الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يدخل النار إنْ شاء الله أحد شهد بدراً والحديبية". قالت: فقالت حفصة: ألست تسمع الله يقول: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} (1)، فقال:" أولست تسمعين الله عز وجل يقول: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا} (2) " (3).
وكذا الموقف التاريخي العظيم لأبي بكر الصديق في أوّل امتحان حقيقي للصحابة في وفاة النبي صلى الله عليه وسلم،إذ أخرج البخاري من حديث أمِّ المؤمنين عائشة: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مات وأبو بكر بالسنح، فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم.قالت وقال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم. فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله، قال: بأبي أنت وأمي طبت حياً وميتاً، والذي نفسي بيده لا يذيقنك الله الموتتين أبداً، ثم خرج فقال: أيها الحالف على رسلك فلما تكلم أبو بكر جلس عمر فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه، وقال: ألا من كان يعبد محمدا صلى الله عليه وسلم فإنّ محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإنّ الله حي لا يموت. وقال:{إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ} (4). وقال: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ} (5). . فنشج الناس يبكون ..... " (6).
فالقرآن الكريم البوصلة الصحيحة التي لا يضل من تمسك بها، ولا يزيغ عنها إلا هالك.
وهكذا يجد الباحث أنّ الصحابة الكرام جعلو من القرآن الكريم ضابطاً لهم في قبول الرواية أو ردها، ولا سيما بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
الضابط الثالث: عرض الرواية على المحفوظ من السنة النبوية (بعد وفاته صلى الله عليه وسلم
-).
ومن الضوابط التي اعتمدها الصحابة الكرام في نقد الراويات عرضها على الثابت المحفوظ من الأحاديث، وقد نفعهم في هذا قربهم من النبي صلى الله عليه وسلم ومجالستهم.
ومن ذلك: ما أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة قال: توفيت ابنة لعثمان رضي الله عنه بمكة وجئنا لنشهدها وحضرها ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم وإني لجالس بينهما أو قال
(1) سورة مريم /71.
(2)
سورة مريم /71.
(3)
تمام الرازي، الفوائد (1275).
(4)
سورة الزمر/30.
(5)
سورة آل عمران/144.
(6)
البخاري، الجامع الصحيح (3467).
جلست إلى أحدهما ثم جاء الآخر فجلس إلى جنبي فقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لعمرو بن عثمان: ألا تنهى عن البكاء؟ فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" إنّ الميت ليعذب ببكاء أهله عليه ". فقال ابن عباس رضي الله عنهما قد كان عمر رضي الله عنه يقول بعض ذلك ثم حدث قال صدرت مع عمر رضي الله عنه من مكة حتى إذا كنا بالبيداء إذا هو بركب تحت ظل سمرة فقال أذهب فانظر من هؤلاء الركب؟ قال فنظرت فإذا صهيب فأخبرته فقال: ادعه لي فرجعت إلى صهيب، فقلت: أرتحل فالحق أمير المؤمنين فلما أصيب عمر دخل صهيب يبكي يقول وا أخاه وا صاحباه. فقال عمر رضي الله عنه: يا صهيب أتبكي عليَّ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إنّ الميت ليعذب ببكاء أهله عليه ". قال ابن عباس رضي الله عنهما فلما مات عمر رضي الله عنه ذكرت ذلك لعائشة رضي الله عنها فقالت: رحم الله عمر والله ما حدّث رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّ الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إنّ الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه".وقالت حسبكم القرآن {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (1) قال ابن عباس رضي الله عنهما عند ذلك: والله هو أضحك وأبكى" (2).
قال الحافظ:" وهذه التأويلات عن عائشة متخالفة، وفيه إشعار بأنها لم ترد الحديث بحديث آخر بل بما استشعرته من معارضة القرآن"(3).
قال القرطبي:" قال علماؤنا: وإنما حملها على ذلك أنها لم تسمعه، وأنه معارض للآية. ولا وجه لإنكارها، فإن الرواة لهذا المعنى كثير، كعمر وابنه والمغيرة بن شعبة وقيلة بنت مخرمة، وهم جازمون بالرواية، فلا وجه لتخطئتهم. ولا معارضة بين الآية والحديث، فإن الحديث محمله على ما إذا كان النوح من وصية الميت وسنته، كما كانت الجاهلية تفعل"(4).
وقد وقع خلاف في الحديث بشكل كبير، بعضهم ذهب إلى مذهب السيدة عائشة رضي الله عنها، وبعض ذهب المذهب الآخر، وبعضهم وفّق بينهما كما فعل الإمام البخاري إذ بوب في صحيحه (باب قول النبي صلى الله عليه وسلم "يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه ". إذا كان النوح من سنته)(5).
(1) هذه جزء من آية وردت في سورة: الانعام /164والإسراء/ 15،وفاطر/18والزمر/7.
(2)
أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (1226) و (1228) و (1230)، ومسلم، المسند الصحيح 2/ 641 (927و928و929) وغيرهما.
(3)
ابن حجر، فتح الباري 3/ 154.
(4)
القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 10/ 231.
(5)
البخاري، الجامع الصحيح1/ 430 باب 32، وينظر: ابن حجر، فتح الباري 3/ 154.
فأم المؤمنين عارضت حديث عمر وغيره من الصحابة بما تحفظه من سنّة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وبفهمها لكتاب الله تعالى.
ومنه ما أخرجه الطحاوي من طريق عروة بن الزبير، قال: بلغ عائشة رضي الله عنها: أنّ أبا هريرة يقول: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" لأنْ أمتع بسوط في سبيل الله، أحب إلي من أن أعتق ولد الزنا، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ولد الزنا شر الثلاثة، وإن الميت يعذب ببكاء الحي". فقالت عائشة: رحم الله أبا هريرة أساء سمعاً فأساء إجابة" (1).
قال الطحاوي:" قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكره عنه أبو هريرة: " ولد الزنى شر الثلاثة " إنما كان لإنسان بعينه كان منه من الأذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان منه مما صار به كافراً شراً من أمه، ومن الزاني بها الذي كان حملها به منه"(2).
فأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ردّت حديث أبي هريرة رضي الله عنه بما تحفظه من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يكون كذلك من معارضته – بفهمها واجتهادها – للقرآن لكريم، ويؤيده ما جاء في أحد طرق الحديث أن عائشة رضي الله عنها كانت إذا قيل لها: هو شر الثلاثة (يعني ولد الزنا)، عابت ذلك وقالت:"ما عليه من وزر أبويه، قال الله: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (3) "(4).
ومنه أيضاً ما أخرجه أبو داود من حديث عدي بن ثابت الأنصاري: حدثنى رجل أنّه كان مع عمّار بن ياسر بالمدائن فأقيمت الصلاة فتقدم عمّار وقام على دكان يصلى والناس أسفل منه، فتقدم حذيفة فأخذ على يديه فاتبعه عمار حتى أنزله حذيفة، فلما فرغ عمار من صلاته قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" إذا أم الرجل القوم فلا يقم فى مكان أرفع من مقامهم ". أو نحو ذلك، قال عمار: لذلك اتبعتك حين أخذت على يدي" (5).فحذيفة رضي الله عنه إنما انتقد فعل عمار بما يحفظه من سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
(1) أخرجه الطحاوي، مشكل الآثار (910)،والحاكم، المستدرك على الصحيحين 2/ 215،والبيهقي، معرفة السنن والآثار 14/ 343.
(2)
الطحاوي، شرح المشكل 2/ 269.
(3)
هذه جزء من آية وردت في سورة: الانعام /164والإسراء/ 15،وفاطر/18والزمر/7.
(4)
أخرجه عبد الرزاق، المصنف (13860) و (13861)،والحاكم، المستدرك 4/ 100، والبيهقي، السنن 10/ 58.
(5)
أبو داود، السنن (598) وروي عن أبي مسعود رضي الله عنه أيضاً كما في السنن (597)،وهو مما يعضد هذا الحديث.