.

وَلَوْ قَالَ: إِنْ قَدِمَ فُلانُ فَقَدِمَ ولَمْ تَعْلَمْ ثُمَّ وَطِئَهَا فَهِيَ عَلَى خِيَارِهَا

تصوره ظاهر ويعاقب إن علم ووطئها.

الرَّجْعَةُ رَدُّ الْمُعْتَدَّةِ عَنْ طَلاقٍ قَاصِرٍ عَنِ الْغَايَةِ ابْتِدَاءً غَيْرَ خُلْعٍ بَعْدَ دُخُولٍ ووَطْءٍ جَائِزٍ، ولَمْ يَشْتَرِطِ ابْنُ الْمَاجِشُونِ جَوَازَ الْوَطْءِ ..

يقال: الرجعة بفتح الراء وكسرها، الجوهري: والفتح أفصح، وأنكر غيره الكسر، ورسمها المصنف بقوله: (رَدُّ الْمُعْتَدَّةِ

إلى آخره) فرد المعتدة كالجنس، فقال: رد المعتدة؛ لأنه لو تزوج ابتداءً وردها بعد خروجها من عدة الطلاق لم تكن رجعية وعن طلاق لا يخرج به شيء، وإنما ذكره توصلاً إلى قوله:(قَاصِرٍ) إذ لو قال: رد المعتدة عن قاصر لكان قبيحاً، وقولنا لا يخرج به شيئاً لأن رد المعتدة لا يكون إلا عن طلاق. وقال:(عَنِ الْغَايَةِ) ولم يقل عن الثلاث ليشمل الحر والعبد؛ لأن غاية طلاقه اثنتان فلو قال قاصر عن الثلاث لاقتضى أن العبد إذا طلق اثنتين أن تكون له الرجعة.

وقوله: (ابْتِدَاءً) راجع إلى قوله: (قَاصِرٍ) لا إلى قوله: (طَلاقٍ) لأنه لو رجع إلى قوله طلاق لم ينعكس الحد لخروج الحر إذا طلق زوجته طلقة بائنة لأنه لا يصدق عليه أنه طلاق مبتدأ بخلاف ما إذا أعدناه إلى قاصر فإن الطلقة الثانية قاصرة عن الغاية باعتبار الابتداء.

ص: 459

ويمكن أن يقال ابتداء كالصفة للغاية، ويكون المعنى قاصر عن الغاية الابتدائية لا إلى الانتهائية، فإن العبد إذا طلق طلقه في رقه ثم أعتق فليس له بعد عتقه إلا واحدة تكملة غاية الأولى فانظره.

واحترز بقوله: (غَيْرَ خُلْعٍ) فإنه لا رجعة فيه. وبقوله: (بَعْدَ دُخُولٍ) من الطلقة قبله فلا رجعة له، والظاهر أن قوله:(رَدُّ الْمُعْتَدَّةِ) يغني عن هذا لأن المطلقة قبل البناء لا عدة عليها، وبـ (وَطْءٍ جَائِزٍ) مما لو دخل بها ووطئها حائضاً أو في نهار رمضان فإنه لا يكون له الرجعة بذلك كما لا يقع به الإحلال والإحصان؛ لأن ذلك الوطء كلا وطء، إذ المعدوم شرعاً كالمعدوم حساً.

ولم يشترط ابن الماجشون في الرجعة جواز الوطء، وقوله مقيد بما إذا لم يكن الوطء محرماً بالأصالة، وأما المحرم بالأصالة وهو الوطء في الدبر فإنه يوافق على عدم اعتباره، ووجهه أنه وطء في زوجة يوجب تكميل الصداق فوجب أن يجلب للزوج الرجعة.

وذهب ابن حبيب واللخمي إلى أن خلافه فيما عدا صوم التطوع وقضاء رمضان والاعتكاف وغير المنذور، وأما في الثلاث فيحل اتفاقاً لأن الصوم يفسد في هذا بأول الملاقات بخلاف رمضان والنذر المعين فإنه مخاطب بالإمساك عن التمادي، وذهب الباجي إلى أن الخلاف مطلق.

واعلم أنه متى حصلت هذه القيود كان للزوج أن يرتجع الزوجة أحبت أم كرهت، والإجماع على ذلك، واعترض على الحد الذي ذكره المصنف بأنه غير جامع لأنه المطلق عليه بالإيلاء، أو لعدم النفقة لا تصح لأحدهما الرجعة إلا بعد ذهاب الموجب للطلاق بفينة المولي أو يسر العسر. واختلف إذا رضيت الزوجة بالرجعة ولم يصب قال سحنون في السليمانية في المولي وعادم النفقة لا تصح رجعتهما وإن رضيت ولا تنهدم عدة ثبتت بطلاق، بمعنى إلا بزوال ذلك المعنى الذي طلقت له.

ص: 460

وقال ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون في الواضحة في من حلف بطلاق امرأته البتة ألا يصيبها سنة، فقامت بحقها فطلق عليها بالإيلاء، فله أن يرتجعها [372/ أ] برضاها، قالوا: لأن لها أن تقيم بغير وطء إلى انقضاء السنة، فأجازوا رجعته إذا رضيت بترك الإصابة وإن لم يرتفع السبب.

اللخمي: وهو أحسن لأن الطلاق كان لحق آدمين وأيضاً فإن كل طلاق يوقعه الحاكم غير هذين الطلاقين بائن ليس للزوج فيه رجعة مع أن كلام المصنف يقتضي أن تكون له الرجعة في ذلك إذ يصدق عليها أنها معتدة من طلاق قاصر إلى آخره، فكان ينبغي للمصنف أن يزيد بعد قوله:(طَلاقٍ) غير حكمي، لتخرج هذه الصورة وقد يجاب عنهما. أما المولي والمعسر بالنفقة فلا نسلم أنه ليس لكل واحد منهما الرجعة، بل لهما الرجعة وإنما لصحتها شرط إذ لو ارتجع المعسر بالنفقة ثم أيسر في العدة صحت رجعته، وعن الثاني فإنه إنما سكت عن التنبيه على ذلك لأنه رأى أن قوله (غَيْرَ خُلْعٍ) مغن عنه لاشتراك الجميع في البينونة والله أعلم.

فَلَوْ لَمْ يُعْرَفْ دُخُولُ فَلا رَجْعَةَ لَهُ، ولَوْ تَصَادَقَا عَلَى الْوَطْءِ قَبْلَ الطَّلاق، ويَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ بِمُقْتَضَى إِقْرَارِهِ ..

هذا شروع من المصنف في الكلام على ما احترز به من القيود فقوله (فَلَوْ لَمْ يُعْرَفْ دُخُولُ فَلا رَجْعَةَ) إلى قوله (بَعْدَ دُخُولٍ) ولم تكن له رجعة، وإن تصادقا على الوطء لأن ذلك ذريعة إلى نكاح بلا ولي ولا صداق، إلا أن يظهر حمل ولا ينكره فتصح الرجعة لأن الحمل قاطع للتهمة وإذا لم يصدقهما فيلزم كل واحد بمقتضى إقراره، فيلزم الزوج بالنفقة والكسوة والسكنة وألا يتزوج أختها أو خامسة، وتلزم المرأة العدة وألا تتزوج غيره. وهكذا قال في المدونة، زاد فيها: ولا يتوارثان فإن لم يصدق فلا عدة عليها ولا نفقة ولا كسوة.

ص: 461

فَلَوْ خَلا وادَّعَى الْوَطْءَ وأَنْكَرَتْهُ فَفِي ثُبُوتِ الرَّجْعَةِ قَوْلانِ

ظاهر قوله (خَلا)، أنه لا فرق بين خلوة الاهتداء والزيارة والضمير في قوله (وأَنْكَرَتْهُ) عائدعلى الوطء.

وتصور كلامه ظاهر وفي المدونة: وإن دخل بها في بيت أهلها غير دخول البناء صدق إنكاره الوطء ولها نصف الصداق. فإن أقر ههنا بالوطء وأكذبته فلها أخذ جميع صداقها بإقراره أو نصفه، ولابد لها من العدة للخلوة ولا رجعة له. انتهى.

ومفهومه أنه لو كانت خلوة بناء أن له الرجعة وكذا قال اللخمي: الظاهر من قول ابن القاسم أنها تصح في خلوة البناء دون خلوة الزيارة. ونحوه لابن المواز لأنه قال: الموضع الذي يقبل قوله في الصداق يقبل قوله في إيجاب العدة وفي ثبوت الرجعة وفي دعواه دفع الصداق إليها وقاله ابن رشد.

اللخمي: قال مالك في المختصر: لا رجعة له إذا انفرد بدعوى الإصابة وجعل حكم الرجعة لا يصح إلا باجتماعهما على الإصابة كالإحلال.

خليل: وإذا كانت هذه المسألة جارية على الصداق فيتخرج في كل من خلوة البناء والزيارة قولان، والمشهور: يقبل قوله في خلوة الاهتداء دون خلوة الزيارة.

وَإِذَا ادَّعَتِ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ بِوَضْعِ أَوْ غَيْرِهِ صُدِّقَتْ عَلَيْهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ مَا أَمْكَنَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلافِ عَادَتِهَا، وَفِي قُبُولِ النَّادِرِ: قَوْلانِ ..

لما كان الارتجاع إنما يكون في زمن العدة بين المصنف أنها مصدقة في انقضائها سواء كانت بوضع أو حيض، وهو مراده بقوله (أَوْ غَيْرِهِ) وأما الأشهر فهن والرجال سواء.

وقوله (بِغَيْرِ يَمِينٍ مَا أَمْكَنَ)، هو كقوله في المدونة: وإذا قال لمعتدة: قد راجعتك فأجابته نسقاً لكلامه: قد انقضت عدتي، فإن مضت مدة تنقضي في زمن مثلها صدقت

ص: 462

بغير يمين، وإلا لم تصدق. وقضى أبان ابن عثمان في مطلقة ادعت بعد خمسة وأربعين يوماً أن عدتها قد انقضت أنها مصدقة وتحلف، وليس العمل على التحليف إذا ادعت ما تحيط في مثله، وهذا لأنهن مأمونات على فروجهن ولا يعلم ذلك إلا من جهتهن ألا ترى قوله تعالى:(وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ)[البقرة: 228] فلولا أن قولهن مقبول في ذلك وإلا لما كان لعدم حلية الكتمان فائدة.

وقوله: (وَفِي قُبُولِ النَّادِرِ: قَوْلانِ) اللخمي: واختلف إذا كانت المدة تنقضي فيها العدة للنادر هل تصدق؟ فقال مالك في المدونة: إذا قالت حضت ثلاث حيض في شهر، يسأل النساء فإن كن يحضن ويطهرن لذلك صدقت. وقال في الموازية: لا تصدق في شهر، وقال أيضاً: لا تصدق في شهر ونصف وما أراها إلا عجلت زمان أقل حيض النساء أن يقمن خمساً، وقال سحنون: لا تصدق في أقل من شهرين وعنه أقل ما تصدق فيه أربعون. وقال ابن العربي: عادة النساء عندنا أن تحيض في كل شهر مرة وقد قالت الأديان فلا تصدق في أقل من ثلاثة أشهر.

وَلا يُفِيدُ تَكْذِيبُهَا نَفْسَهَا ولا أَنَّهَا رَأَتْ أَوَّلَ الدَّمِ وانْقَطَعَ، وَلا رُؤْيَةَ النِّسَاءِ لَهَا فِي وَضْعٍ ولا حَيْضٍ ..

يعني إذا قالت: انقضت عدتي؛ ثم أكذبت نفسها أو قالت: إنما قلت إن عدتي انقضت لأني رأيت دماً وظننت أنه يتمادى وقد انقطع بإثر قولي، أو نظر النساء إليها فلم يرين بها أثر حيض ولا وضع فلا عبرة بقولها ولا قولهن، وبانت بقولها الأول وتصديقها [372/ ب] ذريعة إلى إجازة النكاح بغير شروطه، ورتب المصنف هذه الثلاث مسائل ترتيباً حسناً، لأنه حكم أولا بعدم قبول قول المرأة التي أكذبت نفسها، ثم عقبه بعدم قبول قول من لم تكذب نفسها، ثم عقبه بعدم قبول قول من شهد لها النساء بصدقها.

ص: 463

ولا إشكال في المسألة الأولى لأن خبرها في غاية الضعف، وأما الثانية ففي المدونة ما ذكره المصنف، وفيه إشكال لأن أكثر أصحابنا قالوا أنها لا تحل بدخولها في الحيضة الثالثة إلا بشرط الدوام فينبغي أن يقبل قولها في دعواها الانقطاع وكما هي مؤتمنة فيوجوده أولاً، فكذلك تؤتمن على ماديه وانقطاعه، وكما في قبول قولها داعية إلى إجازة نكاح بغير شروطه ففي عدم قبول قولها إباحتها للغير بالشك. ولم ينص في المدونة على عدم قبول شهادة النساء إذا شهدن بعدم الوضع، وإنما نص فيها على عدم القبول إذا شهدن بعدم الحيض، لكن الظاهر ألا فرق.

وَإِذَا مَاتَ زَوْجُهَا بَعْدَ سَنَةٍ فَقَالَتْ: لَمْ أَحِضْ إِلا وَاحِدَةً فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُرْضِعٍ لَمْ تُصَدَّقْ إِلا إِنْ كَانَتْ مُظْهِرَةً لِلتَّاخِيرِ فَتُصَدَّقُ ..

يعني: إذا طلق الرجل زوجته طلاقاً رجعياً ثم مات بعد سنة من يوم الطلاق، وقالت: لم أحض إلا واحدة، فإن كانت مرضعا – اللخمي: أو مريضة- صدقت، لأن الرضاع والمرض يمنعان الحيض، وإن كانت صحيحة غير مرضع فقال في الموازية ما ذكره المصنف: لا تصدق، لأنها تتهم على أخذ الميراث من الزوج بدعوى أمر نادر، إلا أن تكون قبل موت مطلقها تذكر أنها لم تحض إلا مرة واحدة لضعف التهمة حينئذ فتصدق على الأقل.

وقال ابن مزين: تصدق إذا ادعت تأخير حيضها بعد انقضاء سنة وتحلف بالله ما حاضت ثلاث حيض.

ولعل هذين القولين سابقين في دعوى النادر إلا أن ذلك بحسب قصر العدة وهذا بحسب طولها.

قال في البيان: ولو كانت بقرب السنة لجرت على القولين في السنة وفهم من كلام المصنف أنها لا تصدق فيما دون السنة. قال في البيان: وينبغي أن تصدق في نحو الأربعة

ص: 464

أشهر وعشر بغير يمين وفي الستة أشهر ونحوه بيمين، قال: وأما إن ادعت بعد موت زوجها بأكثر من العام والعامين أنها لم تستكمل ثلاث حيض ألا تصدق إلا أن تكون ذكرت ذلك في حياته قولاً واحداً.

اللخمي: وإن كان الطلاق بائناً صدقت لأنها معترفة على نفسها في موضع لا تهمة عليها فيه وأما إن كان الزوج حياً فإن صدقها الزوج كانت لها النفقة ولم تكن من الرجعة.

ويختلف إذا كذبها هل يصدق لأنها تتهم في بقاء النفقة، ويختلف إذا ماتت الزوجة بعد مضي عدتها المعتادة هل تحمل على أنها في العدة ويرثها الزوج، فلمالك في كتاب المدنيين: إن مات بعد ثلاثة أشهر وادعى الزوج أنها كانت حاملاً فإنه يرثها، والبينة على من أراد منعه. وفي كتاب الاستبراء في من باع أمة ببراءة من الحمل وهو مقر بالوطء ولم يستبرئ فمضى لها بعد البيع قدر حيضة- محمد: وذلك قدر شهر- انتقل الضمان وكانت المصيبة من المشتري.

اللخمي: فنقل الضمان وهو لا يدري هل رأت دماً أم لا؟ بل قال المشتري: لم تحض عندي؛ لم يصدق، وعلى هذا فيحمل من المرأة إذا انقضى الأمد المعتاد على أنها رأت الأقراء ثم ماتت وعلى هذا لا يرثها، وهذه المسألة دخيلة في هذا الباب لأن إرثها ليس في الرجعة بل في الميراث. والله أعلم.

وَإِمْكَانُ انْقِضَاءِ الأَقْرَاءِ مَبْنِيُّ عَلَى الاخْتِلافِ فِي أَقَلِّ الطُّهْرِ، فِي الْعِدَّةِ والاسْتِبْرَاءِ

لما ذكر أن المرأة تصدق إذا ادعت انقضاء العدة ما أمكن- مبني على أقل الطهر، والحيض المذكور في العدة والاستبراء، وأنما قال في العدة والاستبراء لأن الحيض من باب العبادات لا حد له بخلاف العدد كما سيأتي. وأما الطهر فهو في البابين متحد كما قدمناه في باب الطهارة.

ص: 465

وَلَوْ أَشْهَدَ بِرَجْعَتِهَا فَصَمَتَتْ ثُمَّ ادَّعَتْ أَنَّهَا كَانَتِ انْقَضَتْ لَمْ يُقْبَلْ

لأن سكوتها مع إشهاده كالإقرار له بصحة رجعته، فادعاؤها بعد ذلك أن عدتها كانت انقضت يعد ندماً فلذلك لا يقبل. وأجرى ابن رشد في هذه المسالة قولاً بأن سكوتها لا يعد إقراراً من خلاف ذكره في هذا الأصل.

وَإِذَا قَالَتْ: حِضْتُ ثَلاثاً فَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى قَوْلِهَا قَبْلَهُ بِمَا يُكَذِّبُهَا صَحَّتْ رَجْعَتُهُ

يعني: إذا أراد المطلق الرجعة فقالت له المطلقة: قد حضت ثالثة وذلك لمدة تنقضي فيها العدة غالباً، فقال الزوج: قد قلت بالأمس: أنك لم تحيضي أو إنما حضت مرة واحدة، فلا يلتفت إلى قوله، أشهب: ولا يقبل تصديقها له إلا أن يقيم الزوج بينة أنها قالت أمس: لم أحض. وإنما حضت مرة، فتكون له الرجعة إن لم يمض من يوم القول ما تحيض فيه كمال الثلاث.

وَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ رَاجَعَهَا قَبْلَ انْقِضَائِهَا لَمْ يُصَدَّقْ- أَنْكَرَتْهُ أَوْ صَدَّقَتْه- إِلا بِأَمَارَةٍ مِنْ إِقْرَارِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، أَوْ تَصَرُّفِهِ، أَوْ مَبِيتِهِ، ثُمَّ تُمْنَعُ مِنْهُ ومِنَ التَّزْوِيجِ إِنْ صَدَّقَتْهُ ولَهَا النَّفَقَةُ ..

قال في المدونة: وإن قال لها بعد العدة: كنت راجعتك فصدقته أو كذبته لم يصدق، ولا رجعة له إلا أن يقيم على ذلك بينة أو يعلم أنه كان يدخل عليها في العدة ويبيت عندها، فيقبل قوله.

وإن أكذبته ولم يذكر مع قبول قوله يميناً ولا يبعد توجيهها، وقوله: أو يعلم أنه كان يدخل عليها، هو كقول المصنف:(أَوْ تَصَرُّفِهِ) لكن [373/ أ] ظاهر المدونة أنه لابد من مجموع التصرف والمبيت، لعطفه المبيت بالواو خلاف مقتضى كلام المصنف.

ص: 466

ورأى أشهب أنه لا يقبل قوله إلا أن يقيم بينه أنه جامعها في العدة أي على إقراره بذلك، وقوله في المدونة: أو يعلم أنه كان يدخل عليها.

محمد: هو على أحد قوليه في منع الدخول عليها، وأما على القول بإباحة ذلك إذا كان مما يتحفظ بها فلا حجة له في الدخول والخروج.

عياض: وأما المبيت فإن كان في بيتها وهي في الدار معه وحدها فهي حجة على القولين جميعاً.

وقوله: (ثُمَّ تُمْنَعُ مِنْهُ) يعني أن الزوج إذا ادعى الرجعة فلزوجته حالتان: إحداهما: تكذيبه، والأخرى: تصديقه.

فإن كذبته فلها أن تتزوج غيره. وإن صدقته فلا يمكن من ارتجاعها لأن تصديقها له داعية إلى نكاح بغير شروطه، لكن يلزم كل واحد من الزوجين بمقتضى إقراره، فتلزم هي بألا تتزوج غيره لاعترافها أنها في عصمة الزوج، ويلزم هو بالنفقة والكسوة لاعترافه أنها في عصمته، ويمنع من نكاح أختها أو خامسة. ونحو ذلك لبعض القرويين.

ويلزم كل واحد بمقتضى إقراره إنما هو إذا تماديا على إقرارهما، وأما إن نزعا عن ذلك أو نزع أحدهما فلا يلزمان، وهذا كقولهم في المرأة تدعى أن زوجها طلقها ثلاثاً فلا يقبل منها، ثم بعد ذلك يخالعها زوجها، فيريد بعد المخالعة أن تتزوجه، فإن قالت: كنت كاذبة في قولي أن زوجي طلقني وإنما أردت الزوال عن عصمته، فلها أن تتزوجه وإن كانت متمادية على إقرارها فلا تتزوجه إلا بعد زوج. وقال غيره من القرويين يؤخذان بما تقدم من إقرارهما، إلا أن يستحدث الزوج طلاقها. عبد الحق: والقول الأول أصوب.

فَإِنْ قَامَتْ بِحَقِّهَا في الوطء فِي الْوَطْءِ فَفِي تَطْلِيقِهَا بِسَبِبِهِ قَوْلانِ

ظاهره أن القولين منصوصان قال اللخمي: واختلف إذا أجرى النفقة وقامت بالطلاق لعدم الوطء فالمعروف ألا مقال لها لأنه لم يقصد ضرراً والأحكام منعته، والقول الآخر أن ذلك لها قياساً على أحد قولي مالك في من قطع ذكره بعد الدخول.

ص: 467

والطلاق على المرتجع أبين لأنه لا منفعة له فيها إذا حيل بينه وبينها، ومن انقطع ذكره يستمتع بغير إصابة.

وَلَهُ جَبْرُهَا عَلَى تَجْدِيدِ عَقْدٍ بِرُبُعِ دِينَارٍ

لأنا إنما كنا منعناه منها لحق الله تعالى في ابتداء النكاح بغير شروطه، وإذا جدد العقد زال ذلك وليس لها الامتناع لإقرارها أنها في عصمته، وكذلك أيضاً لو أقر سيد الأمة المتزوجة لزوجها برجعته بعد انقضاء العدة لم يقبل لكن للزوج أن يجبر السيد على تجديد عقد بربع دينار.

فَلَوْ تَزَوَّجَتْ فَوَضَعَتْ لأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ رُدَّتْ إِلَيْهِ بِرَجْعَتِهِ ولا تَحْرُمُ عَلَى الثَّانِي لأَنَّهَا ذَاتُ زَوْجٍ لا مُعْتَدَّةُ.

يعني: إذا ادعى أنه راجع في العدة فكذبته وتزوجت ثم ولدت (لأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ) أشهر من نكاح الثاني لحق هذا الولد بالأول وردت المرأة إلى الأول بدعواه الرجعة أولاً.

(ولا تَحْرُمُ) على الزوج الثاني إذا طلقها الزوج الأول، أو مات عنها؛ لأنا لما ألحقنا الولد بالأول لزم أن يكون تزويج الثاني في عصمة الأول ولم يتزوج معتدة. وتشارك هذه المسالة ما لو ارتجعها فأجابته بأن عدتها انقضت ثم تزوجت، وما إذا أقام الزوج الأول بينة بعد أن تزوجت ودخل بها الزوج الثاني على أنه كان ارتجعها.

وَلَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَلَمْ تَعْلَمْ بِمُرَاجَعَتِهِ فَتَزَوَّجَتْ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ رَاجَعَهَا فَكَامْرَأَةِ الْمَفْقُودِ ..

تصوره واضح، والقولان هنا منصوصان كما في مسألة المفقود.

مالك: فإذا كان المرتجع حاضراً فرآها تزوجت ودخلت ولم يعلمها برجعته فإنها تمضي زوجة للثاني.

ص: 468

اللخمي: وليس بالبين ولو رأى رجل زوجته تتزوج ولم ينكر عليها لم يكن ذلك طلاقاً ولو عد ذلك طلاقاً لاحتسب بطلقة أخرى.

وَلَوْ كَانَتْ أَمَةً فَوِطْءُ السَّيِّدِ كَوِطْءٍ النِّكَاحِ

يعني: ولو كانت المطلقة أمة فانقضت عدتها ولم يعلم سيدها بمراجعته ووطئها، فإن وطئه فوت على المشهور كوطء الزوج الثاني في المسألة المتقدمة.

واعلم أن حكمهم بالفوات بالوطء في الأولى أقوى منه في الثانية لاستناده في الأولى إلى عقد ولا يقال الملك يتنزل منزلة العقد في النكاح، لأن عقد النكاح يوجب التحريم على آبائه وأبنائه، وتحرم به الأمهات، وليس بمجرد الملك موجب لذلك بالاتفاق، بل لابد مع ذلك مع الوطء أو ما يقوم مقامه من التلذذ.

وَشَرْطُ الْمُرْتَجِعِ أَهْلِيَّةُ النِّكَاحِ ولا يَمْنَعُ مَرَضُ ولا إِحْرَامُ

يعني: أن المرتجع يشترط فيه أن يكون أهلاً للنكاح فلا بد أن يكون عاقلاً بالغاً.

قوله: (ولا يَمْنَعُ) أي ولا يمنع من الرجعة ما يمنع ابتداء النكاح، وحاصلة أن المتزوج والمرتجع يستويان في الشروط دون انتفاء الموانع ولا يمنع المرض، لأن المطلقة طلاقاً رجعياً ترث فلم يكن في ارتجاعها إدخال وارث، بخلاف ابتداء النكاح.

قوله: (ولا إِحْرَامُ) يريد سواء كانت هي محرمة أو هو.

وَيَرْتَجِعُ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ

لأنه لما أذن له في النكاح فقد أذن له في توابعه، ولأن الرجعية زوجة.

وَتكُونُ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ مِثْلَ: رَجَعْتُ، ورَاجَعْتُ، وارْتَجَعْتُ، وردَدَتُهَا وأَمْسَكْتُهَا

أي: (وَتكُونُ) له الرجعة، قوله:(مِثْلَ: رَجَعْتُ) تبين القول وهو ظاهر.

ص: 469

وَالْفِعْلُ مِثْلُ: الْوَطْءِ، والاسْتِمْتَاع

تصوره ظاهر، ولم ينص في المدونة إلا على الوطء، لكنه نص في الموازية على القبلة والمباشرة للذة، وما أشبه ذلك كما لو وطئ قال في المقدمات وهو بيان للمدونة.

وفِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ ثَالِثُهَا: الْمَشْهُورُ فِي الْفِعْلِ.

لا خلاف إن اجتمعت النية مع الفعل أو القول في صحة الرجعة، واختلف إذا انفرد القول أو الفعل على ثلاثة أقوال: فقال أشهب: ليس ذلك برجعة.

وقال ابن وهب: الوطء رجعة، وإن عري عن النية، فأخذ منه أنه لا يشترطها في القول أيضاً من باب الأولى. والثالث المشهور: يشترط في الفعل دون القول، لأن الفعل لا دلالة له بالوضع، فلذلك اشترطت معه النية لضعف دلالته، بخلاف اللفظ فإنه يدل بالوضع، ولأنه إذا قال: ارتجعتك، وقال: لم أنو الرجعة. إما أن يكون كاذباً فتلزمه الرجعة، وإما هازلاً فهزلها جد كالطلاق، وكذلك بنى غير واحد الخلاف في القول المجرد على الخلاف في صحة نكاح الهازل.

قال في المقدمات: وإذا انفرد اللفظ دون النية لا تصح له بذلك الرجعة فيما بينه وبين الله، وإن حكمنا عليه بما ظهر من قوله ولم نصدقه فيما ادعاه من عدم النية إلا على مذهب من يرى أن الطلاق يلزم المستفتي بمجرد القول دون النية، وهو قائم من المدونة، إلا أنه بعيد في المعنى.

واختلف هل يجوز له الوطء إذا التزام الرجعة؟ على القول الذي يرى إنها لا تصح له فيما بينه وبين الله، وعلى أن الوطء بمجرده لا يكون رجعة فليس عليه في وطئه صداق، قاله الباجي.

ص: 470

مالك في المختصر: ولا يطأها إلا بعد الاستبراء من وطئه ولا تكون له الرجعة إلا في بقية العدة الأولى لا في الاستبراء قاله ابن المواز.

فإن انقضت العدة الأولى فلا ينكحها هو أو غيره حتى ينقضي الاستبراء.

أصبغ: فإن فعل فسخ نكاحه ولم تحرم عليه للأبد كما أحرمها على غيره ولو مس؛ لأنها عدة منه، وليس هذا وغيره فيما به سواء، وقيل حكمه حكم المصيب في العدة.

ومنشأ الخلاف: هل التحريم لتعجيل النكاح قبل بلوغ أجله أو لاختلاط الأنساب؟ وعلى هذا المعنى اختلفوا في من طلق امرأته ثلاثاً فتزوجها قبل زوج في عدتها؟ فإن قيل: لم يكن وطء المطلق رجعة وإن لم ينوها عند ابن القاسم؟ كما كان وطء مبتاع الأمة بخيار اختياراً وإن لم ينوه.

قيل: لأن البائع جعل له الخيار وأباح له الوطء، فإذا وطئ فقد فعل ما جعل له وتم ملكه ولأنه لو لم يطأ وتمادى على إمساكها حتى ذهبت أيام الخيار عد بذلك مختاراً، والرجعية محرمة على الزوج ولو تمادى على إمساكها حتى انقضت مدة الرجعة لبانت منه.

فرعان:

الأول: إذا انفردت النية ففي الموازية لا تصح الرجعة.

ابن رشد: والصحيح أن الرجعة تصح بمجردها، لأن اللفظ إنما هو عبارة عما في النفس، فإن نوى في نفسه أنه راجعها فقد صحت رجعته فيما بينه وبين الله تعالى، وأشار إلى أنه يجري على الخلاف في الطلاق بالنية، ونحوه للخمي وعلى أن النية لا تكون بمجردها رجعة، فلو نوى ثم أصاب فإن بعد ما بينهما فليس ذلك رجعة، وإن قرب فأشار اللخمي إلى أنه يجري على الخلاف في تقديم النية في الطهارة.

ونقل عن محمد ما يقتضي اشتراط المقارنة فقال: قال محمد: إن نوى الرجعة ثم قبل أو باشر أو ضم فإن فعل ذلك لكان ما نوى فهي الرجعة.

ص: 471

اللخمي: يريد إذا أصاب ساهياً على الطلاق لم يكن وطؤه رجعة إذا لم تقارنه نية.

الثاني: سئل أبو عمران عن الذي يطلق امرأته واحدة ثم يتمادى على وطئها من غير أن يريد الرجعة حتى تنقضي عدتها الأولى ثم يحنث بالطلاق الثلاث فهل يلزمه ذلك؟

قال: يلزمه الثلاث؛ لأن ذلك كالنكاح المختلف في فساده يطلق فيه ونقل عن الشيخ أبي محمد أنه لا يلزمه الثلاث والأول أظهر.

ابن عبد السلام: وهو الصحيح.

وَيُؤْمَرُ بِالإِشْهَادِ وَلا يَجِبُ عَلَى الْمَشْهُورِ

المشهور هو مذهب المدونة وهو الذي نقله عبد الوهاب عن المذهب والقول بوجوبه للقاضي أبي بكر بن العلاء وتأوله ابن محرز على ألا تثبت الرجعة إلا بالبينة عليها، وعليه فلا يكون في المسألة خلاف بل الاستحباب راجع إلى أن يكون مقارناً للرجعة، وقول المصنف:(وَلا يَجِبُ عَلَى الْمَشْهُورِ) ينافي حمل ابن محرز. قال في المقدمات: وليس الإشهاد عند من أوجبه شرطاً في صحة الرجعة وإنما هو فرض على حياله يأثم تاركه.

وَلَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا حَتَّى يُشْهِدَ

يعني: أن الإشهاد وإن لم يكن واجباً إلا أن للمرأة أن تمنع نفسها، وقوله في المدونة في المانعة: قد أصابت. يفيد أن الأولى أن تمنع نفسها، بخلاف قول المصنف:(وَلَهَا).

وَلا تُقْبَلُ شَهَادَةُ السَّيِّدِ عَلَى نِكَاحِ أَمَتِهِ، وَلا رَجْعَتُهَا

لأنه إذا شهد على النكاح كان شاهداً على فعل نفسه وإذا شهد على الرجعة اتهم في ذلك. ولمالك في العتبية: أنه تقبل شهادة السيد في الارتجاع.

والفرق على هذا بين [374/ أ] الارتجاع والنكاح أن النكاح يوجب للأمة صداقاً فيتهم السيد لقدرته على انتزاعه.

ص: 472

وَرَجَعَ مَالِكُ إِلَى أَنَّهُ لا يَدْخُلُ عَلَيْهَا وَلا يَاكَلُ مَعَهَا وَيَنْتَقِلُ عَنْهَا

القولان في المدونة وزاد في القول المرجوع إليه أنه لا يدخل عليها وإن كان يريد رجعتها وشرط فيها على قول مالك الأول: أن يكون معها من يحفظها وأهمله المصنف وليس بجيد ولعل هذين القولين ينبنيان على القولين في الرجعة هل هي محرمة أم لا؟ إلا أن الشرط الذي ذكرناه وقلنا إن المصنف أهمله يأبى كون الشاذ مبنياً على الإباحة. قيل: ولا خلاف أنه لا يجوز أن يرى جسدها متجرداً.

وَالْمُعَلَّقَةُ مِثْلُ إِذَا كَانَ غَداً أَوْ جَاءَ زَيْدُ قَالَ مَالِكُ: لَيْسَتْ بِرَجْعَةٍ، وَقِيلَ: يَعْنِي الآنَ ..

يعني: والرجعة المعلقة على شرط سواء كان الشرط محققاً كقوله: إن كان غداً فقد راجعتك، أو محتملاً كقوله: إن جاء زيد فقد راجعتك. قال مالك في المدونة: ليس ذلك رجعة.

لكن إنما نص فيها على المثال الأول، واختلف الشيوخ فأجراه صاحب النكت على ظاهره فقال إنما لم تكن رجعة لأن الرجعة كضرب من النكاح لأنها تبقي الزوج على العصمة، ووجدنا النكاح إلى أجل لا يصح، فكانت الرجعة إلى أجل كذلك وهذا ظاهر على القول بأن الرجعة محرمة، وأما على أنها حلال فلا.

وقال ابن محرز: يعني لا تكون رجعة الآن ولكنها تكون رجعة غداً؛ لأنه حق له فكان له تنجيزه وتعليقه.

ولما كان في هذا التأويل مخالفة لظاهر كلام مالك قال المصنف فيه (وَقِيلَ) وعده كالأجنبي.

وفهم من عطفه بـ (قِيلَ) أن ثم قول آخر بإجراء قول مالك على ظاهره وقال اللخمي: قول مالك فيما إذا غداً ليس ذلك برجعة: يحتمل أن يكون رأى أن الرجعة إلى

ص: 473

أجل كالنكاح إلى أجل وأن الرجعة تفتقر إلى نية مقارنة للفعل وإذا فرعنا على فساد هذه الرجعة فإن لم يصبها حتى خرجت من العدة بانت وإن أصابها في العدة وهو يرى أن تلك رجعة كان وطؤه رجعة.

اللخمي: لأنه وإن كان الارتجاع الأول فاسداً فإن حقه في الرجعة قائم وإصابته وهو يرى أنه مرتجع رجعة محدثة.

مالك: وإن قال: أشهدكم أني إن طلقت امرأتي يوماً من الدهر فقد ارتجعتها ثم طلقها فإنه لا ينتفع بقوله الأول حتى يراجعها. وقاله سحنون في من قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق ثم أراد سفراً وخاف أن تحنثه في غيبته فأشهد أنها إن دخلت الدار فقد ارتجعها.

انظر: ما قاله مالك وسحنون هنا مع ما قاله مالك في كتاب ابن سحنون في الحرة ذات الشرط في النكاح والتسري تقول: اشهدوا متى فعل زوجي فقد اخترت نفسي أن ذلك لها. وقال مالك في العتبية: في أمة تحت عبد أشهدت أنها متى عتقت تحته فقد اختارت نفسها أو زوجها، فليس ذلك شيئاً وهاتان المسألتان اللتان سأل عبد الملك مالكاً عن الفرق بينهما فقال له: أتعرف دار قدامة؟

ابن يونس: وقال المغيرة هما سواء ولا شيء لها. والفرق عندي بينهما أن الأمة أنما يجب لها أن تختار إذا عتقت، والعتق لم يحصل بعد فقد سلمت أو أوجبت شيئاً قبل وجوبه لها فلم يلزم، كتارك الشفعة قبل أن يستوجبها. والحرة قد أوجب لها زوجها الشرط إن فعل وملكها منه ما كان يملكه، فلها أن تقتضي به عليه قبل أن يفعل كما لو كان له أن يلزم نفسه قبل أن يفعله.

ص: 474

وَالرَّجْعِيَّةُ مُحَرَّمَةُ الْوَطْءِ عَلَى الْمَشْهُورِ وإِنْ لَزِمَ الطَّلاق، والْخُلْعُ، والإِيلاءُ، والظِّهَارُ، واللِّعَانُ، والْمِيرَاثُ، والنَّفَقَةُ، ولَوْ قَالَ: زَوْجَاتِي طَوَالِقُ انْدَرَجَتْ ..

قوله: (مُحَرَّمَةُ الْوَطْءِ) يريد: ومقدماته، ووجه المشهور أن الطلاق في الشرع مضاد للنكاح الذي هو سبب الإباحة، ولا يقضي للضد مع وجود ضده، ونظر في الشاذ إلى بقاء أحكام الزوجية، وتصور كلامه ظاهر.

* * *

ص: 475

الإيلاءُ الْحَلِفُ بِيَمِينِ يَتَضَمَّنُ تَرْكَ وَطْءِ الزَّوْجَةِ غَيْرِ الْمُرْضِعِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ يَلْزَمُ الْحِنْثُ فِيهَا حُكْماً، والْعَبْدِ أَكْثَرَ مِنْ شَهْرَيْنِ

اختلف في مدلول الإيلاء لغة فقال عياض: أصل الإيلاء الامتناع قال الله تعالى: (وَلا يَاتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ)[النور: 22] ثم استعمل في ما كان الامتناع منه بيمين، وقال الباجي: الإيلاء في اللغة: اليمين، وقال ابن الماجشون: وكذلك قال الفضل. ويقال: آلى وتآلى وائتلاء والأول هو المستعمل عند الفقهاء يقال فيه: آلى يؤلي. إيلاء. والاسم منه: الألية، والجمع الألايا. قال كثير في عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:

قليل الألايا حافظ ليمينه وإن بدرت منه الآلية برت

ويقال أيضاً: الألوة بفتح الهمزة وضمها وكسرها، ورسم المصنف الإيلاء في اصطلاح الفقهاء بقوله: (الْحَلِفُ

إلى آخره) والحلف كالجنس ولو قال: الإيلاء يمين يتضمن

إلى آخره لكان أحسن.

ولا حاجة إلى الحلف بيمين إذ الحلف هو اليمين.

وقوله: (يَتَضَمَّنُ تَرْكَ) هذه الجملة صفة ليمين تقديره: الحلف بيمين تدل على ترك وطء الزوجة.

وانظر هل أراد بقوله (يَتَضَمَّنُ) ما يدل أعم من أن يدل بالمطابقة أو بالتضمن أو بالالتزام؟ أو أراد بالتضمن حقيقته واستغنى بالتضمن عن المطابقة [374/ ب] والالتزام، والأول أظهر.

وقوله: (يَتَضَمَّنُ تَرْكَ وَطْءِ) يريد سواء تضمنه عقلاً كحلفه ألا يلتقي معها لأن الالتقاء معها أعم من الالتقاء معها للجماع وغيره، ونفي الأعم مستلزم لنفي الأخص، أو شرعاً كحلفه ألا يغتسل عنها من جنابة؛ ولما قلناه من أن عدم الالتقاء مستلزم عقلاً لعدم الجماع كان عدم جزمه في المدونة لإيلاء مخالف هذا اليمين ليس بظاهر، ولهذا

ص: 476

اختصر البراذعي المسألة على السؤال والجواب، لأن عادته ألا يفعل ذلك إلا لإشكال في الموضع فقال: وإن حلف بالله ألا يلتقي معها سنة، قال: كل يمين يمنع الجماع فهو مول، فإن كان هذا يمتنع بيمين فهو مول. ولهذا قال اللخمي: هو مول بلا شك.

وقال صاحب النكت: إنما تردد لاحتمال أن يريد: لا ألتقي معك في دار بعينها أو موضوع بعينه وإلا فهو مول بلا شك.

اللخمي: وقوله في من حلف ألا يتطهر منها من جنابة أنه مول؛ يحتمل أن يريد أنه يحنث بنفس الإصابة لأن القصد باليمين ألا يصيب، أو لا يحنث إلا بالغسل، لأنه هو الذي علق الحنث به، فعلى الاحتمال الأول يكون قوله: لا أغتسل، كناية عن نفي الجماع وهو كقولهم في الكناية عن كرم الشخص: هو كثير الرماد طويل النجاد.

وعلى هذا فيضرب له الأجل من يوم اليمين، وعلى الثاني يضرب له الأجل من يوم الرفع على المشهور لأنه لم يحلف على ترك الوطء وإنما تركه من انعقاد اليمين على وسيتبين لك هذا.

ابن القاسم: وإن قال: علي نذر ألا أقربك؛ فهو مول. وقال يحيى بن عمر: ليس بمول وهو بمنزلة قوله: علي نذر ألا أكلمك وهو نذر في معصية، وقوله:(تَرْكَ وَطْءِ الزَّوْجَةِ) احترز به مما لو حلف ألا يكلمها وليهجرنها وهو يصيبها فإنه ليس عند مالك مؤلياً.

اللخمي: وهو من الضرر فللزوجة أن تقوم بالطلاق لأجله إلا أنه لا يضرب له أجل الإيلاء، بل إذا تبين ذلك طلق عليه.

وقال أصبغ: إذا حلف ألا يكلمها فوطئها يحنث من جهة فهمها لما يريده منها كالحالف أن لا يكلم شخصاً فيشير إليه. فعلى قوله: يكون مولياً إذا حلف أن لا يكلمها. واختلف إذا حلف على العزل عن زوجته هل يكون مؤلياً؟ وكذلك اختلف في من حلف

ص: 477

ألا يبيت مع امرأته والأقرب فيهما أن لها القيام ولا يضرب له أجل الإيلاء. أما لو حلف ألا يطأها ليلة، فلا قيام لها لأنه يبيت معها ويطأها نهاراً وكذلك لو حلف ألا يطأها نهاراً.

وفي الموازية فيمن قال: علي الطلاق إن وطئتك إلا أن تأتيني، فهو مول وليس عليها أن تأتيه وعليه أن يأتيها.

اللخمي: يريد لظاهر الحديث أنه عليه الصلاة والسلام "كان يدور على نسائه". وفي كتاب ابن سحنون في من قال: والله لا أطؤك إلا أن تسأليني، هو مول ولها أن تقيم بها إلى السلطان وليس عليها سؤال.

وقال سحنون: ليس بمول؛ لأن الامتناع من جهتها. قال في المدونة وإن حلف ألا يطأها في هذه الدار فليس بمول لإمكان أن يطأها في غيرها. وقيده اللخمي بمن يحسن في حقه ذلك وأما من لا يحسن في حقه ذلك، أو كان على الزوجة في الخروج معه مضرة فهو مول كما قال في من حلف ألا يطأ زوجته في هذا المصر أنه مولٍ إذا كان يتكلف في الانتقال المؤنة.

واحترز بالزوجة عن السرية وأم الولد فإنه لا يضرب له أجل الإيلاء، نعم هو ممنوع من الضرر ولاسيما أم الولد فإنه لا منفعة فيها إلا بالوطء فإن لم يطأها وأضر ذلك بها منع لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا ضرر ولا ضرار. وقوله: (غَيْرِ الْمُرْضِعِ) احترازاً مما لو حلف ألا يطأ زوجته المرضعة حتى يفطم ولدها فإنه ليس بمول. قاله مالك في المدونة والموطأ وغيرهما.

ابن القاسم: لأن هذا أراد إصلاح ولده وليس على وجه الضرر، وإنما يدخل الإيلاء على من قصد الضرر، وخالف في ذلك أصبغ ورآه مؤلياً.

اللخمي: وهو أقيس؛ لأن للمرأة حقاً في الوطء ولا حق للولد ولا مضرة عليه.

ص: 478

لقوله عليه الصلاة والسلام: "أن ذلك لا يضر". واتفق على أنه مول إن أرضع الولد غيرها وعلى المشهور، فقال في كتاب ابن سحنون إذا حلف بطلاقها البتة ألا يطأها حتى تفطم ولدها، فإن مات الولد قبل الفطام حل له الوطء ولا حنث عليه إن كانت نيته استصلاح ولده، وإن كانت نيته أن لا يمسها حولين كاملين فهو مول، وتطلق عليه إذا أوقفه السلطان بعد أربعة أشهر؛ لأنه لا يقدر ألا يمسها ولا يفيء لأن يمينه بالبتة.

وفي الموازية: وإن حلف ألا يطأ امرأته التي ترضع سنتين، وقال: أردت تمام الرضاع، فليس بمول إلا أن يموت الصبي وقد بقي من السنتين أكثر من أربعة أشهر فيلزمه الإيلاء من يومه.

ابن يونس: واعترض بعض أصحابنا قوله: (من يومه)، وقال: إنما لم يعد مولياً أولاً، لأنه غير مضار، فإذا مات الولد ولم يطأ تبين أنه أراد الضرر فينبغي أن يكون أجله من يوم الحلف، وليس هو بصواب لأنه يحتمل أن يكون أراد الضرر فينبغي أن يكون أجله من يوم الحلف وليس هو بصواب؛ لأنه يحتمل أن يكون أراد الضرر اليوم بامتناعه إذ لا عذر [375/ أ] له، ويحتمل أن يكون أراده من الأول فيلغى قصد الضرر أولاً للشك فيه، ويعتبر قصد الضرر الآن إذ لا شك فيه.

ابن الماجشون: وإن حلف ألا يطأ امرأته سنتين، وقال: أردت بذلك كمال الرضاع، فذلك له ولا يلزمه توقيف.

الباجي: ومعناه أنه مول لأنه قد يتعلق بيمينه الضرر إن مات ابنه قبل انقضاء السنتين أو فطم قبل ذلك. وإنما الذي لا يكون به مؤلياً من حلف ألا يطأ حتى يفطم لأنه لا يتعلق بيمينه الضرر على وجه.

وعورضت هذه المسألة بما سيأتي أن إيلاءء المريض لازم مع أنه لا يريد الإضرار وإنما يريد استصلاح بدنه. وإذا قيل بعدم اللزوم لأجل مراعاة الولد فلأن يقال بذلك لنفسه

ص: 479

هو أولى، ولهذا قال سحنون في المريض: كيف يكون مؤلياً وهو لم يحلف على ضرر؟ وخرج بعضهم من كل واحدة قولاً في الأخرى.

خليل: وقد يفرق بينهما لأن إصلاح الولد فيه إصلاح لها وهي تحته، بخلاف الأخرى. وقوله:(أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) أخرج أربعة أشهر فأقل فإنه لا يكون مؤلياً، وهذا هو المشهور، وروى عبد الملك أن من حلف على أربعة أشهر كان مؤلياً.

ومنشأ الخلاف، الاختلاف في فهم قوله تعالى:{لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 226 - 227] وينبني على هذا الخلاف: هل يوقف للفيئة أو الطلاق بعد أربعة أشهر أو فيها؟ وهل يقع الطلاق بمضي الأربعة أو لا؟ فعلى المشهور لا يؤمر بالفيئة إلا بعد أربعة أشهر ولا يقع الطلاق بمجرد مضيها؟

فضل: وأصحاب مالك مجمعون على الأول، إلا ما روى أشهب عن مالك من وقوع الطلاق بمرور الأجل، وحكاه ابن نافع وعبد الملك عن مالك، وتمسك المشهور بما تعطيه الفاء في قوله:(فَإِنْ فَاءُوا) فإن ظاهرها يستلزم تأخير ما بعدها عما قبلها، وكذلك إن الشرطية فإنها تصير الماضي بعدها مستقبلاً، ورأى في الشاذ أن الفاء ليست إلا لمجرد السببية ولا يلزم تأخير المسبب عن سببه في الزمان، بل الغالب عليه المقارنة، ولأن مفهوم قوله:(أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) أن التربص مقصور عليها.

قال في المقدمات: وروى أشهب عن مالك في العتبية أنه إذا وقف بعد الأربعة أشهر فقال أنا أفيء، أمهل حتى تنقضي عدتها، فإن لم يفعل بانت منه بانقضاء عدتها. وهي قولة بين القولين على طريق الاستحسان غير جارية على قياس وعلى المشهور. فأطلق في المدونة الزيادة على أربعة أشهر كالمصنف، وظاهره أنه يكون مؤلياً باليوم ونحوه وبذلك صرح في الموازية والمدونة، وقيل: لا يكون مؤلياً إلا بزيادة مؤثرة وهو قول عبد الوهاب،

ص: 480

ومن المتأخرين من تأول على عبد الوهاب أنه لا يكون مؤلياً إلا إذا زاد أكثر ما يتلوم به عليه إن قال: أنا أفيء.

ابن رشد: وهو غلط؛ لأن التلوم أنما يكون إذا وقف فقال: أنا أفيء، ولم يفعل. وأما إذا أبى أن يفيء فإن الطلاق يعجل عليه ولا معنى للتلوم عليه، ومدة التلوم تبلغ المرة بعد المرة الثلاثين يوماً ونحوها، رواها ابن وهب عن مالك في الموازية.

وقوله: (يَلْزَمُ الْحِنْثُ فِيهَا حُكْماً) كقوله: والله لا أطؤك، وإنه إذا حنث لزمته الكفارة، وإن وطئتك فأنت طالق أو فلان حر.

واحترز عما لو قال: إن وطئتك فعلي المشي إلى السوق، أو هو يهودي أو نصراني، أو فكل مملوك أملكه حر، أو فكل زوجة أتزوجها طالق، فإنه لا يلزمه وليس هو بمول قاله في المدونة.

وقوله: (يُلزم) مضموم الياء فعل مضارع مبني للفاعل من ألزم وفاعله الحنث فظاهر قوله: (يَلْزَمُ الْحِنْثُ فِيهَا حُكْماً) أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون الحكم مشتقاً أم لا.

وذهب بعضهم إلى أنه لا يكون مؤلياً إذا حلف بما لا مشقة فيه كما لو حلف بركعتين.

قوله: (والْعَبْدِ أَكْثَرَ مِنْ شَهْرَيْنِ) هذا هو المشهور. وقيل: أجله كالحر، والعبد يحتمل أن يقرأ بالجر وبالرفع لأن قوله:(ترك)، مصدر مضاف إلى الفاعل أي ترك الحر، فالحر مجرور في اللفظ مرفوع في المحل، فلك أن تعطف على لفظه، ومحله. والله أعلم.

وَالرَّجْعِيَّةُ كَغَيْرِهَا إِنْ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الْحَلِفِ قَبْلَ تَمَامِ الْعِدَّةِ

أي: (وَالرَّجْعِيَّةُ) في الإيلاء (كَغَيْرِهَا) لأنها في حكم الزوجات وهكذا في المدونة وغيرها.

ص: 481

قال في الموازية: وكذلك إذا حلف لا أراجعك. واستشكله اللخمي لأن الوقف إنما يكون لمن لها حق في الوطء، والمطلقة لا حق لها فيه، قال: ولا خلاف أن الرجعة حق له لا عليه إن شاء ارتجع وأصاب، وإن شاء لم يرتجع فكيف يجبر على أن يرتجع ليصيب أو يطلق عليه طلقة أخرى؟ وهو ظاهر، وأجاب ابن محرز وغيره بأنه إنما لزمه الإيلاء خيفة أن يكون ارتجع وكتم الرجعة.

وَأَمَّا إِنْ كَانَ الطَّلاق بَعْدَ الْوُقُوفِ فَلا تُطَلَّقُ عَلَيْهِ أُخْرَى قَبْلَ تَمَامِ الْعِدَّةِ

لما ذكر [375/ ب] أن الرجعة في إيلاء كغيرها وكان طلاق المولي رجعياً خشي أن يتوهم أنه إذا طلق عليه بسبب الإيلاء أن لها أن توقفه مرة ثانية، فبين أنها ليس لها ذلك لأنه قد طلق عليه بسبب الإيلاء.

وَإِنَّمَا قَالَ فِي مَنْ قَالَ- واللهِ لا وَطِئْتُكِ- واسْتَثْنَى: أَنَّهُ مُولِ إِذَا رَفَعَ وَلَمْ تُصَدِّقْهُ فِي قَصْدِ الاسْتِثْنَاءِ ..

هذا راجع إلى قوله في الرسم: (يلزم الحنث فيها حكماً) فيقال على سبيل الاعتراض هذا الرسم غير جامع لأن مالكاً قال في المدونة في من قال والله لا وطئتك واستثنى بالمشيئة: هو مول؛ مع أنها يمين لا يلزمه الحنث فيها حكماً لأن الاستثناء يمنع انعقاد اليمين كما تقدم، ولهذا قال أشهب: لا يكون مولياً.

اللخمي: هو أبين. وأجاب المصنف بأن مالكاً إنما قال ذلك إذا رفعته الزوجة إلى القاضي ولم تصدقه في أنه أراد بذلك الاستثناء حل اليمين، ولعله أراد التبرك بذكر الله.

وامتناع الحالف من الوطء يدل على أنه لم يرد حل اليمين واتهام مالك هنا للمخالف كاتهامه في المدونة لمن قال لزوجته: والله لا أطؤك، فلما مضت أربعة أشهر وقف، فقال: أردت ألا أطأها بقدمي. قال فيقال له: إن وطئت نصدقك وأنت في الكفارة أعلم؛ فإن شئت فكفر أو فدع.

ص: 482

وأَوْرَدَ عَلَيْهِ لَوْ كَفَّرَ وَقَالَ: عَنْ يَمِينِي، ولم تُصَدِّقْه

يعني (وأَوْرَدَ) على قول مالك في المسألة السابقة ما قاله مالك في من حلف أن لا يطأ ثم كفر ولم يطأ بعد الكفارة فقالت له الزوجة: لم تكفر عن يمين الإيلاء وإنما كفرت عن يمين أخرى، أن الإيلاء لا ينحل عنه فيلزم كما رفع عنه التهمة هنا بأضعف الكفارات أن يرفعها عنه هناك، وكما لم يرفعها عنه هناك، وكما لم يرفعها عنه في المسألة السابقة لتهمته لأجل الامتناع من الوطء فكذلك يلزم في الثانية لامتناعه أيضاً.

وفرق بأن المكفر أخرج المال وفي معناه الصوم لشدته فلم يتهم بخلاف المستثنى، وفيه نظر؛ لأن احتمال قصد غيرها باقٍ، ولهذا قال أشهب: لا ينحل عنه الإيلاء بالكفارة.

وفرق صاحب النكت بأن المستثنى يحتمل بأن يكون قصد باستثناءه حل اليمين ويحتمل ألا يكون قصد به ذلك بل التبرك ونحو ذلك.

والكفارة تحل اليمين بلا شك، وإن كنا لم نعرف هل قصد بها حل هذه اليمين أو غيرها؟ فلما كانت الكفارة تسقط اليمين على كل حال كانت التهمة فيها أبعد.

وشَرْطُ الْمولي أَنْ يَكُونَ زَوْجاً مُسْلِماً مُكَلَّفاً يُتَصَوَّرُ وِقَاعُهُ، وقَالَ أَصْبَغُ: يَصِحُّ إِيلاءُ الْخَصِيِّ والْمَجْبُوبِ ..

قوله: (أَنْ يَكُونَ زَوْجاً) أي تحقيقاً أو تعليقاً بل يصح من الأجنبية فلو قال لأجنبية: والله لا وطئتك، ثم تزوجها فهو مول صرح بذلك في المدونة ولو استغنى عن قوله:(زَوْجاً) ليعلم من قوله أولاً في الرسم الحلف بيمين يتضمن ترك وطء الزوجة فإنه يعلم من هذا الكلام أن الحالف بهذا اليمين لا يكون إلا زوجاً أيضاً، فالشرط خارج عن الماهية والركن داخل فيها، فذكر الزوج في أحد القسمين يمنع من ذكره في الآخر، قاله ابن عبد السلام.

ص: 483

وقوله: (مُسْلِماً) احترزاً مما لو آلى في حال كفره ثم أسلم فإنه لا يلزمه شيء قاله في المدونة، وقيل: يلزمه بناءً على أن اليمين هل تنعقد في حال الكفر أم لا؟ ولو رضي الذمي في الإيلاء بحكمنا، فحكمنا عليه به قاله في الكافي. وقول ابن عبد السلام: لا يشترط في الإيلاء الإسلام لأن الزوجين إن كانا كافرين فالمنع من الحكم فيهما في الطلاق علي ما تقدم هو المانع من الإيلاء، وإن كان الزوج وحده مسلماً لزمه الإيلاء، وليس من فروع هذه المسألة العكس، ليس بظاهر لما قلناه.

وقوله: (مُكَلَّفاً) احترازاً من الصغير والمجنون؛ فإنه لا يصح إيلاؤهما فإن آلى وهو صحيح ثم جن عند تمام أجل الإيلاء؛ فقال أصبغ: يوكل السلطان عليه من يكون ناظراً في أمره فإن رأى له ألا يفيء ويطلق عليه فعل ويلزمه ذلك، وإن رأى أن يكفر عنه فعل.

واختار اللخمي ألا يكون لامرأته مقال لأن امتناعه في حال الجنون ليس بيمين، وإذا يكن لها مقال إذا قطع ذكره، فالمجنون أولى؛ لأنه إن لم يصب الآن أصاب بعده، وسيأتي الكلام على ما إذا أصاب في حال جنونه عندما يتعرض المصنف لذلك.

وقوله (يُتَصَوَّرُ وِقَاعُهُ) قال في المدونة: وأن آلى خصي أو شيخه كبير- وقد تقدم له فيها وطء أو آلى الشاب ثم قطع ذكره- لم يوقفوا ولا حجة لنسائهم.

وخالف أصبغ في الخصي والمجبوب ورأى أنه يصح منه الإيلاء لأن لزوجته منفعة فيما آلى عنه من المضاجعة والمباشرة، ولذلك تزوجته فإذا قطع عنها ذلك وجب أن توقعه.

قال: وأما الشيخ فلا إذا أقعده الكبر إلا أن يكون فيه حراك فيقطعه عنها.

وَيَصِحُّ مِنَ الْحُرِّ والْعَبْدِ والصَّحِيحِ وَالْمَرِيضِ

لأن شرط المولي موجود فيهم، واحتاج إلى التنبيه على حكمهم، لأن الشرط لا يلزم من وجوده المشروط، والدليل على صحة [376/ أ] إيلاء هؤلاء قوله تعالى:(ِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ) فعم.

ص: 484

ابن عبد السلام: وظاهر المذهب مثل ما ذكره المصنف في المريض، ورأى بعضهم أنه إذا كان عاجزاً عن الجماع أنه لا معنى لانعقاد الإيلاء في حقه، ألا ترى أنه لو آلى الصحيح ثم مرض لما طولب بالفيئة بالجماع.

وَيَلْحَقُ بِالْمولي مَنْ مُنِعَ مِنْهَا لْشَكٍّ

أي: كل من كانت يمينه على حنث كما لو قال: إن لم أدخل فأنت طالق، وقد تقدم هذا عند قوله في الطلاق، (وإن كان نفياً يمكن دعوى تحقيقه

إلى آخره) هكذا كان يقيد شيخنا هذا المحل، وهو الذي يؤخذ من كلامه في الجواهر.

ومثل ابن راشد من منع منها للشك بما إذا قال لامرأتيه: إحداكما طالق، وقال: نويت واحدة معينة ونسيتها؛ فإنه يوقف رجاء أن يتذكر، فإن طال تذكره وقامتا عليه فهو كالمولي.

وقول ابن عبد السلام: إن تصور كلام المصنف مشكل. ليس بظاهر.

فرع:

إذا قال لامرأتيه: والله لا وطئت إحداكما، ولا نية له فقيل: هو مول منهما جميعاً.

وقيل: لا إيلاء عليه حتى يطأ واحدة فيكون مولياً من الأخرى.

وَمِنِ امْتَنَعَ مِنَ الْوَطْءِ لِغَيْرِ عِلَّةٍ وعُرِفَ مِنْهُ حَاضِراً أَوْ مُسَافِراً

أي: ويلحق بالمولي من امتنع من الوطء لغير علة، بل ترك ذلك إما لمصلحة جسده أو للانقطاع للعبادة، أو لقصد الضرر.

قوله: (وعُرِفَ مِنْهُ) أي أنه لم يمتنع لعلة.

وقوله: (حَاضِراً أَوْ مُسَافِراً) حال من الفاعل المضمر في (امْتَنَعَ) وما ذكره المصنف مروي عن مالك لكنه خلاف المشهور؛ فإن المشهور وهو مذهب المدونة أن لها أن تقوم

ص: 485

بالفراق، فإذا تبين ضرره طلقت عليه من غير ضرب أجل، لأن آية الإيلاء لا تتناول هذه الصورة ولا ينطبق اسم الإيلاء عليها.

بعض القرويين في هذا: ويجب ألا يضيق عليه في أجل التلوم بل يفسح له في ذلك مقدار أجل الإيلاء وأكثر، وذلك أنه يقول: أنا لو تركت الوطء بالحلف أربعة أشهر فأقل لم يكن علي شيء فكيف إذا تركت الوطء بغير يمين؟

عبد الحق- وقال لنا أنه رأى ذلك لبعض العلماء من البغداديين: ونص المدونة: ومن ترك وطء زوجته لغير عذر ولا إيلاء لم يترك، فإما وطئ وإلا طلق، وبذلك يقضى.

وكتب عمر بن عبد العزيز إلى قوم بخرسان: إما أن يقدموا أو يقدم نساؤهم إليهم، أو يطلقوا.

أصبغ: فإن لم يطلقوا طلق عليهم، وفي النكاح الثاني منها: ومن سرمد العبادة لم ينه عن تبتله. وقيل له: إما وطئت أو طلقت.

ابن القاسم في العتبية: ويتلوم للغائب السنة والسنتين. وفي سماع عيسى: والثلاثة.

ابن رشد: ومعناه وإن كان يبعث بالنفقة.

اللخمي: وقول مالك في من سرمد العبادة أصل في كل من ترك الإصابة غير مضار، إلا أن ذلك لا يسقط حقها من الوطء واختلف إذا لم يقدر على الإصابة لأنه قطع ذكره، أو لعلة نزلت به، فقال مالك مرة: لا مقال لها، وفي كتاب ابن شعبان: لها القيام وإن قطع ذكره ولو فعل ذلك بنفسه خطأ كان على خلاف، وقد جرى ذلك لبعضهم أراد أن يستحد فنزلت يده فقطع ذكره فإن تعمد ذلك كان لها الفراق بالاتفاق وإن شرب دواءً ليقطع منه لذة النساء كان لها الفراق، وكذلك لو شربه لعلاج علة وهو عالم أنه يذهب بذلك أو شاك، كان لها الفراق بالاتفاق.

ص: 486

وَمَنِ احْتَمَلَتْ مُدَّةُ يَمِينِهِ أَقَلَّ الأجَلِ

أي: ويلحق بالمولي من احتملت مدة يمينه أقل الأجل كما لو قال: والله لا وطئتك حتى يموت زيد، ونحو ذلك قاله في المدونة.

إِلا أَنْ أَجَلَهُمْ مِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ، والأَوَّلُ مِنْ يَوْمِ الْحَلِفِ، ولِذَلِكَ فُرِّقَ بَيْنَ أَنْ أَمُوتَ أَوْ تَمُوتِي وبَيْنَ أَنْ يَمُوتَ زَيْدُ ..

الضمير في أجلهم عائد على من ألحق بالمولي، وقوله:(والأَوَّلُ مِنْ يَوْمِ الْحَلِفِ) من حلف على ترك الوطء وحاصله أن المولي حقيقة أجله من يوم اليمين، وأما من ألحق به فأجله من يوم الرفع وهذا هو المشهور، وقيل: أجله من يوم اليمين كالأول.

وقوله: (لِذَلِكَ

إلى آخره) أي ولأجل التفرقة بين المولي حقيقة وبين من ألحق به فرق بين من حلف ألا يطأها حتى تموت أو يموت وبين أن يموت زيد، أي فيكون أجله إذا حلف أن لا يطأها حتى تموت أو يموت من يوم الحلف، لأن يمينه تناولت بقية عمره أو عمرها فكان بمنزلة من قال: والله لا أطؤك فأطلق، ويكون أجله إذا قال: حتى يموت زيد، من يوم الرفع لأن مدة يمينه محتملة لأقل من أجل الإيلاء.

خليل: وظاهر المدونة يخالف هذه التفرقة لقوله: وإن حلف ألا يطأ امرأته حتى يموت فلان، أو حتى يقدم أبوه من السفر؛ فهو مول؛ فظاهره أنه يضرب له الأجل من يوم اليمين.

ابن عبد السلام: والتفريق الذي ذكره المصنف غير خال من مغمز.

وَفِي ابْتِدَاءِ أَجَلِ الْمُظَاهِرِ الْمُمْتَنِعِ مِنَ التَّكْفِيرِ قَادِراً قَوْلانِ، وفَيْئَتُهُ تَكْفِيرُهُ

يعني: اختلف هل ابتداء أجل الإيلاء في حق المظاهر إذا دخل عليه الإيلاء بسبب امتناعه من الكفارة وهو [376/ ب] قادر عليها من يوم اليمين؟ وهو الذي في الموازية، وعليه اختصر البراذعي، وغيره المدونة. أو من يوم الرفع وهو أيضاً لمالك.

ص: 487

اللخمي: والأول أحسن لأن المظاهر قصد تحريم الوطء، إذ معنى الظهار إن وطئتك علي حرام كأمي.

وقال ابن يونس: القول الثاني أحسن، يريد: أنه لم يحلف على ترك الوطء بالتصريح، فيكون هو الجاري على المشهور في المسألة السابقة. وفي المسألة قول ثالث: أن الأجل من يوم يتبين ضرره، قيل: وهو مذهب المدونة. وقال الباجي: الثالث، والأول في المدونة.

وقوله: (وفَيْئَتُهُ تَكْفِيرُهُ) أي فيئة هذه المظاهر تكفيره لا الوطء كما في صريح الإيلاء، والفرق على أن الحالف على ترك الوطء إذا وطئ زال عنه الامتناع وإنما بقي مطالباً بالكفارة. وأما المظاهر فإذا وطئ لا يرتفع عنه المانع بل يتأكد كما سيأتي.

وفهم من قوله: (وفَيْئَتُهُ تَكْفِيرُهُ) أن المظاهر لو طئ لم ينهدم الأجل. والله أعلم.

وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ بِمُضَارَّ فَلا يَدْخُلُ عَلَيْهِ إِيلاءُ، ولِذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ بِهِ عَلَى الْعَبْدِ إِيلاءُ لأَنَّ مُدَّةَ صَوْمِهِ مُدَّةُ أَجَلِهِ ..

يعني: فأما من ترك الكفارة لعدم القدرة وهو معنى قوله: (لَيْسَ بِمُضَارَّ فَلا يَدْخُلُ عَلَيْهِ إِيلاءُ) وعلى هذا فيكون هذا الكلام قسيماً في المسألة السابقة للممتنع من التكفير قادراً، فإن قيل: فإذا كان قسيمه فكان ينبغي أن يقول فأما من ليس بقادر، لأنه إنما أراد سلب وصف القدرة في قوله: الممتنع من التكفير قادراً، قيل لعله عدل عن ذلك تنبيهاً منه على أن الأجل إنما ضرب له في المسألة السابقة دفعاً للضرر وما ذكره المصنف من أن غير القادر لا يدخل عليه الإيلاء هو مقتضى المدونة.

وقيده اللخمي بما إذا طرأ عليه العسر والعجز عن الصيام بعد عقد الظهار، قال: وأما إن عقده على نفسه مع علمه أنه عاجز عن حله فإنه يدخل عليه، لأنه قصد الضرر بالظهار. ثم يختلف هل يطلق عليه الآن أو يؤخر إلى انقضاء أجل الإيلاء؟ رجاء أن يحدث لها رأي في ترك القيام.

ص: 488

قوله: (ولِذَلِكَ) يعني ولأجل أنه لا يدخل الإيلاء على من ليس بمضار، لم يدخل على العبد إيلاء ونحوه في الموطأ ونصه قال مالك في العبد يظاهر من امرأته: أنه لا يدخل عليه الإيلاء، وذلك أنه إذا ذهب يصوم صيام كفارة المظاهر دخل عليه طلاق الإيلاء قبل أن يفرغ من صيامه.

الباجي: يريد لأن صيامه شهران وأجله في الإيلاء شهران فإن أفطر ساهياً أو لمرض انقضى أجل الإيلاء قبل تمام الكفارة. قال: وتعليل مالك في الموطأ يدل على أنه لا يضرب له الأجل وإن أذن له السيد في الصوم. لكن لا يوجد هذا لمالك ولا لأحدٍ من أصحابه على هذا التفسير، ولعله أراد أن هذا من بعض ما يعتذر به العبد في رفع ضرب أجل الإيلاء عنه إن كان أراد الصوم ومنعه سيده، لأنه يضر به، فذلك عذر للعبد دخول الإيلاء عليه، وبه قال أصبغ فلم ير منع سيده من الصيام ضرراً يدخل به الإيلاء لأنه ليس من قبله، وإنما هو حق يملكه غيره.

وروى ابن القاسم عن مالك: لا يدخل على العبد إيلاء إلا أن يكون مضاراً لا يريد أن يفيء أو يمنعه سيده الصيام بأمر جائز فهذا يضرب له أجل الإيلاء إن رفعته امرأته ومعناه أن يضرب له أجل الإيلاء ليشرع في الكفارة إذا امتنع، أو ليبيح له سيده في أثناء ذلك التكفير بالصيام.

وقال صاحب الاستذكار: ما قاله في الموطأ هو أصله لا يدخل على المظاهر الإيلاء حراً كان أو عبداً إلا أن يكون مضاراً.

وقوله: (أنه لو ذهب يصوم .. إلى آخره) هو على قول من يقول: أن بانقضاء أجل الإيلاء يقع الطلاق، فيقول: لو وقع الطلاق بعد شهرين لم تصح له كفارة؛ إذ هو لا يكفر إلا بالصوم فكيف يكون مكفراً ويلزمه الطلاق؟ وهذا محال.

ص: 489

ابن عبدوس: قلت لسحنون: فإذا لم يدخل على العبد إيلاء فما تصنع المرأة؟ قال: ترفعه إلى السلطان فإما فاء أو طلق عليه.

أبو عمر: وهذا خلاف قول مالك في الموطأ.

خليل: وكلام الباجي أولى؛ لأن ابن عبد البر جعل كلامه في الموطأ مبنياً على القول بوقوع الطلاق بمجرد مضي الزمان، وهو غير المعروف من أقوال مالك، وظاهر كلامه أنه حمل الموطأ على أنه لا يلزمه إيلاء البتة لجعله ما حكاه ابن عبدوس مخالفاً له، وهو شيء لم يقله مالك ولا أحد من أصحابه على ما قاله الباجي.

ولَوْ زَالَ الْمِلْكُ عَنِ الْعَبْدِ الْمَحْلُوفِ بِعِتْقِهِ انْحَلَّ الإِيلاءُ فَلَوْ عَادَ عَادَ إِنْ كَانَ بَقِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ..

يعني: إذا قال: إن وطئتك فعبدي ميمون حر، ثم باع ميموناً انحل الإيلاء، لأنه إن امتنع الآن من الوطء فليس امتناعه من اليمين، (فَلَوْ عَادَ) أي العبد المحلوف بعتقه إلى ملكه عاد الإيلاء عليه إن كانت يمينه غير مؤقتة، أو مؤقتة وبقي من المدة أكثر من أربعة أشهر.

وما ذكره المصنف من عود الإيلاء عليه إذا ملكه ثانياً [377/ أ] هو مذهب ابن القاسم.

قال ابن بكير: لا يعود عليه. وقال أشهب: إن خرج من ملكه أولاً من غير اختياره، كما لو باعه الحاكم لفلسٍ لم يعد، ولو خرج أولاً باختياره عاد إليه الإيلاء، وقد تقدم توجيه الأقوال في الطلاق عند الكلام على المحل. فإن قيل في الفرق علي قول ابن القاسم بين رجوع العبد وبين رجوع الزوجة بملك مستأنفٍ فإنه وافق على أنه لا تعود عليه اليمين عادت الزوجة إليه بملك مستأنف كما سيأتي.

قيل: لأنه يتهم في العبد أن يكون قصد ببيعه حل اليمين بخلاف الزوجة فإنه لا يتهم عليها، ولهذا لم يتهمه هو ولا غيره في إرث العبد لما كان ملكه جبرياً.

ص: 490

وَكَذَلِكَ الطَّلاق الْبَائِنْ إِذَا قَصُرَ عَنِ الْغَايَةِ ولَوْ بَعْدَ زَوْجٍ

أي: فكمسالة العبد إذا قال لإحدى زوجتيه مثلاً: إن وطئتك ففلانة طالق، فطلق فلانة طلاقاً بائناً أو رجعياً وبانت، انحل الإيلاء، فلو أعادها بعد ذلك ولو بعد زوج عادت عليه اليمين ما بقي من العصمة الأولى شيء.

فَلَوْ بَلَغَ الْغَايَةَ فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ لَمْ يَعُدْ

هذا هو مقابل قوله أولاً: (قَصُرَ عَنِ الْغَايَةِ) أي فلو بلغ الغاية إما بأن طلقها ثلاثاً أو تكملت الثلاث ثم تزوجها بعد زوج لم تعد عليه اليمين لأن الملك الذي علق عليه اليمين ذهب.

واعلم أن ما ذكره من عدم عود اليمين إذا بلغ الغاية إنما هو في المحلوف بطلاقها، وأما المحلوف على عدم وطئها فإن اليمين منعقدة عليه فيها سواء طلقها ثلاثاً ثم تزوجها أو أقل من ذلك؛ قاله في المدونة في مسألة: زينب وعزة، وقد تقدم نصها في الطلاق.

أَمَّا لَوْ وُرِثَ الْعَبْدُ لَمْ يَعُدْ

يعني: (أَمَّا لَوْ) عاد ملك العبد بالإرث (لَمْ يَعُدْ) عليه الإيلاء كرجوع الزوجة بعد الزوج. ولو اشترى بعض العبد وورث بعضه عاد عليه إيلاء لأجل بقاء اليمين في ذلك البعض المشترى، وكذلك لو لم يرث منه شيئاً، ولكن اشترى بعضه فإن وطأها في المسألتين عتق عليه جميع العبد، البعض المشترى منه بنفس حنثه وبقية العبد بالتقويم.

وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا أَوْ غَيْرِهَا إِنْ وَطِئْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقُ وَقَعَ بِأَوَّلِهِ طَلْقَةُ رَجْعِيَّةُ وبَقِيَّتُهُ ارْتِجَاعُ ويَنْوِيهِ ..

يعني: إذا قال لغير المدخول بها أو غيرها: إن وطئتك فأنت طالق، يريد واحدة أو اثنتين من الوطء في المدخول بها أو غيرها، وعلى الوطء يعود الضمير في أوله وبقيته.

ص: 491

ابن راشد: قوله (فيَنْوِيهِ) عائد على قوله: (ارْتِجَاعُ) وساوت غير المدخول بها لأنها تصبر مدخولاً بها بالالتقاء، وهكذا قال ابن المواز، ونص كلامه عند ابن يونس، وغن كانت يمينه بواحدة فهو مولٍ وإن وطئ فلينو ببقية مصابه الرجعة، لأنه يحنث بأول الملاقاة، وإن كان ذلك قبل البناء ضرب له أجل الإيلاء وله الفيئة في الوطء على أن ينوي ببقية مصابه الرجعة فإن وطئ على هذا وإلا طلق عليه وكذلك قال عبد الملك وإن لم ينو ببقية مصابه الرجعة فلا رجوع له مدخولاً بها أو غير مدخول بها لأنه ترك تحقيق رجعته بأن ينوي ببقية وطئه الرجعة.

وحكى اللخمي في هذه المسألة خلافاً فقال: اختلف في صفة ما يباح له وهل ذلك بشرط أن ينوي الرجعة؟ فقيل: له أن يصيب وينزل، إلا أن ينوي مراجعة لأن الإنزال زائد على الوطء وقد حنث بما قبل إنزاله، وقيل: له مغيب الحشفة، لأنه يحنث بأول ما يقع عليه اسم الوطء ولم ير النزع منها وطئاً.

وقيل: يمنع منها ابتداءً لأنه يحنث بمغيب الحشفة والنزع وطء.

وهو أحسن على ظاهر المذهب في الحنث بالأقل ثم يختلف هل يسقط عنه بذلك الإيلاء؟ فعلى قول ابن القاسم يسقط لأنه قد حنث، وعلى قول عبد الملك لا يسقط عنه نوى أم لا؛ لأنه يقول: لا يسقط الإيلاء إلا بالمصاب وإذا كان ذلك فمن حقها الوطء التام والإنزال لحقها في الولد، فإن أصاب وهي في العدة بعد أن نوى الرجعة وإلا طلق عليه. قال: وكذلك اختلف إذا قال: إن وطئتك فأنت طالق البتة، كالاختلاف الأول.

ولَوْ قَالَ: إِنْ وَطِئْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقُ ثَلاثاً، فَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ: لا يُمكَّنُ إِذْ بَاقِي وَطْئِهِ حَرَامُ، وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: ويُنْجَّزُ مِنْ غَيْرِ أَجَلٍ إِذَا رَفَعَتْهُ، وقَالَ أَيْضاً: يُمكَّنُ مِنَ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وينْزِعُ، وقَالَ أَيْضاً: حَتَّى يُنْزِلَ ..

يعني: اختلف إذا قال لامرأته: إن وطئتك فأنت طالق ثلاثاً، فروى أكثر الرواة عن مالك: لا يمكن من الفيء بالوطء، هكذا في التهذيب، وهو أحسن من كلام المصنف،

ص: 492

لأن ما في التهذيب يؤخذ منه أنه مولٍ وإنما منع من الفيئة خاصة، بخلاف كلام المصنف لاحتماله هذا وإلا يكون مولياً، لكن لما قابل المصنف قول (أَكْثَرُ الرُّوَاةِ) بقول ابن القاسم:(ويُنْجَّزُ مِنْ غَيْرِ أَجَلٍ إِذَا رَفَعَتْهُ) زال هذا الاحتمال.

وقوله: (إِذْ بَاقِي وَطْئِهِ حَرَامُ) هكذا اختصر ابن يونس المدونة واختصرها البراذعي: إذ باقي وطئه لا يجوز وكلاهما سواء؛ لأنه يحنث [377/ ب] بأول الملاقاة فيكون باقي وطئه حرام.

ورأى ابن القاسم أنه لما كان ممنوعاً من الفيئة لم يكن في ضرب الأجل فائدة، إذ ضرب الأجل إنما هو وسيلة للفيئة.

وقول ابن القاسم بتنجيز الطلاق مروي عن مالك، وهو اختيار سحنون، وقوله:(وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: ويُنْجَّزُ مِنْ غَيْرِ أَجَلٍ إِذَا رَفَعَتْهُ) يدل على أنها لو لم ترفعه لم تطلق عليه.

وقال مطرف: تطلق وإن لم ترفعه. قال في المقدمات: وتحصيل الخلاف في هذه المسالة أن فيه قولين: أحدهما: أنه مولٍ والثاني: ليس بمولٍ فعلى الأول تطلق عليه حتى يحل أجل الإيلاء، واختلف عليه إذا حل الأجل على أربعة أقوال:

الأول: أنها تطلق عليه ولا يمكن من الفيء وهو مذهب ابن الماجشون.

والثاني: أنه لا تطلق عليه إلا أن يأبى الفيء، فإن لم يأب مكن من التقاء الختانين فقط. وهو مروي عن مالك.

والثالث: أنه يمكن من جميع لذته ولا ينزل خيفة أن يكون الولد ولد زناً وهو قول أصبغ.

والرابع: أنه يمكن من الكمال؛ أي لا يقع عليه الحنث إلا بتمامه، وهو قول ابن القاسم في أصل الأسدية.

ص: 493

وظاهر قوله في المدونة وما يؤخذ له فيها من خلاف ذلك فقد قيل إنه من إصلاح سحنون.

وعلى أنه غير مول وفي ذلك قولان:

أحدهما: أنه يعجل عليه الطلاق من يوم حلف وهو قول مطرف.

والثاني: أن الطلاق لا يعجل عليه حتى ترفعه امرأته إلى السلطان وتوقفه انتهى باختصار.

وذكر عياض عن شيخه ابن عتاب عن أبيه أنه يتضمن كلامه في المسألة في الكتاب أربعة أقوال:

أحدها: أنه مولٍ ولا يطلق عليه إلا بعد الأجل.

الثاني: أنها تطلق عليه إذا قامت وهو مولٍ.

الثالث: تطلق عليه وإن لم تقم وليس بمولٍ.

الرابع: تطلق عليه إذا قامت وليس بمولٍ.

اللخمي: ولم يختلف أنه لو نزع قبل تمام الوطء أنه يمنع من المعاودة.

واستشكل القول بأنه يمكن من التقاء الختانين- بأن ضبط النفس عن الزيادة على ذلك عسير.

وَيُمَكَّنُ فِي الظِّهَارِ اتِّفَاقاً

أي: إذا فرضت هذه المسألة في الظهار بأن قال: إن وطئتك فأنت علي كظهر أمي، فإنه يمكن من الوطء بالاتفاق، وفي هذا الاتفاق نظر. وقد حكى اللخمي في كتاب الظهار في هذه المسألة في إباحة الوطء أربعة أقوال:

ص: 494

الأول: لمحمد أنه يمنع جملة لأن مغيب الحشفة يوجب الحنث والنزوع وطء ممن وقع عليه الظهار.

الثاني: لعبد الملك أنه له مغيب الحشفة ثم ينزع بناءً على أن النزوع ليس بوطء.

الثالث: لا يطأ ولا ينزل.

الرابع: أن له ذلك وإن أنزل.

قال: وظاهر المدونة أن له الإصابة التامة ثم ينعقد عليه الظهار ولا تلزمه الكفارة إلا أن يطأها بعد ذلك.

وعلى هذا فلا فرق بين هذه المسألة والتي قبلها لأن الزوجة تحرم هنا بالظهار كما تحرم في الأولى بالطلاق، ولكن رفع التحريم الحاصل في الظهار بيده لقدرته على التكفير.

خليل: وانظر على هذا لو كان له عبد حاضر وقال: أنا أطأ وأعتقه عن ظهاري إذا أولجت، هل يتفق على تمكينه من الوطء حينئذ وهو الظاهر أم لا؟

ولا يقال: إذا كان الظاهر أنه يمكن في هذه الصورة بالاتفاق يصح كلام المصنف، لأنه لم يقيد كلامه بهذه الصورة ولا يمكن أن يريدها فقط لأنها فرض نادر. وقول اللخمي: ظاهر المدونة؛ لأن فيها: من قال لزوجته: إن وطئتك فأنت علي كظهر أمي، فهو مول حين تكلم بذلك، فإن وطئ سقط عنه الإيلاء ولزمه الظهار بالوطء ولا يقربها بعد ذلك حتى يكفر، ولهذا غمز سحنون ما في المدونة.

فضل: وإنما غمزها فيما أظن لأنه ذهب مذهب عبد الملك أنه لا يمكن من الوطء. قال: وإنما تكلم ابن القاسم على أحد قوليه في كتاب الإيلاء أي المسألة التي فوق هذه.

صاحب النكت وابن محرز: وليس في قوله في المدونة ما يدل على تمكينه من الوطء، وإنما قال: فإن وطئها، فأنت ترى كيف أشار فضل إلى إجراء هذه المسألة على التي فوقها،

ص: 495

وكلام عبد الحق وابن محرز ظاهر لأنه إنما قال في المدونة: إن وطئ سقط عنه الإيلاء لأن له أن يطأها.

وَلَوْ قَالَ: إِنْ وَطِئْتُ إِحْدَاكُمَا فالأُخْرَى طَالِقُ وأَبَى الْفَيْئَةَ فَالحَاكِمُ يُطَلِّقُ إِحْدَاهُمَا.

(وأَبَى الْفَيْئَةَ) أي وطء كل منهما ولا إشكال أنه لو وطئ واحدة طلقت عليه الأخرى.

وقوله (فَالحَاكِمُ يُطَلِّقُ إِحْدَاهُمَا) ينبغي أن يفهم على أن القاضي يجبره على طلاق واحدة، أو يطلق واحدة بالقرعة، وإلا فطلاق واحدة غير معينة لا يمكن؛ إذ الحكم يستدعي تعيين محله، وفي تطليق معينة منهما ترجيح بلا مرجح. ومن قامت بحقها من هاتين المرأتين كان الحكم كما ذكره المصنف، ولا يشترط قيامهما معاً.

ابن عبد السلام: وذكر بعضهم في تقييد هذه المسألة قولين هل يكون مولياً منهما معاً أو لا يكون مولياً إلا من إحداهما؟

وَلَوْ حَلَفَ لا يَطَأُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ إِلا مَرَّةً فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مُولٍ حِينَئِذٍ، وقَالَ أَيْضاً: لا إِيلاءَ عَلَيْهِ حَتَّى يَطَأَ وَقَدْ بَقِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، واخْتُلِفَ فِيهَا لَمَّا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ ..

ههنا قاعدة تنبني عليها هذه المسألة، والمسألة التي قبلها وما بعدها [378/ أ] من الفروع، وهي أن الحالف إذا كان امتناعه ليمين انعقدت عليه كان مولياً باتفاق وإن امتنع لا يمين انعقدت عليه وإنما امتنع خوفاً من انعقاد اليمين فهل يكون مولياً من حين اليمين أو لا يكون موليا حتى يطأ؟ قولان.

والقولان في المسألة التي ذكرها المصنف في الموازية، والقول الثاني مع بقية الكلام الذي ذكره المصنف في المدونة، ولا يلزم من تقديم المصنف للقول الأول أن

ص: 496

يكون هو المشهور وإنما يلزم ذلك لو صدر به ثم عطف عليه بـ (قيل)، واختار ابن المواز القول الأول.

وَلَوْ حَلَفَ لا يُجَامِعُهَا فِيهَا غَيْرَ مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا يَكُونُ مُولِياً، وقَالَ أَصْبَغُ: مُولٍ؛ وهُوَ غَلَطُ، نَعَمْ لَوْ وَطِئَ مَرَّتَيْنِ وَقَدْ بَقِيَ أَكْثَرُ فَمُولِ.

قوله: (فِيهَا) أي في السنة، ووجه قول ابن القاسم أن له أن يترك وطئها أربعة أشهر ثم يطأها ثم يترك وطئها أربعة أشهر ثم يطأها فلا يبقى من السنة غير أربعة أشهر. وقال أصبغ: مول، قال محمد: هو غلط، وتبعه المصنف لما قلناه في توجيه قول ابن القاسم،

خليل: ويمكن أن يوجه قول أصبغ بأن يقال: لو لم يلزمه الإيلاء في مثل هذه الصورة لتوصل بهذا إلى مضارة الزوجة، لأنه يمكنه أن يفعل في كل سنة كذلك فيؤدي إلى الضرر المستديم، وإبطال ما شرعه الله من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، فتكون هذه المسألة كالسريجية، ولا سيما ومن قواعدنا القول بسد الذريعة، على أن جواب ابن القاسم بعدم الإيلاء إنما ينبني على القول بأن من حلف على ترك الوطء أربعة أشهر لا يكون مولياً وأما على الرواية الأخرى فلا. وهذا الذي أشرنا إليه في توجيه قول أصبغ رأى اللخمي أن يكون لها حق في الوقف للضرر لا للإيلاء.

وقوله: (نَعَمْ لَوْ وَطِئَ مَرَّتَيْنِ وَقَدْ بَقِيَ .. إلى آخره) هو جواب لابن القاسم تقديره أن يقال: إنما ألزمه أصبغ الإيلاء لاحتمال أن يطأ مرتين في أول السنة، فأجاب عنه بأنه لو وطئ مرتين وقد بقي أكثر من أربعة أشهر لكان مولياً بالاتفاق.

وَفِيهَا: إِنْ وَطِئْتُكِ فَكُلُّ مَمْلُوكٍ أَوْ كُلُّ مَالٍ أَمْلِكُهُ مِنْ بَلَدِ كَذَا حُرُّ أَوْ صَدَقَةُ؛ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ: فِي تَعْجِيلِ الإِيلاءِ بِخِلافِ التَّعْمِيمِ فَإِنَّهُ لا يَكُونُ مُولِياً ..

هذان القولان مبنيان على القاعدة المتقدمة لأنه امتنع من الوطء خوفاً من انعقاد اليمين عليه في ما يملكه من البلد المسمى؛ لأنه إن جعلت الانعقاد بمنزلة ما يلزمه من

ص: 497

صوم أو صدقة أو نذر أو كفارة عجلت الإيلاء، وإلا لم تعجله، ولعل المصنف نسب هذه المسألة للمدونة ليبين لك أن كلاً من القولين في المسألة السابقة له أصل في المدونة.

وقوله: (بِخِلافِ التَّعْمِيمِ) أي فلا يكون مولياً لأن يمينه لم تنعقد.

وَلِلزَّوْجَةِ الْمُطَالَبَةُ إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَيَامُرُهُ الْحَاكِمُ بِالْفَيْئَةِ أَوِ الطَّلاقِ؛ فَإِنْ أَبَى طَلَّقَ عَلَيْهِ ..

قوله: (إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ) هذا مبني على المعروف من المذهب، وأما على القول بوقوع الطلاق بمضي الأربعة أشهر فلا.

وقوله: (أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ) أي من يوم الحلف إذا كانت يمينه صريحة في ترك الوطء أو من يوم الرفع إذا كانت يمينه متضمنة لترك الوطء كما تقدم.

قوله: (فَيَامُرُهُ الْحَاكِمُ بِالْفَيْئَةِ) أي الوطء (أَوِ الطَّلاقِ؛ فَإِنْ أَبَى) من كل منهما، (طَلَّقَ) الحاكم (عَلَيْهِ).

وظاهر كلامه أنه لا يتلوم له، وهو الصحيح وإن كان بعضهم ذهب إليه. واعلم أن للمولي إذا وقف حالتين: الأولى: أن يقول: لا أطأ، والحكم فيها أن يطلق عليه من غير تلوم، والثانية: أن يقول: أطأ، فهذا يتلوم له فيها. وإليه أشار بقوله:

فَإِنْ أَجَابَ اخْتَبَرَ مَرَّةً وثَانِيَةً فَإِنْ تَبَيَّنَ كَذِبُهُ طَلَّقَ عَلَيْهِ

أي (فَإِنْ أَجَابَ) إلى الوطء، وعلى هذا فمراده بالإجابة أخص من مراده بالإباية في قوله:(أَبَى) لأن مراده به بالإباية من كل من الوطء والطلاق كما تقدم، ومراده بـ (أَجَابَ) أي إلى الوطء، على أنه يمكن أن يريد بأجاب الإجابة إلى أحد الأمرين لا يعنيه ويكون مقابلاً لقوله: أبى، لكن المسألة إنما هي منصوصة على الوجه الأول.

وقوله: (اخْتَبَرَ مَرَّةً وثَانِيَةً) ظاهر كلامه أنه موكول إلى اجتهاد الحاكم.

ص: 498

قال في البيان: وهو المعلوم من مذهب مالك في المدونة وغيرها أنه يختبر المرتين والثلاث.

ابن عبد السلام: ووقع في المذهب روايات بالتحديد أضربنا عنها لمخالفتها الأصول.

اللخمي: وروى ابن وهب أنه قال: يؤخر وإن أقام في الاختبار حتى تحيض ثلاثة حيض وأكثر، ويوقف أيضاً، فإن قال: أنا أفيء خلي بينه وبينها، إلا أن يكثر ذلك فتطلق عليه، وروى أشهب أنه قال: يخلى بينه وبينها فلو لم يف حتى انقضت عدتها من يوم قال: أنا أفيء، طلقت عليه طلقة بائنة.

والْفَيْئَةُ تَغَييبُ الْحَشفَةِ فِي الْقُبُلِ فِي الثَّيِّبِ وافْتِضَاضِ الْبِكْرِ طَائِعاً عَاقِلاً.

(الْفَيْئَةُ) لغة الرجوع، والمراد بها [378/ ب] هنا الرجوع إلى ما كان ممتنعاً منه بسبب اليمين وهو الجماع، واحترز بالطوع من المكره، وبالعقل من المجنون، فإن وطئهما ليس فيئة.

وهكذا في الجواهر، لكنه خلاف ما نص عليه ابن المواز وأصبغ في العتبية، ونقله صاحب تهذيب الطالب واللخمي وصاحب البيان أن وطء المجنون في حال جنونه فيئة، قال في البيان: لأنها نالت بوطئها في جنونه ما تنال بوطئه في صحته. ووقع في قول أصبغ زيادة أنه يحنث بالوطء ويكفر عنه وليه. قال في البيان: وهو ضعيف لأن فعله في حال الجنون كلا فعل فإذا وطئ في حال الجنون وجب أن لا يحنث بذلك، ولا تجب به الكفارة لقوله عليه السلام:"رفع القلم عن ثلاث"، وعد فيهم المجنون.

وقياس ما قاله أهل المذهب في المجنون أن يكون وطء المكره فيئة، بل أولى، ألا ترى أنه اختلف في حد الواطئ مكرهاً ولم يختلف في سقوط الحد عن المجنون، وأيضاً فإنه قد قيل عندنا أن الإكراه إنما يكون في القول لا في الفعل والله أعلم.

ص: 499

وَلا يَنْحَلُّ بِالْوَطْءِ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ

أي: (وَلا يَنْحَلُّ) الإيلاء (بِالْوَطْءِ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ) وهكذا قال في إيلاء المدونة: لا تحصل الفيئة بالوطء بين الفخذين ولا بالقبلة والمباشرة واللمس، قال فيها: إلا أن الكفارة تلزمه بالوطء دون الفرج وتحمل يمينه على الاعتزال حتى يخص بنيته الفرج.

اللخمي: وعلى القول بحمل الأيمان على العادة لا يحنث بالإصابة بين الفخذين في كتاب الرجم من المدونة، فإن وطئها بين الفخذين فكفر زال إيلاؤه لأنه لو كفر قبل أن يطأ سقط إيلاؤه، فكيف إذا وطئ للإيلاء وظاهر ما قال في الإيلاء يخالف ما في كتاب الرجم، لأنه نص في الرجم على سقوط الإيلاء، وفي الإيلاء على عدم سقوطه.

أبو الحسن: إلا أن يتأول قوله في الإيلاء، إلا أن الكفارة تلزمه على معنى ولم يخرجها، وأما لو أخرجها لسقط عنه الإيلاء عملاً بما في الرجم.

وقال الباجي بعد أن ذكر قول مالك أنه يحنث بالوطء دون الفرج: وتحمل أيمانهم على الاعتزال لا خلاف أنه إذا أتى بما يحنث به فقد بطلت يمينه، وإذا بطلت يمينه لم يبق إيلاء وهو أعلم بما تجب عليه به الكفارة من الوطء بالفرج أو غيره، وأما فيما بينه وما بين الزوجة فلا يخرج عن حكم الإيلاء بما يدعي من أنه لم يرد الفرج فلا يقبل قوله يسقط به حكم الإيلاء عن نفسه، ويقبل فيما يوجب عليه الكفارة كما أنه لو كانت يمينه بالله فكفر بزعمه، لم يقبل ذلك فيما بينه وبين الزوجة وبالله التوفيق. انتهى.

خليل: وعلى هذا فقوله في المدونة في الإيلاء أن اليمين لا تنحل بالوطء بين الفخذين، إنما هو فيما بينه وبين الزوجة، وأما يمينه فقد انحلت.

ابن عبد السلام: قال بعض الشيوخ: وقد اختلف إذا لم ينو الفرج هل يحنث بما دون الفرج؟ وهو قول مالك أم لا؟ وعلى الحنث لو كفر وقال: أردت يمين الإيلاء ففي تصديقه قولان.

ص: 500

فإن ادعى نية في الفرج فله نيته، وإن قامت عليه البينة لأن نيته مطابقة لظاهر لفظه، إلا أن تفهم البينة على أنه أراد الاجتناب، فلا تقبل نيته حينئذ، وروى أصبغ عن ابن القاسم إذا وطئ المولي دون الفرج، وقال: نويت الفرج لم يحنث وبقي مولياً لحاله، وإن قال: لا نية لي حنث ولزمته الكفارة، فإن كفر سقط عنه الإيلاء، وإن لم يكفر بقي مولياً لأنه يتهم أن يكون نوى الفرج وكذب في قوله: لم أنو شيئاً حين لم يكفر وأراد سقوط الإيلاء عنه.

وفي سماع أبي زيد في من قال: امرأته طالق إن وطئ فرجاً حراماً أبداً فضم جارية لامرأته إلى صدره حتى أنزل حنث، ولا أنويه أنه أراد الوطء بعينه.

وفي الموازية من حلف أن لا يتسرى على امرأته فجرد جارية له ووضع يده على محاسنها وملاذها ليس بتسر. انتهى. وفسر ابن رشد ما في سماع أبي زيد من التحنيث بضم جارية امرأته، بما إذا حضرته البينة قال: وأما إن جاء مستفتياً فلا يحنث.

أبو الحسن: وهو خلاف ما في الإيلاء من المدونة في قوله: أن يمينه تحمل على الاعتزال.

وَيَجُوزُ عَلَى الْمَشْهُورِ

لم يثبت هذا في نسختي ولا في نسخة ابن راشد ولا في أكثر النسخ، ووقعت في بعض النسخ وهو كلام مشكل، لأن ظاهر كلامه أنه عائد على الوطء بين الفخذين، فيكون التقدير ويجوز الوطء بين الفخذين على المشهور وليس كذلك فإنه لا خلاف في جوازه نقله ابن عبد السلام، والأقرب أن يكون قوله:(عَلَى الْمَشْهُورِ) متعلقاً بصدر المسألة، أي ولا ينحل بالوطء بين الفخذين على المشهور وبين هذا ما وقع في بعض النسخ عوضاً عن قوله:(ولا ينحل بالوطء بين الفخذين، وفي حله بالوطء في غيره قولان) ووجد في بعض الحواشي المنسوبة إلى ابن الأنباري في هذا الموضع ما نصه لعله إنما أراد المظاهر

ص: 501

منها، وهو في غاية الضعف لأنه تسليم لعدم صلاحية هذا الكلام لهذا الموضع، ولأن المشهور في المظاهر منها خلاف هذا كما سيأتي.

وَفِي الْمُحَرَّمِ: قَوْلانِ

أي: وفي انحلال الإيلاء بالوطء المحرم، كما لو وطئها حائضاً أو محرمة أو في نهار رمضان. وأجراها اللَّخْمِيّ وغيره على الخلاف في [379/أ] الإحلال والإحصان بذلك.

وَفِي كِتَابِ الرَّجْمِ: لَوْ جَامَعَ فِي الدُّبُرِ انْحَلَّ الِإيلاءُ إِلا أَنْ يَكُونَ نَوَى الْقُبُلَ، وَلَمْ يُقِرَّهُ سَحْنُونٌ

تصور المسألة واضح، وقوله:(وَلَمْ يُقِرَّهُ) أي لم يقره في المدونة وطرحه وهكذا قال الشيخ أبو محمد وابن يونس أن سحنوناً طرحه ولم يقره. وفي بعض النسخ ولم يقرأه سحنون، والأول أحسن لأنه لا يلزم من عدم القراءة الطرح. ولعل سحنوناً إنما طرح هذه المسألة لأنها توهم إباحة الوطء في الدبر وهو محرم، أو لأنها مخالفة لما في كتاب الإيلاء؛ لأنه لا فرق بين الوطء في الدبر والوطء بين الفخذين بالنسبة إلى الزوجة.

خليل: ويمكن أن يقال أن مراد مالك بانحلال الإيلاء هنا إذا جاء مستفتياً لأن يمينه تحمل على الاعتزال، وإذا حنث في يمينه لم يبق مولياً.

وَالتَّكْفِيرُ وَتَعْجِيلُ الْحِنْثِ فِي الْمَحْلُوفِ بِهِ بَعْدَ الْوُقُوفُ وَقَبْلَهُ يَنْحَلُّ بِهِ الإِيلاءُ

لما انقضى كلامه على الفيئة أتبع ذلك بما يقوم مقامها وذلك نوعان:

النوع الأول: التكفير، أي في اليمين بالله قبل الوقوف أو بعده ينحل به الإيلاء، وهذا هو المشهور. وقال أَشْهَب: لا ينحل الإيلاء بالكفارة قبل الحنث، إذ لعله كفَّر عن يمين سبقت، وهذا الخلاف مبنيٌ على الخلاف في تقديم الكفارة قبل الحنث، ولأنه يتهم على قول أَشْهَب أن يكون قصد يميناً أخرى.

ص: 502

النوع الثاني: تعجيل الحنث في المحلوف به كما لو أعتق العبد المحلوف بعتقه. قال في البيان: ولا خلاف في هذا؛ لأنه لا بقاء ليمين بعد ذلك.

وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي الْفَيْئَةِ كَالاعْتِرَاضِ

يعني: في دعواه الفيئة قال في المدونة: مع يمينه، فإن نكل حلفت هي تطلق عليه إن شاءت.

والمشهور أن القول قوله بكراً كانت أو ثيباً، وقيل: القول قولها إن كانت بكراً. وهذا الخلاف يؤخذ من تشبيه المصنف بالاعتراض، فإذا كان القول قوله في الفيئة، ففي الكفارة أحرى، إلا أن يقال أن الوطء يتعذر إقامة البينة عليه بخلاف الكفارة.

فَلَو ْكَانَ مَرِيضاً أَوْ مَحْبُوسَاً أَوْ غَائِباً- فَتَكْفِيرُ الْيَمِينِ عَلَى الْمَشْهُورِ إِنْ كَانَتْ مِمَّا تُكَفَّرُ قَبْلَ الْحِنْثِ كَالْيَمِينِ بِاللهِ أَوْ تَعْجِيلِ الْحِنْثِ- كَعِتْقِ الْعَبْدِ، وَإِبَانَةِ الزَّوْجَةِ الْمَحْلُوفِ بِهما- فَإِنْ أَبَوْا طَلَّقَ عَلَيْهِمْ، وفِي عِتْقٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ: قَوْلانِ

هذا تقسيم للفيئة وذلك لأن المولي إن كان الوطء ممكناً منه فالفيئة في حقه ما تقدم، وإن لم يمكنه الوطء كالمريض والمحبوس والغائب فتكفير اليمين على المشهور، وهو خبر المبتدأ؛ أي ففيئته تكفير اليمين على المشهور، أو مبتدأ وخبره محذوف. والشاذ يحتمل أنه يريد به ما تقدم لأشهب في الكفارة، على ما تقدم فإنه منصوص هنا، فيكون الشاذ على هذا أضيق من المشهور، ويحتمل أن يريد بما ذكره عن سحنون.

وهو قوله (وقال سحنون: الأكثر أن الوعد كاف إلى أن يمكنهم، فيكون الشاذ أوسع من المشهور وهذا هو الظاهر لعمومه ولأنه المصرح به في كلامه. واستقرأ اللَّخْمِيّ من المشهور أن المسجون لا تدخل عليه زوجته في السجن، ولو كان ابن عبد الحكم قال: يجوز دخولها، وتصور قوله: أو تعجيل الحنث ظاهر، وهو يؤخذ من كلامه السابق،

ص: 503

والضمير في قوله: (أَبَوْا) عائد على المريض والمحبوس والغائب وقوله: (طَلَّقَ عَلَيْهِمْ) أي إذا أبوا من التكفير وتعجيل الحنث، وقوله:(بِهمَا)، عائد على العبد والزوجة. وقوله:(وفِي عِتْقٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ: قَوْلانِ) أي وفي إجزاء العتق غير المعين قولان، وقد تقدما وتقدم الكلام عليهما عندما ذكر المصنف المسألة في باب الأيمان، وذكرنا أن المشهور عدم الإجزاء.

وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لا يُكَفَّرُ قَبْلَهُ- كَصَوْمٍ لَمْ يَاتِ أَوْ بِمَا لا يَنْفَعُ تَعْجِيلُ الْحِنْثِ فِيهِ كَطَلاقٍ فِيهِ رَجْعَةٌ فِيهَا أَوْ فِي غَيْرِهَا- فَالْفَيْئَةُ الْوَعْدُ

أي: (وَإِنْ كَانَتْ) اليمين (مِمَّا لا يُكَفَّرُ) قبل الحنث ولم يمكنه الوطء إن كان مريضاً أو محبوساً كما تقدم (فَالْفَيْئَةُ الْوَعْدُ).

ابن راشد: ولا خلاف فيه، ومثل ذلك بما إذا حلف بصوم (لَمْ يَاتِ) زمانُه، و (بِمَا لا يَنْفَعُ تَعْجِيلُ الْحِنْثِ فِيهِ) وهو ظاهر لأنه إذا قال: إن وطئتها ففلانة طالقة، فلا فائدة في تطلقة فلانة؛ لأنه إذا طلقها طلقة رجعية فاليمين منعقدة، وكذلك أيضاً إذا قال: إن وطئتك فأنت طالق، ثم قيل له: عجل هذه الطلقة، فله أن يقول: لا فائدة في هذا التعجيل، وليست هذه المسألة هي التي قدمها المصنف، أعني قوله:(ولو قال لغير المدخول بها أو غيرها: إن وطئتك فأنت طالق، وقع بأوله طلقة رجعية وبقيته ارتجاع فينويه) كما قال ابن عبد السلام: لأ، الأولى إنما أتى بها لإفادة أنه يمكن من الوطء وأنه تقع عليه طلقة بالوطء فينوي الرجعة ببقية الوطء وهذه إنما أتى بها لإفادة أن تعجيل الطَّلاق لا يفيد.

قال في البيان: وكذلك لو حلف بصيام أو صدقة أو مشي أو صدقة شيء بغير عينه فلا خلاف أنه لا ينحل عقد اليمين ولا يرتفع عنه الإيلاء بالصيام ولا بالمشي [379/ب] ولا بالصدقة إن فعل ذلك قبل الحنث وإن نوى بذلك حل اليمين عنه، وأن عليه أن يفعل ذلك مرة أخرى إن حنث، وعلى هذا فكفارته أيضاً بالوعد.

ص: 504

وَيُبْعَثُ إِلَى الْغَائِبِ وَلَوْ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ

نحوه في المدونة.

الباجي: فجعل الشهرين في حد القرب، وهو مقيد بما إذا علم مكانه، وإن لم يعلم فالحكم فيه كالمفقود.

قال في البيان: وقال ابن الماجشون: لا يعذر بالغيبة وتطلق كانت يمينه مما يقدر علي حلها بالكفارة أم لا وزاد غيره في قوله: وسواء عنده قربت غيبته أو بعدت، وكذلك في السليمانية أنها تطلق عليه وإن خرج حاجاً أو غازياً، ويفهم من قوله:(وَلَوْ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ) أنه لو كان أكثر من ذلك لطلق عليه، وهو مفهوم المدونة، لكن صاحب اللباب جعل القريب بما تبلغه فيه المكاتبة فإنه قال: وإن كان بموضع تبلغ فيه المكاتبة بعث إليه، وإن كان بموضوع لا تبلغه أو تبلغه ويتعذر إتيانها ومعرفتها أو معرفة من ينقل الشهادة عنه، كان لها أن تقوَّم بالفراق؛ لأن محله في مقامه على الاختيار حتى يثبت أنه ممنوع فيكون حينئذ كالأسير.

فرع:

اختلف إذا أراد السفر قبل أجل الإيلاء وتقوم به امرأته، فقال ابن القاسم: يمنعه السلطان حتى يحلّ الأجل فيفيء أو يطلق عليه فإن أبى إلا السفر أعلمه أنه يطلق عليه إذا حلَّ الأجل.

وقال ابن كنانة: إن كان منكراً للإيلاء منع من السفر حتى يتحاكم مع امرأته وإ، كان مقراً أطلق له السفر، فإذا حلَّ الأجل طلق عليه. وقال سحنون: يقال له إما أقمت وإما وكلت من يفيء أو يطلق فإن قال: أفيء، قيل له: كفِّر.

ص: 505

وَقَالَ سَحْنُونٌ: الأَكْثَرُ أَنَّ الْوَعْدَ كَافٍ إِلَى أَنْ يُمْكِنَهُمْ الوطء فَإِنْ لَمْ يَطَؤُوا طُلِّقَ عَلَيْهِمْ

قد تقدم أن هذا هو مقابل المشهور ونصه في التهذيب وقد قال ابن القاسم في يمينهم بالله: إن فاؤا بألسنتهم أجزأهم.

سحنون: وهذه الرواية أصح من كل ما كان من هذا الصنف على غير هذا وعليه أكثر الرواة.

ابن القاسم: وأكثر الأصحاب: إذا أمكنهم من الوطء فلم يطأوا طلق عليهم.

أبو الحسن: وقوله من هذا الصنف، أي أسماء الله تعالى وصفاته، والنذر الذي لا مخرج له.

انظر كيف جعل المصنف هذا القول شاذاً مع أنه قول ابن القاسم وأكثر الأصحاب وصححه سحنون.

فَلَوْ رَضِيَتْ لَكَانَ لَهَا الْعَوْدُ كَالاعْتِرَاضِ والإِعْسَارِ بِخِلافِ الْعُنَّةِ

يعني: إذا رضيت بإسقاط حقها في الفيئة ثم أرادت الإيقاف فلها ذلك من غير استئناف أجل كالتي بالمعترض أو المعسر ثم تقوم لأنها تقول: رجوت علاجه وزوال اعتراضه وعسره، بخلاف ما إذا رضيت بالعنين أي بذي الذكر الصغير، وظاهر كلام المصنف أن لها الإيقاف من غير يمين لسكوته عنها ونحوه لمالك. وقال أصبغ: تحلف ما كان تركها على التأبيد إلا لتنظر ثم تطلق مكانه دون أجل. الباجي: وهذا الذي قاله أصبغ مخالف لقول مالك، لأن الصبر على الضرر لا يلزم الزوجة إذا كانت ممن يثبت لها الخيار كالرضى بالأثرة.

وَلا مُطَالَبَةَ لِوَلِيِّ الصَّغِيرَةِ والْمَجْنُونَةِ بِخِلافِ سَيِّدِ الأَمَةِ، وَلَوْ رَضِيَتْ

يعني: إذا رضيت الصغيرة أو السفيهة أو المجنونة بترك الوطء فلا يكون لوليهن الإيقاف، سواء كان أبا أو غيره لأن نظر الولي خاص بالمال، ويفهم من قوله: (لا مُطَالَبَةَ

ص: 506

لِوَلِيِّ الصَّغِيرَةِ) أن لولي الصغيرة المطالبة لكن بشرط أن تبلغ حد الوطء وإن لم تبلغ ذلك فلا كلام لها، قاله اللَّخْمِيّ.

وقوله: (بِخِلافِ سَيِّدِ الأَمَةِ) أي فإن له إيقاف الزوج ولو رضيت الأمة بترك الوطء لأ، للسّيد حقاً في الوطء فلا يكون للأمة إسقاطه.

وَلا مُطَالَبَةَ لِمُمْتَنِعٍ وَطِئَهَا لرتَقٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ

يعني: أنه لا مطالبة للمرأة بالفيئة إذا امتنع وطئها لمانع سواء كان المانع عقلياً كالرتق، أو عادياً كالمرض، أو شرعياً كالحيض فإن قلت: كلامه هنا مناقض لما في اللعان بالنسبة إلى الحيض لقوله: ويؤخر لعانهما معاً، وفي المختصر: لعانها للحيض والنفاس كما يؤخر طلاقها للإعسار والعنة بخلاف الإيلاء.

وروى أشهب: والإيلاء؛ فقوله: بخلاف الإيلاء، فإنه يقدم طلاق المولي في الحيض، والتطليق عليه حالة الحيض يقتضي أن يكون مطالباً للفيئة في تلك الحالة، قيل: لا يبعد أن تكون الفيئة على هذا القول بالوعد كما في نظائر المسألة، حيث تتعذر الفيئة بالوطء ويكون التطليق عليه إنما هو إذا امتنع من الوعد والله أعلم.

وَتَتِمُّ رَجْعَتُهُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا إِنِ انْحَلَّتِ الْيَمِينُ فِي الْعِدَّةِ بِوَطْءٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ انْقِضَاءِ أَجَلٍ أَوْ تَعْجِيل حَنِثَ كَعِتْقٍ مُعَيَّنٍ وطلاقٍ بَائِنٍ، بِخِلافِ الْوَطْءِ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ ونَحْوِهِ إِذَا كَانَتِ الْيَمِينُ بِاللهِ تَعَالَى وَنَحْوِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَلذَلِكَ يَتَوَارَثَانِ، وَتَجِبُ النَّفَقَةُ لأَنَّهَا لَمْ تَبِنْ

اعلم أنّ كل طلاق يوقعه الحاكم فهو بائن إلا طلاقين: طلاق المولي وطلاق المعسر بالنفقة.

[380/أ] ثم إن الرجعة في المولي مشترطة بانحلال اليمين في العدة؛ لأنه إنما طلق عليه للضرر اللاحق لها بترك الجماع بسبب اليمين، فلو عادت إليه بدون الانحلال لبقي

ص: 507

ذلك الضرر على حاله، واختلف إذا رضيت الزوجة بالرجعة لعدم الإصابة هل تصح- وإليه ذهب ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون- أو لا تصح وإليه ذهب سحنون.

ثم بين المصنف ما تنحل به اليمين فقال: (بِوَطْءٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ انْقِضَاءِ أَجَلٍ) الإيلاء.

وقوله: (أَوْ تَعْجِيل حَنِثَ كَعِتْقٍ مُعَيَّنٍ) ظاهر التصور. وقوله: (بِخِلافِ الْوَطْءِ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ) فإن حكم الإيلاء باق عليه كما تقدم وقوله: (ونَحْوِهِ) أي من المباشرة ويحتمل أن يريد بـ (ونَحْوِهِ) الوطء المحرم على الخلاف المتقدم.

وقوله: (إِذَا كَانَتِ الْيَمِينُ بِاللهِ وَنَحْوِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ) راجع إلى قوله: (أَوْ كَفَّارَةٍ) أي إنما تجري الكفارة إذا كانت اليمين بالله ونحوه على المشهور.

(ونَحْوِهِ إِذَا كَانَتِ الْيَمِينُ بِاللهِ) يحتمل أني ريد به النذر المبهم، فإنه فيه كفارة يمين ويحتمل أن يريد به صفاته وهو الأقرب، وإلا لقال: ونحوها، ولا يصح أن يريد بالنحو العتق غير المعين. فإن المشهور فيه أنه لا تنحل به اليمين كما تقدم. ولو قال: وتتم رجعته بما ينحل به اليمين وفاقاً وخلافاً، لكان أخصر.

وقوله: (وَلذَلِكَ) أي ولو كان الطَّلاق رجعياً (يَتَوَارَثَانِ) وهو ظاهر وقوله: وروي عن مالك في كتاب ابن شعبان أنه لا نفقة عليه حتى يرتجع وهو خلاف نص المدونة.

فَإِنْ لَمْ تَنْحَلَّ فِيهَا أُلْغِيَتْ رَجْعَتُهُ وَبَانَتْ وَحَلَّتْ مَا لَمْ يَكُنْ خَلا بِهَا فَإِنَّهَا لا تَنْحَلُّ بَعْدَ رَجْعَتِهِ فَتَاتَنِفُ الْعِدَّةَ ثُمَّ لا رَجْعَةَ لَهُ بِخِلافِ الْمَعْذُورِ بِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ إِلا أَنْ يُمْكِنَهُ الْوَطْءُ فَيَمْتَنِع ....

ابن عبد السلام: الضمير في (تَنْحَلَّ) عائد على اليمين. وقوله: (فِيهَا) أي العدة.

(أُلْغِيَتْ رَجْعَتُهُ) أي قدرت كالعدم، وفي المدونة: وإذا طلق على المولي وقد بنى فله الرجعة في بقية العدة بالقول، ويتوارثان ما لم تنقض، فإن ارتجعها بالقول فواسع له أن

ص: 508

يخلَّى وإياها؛ فإن لم يطأ حتى دخلت في أول دم الحيض الثالثة حلت ولم تكن تلك الرجعة إلا المعذور بمرض أو سفر أو سجن فرجعته رجعة بالقول فإذا أمكنه الوطء بعد العدة فلم يطأ فرق بينهما واجزأته العدة الأولى إلا أن يكون خلا بها وأقر أنه لم يطأ فلتأنف العدة ولا تكون له عليها رجعة في هذه العدة المؤتنفة لأنه أقر أنه لم يطأ.

وضعف في سماع أَشْهَب وجوب العدة عليها للأزواج بسبب الخلوة ورأى التهمة عليها في ذلك بعيدة، وقال في العتبية: كل طلاقٍ رجعي إذا ارتجع انقضت العدة واستؤنفت إلى المولي وحده.

وَلا رَجْعَةَ فِي غَيْرِ الْمَدْخُول بِهَا

إذا طلق عليه بالإيلاء غير المدخول بها فلا رجعة له وهو ظاهر.

وَلا يَنْتَقِلُ الْعَبْدُ إِلَى أَجَلِ الْحُرِّ إِذْ عَتَقَ بَعْدَ أَنْ آلَى كَمَا لا تَنْتَقِلُ الأَمَةُ إِذَا عُتِقَتْ فِي الْعِدَّةِ الرَّجْعَيَّةِ وَغَيْرِهَا إِلَى عِدَّةِ الْحُرَّةِ

قد تقدم أن أجل العبد في الإيلاء شهران فإذا ضرب له ذلك ثم عتق لم ينتقل إلى أجل الحر كما لو زنا ثم عتق مكانه فإنه لا ينتقل إلى حد الحر لأن المعتبر حال الصدور.

وقوله: (كَمَا لا تَنْتَقِلُ

إلى آخره) ظاهر التصور.

ص: 509

الظِّهَارُ تَشْبِيهُ مَنْ يَجُوزُ وَطْؤُهَا بِمَنْ يَحْرُمُ

الجوهري: الظهار قول الرجل لامرأته: أنتِ عليَّ كظهر أمي.

عياض: وهو مأخوذ من الظهر، وكنى به عن المجامعة؛ لأن المرأة تركب كما يركب ظهر المركوب، لاسيما وعادة كثير العرب وغيرهم المجامعة على حرف من جهة الظهر ويستقبحون سواه ذهاباً منهم إلى التستر والحياء ألا تجمع الوجوه حينئذٍ ولا يطلع على العورات، وهي كانت سيرة الأنصار حتى نزل:{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223] على إحدى الروايتين في سبب نزولها، واعلم أن الظهار كان في الجاهلية وأول الإسلام طلاقاً حتى أتت خولة بنت ثعلبة على ما رواه أبو داود في سننه وغيره تشكو زوجها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت. وجادلت النبي صلى الله عليه وسلم، واختلفت الأحاديث في نص المجادلة، حتى أنزل الله قوله تعالى:{الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ} [المجادلة: 2] إلى آخرها.

عبد الوهاب: والظاهر محرم للكذب كما أخبر الله عز وجل، فقال:{مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ} لنصه في الآية على أنه منكر وزور ولقوله في آخر الآية: {إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} .

الشيخ أبو إسحاق: ويؤدب من ظاهر لقوله المنكر والزور. مالك في المبسوط: والظهار يمين تكفر.

الباجي: وفي المدونة إن مطلق الظهار ليس بيمين، وإنما يكون يميناً إذا قال: إن فعلتْ كذا، فإنها عليَّ كظهر أمي.

وحد المصنف الظهار بقوله: (تَشْبِيهُ مَنْ يَجُوزُ وَطْؤُهَا بِمَنْ يَحْرُمُ) ودخل في قوله: (مَنْ يَجُوزُ) الأمة والزوجة، [380/ب] وشمل قوله:(مَنْ يَحْرُمُ) المحرمة على التأبيد كالأم ونحوها، والمحرمة لا على التأبيد وهي الأجنبية، ومراده بقوله:(مَنْ يَجُوزُ وَطْؤُهَا) من الأصل جواز وطئها وإن كان يعرض لها عدم الجواز كما إذا حاضت الزوجة

ص: 510

أو الأمة أو أحرمتا أو صامتا في واجب، وبهذا يسقط اعتراض من قال: هذا الرسم غير جامع لخروج الزوجة الحائض منه إذا قال لها: أنتِ عليَّ كظهر أمي، فإنه ظهار وهو تشبيه من يجوز وطؤها بمن يحرم، وغير مانع؛ لأنه يدخل فيه ما إذا قال لإحدى زوجتيه: أنتِ عليَّ كظهر زوجتي الأخرى، وهي حائض فإنه يصدق عليه الحد الذي قاله المصنف، وإنه ليس بظهار.

فَيَصِحُّ ظِهَارُ السَّيِّدِ فِي الأَمَةِ لا مَالِكَ جُزْءٍ مِنْهَا وَلا الْمُعْتَقَةِ إِلَى أَجَلٍ فَيَصِحُّ ظِهَارُ الْمُدَبَّرَةِ، وَأُمِّ الْوَلَدِ، وَالرَّجْعِيَّةِ، وَالصَّغِيرَةِ، وَالْحَائِضِ، وَالْمُحْرِمَةِ، وَالْكَافِرَةِ

لما ذكر رسم المظاهر ذكر هذه الجملة بياناً له، ولذلك أتى بالفاء المشعرة بالسببية؛ أي فلأجل أن الظهار تشبيه من يجوز وطؤها بمن يحرم صح الظهار من الأمة؛ لأنها ممن يجوز وطؤها، وهذا مذهبنا، وقال الشافعي رضي الله عنه: لا يصح الظهار من الأمة، ومنشأ الخلاف هل تدخل في قوله تعالى:{الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ} ، ولاشك أنها من النساء لغة؛ لكن العرف يخصص هذا اللفظ بالزوجات.

وقوله: (لا مَالِكَ جُزْءٍ مِنْهَا وَلا الْمُعْتَقَةِ إِلَى أَجَلٍ) لأن وطأهما غير جائز وتشاركهما المكاتبة، وصح الظهار من المدبرة وأم الولد؛ لأن وطأهما جائز.

وقول: (وَالرَّجْعِيَّةِ)؛ لأنها وإن كانت محرمة فالتحريم لعارض رفعه بيده، ولو قيل: إن ظهاره منها قرينة في الارتجاع، ما بعد، كما قالوا في إسلام المجوسي على أكثر من أربع، وقوله:(وَالصَّغِيرَةِ، وَالْحَائِضِ، وَالْمُحْرِمَةِ) نحوه في المدونة. وقال: (وَالْكَافِرَةِ) ولم يقل الكتابية كابن شاس؛ ليشمل المجوسية إذا أسلم زوجها المجوسي ثم ظاهر منها بقرب إسلامه ثم أسلمت، فإن ذلك يلزمه قاله في المدونة. وقال أشهب: لا يلزمه، وعلله ابن يونس بأنها حينئذٍ غير زوجة.

ص: 511

صاحب المقدمات: وهو غير صحيح؛ لأنها لو كانت غير زوجة لم ترجع إليه إلا بنكاح جديد، بل هي في ذلك الوقت زوجة إلا أن لها أن تختار فراقه باختيار دينها، وليس ذلك مما يمنع وقوع الظهار عليها، فإن الرجل لو قال: إن تزوجت عليك فأمرك بيدك ثلاثاً، فتزوج عليها ثم ظاهر منها، فإن الظاهر يلزمه، وهل خلاف؟

أشهب: إنما هو إذا عرض عليها الإسلام فأبت ثم أسلمت بالقرب، فيتفق على أنه مظاهر، أو الخلاف فيهما طريقان.

وَفِي الْمُكَاتَبَةِ لَوْ عَجَزَتْ قَوْلانِ

يعني: واختلف في صحة الظهار من المكاتبة في حال كتابتها ثم عجزت على قولين، والقول بأنه لا يصح لسحنون وعزي لابن القاسم ورأى في القول الآخر اللزوم؛ لأنها قبل الكتابة مباحة له وإنما منع من وطئها قبل العجز لأجل الشك، فيستصحب حال الملك إذا انكشف أمرها بالعجز، ومنشأ الخلاف هل رجوع المكاتبة إلى سيدها بالعجز كابتداء ملك أم لا؟

ومفهوم قوله: (لَوْ عَجَزَتْ) أنها لو لم تعجز لم يلزمه الظهار إلا أن ينوي إن تزوجها فيلزمه كما يلزمه في الأجنبية إذا علق ذلك على زواجها، وقال اللخمي وغيره: هذا هو المعروف.

وقال بعض أصحابنا: إذا ظاهر من معتقة إلى أجل أو أمة له فيها شرك أو مكاتبة فتزوجهن بعد العتق أن ذلك الظهار يلزمه، ولا يطأ حتى يكفر.

ابن يونس: وهو عندي غلط؛ لأن الله عز وجل إنما ألزم الظهار فيمن يحل وطؤها وتصح فيه العودة؛ لقوله تعالى: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} . قيل: والفرق على المشهور بين من ظاهر من مكاتبته ثم عجزت بقرب ظهاره أنه لا شيء عليه، وبين المجوسي يسلم على زوجته فظاهر منها ثم تسلم بالقرب أن الظهار يلزمه، والفرق أن المجوسية لم تخرج من

ص: 512

عصمته بعد، والمكاتبة كالأجنبية، وإن كانت قد تعجز، والأجنبية قد لا تتزوجه فلا يلزمه فيها الظهار المتقدم.

وَجُزْؤُهَا مِثْلُ كُلِّهَا كَالطَّلاقِ

أي: وجزء المظاهر منها مثل كلها في لزوم الظهار، فإذا قال: يدك عليَّ كظهر أمي، لزمه الظهار.

وقوله: (كَالطَّلاقِ)، يحتمل معنيين، أحدهما: الاحتجاج على الشافعي؛ لأنه وافق على التطليق بالجزء، وخالف هنا في أحد قوليه. وثانيهما: الإشارة إلى أنه ليس كل جزء يلزمه به الظهار، بل هو كالطلاق، فيتفق على الظهار إن شبه بيدها أو رجلها، ويختلف في الشعر والكلام كما تقدم، وهكذا في المقدمات أنه يختلف في الشعر والكلام هنا كالطلاق، وهذا هو الأقرب؛ لأن المصنف لم يذكر مذهب الشافعي، ولأنه ليس من عادته الاحتجاج على المخالف، وليس هو مطلوباً منه، وإنما المطلوب منه معرفة الحكم، والله أعلم.

وَشَرْطُ الْمَظَاهِرِ أَنْ يَكُونَ مُسْلِماً بَالِغاً عَاقِلاً وَيصِحُّ ظِهَارُ الْعَبْدِ

ذكر للمظاهر ثلاثة شروط، وقوله:(مُسْلِماً) صفة لمحذوف تقديره [381/أ] أن يكون زوجاً مسلماً أو سيداً، واحترز من الذمي فإنه لا يصح ظهاره هنا عندنا وإن أسلم، وحكى عن المغيرة أنه يلزم الذمي نذره وطلاقه في حال الكفر؛ أعني إذا أسلم فخرج على قوله لزوم الظهار، واحترز بالعاقل من المجنون، وبالبالغ من الصغيرن والمشهور أن المراهق لا يلحق بالبالغ.

وعن ابن كنانة: إن حلف قبل البلوغ ثم حنث بعده، أنه تلزمه الكفارة، فأخذ منه بعضهم لزوم الظهار للصغير إذا تأخر النظر له حتى بلغ، وعن أشهب مثله، وتأول بعضهم قول ابن كنانة أنه في المراهق، وأخذ من قوله: (وَشَرْطُ الْمَظَاهِرِ أَنْ يَكُونَ

ص: 513

مُسْلِماً

إلخ) أن المرأة لو ظاهرت من زوجها تلزمها الكفارة، وهو صحيح، وقد نص في المدونة على ذلك ابن المواز، ولو كان ملَّكها الطلاق.

وقوله: (وَيصِحُّ ظِهَارُ الْعَبْدِ) لتوفر الشروط فيه.

اللخمي: ويصح منه الطلاق ولو كان ممنوعاً من المال كالسفيه والعبد ولا خلاف في ذلك.

وَظِهَارُ السَّكْرَانِ كَطَلاقِهِ

أي: فيلزمه على المشهور، وقد تقدم الكلام على حكمه في الطلاق.

وَيَصِحُّ ظِهَارُ الْعَاجِزِ عَنِ الْوَطْءِ لِمَانِعٍ فِيهِ أَوْ فِيهَا؛ كَالْمَجْبُوبِ وَالرَّتْقَاءِ، وَقَالَ سُحْنُونُ: لا يَصِحُّ

القول الذي قدمه المصنف في الرتقاء هو مذهب المدونة، وأما المجبوب وفي معناه الخصي والمعترض والشيخ الفاني فما قدمه المصنف فيه هو مذهب العراقيين، وبالثاني قال أصبغ. ابن عبد السلام: واختلف الشيوخ فيما تدل عليه المدونة، وفهم اللخمي المدونة على الثاني، فإنه لما نقل عن سحنون وعلي بن زياد عدم صحة ظهار من ذكر، قال: وهذا قول مالك في المدونة؛ لقوله: لأن القبلة لا تدعو إلى خير. وخرج على هذا الاختلاف إذا قال: قُبْلَتُكِ عليَّ أو مضاجعتك عليَّ كظهر أمي، هل يلزمه الظهار أم لا؟

عياض: وما تأوله اللخمي خلاف المعروف من المذهب، فإن المقدر من مذهب مالك عند أئمتنا البغداديين وغيرهم أن جميع أنواع الاستمتاع محرم عليه، قاله محمد والأبهري وابن نصر وغيرهم. وحكى الباجي أنه اختلف في تأويل منعه ذلك في الكتب وغيره على وجهين: الأول للقاضي أبي محمد: أنه محمول على الوجوب، والثاني لعبد الملك في المبسوط: أنه محمول على الكراهة؛ للتغرير للجماع الذي لا يحل. لكن ما خرجه اللخمي

ص: 514

قول صحيح في المذهب وعليه يأتي قول علي بن زياد وسحنون في المجبوب والمعترض والشيخ الفاني أنه لا يلزمهم الظهار. انتهى.

وما قاله اللخمي هو متمسك من تأوُّل المدونة على الموافقة لسحنون، وتمسك الآخرون بإلزامه الظهار من الصغيرة، ولم يفصل بين من بلغت حد الاستمتاع وغيرها وبإلزامه الظهار من الرتقاء.

وَعَلَيْهُمَا خِلافُ الاسْتِمْتَاعِ

أي: وعلى المشهور، وقول سحنون: يجري على الخلاف هل يجوز الاستمتاع بالمظاهَر منها فيما عدا الفرج؟ فعلى صحة الظهار من المجبوب والرتقاء يمنع الاستمتاع، ففرع على الخلاف المتقدم الذي ذكره الباجي العكس؛ لأنه لما حكى عن سحنون أن الظهار لا يلزم الخصي والعنين والمجبوب والشيخ الفاني، قال: عندي مبني على أن الظهار لا يحرم الاستمتاع بغير الوطء.

وقد اختلف أصحابنا في ذلك، فإن قلنا أن الظهار يحرم الاستمتاع كما يحرم الوطء، وهو ممكن من جميعهم، وجب أن يلزمهم الظهار، وإن قلنا أنه ليس بحرام لنفسه، وإنما هو ممنوع لئلا يكون داعية إلى الجماع، فإنه لا يصح الظهار من المجبوب ولا الخصي ولا العنين؛ لأن الجماع لا يتأتى منهم، ونحوه لصاحب المقدمات.

وكلام المصنف يقتضي أنه على قول سحنون يجوز الاستمتاع بالمظاهَر منها من غير كراهة، والذي في البيان والمقدمات: اختلف في قوله تعالى: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} فجعله أكثر أهل العلم على عمومه أنه لا يطأ ولا يقبل ولا يباشر، وهو مذهب مالك، وقال الحسن وعطاء والزهري: المراد الوطء خاصة، فللمظاهر أن يقبل ويباشر ويطأ في غير الفرج، واختلف الذين حملوا الآية على عمومها إن قبل وباشر في خلال الكفارة، فقال أصبغ وسحنون: يستغفر الله ولا شيء عليه، وقال مطرف: يبتدئ الكفارة.

ص: 515

والامتناع على قول مطرف في مقدمات الوطء واجب، وعلى قول أصبغ وسحنون مستحب، والظاهر من قول مالك التحريم كقول مطرف؛ لأنه قال: يجب على المرأة أن تمنعه نفسها وإن رفعته إلى الإمام حال بينه وبينها وقال عبد الملك له أن يقبل ويباشر وينظر إلى الشعر والصدر والمحاسن؛ نقله ابن راشد.

وَعَلَى الْمَشْهُورِ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُظَاهِرُ مَعَهَا إِنْ أُمِنَ عَلَيْهَا

أي: وعلى المشهور من عدم جواز الاستمتاع بالمظاهَر منها، وصحة ظهار الخصي ونحوه، يجوز أن يكون المظاهر معها، قال في المدونة: ويجوز أن يكون معها في بيت، ويدخل عليها بلا إذن إذا كان تؤمن ناحيته، فتجوز المساكنة معها، وزاد في العتبية الخدمة بشرط الاستتار. قال في المدونة: ولا ينظر إلى صدرها ولا إلى شعرها حتى يكفِّر، وجائز أن ينظر إلى وجهها. [381/ب] وفي الجلاب: ولا بأس أن ينظر إلى الرأس والوجه والقدمين وسائر الأطراف. قال مالك في العتبية: له النظر إلى شعرها.

وأشار عياض إلى أن إجازة النظر مشروطة بأن لا يقصد بذلك اللذة، وأما إن قصدهابه فهو ممنوع كالمباشرة، قال: وعلى هذا فتكون القبلة وما في معناها ممنوعة على الإطلاق، والنظر ممنوع إذا قصد به اللذة، قال: ولو أخذ من المدونة قولاً آخر أنه يجوز النظر إلى شعرها وصدرها، من إجازته أن يدخل عليها بغير إذن ما بَعُد؛ لأن دخوله عليها بغير إذن سبب إلى أن ينظر منها ذلك.

وقوله: (وَعَلَى الْمَشْهُورِ) أي وأما على مقابله فهو أولى، وإنما احتاج إلى التفريع على المشهور؛ لأنه قد يتوهم منه منع الدخول عليها، فإن قلت: فما الفرق بين المظاهَر منها، فإنكم أجزتم الدخول عليها والنظر إليها، وبين الرجعية، فإن الذي رجع إليه مالك أنه لا يدخل عليها وكل منهما محرم وطؤه، قيل: لأن الرجعية منحلة العصمة، مختلة النكاح بخلاف المظاهَر منها، فإنها ثابتة العصمة صحيحة النكاح. والله أعلم.

ص: 516

وَيَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَمْنَعَهُ حَتَّى يُكَفِّرَ فَإِنْ خَافَتْ رَفَعَتْ أَمْرَهَا إِلَى الْحَاكِمِ

قال في المدونة: ويجب عليها أن تمنعه من نفسها فإن خشيت منه على نفسها، رفعت ذلك إلى الإمام فيمنعه من وطئها، ويؤدبه إن أراد ذلك.

وقد تقدم قوله في البيان: إن ظاهر هذا يقتضي تحريم الاستمتاع، وأن الإمام يحول بينه وبينها، فقول المصنف:(وَيَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَمْنَعَهُ) أي من الوطء ومقدماته، لا من الوطء فقط.

وَفِي تَنْجِيزِهِ فِيمَا يُنْجَزُ فِيهِ الطَّلاقُ- مِثْلَ بَعْدَ سَنَةٍ- قَوْلانِ

اعلم أن المصنف أشار إلى المسألتين، الأولى: إذا قال لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي بعد سنة، أو بعد شهر أو نحو ذلك. فهل يتنجز الظهار عليه من الآن كالطلاق وهو المشهور، أو لا؟ والفرق على هذا القول بين الطلاق والظهار: أن الظهار يرتفع بالكفارة، فلم يشبه نكاح المتعة بخلاف الطلاق، وظاهر كلامه أن الشاذ منصوص، وبذلك صرح في الجواهر.

وقال ابن عبد السلام: هو مخرج من الشاذ في الثانية، وهو إذا قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي، مثلاً ولم يعد حتى انقضت السنة، فهل يتأبد الظهار عليه حتى يكفر، وهو المشهور، بمنزلة ما لو قال لها: أنت طالق سنة، أو لا يتأبد عليه وينقطع عنه الظهار بمضي السنة، وهو قول مالك في كتاب ابن شعبان؟

ولو قال المصنف: (وفي تنجيزه فيما ينجز فيه الطلاق، وتعميمه فيما يتعمم فيه الطلاق قولان) لكان أحسن؛ لأن قوله: (فِي تَنْجِيزِهِ) إنما يتناول الصورة الأولى فقط، ولعل المصنف لما رأى أن الصورتين يشتركان في المعنى، وهو أن الظهار هل يتغير بزمان أم لا؟ اكتفى بالتمثيل.

ص: 517

وَلَوْ قَالَ: إِنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ عَلَيْكِ فَإِنَّمَا يَلْزَمُ عِنْدَ الإِيَاسِ أَوِ الْعَزِيمَةِ

يعني: إذا قال: إن لم أتزوج عليك فأنت عليَّ كظهر أمي، فلا يكون مظاهراً إلا بالإياس أو العزيمة على ترك التزويج، وزاد ابن شاس إلا أن ينوي مدة معينة، فيحنث بمضيها، ولم يتعرض المصنف لكونه هل يمنع من الوطء أي الطلاق، أو لا؟ ونص الباجي على أن الظهار كالطلاق، وأنه يحرم عليه الوطء، إذا كانت يمينه على حنث، ويدخل عليه الإيلاء، ويضرب له الأجل من يوم الرفع، والإياس يتحقق عليه إذا مات المحلوف عليها المعينة. وهل يتحقق بعلو سنه إذا كانت المرأة غير معينة؟ فيه نظر.

وقوله: (أَوِ الْعَزِيمَةِ) ابن راشد: جعل العزم على الترك كالترك، ومن هنا أفتى شيخنا القرافي بالحنث في من قال لامرأته: إن لم أدخل الدار فأنتِ طالق، ثم عزم على ترك الدخول، وقول ابن عبد السلام: إن ظاهر كلام المصنف أنه لا يمنع من الوطء ليس بظاهر؛ لأن كلام المصنف ليس فيه تعرض لجوز ولا لعدمه.

وَإِذَا عَلَّقَهُ لَمْ يَصِحَّ تَقْدِيمُ الكَفَّارَةِ قَبْلَ لُزُومِهِ

يعني: إذا علق الظهار بأن قال: إن كلمتُ فلاناً فأنتِ عليَّ كظهر أمي، لم يصح له أن يكفر قبل أن يكلم فلاناً؛ لأن الظهار إلى الآن لم ينعقد عليه، ولهذا لا يصح أن يتخرج في هذه المسألة الخلاف الذي في كفارة اليمين قبل الحنث؛ لأن اليمين هناك انعقدت، ولأن كفارة الظهار مشروطة بالعودة، والعودة مشروطة بتقديم الظهار، قال في الجواهر: ولو قال: إن دخلت الدار فأنتِ كظهر أمي، ثم أعتق عن الظهار قبل الدخول لم يجزه، كما لو قال: إن دخلت الدار فوالله لا أكلمك، ثم أعتق قبله لم يجزه.

ص: 518

وَإِذَا كَرَّرَهُ لَمْ يَتَعَدَّدْ وَلَوْ قَصَدَ ظِهَارَاتٍ مَا لَمْ يَنْوِ كَفَّارَاتٍ كَالْيَمِينِ بِاللهِ إِلا أَنْ يُعَلِّقَهَ بِأَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ بِخِلافِ الطَّلاقِ فِي التَّكْرِيرِ، وَإِنْ عَلَّقَهَ بِمُتَّحِدٍ

يعني: إذا كرر الظهار فقال: أنتِ عليَّ كظهر أمي، أنتِ عليَّ كظهر أمي، أنتِ عليَّ كظهر أمي، أنتِ عليَّ كظهر أمي، لم يتعدد الظهار ولو قصد ظهارات، إلا أن ينوي كفارات، وقوله:(كَالْيَمِينِ بِاللهِ) يستفاد منه أن المسألة على ثلاثة أقسام: إن قصد التأكيد أو لم يقصد شيئاً فليس عليه إلا كفارة [382/أ] واحدة باتفاق، وإن قصد كفارات لزمه ذلك باتفاق، وإن قصد ظهارات ولم ينوِ كفارات فنص هنا على عدم التعدد، وقد تقدم له في الأيمان قولان في اليمين بالله، ولا فرق بينهما، ثم إذا قصد كفارات فقال الشيخ أبو محمد: لا يطأ حتى يكفر ما نوى من الكفارات، وقال القابسي وأبو عمران: إن كفر واحدة جاز له الوطء، والباقي إنما هو كطعام نذره. قالا: وإن مات فأوصى بهذه الكفارات وضاق الثلث قدمت كفارة واحدة على كفارة اليمين بالله، وتقدم كفارة اليمين بالله على ما بقي؛ لأنه نذر.

ابن يونس: وقول القابسي هو الصواب؛ لأن الله تعالى إنما ألزم المظاهر كفارة واحدة قبل المماسة، والزائد على ذلك التزمه المكلف فلا يغير ما قدره الشرع.

ابن عبد السلام: وقد يقال: إن المكلف التزم ما بقي من الكفارة قبل المماسة، فيلزمه ما التزمه، ألا ترى أنه لو صرح فقال له: عليَّ أن أعتق رقبتين قبل أن أطأ لما جاز له الوطء إلا بعد عتقهما، فلعل هذا هو الذي فهم الشيخ أبو محمد من مراد المظاهر، وفهم غيره النذر المعلق، فكأنه قال: إن وطئتها فعليَّ كفارتان، وعلى هذا فيسئل المظاهر عن مراده، وتتفق القولان.

قال: وينبغي ألا يشترط العدد فيما زاد على كفارة واحدة على مذهب القابسي.

وقوله: (إِلا أَنْ يُعَلِّقَهَ بِأَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ) أي فتتكرر الكفارات بحسب ذلك، ولا ينوي كما لو قال: إن كلمت زيداً فأنت عليَّ كظهر أمي، وإن لبست الثوب فأنتِ عليَّ

ص: 519

كظهر أمي، واتفق على هذا إذا حنث ثانياً بعد أن أخرج الكفارة الأولى، وأما قبله فاختلف، فقال المخزومي وابن الماجشون: تجزئه كفارة واحدة.

اللخمي: وظاهر المدونة عليه لكل يمين كفارة، ومثله إذا لم يكفر عن يمينه حتى أوقع الظهار مجرداً عن اليمين، فعلى قول المخزومي تجزيه كفارة، وقال محمد: عليه كفارتان، وإن كان الأول ظهاراً مجرداً من اليمين، فعلى الأول تجزيه كفارة، وعلى قول محمد عليه كفارتان، وفرق أصبغ في الظهارين إذا كان أحدهما بيمين والأخرى بغير يمين، فقال: إن قدم ما كان بيمين وحنث ثم أردف ظهاراً مجرداً فعليه كفارة واحدة، وإن كان بالعكس فكفارتان، وربما نوقش المصنف في عبارته، فقيل: إنه يدخل في هذا الاستثناء ما لو قال لامرأته: أنت عليَّ كظهر أمي إن كلمت زيداً، أو أكلت الرغيف، ولبست الثوب، ويلزمه ثلاث كفارات، ألا ترى أنه يصدق عليه أنه علقه بأشياء مختلفة، مع أنه لا يلزمه عند أهل العلم إلا كفارة واحدة، ويجاب عنه بأن هذا الاستثناء من قوله وإن كرره، والمثال المذكور لا تكرار فيه.

فرع:

ولو أخذ في كفارة الظهار قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي، فليبتدئ الآن كفارة واحدة، وتجزئه، وقيل: بل يتم الأولى ويبتدئ في كفارة ثانية.

محمد: وهو أحب إلي إذا كان لم يبقَ من الأولى إلا اليسير، وأما إن مضى يومان أو ثلاثة فليتم وتجزئه لهما جميعاً، وقال أشهب: سواء مضى أكثر الكفارة أو أقلها فإنه يجزئه أن يبتدئ الكفارة عن الظهارين إذا كانا نوعاً واحداً، مثل أن يقول: أنت عليَّ كظهر أمي، ثم يقول: وقد أخذ في الكفارة مثل ذلك، وكذلك لو كان الأول بيمين حنث فيها والثاني بغير يمين، قال: ولو كان الأول بغير يمين والثاني بيمين حنث فيها فليتم الأولى وليبتدئ كفارة ثانية للظهار الثاني.

ص: 520

وقوله: (بِخِلافِ الطَّلاقِ فِي التَّكْرِيرِ، وَإِنْ عَلَّقَهَ بِمُتَّحِدٍ)، فـ (إِنْ) من قوله بمعنى (أو)؛ لأنها للمبالغة، وقد تقدم الفرق بين الطلاق والظهار واليمين بالله في باب الأيمان.

وَكَذَلِكَ لَوْ عَادَ ثُمَّ ظَاهَرَ لَزِمَ

ولأجل الفرق بين التعليق بأشياء مختلفة، فتعدد، وبين التعليق بمتفقة فلا تتعدد، لو ظاهر ثم عاد ثم ظاهر أيضاً لزمته كفارة ثانية، ولو كان ظهاره ثانياً بما ظاهر به أولاً، كما لو قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي إن دخلت الدار، وعاد ثم قال ثانياً: أنتِ عليَّ كظهر أمي إن دخلت الدار؛ لأن الأولى لما تقدرت بشرطها وهو العود صارت اليمين الثانية- وإن كانت بعين ما علقت به الأولى- مخالفةً للأولى، فصار ذلك بمنزلة ما لو قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي إن كلمت زيداً، وأنتِ عليَّ كظهر أمي إن دخلت الدار.

وَلَوْ ظَاهَرَ بِكَلِمَةٍ عَنْ أَرْبَعٍ أَجْزَأَتْهُ كَفَّارَةٌ؛ مِثْلُ: أَنْتُنَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أَوْ إِنْ تَزَوَّجْتُكُنَّ- بِخِلافِ مَنْ دخلت- فَهِيَ كَظَهْرِ أُمِّي

يعني: لو قال: لزوجاته الأربع أنتن عليَّ كظهر أمي، أو قال لهن قبل أن يتزوجهن: إن تزوجتكن فأنتن عليَّ كظهر أمين لزمه الظهار في الأولى حين التكلم، وفي الثانية بشرطه، وتجزئه كفارة واحدة في الصورتين؛ لأن اليمين واحدة، وذكر ابن خويزمنداد أن عليه لكل واحدة كفارة، كالطلاق، إذا قال: أنتن طوالق. قال في المدونة: [382/ب] ومن قال لأربع نسوة: إن تزوجتكن فأنتن عليَّ كظهر أمي، فتزوج واحدة لزمه الظهار، ولا يقربها حتى يكفر، فإن كفر وتزوج البواقي فلا شيء عليه فيهن، وإن لم يكفر ولم يطأ الأولى حتى ماتت أو فارقها سقطت عنه الكفارة، ثم إن تزوج البواقي لم يطأ واحدة منهن حتى يكفر؛ لأنه لم يحنث في يمينه بعد، وإنما يحنث بالوطء، ولو وطئ الأولى ثم ماتت أو طلقها أو لم يطلقها لزمته الكفارة، فإن تزوج البواقي فلا يقرب واحدة منهن حتى يكفر.

ص: 521

وما ذكره في المدونة من أنه إذا تزوج واحدة يحنث، هو جارٍ على أصل المشهور في التحنيث بالبعض، ويتخرج فيها قولاً آخر: أنه لا يحنث إلا بالجميع بناءً على القول بأنه لا يحنث إلا بجميع المحلوف عليه. وقوله: (بِخِلافِ مَنْ دخلت) أي فيلزمه لكل امرأة كفارة؛ لأنه علق عنها الظهار على كل واحدة بانفرادها؛ لأن (مَنْ) من ألفاظ العموم، وكـ (مَنْ) في لزوم الكفارة لكل واحدة (أيتكن) قاله في المدونة.

الباجي: وأما إن قال: كل من دخلت الدار فهي عليَّ كظهر أمي، فظاهر المذهب أنه بمنزلة: من دخلت منكن الدار فهي عليَّ كظهر أمي، رواه ابن المواز في العتبية من رواية ابن القاسم: تجزئه كفارة واحدة، فيحتمل أن يريد بذلك أن حكم كل امرأة مخالف لمن تزوجت منكن، وأنه بمنزلة قوله:(إِنْ تَزَوَّجْتُكُنَّ)؛ ويحتمل أن يريد الباب كله واحد، لا يجب في ذلك إلا كفارة واحدة، وما قدمنا أولى. انتهى.

وقد يقال: بل الثاني أقرب؛ لأن لفظة (كل) للعموم، و (من) دونها في العموم، فإذا تعددت الكفارة مع (من) وحدها، فأحرى مع (كل)، لاسيما وقد دخلت على (من)، وقد يقال: بل اقتضاء (من) التعدد، أولى من (كل)؛ لأن (من) إنما كانت من ألفاظ العموم لإبهامها واشتمالها على الآحاد بغير تخصيص؛ لا أن مقتضى صيغتها كـ (كل)، فإنها بوضعها للاستغراق، فكانت كاليمين على شيء واحد، ولهذا كان المشهور فيها إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي عليَّ كظهر أمي، أنه لا تلزمه إلا كفارة واحدة، خلافاً لابن نافع، قال: وتتعدد أيضاً إذا قال: كل امرأة أتزوجها عليكِ، وقاله مالك في المختصر.

السيوري: وهو الصواب. ولو قال: من أتزوج من النساء فهي عليَّ كظهر أمي، عليه كفارة واحدة، وانظر هل يتخرج على ما قاله اللخمي، فيما إذا قال: من دخلت منكن، قول بإجزاء كفارة واحدة. قال في الاستلحاق: وانظر لو قال: من تزوجت فهي علي كظهر أمي، ولم يقل من النساء، هل تجزئه واحدة؟

ص: 522

تنبيه:

وقع في كلام ابن يونس أن (من) في قوله: (من تزوجت منكن)، أو (من تزوجتمن النساء) للتبعيض. عياض وغيره: وليس كذلك، بل لبيان الجنس بدليل لو قال:(كل من تزوجت فهي عليَّ كظهر أمي)، لكان كذلك، وإن لم يقل: من النساء.

فرع:

إذا قال لزوجاته: إن دخلتن الدار فأنتن عليَّ كظهر أمي، فدخلت واحدة، فذكر الباجي عن المذهب أنه مظاهر من الجميع، وهو جارٍ على أصل المذهب في الحنث بالبعض، ونقل اللخمي عن ابن القاسم أنه لا شيء عليه حتى يدخلن جميعهن، وعن أشهب أنه يحنث فيمن دخلت خاصة، ولا شيء عليه في غيرها.

خليل: ولعله خرج ذلك على مسألة العتق الأول من المدونة، إذا قال لأمتيه: إن دخلتما هذه الدار فأنتما حرتان، فدخلتها واحدة، فإن فيها هذه الثلاثة الأقوال، ومذهب ابن القاسم أنهما لا يعتقان حتى يدخلا معاً، وانظر لم خالف أصله في التحنيث بالبعض.

وَأَلْفَاظُهُ: صَرِيحٌ، وَكِنَايَةٌ ظَاهِرَةٌ وَخَفِيَّةٌ، فَالصَّرِيحُ: مَا فِيهِ ظَهْرٌ مُؤَبَّدَةُ التَّحْرِيمِ؛ مِثْلُ: كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ عَمَّتِي ....

كلامه ظاهر التصور، وتقسيمه هنا كتقسيمه في الطلاق، إلا أنه هنا مثل للخفية باسقني الماء، ولم يجعل ذلك من كناية الطلاق، وقوله:(فَالصَّرِيحُ: مَا فِيهِ ظَهْرٌ مُؤَبَّدَةُ التَّحْرِيمِ) لا خلاف فيه، والمشهور قصر الصريح على ما ذكره، وعن ابن الماجشون: التشبيه بالمحارم صريح سواء سمى الظهر أم لا، ونقل عنه أيضاً أن التشبيه بالمحرمة كيفما كان صريح، وأنه لا كناية عنده.

ابن عبد السلام: وقول المصنف: (مَا فِيهِ ظَهْرٌ مُؤَبَّدَةُ التَّحْرِيمِ) أحسن من قول غيره: (ذات محرم) لشمول كلام المصنف المحرمة بالرضاع والصهر.

ص: 523

خليل: وفيه نظر فإن المحرم بسبب الرضاع أو الصهر يطلق عليه في الاصطلاح محرماً، وقد صرح في المدونة بذلك، فقال: فمن ظاهر من شيء من ذوات المحارم من نسب أو رضاع فهو ظهار، نعم كلام المصنف أعم من وجه آخر؛ لأنه يتناول الملاعنة، وليست محرمة؛ إذ المحرم من حرم نكاحها لحرمتها على التأبيد، فقولنا:(لحرمتها) احتراز من الملاعنة؛ لأن تحريمها ليس لحرمتها، بل لعارض. وقولنا:(على التأبيد)، احتراز من أخت الزوجة، وعمتها، وخالتها. ومن رأى أن وطء الشبهة لا يحرم، كالشافعي يزيد في الحد بسبب مباح؛ لأن وطء الشبهة لا يوصف بالإباحة.

وَفِي تَنْوِيَتِهِ ثَالِثُهَا: يُنَوَّى فِي الطَّلاقِ الثَّلاثِ

لو ادعى في صريح الظهار أنه لم يرد الظهار، وإنما أراد الطلاق، فهل يقبل مه الطلاق، أم لا؟ المازري: والمشهور أنه لا يقبل ويكون ظهاراً، رواه ابن القاسم [383/أ] وأشهب عن مالك، زاد ابن المواز: ولا يلزمه الطلاق، ولو نوى: إنك بما أقول طالق، والقول بأنه ينوي في الطلاق سواء قصد الثلاث أو دونها لعيسى وسحنون، والقول الثالث: أنه ينوي إن قصد الطلاق الثلاث، ولا ينوي إن قصد دونها، لابن القاسم، وقيد اللخمي الخلاف بما إذا كان المتكلم عالماً بموجب الظهار، وقصد الطلاق، وأما إن قصد الطلاق وهو يجهل حكم الظهار، ويرى أنه طلاق فهو مظاهر، وفي مثله نزل القرآن؛ لأن الظهار كان عندهم طلاقاً، فأنزل الله فيه الكفارة.

تنبيه:

والمراد بعدم تصديقه في إرادة الطلاق على القول الأول إذا جاء مستفتياً، وكذلك قال أشهب، وهو أحد قولي ابن القاسم، ومذهب المدونة في تأويل الأبهري، روى عيسى وابن سحنون أنه يصدق، وهو مذهب المدونة على تأويل ابن رشد، وأما إن حضرته البينة فإنه يؤخذ بالظهار والطلاق معاً، أما الظهار فباللفظ، وأما الطلاق فلنيته. وإن نوى

ص: 524

الثلاث لزمه ذلك، ثم إذا تزوجها لا تحل له إلا بعد الكفارة، هكذا أشار إليه سحنون واللخمي وغيرهما، ونص عليه صاحب المقدمات، وشبه ذلك اللخمي بما قاله ابن القاسم في مسألة ناصح ومرزوق من عتقهما معاً إذا قامت عليه البينة، فإن قيل فيما زاده ابن المواز من عدم لزوم الطلاق ولو نوى: أنك بما أقول طالق، نظر؛ لأن قاعدة المذهب كما تقدم أن كل كلام ينوي به الطلاق أو الإيلاء- اللزوم على المعروف، فجوابه أنه منع هنا من ذلك كونه تعالى أنزل الكفارة فيمن قصد بالظهار الطلاق.

وَالْكِنَايَةُ الظَّاهِرَةُ: سُقُوطُ أَحَدِهِمَا مِثْلُ: كَأُمِّي، أَوْ ظَهْرِ فُلانَةَ الأَجْنَبِيَّةِ

الضمير في (أَحَدِهِمَا) عائد على الظهر ومؤبدة التحريم، ولهذا قال:(كَأُمِّي، أَوْ ظَهْرِ فُلانَةَ الأَجْنَبِيَّةِ)؛ ليذكر مثال كل نوع من الكناية الظاهرة، ونص في الجواهر أنه يلحق بقوله:(كَأُمِّي) في كونه كناية ظاهرة، كما لو قال: أنت كفخذ أمي أو رأسها أو عضو من أعضائها.

سحنون وابن العطار: وإن قال لزوجته: إن فعلت كذا فأنتِ كظهر فلانة الأجنبية، فتزوج الأجنبية، ثم فعل المحلوف عليه فلا شيء عليه؛ لأنها صارت حلالاً حين الحنث.

قال في البيان: ويلزم على قياسه لو قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنتِ عليَّ كظهر فلانة، لامرأة له أخرى، ثم طلق فلانة طلاقاً بائناً ثم دخل الدار، أنه يلزمه الظهار، وقال اللخمي: واختلف هل يراعى يوم اليمين أو يوم الحنث، ومراعاة اليمين أحسن؛ لأنه المقصود للحالف، إلا أن يلاحظ كونه يمينه على بر، هذا معنى كلامه، ولهذا اختاره في البيان، قال: وهو الذي يأتي على قول ابن القاسم، في قول القائل: إن كلمت فلاناً فكل عبد في ملكي حر، أن اليمين إنما تلزمه فيمن كان عنده حين اليمين.

ص: 525

وَيُنْوَى فِي الطَّلاقِ

أي: ينوي في الكناية الظاهرة بنوعيها، ويصدق فيما قصده منه، أما النوع الأول؛ أعني: إذا شبه بذوات المحارم، ولم يذكر الظهر فتنويته في الطلاق هو المشهور، وقال ابن الماجشون: هو ظاهر، ولا يصدق في دعوى الطلاق، وروى أشهب أنه طلاق إلا أن يسمى الظهر، وقال أشهب: لا يلزمه طلاق إلا أن يريد أنها طالق إذا فرغت من اللفظ، لا طالق بنفس اللفظ، وهو قول لا وجه له، وعلى المشهور إذا نوى الطلاق فهو البتات، ولا ينوي في دونها إلا أن تكون غير مدخول بها فينوي، وقال سحنون: ينوي في المدخول بها أيضاً.

صاحب المقدمات: وهو أظهر؛ لأنه ليس من ألفاظ الطلاق، فوجب أن يوقف الأمر على ما نوى.

وأما النوع الثاني: وهو إذا قال: أنتِ كظهر فلانة، الأجنبية، فما قاله من أنه ظهار إلا أن ينوي به الطلاق، يكون كما نوى، هو مذهب المدونة، ففيها: وإن قال: أنتِ عليَّ كظهر فلانة، أو مثل ظهر فلانة، لجارة له أجنبية، وهي ذات زوج أم لا، فهو مظاهر، وقال غيره: هو طلاق، ولا يكون مظاهراً، زاد ابن رشد وغيره في قول غيره: إلا أن يريد بقوله: مثل فلانة في هوانها، ينوي في ذلك ولا يلزمه شيء، قاله غير واحد، وغيره هنا هو ابن الماجشون، واختلف في محل خلافه، فقال بعضهم: إنما خلافه مع ابن القاسم؛ حيث لا نية، وأما لو نوى الظهار، فيتفق على لزوم ذلك، وذهب أكثر الشيوخ إلى أنه يخالف ابن القاسم مطلقاً، وأنه يلزم عنده الطلاق ولو نوى الظهار، وذكر لفظ الظهر.

وصحح في المقدمات طريق الأكثر ابن يونس، وإذا بنينا على قول عبد الملك: أنه لا ينوي في إرادة الظهار؛ فإنه إذا قال: نونيت الظهار. يؤخذ بالبتات وبالظهار، إن تزوجها بعد زوج.

ص: 526

أَمَّا لَوْ قَصَدَ مِثْلَهَا فِي الْكَرَامَةِ فَلَيْسَ بِظِهَارٍ

هذا ظاهر في الأم؛ لأنها محل الإكرام، وأما الأجنبية؛ فينبغي أن يلزمه فيها الظهار أو الطلاق، على القولين السابقين، اللهم إلا أن [383/ب] يعلم أنه مكرم لها، ومذهبنا في التشبيه بالأم أنه محمول على الظهار إلا أن يقصد الكرامة، ومذهب الشافعي بالعكس.

فرع:

قال في المدونة، لو قال: يا أمه أو يا أخته أو يا عمته أو يا خالته، فلا شيء عليه، وهو من كلام أهل السفه.

فَلَوْ أَسْقَطَهُمَا وَشَبَّهَ بِغَيْرِ مُؤَبَّدَةِ التَّحْرِيمُ، فَالْمَشْهُورُ: الْبَتَاتُ، وَثَالِثُهَا: ظِهَارٌ إِلا أَنْ يَنْوِي الطَّلاقَ، ورَابِعُهَا: عَكْسُهُ وَخامسها نفيهما

الضمير في (أَسْقَطَهُمَا) عائد على الظهر ومؤبدة التحريم، ولما كان سقوطهما أعم من التشبيه بغير مؤبدة التحريم؛ لشمول ذلك الصور التي يذكرها المصنف إثر هذه، احتاج إلى أن يقول:(وَشَبَّهَ بِغَيْرِ مُؤَبَّدَةِ التَّحْرِيمُ، فَالْمَشْهُورُ: الْبَتَاتُ)؛ أي تطلق عليه ثلاثاً.

(وَثَالِثُهَا) أي والقول بأنه ظهار وإن نوى به الطلاق، وهكذا ذكره ابن شاس وغيره، والقول بأنه طلاق وإن نوى به الظهار نسبه ابن يونس لابن الماجشون، قال: ولا يكون الظهار إلا في ذوات المحارم، والقول بأنه ظهار إلا أن ينوي به الطلاق لسحنون وأشهب، والقول بعكسه حكاه اللخمي وابن بشير وعزاه في الجواهر لعبد الملك، والقول الخامس بنفي الظهار والطلاق ليس بمنصوص بل خرجه اللخمي من قول مطرف إذا شبه بالذكور، فإنه قال: لا يكون ظهاراً ولا طلاقاً، ورده ابن بشير وغيره بأن الذكر لما لم يكن قابلاً للوطء مطلقاً أشبه الجماد، بخلاف الأجنبية، وفيه نظر، فإن عدم القبول شرعاً ليس بمقتضٍ لإلغاء هذا الكلام، فإن الأم لا تقبله بالنسبة إلى المظاهر.

ص: 527

تنبيه:

وقيد المشهور بإلزام البتات بما إذا لم تكن له نية، أو قامت عليه بينة، وأما إن جاء مستفتياً فإنه يصدق في إرادة الظهار، وإذا ألزمناه الطلاق لقيام البينة فإنه يلزمه الظهار، وإن تزوجها لإقراره به، فإن قيل: هذه المسألة وما بعدها من أي الأقسام هي؟ فإنها ليست من صريح الظهار قطعاً، ولا من الكناية الخفية، والمصنف قد أخرجها من الكناية الظاهرة، قيل: هي مترددة بين الظاهرة والخفية، فلذلك ذكرها بينهما، والله أعلم.

وَلَوْ شَبَّهَ بِظَهْرِ ذَكَرٍ مِثْلَ: كَظَهْرِ أَبِي أَوْ غُلامِي، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: ظِهَارٌ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَيْسَ بِظِهَارٍ وَلا طَلاقٍ

رأى ابن القاسم أنه لما شبه بمن يحرم وطؤه كان كما لو شبه بابنته، وبه قال أصبغ، وروى ابن حبيب أنه لا يكون ظهاراً؛ لأنه غير ما نزل به القرآن، ولا طلاقاً؛ لأنه لم ينوهِ، وهو قول مطرف، وقيل: هو طلاق، وكهذه المسألة لو قال: كظهر الدابة، فإنه يلزمه الظهار عند ابن القاسم، ولا يلزمه على قول مطرف.

فَلَوْ قَالَ: كَابْنِي أَوْ غُلامِي، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ تَحْرِيمٌ

لا إشكال على قول ابن حبيب: أنه لا يلزمه شيء، وإنما لم يلزمه عند ابن القاسم في هذه بخلاف التي قبلها؛ لأنه رأى أن ذكر الظهر قرينة في إرادة الظهار، وقوله:(تحريم) نحوه في الجواهر، وهو يقتضي الثلاث.

وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ حَرَامٌ كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ كَأُمِّي، فَعَلَى مَا نَوَى مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَظِهَارٌ، وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: طَلاقٌ

الضمير في (مِنْهُمَا) يدل على الظهار والطلاق؛ أي: إن نوى بذلك الظهار والطلاق، لزماه. قال في الجواهر: هذا إذا قدم الظهار في نيته، فإن نوى أحدهما لزمه ما

ص: 528

نواه فقط، وتبع المصنف هنا ابن شاس، وظاهر المدونة خلاف ما قالاه، ففيها: وإن قال لها: أنتِ حرام مثل أمي، فهو ظهار؛ لأنه جعل للحرام مخرجاً حين قال مثل أمي، قال غيره: لا تحرم به؛ لأن الله تعالى أنزل الكفارة في الظهار ولا يعقل من لفظ به شيئاً سوى التحريم، ثم قال بعد ذلك: وإن قال لها: أنتِ حرام مثل أمي، أو حرام كأمي، ولا نية له فهو مظاهر، وهذا لا اختلاف فيه. انتهى.

فمقتضاه أن الكلام الأول مع النية، وأنه يلزمه به الظهار، وإن نوى به الطلاق، ويدل عليه قوله في الثانية: إن هذا مما لا اختلاف فيه، وقوله هذا أيضاً يدل على أن قول الغير في الأولى خلاف هذا.

قال ابن عبد السلام: في معنى المدونة، وكذلك قال غيره: لا خلاف في إلزامه الظهار، والمشهور أنه لا يلزمه، وكلام عياض قريب منه، أعني أنه يدل على أن مذهب الكتاب أنه ظهار، ولو نوى به الطلاق، فإنه قال: وإن قرن بظهاره لفظ الحرام، فقال أنت حرام مثل أمي، ففي المدونة أنه ظهار، ومثله في العتبية، وقال مالك في الموازية: ما لم يرد به الطلاق.

عبد الملك: في ذلك، وفي: أحرم من أمي؛ أنه ظهار، ولو نوى الطلاق، وقال محمد: هذا إذا سمى الظهر، فإن لم يسمه فيلزمه ما نوى، وفي كتاب الوقار في: حرام مثل أمي هو البتات، ويلزمه الظهار متى رجع، وفي سماع عيسى في: أحرم من أمي، أنه ثلاث، انتهى.

ونقل ابن حارث عن ابن القاسم فيما إذا قال: حرام مثل أمي أنه طلاق إلا أن ينوي به الظهار، قيل: المشهور في أحرم من أمي أنه ظهار.

تنبيه:

أقام بعضهم من قوله في المدونة: كأنه جعل للحرام مخرجاً [384/أ] أن من قال: الأيمان تلزمه وامرأته طالق إن فعلت كذا، ثم فعله أنه إنما تلزمه طلقة واحدة، لأنه جعل للأيمان مخرجاً حين قال: وامرأته طالق.

ص: 529

فرع: قال ربيعة في المدونة: وإن قال أنت مثل كل شيء حرمه في الكتاب، فهو مظاهر، وقاله ابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ، وقال ابن القاسم وابن نافع، بل هو البتات، لأن الكتاب حرَّم الخنزير والميتة وغيرهما، فيكون بمنزلة ما لو قال لزوجته: أنت عليَّ كالميتة، وصرح ابن أبي زمنين وغيره بأنقول ابن القاسم مخالف لربيعة، وفي تهذيب الطالب: الذي قال ابن القاسم وابن نافع صواب ظاهر، ويحتمل أن يكون غير مخالف لقول ربيعة، ويكون معنى قول ربيعة: أنها تحرم عليه بالثلاث، ثم إذا تزوجها كان عليه الظهار، ويكون ربيعة إنما تكلم على الوجه المشكل، وهو الظهار.

ابن يونس: بعد ذكره القولين: والصواب عندي أنه يلزمه الظهار والطلاق ثلاثاً، وكأنه قال: أنت علي كأمي وكالميتة، ومعنى ما قاله ربيعة أنه أراد ما حرم الكتاب من النساء، ولو أراد غيرهن من تحريم المطعومات وغيرها لكانت الثلاث، قال بعضهم: إن قال أنت عليَّ مثل ما حرم الكتاب فهو الطلاق بالاتفاق، وإن قال كمثل شيء حرمه الكتاب فثلاثة أقوال، ظهار وبتات والأمران جميعاً. قال ابن شهاب في املدونة: ولو قال: كبعض من حرمه عليَّ من النساء، فهو مظاهر. قال ابن شعبان: وكذلك لو قال: كبعض من حرم القرآن، ولو قال: إن وطئتك وطئت أمي فلا شيء عليه. قال ابن القاسم: وكذلك إن قال لجاريته لا أعود لمسِّك حتى أمسَّ أمي فلا ظهار عليه.

وَالْخِفية: مِثْلُ- اسْقِنِي مَاءً فَإِنْ قَصَدَ بِهِ الظِّهَارَ وَقَعَ كَالطَّلاقِ

تصوره ظاهر، وشبه ذلك بالطلاق إشارة منه إلى إجراء الخلاف الذي تقدم فيه هناك.

ولا يسْقط الطَّلاقُ الثَّلاثُ ظِهَاراً تَقَدَّمَهُ أَوْ صَاحَبَهُ مِثْلُ: إِنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلاثاً وَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي

يعني: إذا ظاهر من زوجته فعاد، أو لم يعد، ثم طلقها ثلاثاً، فإن ذلك الطلاق لا يسقط الظهار ظهاره، فإن تزوجها بعد زوج لزمه ذلك، ولم يكن له أن يطأها إلا بعد

ص: 530

الكفارة، لأن الظهار والطلاق مختلفان، وأثرهما مختلف، فلم يكن أحدهما مسقطاً للآخر. قوله:(أَوْ صَاحَبَهُ) مثاله ما ذكره المصنف، إن تزوجتك فأنت طالق ثلاثاً، وأنت علي كظهر أمي، واستغنى المصنف بما ذكره عن عكسه، وهو إذا قدّم الظهار على الطلاق، فقال: أنت علي كظهر أمي وطالق ثلاثاً، ويبين لك الاستغناء قوله في المدونة بعد ذكر المثالين: والذي قدم الظهار في لفظه أبين، واختلف في سبب وقوعهما، فقال ابن محرز: لأن الواو لا تقتضي الترتيب، وقال اللخمي: لقرينة التعليق، فلزما جميعاً بالعقد، حتى لو قال ذلك في مجلسين، وبدأ بأيهما شاء، فإنهما يقعان بالعقد، وقول مالك: الذي قدم الظهار أبين، يريد لأن الواو ترتب عند بعضهم، فإذا قدم الظهار ارتفع النزاع.

وَإِنَّمَا يَسْقطُ مُعَلَّقاً لَمْ يَتَنَجَّزْ أَوْ ظِهَاراً تَأَخَّرَ مِثْلُ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاثاً، وَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي

مثاله: لو قال: إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي، ثم طلقها ثلاثاً، فإذا عادت العصمة إلى زوجها بعد زوج لم يلزمه لم يلزمه الظهار، وإذا حققت النظر لم تجد الطلاق أسقط الظهار لأنه لم يلزم ظهار، وإنما علقه في عصمة وقد زالت، وعادت بعصمة أخرى، وهذا لو كان إنما أبانها بدون الثلاث لعادت عليه اليمين ما بقي من العصمة الأولى شيء، قاله في المدونة وغيرها، وكذلك قوله:(أَوْ ظِهَاراً تَأَخَّرَ)، فإن الظهار هنا لم يلزم البتة، لأنها لما طلقها ثلاثاً لم تبق عصمته، ومثل المثال الذي ذكر المصنف في عدم اللزوم لو قال لغير المدخول بها: أنت طالق، وأنت علي كظهر أمي، وأورد على ذلك ما إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق طالق طالق، فإن المشهور لزوم الثلاث، وأجاب ابن أبي زيد وغيره بأن الطلاق لما كان من جنس واحد عُدَّ كأنه وقع في كلمة واحدة، ولا كذلك الطلاق والظهار، فإنه لا يمكن جمعهما في كلمة واحدة.

ص: 531

وَلَوْ قَالَ: إِنْ شِئْتِ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أمي فَشَاءَتْ فَهُوَ مُظَاهِرٌ

لأنه ظهار معلق على شرط، فكـ (إن دخلت الدار).

ابن القاسم: وذلك بيدها ما لم توقف، قال في المدونة: وقال غيره هذا على اختلاف قول مالك في المملكة، هل ينقطع حقها بانقضاء المجلس أم لا؟ ابن يونس: ومذهب ابن القاسم في كل ما كان تفويضاً إليها من تمليك أو تخيير أو طلاق، أو ظهار، أو عتاق، أن ذلك بيدها، وإن قاما من المجلس، ما لم توقف، والغير يرى أن اختلاف قول مالك يدخل على ذلك، وفرق بعض القرويين على قول ابن القاسم، بين قوله: أنت طالق إن شئت، أو أمرك بيدك إن شئت، بأن الطلاق لا خيار فيه، سواء [384/ب] قال: إن شئت أو لم يقل، فأفاد بقوله (إِنْ شِئْتِ) التفويض إليها في ذلك، وأما الذي يقول: أمرك بيدك إن شئت، فسواء ذكر: إن شئت أو سكت عنه، قد فهم عنه أن مراده إن شاءت الطلاق، وزيادة إن شئت لا تؤثر شيئاً، ووجودها وعدمها سواء، فكأن الحكم إذ ذاك يختلف.

ابن يونس: وهذا قول له وجه، لكن ظاهر قول ابن القاسم ما قدمناه، وقاله أيضاً بعض القرويين. وذكر عبد الحميد عن الشيخ أبي حفص وغيره من الشيوخ، أن كلَّ ما كان على جهة التفويض فذلك بيدها، وإن تفرقا، ولا يختلف القول في ذلك، وعن السيوري أنه لا يختلف في: إذا شئت، أو متى شئت أنه على التفويض، وأما إن شئت فهذا قد اختلف القول فيه، وذكر ابن حبيب عن ابن القاسم في إذا شئت، ومتى شئت أن لها ذلك بعد المجلس، ما لم توقف أو توطأ بخلاف إن شئت.

وَلَوْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ عليَّ كَظَهْرِ أُمِّي لَزِمَهُ بِخِلافِ الطَّلاقِ لأَنَّ لَهُ مَخْرَجاً، وكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ تُجْزِئُهُ

تصور المسألة واضح، وقوله:(لأَنَّ لَهُ مَخْرَجاً) أي بالكفارة، وهذا هو الفرق بين الطلاق والظهار، فإن الطلاق لو لزم مع العموم لحصل حرج، ولا يمكن رفعه، بخلاف

ص: 532

الظهار، فإن حرجه يزول بالكفارة، وقوله:(فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ تُجْزِئُهُ)، هو المشهور، ولمالك في المختصر: لكل امرأة كفارة، وقاله ابن نافع، فرأى في المشهور أنها يمين واحدة، ورأى في الشاذ أن كل لما كانت من صيغ العموم أشبهت ما لو قال لأربع نسوة: من دخلت منكن الدار فهي علي كظهر أمي.

وَتَجِبُ الكَفَّارَةُ بِالْعَوْدِ، وَالْعَوْدُ فِي الْمُوَطَّأِ: الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ والإِمْسَاكِ مَعَاً، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: العزم عَلَى الْوَطْءِ خَاصَّةً ورُوِيَ: الإِمْسَاكُ خَاصَّةً، وَفِيهَا: وَإِنَّمَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْوَطْءِ، وَرُوِيَ الْعَوْدُ: الْوَطْءُ نَفْسُهُ

يعني: أن وجوب الكفارة مشروط بالعودة، لقوله تعالى:{وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} لأن دخول الفاء في خبر المبتدأ الموصول، دليل على الشرطية، كقولك: الذي يأتيني فله درهم، وإذا قلنا أنها لا تجب إلا بالعود فهل يجوز إخراجها قبلها؟ روى ابن سحنون عن أبيه في المظاهر يكفر بغير نية العود، وهو يريد أن يطلقها ويقول: إن راجعتها حلَّت لي بغير ظهار، لا يجزئه حتى ينوي العودة. قال: وهو قول أكثر أصحابنا.

ابن رشد: وهو المشهور المعلوم. ونقل عبد الحق والباجي عن ابن عمران أن ابن القاسم لا يراعي العودة، وإنما يراعيها ابن الماجشون وسحنون، وأنكرت نسبة هذا القول لابن القاسم، وإنما أخذ له ذلك من قوله في الدونة، في مَن ظاهر من أمته وليس له غيرها لم يجزه الصوم، وأجزاه عتقها، لأن العودة إن كانت العزم على الوطء والإمساك فهي غير ممكنة مع العتق، وأجيب باحتمال أن يكون المظاهر عزم على وطئها وإمساكها أولاً، ثم سأل غيره عما يلزمه من الكفارة، فقيل له: يلزمك عتقها، ويحتمل أن يكون وطئ الأمة، فتكون الكفارة متحتمة عليه، ولأنه لا يلزم من عدم اشتراطها هنا لتعذرها، عدم اشتراطها مطلقاً، فإن قيل: هب أن الأخذ من قول ابن القاسم هذا لم يتم، لأن قول

ص: 533

سحنون أو ابنه أنه قول أكثر أصحابنا، يدل على أن الأقلين على خلاف ذلك، قيل لا دلالة في ذلك لاحتمال أن يراد بالأقل ما نقله ابن رشد عن ابن نافع أن الكفارة تصح مع استدامة العصمة، وإن لم ينو المصاب ولا أراده، وهو قريب من قول الشافعي أنَّ ترك الفراق بإثر الظهار هو العودة، لكن ذكر عياض أنه تأويل منه على ابن نافع، وأن يحيى بن عمر تأول قوله على أنه يرى أن العودة قصد الإمساك، وحكى بعضهم عن مالك قولاً مثل ما حكاه ابن رشد عن ابن نافع.

وذكر المصنف في تفسير العودة أربعة أقوال، وكلها روايات عن مالك، وما نسبه المصنف للموطأ تبع فيه ابن شاس، وهو ظاهر، لقوله: أن يجمع على إمساكها وإصابتها محتمل للوجهين، وما نسبه المصنف للمدونة هو فهم اللخمي منها، وفهمها ابن رشد وعياض على ما نقله المصنف عن الموطأ، وصرحا بأنه المشهور، ولا يقال إذا كان مذهبه في المدونة محتمل، فلم تثبت الرواية بأن العودة العزم على الوطء خاصة، لأ، نقول الرواية ثابتة، نقلها ابن الجلاب وغيره.

الباجي: وليس من شرط العزم على الإمساك الأبدية، بل لو عزم على إمساكها سنة، كان عازماً، واستضعفت الرواية بأن العود الوطء، لأن الله تعالى اشترط في الكفارة، أن تكون قبل المماسة، واعلم أن وجوبها على مذهب المدونة بالعزم خاصة مشروط ببقاء المرأة في عصمته، وإلا فلو عزم على وطئها ثم طلقها لسقطت الكفارة، وسيأتي ذلك.

وذهب داوود الظاهري إلى أن العودة [385/أ] هو أن يعود إلى لفظ الظهار، وأعرب (ما) من قوله تعالى:{ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} مصدرية، ورد بأنه عليه الصلاة والسلام لم يأمر المظاهر أن يعيد لفظ الظهار، وأيضاً فالظهار محرم، فلا يؤمر بإعادته، ورد أيضاً قول الشافعي بأن قوله تعالى:{ثُمَّ يَعُودُونَ} يقتضي وقوع أمر في زمان متأخر عن

ص: 534

الظهار من المظاهر، والشافعي يرى أن مجرد مضي الزمان موجب للكفارة، وعلى مذهبنا فيكون في الآية حذف مضاف؛ أي: ثم يعودون لنقيض ما قالوا، أو يكون التقدير: ثم يتداركون ما قالوا؛ لأن المتدارك للأمر عائد إليه، أو يراه بما قالوا ما حرموه على أنفسهم؛ تنزيلاً للقول منزلة المقول، وما مصدرية أو موصولة أو نكرة موصوفة.

وقوله: (وَفِيهَا: وَإِنَّمَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْوَطْءِ) يحتمل أن يكون أتى بذلك استشكالاً؛ لأنه لما ذكر عن المدونة أنها تجب بالعزم على الوطء، ذكر هذا كالمخالف له، والظاهر أنه هنا لا إشكال في هذا؛ لأن الوجوب هنا يطلق لمعنيين؛ الأول: وجوب متحتم، والثاني: غير متحتم؛ فالمتحتم بعد الوطء؛ لأنها تجب سواء بقيت الزوجة في العصمة أم لا، وغير المتحتم إذا عاد بغير الوطء، فإنها إنما تجب بشرط بقاء العصمة، فقوله في المدونة: وإنما تجب الكفارة بالوطء، مراده الوجوب المتحتم، والله أعلم.

فَلَوْ عَادَ بِغَيْرِ الْوَطْءِ ثُمَّ أَبَانَهَا أَوْ مَاتَتْ فَفِي سُقُوطِهَا قَوْلانِ

السقوط مذهب المدونة، ففيها: ولو طلقها قبل أن يمسها وقد عمل في الكفارة لم يلزمه إتمامها، وقال ابن نافع: إن أتمها أجزأه، وإن أراد العودة قبل الطلاق، والقول باللزوم إذا عاد ثم طلقها أو ماتت لمالك وأصبغ، واختلف هل قول ابن نافع خلاف لقول المشهور، وأنه لو أتم على قول ابن القاسم لم يجزه، وإليه ذهب صاحب تهذيب الطالب، وصاحب البيان، أو هو وفاق وإليه مال اللخمي؟ والخلاف جارٍ في الصيام وغيره، ولابن الماجشون قول ثالث بالفرق بين أن يمضي من الكفارة أقلها، أو أكثرها.

قال في البيان: وأما إن لم يتم كفارته حتى تزوجها فاتفق على أنه لا يبني على الصيام، واختلف هل يبني على الإطعام على أربعة أقوال: أحدها: أنه لا يبني بعد انقضاء العدة وإن تزوجها، وهو قول أشهب، والثاني: أنه يبني وإن لم يتزوجها وهو قول ابن عبد الحكم

ص: 535

وابن نافع، والثالث: أنه لا يبني إلا أن يتزوجها، وهو قول أصبغ، والرابع: الفرق بين أن يمضي منه أكثره أو أقله، وهو قول ابن الماجشون.

تنبيه:

ما ذكرناه من أن مذهب المدونة السقوط، إنما هو في الطلاق البائن أو في الرجعي، وانقضت العدة، وأما لو تم عدة الطلاق فإنه يجزئه باتفاق، قاله في تهذيب الطالب، قال في البيان: وقيل ذلك إن نوى ارتجاعها وعزم على الوطء؛ لأن الكفارة لا تصح إلا بعد العودة، وإن لم ينوِ فيكون كالطلاق البائن، واختلف إذا أراد أن يبتدئ الكفارة وهي في عدة الطلاق الرجعي، فلمالك في الموازية: يرتجع ثم يكفر، وقال أشهب: إن كفر قبل أن يرتجع، وقيل: إن تبين منه فذلك جائز، وقال ابن المعذل: لا تجزئه الكفارة قبل أن يرتجع؛ لأن الكفارة إنما هي بعد أن يعود إلى الإمساك وهي في العدة بائنة.

أَمَّا لَوْ وَطِئ لَمْ تَسْقُطْ

لأنها وجبت وجوباً متحتماً كما تقدم.

وَلِذَلِكَ لَوْ ظَاهَرَ ثُمَّ وَطِئَ وَلَوْ نَاسِياً ثُمَّ أَبَانَهَا ثُمَّ كَفَّرَ أَجْزَأَ اتِّفَاقاً، وَلَوْ ظَاهَرَ ثُمَّ أَبَانَهَا ثُمَّ كَفَّرَ ثُمَّ أَعَادَهَا لَمْ يُجْزِئه؛ لأَنَّهُ كَفَّرَ قَبْلَ الْوُجُوبِ ....

أي: لأجل أنها لا تسقط بالوطء، ويحتمل لأجل ما ذكره من الفرق بين أن يعود بالوطء أو بغيره لو ظاهر ثم وطئها ولو ناسياً، ثم أبانها لزمته الكفارة ولم تسقط عنه؛ لأنها تحتمت بالوطء، وما ذكرناه من قولنا:(لزمته الكفارة) أحسن من قوله: (ثُمَّ كَفَّرَ أَجْزَأَ اتِّفَاقاً) لأن قوله أجزأه يوهم أن له ألا يفعل، ولا يقال: هذا الوهم يزول بقوله أولاً: (أما لو وطئ لم تسقط) لاحتمال أن يخصص الكلام المتقدم بما إذا كانت باقية في العصمة، وما حكاه من الاتفاق صحيح باعتبار النصوص، وإلا فقد أشار ابن رشد وغيره إلى أنه يلزم

ص: 536

على القول بأن العود الوطء نفسه ألا تجب عليه الكفارة بأول وطء، بل له أن يطأ مرة، ثم لا يطأ حتى يكفر، فعلى هذا تكون الكفارة قد وجبت بالوطء المتقدم، ويكون الحكم فيها كالمسألة السابقة، وقوله: (وَلَوْ ظَاهَرَ ثُمَّ أَبَانَهَا

إلخ)، ظاهر التصور.

وَالْكَفَّارَةُ إِحْدَى ثَلاثٍ مُرَتَّبَةٌ: الْعِتْقُ، وَالصَّوْمُ، وَالِإطْعَامُ

لا خلاف في ترتيبها، وأن العتق أولاً، ثم الصيام ثم الإطعام. وقوله:(إِحْدَى ثَلاثٍ)، يقتضي أن الكسوة لا تصح فيها، وهو المعروف، وفي النوادر: قال ابن القاسم في الأسدية فيمن كسا وأطعم عن كفارة واحدة: لا يجزئه، ووقع في المجالس: يجزئه، وأظنه قول مالك، وقال أشهب: لا يجزئه.

الباجي: وفي الموازية فيمن ظاهر من أربع نسوة، وأطعم عن واحدة ستين وكسا عن أخرى ستين، [385/ب] ثم وجد العتق فعتق عن واحدة غير معينة، ولم يقدر على رقبة إلى أربعة فليطعم أو يكسي، ويجزئه.

الشيخ أبو محمد: وانظر قول محمد في الكسوة ما أعرفه لغيره.

الباجي: وهو يحتمل عندي وجهين، أحدهما: أنه من باب إخراج القيم في الكفارة، فتخرج الكسوة عن الطعام إذا كانت في مثل قيمته أو أكثر، وهل يجب على هذا ألا يراعي قدر الكسوة، والثاني: أنه رآها خصلة رابعة قياساً على كفارة الأيمان على رأي من صحح دخول القياس في الكفارة، وهذا معنى كلامه. وفي الأول بعدٌ؛ لأنَّا وإن قلنا بإخراج القيمة فلا نأمره بذلك ابتداء، وقوله في المسألة الثانية: فليطعم أو يكسي، يقتضي أنه مأمور بذلك ابتداء.

فَيُجْزِئُ عِتْقُ مَنْ يُجْزِئُ فِي الصِّيَامِ والأَيْمَانِ، وَهِيَ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ غَيْرُ مُلَفَّقَةٍ مُحَرَّرَةٌ لَهُ سَلِيمَةٌ خَالِيَةٌ عَنْ شَوَائِبِ الْعِتْقِ وَالْعِوَضِ ..

إنما قال: (يُجْزِئُ عِتْقُ مَنْ يُجْزِئُ فِي الصِّيَامِ والأَيْمَانِ) وإن لم يتقدم ما يجزئ فيها؛ لأنه أراد إفادة الحكم في الجميع، ثم شرع المصنف في بيان ما يتعلق بالقيود أولاً فأولاً.

ص: 537

فَلَوْ عَتَقَ جَنِيناً عُتِقَ وَلَمْ يُجْزِئه

هذا راجع إلى قوله: (رَقَبَةٌ)؛ لأن الجنين لا يسمى حين العتق رقبة، وإنما ألزمناه عتقه وإن كنا سيده إنما التزم عتقه على لا رجعة، ولم تحصل لتشوف الشرع إلى الحرية، وقصده به القربة.

فَلَوْ أَعْتَقَ نِصْفَيْنِ مِنْ رَقَبَتَيْنِ لَمْ يُجْزِئه

هذا راجع إلى قوله: (غَيْرُ مُلَفَّقَةٍ)، ولم يجزئه ذلك؛ لأنه لا يصدق عليه رقبة، ولم يبين رحمه الله ما احترز عنه بالأيمان، ولعل ذلك لوضوحه.

واعلم أن الكافر على ضربين: كتابي وغيره، فالكتابي إن كان كبيراً قد عقل دينه لم يجز باتفاق، وإن كان صغيراً لم يعقل دينه فقال اللخمي: قال ابن القاسم: يجزئه، وقال ابن وهب وأشهب: لا يجزئه، وقال أبو مصعب: فيمن ولد من النصارى مملوكاً للمسلمين فهو على فطرة الإسلام، وقال ابن حبيب: لا يجزئ من ولد في ملك الإسلام، وسيأتي الكلام على غيره.

وَمِنْ وَاحِدَةٍ فِي دُفْعَتَيْنِ قَوْلانِ

يعني: إذا كان له عبد فأعتق نصفه عن كفارة، ثم أعتق النصف الباقي عن تلك الكفارة، ففي سماع عيسى: يجزيه، وإن رفع إلى السلطان وجبره على التكميل، وقال ابن الماجشون وأصبغ: لا يجزئه.

ابن عبد السلام: وهو ظاهر المدونة والأظهر لأن الحكم يوجب عليه التتميم، فملكه للباقي تام.

ص: 538

وَلَوْ أَعْتَقَ نِصْفاً، وَالْبَاقِي لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ فَكُمِّلَ عَلَيْهِ لَمْ يُجْزِئه عَلَى الْمَشْهُورِ

تصوره ظاهر، والمشهور هو نص التهذيب، ومقابله لابن القاسم أيضاً، والأقرب هنا وفي الفرع المتقدم عدم الإجزاء؛ لأن الحكم لما كان يوجب عليه تتميم الباقي صار ملكه له غير تام، وعلى القول بالسراية، فالأمر أظهر.

وَلَوْ اشْتَرَى مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ، أَوْ مَنْ عَلَّقَ عِتْقَهُ عَلَى شِرَائِهِ أَوْ مِلْكِهِ، أَوِ اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ- لَمْ يُجْزِهِ، وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ مَنْ كَانَ لِلْغُرَمَاء مَنْعُهُ ....

هذا راجع إلى قوله: (مُحَرَّرَةٌ) لأن الأول عتق بسبب القرابة، والثاني عتق بنفس الشراء، والثالث لغيره فيه شرك؛ لأنه يضع من ثمنه لأجل العتق، فكأنه لم يعتق رقبة كاملة، ويحسن أن يكون هذا مما يتعلق بقوله:(خالية عن العوض) ولا إشكال في الفرع الأول إن بنينا على المشهور أن القرابة تعتق بنفس الملك، وأما إن بنينا على افتقاره إلى الحكم فأعتق قبل الرفع إلى الحاكم، فقد يخرج فيها الخلاف من المسألة التي قبلها، وما ذكره في المعلق عتقه على شرائه من عدم الإجزاء نحوه في المدونة، وعطف الملك على الشراء؛ لأن الملك أعم؛ إذ قد يملكه بإرث أو هبة أو غيرهما، وفي الموازية عن ابن القاسم: الإجزاء فيمن قال: إن اشتريت فلاناً فهو حر عن ظهاري.

ابن عبد السلام: وتردد الشيوخ هل هو خلاف للمدونة أو وفاق؟ ومال الباجي إلى الوفاق، قال: لأنه لم يتقدم بعقده عتق إلا للظهار، وتقدم له في الأولى عتق لازم بكل حال بتقدير الشراء. ابن يونس: وذكر عن أبي عمران أنه غمز المسألة إذا كان قد ظاهر قبل قوله: إن اشتريت فلاناً فهو حر عن ظهاري، من أجل أنه لا يستقر ملكه عليه، وعتق بنفس الشراء، قال: وأما إن لم يكن ظاهراً قبل ذلك لأجزأه ذلك، فكأنه قال: إن اشتريتك فأنت حر عن ظهاري، إن وقع مني ونويت العودة، وإن لم أنوِ العودة فلا تعتق عليَّ.

ص: 539

الباجي: وروى أبو زيد عن ابن القاسم في العتبية في المرأة تعطي زوجها رقبة يعتقها عن ظهاره أو ثمنها إن كان ذلك بشرط العتق، لم يجزه، وإن كان بغير شرط العتق أجزأه؛ لأن هذا أيضاً شرط عليه عتقه لظهار من يملكه، فكأنه هو الذي أثبت فيه العتق دون المظاهر، بخلاف ما في الموازية، فإنه هو الذي أثبت فيه عتق الظهار.

وعارض أبو إسحاق ما في المدونة من عدم الإجزاء في المشتري بشرط العتق بما لو أعتق أجنبي عنه، فإن مذهب المدونة الإجزاء، ووجه المعارضة: أنكم كما حكمتم بالإجزاء في مسألة الهبة مع أن الرقبة [386/أ] موهوبة للعتق، فكذلك إذا اشتراها بشرط العتق، وإلى هذا المعارض أشار اللخمي أيضاً، فقال: اختلف إذا اشترى عبداً بشرط العتق، يعتقه عن ظهاره، فقال مالك في المدونة: لا يشتري بشطر العتق؛ لأنها رقبة ليست بتامة؛ إذ يضع عنه من ثمنها، وقال ابن كنانة في شرح ابن مزين: إن كان جاهلاً لم يؤمر بالإعادة، وقال ابن القاسم: إن كان عالماً أن ذلك لا ينبغي لم يجزئه، وإن كان جاهلاً ولا وضيعة من ثمنها أجزأه، وإن كان فيه وضيعة لم يجزئه، وقال ابن القصار فيمن قال لرجل: أعتق عبدك عن كفارتي: أجزأه، وسواء كان بجعل جعله له؛ مثل أن يقول له: أعتقه عني ولك ألف، أو بغير جعل وهو أصوب على أصل ابن القاسم؛ لأنه إذا أجزأه وهو كله هبة بغير عوض، فأحرى إن كان بمعاوضة ولم يكن في الثمن وضيعة، وقوله:(وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ) هو اللخمي استثنى من عدم الإجزاء في القريب، ومن اشترى بشرط العتق إذا كان عليه دين، واذن له غرماؤه أن يشتريه فيعتقه، أو اشتراه بغير إذنهم فأذنوا له أن يعتقه، فقال هنا بالإجزاء؛ لأن الدين يمنع من عتقه، فإذا صح ألا يعتق ويباع للغرماء صح إذنهم في عقته عن الواجب.

وَلَوْ فَعَلَ النِّصْفِ مِنْ كُلِّ كَفَّارَةٍ لَمْ يُجْزِهِ

كما لو صام ثلاثين يوماً، وأطعم ثلاثين مسكيناً وأعتق نصف عبد لا يملك غيره، وصام ثلاثين يوماً، ولا إشكال في هذا مع القدرة؛ لأنه يجب عليه ألا يفعل الصوم إلا

ص: 540

بعد عجزه عن العتق وأما مع العجز، فقال ابن عبد السلام: أشار بعض المتأخرين إلى أن قول مالك اختلف في الأصل الذي تبنى عليه هذه المسألة، وهو: هل المعتبر في الكفارة يوم الوجوب أو الأداء؟ وأشار غيره إلى حصول الاتفاق في هذه الصورة على عدم الإجزاء.

ابن عبد السلام: وانظر إن لم يكن اتفاق صحة الجمع بين الثانية والثالثة، وأما الجمع بين الأولى والثانية فيعارض فيه شيء آخر، وهو أنَّا إذا منعنا من التلفيق بين نصفي رقبتين فأحرى أن يمنع من التلفيق بين نصف رقبة ونصف صوم وليس هذا التعارض بالقوي.

وَكَذَلِكَ لَوْ أَعْتَقَ ثَلاثاً عَنِ أَرْبَعٍ لَمْ يُجْزِهِ

لأن العتق لا يبعَّض.

وَلَوْ أَعْتَقَ أَرْبَعاً عَنْ أَرْبَعٍ أَجْزَأَهُ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ

لهذه المسألة- أعني: إذا أعتق أربع رقبات ع نأربع نسوة- أربع صور. إن قصد التشريك في كل واحدة لم تجزه واحدة منهن، وهي كالتي قبلها، وإن قصد كل واحدة عن واحدة أجزأه. واختلف إذا أطلق ولم يعين ولا شرك، فقال ابن القاسم: تجزئه، واختلف فيها قول أشهب.

اللخمي: والإجزاء أحسن. فقول المصنف: (وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ) هو على قول ابن القاسم.

وَلَوْ أَعْتَقَ ثَلاثاً عَنْ ثَلاثٍ مِنْهُنَّ وَلَمْ يُعَيِّنْ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ لَمْ يَطَا وَاحِدَةً مِنْهُنَّ حَتَّى يُكَفِّرَ عَنِ الرَّابِعَةِ، وَلَوْ مَاتَتْ وَاحِدَةٌ أَوْ طَلَّقَهَا

هذا الفرع مبني على قول ابن القاسم وأحد قولي أشهب، وأما على قول أشهب بعدم الإجزاء فلا يجزيه من الثلاثة، وقوله:(لَمْ يَطَا وَاحِدَةً)؛ لأنه بمنزلة ما لو اختلطت ذات محرم بثلاث نسوة أجنبيات، أو ميتة بثلاث ذكيات، ولم تعلم، وقوله:(وَلَوْ مَاتَتْ وَاحِدَةٌ أَوْ طَلَّقَهَا) مبالغة؛ أي لا يطأ واحدة، ولو ماتت منهن واحدة أو طلقها، بل وكذلك اثنان وثلاث، فلا يطأ الباقية حتى يكفر لاحتمال أن تكون هي التي لم يكفر عنها.

ص: 541

وَكَذَلِكَ الصِّيَامُ إِلا أَنْ يَنْوِيَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ عَدَداً فَيُكَمِّلُ لِلأُخْرَى

يعني: فلو صام ثمانية اشهر، ولم يعين لكل واحدة شهرين أجزأه، ولو صام ستة عن ثلاث ولم يعين، لم يطأ واحدة منهن حتى يكفر عن الرابعة، وقوله:(إِلا أَنْ يَنْوِيَ)؛ يعني إذا صام الأربع دون ثمانية اشهر وقد عين لكل واحدة عدداً، فإنه يبطل ما صام للأولى والثانية؛ لعدم التتابع، ويكمل للأخيرة، فإن نوى للأخيرة عشرة أيام بنى عليها، أو عشرين بنى عليها، ومثل هذا أيضاً لو صام ثمانية أشهر إلا أنه صامهن يوماً يوماً أو أكثر فإنه يبني على يوم واحد.

وَلَوْ أَطْعَمَ مِئَةً وَثَمَانِينَ عَنْ أَرْبَعٍ أَجْزَأَهُ عَنْ ثَلاثٍ

فيه حذف مضاف؛ أي مقدر ثلاث، وليس المراد أن يجزيه عن ثلاث مستقلة؛ لقوله:

فَإِنْ مَاتَتْ وَاحِدَةٌ سَقَطَ حَظُّ الْمَيِّتَةِ إِلا أَنْ يَنْوِيَ تَشْرِيكَهُنَّ فِي كُلِّ مِسْكِينٍ فَلا يُجْزِئُهُ عَنْ شَيْءٍ ....

قوله: (سَقَطَ حَظُّ الْمَيِّتَةِ)؛ أي ربع المائة والثمانين، وهو خمسة وأربعون، ولا يطأ واحدة من الثلاث، إلا بعد أن يخرج عن كل واحدة منهن كمال كفارتها خمسة عشر مسكيناً، وقال المصنف:(سَقَطَ حَظُّ الْمَيِّتَةِ)، ولم يقل: سقط خمسة وأربعون؛ ليشمل ما إذا نوى لكل واحدة عدداً، أو نوى للميتة أكثر منهن، فإنه يسقط ما نواه لها. أما إن جعل لأحد الكفارات عدداً أكثر من الأخرى ولم يعين، فإنه يجعل للميتة الأكثر، وقوله:(إلا أن ينوي تشريكهن في كل مسكين فلا يجزئه عن شيء) هذا إذا لم تعرف أعيان المساكين، ولو عرفت [386/ب] لنظر إلى ما يقع لكل واحد منهم فيكمل له تمام المد.

أَوْ يَنْوي لِكُلِّ وَاحِدَةٍ عَدَداً فَيَجُوزُ مِثْلُ عَدَدِ الْمَيِّتَةِ

ابن راشد: فإذا أخرج مائة وثمانين عن أربع، فينوي لفلانة ستين ولفلانة ستين ولفلانة عشرة ولفلانة خمسين، فماتت التي نوى لها ستين، فيخرج ستين، وإن ماتت التي نوى لها

ص: 542

الخمسين أخرج خمسين، وإن ماتت التي نوى لها عشرة أخرج عشرة؛ إذ بها تكمل الثلاث كفارات، وفي كلامه إضمار؛ أي: فيجوز أن يخرج مثل عدد الميتة.

وَالْعُيُوبُ: ثَلاثَةٌ: مَا يَمْنَعُ كَمَالَ الْكَسْبِ وَيُشِينُ؛ كَالقَطْعِ، وَالعَمَى، والبُكْمُ، والْجُنُونُ، والهرِمُ الْعَاجِزِ، وَالْمَرَضُ الَّذِي لا يُرْجَى بُرْؤُهُ- فَلا يُجْزِئُ

هذا راجع إلى قوله: (سليمة)، وقسم المصنف العيوب إلى ثلاثة أقسام، وقسمها اللخمي إلى خمسة أقسام، وطريق المصنف أحسن؛ لأنها أخصر مع جمعها لما قاله اللخمي، وقوله:(مَا يَمْنَعُ)، خبر ابتداء؛ أي في الأول ما يمنع كمال الكسب ويشين فلا يجزئ، ومثل له المصنف بالقطع، وسواء كان مقطوع اليدين أو إحداهما أو أحد الرجلين، وكذلك الشلل والفلج.

وقوله: (وَالعَمَى)، ظاهر، وقوله:(والبُكْمُ) هو بيِّن إن كان أصم كما هو غالب أحوال البكم. ابن عبد السلام: وإن لم يكن أصم فينبغي أن يجري فيه الخلاف اليذ في الأصم، وأما المجنون إن كان مطبقاً أو في أكثر الزمان، فلا يجزئ، وإن كان أقل الأزمنة، فقال مالك وابن القاسم: لا يجزئ، وقال أشهب: إن جن في كل شهر مرة أجزأ.

الثَّانِي: مَا لا يَمْنَعُ كَمَالَ الْكَسْبِ ولا يُشِينُ؛ كَالْمَرَضِ الْخَفِيفِ، والْعَرَجِ الْخَفِيفِ، وَالأَنْمُلَةِ- فَيُجْزِئُ ....

وكذلك الجدع في الأذن وذهاب بعض الأسنان والصمم الخفيف، قاله اللخمي.

وقوله: (وَالأَنْمُلَةِ) إن كانت من غير الإبهام فبين، وأما أنملة الإبهام فإنها تمنع كثيراً من الصنائع.

ص: 543

الثَّالِثُ: مَا يُشِينُ وَلا يَمْنَعُ كَمَالَ الْكَسْبِ؛ كَاصْطِلامِ الأُذُنِ، وَالصَّمَمِ، وَالْعَوَرِ، وَالْمَرَضِ الْكَثِيرِ الْمَرْجُوِّ، وَالْبَرَصِ الْخَفِيفِ، والْعَرَجِ الْبَيِّنِ، والْخِصَاءِ والأُصْبُعِ- فَقَوْلانِ

بناءً على اعتبار الشين أو الكسب، وقوله:(كَاصْطِلامِ الأُذُنِ) كلامه في التهذيب يدل على إجزاء المصطلم الأذن الواحدة؛ لقوله: (ويجزئ الجدع الخفيف كجدع الأذن)، ولكن انتقدت عليه هذه اللفظة، فقيل: إنما في المدونة: كجدع في الأذن؛ وهو يدل على أن الجدع لم يوعب الأذن، والقول بالإجزاء في مصطلم الأذن لأشهب، ونص في المدونة على أن مقطوع الأذن لا يجزئ، ومذهب المدونة أن الأصم لا يجزئ، وقال أشهب: يجزئ.

والمشهور إجزاء الأعور، وفي الموازية: لا يجزئ، وهو قول عبد الملك، وأما المرض الكثير المرجو، فقال محمد: يجزئ ما لم ينازع؛ وقاله عبد الملك، واستقرأ اللخمي من قول الغير في المدونة في الأبرص: يجزئ إذا كان خفيفاً ولم يكن ممرضاً، عدم الإجزاء في المرض البين.

وأما البرص الخفيف فقال ابن القاسم في الجذام والبرص: لا يجزئ جملة.

اللخمي: ولم يفرق بين قليله ولا كثيره. وقال أشهب في البرص الخفيف: يجزئ، وأما الخصاء، فقال اللخمي فيه ثلاثة أقوال: كرهه في المدونة، وقال أيضاً: لا يجزئ، وقال أشهب يجزئ، وأما الأصبع فالمشهور عدم الإجزاء، وقال ابن الماجشون: يجزئ، وإن كانت الإبهام.

اللخمي: وليس بالبيِّن، ولو كانت الخنصر وما والاه رأيته أن يجزئ.

ويُجْزِئُ عِتْقُ الرَّضِيعِ، والأَعْجَمِيِّ بِخِلافِ الْجَنِينِ، وَمَنْ عَقَلَ الصَّلاةَ والصِّيَامَ أَوْلَى

هكذا في المدونة، لكنه اشترط في عتق الرضيع والأعجمي أن يكون ذلك لقصد النفقة. أبو عمران: وهو على استحباب، وأما الإجزاء فإنه يجزئ وإن كان مع سعة النفقة.

ص: 544

ابن عبد السلام: وقيل: إنه شرط، فينتفي الإجزاء بانتفائه، والأول أولى؛ لأنه لا يعلم شيء من مسائل هذا الباب، وما يقرب منه كالضمان والهدايا يجزئ الفقير ولا يجزئ الغني.

فرع:

فإن عتق الرضيع في كفارة واحدة؛ فكبر أخرس أو أصم أو مقعداً أو مطبقاً، فقال أصبغ في العتبية: ليس عليه البدل، وكذلك لو ابتاعه فكبر على هذا الاحتمال حدوثه، وأما الأعجمي، والمراد به الكافر الذي ليس بكتابي، فنص في المدونة على الإجزاء، كما ذكرنا، ففسره سحنون وابن اللباد وابن أبي زمنين وغيرهم بأن يكون دخل في الإسلام اعتماداً على ما وقع في النذور من قوله:(والأعجمي الذي قد أجاب) واختصار ابن أبي زيد يخالف هؤلاء؛ لأنه قال في اختصاره لما في الظهار: ويجزئ عتق الأعجمي الذي يجبر على الإسلام، وإن لم يسلم، وكذلك قال في الموازية، وعلل ذلك بأنهم على دين من اشتراهم، قال: وقال أشهب: لا يجزئ حتى يجيب إلى الإسلام.

وهل الخلاف في الصغير كالكبير؟ أو إنما هذا الخلاف إنما هو في الكبير وأما الصغير يشترى مفرداً عن أبويه فلا خلاف أنه يجزئ طريقان، وتعميم الخلاف أولى؛ لأنهم أشاروا إلى أن الخلاف في الإجزاء مبني على الخلاف في جبرهم، وفي ذلك ثلاثة أقوال، ثالثها: يجبر الصغار دون الكبار وعلى ما في المدونة، فقال بعض أصحابنا ينبغي [387/أ] أن يوقف عن امرأته حتى يسلم هذا الأعجمي، وإن مات قبل أن يسلم لم يجزه، وقال ابن يونس: بل له وطء زوجته حين أعتقه، ولو مات قبل أن يسلم أجزأه؛ لأنه على هذا القول على دين من اشتراه، ولما كان يجبر على الإسلام ولا يأباه في الغالب حمل عليه.

وَيُجْزِئُ الْمَغْصُوبِ

أي: يجزئ المظاهر أن يعتق عبده المغصوب عن كفارته، سواء قدر على تخليصه أم لا؛ لأن ملكه باقٍ عليه، فقد أخرج رقبة من الرق.

ص: 545

وَلا يُجْزِئُ الْمُنْقَطِعُ الْخَبَرِ

عدل المصنف عن أن يقول كغيره: (الآبق المنقطع الخبر) إلى ما ذكره؛ لأنه يشمل الآبق وغيره، فكان أكثر فائدة، ولا يجزئ المنقطع الخبر؛ لأنه لا يدري أموجود هو أم معدوم، صحيح أم معيب، وعدم الإجزاء مقيد بما إذا لم تعلم سلامته بعد ذلك، نص عليه في المدونة آخر الضوال والإباق.

ومن عتق عبداً آبقاً عن ظهاره لم يجزه؛ إذ لا يدري أحي هو أم ميت أم معيب أم سقيم، إلا أن يعرف في الوقت موضعه وسلامته من العيوب، فيجزئه، أو يعلم ذلك بعد العتق فيجزيه وإن جهله أولاً. انتهى. واشترط ابن حبيب وغيره أن تعلم سلامته.

وَيُجْزِئُ عِتْقُ الْمَرْهُونِ والْجَانِي إِنْ نفذ

لأن كل واحد من المرهون والجاني باقٍ على الملكية، لكنه قد تعلق به حق الغير، فإن أنفذ ذلك الغير العتق بأن أسقط حقه أو أعطى حقه نفذ العتق وأجزأه، وهو معنى (إِنْ نفذ)؛ أي معنى نفذ العتق وفي نسخة أخرى:(إن فديا)؛ أي استوفى المرتهن والمجني عليه حقه.

ولا يُجْزِئُ مُكَاتَبٌ، ولا مُدَبَّرٌ، وَلا مُعْتَقٌ إِلَى أَجَلٍ، وَلا مُسْتَوْلَدَةٍ

هذا راجع إلى قوله: (خالية من شوائب العتق)، وتصور كلامه ظاهر، وينبغي أن يجري المكاتب إذا رضي هو وسيده بتعجيزه، وفسخ الكتابة إذا لم يكن للمكاتب مال ظاهر، فإن لهما التعجيز حينئذٍ على ظاهر المدونة، قاله ابن عبد السلام.

فَلَوْ اشْتَرَى مُكَاتَباً أَوْ مُدَبَّراً فَأَعْتَقَهُ فَكَالْجَانِي

يعني: أن اشتراءه لهما يفسخ ما لم يتصل بعتق، فهل يفسخ أيضاً ويرد العتق؛ لأنه مرتب على ممنوع، أو لا ويمضي العتق ويجزئ؛ لأنا إنما نفسخه لتعلق حقه بالحرية، وقد

ص: 546

حصلت ناجزاً؟ قولان. وحكى اللخمي ثالثاً: أن عتقهما ماضٍ ولا يجزيان؛ لأنه عتق مختلف فيه، فيمضي ولا تبرأ الذمة بمختلف فيه، وعلى هذا فيكون المصنف شبه المكاتب والمدبر على القول بالفسخ بما إذا لم يفتدِ الجاني، وشبههما على القول بصحة عتقهما بما إذا افتديا.

وَلَوْ أَعْتَقَهُ عَلَى دِينَارٍ لَمْ يُجْزِهِ

لأنه عتق لم يخلُ عن شوائب العوض، وهذا بشرط أن يكون الدينار في ذمة العبد، وأما إذا كان في يده فيجزيه، قال في المدونة: إذ له انتزاعه، وتقدير كلام المصنف: ولو أعتق السيد عبده عن ظهاره على أن يكون على العبد دينار لم يجزه، ويحتمل أن يردي ما قاله في المدونة، فيمن أعتق عبده عن رجل عن ظهاره على جعل جعله له، قال: فالولاء للمعتق عنه، وعليه الجعل، ولا يجزيه عن ظهاره، كمن اشترى رقبة بشرط العتق، فإن أراد هذا الوجه الأخير فما ذكره فيه من عدم الإجزاء هو المشهور، وحكى ابن القصار جوازه.

وَفِي إِجْزَاءِ مَا عَتَقَ عَنْهُ غَيْرُهُ فَبَلَغَهُ فَرَضِيَ بِهِ. ثَالِثُهَا: إِنْ أَذِنَ لَهُ أَجْزَأَهُ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ

قد تقدم غير ما مرة أن قاعدة المصنف أن يجعل صدر القول الثالث دليلاً على الأول، وعجزه دليلاً على الثاني، وقاعدته أيضاً إذا ذكر أقوالاً وقائلين أن يرد الأول للأول، والثاني للثاني، وعلى هذا فيكون ابن القاسم هو القائل- أي في المدونة- بالإجزاء مطلقاً، وأشهب بنفيه مطلقاً، وعبد الملك بالتفرقة، إن أذن له أجزأه وإلا فلا، وبنى ابن بشير الأولين على أن العتق هل يفتقر إلى نية أو لا، وتفرقة عبد الملك ظاهرة؛ لأنه إذا أذن له فالمعتق إنما عتقه عنه بطريق النيابة، واحترز المصنف بقوله:(وَرَضِيَ بِهِ) لما لو لم يرضَ فإنه لا يجزيه باتفاق، واختلف في محل هذه الأقوال، فذهب اللخمي والأكثر إلى أن محلها إذا وجبت الكفارة بالوطء أو بالعودة، وأما لو لم تجب فلا يجزئ العتق

ص: 547

باتفاق، وذهب أبو عمران إلى أن العتق يجزئ على قول ابن القاسم، وإن لم ينوِ العودة، بناءً على أن ابن القاسم لم يشترطها، وقد قدمنا أنه قد أنكرت هذه النسبة لابن القاسم.

الصِّيَامُ: وَشَرْطُهُ الْعَجْزُ عَنِ الْعِتْقِ وَقْتَ الأَدَاءِ، وَقِيلَ: وَقْتَ الْوُجُوبِ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجاً إِلَى مَا بيَدِهِ مِنْ عَبْدٍ أَوْ دَارٍ أَوْ غَيْرِهِمَا لِمَنْصِبِهِ أَوْ مَرَضِهِ أَوْ غَيْرِهِمَا

لما انقضى كلامه على العتق شرع في الصيام، ولا خلاف أن من شرطه العجز عن العتق، وهل وقت الأداء- أي: إخراج الكفارة- وهو مذهب المدونة، أو الوجوب- أي وقت العود- ما تقدم، وهو ظاهر ما وقع لابن القاسم في الموازية؛ لأنه قال في المظاهر الموسر إذا لم يعتق حتى أعدم، فصام ثم أيسر: أنه يعتق، وجعله اللخمي خلافاً للأول، كالمصنف على ظاهره، وتأوله الباجي على الاستحباب، قال: لأن المؤدي لما عليه إنما ينظر لحاله يوم الأداء دون الوجوب [387/ب] كمن ضيع الصلاة، وهو قادر على القيام فأراد أن يقضيها حال عجزه عنه، فإنه يؤديها جالساً ثم لا يلزمه قضاؤها إن قدر على القيام، أو فرط في الصلاة مع إمكان أدائها بالماء، ثم قضاها بالتيمم لعدم الماء، فإنه لا يلزمه قضاؤها ثانياً عند وجود الماء.

الباجي: ويحتمل أن يريد أنه لما وجب عليه العتق تعلقت الرقبة بذمته، فلما أعسر قبل العتق أمر بالصيام؛ لأنه أبلغ ما يمكنه، بشرط إن أيسر بالرقبة التي تعلقت بذمته كان عليه إخراجها، وحكم الأموال في ذلك غير حكم الأعمال، والأول أظهر. وقال بعض القرويين: إنما ذلك لمن وطئ فلزمته الكفارة بالعتق ليسره، فلم يكفر حتى أعسر بصيام، وأما إن لم يطأ حتى أعسر فصام، ثم أيسر فلا يؤمر بالعتق.

وقوله: (وَإِنْ كَانَ .. إلخ)؛ يعني أنه غذا ملك رقبة لم يكن له الانتقال إلى الصوم وإن كان محتاجاً إلى ما بيده من عبد أو غيره لمرض أو منصب أو غيرهما، فإن قيل: فما الفرق بين هذا وعادم الماء، فإنه يجوز له أن يتيمم إذا كان محتاجاً لنفقة ما يشتريه به، والله سبحانه

ص: 548

لم يُجِز التيمم إلا عند عدم الماء، كما لم يُجِز الصيام هنا إلا عند العجز عن العتق، قيل: لأن المظاهر لما أدخل الظهار على نفسه شدد عليه، ولأنه أتى بالمنكر والزور، ولتكرار الوضوء، ولأن الحكم في الظهار معلق على عدم الوجود المطلق، بخلافه في التيمم، فإنه معلق على عدم الوجود المقيد، وهو وجدان ماء لا حرج فيه؛ لقوله تعالى في الآية:{مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6].

فَلَوْ شَرَعَ فِي الصَّوْمِ ثُمَّ أَيْسَرَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْعِتْقُ، وَفِي الْيَوْمَيْنِ قَوْلانِ، وَفِيهَا: حَسَنٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ كَمَا لَوْ صَامَ يَوْماً فِي الْحَجِّ ثُمَّ وَجَدَ هَدْياً

يعني: إذا صام لإعساره ثم أيسر، فإن صام ما له قدر كالربع والثلث ونحوهما، تمادى على صومه ولم يلزمه العتق، وإن كان إنما صام اليومين ونحوهما، فروى زياد بن جعفر عن مالك: يرجع إلى العتق، وروى ابن عبد الحكم: يتمادى، وقال ابن شعبان: إذا صام يوماً ثم أفاد مالاً مضى ويجزيه العتق أحب إليَّ، وجعلوا هذا القول موافقاً لرواية ابن عبد الحكم، والقولان يتجاذبهما أصلان؛ وهما: طروء الماء على المتيمم بعد تلبسه بالصلاة، وطروء الحيض على المعتدة بالأشهر، والشبه بالتيمم أقوى؛ للاتفاق أن اليسر إذا حدث بعد صوم كثير أنه يتمادى، ولو كان كالحيض لزم أن ينتقل إليه ولو بقي منه يوم واحد، وقوله:(وَفِيهَا: حَسَنٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ)؛ أي حسن أن يرجع في اليومين ونحوهما إلى العتق، هكذا نص في المدونة، ولعله أتى بما فيها استشهاداً للقول بعدم الرجوع إلى العتق، ولا يقال إنما أتى بمذهب المدونة؛ لأنه مخالف للقولين، لأن على رواية ابن عبد الحكم يستحب أيضاً الرجوع، ألا ترى أنهم جعلوا قول ابن شعبان موافقاً لرواية ابن عبد الحكم، وقد نص ابن شعبان على استحباب الرجوع في اليوم إلى العتق كما تقدم.

ص: 549

أَمَّا لَوْ أَفْسَدَهُ بَعْدَ يُسْرِهِ وَجَبَ الْعِتْقُ

يعني: لو أفسد الصوم بعد أن أيسر وجب العتق.

ابن القاسم: ولو لم يبق من صيامه إلا يوم واحد، ووجهه أن المعتبر في حال المكفر إنما هو يوم الأداء.

وَلَوْ ظَاهَرَ مِنْ أَمَةٍ لا يَمْلِكُ غَيْرَهَا أَجْزَأَتْهُ عَلَى الأَصَحِّ؛ لأنه لا يَنْتَقِلُ إِلَى الصَّوْمِ اتِّفَاقاً

تصور المسألة من كلامه ظاهر، والأصح مذهب المدونة، وعليه فإن تزوجها بعد العتقن حلت له من غير كفارة، ومقابل الأصح ليس بمنصوص، وإنما خرجه اللخمي على القول بأن من شرط الكفارة أن تكون المرأة تستباح إصابتها، وأن الكفارة تسقط عند بينونة المرأة منه، قال: لأن عتقها خلاف العزم على الإصابة، وأشار إلى أن الإجزاء إنما يأتي على القول بأن الكفارة لا تسقط بإبانتها، وقد تقدم أن بعضهم أخذ من هذه المسألة أن ابن القاسم لا يشترط في وجوب الكفارة وجود العود، والرد عليه، وانظر كيف جعل اللخمي أن عتق هذه الأمة إنما يجزئ على القول بأن الكفارة لا تسقط بإبانتها، مع أنه مذهب المدونة، وقد نص فيها على إجزاء العتق في هذه المسألة، والظاهر أن العودة بالعزم على الوطء والإمساك في هذه الأمة؛ لأنه إذا عزم على وطئها وجبت عليه الكفارة، فإذا أعتقها زال عنه الظهار وحرم عليه فرجها إلا بتزويج، وهكذا قال أبو عمران، فإن قيل: كيف يختلف في إجزاء العتق، مع أنه لا ينتقل إلى الصوم بالاتفاق فيما يفعل على مقابل الأصح، قيل: الأمة لا حق لها في الوطء، فإن شاء السيد أمسكها ولا يستمتع بها حتى يوسر، وإن شاء باعها.

ص: 550

وَلَوْ تَكَلَّفَ الْمُعْسِرُ الْعِتْقَ جَازَ

أي: تداين واشترى رقبة وأعتقها جاز، ولو قال: أجزأ، لكان أحسن، ومثل هذه المسألة إذا تكلف من فرضه التيمم الغسلن أو تكلف من فرضه في الصلاة الجلوس القيام، وقد تقدم التنبيه على ذلك أول هذا الكتاب.

وَمَنْ قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ حُرٍّ فَطَالَبَتْهُ امْرَأَتُهُ فَفَرْضُهُ الصَّوْمُ، فَإِنْ لَمْ تُطَالِبْهُ صَبَرَ

لأنه إذا كان يعتق عليه [388/أ] كل من يملكه، صار عاجزاً عن العتق، وهذا مبني على المشهور من لزوم العتق المعلق على الملك، وأما على الشاذ فلا؛ لأنه لا تلزمه اليمين، ولو قيل بلزوم العتق والصوم للاحتياط ما بَعُدَ.

وَالْعَبْدُ- كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ- لا يَصِحُّ مِنْهُ الإِعْتَاقُ إِذْ لا وَلاءَ لَهُ

قوله: (أَوْ بَعْضُهُ) يحتمل أن يريد به المعتق بعضه، ويكون قصد التنبيه على أنه لا فرق فيمن فيه بقية الرق بين أن يكون كاملاً أو مبعضاً، فيؤخذ من كلامه الحكم في المدبر والمعتق إلى أجل بالالتزام، ويحتمل أن يريد كل من فيه شائبة الحرية، فيدخل المعتق بعضه والمكاتب والمدبر والمعتق إلى أجل، ويؤيد الأول اصطلاح الفقهاء، ويؤيد الثاني أن كلاًّ من هؤلاء لا ولاء له، والأول أظهر.

وَفِيهَا: وَفَرْضُهُ الصَّوْمُ إِنْ قَوِيَ عَلَيْهِ وَإِلا فَالإِطْعَامُ إِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِلا انْتَظَرَ

قوله: (إِنْ قَوِيَ عَلَيْهِ)؛ أي من غير مضرة تلحق السيد، وأما مع المضرة فسيأتي.

وقوله: (وَإِلا فَالإِطْعَامُ)؛ أي وإن لم يقوَ على الصوم، فإنه يطعم إن أذن له السيد على المشهور، وقال عبد الملك: لا يجزئه الإطعام، ولو أذن له السيد؛ لأن للسيد الرجوع قبل

ص: 551

أن يصرفه للمساكين، وفيه بُعد لأن العبد مالك حتى ينتزعه السيد، ولو سلمنا أنه ملك مترقب، لم يكن للسيد الرجوع بعد الإذن؛ لما تعلق للعبد من الحق، قاله اللخمي.

وَفِي جَوَازِ مَنْعِ السَّيِّدِ لَهُ الصَّوْمَ- إِنْ أَضَرَّ بِخِدْمَتِهِ- ثَالِثُهَا: إِنْ أَدَّى خَرَاجَهُ لَمْ يَمْنَعْهُ

القول بالمنع لابن القاسم، ورواه عن مالك في الموازية، ومقابله لابن الماجشون، وأصبغ، ومحمد بن دينار بناءً على أن العبد لما أدخل الظهار على نفسه، لم يكن له أن يضر بسيده، وأن السيد لما أذن له في النكاح فقد أذن له في توابعه.

الباجي: وعلى المنع ففي كتاب ابن سحنون عن مالك: إن كان يؤدي الخراج لم يكن له منعه، فمقتضاه أنه تقييد للقول بالمنع، وكذلك قال في الجواهر، وهو خلاف لحمل المصنف الثالث على أنه خلاف، والله أعلم.

وَفِيهَا: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَصُومَ وإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الإِطْعَامِ فَحُمِلَ عَلَى مَا إِذَا مَنَعَهُ مِنَ الصِّيَامِ، وَقِيلَ: عَلَى الْعَاجِزِ نَاجِزاً فَقَطْ، وقِيلَ: أَحَبُّ إِلَيَّ- لِلسَّيِّدِ- أَلا يَمْنَعَ عبده مِنْ الصَّوْمِ

ابن القاسم: في المدونة بإثر ما حكاه المصنف عنها: بل الصيام هو الذي فرض الله، وليس يطعم أحد يستطيعه. وظاهر كلام ابن القاسم أنه حمل جواب مالك على الوهم، وصرح في ذلك في المبسوط، فقال: لا أدري ما هذا، ولا أرى جوابه فيها إلا وهماً، ولعل جوابه في كفارة اليمين بالله.

وإلى مثل قول ابن القاسم نحا سحنون؛ لأنه طرح هذا الكلام، وذهب الأكثرون إلى تأويله، وذكر المصنف ثلاثة تأويلات:

الأول لعياض: إن أحب باقية على بابها من ترجيح أحد الأمرين، وكلامه محمول على ما إذا منعه السيد من الصوم لأجل أنه يضر به في خدمته، والعبد قادر عليه، قال:

ص: 552

وهو قول محمد، فإنه قال: إذا أذن له سيده في الإطعام ومنعه الصوم أجزأه، وأصوب أن يُكفِّر، وهو مثل قوله في الكتاب في كفارة اليمين: إذا أذن له سيده أن يطعم أو يكسو يجزئ وفي قلبي منه شيء؛ والصيام أبين عندي، فلم يرَ مالك الإطعام والكسورة ملكاً مقرراً.

الثاني للأبهري: حمل قوله: (الصوم أحب إليَّ) على ما إذا كان عاجزاً في الحال، قادراً على الصيام في الاستقبال، فأذن له السيد في الإطعام، فأحب إليَّ أن يصبر حتى يكفر بالصوم. واعترضه ابن محرز فإنه إذا كان مستطيعاً للصوم في الاستقبال لزمه أن يؤخر، وإن كان لا يستطيع فلا يؤخر.

ابن بشير: وإنما بنى ابن محرز ذلك على قول ابن القاسم، الذي يقول: إذا عجز عن الصوم ناجزاً وهو يقدر عليه فيما بعد، أنه يلزمه التأخير، وأما على قول من يقول لا يلزمه التأخير، فيصح هذا الاعتذار.

التأويل الثالث للقاضي أبي إسحاق: وأن قوله: (أحب) يرجع إلى السيد؛ أي أن إذن السيد في الصيام أحب إليَّ من إذنه في الإطعام.

ابن عبد السلام: وإلى هذا مال الأكثر، ووجهه أنه لما اختلف قول مالك هل للسيد منعه من الصوم إن أضر به أم لا؟ استحب الأخذ بأحوطها، وهو الصيام، وقال أبو عمران: إن (أحب) هنا على الوجوب.

وفِيهَا: قَالَ: وَإِنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يُطْعِمَ فِي الْيَمِينِ بِاللهِ أَجْزَأَهُ، وَفِي قَلْبِي مِنْهُ شَيْءٌ

لعله ذكر هذه المسألة استشهاداً للشاذ في أنه لا يجزئه الإطعام، وإن أذن له فيه سيده، وقال ابن عبد السلام: ذكرها بإثر السابقة، وكذلك هي في المدونة، كالمستدل بها على صحة التأويل الأول؛ لأنه لا يشك أن الشيء الذي في قلب الإمام من جهة الإطعام، إما هو عدم صحة ملك العبد أو الشك في ذلك.

ص: 553

وَهُوَ: شَهْرَانِ مُتَتَابِعَانِ بِالأَهِلَّةِ، وَإِنِ انْكَسَرَ تَمَّمَ الْمُنْكَسِرَ ثَلاثِينَ مِنَ الثَّالِثِ، وَسَوَاءٌ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ

كونه شهرين متتابعين هو نص الآية، وإن صام بغير الهلال تمم المنكسر ثلاثين من الشهر الثالث، ويصوم الشهر الثاني بالهلال، ويمكن تخريج [388/ب] الخلاف مما ذكره المصنف في العدد، وهو قوله:(فَإِنِ انْكَسَرَ) الأول تممه ثلاثين من الرابع، وقوله:(وَسَوَاءٌ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ) ظاهر.

وَتَجِبُ نِيَّةُ الكَفَّارَةِ وَنِيَّةُ التَّتَابُعِ

لأن الكفارة والتتابع واجبان، والواجب لابد له من نية، وقد تقدم للمصنف ما يدل على الخلاف في وجوب النية للكفارة في الزكاة.

وَإِذّا انْقَطَعَ التَّتَابُعُ اسْتَانَفَ

لأن الله تعالى اشترط التتابع؛ لقوله: {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} [المجادلة: 4]، ثم أخذ المصنف في بيان ما يقطع التتابع، فقال:

وَيَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ وَيَبْطُلُ مُتَقَدِّمُ الإِطْعَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ- وَلَوْ بَقِيَ مِسْكِينٌ- بِوَطْءِ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا وَلَوْ لَيْلاً- نَاسِياً أَوْ غَالِطاً- بِخِلافِ غَيْرِهَا لَيْلاً فِي الصِّيَامِ، ولَيْلاً وَنَهَاراً فِي الإِطْعَامِ

نوع رحمه الله العبارة في الصيام: (وَيَنْقَطِعُ) تتابعه، وفي الإطعام:(يَبْطُلُ)؛ لأن الإطعام لا يوصف بالتتابع، وقوله:(بِوَطْءِ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا) متعلق بينقطع؛ يعني أن التتابع ينقطع بوطء المظاهر منها، وكذلك يبطل متقدم الإطعام على المشهور بوطء المظاهر منها، فقوله:(عَلَى الْمَشْهُورِ) راجع إلى الإطعام فقط، وأما الصوم فلا يبطل باتفاق.

ص: 554

وقوله: (وَلَوْ بَقِيَ مِسْكِينٌ) مبالغة على المشهور؛ أي يبطل ما تقدم من الإطعام على المشهور ولو لم يبق عليه إلا مسكين، وهذه النسخة أحسن مما وقع في بعضها من تقديم قوله:(وَلَوْ بَقِيَ مِسْكِينٌ) على قوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ)؛ لإيهامه حينئذٍ أن الشاذ إنما يخالف فيما إذا لم يبقَ إلا مسكين واحد، وليس كذلك، وليس الشاذ هذا؛ لأن ابن الماجشون يرى أن الوطء لا يبطل الإطعام المتقدم مطلقاً، قال: وأحب إليَّ أن يستأنف؛ لأن الله تعالى قال: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} في العتق والصيام، ولم يقله في الإطعام، وقيد في المشهور الإطعام بأن يكون قبل المماسة، كالأولين.

وفي الشاذ نظر؛ لأنه يلزم عليه حِليَّة وطء المظاهر قبل الإطعام إذا كان هو الكفارة، ولا يحل ذلك بالإجماع، نقله بعض الأئمة، وقوله:(وَلَوْ لَيْلاً نَاسِياً)؛ يعني أنه يبطل الصوم بوطء المظاهر منها، ولو ليلاً ناسياً أو غالطاً؛ لأن الله تعالى اشترط في الكفارة أن تكون قبل المماسة، ونبه بذلك على خلاف الشافعية في قولهم: إن وطء المظاهر منها ليلاً لا يبطل ما تقدم من الصيام، فإن قيل: الحكم ببطلان الصوم والإطعام بالوطء مشكل؛ لأن سبقية بعض الكفارة على الوطء أولى من تأخير جميعها عنه، وقد قلتم بالإجزاء لو تقدم الوطء على الجميع، فالجواب أن المماسة المطلوب تقديم الكفارة عليها هي المماسة المباحة؛ لأن تقدير الآية: فصيام شهرين متتابعين من قبل أن تباح له المماسة، والمماسة الواقعة في خلال الكفارة ليست بمباحة، فاستؤنفت كفارة أخرى لتحصل كفارة مستأنفة سابقة على مماسة مباحة.

فرع:

واختلف إذا قبَّل المظاهر بإثرها في أثناء الكفارة، وقد تقدم ذلك، وقوله:(بِخِلافِ وطء غَيْرِهَا لَيْلاً فِي الصِّيَامِ)؛ أي فلا يبطل الصيام لصحته ليلاً أو نهاراً في الإطعام؛ لأن عدم المماسة مشروط في حق المظاهر منها فقط، والله أعلم.

ص: 555

وَما يُجْزِئُ عَنْ ظِهَارِهِنَّ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فِي حُكْمِ الْوَاحِدَةِ، ولَوْ عَيَّنَهَا لَمْ تَتَعَيَّنْ

أي: إذا ظاهر من أربعٍ بكلمة واحدة، وقلنا: إنه تجزئ كفارة واحدة، فإنه يبطل متقدم الصيام والإطعام بوطء إحداهن، ولو حين الكفارة لغيرها؛ لأن الكفارة لما كانت تجزئ على الجميع لم تتعين، وقوله:(فِي حُكْمِ الْوَاحِدَةِ) فيه حذف الموصوف؛ أي حكم المرأة الواحدة، وقوله:(ولَوْ عَيَّنَهَا)؛ أي عين المرأة أو الكفارة.

وَبِفْطِرِ السَّفَرِ بِخِلافِ الْمَرَضِ والْحَيْضِ، إِذَا قَضَى قَضَى مُتَتَابعاً

هذا معطوف على وطء تقديره: وينقطع التتابع بوطء المظاهر منها، وبفطر السفر؛ لأنه سبب اختياري غالباً بخلاف المرض، فإنه لا يقطع التتابع؛ لأنه غير اختياري، ثم إذا قلنا بعدم قطعه يقضي ما أفطر متصلاً بصومه، وإن لم يتابعه ابتداء، وهو معنى قوله:(قَضَى قَضَى مُتَتَابعاً)، وليس كقضاء رمضان، واستشكل ذكر المصنف الحيض هنا؛ لأن صوم الظهار إنما يخاطب به الرجل، وأجيب بأن المصنف قصد أن يذكر ما يقطع التتابع، وما لا يقطعه من حيث الجملة، وقوله:(والْحَيْضِ)؛ يعني فيمن قتلت خطأ وصامت.

وَالْمَرَضُ يُهَيِّجُهُ السَّفَرُ كَالسَّفَرِ

يعني: إذا حصل له مرض بسبب سفر، فإنه يقطع التتابع بمنزلة السفر، وهذا هو المشهور، وقال سحنون: يجزئه البناء وإن هيج عليه السفر المرض؛ لأن السفر مباح، وقال محمد: إن أفطر في السفر ابتداءً استأنف، وإن مرض بنى.

وفِي الْخَطَأِ والسَّهْوِ- ثَالِثُهَا: يَنْقَطِعُ بِالْخَطَأِ، والْمَشْهُورُ: لا يَنْقَطِعُ ولَوْ بِوَطْءِ غَيْرِهَا، ويَقْضِيهِ مُتَّصِلاً ....

يعني: أنه اختلف، هل ينقطع التتابع بالفطر سهواً، كمن أفطر في يوم ناسياً أو أخطأ [389/أ] كمن صام تسعة وخمسين ثم أصبح مفطراً، معتقداً أنه كمل الصوم، وكمن

ص: 556

اعتقد أن الشمس غربت فأكل، أو الفجر لم يطلع فأكل، ثم تبين له خلاف ما اعتقده على ثلاثة أقوال:

والأول: ينقطع في السهو والخطأ، وهو لمالك في الموازية نص فيها على القطع بالفطر ناسياً. اللخمي وغيره: وعليه فينقطع بالفطر خطأ، وفي البيان: مشهور المذهب أنه لا يعذر بالنسيان في كفارة القتل والظهار.

والقول الثاني: أنه لا ينقطع بهما، قال المصنف:(وهو المشهور)، وإنما عزاه اللخمي وصاحب البيان وغيرهما لابن عبد الحكم، وقوله:(ولَوْ بِوَطْءِ غَيْرِهَا)، إذا عذر في الوطء فأحرى في الأكل والشرب.

والقول الثالث: أنه لا ينقطع بالسهو؛ لأنه يعرض في كل جزء الصوم فيعسر التحرز منه بخلاف الخطأ، وبعضهم يرى هذا الثالث ظاهر المدونة، ذكره فيها إذا أصبح مفطراً بعد تسعة وخمسين يوماً معتقداً التمام، وقوله:(ويَقْضِيهِ مُتَّصِلاً)؛ أي إذا فرعنا على عدم القطع وهو ظاهر.

وَلَوْ أَفْطَرَ ثَانِياً مُتَعَمِّداً انْقَطَعَ

ولو أفطر ثانياً متعمداً في يوم إفطاره سهواً أو خطأ، انقطع التتابع؛ لأنه لما عذر بالنسيان صار وجود ذلك الأكل كعدمه، فصار فطره ثانياً كفطره أولاً متعمداً، هكذا مشَّى ابن راشد هذا المحل، ويحتمل لو أفطر في قضاء ما أفسده من صيام التتابع متعمداً فإنه يبطل صومه من أصله؛ إذ يلزمه في القضاء ما يلزمه في الأداء، والتمشيتان صحيحتان.

ص: 557

بِخِلافِ أَوَّلِ يَوْمٍ فَإِنَّه لا يَحْرُمُ فِطْرُهُ ثَانِياً كَقَضَاءِ رَمَضَانَ، بِخِلافِ رَمَضَانَ والنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ، وصَوْمِ التَّطَوُّعِ

أي: في بقية اليوم؛ لأنه لا حرمة للزمان، ولا يفسد بفطره ثانياً كقضاء رمضان، بخلاف رمضان والنذر المعين، وصوم التطوع صحيحاً، وإنما دخل على أنه واجب، فتبين أنه غير واجب، وقضاء رمضان مشارك له في هذا المعنى.

وقوله: (لا يَحْرُمُ) وقع في بعض الروايات (ويكره) وهو ظاهر؛ لأنه دخل بنية القربة، فاستحب له إتمامها، بخلاف رمضان والنذر المعين وصوم التطوع، فإنه يحرم الفطر في الثلاثة، إذا أفطر أولاً ناسياً، أما الأولان فلتعين زمانهما، وأما الثالث، فلأن الفطر على سبيل النسيان، لما كان لا يفسده، صار فطره ثانياً عمداً كفطره أولاً.

وَيَنْقَطِعُ بِالْعَمْدِ، وفِي الْجهلِ: قَوْلانِ

هكذا في بعض النسخ (بالعمد) وهو بيّن، وفي بعضها (بالعيد)، فيحمل كلامه على إذا ما إذا ابتدأ في شهر العيد عالماً به، وأما الجاهل فقد أشار إليه بقوله:(وفي الجاهل) قولان، قال في المدونة: وإذا صام ذا القعدة وذا الحجة لظهار عليه، أو قتل نفساً خطأ لم يجزه إلا من فعله بجهالة، وظن أنه يجزيه، فعسى أن يجزيه، وما هو بالبين، وأحب إليَّ أن يبتدئ، ونحوه لابن وهب إن كان عالماً ابتدأ، وإن كان جاهلاً فلا شيء عليه، وقال أشهب وسحنون: لا يجزئه.

عياض: هل الجهالة التي عذره بها في المدونة الجهالة بالحكم، أو الجهالة بالعدد وتعين الشهر، وغفلته أن فيه فطر، فيكون كالناسي؟ وأشار إلى أن في المبسوط والمدونة ما يبين أن المراد الثاني لأجل الحكم، واختلف في تأويل المدونة من الإجزاء، فقال أبو محمد: يريد:

ص: 558

ويقضي أيام النحر التي أفطر فيها وفصلها، وقال غيره: لا يجزئ إلا أن يفطر يوم النحر خاصة، ويصوم أيام التشريق، وروى نحوه عن مالك ابن يونس، وهو أصوب.

ابن القصار: لأن صوم هذه الأيام إنما هو على الكراهة، وقال ابن الكاتب: معنى مسألة المدونة أنه صام يوم النحر وأيام التشريق، ويقضيها ويبني، وأما لو أفطرها لم يجزه البناء؛ لأنه صوم غير متوالٍ، بخلاف إذا لم يأكل فيها ونوى صيامها، وإن كانت لا تجزئه.

ابن يونس: وهو أضعفها. ابن عبد السلام: ولا يحتمل كلام المصنف هذا القول الثالث بخلاف الأولين. ابن حبيب: وإن صام شعبان عن ظهاره ثم صام رمضان لفطره، ثم أكمل ظهاره بشوال أجزأه. ابن يونس: يحتمل أن يكون وفاقاً لقول مالك فيمن جهل فصام القعدة وذا الحجة لظهار عسى أن يجزيه، وقال بعض شيوخنا: لا يجزيه؛ لأنه تفريق كثير، والأول أولى؛ لأن الجهل عذر كالمرض في غير وجه.

وَلَوْ صَامَ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ لِكَفَّارَتِهِ وَفَرِيضَةً لَقَضَى ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ

يعني: قضاء رمضان واستئناف الكفارة، أما رمضان فلتشريكه فيه، ويلزم من بطلان رمضان بطلان شعبان، قال في المدونة: ومن صام شعبان ورمضان ينويهما لظهاره، ويريد أن يقضي رمضان في أيام أخر، لم يجزه لفرضه ولا لظهاره، واختلف هل يدخلها الخلاف المذكور في مسألة من صام رمضان قضاء عن رمضان آخر فتجزئه الكفارة منها على رواية من روى هناك إجزاءه، وعليه قضاء الآخر (بكسر الخاء)، فيقضي هنا رمضان فقط، وعلى رواية من روى هناك الآخر (بفتح الخاء)، يجزئه هنا الصوم عن رمضان [389/ب] وحده، وإليه ذهب بعضهم، أو لا يدخله الخلاف؛ لأن ما بين الكفارة ورمضان أشد مما بين رمضان ورمضان آخر، وإليه ذهب صاحب النكت.

ص: 559

وعلى القطع بالنسيان لَوْ صَامَ أَرْبَعَةً عَنْ ظِهَارَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ يَوْمَيْنِ مُجْتَمِعَيْنِ لا يَدْرِي مَوْضِعَهُمَا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَصُومُ يَوْمَيْنِ يَصِلُهُمَا ثُمَّ يَقْضِي شَهْرَيْنِ، وقَالَ سَحْنُونُ: يَوْماً وشَهْرَيْنِ

يعني: إذا فرعنا على أن النسيان يقطع التتابع، لو ذكر أنه أفطر يومين مجتمعين ناسياً لا يدري موضعهما، هل هما من الأولى أو من الثانية، أو أحدهما آخر الأولى، والثاني أول الثانية، فقال ابن القاسم: يصوم يومين يصلهما، ثم يقضي شهرين، وقال سحنون: لاحتمال أن يكونا من الأخيرة، فلا ينتقل عنها، وهو قادر على تمامها، ثم يقضي شهرين لاحتمال أن يكونا من الأولى، أو أحدهما من الأولى والآخر من الثانية، ورأى سحنون أنهما إن كانا من الأولى فقد صحت الثانية، وإن كانا من الثانية فقد صحت الأولى، وعلى هذين الاحتمالين يبدأ بالشهرين اللذين أمر بإتيانهما، ولم يبقَ إلا احتمال واحد، وهو أن يكمل كل يوم من واحد، فيصوم يوماً ثم يقضي شهرين.

فَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُمَا مِنْ أَحَدِهِمَا، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مِثْلُهَا، وقَالَ سَحْنُونُ: يَصُومُ شَهْرَيْنِ، وهُمَا عَلَى الْخِلافِ فِيمَنْ ذَكَرَ سَجْدَةً مِنْ إِحْدَى رَكْعَتَيْنِ .....

فوجه قول ابن القاسم كما تقدم، وأما سحنون فهو إنما أمره باليوم في الأولى لاحتمال الثالث، وهو منتفٍ هنا، وقوله:(وهُمَا عَلَى الْخِلافِ) هو إشارة إلى تنظير المسألة بمسألة قد قدمها في سجود السهو، وهو ما إذا ذكر في آخر صلاته سجدة، ولا يدري من أي الركعات هي، فقال ابن القاسم: يسجد الآن سجدة لاحتمال أن تكون من الأخيرة، ثم يأتي بركعة لاحتمال أن تكون من غيرها، وقال أشهب وأصبغ: يأتي بركعة فقط، والمصنف وإن لم يقدم عن سحنون في مسألة الصلاة شيئاً، لكن كلامه هنا يدل على أن سحنون موافق لأصبغ، وهذا إن ثبت النقل فواضح، وإن كان المصنف أخذ من قول سحنون أنه موافق لأصبغ في الصلاة، وقد يفرق بينهما بقوة حرمة الصلاة، فيجوز أن

ص: 560

يوافق هناك على الإتيان بالسجدة، ولتأكيد حرمة الصلاة أنه لو افتتح الصلاة بالتيمم، ثم طرأ عليه الماء لم يجز له القطع، بخلاف من شرع في الصوم هنا، ثم أيسر، فإنه يجوز له الانتقال إلى العتق، والله أعلم.

فَإِنْ لَمْ يَدْرِ اجْتِمَاعَهُمَا فَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وفِي الْيَوْمَيْنِ الْقَوْلانِ

تصوره لا يخفى عليك، لكن إنما يحتاج إلى الأربعة أشهر على قول سحنون، إذا شك في أمسه هل هو من اليومين، وإما إن تحقق أن اليومين سابقان على ذلك فيستحب بالعدد الذي صامه، ولم يتخلله فطر، والله أعلم.

تنبيه:

كلام ابن القاسم وسحنون هنا مبني على أن بدء النسياني قطع، وهو دليل لما شهره صاحب البيان من أن النسيان يقطع؛ لأنه قل أن يخالف المشهور، والله أعلم.

وترك المصنف التفريع على القول بأن النسيان لا يقطع لوضوحه؛ لأنا إذا بنينا عليه يأتي بما نسيه فقط، واختلف عليه لو ذكر يومين مثلاً من الأولى في أثناء الثانية، فقيل: يتم الثانية، ثم يصومها؛ لأنه معذور، بما تشبث به من صيام الكفارة التي هو فيها، وقضاء الكفارة الأولى على الخلاف فيمن ذكر صلاة في صلاة، هل تفسد الأولى، وقد ذهب بعض المتأخرين إلى أنه يجوز له أن يقضي اليومين في أثناء الكفارة، ويبني على صيامه، ولا يعد بذلك مفرقاً لصيامه؛ إذ لم يتخلله فطر، على ما قال ابن حبيب، فيمن صام شعبان وشوال، ولا يضره ما تخلل من صوم رمضان.

الإِطْعَامُ: وشَرْطُهُ الْعَجْزُ عَنِ الصِّيَامِ فَيُعْتَبَرُ مَا تَقَدَّمَ، فَلَوْ غَلَبَ ظَنُّ قُدْرَتِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَفِي وُجوُبِ التَّاخِيرِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وأَشْهَبَ .....

قوله: (وشَرْطُهُ الْعَجْزُ عَنِ الصِّيَامِ) هو نص الآية الكريمة، وقوله:(فَيُعْتَبَرُ مَا تَقَدَّمَ)؛ أي: هل يعتبر العجز يوم الأداء أو يوم الوجوب؟

ص: 561

قوله: (فَلَوْ غَلَبَ

إلخ)؛ يعني فلو عجز في الحال عن الصيام، إما لمرض أو حد وغلب على ظنه أنه سيقدر عليه في المستقبل، فهل يجب عليه التأخير؟ قولان، وفهم من قوله:(فلو غلب على ظنه) أنه لو آيس من القدرة على الصيام لأطعم اتفاقاً، وهو صحيح.

اللخمي: وينتظر إذا رجا الصحة بالقرب، واختلف إذا رجا ذلك بعد طول، وقوله:(ظن قدرته) يقتضي أنه لو شك لأطعم، ويتبين لك ما في هذا بسياق مسألتي المدونة، وذكر بعض من تكلم عليها، فالأولى: قال ابن القاسم: ومن صام عن ظهاره شهراً ثم مرض وهو لا يجد رقبة، لم يكن عليه أن يطعم، وإن تمادى به المرض أربعة أشهر لم يدخل عليه الإيلاء؛ لأنه غير مضارٍّ، وينتظر إفاقته، فإن صح صام، إلا أن يعلم أن ذلك المرض لا يقوى صاحبه على الصيام بعده، فيصير حينئذٍ من أهل الإطعام. وقال أشهب: إذا مرض صار من أهل الإطعام.

والثانية: ومن تظاهر وهو مريض مثل الأمراض التي يصح من أمثالها الناس، فلينتظر حتى يصح ثم يصوم، إذا كان لا يجد رقبة [390/أ] وكل مرض يطول بصاحبه، ولا يدرى أيبرأ منه أم لا، ولعله يحتاج إلى أهله، فليطعم، وليصب أهله، ثم إن صح أجزأه ذلك الإطعام؛ لأن مرضه كان إياساً، وقال أشهب: إذا طال مرضه وإن وجد برأه، وقد احتاج إلى أهله، فليطعم بظهار الأولى، إن ظن القدرة في المستقبل، والتردد في ذلك يمنع الإطعام عند ابن القاسم، ولا يمنع عند أشهب، وظاهر الثانية أن التردد لا يمنع من الإطعام عند ابن القاسم؛ لقوله: ولا يدري أيبرأ منه أم لا؟ واختلف القرويون هل الثانية مخالفة للأولى أم لا؟ واختلف القرويون هل الثانية مخالفة للأولى أم لا؟ والقائلون بأنها ليست خلافاً للأولى، فرقوا بينهما بأن المكفر في الأولى دخل في الصيام، وفي الثانية لم يدخل، وللدخول في العمل تأثير في التمادي، وإلى هذا ذهب ابن شبلون، وبعض من ذهب إلى حمل المسألة على الخلاف، قال: يتحصل في المسألة أربعة أقوال:

ص: 562

الأول: إذا أخذه المرض، انتقل إلى الإطعام، وهو قول أشهب في الأولى، والثاني: لا ينتقل حتى يعلم صاحب ذلك المرض أنه لا يقدر على الصوم، وإن أفاق، وهو قول ابن القاسم في الأولى، الثالث: إن طال مرضه انتقل، وهو قول أشهب في الثانية، الرابع: أنه لا ينتقل حتى يشك هل يبرأ أم لا، وهو قول ابن القاسم في الثانية، ويمكن الجمع بين المسألتين على غير الوجه المتقدم، ولنتركه خشية الإطالة، واستحسن قول أشهب لأنه أسعد بظاهر قوله تعالى:{فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ} ؛ لأنه يصدق على المريض أنه غير مستطيع، وقياساً على وجود الرقبة في الحال، ولو روعي حال المستقبل لزم ألا يكفر أحد بالصيام؛ لأنه ما من أحد إلا وهو يرجو أن يملك رقبة أو ما يساويها في المستقبل.

وَعَدَدُ سِتِّينَ مِسْكِيناً أَحْرَاراً مُسْلِمِينَ مُرَاعىً

أي: واجب، وتصوره ظاهر.

لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ بِمُدِّ هِشَامٍ، وَمُدُّ هِشَامٍ: مُدٍّ وَثُلُثَانِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِمَا، وَقِيلَ: مُدٌّ وَثُلُثّ، وَقِيلَ: مُدَّانِ، وقِيلَ: بِمُدِّ الْيَمِينِ .....

قوله: (فِيهِمَا)؛ أي في كونهما بمد هشام، وكون مد هشام مداً وثلثين، ومقابل المشهور في مقدار مد هشام هو قوله:(وَقِيلَ: مُدٌّ وَثُلُثّ، وَقِيلَ: مُدَّانِ).

ابن بشير: وقيل مد ونصف، واعلم أن من ذهب إلى أنها بمد اليمين اختلفوا، فقال بعضهم: بمد واحد، وأنكر أن يكون بمد هشام لفظاً ومعنى، وقال: متى كان هشام يعتبر مده، وبعضهم أنكره لفظاً فقط، وقال: بل يقال: يطعم مداً وثلثين بمده صلى الله عليه وسلم، وروى مطرف عن مالك: لكلمسكين مدان بمده صلى الله عليه وسلم، وإنما قلنا على المشهور أنه لا يكتفي هنا إلا بمد وثلثين؛ لأنها مطلقة في القرآن لم تقيد بالوسط ككفارة اليمين بالله تعالى فحملت على الشفع الكامل، كفدية الأداء، واستصوب

ص: 563

الباجي القول بأن مد هشام مدان، قال: وهي رواية البغداديين عن معن بن عيسى، وهو الصحيح؛ لأن معن مدني، وهو أعلم بذلك لطول مقامه بالمدينة، وقد شاهدت بالمدينة هذا المد، وحققته فوجدته كما قال مدين.

فَلَوْ أَطْعَمَ مِئَةً وَعِشْرِينَ نِصْفاً نِصْفاً كَمَّلّ لِسِتِّينَ مِنْهُمْ وَإِلا اسْتَانَفَ

تصوره ظاهر. اللخمي: وإذا كان الطعام قائماً بأيديهم، وعلى أنه كفارة عن ظهار انتزع من ستين منهم، وأكمل الستين، والانتزاع بالقرعة؛ لأنه ليس أحدهم أحق بالانتزاع من الآخر، ومن فوت الطعام لم يرجع عليه بشيء، واختلف شارحو المدونة، هل من شرط التكميل بقاء النصف المأخوذ أم لا؟، وقوله:(وَإِلا اسْتَانَفَ)؛ أي: وإن لم يمكن التكميل ستين، فإنه يستأنف الكفارة.

وَإِذَا كَفَّرَ عَنْ يَمِينٍ ثَانِيَةٍ فَلَمْ يَجِدْ إِلا مَسَاكِينَ الأُولَى، فَفِيهَا: لا يُعْجِبُنِي أَنْ يُطْعِمَهُمْ كَانَتْ مِثْلَهَا أَوْ مُخَالِفَتَهَا؛ كَالظِّهَارِ وَالْيَمِينِ بِاللهِ تَعَالَى، إِلا أَنْ يُحْدِثَ الثَّانِيَةَ بَعْدَ التَّكْفِيرِ ....

(لا يُعْجِبُنِي) محمول على الكراهة، وهي غاية ما يمكن هنا، ولهذا قال محمد عن ابن القاسم: فإن فعل أجزأه، وفي الأسدية الجواز.

ابن عبد السلام: وهو أظهر، وإن كان بعضهم لم يعد خلافاً للمدونة، وحمل المدونة على الحكم قبل الوقوع، والأسدية بعده.

والْجِنْسُ كَزَكَاةِ الْفِطْرِ

نحوه في الباجي، فقال: والذي يجزئ هنا هو على حسب ما تقدم في اليمين بالله تعالى، وقد تقدم أن المصنف شبه اليمين بالله تعالى بزكاة الفطر، وعلى هذا فتُخرج من التسعة الأصناف، وعلى قول ابن حبيب: تخرج من عشرة، وقال ابن عبد السلام: الأقط، لا أعلم من قال بجواز إخراجه هنا.

ص: 564

خليل: وظاهر كلامه جواز إخراجه لتشبيبههم ذلك بكفارة اليمين بالله، وبزكاة الفطر، فإنه قد نص في البيان على أنه تُخرج من كل ما تُخرج منه زكاة الفطر، وفي كلام المصنف إشارة إلى شيء آخر، وهو إذا اقتيت غير التسعة كاللحم والقطاني، فإنه قدم في زكاة الفطر أن المشهور الإجزاء.

فَإِنْ كَانَ عَيْشُهُمْ تَمْراً أَوْ شَعِيراً أَطْعَمَ عَدْلَ شِبَعِ مُدِّ هِشَامٍ مِنَ الْحِنْطَةِ

حاصله: إن كان عيشهم القمح أخرج منه مداً هشامياً، وإن كان عيشهم تمراً أو شعيراً أو نحوه، أطعم عدل شبع مد هشام من الحنطة، قاله في المدونة.

عياض: قيل معناه [390/ب] إذا أشبع الرجل مد حنطة، كم يشبعه من غيرها؟

خليل: وفيه نظر؛ لأنا لم نعتبر بالحنطة، بل أصل الحديث إنما ورد في التمر، وبين ذلك أن أهل التمر لا يقال في زكاة الفطر أخرجوا ما يشبع صاع القمح.

ابن عبد السلام: وقال بعض الشيوخ: يراعى الشبع سواء زاد على مد هشام، فيزاد، أو نقص عن مد هشام فينقص.

وَفِيهَا: ولا أُحِبُّ أَنْ يُغَدِّيَ أَوْ يُعَشِّيَ فِيهَا ولا فِي فِدْيَةِ الأَدَاء

هذا كما قال في المدونة: إن الغداء والعشاء لا يبلغ المد الهشامي، وأحرى فدية الأداء. اللخمي: وقال ابن الماجشون: إن غدى وعشى أجزأه، فجعلهما ككفارة اليمين بالله تعالى. انتهى.

ونص ابن المواز على أنه لو غدى وعشى لا إعادة عليه، وعلى هذا فتكون أحب على بابها، ويحتمل أن يراد بها عدم الإجزاء، ولعله نسب المسألة للمدونة، لهذا التردد الذي في قوله:(ولا يُعْجِبُنِي)، ولإشكالها أيضاً، وذلك أن الحامل لهم على التقدير بالمد الهشامي إنما هو تحصيل الشبع في يوم، وقد حصل ذلك.

ص: 565

وَلا يُجْزِئُ قِيمَةٌ فِي كَفَّارَةٍ، وَقِيلَ: كَالْيَمِينِ

أما عدم إجزاء القيمة فقد نص في المدونة وغيرها على ذلك، وأجري في ذلك الخلاف في الزكاة.

وقوله: (وَقِيلَ: كَالْيَمِينِ) ظاهره أنه قيل هنا بإجزاء القيمة، كما في اليمين بالله تعالى، وفي هذا نظر؛ لأن المصنف لم يقدر القيمة تجزي في كفارة اليمين بالله، ولا يقال: إن المصنف شبه لإفادة الحكم؛ لأن المصنف لم يذكرها هنا حكماً، والأقرب أن في هذا المحل أن يكون معنى قوله:(وَقِيلَ: كَالْيَمِينِ) أي في إجزاء الغداء والعشاء، وهو قول ابن الماجشون، كما ذكرنا، وقد يقال على بعد (وَقِيلَ: كَالْيَمِينِ) أي: إذا قلنا فيه مد بمده صلى الله عليه وسلم، فهل يزاد مثل ثلث المد أو نصفه.

* * *

ص: 566