المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثالث في ميدان الجهاد - الشبهات التي أثيرت حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (مطبوع ضمن بحوث ندوة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب)

[عبد الكريم الخطيب]

الفصل: ‌الفصل الثالث في ميدان الجهاد

‌الفصل الثالث في ميدان الجهاد

- 1 -

لقد كان هناك أكثر من ميدان للجهاد، دخل فيه الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأنصاره من آل سعود.. وإنه إذا كان آل سعود قد حملوا عبء معارك القتال في نجد، وفي الجزيرة العربية، ثم في مواجهة الدولة العثمانية، والأوطان التي تحت يدها -فإن الشيخ رضي الله عنه واجه بدعوته أكثر من عدو. فهناك الشرك الذي غطى الجزيرة العربية كلها، حتى أصبح دينا يدين به الناس بدلا من دين الله.. فكان على الشيخ في هذا الميدان أن يكشف وجوه الشرك، ويفضحها على ضوء الإسلام، وحقائقه. ثم هناك أهل الضلال من العلماء الجهلاء ومن وراءهم من العامة المنقادين لهم حيث وقفوا جميعا في وجه الدعوة وشغبوا عليها -وكان على الشيخ أن يتصدى للرد على أهل الباطل، وأن يهزمهم بكلمة الحق بما ألف من كتب وبما وجه من رسائل، وما أدار من محاورات. ثم كان هناك المجاهدون، وما يقع لهم من نصر أو هزيمة في ميادين القتال.. وكان على الشيخ أن يضبط بحكمته تلك الأحداث، وأن يقيمها على ميزان الحق والعدل والإحسان، فلا زهو بالنصر يكون منه البغي والعدوان، ولا تخاذل مع الهزيمة يكون منه الاستسلام واليأس. وهكذا قضى الشيخ حياته مجاهدا في كل موقع محاربا في كل ميدان، مؤمنا بربه واثقاً

ص: 135

في تأييده ونصره حتى لحق ربه، تاركا وراءه رصيدا عظيما من قوى الحق وأسلحة النصر، وبهذا الرصيد كتب الله لدعوة التوحيد أن تنتصر، وأن تخفق أعلامها على الجزيرة العربية كلها ثم تمتد آثارها إلى العالم الإسلامي كله.

-2-

ولا نتحدث هنا عن الثمن الذي أداه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والأمير محمد بن سعود، وخلفاؤهما من آل الشيخ وآل سعود، حتى كان هذا النصر العظيم والفتح المجيد للدعوة التي أعادت الإسلام من غربته إلى الوطن الذي أشرقت منه شمس الإسلام على العالمين. لا نتحدث هنا عن هذا الثمن العظيم الذي بذل لتحقيق هذه الرسالة العظيمة من احتمال الشدائد ومكابدة البلاء والتضحية بالأنفس والأموال، فهذا على كثرته العظيمة في كل وجه من وجوه التضحية والفداء، هو قليل إلى ما تحقق من مكاسب جليلة للإسلام، وخير وفير للمسلمين. ويكفي أن نشير هنا إشارة عابرة إلى ما وقع لآل سعود، وآل الشيخ على يد محمد علي والي مصر بتحريض من السلطان العثماني، فقد وجه محمد علي جيشا كثيفا بقيادة ابنه إبراهيم إلى الجزيرة العربية حيث وصل إلى نجد، ودخل الدرعية، وسلط المدافع عليها، فحصد أهلها، وخرب دورها، وهدم حصونها، وقتل كثيراً من آل سعود وآل الشيخ، ثم أخذ بقية الأمراء من آل سعود وآل الشيخ أسرى إلى مصر، ثم أرسل الأمير عبد الله بن سعود من مصر إلى الأستانة، بعد أخذ الأمان له من السلطان، ولكنه قتل هناك غدرا، ولحق بشهداء الحق.

-3-

أما ما لقي الإمام محمد بن عبد الوهاب في حياته، وبعد مماته، من تشويه لدعوة التوحيد، ومن مفتريات عليه وعلى دعوته المشرقة بنور الحق، الناطقة بلسان التوحيد، فإن

ص: 136

الأمر هنا يقتضينا أن نبسط القول فيه، ليكون درسا نافعا لدعاة الخير، وعظة بالغة لمن يحملون أمانة الدعوة إلى الله، وطريقا مستقيما واضحا لأنصار الحق المجاهدين في سبيل الله، وما يلقون من سفاهة السفهاء وجهالة الجاهلين وحسد الحاسدين، حتى يوطن الداعي إلى الله نفسه من أول الأمر على مواجهة العواصف العاتية المزمجرة، وأنه في مواجهة امتحان قاس مرير امتحن به أنبياء الله ورسله ودعاة الحق من بعدهم. فإن وجد الداعي من نفسه القدرة على الوفاء بحق الدعوة واحتمال الآلام في سبيلها، أخذ طريقه إلى الله غير عابئ بما يلقاه من شدائد وأهوال، ولو كان الاستشهاد في موقف الجهاد.. وإلا صرف نفسه عن هذا الموقف ليقفه رجل أو رجال ممن هم أهل لهذا الموقف العظيم الكريم، ولن يخلو مجتمع المسلمين أبدا ممن يدعوا إلى دين الله، ويجدد للأمة الإسلامية دينها، إذا عرضت له العوارض، وتداعت عليه البدع والضلالات. أما من يدخل هذا الميدان -ميدان الدعوة إلى الله، ومواجهة أعداء الله وأعداء دينه، دون أن يستوثق من نفسه، ويمتحن بلاءه وقوة صبره واحتماله، فإنه يضر ولا ينفع، حين يكون ممسكا براية الحق ثم يدعها تسقط من يده لأول صدمة يصدم بها أو يفر من الميدان عند أول مواجهة، فإن ذلك مما يقيم به شهادة باطلة على فرار الحق أمام الباطل، والذي فر في الحقيقة ليس هو الحق، وإنما ذلك الذي حمل راية الحق، وهو ليس أهلا لحملها.. وهذا ما يشير إليه. قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} 1.إن هذا الذي ولى دبره فارا من المعركة، جبنا وخوفا، هو راية هزيمة تستدعي إليها غيره ممن كانوا في ميدان المعركة، حيث يرون في هذا الفار ما يخيل إليهم منه أنه رأى الدائرة تدور على المسلمين، فكان منه هذا الموقف الذي قد يؤدي إلى هزيمة المسلمين فعلا، ولهذا توعده الله تعالى بغضبه في الدنيا وبالنار مأواه في الآخرة!

1 سورة الأنفال آية: 15-16.

ص: 137

- 4 -

فماذا لقي الشيخ محمد بن عبد الوهاب في سبيل دعوته من شدائد ومحن في حياته؟ وماذا لقيت دعوته إلى توحيد الله، وإخلاص العبودية له وحده سبحانه، من افتراءات عليها، وكيد لها، وتزييف لحقائقها في حياته وبعد مماته؟ ذلك ما نتحدث عنه في الفصل التالي -إن شاء الله- ومن الله العون وبالله التوفيق.

ص: 138