المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌7 - رد القول بمعاداة المبدعين: - الجرح والتعديل للقاسمي

[جمال الدين القاسمي]

الفصل: ‌7 - رد القول بمعاداة المبدعين:

الصواب عن سوء نِيَّةٍ، وفساد طوية، وغاية ما يقال في الانتقاد في بعض آرائهم: إنهم اجتهدوا فيه فأخطأوا، وبهذا كان ينتقد على كثير من الأعلام سَلَفًا وَخَلَفًا لأنَّ الخطأ من شأن غير المعصوم، وقد قالوا: المجتهد يخطئ ويصيب، فلا غضاضة ولا عار على المجتهد إنْ أخطأ في قول أو رأي، وإنما الملام على مَنْ ينحرف عن الجادة عَامِدًا مُتَعَمِّدًا، ولا يُتَصَوَّرُ ذلك في مجتهد ظهر فضله وزخر علمه.

‌7 - رَدُّ القَوْلِ بِمُعَادَاةِ المُبَدَّعِينَ:

قدمنا أنَّ رواية الشيخين وغيرهما عن المُبَدَّعِينَ تنادي بواجب التآلف والتعارف، ونبذ التناكر والتخالف، وطرح الشنآن والمحادَّة، والمعاداة والمضارة، لأنَّ ذلك إنما يكون في المحاربين المحادِّين، لا في طوائف تجمعها كلمة الدين، ومن الأسف أنْ يغفل عن هذا الحق من غفل، ويدهش لسماعه المُتَعَصِّبُونَ وَالجَامِدُونَ، ويحق لهم أنْ يذعروا لهذا الحق الذي فَاجَأَهُمْ لأنه مات منذ قضى عصر الرواية والرُواة، وانقضى زمن المُحَدِّثِينَ وَالحُفَّاظَ، ودال الأمر بعد الأخبار النبوية للآراء والأقوال، وصار الحق - بعد أنْ كانت الرجال تعرف به - يعرف بالرجال، وأصبح مشرب أمثال البخاري وغيره نِسْيًا مَنْسِيًّا، ونُشر لواء التعادي والتباغض في الأُمَّةِ وكان مطويًّا، وَسَبَّّبَ على الأُمَّةِ من التفرق والانقسام، ما أورثها الضعف

ص: 11

والانفصام، فبعد أَنْ كان التسامح في التلقي عن الحكماء والفضلاء من أي طبقة - رُكْنًا رَكِينًا في حضارة الإسلام، خلفه التخاذل والتدابر والتعصب والملام، ولم يكف ذاك حتى ادُّعِيَ أنه من الدين، مع أَنَّ الدين يأمر بالتآخي ونبذ التفرق في محكم كتابه المبين.

(ومن العجب) أنْ يقول قائل: لا يلزم من الرواية عنهم عدم معاداتهم، أي يجوز أَنْ نَرْوِي عَنْ رَاوٍ، مع التدين بمعاداتنا له، وبغضنا إياه!

(فنجيب عنه) بأنَّا لا نعرف من قال ذلك من السلف، ولا من ذهب إليه من الأئمة، والرواية يُرَادُ بها هنا تلقي أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وَسُنَّتِهِ، وهديه، وتشريعه، وأقضيته، وفتاويه وشمائله، لتتخذ دِينًا يُدَانُ الله به، وشريعة يُقْضَى بها في التنازع، ومرجعًا تُحَلُّ به المشكلات، فهل يُتلقى ذلك عمن يجب علينا معاداته في الدين؟ وكيف يتصور أنْ نأخذ الدين عمن نرى أنه عدو للدين؟ سبحان الله ما هذا التناقض، إِنَّ من يأمرك الدين بِأَنْ تعاديه لا يبيح لك أَنْ تأخذ دينك وشريعتك وعقيدتك عنه، وَمِنَ المُسَلَّمِ بِأَنَّ هذا الراوي أَدَّاهُ اجتهاده إلى ما رأى، ومن أَدَّاهُ اجتهاده إلى ما رأى كيف يُعَادَى، وقد بذل قصارى جهده، وليس قصده إِلَاّ الحق، والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وكيف يُعَادَى من أثبت له الشارع الأجر ولو

ص: 12