الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الرابع صراع بين الحق والباطل
هذا الصراع بين الحق والباطل، هو المحور الذي تدور عليه قصة الإنسانية على هذه الأرض، منذ خلق آدم إلى يوم الناس هذا، وإلى ما بعد هذا اليوم حتى ينتهي دور الناس في هذه الحياة الدنيا.. حيث لا تخلو أحداث هذه القصة في أي فصل من فصولها من صورة من صور هذا الصراع، بين شد وجذب، وانتصار وهزيمة.. ثم يكون النصر والغلب للحق في آخر كل فصل، ثم في نهاية القصة. والحق هو الخير والنور والهدى والفلاح لكل من تمسك به وأخذ الطريق معه.. لأنه طريق الله، وهو سبيل المؤمنين الذين رضي الله عنهم، وكتب لهم الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى:{وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} 1.وقوله سبحانه: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} 2.والباطل هر الشر والظلام والضلال في جميع صوره وأشكاله، وفي مختلف مواقعه وأحواله، لا يلبس من أمسك به إلا البلاء والشقاء وسوء المصير في الدنيا والآخرة جميعا.
1 سورة يونس آية: 25-26.
2 سورة النور آية: 52.
كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ} 1.وقوله سبحانه وتعالى: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ} 2.والباطل هو المنكر. الذي يجب على المؤمن إنكاره، والعمل على القضاء عليه كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان "3.والتعبير بالقلب، الذي أشار إليه الرسول الكريم لإنكار المنكر، وعدم الوقوف عنده ضعفا في إيمان المؤمن هو أول درجات الإنكار للمنكر، حيث لا يكون إنكارا باللسان أو باليد إلا بعد الإنكار بالقلب فإذا رأى المؤمن الصادق الإيمان منكرا أنكره أولا بقلبه حين يراه خارجا عن طريق الحق والخير، ثم ينكره باللسان، فإن غاب وجه المنكر بهذا الإنكار باللسان، وإلا كان الإنكار باليد الضاربة للمنكر وأهله الصارعة لهم في ميدان الجهاد. وفي هذا الميدان لإنكار المنكر يمتحن إيمان المؤمنين، وفي هذا الامتحان ينكشف معدن المؤمن ويرى جوهر إيمانه، وصدق يقينه، كما يقول تعالى:{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} 4.ويقول صلى الله عليه وسلم " يبتلى الرجل حسب دينه، فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة هون عليه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض، وما عليه خطيئة " 5 رواه الترمذي عن سعد بن أبي وقاص.
1 سورة غافر آية: 78.
2 سورة الجاثية آية: 27.
3 مسلم: الإيمان 49 ، والترمذي: الفتن 2172 ، والنسائي: الإيمان وشرائعه 5008 ،5009 ، وأبو داود: الصلاة 1140 والملاحم 4340 ، وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها 1275 والفتن 4013 ، وأحمد 3/10 ،3/20 ،3/49 ،3/52 ،3/54 ،3/92.
4 سورة محمد آية: 31.
5 الترمذي: الزهد 2398 ، وابن ماجه: الفتن 4023 ، وأحمد 1/172 ،1/173 ،1/180 ،1/185 ، والدارمي: الرقاق 2783.
- 2 -
من الظلمات إلى النور:
وإنه لكي يخرج النور من أحشاء الظلام، ولكي يتخلص الحق من شوائب الباطل، كان لا بد من آلام ومعاناة أشبه بآلام المخاض ومعاناته، لتستقبل الحياة مولودا من مواليدها، الذي يزداد به نبت الحياة ويكثر عطاؤها. ولهذا فإنه ما كاد الإمام محمد بن عبد الوهاب يؤذن في قومه بكلمة التوحيد ويدعوهم إلى الخروج مما هم فيه من ضلال وتيه عن الله وبعد عن دينه -ما كاد الشيخ يهتف بقومه: أن عودوا إلى الله واهجروا ما أنتم فيه من شرك به، حتى تداعى عليه الناس من العوام، وأشباه العوام من جهلة العلماء، يرمونه بالمروق من الدين، ويرجمونه بالمنكر من القول، ويتنادون بالتآمر عليه، ونصب الشباك له، والوقوف في وجه دعوته ولو بالسيف!! وكان الشيخ -ومعه آل سعود- كلما تخطى عقبة في سبيل دعوته، واجهته عقبات، وكلما حرر منطقة من أسر الشرك، تألبت عليه المناطق التي حولها، واشتد حنقها وسعارها، وتعاقدت على الهجوم عليه قبل أن يهجم هو ومن معه عليها.. وهكذا أخذت دائرة الصراع تتسع وتتسع، حتى كادت تشمل العالم الإسلامي كله من السلاطين والأمراء، والحكام، والعلماء، والعامة.. من لم يدخل المعركة ضده بالسيف، دخل بالرأي المخادع، وبالكلمة الباطلة، إثارة للغبار والدخان في وجه الدعوة وداعيتها، ومن يناصره.
-3-
والذي يعنينا من هذا الصراع المحتدم بين دعوة التوحيد وأنصارها من جهة وبين أعدائها والشانئين لها من جهة أخرى -الذي يعنينا من هذا في هذا المقام ليس هو الصراع الذي كان مجاله ميادين القتال، وما ضحى الأنصار في سبيلها من أنفس
وأموال، فذلك له مكانه من صحف التاريخ التي سجلت لهؤلاء المجاهدين أمجد صفحات البطولة، وأعظم مشاهد التضحية والفداء من أجل نصرة الحق، وإعزاز دين الله. وإنما الذي يعنينا هنا أن نعرض للشبهات الباطلة والمفتريات المضللة، التي رميت بها دعوة التوحيد وداعيتها من علماء السوء لنكشف بذلك عن تلك الوجوه المنكرة، التي لم ترع أمانة العلم، ولم تخش الله فيما تقول من زور وبهتان، ابتغاء الاحتفاظ بسلطان لها على العامة، أو تزلفا لأمير أو سلطان، لقاء منصب يعود على صاحبه بجاه أو مال. وإذا كان هؤلاء العلماء الذين خانوا أمانة العلم، وخانوا الله ورسوله، فقالوا غير الحق في دعوة التوحيد وكتموا ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله، أو تأولوه على غير وجهه بما يستجيب لأهوائهم، ويحقق مآربهم، إذا كان هؤلاء العلماء قد رحلوا عن هذه الدنيا بما اكتسبوا من عدوان على الحق، ومناصرة للباطل، فإنه قد كان بحسبنا أن ندعهم، وندع حسابهم لله سبحانه -ولكنا قد آثرنا أن نستعرض مقولاتهم ونفضح مفترياتهم، ليكون في ذلك عبرة لمن يأتي بعدهم، حتى يكون له من ذلك رادع يردعه عن أن يخون أمانة العلم، وما أوجبه الله تعالى على العلماء من أن يبلغوا عن الله وأن يبينوا للناس مواقع الخير، ويدعوهم إليه، وأن يريهم وجوه الباطل، ويحذروهم منه.. كما يقول الله تعالى:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} 1.نعم لقد نبذ هؤلاء العلماء الذين وقفوا من دعوة التوحيد هذا الموقف المنكر الضال- نبذوا عهد الله وبدلا من أن يكونوا من دعاتها وأنصارها والمجاهدين في سبيل الله لنصرتها والتمكين لها، راحوا يرجمونها بالزور، ويقذفونها بالبهتان. نعم لقد نبذ هؤلاء العلماء الميثاق الذي أخذه الله عليهم، من أن يقوموا في الناس مقام الأنبياء في الدعوة إلى الحق والجهاد في سبيل الله، وطرحوه وراء ظهورهم واشتروا بهذا ثمنا قليلا، فبئس ما يشترون.
1 سورة آل عمران آية: 187.
- 4 -
وقبل أن نحاكم هؤلاء العلماء الذين خانوا الأمانة، ونقضوا ميثاق الله الذي أخذه عليهم -نود أن نشير إشارة سريعة إلى دعوة التوحيد، التي دعا إليها الإمام محمد بن عبد الوهاب، ونضعها على ميزان الحق من دين الله، وما نطق به الكتاب الكريم، وما جاءت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا عرفنا الحق الذي جاءت به تلك الدعوة، ثم نظرنا إلى ما قال هؤلاء العلماء فيهما تبين الحق من الباطل وانكشف وجه المبطلين على ضوء الحق:{فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ} 1.
- 5 -
ماذا في دعوة الشيخ؟
في المؤلفات والرسائل التي تركها الشيخ وأتباعه وتلاميذه من بعده -لسان ناطق بدعوته، وشاهد حق عليها، وعلى ما تحمل من حق وخير، وهدى للناس. كما أن المؤلفات، والمحاورات، والمناظرات، التي خلفها خصوم الدعوة -لسان ناطق عليهم بما قالوا غير الحق، وبما افتروا وكذبوا على الله ورسوله، بما تأولوا من كتاب الله، وما افتروه على رسول الله. ونأخذ دعوة الشيخ من بعض كتبه ورسائله. ثم نعرضها على كتاب الله وسنة رسوله، ثم يكون بعد ذلك الحكم لها أو عليها. فماذا يقول الشيخ رضي الله عنه في كتبه ورسائله؟ فهذا كتاب "كشف الشبهات" من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وهو كتيب صغير الحجم، كتبه الشيخ رحمه الله رداً على تلك الشبه التي أثارها المضللون في وجه
1 سورة غافر آية: 78.
دعوته، وجروا فيها على تملق العامة، واسترضاء أهوائهم بما ألفوه وربوا عليه من ضلالات الشرك، وإشعارهم بأنهم على الحق، وأن ما كانوا عليه هو دين الله، وهو شرعه القويم.. وهذا من شأنه أن يغري العامة بالتمسك بما هم فيه، وفي خروجهم عنه ضياع لماضيهم، ولكل ما عملوا فيه.. والإنسان حريص على تزكية أعماله التي صدرت عنه، وهذا ما جعل المشركين يمسكون بشركهم وبإنكارهم للبعث الذي لم يعملوا له حسابا بل كان حسابهم مضافا إلى الحياة الدنيا، كما قال الله تعالى على لسانهم:{وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَاّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} 1 {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ} 2.ومن هنا كان لدعوة التوحيد التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، لهدم قواعد الشرك التي تحصن فيها المشركون -كان لهذه الدعوة وقع الصاعقة على هؤلاء المشركين، وكان على الشيخ أن يصمد لتلك الحرب الضاربة التي تواجه بها دعوته. وذلك هو موقف كل داعية إلى الله، من أنبياء الله ورسله، والهداة المصلحين من أتباع الأنبياء والرسل.. حيث يواجه الداعية إلى الله، والتحول بالناس من الضلال إلى الهدى، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن الظلام إلى النور -حربين في وقت واحد-
الحرب الأولى: وميدانها هذا الداء الخبيث من الشرك، الذي سكن في كيان المشركين، ينفث سمومه في عقولهم وقلوبهم، حتى سكنوا إليه وألفوه بحيث إذا سكن عنهم هذا الداء أصابهم الأرق، فلا يغمض لهم جفن حتى يعاودهم الداء وتسري سمومه المخدرة في كيانهم.. شأنهم في هذا شأن مدمن الخمر ومتعاطي المخدرات.. إنها سموم تسري في بدنه، وتغتال كل صالحة فيه، ولكنه مع ذلك إذا انقطع عنه هذا المخدر، أصابه سعار كسعار الكلب، فلا يسكن سعاره إلا بهذا الداء الذي فيه دواؤه. ولسان حاله قول
1 سورة الأنعام آية: 29.
أبي نواس الشاعر الماجن الذي كان لا يفيق من خماره، والذي يقول:
دع عنك لومي، فإن اللوم إغراء
…
وداوني بالتي كانت هي الداء
وأما الحرب الثانية: التي يدخلها الداعي إلى التوحيد مع مدمن البدع والضلالات فهي ما يقوم به دعاة السوء الذين يتجرون بهذه السموم من الدعاية لها والإغراء بها، وإلا فإن تجارتهم تلك بهذه السموم تبور، وتنقطع مواردهم الحرام منها.
عود على بدء:
ونعود إلى دعوة التوحيد التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وما واجه به هاتين الحربين من أسلحة كانت قوة في يد الحق الذي يدعو إليه. وهذا كتابه:"كشف الشبهات" وهو كتيب صغير الحجم، عظيم القدر، أشبه برسالة من تلك الرسائل الكثيرة التي كان يبعث بها إلى الأفراد والجماعات، كشفا لشبهة وردت عليهم من دعاة الضلال المتربصين بدعوة التوحيد، أو بلاغا لمن لم تبلغهم الدعوة. وأكثر ما شغل أعداء الدعوة، هو ما دعا إليه الشيخ رضي الله عنه من ترك تلك البدع الشركية التي كان عليها الناس في أيامه، من المعتقدات الفاسدة التي تفسد على المسلم دينه، وتغتال عقيدته، وذلك من بناء الأضرحة والقباب على المقبورين من الصالحين، أو ممن يدعى لهم الصلاح والولاية، ثم التوسل بأصحاب هذه الأضرحة وتلك القباب، وسؤالهم قضاء الحاجات، وكشف الضر، مع تقديم النذور لهم. وفي هذا يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه:"كشف الشبهات": "إذا جاز هذا -أي الاستعانة بالغير- في حق الأحياء، فإنه لا يجوز في حق الأموات.. لأن الموتى قد انقطع ما بينهم وبين الحياة والأحياء. "وليس ثمة فرق -في هذا الضلال- بين من يرجو البركة عند قبر ولي، وبين من
يعبد وثنا.. كلاهما قد جعل بينه وبين الله شفيعا يرجى.. وما كان كفار قريش الذين حاربوا دعوة التوحيد إلا على تلك الصورة.. كانوا يعتقدون أن الله هو الخالق العظيم، ولكن هناك آلهة دون الله يتصرفون، وينفعون ويضرون "إن هؤلاء الآلهة هي الطريق إلى الله بزعمهم، ويقولون ما ذكره الله تعالى على لسانهم
: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} 1.ثم يمضي الشيخ رضي الله عنه فيكشف عن موقف أهل الضلال من هذه الدعوة إلى التوحيد الخالص لله، وما تواجه به من مدعيات باطلة، وتأويلات فاسدة لكتاب الله، وسنة رسوله. يقول رضي الله عنه وأرضاه: "إذا عرفت ذلك، وعرفت أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين على هذا الطريق، أهل فصاحة، وعلم وحجج" 2! "فالواجب عليك -أيها المؤمن الموحد- أن تعلم من دين الله ما يصير لك سلاحا تقاتل به هؤلاء الشياطين الذين قال إمامهم ومقدمهم -إبليس لعنة الله عليه -: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}
1 سورة الزمر آية: 3.
2 إن هذه الفصاحة، وذلك العلم، وتلك الحجج، هي أسلحة شيطانية، يضعها الشيطان على ألسنة أوليائه، كما يقول تعالى:{وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} الأنعام: 121.
1.
ولكن إذا أقبلت على الله، وأصغيت إلى حججه وبيناته، فلا تخف:
{إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً} 2."إن العامي من الموحدين، يغلب ألفا من علماء المشركين، قال الله تعالى: {وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} 3.فجند الله هم الغالبون بالحجة والبرهان، كما هم الغالبون بالسيف والسنان. "وإنما يكون الخوف على الموحد حين يسلك الطريق وليس معه سلاح..!! "وقد من الله علينا بكتابه الذي جعله:{تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} 4."فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها، ويبين بطلانها، كما قال تعالى: {وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَاّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} 5 6.ثم يعرض الشيخ -رضي الله تعالى عنه- لهذه الشبهة من تلك الشبه التي يثيرها المبتدعون في وجه دعوة التوحيد، وهي ما دعا إليه الشيخ من إبطال الالتجاء إلى الموتى، والتوسل بهم.. فيقول الشيخ:"فإن قال لك -أي ذلك الذي يتوسل بالمقبورين: "أنا لا أشرك بالله شيئا، حاش وكلا.. ولكن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك!!
1 سورة الأعراف آية: 16-17.
2 سورة النساء آية: 76.
3 سورة الصافات آية: 173.
4 سورة النحل آية: 89.
5 سورة الفرقان آية: 33.
6 من كتاب: "كشف الشبهات" ص 11- مطبعة السنة المحمدية 1372 هـ.
فقل له أيها المؤمن الموحد:- "إذا كنت تقر أن الله حرم الشرك أعظم من تحريم الزنا، وتقر أن الله لا يغفره، فما الأمر الذي عظمه الله، وذكر أنه لا يغفره "فإن قال -أي هذا المتوسل: لا أدرى!! "فقل له -أيها الموحد-: "كيف تبرئ نفسك من الشرك وأنت لا تعرفه؟ أم كيف يحرم الله عليك هذا، ويذكر أنه لا يغفره، ولا تسأل عنه ولا تعرفه؟ أتظن أن الله يحرمه ولا يبينه لنا؟ "فإن قال -أي المتوسل- الشرك عبادة الأصنام، ونحن لا نعبد الأصنام!! فقل له: "وما معنى عبادة الأصنام؟ أتظن أن عابديها كانوا يعتقدون أن تلك الأخشاب والأحجار تخلق وترزق وتدبر أمر من دعاها؟ فهذا يكذبه القرآن.." "ثم يقال له: أي لهذا المتوسل: قولك: "الشرك عبادة الأصنام" هل مرادك أن الشرك مخصوص بهذا؟ وأن الاعتماد على الصالحين ودعائهم لا يدخل في هذا؟ فهذا يرد ما ذكره الله تعالى في كتابه، من كفر من تعلق بالملائكة، وعشق الصالحين. "فلا بد أن يقر المتوسل أن من أشرك بعبادة الله أحدا من الصالحين فهو الشرك المذكور في القرآن، وهذا هو المطلوب". ثم يأتي الشيخ رضي الله عنه بعد هذا بما يفحم بهتان هذا المشرك الذي يدعي التوحيد- فيقول: "وسر المسألة أنه إذا قال -أي المشرك-: "أنا لا أشرك بالله" "فقل له: ما الشرك بالله؟ فسره لي.." فإن قال: هو عبادة الأصنام. فقل له: وما معنى عبادة الأصنام؟ "فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله وحده! "فقل له: وما معنى عبادة الله وحده؟ فسرها لي. فإن فسرها بما بينه القرآن، فهو المطلوب، وإن لم يعرفه، فكيف يدعي شيئا وهو لا يعرفه؟ وإن فسر ذلك بغير معناه بينت له -أيها الموحد- الآيات الواضحات في معنى الشرك بالله، وعبادة الأوثان، وأنه هو الذي يفعلونه في هذا الزمان بعينه. وأن عبادة الله وحده لا شريك له، هي التي ينكرونها علينا، ويصيحون علينا، كما كان إخوانهم من قبل: حيث قالوا:
{أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} 1."فإذا عرفت -أيها الموحد- أن هذا الذي يسميه المشركون في وقتنا هذا "الاعتقاد" -أنه هو الشرك الذي أنزل فيه القرآن، وقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس عليه- فاعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا بأمرين: "أحدهما: أن الأولين -أي مشركي الجاهلية- لا يشركون، ولا يدعون الملائكة والأولياء أوثانا مع الله إلا في الرخاء.. أما في الشدة فيخلصون لله الدين، كما قال تعالى {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَاّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الأِنْسَانُ كَفُوراً} :2.وقوله سبحانه: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} 3.وقوله: {وَإِذَا مَسَّ الأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} 4.وقوله: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} 5.
1 سورة ص آية: 5.
2 سورة الإسراء آية: 67.
3 سورة الأنعام آية: 41،42.
4 سورة الزمر آية: 8.
5 سورة لقمان آية: 32.
فمن فهم هذه المسألة التي وضحها الله تعالى في كتابه، وهي أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يدعون الله، ويدعون غيره في الرخاء.. وأما في الضر والشدة فلا يدعون إلا الله وحده لا شريك له، وينسون آلهتهم - من فهم هذا تبين له الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين.. ولكن أين من يفهم قلبه هذه المسألة فهما راسخا؟ والله المستعان. والأمر الثاني: أن الأولين -أي مشركي الجاهلية- يدعون مع الله أناسا مقربين عند الله، إما نبيا أو وليا، وإما ملائكة، ويدعون أحجارا وأشجارا مطيعة لله ليست عاصية 1."وأهل زماننا يدعون مع الله -أناسا أفسق الناس، والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور، من الزنا والسرقة وترك الصلاة، وغير ذلك 2."والذي يعتقد في الصالح، والذي لا يعصي مثل الملائكة والخشب والحجر وهو ما كان عليه مشركو الجاهلية، أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد بنفسه فسقه وفساده ويشهد به! ثم يمضي الشيخ رضي الله عنه قائلا: "إذا تحققت أن الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أصح عقولا، وأخف شركا من هؤلاء فاعلم أن لهؤلاء -أي مشركي زماننا- شبهة يوردونها على ما ذكرنا وهي من أعظم شبههم، فأصغ سمعك لجوابها:
1 لأنها خاضعة لسنن الله الكونية، لا تخرج عن طبيعتها التي خلقها الله تعالى عليها.
2 في كتاب "الطبقات" للشعراني كثير ممن درجهم في سلك الأولياء من يحكى عنهم الزنا، والشرب للخمر، والسرقة وغير ذلك من الكبائر على اعتبار أنهم من الواصلين الذين رفع عنهم التكليف، وأنه لا حرج عليهم فيما يفعلون.
"إنهم يقولون: إن الذين نزل فيهم القرآن -أي مشركي الجاهلية- لا يشهدون: أن لا إله إلا الله" ويكذبون الرسل وينكرون البعث ويكذبون القرآن ويجعلونه سحراً، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ونصدق بالقرآن، ونصلي ونصوم. فكيف يجعلوننا مثل أولئك؟ ". ويضرب الشيخ رضي الله عنه بهذه الشبهة في وجوه أصحابها، ويقول: "فالجواب: أنه لا خلاف بين العلماء كلهم، أن الرجل إذا صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء وكذبه في شيء هو كافر، لم يدخل في الإسلام!! وكذلك إذا آمن ببعض القرآن وجحد ببعضه كمن أقر بالتوحيد، وجحد وجوب الصلاة أو أقر بالتوحيد والصلاة وجحد الزكاة أو أقر بهذا كله، وجحد الحج، هو كافر!! "وأنه لما لم ينقد أناس في زمان النبي صلى الله عليه وسلم للحج، أنزل الله تعالى في حقهم: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} 1."ومن أقر بهذا كله، وجحد البعث كفر بالإجماع، وحل دمه وماله، كما قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً} 2."
1 سورة آل عمران آية: 97.
2 سورة النساء آية: 150-151.
فإذا كان الله تعالى قد صرح في كتابه، أن من آمن ببعض، وكفر ببعض فهو الكافر حقا، واستحق ما ذكر من العذاب المهين، وإذا عرف ذلك فقد زالت الشبهة 1.هذا ما دعا إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، من توحيد لله تعالى، ودحض شبه الضالين وما يدعونه من التوحيد المغطى عليه بالشرك الغليظ، من عبادة المقبورين، والاستغاثة بهم، وتقديم القرابين لهم، والذبح على أعتاب أضرحتهم. فهل بعد هذا البيان المبين، يكون لمسلم شبهة في دينه، إن كان يريد السلامة لنفسه، والنجاة من الشرك والكفر والإلحاد والله تعالى يقول لنبيه الكريم: مواسيا له فيما يلقى من عناد المعاندين، وضلال المكابرين:{قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} 2.ثم يقول له سبحانه بعد هذا: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ} 3.
رسالة إلى شيخ الركب المغربي:
وهذه رسالة من الشيخ رضي الله عنه بعث بها إلى شيخ الركب المغربي في موسم الحج. يقول فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين. الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ
1 من كتاب: "كشف الشبهات" للإمام محمد بن عبد الوهاب ص: 18 وما بعدها طبعة السنة المحمدية بالقاهرة 1372 هـ.
2 سورة الأنعام آية: 33.
3 سورة الأنعام آية: 34.
ثم يقول الشيخ في رسالته تلك: "وهذا الذي ذكرناه لا يخالف فيه أحد من علماء المسلمين، بل قد أجمع عليه السلف الصالح، من الأصحاب والتابعين، والأئمة الأربعة، وغيرهم ممن سلك سبيلهم ونهج منهجهم. "أما ما حدث من سؤال الأنبياء والأولياء من الشفاعة بعد موتهم، وتعظيم قبورهم، ببناء القباب عليها وإسراجها، والصلاة عندها، واتخاذها أعياداً 1 وجعل السدنة والنذور لها -فكل ذلك من حوادث الأمور التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم أمته، وحذر منها كما في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:" لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين وحتى تعبد فئام من أمتي الأصنام "2."وهو صلى الله عليه وسلم حمى جناب الدين أعظم حماية، وسد كل طريق يؤدي إلى الشرك، فنهى عن أن يجصص القبر، وأن يبنى، كما ثبت في الصحيح عن جابر، وثبت في الصحيح أيضا أنه صلى الله عليه وسلم بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأمره ألا يدع قبرا مشرفا -أي يعلو وجه الأرض إلا سواه، ولا تمثالا إلا طمسه". ثم يشرح الشيخ بعد ذلك في رسالته، ما أثار الناس عليه من دعوته إلى توحيد الله، وما ينكره من البدع والمحدثات من الأمور، التي جرت المسلمين إلى الشرك وأدخلتهم فيه من أوسع أبوابه، والشيطان يقودهم، وعلماء السوء وسدنة الأضرحة يزينون لهم هذا الضلال، ويلوحون لهم بالسراب الخادع منها -يقول الشيخ رضي الله عنه "فهذا هو الذي أوجب الاختلاف بيننا وبين الناس، حتى آل بهم الأمر إلى أن كفرونا وقاتلونا واستحلوا دماءنا وأموالنا، حتى نصرنا الله عليهم، وأظفرنا بهم.. وهذا هو الذي
1 وذلك بما يقام كل عام عند مولد كل صاحب ضريح من احتفالات تمتد أسبوعا أو أكثر، يجتمع لها الناس، وتنصب الأصونة، وتعد الموائد وتدق الطبول وتقام الأذكار الراقصة على نغمات الناي والمزمار، ويجتمع الرجال والنساء والغلمان على المنكرات.
2 الترمذي: الفتن 2219 ، وأحمد 5/278.
ندعو الناس إليه ونقاتلهم عليه بعد أن نقيم الحجة عليهم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع السلف الصالح من الأمة ممتثلين قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} 1.فمن لم يجب الدعوة بالحجة والبيان، قاتلناه بالسيف والسنان، كما قال الله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} 2."وندعو الناس إلى إقامة الصلوات في الجماعات على الوجه المشروع، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت الحرام.. ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، كما قال تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} 3."فهذا الذي نعتقده، وندين به، فمن عمل بذلك فهو أخونا المسلم له ما لنا وعليه ما علينا.." ونعتقد أيضاً أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم المتبعين للسنة لا تجتمع على ضلالة، وأنه لا يزال طائفة من أمته على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله 4.
1 سورة الأنفال آية: 39.
2 سورة الحديد آية: 25.
3 سورة الحج آية: 41.
4 هذه الرسالة نقلناها من كتاب "القديم والحديث" لمحمد كرد علي ص 157 وما بعدها.
بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله. ثم يقول في تلك الرسالة:"والرسول صلى الله عليه وسلم، أخبرنا بأن أمته ستأخذ مأخذ القرون قبلها شبرا بشبر، وذراعا بذراع. وثبت في الصحيحين وغيرهما، عنه صلى الله عليه وسلم: " لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة" 1، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه.. الحديث ". "إذا عرف هذا، فمعلوم ما قد عمت به البلوى من محدثات الأمور، التي أعظمها الشرك بالله، والتوجه إلى الموتى، وسؤالهم النصر على الأعداء، وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات التي لا يقدر عليها إلا الله، رب السماوات والأرض وكذلك التقرب إليهم بالنذور، وذبح القربان، والاستغاثة بهم في كشف الشدائد وجلب الفوائد، إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي لا تصلح إلا لله. ثم يقول الشيخ رضي الله عنه في رسالته تلك، إلى شيخ الركب المغربي "وصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله كصرف جميعها؛ لأنه سبحانه أغنى الأغنياء عن الشرك 2 ولا يقبل الله من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه، وأخبر أن المشركين يدعون الملائكة والأنبياء والصالحين ليقربوهم إلى الله زلفى ويشفعوا لهم، وأخبر أنه لا يهدي من هو كاذب 3.
1 القذة: الأذن.
2 في صحيح البخاري يقول الله تعالى في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء من عمل عملا أشرك فيه معي غيري فهو لمن عمله» .
3 يشير بهذا إلى قوله تعالى: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} سورة الزمر آية 2 - 3
والذين استجابوا لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقاموا معه لمحاربة البدع وكشف الشبهات عن وجه الدين الحنيف، الذين استجابوا لدعوة الشيخ من آل سعود وجاهدوا معه في سبيلها بأموالهم وأنفسهم، إنما قاموا بذلك عن إيمان وثيق بصدق تلك الدعوة القائمة على حراسة دين الله، والواصلة ما انقطع بين الخلف والسلف من جامعة الإسلام بينهم. فبهذا الإيمان الحق، وبهذا اليقين الثابت، صبروا على ما كذبوا وأوذوا، وقام الخلف منهم بعد السلف يجاهدون في سبيل الله، فيغلبون ويغلبون ويقتلون ويقتلون، وما دخل عليهم يأس، ولا خار منهم عزم، بل مضوا في طريق الجهاد لنصرة الحق، غير مبالين بما يصيبهم في أنفسهم وأموالهم مستمسكين بقوله تعالى:{قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَاّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ} 1.ولهذا استمرت الدعوة في نماء وقوة، واستمر الخلف بعد السلف قائماً على الذود عنها ونشر رايتها بالحجة المفحمة من كتاب الله وسنة رسوله.. فكان أبناء الشيخ وأحفاده، وأبناء سعود وأحفاده، أهل علم بدين الله، يكتبون الرسائل ويؤلفون الكتب نشرا للدعوة، وكشفا لما أثاره علماء السوء حولها من شبهات. وها هو ذا عبد العزيز بن سعود، يبعث برسالة إلى الشريف حمود يقول له فيها:"أما بعد فالموجب لهذه الرسالة، أن الشريف أحمد بن حسين الفلقي، قدم إلينا فرأى ما نحن فيه، وتحقق من صحة ذلك لديه، فبعد ذلك التمس منا أن نكتب لكم ما يزول به الاشتباه، فتعرفون دين الله الذي لا يقبل من أحد سواه. "فاعلموا -رحمكم الله تعالى- أن الله سبحانه أرسل محمد صلى الله عليه وسلم على فترة من الرسل فهدى به إلى الدين الكامل والشرع التام.
1 سورة التوبة آية: 52.
"وأعظم ذلك وأكبره وزبدته، إخلاص العبادة لله، لا شريك له، والنهي عن الشرك، وذلك هو الذي خلق الله تعالى الخلق لأجله، ودل الكتاب على فضله كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ} 1 وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} 2."وإخلاص الدين هو صرف جميع العبادة لله تعالى وحده لا شريك له، وذلك ألا يدعى إلا الله ولا يستغاث إلا بالله، ولا يذبح إلا لله، ولا يخشى ولا يرجى سواه، ولا يرهب ولا يرغب إلا فيما لديه، ولا يتوكل في جميع الأمور إلا عليه، وأن كل ما هناك لله تعالى، لا يصلح شيء منه لملك مقرب، ولا نبي مرسل. وهذا هو بعينه توحيد الألوهية الذي أسس الإسلام عليه، وانفرد به المسلم عن الكافر، وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. ثم يقول له عبد العزيز رحمه الله تعالى:"فلما من الله علينا بمعرفة ذلك، وعلمنا أنه دين الرسل -اتبعناه، ودعونا الناس إليه، وإلا فنحن قبل ذلك كنا على ما عليه غالب الناس من الشرك بالله تعالى من عبادة أهل القبور، والاستغاثة بهم، والاستعانة منهم، مع ما ينضم إلى ذلك من فعل الفواحش والمنكرات وارتكاب الأمور والمحرمات وترك الصلاة وترك شعائر الإسلام، حتى أظهر الله الحق بعد خفائه على يد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، أحسن الله تعالى إليه في آخرته والمآب"3. ذلك هو الإسلام في صميمه، كما دعا إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه، وهو الإقرار بوحدانية الله تعالى، فمن خرج عن هذا المعتقد من دين الله، فوجه وجهه إلى غير الله، وجعل بينه وبين الله وسطاء أو شركاء فليس على دين الله.
1 سورة الذاريات آية: 56.
2 سورة البينة آية: 5.
3 من كتاب القديم والحديث، لمحمد كرد علي ص 165.
فالله تعالى يقول في هؤلاء الشفعاء الذين يتعبد لهم المشركون {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَاّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَاّ فِي ضَلالٍ} 1.ويقول سبحانه: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير ٍ} 2.إلى كثير من آيات الله التي تفضح الضالين الذين يدعون غير الله. فإذا كان هذا هو سبيل دعوة التوحيد التي دعا إليها الإمام محمد بن عبد الوهاب وأنصاره -فلماذا قام كثير من العلماء في وجه هذه الدعوة وتحريض الحكام على التصدي لها ومحاربة القائمين بها، ذلك ما سوف نكشف عنه في المبحث التالي والله المستعان.
1 سورة الرعد آية: 14.
2 سورة فاطر آية: 13-14.