الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كان بينه وبين الغلام الذي معه مناوبة .. فلما قرب من الشام كانت نوبة ركوب الغلام، فركب الغلام وأخذ عمر بزمام الناقة فاستقبله الماء في الطريق، فجعل عمر يخوض في الماء، ونعله تحت إبطه اليسرى، وهو آخذ بزمام الناقة، فخرج أبو عبيدة الجراح رضي الله عنه وكان أميرًا على الشام، وقال: يا أمير المؤمنين إن عظماء الشام يخرجون إليك، فلا يحسن أن يروك على هذه الحالة، فقال عمر: إنما أعزنا الله بالإسلام، فلا نبالي بمقالة الناس (1).
ومر يومًا على امرأة وهي تعصد العصيدة، فقال: ليس هكذا يُعصد، ثم أخذ المسوط، فقال: هكذا (2).
وعند موته رضي الله عنه قال لابنه عبد الله رضي الله عنه: اطرح وجهي يا بني بالأرض لعل الله يرحمني .. قال: فمسح خديه بالتراب (3).
ورُئي عثمان بن عفان رضي الله عنه يركب على بغلة، وخلفه غلامه نائل وهو خليفة، ورُئي كذلك نائمًا في المسجد في ملحفة وليس حوله أحد وهو أمير المؤمنين (4).
ولما بعث عمر أبا هريرة أميرًا للبحرين دخلها وهو راكب على حمار، وجعل يقول: طرِّقوا للأمير، طرّقوا للأمير (5).
وكان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه لا يُعرف من بين عبيده أي من تواضعه في الزي (6).
وكان سلمان الفارسي رضي الله عنه أميرًا بالمدائن، ومر برجل من عظمائها قد اشترى شيئًا، فحسب سلمان حمالًا، فقال: تعالى فاحمل هذا، فحمله سلمان، فجل يتلقاه الناس ويقولون: أصلح الله الأمير، نحن نحمل عنك، فأبى أن يدفع لهم، فقال الرجل في نفسه: ويحك إني لم أسخر إلا الأمير، فجعل يعتذر إليه ويقول: لم أعرفك أصلحك الله، فقال: انطلق، فذهب به إلى منزله، ثم قال: لا أسخر أحدًا أبدًا (7).
سادسًا: الزهد في الدنيا
(جيل زاهد)
جيل التغيير جيل زاهد في الدنيا بمفهوم الزهد الحقيقي ألا وهو انصراف الرغبة عن الدنيا ومجافاتها كما قال صلى الله عليه وسلم: (مالي والدنيا ومالي!)(8).
وكيف لا يكون الجيل الموعود بالنصر والتمكين كذلك، وحب الدنيا والرغبة فيها من أهم العوائق التي تحول بين العبد وبين الدخول في دائرة المعية الإلهية. وما أصاب الأمة ما أصابها من ضعف وذل إلا بحبها للدنيا ورغبتها فيها، وإيثارها إياها على الآخرة، ولقد تنبأ رسولنا صلى الله عليه وسلم بذلك فقال:(يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قيل: يا رسول الله! فمن قلة يومئذ؟ قال: لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، يُجعل الوهن في قلوبكم، ويُنزع الرعب من قلوب عدوكم، لحبكم الدنيا وكراهيتكم الموت)(9).
لابد إذن من توافر هذه الصفة في الجيل الموعود، وأن يخرج حب الدنيا من قلوب أبنائه
…
عليه أن يكون شعاره في الحياة "ما قل وكفى خير مما كثر وألهى".
لا ينبغي عليه أن يفكر كثيرًا في المال، بل ينظر إليه على حقيقته في أنه وسيلة يستجلب بها حاجاته وحاجات أهله الأساسية، ويصون بها وجهه عن سؤال الناس واستجدائهم.
- طموح ولكن .. !!:
إن جيل التمكين جيل طموح، ولكن ماهي طموحاته؟! هل في العلاوة والمنصب والجاه .. هل في شراء أرض لبناء عقار لأبنائه؟! .... هل في زيادة رصيده في البنك؟!
(1) تنبيه الغافلين /141 - مؤسسة التاريخ العربي - بيروت.
(2)
صلاح الأمة في علو الهمة 5/ 433.
(3)
الزهد لابن المبارك / 147.
(4)
الزهد للإمام أحمد / 127.
(5)
تنبيه الغافلين / 142.
(6)
التواضع والخمول لابن أبي الدنيا / 170.
(7)
تنبيه الغافلين / 142.
(8)
صحيح أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس، وصححه الألباني في صحيح الجامع ح (5669).
(9)
صحيح، أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود عن ثوبان وصححه الألباني في صحيح الجامع ح (8183).
لا، فهذه كلها طموحات دنيوية لا قيمة لها، ولن تفيده في مستقبله الحقيقي هناك في الدار الآخرة.
أما طموحاته الحقيقية فهي عند الله عز وجل، في الفردوس الأعلى
…
في رؤية مولاه
…
في مصاحبة رسوله وحبيبه صلى الله عليه وسلم.
طموحاته في الشهادة في سبيل الله وأن تكون روحه في حواصل طير خضر
…
من هنا فإنه يتعامل مع الدنيا على حقيقتها بأنها مزرعة للآخرة
…
.
- لا يُساوم:
إن جيل التغيير جيل عابد لله عز وجل، وحر من كل ما سواه
…
لا يأسره شيء من حطام الدنيا .. لا تأسره وظيفة يخاف من فقدانها، أو منصب يخشى فواته
…
.
جيل وضحت عنده الغاية، وتعلق بصره بالسماء، فهدفه الأسمى رضا الله وجنته، أما ما دون ذلك فهو زاهد فيه
…
لا يعنيه كثيرًا إن كان غنيًا أو فقيرًا
…
أن رُزق بأولاد أو لم يرزق
…
أن كان في منصب رفيع أو وضيع.
ومن آثار حرية هذا الجيل أنه غير مقيد بأثقال تمنعه من الحركة: أنه لا يساوم على شيء من هذه الدنيا، فنتيجة المساومة معروفة.
ومما يعين هذا الجيل على الحرية من أسر الدنيا: ألا يتشعب في المشاريع الاقتصادية، وأن يكون زاده في الدنيا كزاد الراكب، فلا يتوسع في كماليات تحتاج منه إلى مصاريف كثيرة تصبح أداةً تضغط عليه، وأثقالًا تربط قلبه بالدنيا.
وليس معنى هذا أن يكون جيل التمكين جيلًا فقيرًا، بل المقصد ألا تشغل الدنيا فكره أو تأسر قلبه، فالمهمة العظيمة المنوطة به تستدعي منه عدم التعلق بشيء سوى الله
…
تأمل معي هذا الحديث النبوي الشريف لتعرف أهمية عدم تعلق القلب بالدنيا
…
.
قال صلى الله عليه وسلم: (غزا نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم فقال لقومه: لا ينبعني رجل ملك بُضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولم يبن بها، ولا أحد بنى بيوتًا ولم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنمًا أو خلفات وهو ينتظر أولادها
…
) (1).
فهنا اشترط هذا النبي شروطًا لمن يريد الخروج معه، القاسم المشترك لهذه الشروط هو عدم وجود ما يشغل الذهن، أو يكون وسيلة ضغط على الشخص تجعله متثاقلًا في حركته، يتمنى عدم الموت لكي يعود ويتفقد أشغاله.
من هنا ندرك قيمة توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا)(2).
- من لوازم الحرية:
ومن أخطر الأشياء التي يمكنها أن تجذب أبناء جيل التمكين إلى الأرض وتحد من حريتهم، وتضع الأثقال في قلوبهم، أن لا تكون زوجته وأولاده على مستواه من الفهم، ووضوح الغاية مما يشكل أمامه عائقًا كبيرًا يعوق حركته وتجرده، ولقد بين لنا القرآن في قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} (التغابن:14).
وقال صلى الله عليه وسلم: (الولد ثمرة القلب، وإنه مجبنة مبخلة محزنة)(3).
من هنا كان من الضروري أن يختار أبناء هذا الجيل لأنفسهم زوجات يشعُرنْ بهموم الأمة، ويدركن حاجتها إلى جيل جديد يُخرجها - بإذن الله - من النفق المظلم الذي تسير فيه منذ زمن طويل، ويدركن أيضًا أن هذا الجيل ليس كبقية الناس في أحلامه وطموحاته الدنيوية، لذلك فلن يطالبن بفرش وثير ومسكن واسع، وسيارة حديثة و
…
بل سيطالبن أزواجهم ببذل المزيد من الجهد في العمل المطلوب منهم، وليس ذلك فحسب بل سيكُنَّ بجوارهم معينات ومؤازرات، فجيل التمكين ليس قاصرًا على الرجال فقط، بل الرجال والنساء سواءً بسواء
…
(1) متفق عليه.
(2)
صحيح، رواه الإمام أحمد، والترمذي، والحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع، ح (7214).
(3)
صحيح، رواه أبو يعلى في مسنده، وصححه الألباني في صحيح الجامع، ح (7160).
- الزهاد الأوائل:
كان الصحابة أكثر الخلق عبودية لله عز وجل بعد الرسل، ومن ثَّم كانوا أكثر الخلق حرية من الدنيا، لقد كانت صفة الزهد في الدنيا من أبرز الصفات التي ميزتهم عما سواهم
…
يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لمن بعده من التابعين: أنتم أكثر صومًا وصلاة من أصحاب محمد وهم كانوا خيرًا منكم. فقالوا: وبمَ ذلك؟، قال: كانوا أزهد منكم في الدنيا، وأرغب في الآخرة (1).
لقد كانوا يخافون من بسط الدنيا، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتته غنائم القادسية، فجعل يتصفحها وينظر إليها وهو يبكي ومعه عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، فقال عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين هذا يوم فرح وسرور، فقال: أجل، ولكن لم يؤت هذا قوم قط إلا أورثتهم العداوة والبغضاء (2).
وهذا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يدخل على سلمان رضي الله عنه يعوده، فبكى سلمان، فقال سعد: ما يبكيك؟ تلقى أصحابك، وترد على رسول الله صلى الله عليه وسلم الحوض، وتُوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنك راض! فقال: ما أبكي جزعًا من الموت ولا حرصًا على الدنيا، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلينا فقال:(ليكن بُلغة أحدكم من الدنيا كزاد الراكب) وهذه الأوساد حولي، وإنما حوله مِطْهرة أو إنجاتة (3) ونحوها.
- مفهوم التهلكة:
لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يدركون أن التهلكة ليست في الموت في سبيل الله بل في الركون إلى الدنيا.
عن أبي عمران رضي الله عنه قال: حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه، ومعنا أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه، فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة. فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذه الآية، إنما نزلت فينا. صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدنا معه المشاهد ونصرناه، فلما فشا الإسلام وكثر أهله، وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها، فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهما، فنزل فينا:{وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (البقرة:195)، فكانت التهلكة في الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد (4).
- جيل الأحرار:
حاولت قريش مساومة صهيب الرومي رضي الله عنه على عدم الهجرة إلى المدينة أو ترك ماله الذي جمعه نظير عمله عندهم فماذا فعل صهيب؟!
قال لهم: أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تتخلون عني؟ قالوا: نعم، يقول صهيب: فدفعت إليهم مالي فخلوا عني فخرجت حتى قدمت المدينة فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال (ربح صهيب، ربح صهيب) مرتين، وفيه وفي أمثاله نزلت الآية:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} (البقرة:207)(5).
- الزهد في المال:
ومما يدل على أن طموح الصحابة كان في زيادة رصيدهم من نعيم الآخرة هو كثرة إنفاقهم للمال مع شدة حاجتهم إليه، فإن كنت في شك من هذا فتأمل معي هذا الخبر:
لما أتى عمر الشام، طاف بها ونزل بحمص، فأمر أن يكتبوا له فقراءهم، فرُفع إليه الكتاب، فإذا فيه سعيد بن عامر " أميرها ".
قال: من سعيد بن عامر؟ قالوا: أميرنا! قال: أميركم؟ قالوا: نعم، فعجب عمر فقال: كيف يكون أميركم فقيرًا؟ أين عطاؤه؟ وأين رزقه؟، قالوا: يا أمير المؤمنين، لا يمسك شيئًا، فبكى عمر، ثم عمد إلى ألف دينار، فصرَّها - أي وضعها في صُرَّة - ثم بعث إليه بها، وقال: أقرئه السلام وقل: بعث بها إليك أمير المؤمنين تستعين بها على حاجتك.
(1) حياة الصحابة 2/ 96.
(2)
حياة الصحابة 2/ 97.
(3)
إناء تغسل فيه الثياب.
(4)
حياة الصحابة 1/ 360.
(5)
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/ 216.