المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الخامس الدعوة والثائرون عليها - الشبهات التي أثيرت حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (مطبوع ضمن بحوث ندوة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب)

[عبد الكريم الخطيب]

الفصل: ‌الفصل الخامس الدعوة والثائرون عليها

‌الفصل الخامس الدعوة والثائرون عليها

لا نتحدث في هذا المقام عن موقف السلطان التركي من دعوة التوحيد التي دعا إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وناصره عليها آل سعود، ومن استجاب لها. كما لا نتحدث عن الموقف العدائي الذي اتخذه من هذه الدعوة الأمراء والحكام والرؤساء وزعماء القبائل والعشائر وغيرهم. فهؤلاء وأولئك جميعا كانوا يدافعون عن دنياهم وما يحوزون من متاعها، ويخشون أن تمتد آثار الدعوة إلى ما تحت أيديهم من هذه الدنيا، في حين أنهم في شغل بدنياهم عن دينهم، الذي يتولاه عنهم أصحاب المناصب من علماء الدين!! وإذن فالذي يعنينا هنا هو موقف علماء الدين من دعوة التوحيد التي وقف في وجهها هؤلاء العلماء الذين خانوا أمانة العلم، وقالوا غير الحق، وكانوا فيمن قال الله تعالى فيهم:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} 1.فلقد انبرى هؤلاء الذين كان يرجى منهم إصلاح ما فسد من أمر الناس في دينهم، وأن يقيموا الناس على صراط الله المستقيم، ودينه القويم -انبرى هؤلاء المتجرون بالدين لإغراق الناس في الضلال، وإغرائهم بما هم فيه، وأنه هو الحق فكان أن انقاد

1 سورة آل عمران آية: 187.

ص: 160

الناس لهم، وصرفوا وجوههم عن الذين يمدون أيديهم إليهم لاستنقاذهم من النار التي يندفعون إليها، كما يندفع الفراش إلى وقود النار! نعم، لقد انبرى هؤلاء العلماء المتجرون بالدين، يرمون دعوة التوحيد والداعي إليها، والمجتمعين على الدعوة والداعي بالإفك والبهتان وبالمروق من الدين، وابتداع دين جديد، يحل محل الإسلام، وأنهم يتهجمون على مقام النبي صلى الله عليه وسلم وينالون من أولياء الله، أصحاب الأضرحة والقباب، ويكفرون من يزورونهم، وينذرون لهم، ويطلبون العون والمدد منهم.. إلى غير ذلك مما استخرجه هؤلاء العلماء من عقولهم الضالة، وقلوبهم المريضة، من إفك وبهتان يرمون به في وجه الدعوة ويثيرون العامة عليها، ويحرضون الحكام على القضاء عليها وعلى كل من يستجيب لها. وإنه ما أشبه الليلة بالبارحة! فإن الذي ينظر في موقف أدعياء العلم من هذه الدعوة، ليرى وجوها كتلك الوجوه الشيطانية المنكرة التي وقف أصحابها في وجه الدعوة الإسلامية، في الدور المكي.. فيرى وجه أبي لهب، وأبي جهل، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة، وغيرهم ممن انقادوا للشيطان، وحاربوا دعوة الحق، حتى هلكوا وهم على الكفر، وإلى النار وبئس المصير.

الذين ضلوا وأضلوا:

وقد بلغ أمر هذا الضلال الذي أعمى قلوب هؤلاء العلماء، أن صوروا هذا الإفك وذلك البهتان في كتب أخرجوها للناس دون حياء، وقد تركوها من بعدهم شهادة ناطقة عليهم بهذا الزور، وأنهم قد باعوا دينهم بدنيا فانية وحطام زائل!! ولو أن هؤلاء الذين ألفوا هذه الكتب في الطعن على دعوة التوحيد، وداعيتها وأنصارها- لو أنهم كان لهم شيء من التوفيق، لما سجلوا هذا الخزي بأيديهم، ولما تركوه ميراث شؤم من بعدهم، يعرضهم للناس، وسوآتهم مكشوفة، مفضوحة على الملأ، ولكان

ص: 161

يكفيهم من هذا الباطل ألا يوثقوه في صحف التاريخ، ولكن الله تعالى أخذهم بهذا الخزي في الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى لو كانوا يعلمون. وبهذا يصدق على هؤلاء العلماء الذين فضحوا أنفسهم بما كتبت أيديهم -يصدق عليهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من الإجهار أن يعمل العبد بالليل عملا ثم يصبح قد ستره ربه، فيقول: يا فلان قد عملت البارحة كذا، وكذا.. فيبيت يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه " 1 رواه مسلم عن أبي هريرة. فما أكثر الذين قالوا في دعوة التوحيد التي دعا إليها الشيخ من إفك وبهتان من أمثال هؤلاء العلماء، ثم ذهبت أقوالهم أدراج الرياح، لم يمسك بها الزمن، ولم ير لأصحابها وجه بين الناس.. أما هؤلاء العلماء الذين كتبوا بأيديهم هذا الإفك فهم أشبه بهؤلاء المجاهرين بالمعاصي الذين أشار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ووسمهم بالبلاء الذي لا شفاء لهم منه.. إنهم في وجه فضيحة أعلنوها عن أنفسهم. وقد شاءت إرادة الحكيم العليم أن يكون هؤلاء العلماء عبرة لمن يعتبر، ودرسا يتلقاه أولو الألباب، فيمسك العاقل الحريص على دينه عن الخوض في الباطل، وقول الزور، ابتغاء حظ عاجل من حظوظ الدنيا، فإن لم يستطع أن يمسك عن ذلك بلسانه فلا أقل من أن يمسك عن تسجيل ذلك بخطه، ونشره في كتاب على الملأ!! فيكون شره أخف، وبلاؤه أقل، ولا يكون من الذين قال الله تعالى فيهم:{فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} 2.

هذه الكتب الناطقة بالبهتان:

وبين أيدينا اليوم من مخلفات علماء السوء هؤلاء، من هذه الكتب المشئومة التي

1 البخاري: الأدب 6069 ، ومسلم: الزهد والرقائق 2990.

2 سورة البقرة آية: 79.

ص: 162

تسوق الشؤم والبلاء إلى مؤلفيها، وهم اليوم في عالم الحق -مجموعة منها نكتفي بعرض ثلاثة منها، ومحاكمة كاتبيها بما يقضي به كتاب الله وسنة رسوله، ليكون ذلك درسا واعظا، وعبرة ماثلة لغيرهم من الأحياء من بعدهم.. أما هؤلاء العلماء فهم بين يدي الله، يقضي فيهم بما يشاء في عباده. وهذه الكتيب الثلاثة هي: أولا: رسالة للحاج مختار بن الحاج أحمد باشا المؤيد العظمى، وقد سماها "جلاء الأوهام عن مذاهب الأئمة العظام".

وثانيا: كتيب للسيد أحمد بن زيني دحلان، وسماه:"الدرر السنية في الرد على الوهابية". وثالثا: كتيب للشيخ مصطفى الكريمي بن الشيخ إبراهيم السيامي، تحت عنوان:"رسالة السنيين في الرد على المبتدعين الوهابيين". وها نحن أولا، نعرض لمقولات هؤلاء الذين شغبوا على الدعوة وجاءوا إليها بالمفتريات والأباطيل:{يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} 1.

أولا: رسالة المؤيد العظمى

هذا الرجل يخلع على نفسه ألقاب التعظيم، يكتبها بخط يده، ويجعلها عنوانا لرسالته. مثل المؤيد، كما يرد نسبه إلى أب يحمل لقب الباشوية من السلطان العثماني، وكأن ذلك مما يفسح له مكانا بين العلماء، وإن كان من أهل الجهالة والجهل، فكما كانت الباشوية تشترى بالمال، وبالملق، والرياء، فكذلك يمكن أن يشترى لقب العالم!! هذا ما قدره هذا الداعي، وصوره له جهله وغروره.

1 سورة التوبة آية: 32.

ص: 163

ثم إن هذا الذي يحشر نفسه في زمرة علماء الدين، لا يحفظ كتاب الله، ولا يقيم على لسانه أو قلمه آية من القرآن الكريم، ولا يفقه شيئا من معاني ما يقرأ من كتاب الله، وهو بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد جهلا، وأسوأ فهماً.. والكتاب -كما يقولون- يقرأ من عنوانه! وأنه ليستفتح رسالته تلك -وهو أشبه بعنوان الرسالة- بالتخريف في كتاب الله جهلا، وسوء أدب معا، حيث يستشهد بآية من كتاب الله، دون أن يكون حافظا لها، أو مسترشدا بمصحف قرآني لضبطها. فهو يقول في مفتتح هذه الرسالة:"الحمد لله الذي رضي الإسلام لنا دينا، وأكمله لنا، وأتم نعمته علينا، وأقامنا على سنة رسوله النقية السمحاء، حمداً تستنير به القلوب وتستضيء منه البصائر، وأشهد أن لا إله إلا الله الهادي إلى الصراط المستقيم، القائل: من استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، والله سميع عليم". وقد وقع هذا الداعي المتعالم في هذه الكلمات القليلة في جملة أخطاء لا تكون من تلميذ مبتدئ من طلاب العلم، فضلا عن عالم، يتصدى في زعمه لهداية الناس، ويقف موقف المناظرة لمن يدعو إلى الله وهو على بينة من ربه! فأولا: هذا الخطأ اللغوي في قوله: "وأقامنا على سنة رسوله النقية السمحاء" والصواب أن يقال "السمحة" إذ ليس في اللغة السمحاء.. ولو كان على شيء من الاطلاع على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وقع في هذا الخطأ؛ إذ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم " تركتكم على الحنيفية السمحة، لا يزيغ عنها إلا هالك "1.وثانيا: قوله في مفتتح رسالته: "الحمد لله الذي رضي الإسلام لنا دينا" ولو كان على صلة بكتاب الله لجرى على لسانه وقلمه ما جاء في القرآن الكريم: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً} 2. فقال: الذي رضي لنا الإسلام دينا، بدلا من قوله ورضى الإسلام لنا دينا.

1 أبو داود: السنة 4607 ، وابن ماجه: المقدمة 44 ، وأحمد 4/126 ، والدارمي: المقدمة 95.

2 سورة المائدة آية: 3.

ص: 164

وثالثا: هذا الخطأ الشنيع في الاستشهاد بالقرآن الكريم، فقد حرف كلام الله تعالى عن مواضعه، إذ يقول عن الله تعالى: القائل "من استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، والله سميع عليم، والله تعالى يقول: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} 1.فأين قوله هذا الذي يدعيه على الله تعالى، من قوله سبحانه؟ وأكثر من هذا، فان هذا الجهول الداعي، لم يأت بجواب الشرط لما حرفه من كتاب الله تعالى، فإن قول هذا الداعي: "من استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم" هو شرط، فأين جوابه؟ فإذا كان هذا الذي وقع فيه هذا المدعي من أخطاء لغوية ودينية في مفتتح رسالته وفي أربعة أسطر منها -فهل يمكن أن يأخذ هذا الجهول مكانا بين أهل العلم؟ وهل يكون من أهل المناظرة والمحاجة في الدفاع عن دين الله، كما يدعو؟ إنه -والحال كذلك- لا يكون إلا راية فتنة وإضلال للناس، يصدق فيه قول الله تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَاّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} 2. {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَاّمٍ لِلْعَبِيدِ} 3.

1 سورة البقرة آية: 256.

2 سورة الحج آية: 3-4.

3 سورة الحج آية: 8-9-10.

ص: 165

هذا، وقد كان يكفينا من الرد على هذا المدعي للعلم، ما انكشف لنا من جهل بدين الله في مطلع رسالته، فلا يطول وقوفنا معه أكثر من هذا؛ لما يطلع علينا من كلام من هذا العفن، الذي يزكم الأنوف، ويخنق الصدور، مما يسيل من مزراب قلمه- كان يكفينا هذا، كما يقول المثل:"حسبك من شر سماعه" ولكننا -احتسابا لله، وإمعانا في خزي أهل الضلال وفضحهم- نمر على بعض المخازي التي عرضها صاحب هذه الرسالة، ليشهد الناس كيف تكون الجرأة على الله، وعلى دين الله من المتهوسين، وأدعياء العلم طلبا للشهرة، على حساب دينهم ومروءتهم. {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} 1.فصبراً صبراً، أيها المسلم على هذا البلاء، مهما تقرأ من هذا الهراء

واقرأ ما يقوله هذا الأحمق الجهول في رسالته الشيطانية تلك، وما يرمى به في وجه الإسلام من زور وبهتان، غير متحرج ولا متأثم، ولا عابئ بمشاعر المسلمين وغيرتهم على دينهم. يقول هذا الملحد في ص: 48 من رسالته: "إن أحكام الدين لا يمكن أخذها من الكتاب والسنة؛ لأن فيها الناسخ والمنسوخ، والخاص والعام، والمطلق والمقيد!! "وإن كتب الحديث لا يوجد فيها بيان، ولا إشارة تهدي إلى الصواب!! وإن من رجح حكما على حكم مستندا فيه إلى كتب الحديث، فإن ذلك ظن لا يفيد اليقين، بل يعد الأخذ به زندقة لا إسلامية!! "

1 سورة البقرة آية: 16.

ص: 166

يا سبحان الله! أهذا قول يصدر من مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله،؟ إن أعدى أعداء الإسلام، من اليهود والمستشرقين وغيرهم، قديما وحديثا لم يجرؤ أحد منهم أن يقول مثل هذا القول الآثم، الذي لا يجرؤ الشيطان نفسه أن يصرح به، فإذا لم يكن القرآن الكريم وسنة الرسول المطهرة دستورا قائما على المسلمين ونورا هاديا لهم إلى دين الله الحنيف وشريعته السمحة -فمن أين يتلقون دينهم؟ ومن أين يعرفون أحكام هذا الدين، وما أحل الله تعالى لهم وما حرم عليهم؟ أهناك مرجع آخر يرجع إليه المسلمون ليعرفوا شريعة الإسلام؟ قد يقول هذا المدعي الفاجر: ها أنا ذا الذي أبين لكم دينكم أيها المسلمون. لقد جئت بنسخ الدين الذي أنتم عليه، فخذوا عني دينكم، واتركوا هذا القرآن الذي في أيديكم، وفي قلوبكم وعقولكم، ودعوا سنة نبيكم، وتعالوا إلي، فأنا رسول من الله إليكم!! وفي المأثور:"إذا لم تستح فاصنع ما شئت". فإذا كان في القرآن الكريم الناسخ والمنسوخ، والخاص والعام، والمطلق والمقيد، مما عرفته اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، وجرى على أساليبها -أفكان ذلك مما يلغي كتاب الله، ويبطل العمل به؟ فلم إذن كانت بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ولم كان نزول القرآن الكريم؟ ولم كان ما أمر الله تعالى من التعبد بتلاوته والتدبر لآياته؟ وما معنى قول الله تعالى:{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} 1.

1 سورة الإسراء آية: 9.

ص: 167

وقوله سبحانه: {الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} 1.وقوله تبارك اسمه: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} 2.ما معنى هذه الآيات وكثير غيرها، الداعية إلى تلاوة كلمات الله، وتدبر آياته إذا لم تكن نوراً يهدي إلى الحق، وإلى صراط مستقيم؟ وإذا كان الأمر على غير ذلك، أفلا يكون نزول القرآن عبثاً يتنزه الله تعالى عنه؟ وأنه لا يرفع هذا العبث إلا بالقول بأن الله تعالى لم يبعث محمداً، ولم ينزل قرآناً، كما يقول ذلك الملحدون قديماً وحديثاً!!. أما السنة النبوية فإن هذا الملحد ينكر أن تكون مصدرا للتشريع الإسلامي؛ إذ يقول:"إن كتب الحديث لا يوجد فيها بيان، ولا إشارة تهدي إلى الصواب، وأن من رجح حكما على حكم مستندا فيه إلى كتب الحديث، فإن ذلك ظن لا يفيد اليقين، بل يعد الأخذ به زندقة لا إسلامية"!! وكتب الحديث التي أشار إليها هذا الملحد، هي كتب الصحاح الجامعة لسنة رسول الله القولية، والفعلية، والتقريرية، وفي هذه السنة بيان لما أجمله القرآن الكريم ورد متشابهه إلى محكمه.. كما يقول تعالى لرسوله الكريم {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} :3.ويقول سبحانه: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ

1 سورة إبراهيم آية: 1.

2 سورة محمد آية: 24.

3 سورة النحل آية: 44.

ص: 168

الْعِقَابِ} 1.ولكن هذا الملحد يدعو بدعوته الشيطانية تلك إلى إهدار السنة بدعوى أن كتب الحديث لا يوجد فيها بيان ولا إشارة تهدي إلى الصواب!! " ولا عجب، فإنه بعد أن أبطل العمل بالقرآن، كان من المنطق أن يلغي العمل بالسنة. ولا ندري إن كان هذا الملحد يقيم الصلاة، أم لا؟، فإن كان يؤدي الصلاة فكيف يؤديها، وعلى أي وجه يقيمها؟ أليس ذلك اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم واتباعا له في صلاته بالمؤمنين، وعملا بقوله:" صلوا كما رأيتموني أصلي " 2 وكيف يحج هذا الداعي، إذا كان على الإسلام؟ أليس الحج متابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حجه الذي حجه بالمسلمين. وقوله صلى الله عليه وسلم:" خذوا عني مناسككم " 3؟ ثم الزكاة وتقاديرها، وأنصبتها. من أين عرفها المسلمون؟ أليس ذلك مما بينه الرسول صلوات الله وسلامه عليه؟ وأليس ذلك مما حفظته كتب الحديث عن الرسول الكريم؟ ثم إذا اختلف المجتهدون من أئمة المسلمين في فهم نص من كتاب الله أو سنة رسوله، وكان ذلك الاختلاف مما يحتمله النص، أفيكون ذلك الاختلاف مما يلغي النص الشرعي؟ لقد اختلف صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في فهم كثير من الأحكام الشرعية، ومع هذا الاختلاف فلم يلغوا أي نص؛ لأن ذلك كفر بالله، وبكتاب الله وبرسول الله، ولكنهم عرضوا عقولهم على هذا النص، ثم أخذوا بما رجح عندهم من رأي هو أقرب ما يكون إلى مقاصد الشريعة، من هداية الإنسانية وخيرها ولهذا كانت المشورة أمرا قائما بين المسلمين فيما يعرض لهم، مما ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله نص قاطع فيه. وفي هذا يقول الله تعالى:{وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} 4.

1 سورة الحشر آية: 7.

2 البخاري: الأذان 631 ، والدارمي: الصلاة 1253.

3 النسائي: مناسك الحج 3062.

4 سورة الشورى آية: 38.

ص: 169

ويقول سبحانه: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَاّ قَلِيلاً} 1.وندع هذا الهراء وذلك السخف الذي تفيض به هذه الرسالة الشيطانية عن الإسلام، وشريعة الإسلام وعن القرآن والسنة، وأنهما لا يحملان أحكام الشريعة، ولا يصحان أن يكونا مصدراً لدين، ندع هذا الإلحاد، لننظر فما يقوله هذا الملحد عن دعوة التوحيد التي دعا إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقد كان يكفينا في ما تقوله هذا الملحد على كتاب الله، وعلى السنة المطهرة، وما دعا إليه من إبطال العمل بهما- قد كان يكفينا هذا القول الآثم من هذا الملحد، فلا ننظر بعد هذا فيما يقوله في دعوة التوحيد؛ لأن مستندها هو كتاب الله، وسنة رسوله..، ولا مستند لها غيرهما

فإذا قال هذا الملحد في الكتاب الكريم والسنة المطهرة هذا القول الآثم، فلا ينتظر منه أن يقول في دعوة التوحيد إلا زورا وبهتانا، وإلا إفكا وضلالا. ومع ذلك فإننا سنعرض لبعض ما يقوله هذا الملحد الدعي عن دعوة التوحيد؛ إذ كان ما قاله عن كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مدخلا إلى ما أراد أن يقول في تلك الدعوة، ليصد الناس عنها، وليمسك بهم على ما هم فيه من شرك، وكفر وضلال، إمعانا في كيده للإسلام، وهو يبدو في مظهر المدافعين عن الإسلام، الغيورين على دين الله وعلى من يدينون بدين الله..

ماذا يقول عن دعوة التوحيد؟

يقول هذا الملحد الذي ينتسب إلى الإسلام زورا وبهتانا، يقول موجها القول إلى أهل التوحيد والداعين إلى التوحيد:"زين لهم الشيطان أعمالهم، فزين لهم أنهم من المهتدين".

1 سورة النساء آية: 83.

ص: 170

نحن وأنتم -مخاطبا أهل التوحيد- متفقون بالشهادتين مقرون بالأركان، لا نختلف بأصول الإيمان، ولا ننكر أركان الإسلام.. غير أننا نقول بالمحكم ونرجع إليه، وأنتم تتبعون المتشابه وتعولون عليه. نحن نحتاط بما لا نرتاب، وأنتم لا تتحرجون مما يريب، نحن نعتمد الإجماع، وأنتم تترخصون بالانفراد والتأويل بالرأي". فهذا الملحد، يدخل نفسه في عداد المسلمين، ويضيف نفسه إلى الإسلام، وأنه متفق مع أهل التوحيد في الإقرار بالشهادتين، وبالأركان وبأصول الإيمان. وكيف يكون من المسلمين وهو ينكر حجية القرآن الكريم، والسنة المطهرة؟ ومن أين عرف الأركان وأصول الإيمان، إذا لم يكن المرجع في هذا إلى الكتاب والسنة؟ إن ذلك هو أسلوب أهل النفاق الذين يكيدون لدين الله

فهم لا يعتقدون بعقيدة، ولا يتقيدون بشرع. إنهم مؤمنون وكافرون، وإنهم لا مؤمنون ولا كافرون.. وإنما هم يلبسون ثوبا مستعارا لكل من الإيمان والكفر، يلبسون لكل حالة الثوب المناسب لها، كما يلبس الممثل ثوب الشخصية التي يمثلها على المسرح في رواية هزلية. ثم إذا خلا بنفسه نزع هذا الثوب عنه. وهذا كيد عظيم كاد به المنافقون للإسلام، حيث دخل كثير من أعداء الله، وأعداء دينه في الإسلام، كذبا وادعاء، ودرس كثير منهم علوم الشريعة، واكتسب ثقة كثير من المسلمين، حتى إذا بلغ هذا الحد، كان سيفا يضرب في وجه الإسلام، ومعولا يعمل على هدم حقائقه.. وهكذا فعل العظمى هذا في ادعائه الإسلام، والغيرة عليه، والدفاع عنه، وهو يعمل جاهداً على هدم الإسلام، والكيد له ولأهله.. ولكن هيهات هيهات..

كناطح صخرة يوما ليوهنها

فلم يضرها، وأوهى قرنه الوعل

ص: 171

ثم كيف يصح قول هذا الدعي: "غير أنا نقول بالمحكم ونرجع إليه" كيف يقول هذا، وأي محكم يقول به. ويرجع إليه من كتاب الله، وهو الذي يقول:"إن أحكام الدين لا يمكن أخذها من الكتاب والسنة؛ لأن فيها الناسخ والمنسوخ والخاص والعام، والمطلق والمقيد. إلى آخر هذا الإلحاد والكفر؟ ولكن لا عجب.. فالمنافق كالحرباء يتلون بكل لون، ولا يكون على لون واحد أبداً ثم يقول هذا المنافق، مخاطبا أهل التوحيد: "قمتم بعد أن ذهب الله بزعماء تلك المذاهب والنحل، وانتشرتم بعد أن طوى دعاة تلك البدع، تدعون الناس بما لا ينفعهم في الدنيا، ولا ينجيهم في الآخرة، تخلطون لهم الحق بالباطل، والظن باليقين تحرفون الكلم عن مواضعه.. تقولون هذا من عند الله، وما هو من عند الله. تنادونهم أن ارجعوا إلى الدين وأنتم عنه أبعد، تأمرون بالبر وتنسون أنفسكم.. تقولون بأفواهكم ما ليس في قلوبكم.. ترسلون دعاة بأجسام إنسانية وأرواح شيطانية، يوسوسون لأناس عاشوا في الجهل، وأقاموا حديثا في مهد.. ما عرفوا من الدين إلا الاسم، وما نظروا من العلم إلا الرسم فيزينون لهم غروراً ويغوونهم مشروراً، والله لا يصلح عمل المفسدين. "وهذا كلام فيه سباب وفحش، وليس فيه موقف يقف به محاجا أهل التوحيد فيما يدعون إليه من دين الله، وما يهدمون به من أوثان الشرك. ثم بأي لغة أعجمية ركيكة يتكلم هذا الدعي الذي ينصب نفسه للذود عن دين الله، والنصح للمسلمين وهو لا يعرف أساليب العربية التي نزل بها القرآن؟ فليس في لغة العرب ما يجيز له أن يقول: "لا نختلف بأصول الدين" وإنما الصواب أن يقول: "لا نختلف في أصول الدين.. فما جاء في لغة العرب ولا في كتاب الله أن

ص: 172

يتعدى الفعل "اختلف" بالباء، وإنما هو يتعدى بحرف الجر "في" كما يقول الله تعالى:{وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} 1.وكما يقول تعالى: {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} 2 وأكبر الظن عندي، أن هذا الرجل من أولئك الأعاجم الذين دخلوا في جماعة المسلمين وتحككوا بالإسلام وفي قلوبهم مرض، يريدون الكيد له، والإضلال لأهله.

هذا الدعي والاجتهاد:

ومن متناقضات هذا الدعي الأحمق، أنه إذ يبطل العمل بكتاب الله وسنة رسوله كما نقلنا ذلك من رسالته -فإنه ينكر الاجتهاد.. إذ يقول في أول صفحة من تلك الرسالة الشيطانية. "إن الاجتهاد بدعة في الدين" هكذا على سبيل القطع والجزم. ثم يقول في ص 10 من هذه الرسالة:"إنه لا يجوز تقليد الصحابة ولا التابعين" فإذا كان لا قرآن ولا سنة كما يقول هذا الملحد.. فلا بد أن يكون هناك اجتهاد شخصي يتعرف به الإنسان إلى الدين الذي يقوم على اجتهاد شخصي منه. فإذا بطل الاجتهاد، ثم لا يكون هناك مرجع إلى القرآن الكريم والسنة المطهرة فمن أين يعرف الإنسان الدين الذي يدين به؟ إن معنى ذلك ألا يكون هناك دين أبدا، ويكون معنى ذلك أيضا إبطال الدين على نحو ما تقول به الشيوعية من أن:"الدين أفيون الشعوب".

1 سورة الشورى آية: 10.

2 سورة البقرة آية: 113.

ص: 173

ثم إذا كان لا يجوز تقليد الصحابة ولا التابعين، كما يقول هذا الدعي. ثم لا كتاب ولا سنة، ثم ولا اجتهاد -فما هي الوسيلة أو الوسائل التي يتعرف بها الإنسان إلى دين، أي دين؟ وأعود فأكرر القول بأني لا أعرف هوية هذا الرجل، ولكن يغلب على ظني أنه من غلاة الشيعة الذين يذهبون إلى تأليه علي رضي الله عنه وإلى عصمة الأئمة من الشيعة حيث تكون أقوالهم أحكاما شرعية ملزمة لأتباعهم، وفي هذا المفهوم لا يكون نظر إلى قرآن أو سنة، ولا التفات لمقولات الصحابة والتابعين، ثم لا محل للاجتهاد مع الإمام المعصوم!! فإذا كان هذا هو واقع هذا الرجل فبأي وجه يدخل في الاعتراض على أي مسلم من المسلمين، سواء أكان عالما أو غير عالم، وهو على طريق غير طريق الإسلام؟ ولكن الرجل وجد فتنة ثائرة في وجه دعوة التوحيد التي دعا إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فدخل مع الداخلين في الحرب المعلنة على تلك الدعوة، من علماء السوء، ومن السلاطين والحكام، دفاعا عن سلطانهم القائم على عامة المسلمين.. وهكذا يتدسس اللصوص في الظلام وسط دخان الحريق المشبوب، ليسرقوا ما تصل أيديهم إلى سرقته من مال أو متاع!!

الاجتهاد في الدين:

ومما ينكره هذا المدعي على دعوة التوحيد، أنها تفتح باب الاجتهاد الذي أغلقه الجهل، وفساد الأحوال منذ القرن الرابع الهجري، فيقول هذا الجهول، موجها الكلام إلى أتباع الدعوة الداعية إلى فتح باب الاجتهاد-يقول:"إني أراكم تدعون الناس لبدعة الاجتهاد في الدين وغيرها من البدع".

ص: 174

ونقول لهذا الجهول، كيف يكون الاجتهاد في الدين بدعة؟ إن البدعة هي أمر حادث لم يكن في الدين، وهي ما أشار إليها الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله:" كل بدعة ضلالة " 1 وذلك من معنى قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} 2.ثم ألم يجتهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن الكريم في أكثر من حال بتصحيح اجتهاده صلوات الله وسلامه عليه، كما في قوله تعالى في أسرى بدر حين قبل النبي صلى الله عليه وسلم الفدية منهم، وذلك بعد مشورة أصحابه.. يقول سبحانه في هذا الأمر: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} 3 وكقوله تعالى في إذنه صلى الله عليه وسلم لمن أرادوا أن يتخلفوا عن الجهاد، معتذرين بأعذار كاذبة:{عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} 4.إلى كثير من مثل هذه الأحوال التي كانت عن اجتهاد من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جاء القرآن بتصحيح هذا الاجتهاد!! وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث معاذ بن جبل إلى اليمن؛ ليعلم الناس أمور دينهم، وليقضي فيما يعرض لهم من شئون، فيقول له صلى الله عليه وسلم " كيف تقضي إذا عرض لك القضاء؟ " فيقول معاذ: أقضي بكتاب الله، فيقول له الرسول

1 مسلم: الجمعة 867 ، والنسائي: صلاة العيدين 1578 ، وابن ماجه: المقدمة 45 ، وأحمد 3/310 ، والدارمي: المقدمة 206.

2 سورة الشورى آية: 21.

3 سورة الأنفال آية: 67-68.

4 سورة التوبة آية: 43.

ص: 175

الكريم: "فإن لم تجد في كتاب الله" قال أقضي بسنة رسول الله.." قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو.. فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم وضرب على صدر معاذ، وقال:"الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله.. "! أفليس هذا إذنا بل وتزكية من رسول الله صلى الله عليه وسلم للاجتهاد؟ ثم ألم يجتهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده في الأمور التي كانت تعرض لهم؟ ثم ألم يختلف الصحابة -رضوان الله عليهم- في اجتهاداتهم، ولم يكن في هذا حرج عليهم، إذ كانت غايتهم هي النصح للمسلمين في الأمور التي ليس فيها نص صريح من كتاب الله، أو سنة رسوله؟ ثم أصحاب المذاهب الأربعة.. ألم يكونوا مجتهدين في فروع الدين؟ ثم ألم يكن بينهم هذا الخلاف في اجتهادهم، فكانوا أربعة مذاهب، وإلا لكانوا مذهباً واحداً. وما كانت الشورى التي أمر الله تعالى بها المسلمين في قوله تعالى:{وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} 1 ما كانت هذه الشورى إلا دعوة من الله تعالى للمسلمين إلى النظر فيما يعرض لهم من أمور حادثة، لم يكن للشريعة حكم قاطع فيها. ثم ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم " إذا حكم الحاكم واجتهد وأصاب فله أجران، وإن حكم واجتهد وأخطأ فله أجر؟ " 2 أليس هذا القول الكريم من رسول الله صلى الله عليه وسلم تقريرا لمبدأ الاجتهاد: وأن من اجتهد فأصاب موقع الحق فله أجران، أجر لاجتهاده، وأجر لإصابته موقع الحق، وأن من أخطأ فله أجر هو أجر اجتهاده، وإن أخطأ موقع الحق!!

1 سورة الشورى آية: 38.

2 البخاري: الاعتصام بالكتاب والسنة 7352 ، ومسلم: الأقضية 1716 ، وأبو داود: الأقضية 3574 ، وابن ماجه: الأحكام 2314 ، وأحمد 2/187 ،4/198 ،4/204.

ص: 176

وإنه ما انتكس أمر المسلمين، وما ذهبت ريحهم إلا بعد أن سد باب الاجتهاد، الأمر الذي أدى إلى قطع الصلة بين المسلم وبين كتاب الله وسنة رسوله ليتلقى منهما -بعد التدبر والبحث- الحكم فيما يعرض له من أمور حادثة من مواليد العصر الذي يعيش فيه، تلك المواليد التي لا تنقطع أبدا. وقد أدى سد باب الاجتهاد إلى أمرين خطيرين، كان لهما هذا الأثر السيئ فيما صار إليه أمر المسلمين من ضعف وتخلف في مسيرة الحياة، ومن تراكم زحوف البدع والخرافات التي غيرت معالم الدين، وأوقعتهم في ضلالات الشرك. وأول هذين الأمرين، هو وقوف المسلمين حيث هم لا يخطون خطوة إلى الأمام في حين أن الحياة تسير سيرا حثيثا إلى الأمام، لا تتوقف لحظة أبدا، بل تنطلق بالناس في سرعة الصواريخ. والأمر الثاني: هو أن يتحلل المسلمون مما كان سائدا في عصر تدوين المذاهب الأربعة، وأن يأخذوا بما جد في عصرهم، المؤثر بلا شك في أمور دينهم، متابعين ومقلدين أهل الغرب، غير ناظرين أو راجعين في هذا إلى الكتاب والسنة؛ لأن باب الاجتهاد قد سد في وجوههم..!! فإذا دعا الشيخ محمد بن عبد الوهاب المسلمين إلى فتح باب الاجتهاد؛ ليخرجوا من هذا السجن المطبق عليهم وليلتقوا بكتاب الله وسنة رسوله، ليجدوا منهما النور الهادي إلى طريق الحق فيما يأخذون أو يدعون من كل ما يجدّ من أمور -إذا دعا الشيخ إلى هذا، عده أعداء الإسلام فتنة.. يريدون بهذا أن يأخذ المسلمون بما يرون من حياة الأوربيين، وأن يقطعوا صلتهم بالإسلام، وبما تقرره شريعة الإسلام.

التوسل بالأنبياء والأولياء:

ثم يقول المؤيد العظمى في رسالته، التي يؤيده فيها الشيطان في التوسل بالأنبياء والأولياء: "إن علماءنا -أي علماء هذا المذهب الضال- ما قالوا بالتوسل بالأنبياء

ص: 177

والأولياء، وندبوا إليه من تلقاء أنفسهم، حاشاهم من ذلك، وهم أمناء الدين وخلفاء الرسل، بل أخذوه من كلام الله، وكلام رسوله، أمرا وفعلا" ص 10، 11. هذا ما ينطق به هذا الأحمق الجهول في رسالته من أحكام عامة جازمة، وما رجع في هذا إلى كتاب الله أو سنة رسوله، بل قال ذلك باعتبار أنه مشرع يقول ما يقول وعلى الناس السمع والطاعة!! أليس هو من الأئمة المعصومين الذين يقومون في الناس مقام الرسل والأنبياء؟ ثم نقول لهذا الملحد المضلل: كيف يدعو الله تعالى إلى إخلاص العبادة والدعاء له وحده في قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} 1 وفي قوله سبحانه: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} 2.فالدعاء عبادة من أخلص العبادات لله من المؤمنين بالله، حيث تتجه إليه وجوههم خالصة.. وأن الذين لا يتجهون إلى الله فيما يندبهم هم مستكبرون عن عبادة الله، وهم من أصحاب النار هم فيها خالدون. ويقول تبارك اسمه:{وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ} 3.

1 سورة البينة آية: 5.

2 سورة غافر آية: 60.

3 سورة يونس آية: 106.

ص: 178

ويقول جل شأنه: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} 1 ويقول سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} 2.فكيف يدعو الله تعالى إلى إخلاص العبادة له وحده، والاتجاه بالدعاء له دون غيره، ثم يدعو بعد ذلك إلى التوسل بغيره من الأنبياء والأولياء والصالحين؟ أهذا التناقض يجوز في حق الله تعالى؟ إن من يقول بهذا هو كافر بالله، ملحد في آياته!! وروى أبو داود، عن عبد الله بن الشخير، قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: أنت سيدنا. فقال: "السيد الله تبارك وتعالى" فقلنا: وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا 3. فقال صلى الله عليه وسلم " قولوا بقولكم، ولا يستجرينكم الشيطان " 4 5.وروى الطبراني عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله.. ".

1 سورة الأعراف آية: 197.

2 سورة الأعراف آية: 194.

3 الطول: الجاه، والقدر، وهو بكسر الطاء المشددة، وفتح الواو.

4 أبو داود: الأدب 4806 ، وأحمد 4/25.

5 أي يذهب بكم الشيطان بعيدا في الغلو.

ص: 179

وروى الترمذي، عن أنس رضي الله عنه قال:"لم يكن شخص أحب إليهم - أي الصحابة- من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا إذا رأوه لم يقوموا، لما يعلمون من كراهيته لذلك". فإذا كان هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أكرم خلق الله على الله لا يستشفع به، ولا يستغاث به، ولا يقوم أصحابه له بأجسادهم، وإن فاضت قلوبهم ومشاعرهم إجلالا له وتوقيرا، ولا يقبلون يده، وإن كان يسعدهم أن يقبلوا التراب الذي تمشي عليه قدماه الشريفتان -إذا كان ذلك مما نهى الرسول الكريم عنه حفظا لكرامة المؤمن، وحماية له من الخضوع والخشوع لغير الله، وسدا لذرائع الملق والتزلف لذوي الجاه والسلطان- إذا كان هذا ما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، وحذر المسلمين منه وأراهم من شخصه الكريم، هذا الذي رأوه من توجيههم بالتعظيم والإجلال لله تعالى وحده- فكيف يقوم في المسلمين من يدعوهم إلى الاستشفاع والاستغاثة بالموتى. الذين انقطع ما بينهم وبين هذه الدنيا؟ وكيف يكون إيمان بالله مع التمسح بالقبور، والطواف بالقباب، ومناجاة من تحت القبور ومناداتهم بطلب المطالب وقضاء الحاجات؟ إن ذلك -فضلا عن إفساده للعقيدة، ومسخه للإيمان -هو امتهان للعقل وإهدار لآدمية الإنسان واستعباد له لعالم الموتى: ذلك الاستعباد الذي هو أشنع شناعة، وأشد بلاء من الاستعباد للأحياء؟ وبعد: فإن رسالة هذا الغبي الجهول الملحد، الذي يسمى الحاج مختار بن الحاج أحمد باشا المؤيد الأعظمي التي سماها:"جلاء الأوهام عن مذاهب الأئمة العظام"- إن هذه الرسالة دعوة إلى عبادة الأئمة العظام عنده، وتلقي أحكام الشريعة منهم والتعبد بأقوالهم.. وهؤلاء الأئمة العظام عند هذا الملحد هم أئمة الشيعة الذين يقومون على أتباعهم مقام رسل الله عند المؤمنين بالله، فهم عند أتباعهم معصومون عصمة مطلقة فوق عصمة الرسل!!

ص: 180

وإذن فهذا الملحد إذ يحاج أهل التوحيد، فإنما يدعو إلى دين غير دين الإسلام، ويعمل على نشر مذهب ضال يخرج المسلم الذي يتبعه عن دينه حيث لا التفات إلى القرآن أو السنة، وحيث لا اجتهاد، ولا اعتبار لاجتهادات أصحاب المذاهب الأربعة، وإنما الشرع ما قال به الأئمة المعصومون، والدين ما رسمه هؤلاء الأئمة. {كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} 1.ومن أراد الاطلاع على كفر هذا الملحد وضلاله، فليطلع على كتاب: "البيان والإشهار، لكشف زيغ الملحد الحاج مختار" للشيخ فوزان السابق، أثابه الله تعالى وأكرمه. فقد كشف عن ضلال هذا الضال، وتلبيساته على المسلمين، وألبسه ثوب الخزي، ليكون عبرة لأهل الزيغ والضلال، ودعوة للمؤمنين أن يأخذوا حذرهم من المتدسسين إليهم بتلك الشعارات المضللة الزائفة:{هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} 2 صدق الله العظيم.

1 سورة يونس آية: 12.

2 سورة المنافقون آية: 4.

ص: 181

ثانيا: الدرر السنية في الرد على الوهابية لابن دحلان

وهو أحمد بن زيني بن دحلان. كان مقيما بالبلد الحرام، مضيفا نفسه إلى علماء المسجد الحرام، باسطا نفوذه على كثير من طلبة العلم الوافدين إلى هذا البلد الأمين من شتى آفاق الإسلام، ملتمسين النور من مطلع الرسالة الإسلامية، حيث أقام هذا الرجل مصيدة يوقع في شباكها باسم العلم هؤلاء الوافدين لطلب العلم، {مَثلهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ} ويقتنص ما يقع ليده مما معهم من مال ومتاع. وإنها لتجارة خاسرة، قامر فيها هذا الشيخ بدينه، وباعه بهذا الثمن البخس من فتنة الناس وإضلالهم.. فكان من الذين قال الله تعالى فيهم:{أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ} 1 ومن هنا كان موقف هذا المتجر بالدين من دعوة التوحيد التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكشف بها عن وجه الشرك الكئيب الذي غير وجه الإسلام الوضيء، الحنيف، وألبس الناس هذا اللباس المشئوم. لقد رأى ابن دحلان أن سلطانه الذي أقامه على الناس بالجهل والشعوذة مهدد بالزوال من دعوة التوحيد، إذا قدر لها أن تدخل إلى قلوب الناس، وأن تبدد بأنوارها هذا

1 سورة البقرة آية: 16-17-18.

ص: 182

الظلام المخيم عليهم، فقام في وجه هذه الدعوة، ينبحها نباح الكلب المسعور، ويرميها بكل ما لديه من وسائل الشعوذة والتغرير، غير مقيد بضابط من خلق أو دين، فكانت منه هذه الصرخات المحمومة المجنونة في وجه الدعوة إلى التوحيد، كما كان يفعل المشركون في وجه الدعوة الإسلامية عند مطلعها، وإرسال أضوائها على مواقع الشرك وأهله، حتى لقد بلغ الأمر بهذا الأحمق الجهول أن يؤلف الرسالة، وأن ينشرها في الناس، والتي أسماها:"الدرر السنية في الرد على الوهابية" وما هي في حقيقة أمرها إلا نباح كلب في وجه القمر، وإلا الحصا يرمي به صبي أو مجنون في محيط البحر الزخار، وهو يحسب أن ينال من هذا البحر منالا.

ما يضير البحر أمس زاخرا

أن رمى فيه غلام بحجر؟

من هذيان ابن دحلان:

والرسالة كلها خلط مجنون، وهذيان محموم، وترهات من هنا وهناك، نقلها من كتب المتصوفة والحشوية والرافضة، وغيرهم، ثم جاء بهذا الخليط من اللغو يحاج به دعوة التوحيد في غير حياء أو خجل، وكأنه يوحى إليه من عالم الغيب وما يوحى إليه إلا من شيطان مريد:{كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَاّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} 1.

الاحتجاج للتوسل والاستشفاع:

فهذا الداعي يحتج للتوسل والاستشفاع بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالصحابة وبأصحاب الأضرحة والقباب -يحتج لهذا بتلك النقول المريضة الفاسدة من مؤلفات سدنة الأضرحة وعبادها، والمتجرين بالشعوذة لها، ولما يناله قصادها المطيفون بها- والناذرون لها من خير كثير في دنياهم وآخرتهم!!

1 سورة الحج آية: 4.

ص: 183

يريد بهذه الشعوذة أن يرد دعوة التوحيد التي يدعو إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومن اتبعه على دين الله من المسلمين، بعد أن خلعوا أسمال الشرك البالية التي ألبسها إياهم الجهل، ووسوسة شياطين الجن والإنس لهم -تحقيقا لمعنى:"لا إله إلا الله".. تلك الكلمة الجليلة العظيمة التي لا يدخل الإنسان إلى الإسلام إلا بها قولا وفهما واعتقادا وعملا.. كما يقول الحق سبحانه: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} 1 وكما يقول جل شأنه: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً} 2 ويقول سبحانه: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} 3.ومع هذا الحكم الصريح القاطع من الله تعالى على الشرك والمشركين، فإن من البلية أن يكون في المسلمين بل وفي أدعياء العلم من المسلمين من يزكي الشرك ويستسيغ طعمه، ويغري الناس به!!

دعاوى ابن دحلان في التوسل:

يقول ابن دحلان في الاحتجاج بالتوسل الذي يدعو المسلمين إليه ما يأتي في ص 6

1 سورة آية: 30-31.

2 سورة النساء آية: 116.

3 سورة المائدة آية: 72.

ص: 184

من رسالته: "وأما التوسل، فقد صح صدوره من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسلف الأمة" هذا ما يقطع ابن دحلان به في حكمه على التوسل بغير الله، وكأنه يتلقى هذا من كتاب الله، أو سنة رسوله، وما هو إلا من وسوسة شيطانه المريد.. ثم يقول ابن دحلان، مؤيدا دعواه في جواز التوسل بهذه المرويات وما يتأولها عليه -يقول:"أما صدوره -أي التوسل- من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد صح في أحاديث كثيرة.. منها: أن صلى الله عليه وسلم كان من دعائه: " اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك " 1. وهذا توسل لا شك فيه!! ولم يذكر ابن دحلان المصدر الذي تلقى منه هذا الحديث، ولعله وجده في بعض كتب المتصوفة أو تلك الرسائل التي تغزو المسلمين بتلك الطلاسم من الأدعية والأوراد!! ومع ذلك فإن هذا الحديث المنسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس فيه توسل بأحد بذاته من الناس، ولا استشفاع به، بل هو دعاء موجه إلى الله تعالى لا بالسائلين بل بحق السائلين على الله.. وحق السائلين على الله هو استجابة دعائهم المتوجهين به إليه سبحانه، فضلا وإحسانا منه تعالى.. فإن الدعاء عبادة لله وقربة له سبحانه، والله تعالى يقول:{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} 2.

1 ابن ماجه: المساجد والجماعات 778 ، وأحمد 3/21.

2 سورة غافر آية: 60.

ص: 185

وقال سبحانه: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} 1.فالدعاء هنا خالص لله، يتوسل به الداعون إلى الله، ويوجهون إليه وجوههم خالصة له سبحانه، فإذا توسل متوسل بحق الداعين على الله فإنما يتوسل بالله بهذا الحق الذي أوجبه الله تعالى على نفسه فضلا منه وكرما لمن دعاه.. فالتوسل هنا إلى الله هو توسل منه إليه، وليس توسلا بأحد من خلقه، كما يدعي ابن دحلان جهلا أو مكرا. ثم يقول ابن دحلان في رسالته الشيطانية تلك في ص: 6 معلقا على هذا الحديث المنسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فانظر قوله صلى الله عليه وسلم " بحق السائلين عليك " 2 فإن فيه التوسل بكل عبد مؤمن!! وهذا -كما قلنا- فهم فاسد، وتأويل باطل، وتحريف للكلم عن مواضعه، لا يقول به إلا من ختم الله على قلبه وسمعه، وجعل على بصره غشاوة. إذ كيف يتوسل الرسول صلى الله عليه وسلم بكل عبد مؤمن، ورسول الله صلى الله عليه وسلم سيد المؤمنين وداعيهم إلى الإيمان؟ وإذا جاز التوسل من مؤمن بمؤمن -وهو غير جائز قطعا- فهل يجوز التوسل من الأعلى بالأدنى؟ وقد أشرنا من قبل إلى أن هذا التوسل المنسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحق السائلين على الله بأنه توسل إلى الله تعالى بصفة من صفاته الجليلة، وهي

1 سورة البقرة آية: 186.

2 ابن ماجه: المساجد والجماعات 778 ، وأحمد 3/21.

ص: 186

الإحسان إلى المتوجهين بالدعاء إليه سبحانه باستجابة دعائهم الذي يرفعونه إلى الله خالصا له وحده، جل شأنه، كما قال الرسول الكريم في دعائه:" اللهم إني أسألك بنور وجهك، الذي أضاءت به الظلمات " وذلك في دعائه صلى الله عليه وسلم وهو عائد من الطائف، بعد أن أعرض عنه أهلها، وسلطوا عليه الغلمان والصبيان يرمونه بالحصا، ويرجمونه بالسباب.. فأنت بأبي وأمي يا رسول الله! فالرسول صلى الله عليه وسلم إذ دعا بنور وجهه، فهو يدعو في هذا الحديث المنسوب إليه بفضل الله وإحسانه، ثم يمضي ابن دحلان في هذا الخلط فيقول في ص: 9 - 10 "وقد توسل به صلى الله عليه وسلم أبوه آدم، قبل وجود سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حين أكل من الشجرة التي نهاه الله عنها".

ويستدل ابن دحلان على هذه الأسطورة بحديث رواه الحاكم والطبراني، وهو: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لما اقترف آدم الخطيئة، قال: يا رب، أسألك بحق محمد إلا ما غفرت لي. فقال الله تعالى: يا آدم، كيف عرفت محمدا ولم أخلقه؟ قال يا رب، إنك لما خلقتني رفعت رأسي، فوجدت على قوائم العرش مكتوبا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعرفت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك.. فقال الله تعالى: صدقت يا آدم.. إنه لأحب الخلق إلي، وإذ سألتني بحقه، فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك!! ". وهذا لا شك حديث مفترى على رسول الله صلى الله عليه وسلم افتراه الصوفية والحلولية الذين يقولون بوحدة الوجود، ويقولون بما يسمونه الحقيقة المحمدية "التي نسجوا منها هذه الأسطورة التي تجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلها مع الله، قائماً على هذا الوجود خلفاً وأمراً.. وأنه ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينطق بشيء من هذا، وحاشاه - صلوات الله وسلامه عليه- أن يفتن أصحابه وأتباعه فيه، وهو الذي يقول:

ص: 187

"لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم، ولكن قولوا عبد الله ورسوله " 1!! فكيف ينهى عن إطرائه، ثم يفتح للمسلمين هذا الباب العريض الذي يرفعه إلى مقام الألوهية؟ فهذه الأسطورة المعروفة عند المتصوفة والحلولية بالحقيقة المحمدية، تدعي هذه المدعيات الباطلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ يقول هؤلاء المشعوذون: إن أول ما خلق الله محمدا من نوره، ثم من هذا النور خلق العرش والكرسي، وخلق اللوح والقلم، ثم سائر المخلوقات في السماوات والأرض!! فيا سبحان الله، ما يكون لنا أن نتكلم بهذا، سبحانك، هذا بهتان عظيم. فلا إله إلا أنت، تنزهت عن الشريك، وعن الصاحبة والولد. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ابن آدم، وإن كان أفضل أبنائه.. وأبوه عبد الله، وأمه آمنة، وهو الذي يقول:" أنا ابن امرأة من قريش، كانت تأكل القديد " 2 ويقول: " أنا عبد الله آكل كما يأكل العبد." فماذا يقول صلى الله عليه وسلم أكثر من هذا، وأوضح بيانا، كي يرد هذه الفتن العمياء عن القول فيه، بأنه ليس إلا عبدا من عبيد الله، ورسولا من رسله؟ ولكنه الشيطان يوحي إلى أوليائه بهذا الضلال!! {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً} 3.ثم إن الله تعالى يقول في توبة آدم:{فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} 4.

1 البخاري: أحاديث الأنبياء 3445 ، وأحمد 1/23 ،1/24.

2 ابن ماجه: الأطعمة 3312.

3 سورة المائدة آية: 41.

4 سورة البقرة آية: 37.

ص: 188

وهذا معناه: أولا: أن أدم تلقى من ربه كلمات ألهمها الله تعالى إياها، فتوجه بها إلى ربه تائباً مستغفراً، فقبل الله توبته، وغفر له خطيئته. وإذن فلم يكن آدم هو الذي عرف طريق التوبة بالنظر إلى العرش، ورؤيته اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكتوبا على العرش، كما يفتري المفترون على الله ورسوله. وثانيا: أن هذه الكلمات التي تلقاها آدم من ربه إلهاما منه سبحانه. وهي تلك الكلمات التي أشار إليها قوله تعالى: {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} 1 فهذه الكلمات التي تلقاها آدم من ربه، وتوجه بها هو وزوجه تائبين إلى الله، هي قولهما:{قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} 2.فأي قول يقال بعد هذا الذي نطق به القرآن الكريم، هو باطل الأباطيل، يرمي به في وجه قائله، ملعونا مدحورا، ثم هذا الحوار الذي يجريه الملحدون بين الله تعالى وبين آدم، هو من واردات الكفر والإلحاد، لا يخرج إلا من رؤس فارغة، لا يقيم بها إلا الشيطان.. إذ كيف يطلع آدم على العرش وعلى ملكوت الله؟ ثم كيف يقرأ ما كتب على العرش؟ وهل كان آدم يعرف القراءة والكتابة؟ وبأي لغة كان يقرأ ويكتب؟ وبأي لغة كان هذا المكتوب على العرش؟ هذا كلام له خبئ معناه ليس لنا عقول، إنه كذب مفضوح، أخرس الله ألسنة المتخرصين به.

1 سورة الأعراف آية: 22-23.

2 سورة الأعراف آية: 23.

ص: 189

ثم يمضي ابن دحلان في هذا الهراء الذي يحتج للتوسل به في ص 10 من رسالته المشئومة تلك، فيقول:"وإلى هذا التوسل أشار الإمام مالك للخليفة المنصور وذلك لما حج المنصور، وزار قبر النبي صلى الله عليه وسلم سأل مالكا وهو بالمسجد النبوي، فقال له: يا أبا عبد الله، أأستقبل القبلة وأدعو؟ أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدعو؟ فقال له الإمام مالك: ولم تصرف وجهك عنه، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله تعالى؟ بل استقبله واستشفع به، فيشفعه الله فيك. قال الله تعالى: {لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً} 1.ثم يذكر ابن دحلان المصادر التي نقل عنها هذا الخبر المنسوب إلى الإمام مالك فيقول: "ذكره.. أي هذا الخبر: القاضي عياض في "الشفا" وساقه بإسناد صحيح، وذكره الإمام السبكي في "شفاء السقام" وذكره السمهودي في "خلاصة الوفا" والعلامة القسطلاني في "المواهب المدنية" إلخ.. ونقول: أنه لو كان لابن دحلان شيء من العلم بدين الله، لما استند إلى هذا الخبر، ولما نقله مستدلا به على جواز الاستشفاع بغير الله تعالى. فهذا الخبر مخالف للشرع والعقل، وتأويل فاسد لكلام الله، وذلك من وجوه: فأولا: أن استقبال القبلة ركن من أركان الإسلام، في صحة فريضة من أعظم الفرائض وهي الصلاة، فلا تصح الصلاة إلا باستقبال القبلة، والتوجه إليها، كما يقول تعالى:{وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ} 2.والصلاة دعاء والدعاء عبادة كالصلاة، وعلى الداعي أن تكون القبلة وجهته في دعائه.. فكيف يعطي الداعي ظهره للقبلة، ويتوجه إلى قبر رسول الله صلى الله عليه

1 سورة النساء آية: 64.

2 سورة البقرة آية: 150.

ص: 190

وسلم؟ أفليس ذلك مخالفا خلافا صريحا لشرع الله؟ ولن يكون من الإمام رضي الله عنه أن يفتى بغير ما شرع الله، فيعدل بالمنصور عن حكم الشرع، ولكن الذين كذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعوا من الأحاديث المكذوبة ما أملته عليهم أهواؤهم، لا يتحرجون من أن يؤلفوا تلك الروايات الكاذبة على غير الرسول الكريم. وثانيا: ما استشهد به ابن دحلان من قوله تعالى {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً} 1.من أن هذه الآية الكريمة تدل على المجيء إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أولئك الذين ظلموا أنفسهم، طالبين أن يستغفر لهم، بعد أن يستغفروا الله -هذا الاستشهاد بتلك الآية الكريمة باطل، وتحريف للكلم عن مواضعه.. فالآية الكريمة في معرض الرد على المنافقين الذين يعرضون عن الاحتكام إلى الله ورسوله، ويتحاكمون إلى الطاغوت، وهم الذين أشارت إليهم الآيات الكريمة: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَاّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَاّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ

1 سورة النساء آية: 64.

ص: 191

وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} 1.فالآية الكريمة من سورة النساء واردة بين آيات هن في معرض الرد على المنافقين الذين يعرضون عن الاحتكام إلى الله ورسوله، ويتحاكمون إلى الطاغوت، وهم أهل الضلال من اليهود وغيرهم من الذين كانوا يحتكمون إلى رسول الله في أمر شدد عليهم فيه دينهم العقاب، ليجدوا عند رسول الله مخرجا مما هم فيه، فإذا وجدوا ذلك رضوا به، واتخذوه لهم حجة عند الله، وذلك هو النفاق حتى مع كتابهم؛ إذ كانوا لا يؤمنون برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يؤمنون بما نزل على رسول الله من عند الله، بل يؤمنون بما يحقق مصالحهم الدنيوية ويكفرون بما عداه، وفي هذا يقول الله تعالى عنهم: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً} 2.وفي هؤلاء الملحدين المنافقين، يقول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ

1 سورة النساء آية: 60-61-62-63-64-65.

2 سورة النساء آية: 150-151.

ص: 192

فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} 1.فهذه الآيات، ومنها الآية المستشهد بها- تواجه اليهود وتفضح نفاقهم وعبثهم بكتب الله، ومنها التوراة التي في أيديهم، ومنها القرآن الكريم الذي فروا إليه من بعض أحكام التوراة التي تضيق صدورهم بها. وفي الآيات بيان من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، وما يكون منه من موقف مع هؤلاء اليهود:{سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} 2.وفي الآية المستشهد بها -كذبا وافتراء- على جواز التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته، وذلك ما جاء في قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً} 3.في هذه الآية الكريمة دعوة إلى هؤلاء اليهود الذين ظلموا أنفسهم بهذا الموقف الخبيث اللئيم الذي يقفونه من كتب الله، وأنهم إذا أحسوا هذا الظلم الذي أوقعوه بأنفسهم، ثم أرادوا التخلص منه، فليس لهم من سبيل إلا الرجوع والإنابة إلى الله وطلب المغفرة منه،

1 سورة المائدة آية: 41-42-43.

2 سورة المائدة آية: 42.

3 سورة النساء آية: 64.

ص: 193

ثم الرجوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم طالبين إليه الصفح عما كان منهم من كيد، سائلين أن يستغفر الله لهم، وإلا فهم وما ارتكبوا من ظلم ومكر بالله، وبرسول الله:{وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَاّ بِأَهْلِهِ} 1.وواضح من هذا أن الآية الكريمة، ليس فيها أي دليل على الاستشفاع برسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما تدل على طلب الصفح منه صلى الله عليه وسلم لأولئك الذين عبثوا بكتب الله، وأرادوا الرسول على أن يحكم بينهم بما في كتابهم، ولم يقبلوه ثم طلبهم الدعاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يغفر الله لهم هذا الذي كان منهم. فالاستغفار من رسول الله صلى الله عليه وسلم هو دعاء منه صلى الله عليه وسلم، يطلب به المغفرة من ربه لهؤلاء النادمين التائبين. وكل مسلم يستغفر ربه لنفسه ولغيره، فيقول: اللهم اغفر لي ولإخواني المؤمنين كما علمنا الله تعالى أن ندعوه بقوله: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} 2.وكما قال الله تعالى على لسان موسى {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} 3.

1 سورة فاطر آية: 43.

2 سورة الحشر آية: 10.

3 سورة القصص آية: 16.

ص: 194

وقد نهى الله تعالى النبي والمسلمين أن يستغفروا للمشركين، فقال تعالى:{مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ} 1.وقد كان فهم أولئك الذين ارتدوا عن الإسلام، ومنعوا الزكاة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم -كان فهم هؤلاء المرتدين- لكتاب الله أصح من فهم ابن دحلان ومن على شاكلته، في تأويلهم للآية الكريمة، هذا التأويل المنحرف الضال. فلقد كان من حجة مانعي الزكاة -وهي حجة داحضة- أن الله تعالى يقول لنبيه الكريم: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} 2.وقد كان من حجتهم في منع الزكاة أنه قد فقد شرط من شروط أدائها، وهو صلاة الرسول عليهم بقوله لمخرج الزكاة ومقدمها له: اللهم صل على فلان. أي اغفر له، وارحمه. أما وقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذن فلا صلاة منه على مخرج الزكاة، وإذن فلا زكاة. فقد فهم هؤلاء المانعون للزكاة أن لا صلاة عليهم من رسول الله بعد موته، وهذا فهم صحيح، ولكن الذي ترتب على هذا الفهم هو غير الصحيح. فالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، هي أركان الدين بعد شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وهي مطهرة وزكاة لمخرجها، أما صلاة الرسول صلوات الله وسلامه عليه بالدعاء وطلب المغفرة لمن يأتيه بها فهي فضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدب النبوة

1 سورة التوبة آية: 113.

2 سورة التوبة آية: 103.

ص: 195

العالية، حيث يشكر لمؤدي الزكاة فعله، ويطيب خاطره بما أخرج من ماله العزيز على النفس.. وفي الحديث "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" ومع هذا، فإنه إذا جاز الاستشفاع برسول الله على الله في حال حياته فإن الاستشفاع به على الله بعد موته هو مهواة إلى الشرك، والعياذ بالله. فما أعظمها فرية، وما أشنعها جريمة، أن ينساق الإنسان وراء هواه، فيحرف الكلم عن مواضعه، ويفتري الكذب على الله، وعلى رسول الله، فيهلك، ويهلك من ينخدع من الناس له!! ولا يكتفي ابن دحلان بهذا الدجل، وتلك الشعوذة فيما ساق من أدلة باطلة على جواز الاستشفاع والتوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالصالحين أحياء وأمواتا. لا يكتفي ابن دحلان بهذه الشعوذات، بل يمضي في غبائه وجهله، فيقول في رسالته ص 11:" واستسقى عمر رضي الله عنه في زمن خلافته بالعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه عم النبي صلى الله عليه وسلم، لما اشتد القحط عام الرمادة، فسقوا " وذلك مذكور في صحيح البخاري، من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه حيث قال عمر " اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا صلى الله عليه وسلم فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا صلى الله عليه وسلم، فاسقنا ". ونقول أن هذا الخبر صحيح، فإن عمر رضي الله عنه استسقى عام الرمادة حيث خرج إلى ظاهر المدينة وقد ساق بين يديه الأنعام، ومن خلفها الشيوخ والنساء والصبيان، وجعل على مقدمة الجميع العباس بن عبد المطلب، أشبه بالإمام في الصلاة تكريما له؛ لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ص: 196

ولو كان عمر يستشفع بالعباس لخرج به وحده، أو لجاءه في بيته مستشفعا به. وهذا الاستسقاء مستحب أن يقوم به المسلمون في حال الجدب، وإمساك المطر، حيث يجتمع الناس صغارا وكبارا، وشيوخاً وشباباً في صلاة للاستسقاء، يجأرون فيها بالدعاء والضراعة إلى الله أن يرحمهم، ويرسل السماء عليهم مدرارا، مقدمين في ذلك من يتوسمون فيه الصلاح والتقوى؛ ليكون إماماً لهم في هذه الصلاة. ثم إنه لو كان يجوز التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته لما عدل عمر ابن الخطاب عن التوسل به ولما استسقى بالعباس عم النبي. وهذا دليل قاطع على أنه لا يجوز التوسل بالأموات من الأنبياء، فضلا عن غيرهم، أما التوسل بالأحياء ممن يظن بهم الخير، فهذا جائز؛ إذ كان الأحياء ممن يستعان بهم في كثير من الأمور الواقعة في مقدورهم من مسائل الحياة الدنيا.. فجاز لهذا أن يطلب منهم الدعاء إلى الله تعالى، وأن ترجى استجابة الله تعالى لما يدعون به لخير العباد. وهذا مما لا يدخل منه شيء على عقيدة المؤمن، وإخلاص عبوديته لله وإفراده سبحانه بالخلق والأمر لا شريك له. ومن مغالطات ابن دحلان المفضوحة. وضلالاته الشنيعة في التوسل بالأموات، قوله في ص: 12: "وإنما استسقى عمر رضي الله عنه بالعباس رضي الله عنه ولم يستسق بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ ليبين للناس جواز الاستسقاء بغير النبي صلى الله عليه وسلم وأن ذلك لا حرج فيه. وأما الاستسقاء بالنبي فكان معلوما لهم، فل ربما بعض الناس يتوهم أنه لا يجوز الاستسقاء بغير النبي، فبين لهم عمر باستسقائه بالعباس الجواز. "ولو استسقى بالنبي صلى الله عليه وسلم لربما فهم بعض الناس أنه لا يجوز الاستسقاء بغيره صلى الله عليه وسلم.

ص: 197

ثم يمضي ابن دحلان في هرائه هذا فيقول في الصفحة ذاتها: "وليس لقائل أن يقول: إنما استسقى -أي عمر- بالعباس؛ لأنه حي، والنبي صلى الله عليه وسلم قد مات، وأن الاستسقاء بغير الحي لا يجوز.. لأنا نقول: إن هذا الوهم باطل ومردود بأدلة كثيرة منها: توسل الصحابة بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، كما تقدم في القصة التي رواها عثمان بن حنيف في الحاجة التي كانت للرجل الأعمى، وكما في حديث بلال بن الحارث، وكما في توسل آدم بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل وجوده.. فكيف لا يعتقد في صحته -أي التوسل- بعد وفاته؟ أما القصة التي رواها عثمان بن حنيف، فهي -كما يقول ابن دحلان-: " أن رجلا ضريرا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله أن يعافيني، فقال: إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت، وهو خير، قال: فادعه.. فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد، نبي الرحمة.. يا محمد، إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى، اللهم شفعه في، فدعا، فأبصر " 1 وفي هذا الخبر الذي يسوقه ابن دحلان، ليقيم منه شاهدا على التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الخبر أكثر من تناقض، يدل على أنه مكذوب: فأولا: أن الرجل عدل عما هو خير وأفضل، حين طلب الدعاء، ولم يرض بالصبر الذي قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم أشار به عليه وهو قوله: إن شئت دعوت لك، وإن شئت صبرت وهو خير. فلو أن الرجل كان على إيمان ويثق بالله وعلى صلاح وتقوى لرضي بالصبر الذي دعاه إليه صلى الله عليه وسلم، فكيف يكون هذا الرجل أهلا لأن يتقبل الله دعاءه والله تعالى يقول:{إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} 2.وهذا دليل على أن الحديث مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

1 الترمذي: الدعوات 3578 ، وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها 1385.

2 سورة المائدة آية: 27.

ص: 198

وثانياً: أنه لو صح هذا الحديث لكان العمل به دواء لكل أعمى من المسلمين؛ إذ ليس فيه ما يدل على أنه خاص بهذا الأعمى، وهذا غير مقبول شرعاً، وعقلاً، وواقعاً. وثالثاً: الشفاعة التي ثبتت للنبي صلى الله عليه وسلم هي شفاعة في الآخرة لعصاة المؤمنين بإذن من ربه سبحانه وتعالى، والله تعالى يقول:{مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَاّ بِإِذْنِهِ} 1 ويقول سبحانه {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} 2.وأما حديث بلال بن الحارث الذي أشار إليه ابن دحلان، فهو قوله: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج إلى الصلاة قال: بسم الله، آمنت بالله، وتوكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك ".. وقد بينا من قبل أن هذا -إن صح- فهو دعاء خالص لله تعالى، وليس توسلا بالسائلين، وإنما بحق السائلين الذي هو لله تعالى وحده، بما أوجب على ذاته الكريمة من إجابة دعوة الداعين المتوجهين إليه سبحانه بالدعاء، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى:{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} 3.وأما توسل آدم بالنبي صلى الله عليه وسلم بأن يقبل الله توبته، ويغسل خطيئته، فقد كشفنا عن بطلانه، وأنه من تخريفات المتصوفة، ومفتريات الباطنية.

1 سورة البقرة آية: 255.

2 سورة النجم آية: 26.

3 سورة غافر آية: 60.

ص: 199

وأما ما يقول ابن دحلان عن توسل عمر بالعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لم يتوسل بالنبي، وأن ذلك كان لنكتة أخرى زيادة على ما تقدم وهي شفقة عمر رضي الله عنه على ضعفاء المؤمنين، فإنه لو استسقى بالنبي صلى الله عليه وسلم لربما تأخرت الإجابة، لأنها معلقة بإرادة الله تعالى.. فلو تأخرت الإجابة ربما تقع وسوسة واضطراب لمن كان ضعيف الإيمان بسبب تأخر الإجابة، بخلاف ما إذا كان التوسل بغير النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لو تأخرت الإجابة لا تحصل تلك الوسوسة ولا ذلك الاضطراب". ونقول إن هذه النكتة من ابن دحلان هي فتح لباب الفتنة على مصراعيه، وذلك بجواز التوسل بأي من الناس ولو كان هناك من هو أفضل منه خوفا من أن يساء الظن به إذا لم يتحقق ما توسل به.. وما كان لعمر رضي الله عنه أن يرى جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته ثم يعدل عنه إلى العباس خوفا من أن تقع اضطرابات في إيمان بعض المؤمنين لو تأخرت الإجابة، والإجابة معلقة في كل حال بإرادة الله سبحانه وتعالى.. فهذا تعليل فاسد من ابن دحلان، يريد به أن يلبس على المسلمين دينهم، وليكون مدخلا له إلى ما يزعمه من جواز التوسل بالأحياء والأموات. وهذا ما يقرره ابن دحلان في قوله بعد هذا في ص: 13 "والحاصل أن مذهب أهل السنة والجماعة صحة التوسل وجوازه بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد مماته، وكذا بغيره من الأنبياء والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وكذا بالأولياء والصالحين.. فلا فرق في التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء والمرسلين، صلوات الله عليهم أجمعين، وكذا بالأولياء والصالحين بين كونهم أحياء وأمواتا". وهذا هو بيت القصيد -كما يقولون- من هذا التلبيس، وذلك الخلط من ابن دحلان.. فإنه لا يعنيه من التوسل إلا أن يقرر جواز التوسل بأصحاب القباب والأضرحة الذين يرى العامة وأشباه العامة من علماء السوء أن تحت كل قبة أو ضريح ولي من أولياء الله.

ص: 200

فابن دحلان لا يحتج بجواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وبإخوانه من الأنبياء والمرسلين، عليهم السلام، أحياء وأمواتا - لا يحتج ابن دحلان بجواز هذا إلا ليصل إلى إنفاذ سهامه المسمومة إلى قلوب المسلمين ليزرع فيها جراثيم الشرك التي اقتلعتها دعوة التوحيد التي دعا إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، تلك الجراثيم التي كانت قد اغتالت مواقع الإيمان من القلوب بالتبرك بأصحاب القبور والتعبد لهم بالنذور، وتقديم القرابين. إن ابن دحلان لا يعنيه من التوسل إلا التوسل بأصحاب القباب، والطواف بأضرحتهم، والتمسح بأركانها، والتضرع والبكاء للمقبورين تحتها.. وذلك ليقف في وجه دعوة التوحيد التي تذهب بمكانته بين العوام، وتقطع موارد كسبه الحرام.

ضلال بعد ضلال:

وإذ يحسب ابن دحلان أنه قد كسب المعركة التي يواجه بها دعوة التوحيد بهذا الدجل، وتلك الشعوذة وبما ساق من نقول فاسدة من كتب المتصوفة والرافضة. وغيرهم - إن ابن دحلان إذ خيل إليه من شعوذته تلك أنه يثبت أركان دولته المنهارة - قد مضى في الشعوذة إلى أبعد غاية حتى غرق، كما غرق فرعون من قبله. وها هو ذا يأتي بنقول من عالم الترهات والأباطيل، ويستملي من خرافات لا يقبلها عقل أي عاقل لم يبلغ حد الجنون والهلوسة - فها هو ذا يأتي بتلك المرويات التي لا تخرج إلا من عالم البله والمجانين. ومن ذلك ما يرويه عن العتبي فيقول:" قال العتبي: كنت جالسا عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابي فقال: "السلام عليكم يا رسول الله.. سمعت الله يقول: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً} 1.

1 سورة النساء آية: 64.

ص: 201

وقد جئتك مستغفرا من ذنبي مستشفعا بك إلى ربي.. ثم بكى وأنشد:

يا خير من دفنت بالبقعاء أعظمه

فطاب من طيبهن القاع والأكم

نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه

فيه العفاف، وفيه الجود والكرم

" قال العتبي: ثم استغفر الأعرابي: وانصرف، فغلبتني عيناي، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال: يا عتبي: الحق الأعرابي، فبشره أن الله غفر له فخرجت خلفه، فلم أجده ". ونحن لا نكذب ابن دحلان فيما نقل، ولكننا نستخف عقله أن ينقل مثل هذا السخف ويقبله شاهدا على جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته. وأنه كفى بهذا الخبر كذبا أن يقول العتبي: إن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه في النوم وهو في المسجد، والأعرابي يدعو ثم ينصرف، فيقول له صلى الله عليه وسلم يا عتبي: الحق الأعرابي فبشره أن الله غفر له، ثم يخرج العتبي، فلا يجد للرجل أثراً.. فكيف يقول النبي صلى الله عليه وسلم للعتبي هذا القول، ولا يعلم أن الأعرابي قد ذهب بعيدا، ولا يمكن أن يبلغه هذا الخبر؟ ونترك الحكم على هذا لمن كان له عقل أو دين. وينقل ابن دحلان فيما ينقل من تلك الأساطير التي تفسد جوهر الإسلام، وتعرضه في هذا المعرض الخرافي، الذي من شأنه أن ينفر الناس من هذا الدين الذي يحمل مثل هذه الخرافات. يقول ابن دحلان: " روى بعض الحفاظ - ولا يسميه - عن أبى سعيد السمعاني، أنه روى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه، أنهم بعد دفنه صلى الله عليه وسلم بثلاثة أيام، جاءهم أعرابي، فرمى بنفسه على القبر الشريف، على صاحبه أفضل الصلاة والسلام،

ص: 202

وحثا ترابه على رأسه، وقال يا رسول الله: قلت فسمعنا قولك، ووعيت عن الله ما وعينا عنك وكان فيما أنزل الله عليك قوله تعالى:{وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً} 1 وقد ظلمت نفسي، وجئتك مستغفرا إلى ربي "فنودي من القبر الشريف: أنه قد غفر لك"!! ونسأل ابن دحلان وقد رحل عن هذه الدنيا - هلا سأل نفسه من نقل عن الأعرابي هذا الذي سمعه من القبر الشريف؟ وهل ذكر الأعرابي هذا لأحد؟ وهل سمع أحد ما سمعه هذا الأعرابي؟ إنها دعوى لا مستند لها ولكل دعي أن يدعي هذه الدعوى! فهل يصح أن تكون مثل هذه الدعوى شاهدا على جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته؟ وهل تكون الخرافات مما يدخل في دين الله ويكون حجة من حججه على الناس؟ ثم ألم يسأل ابن دحلان نفسه: هل أحد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذوي قربته - جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم يسأله فيما وقع لهم من أمور وما كان بينهم من اختلاف في أمر الخلافة التي كانت مثار جدل بين المهاجرين والأنصار؟ وهل رجع أبو بكر رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ عنه الحكم في حرب المرتدين، بعد وفاته صلى الله عليه وسلم؟ ثم هل كان قبر النبي صلى الله عليه وسلم مفزعا للمسلمين في الأحداث المزلزلة الدامية في عصر الصحابة والتابعين ومن بعدهم؟ ولا نريد جوابا، فلسان الحال أفصح من كل لسان! أما الآية الكريمة التي يتخذ منها ابن دحلان ومن على شاكلته من دعاة الضلال شاهدا على جواز التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم والفزع إليه في النائبات - فقد كشفنا عن وجه الحق منها، وأنها بيان من الله تعالى لرسوله الكريم عن الموقف الذي يقفه من المنافقين من اليهود.

1 سورة النساء آية: 64.

ص: 203

ومن متقولات ابن دحلان الخرافية ما جاء في ص 26 من رسالته. يقول ابن دحلان: " وقف أعرابي - هكذا لا يكون الواقف إلا أعرابيا مجهولا - على قبره الشريف صلى الله عليه وسلم وقال: اللهم إنك أمرت بعتق العبيد، وهذا حبيبك، وأنا عبدك فأعتقني من النار على قبر حبيبك " فهتف به هاتف: يا هذا، تسأل العتق لك وحدك؟ هلا سألت العتق لجميع المؤمنين؟ اذهب فقد أعتقتك!! وهذا كذب صراح على الله، لا يقول هذا مؤمن بالله، وبما له سبحانه من جلال وتقديس، فمن هو هذا الهاتف الذي هتف بهذا الأعرابي؟ وإذا كان الهاتف هو الله تعالى، كما تقول هذه الخرافة - " اذهب فقد أعتقتك " فكيف ينكر الله تعالى على هذا الأعرابي أن يطلب العتق لنفسه، ولا يطلبه لجميع المؤمنين؟ وكان منطق هذا الإنكار أحد الأمرين: إما أن يعتق الله جميع المؤمنين، وإما أن يحرم الأعرابي هذا العتق!! ثم كيف يكلم الله تعالى هذا الإنسان؟ إن الله تعالى لم يكلم أحدا من أنبيائه ورسله، غير موسى عليه السلام كما يقول تعالى:{وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} 1.فهذه ثلاث صور من صور اتصال الله تعالى بالبشر: الوحي، بمعنى الإلهام كما ألهم الله تعالى أم موسى، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي

1 سورة الشورى آية: 51.

ص: 204

وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} 1.والصورة الثانية، كلام الله تعالى لمن يكلمه، وذلك من وراء الحجاب، كما كلم الله تعالى موسى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً} 2 والصورة الثالثة، أن يرسل الله تعالى رسولا، أي ملكا، وهو جبريل عليه السلام، فيوحي إلى الرسل بما يأذن الله تعالى به. وهذا الأعرابي - كما تقول الأسطورة التي يرويها ابن دحلان - ليس نبيا، ولا رسولا، فكيف يخاطبه الله تعالى ويهتف به، اذهب فقد أعتقتك؟ !! ولو قيل:" اذهب فقد أعتقت "، لكان لهذا الكلام محملا من محامل التأويل، أما أن يقال له: اذهب فقد أعتقتك، فهذا صريح بأن هذا خطاب من الله لهذا الأعرابي!! إن هذا الكلام لا يمكن أن يصدر إلا من عالم المتصوفة القائلين بوحدة الوجود فلا رب ولا مربوب، ولا معبود، ولا عبيد.. بل الكل عبد، والكل رب، كما يقول شيخهم ابن عربي:

فأنت عبد وأنت رب

لمن له أنت فيه عبد؟

وأنت رب وأنت عبد

لمن له في الخطاب عهد!!

فإن كان ابن دحلان من القائلين بوحدة الوجود، أو كان من الحلوليين، فلا حديث لنا معه، بل نقول له:{لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} 3.

1 سورة القصص آية: 7.

2 سورة النساء آية: 164.

3 سورة الكافرون آية: 6.

ص: 205

وإذن، فلا يصح من ابن دحلان قول في الإسلام، ولا ينبغي أن يكون له موقف من الداعين إلى الإسلام الحنيف المبرأ من ضلالات الحلول، ووحدة الوجود. ولكن الرجل يأبى إلا أن يتصدى لدعوة الدين الحنيف متزييا بزي الغيورين عليه المنافحين عن حماه.. ومن قبل ومن بعد فعل كثير من أعداء الإسلام هذا، فدخلوا في الإسلام، وأظهروا الورع والنسك، حتى انخدع بهم الناس، فساقوهم إلى الضلال، ووردوا بهم موارد الكفر كما فعل عبد الله بن سبأ، اليهودي الذي قاد الفتنة على عثمان رضي الله عنه ثم كان من المقاتلين مع علي رضي الله عنه ومن الذين فتنوا كثيرا من المسلمين بادعاء الألوهية لعلي، والتي لا تزال تسيطر على عقول كثير ممن ينتسبون إلى الإسلام. ومن هنا كان موقفنا من ابن دحلان، ومن هذا الضلال الذي خلفه وراءه حتى لا يفتن به من يطلع عليه.

موقف ابن دحلان من دعوة التوحيد:

والذي حمل ابن دحلان على هذا الضلال الذي غرق فيه هو حقده على الإمام محمد بن عبد الوهاب، وما يدعو إليه من توحيد الله، وترك الأعمال الشركية التي كان عليها الناس يومئذ. وإذ ينظر ابن دحلان هناك وهنا ليجد من يذهب مذهب الضال من دعوة التوحيد، لا يقف عند كتاب الله أو سنة رسوله، بل إنه إذا جاء بآية كريمة تأولها تأويلا فاسدا، أو فعل حديثا جاء به من الأحاديث الموضوعة أو الضعيفة.. ولهذا فإنه يستدعي لنصرة مذهبه الضال كل ضال مثله، ويجعل من هذا شاهدا على بطلان الدعوة التي يدعو إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

ص: 206

ولو أن ابن دحلان كان يؤمن بما يقول، لما التفت إلى غيره من هؤلاء الذين يستدعيهم للدخول معه في هذه الحرب التي يعلنها على دعوة التوحيد؛ لأن صاحب الحق في قوة من الحق لا تغلب أبدا. يقول ابن دحلان في ص 52 من رسالته:" فممن ألف في الرد عليه أي على الشيخ محمد بن عبد الوهاب - وسأله عن بعض المسائل، فعجز " العلامة الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن عفالق " فإنه ألف كتابا جليلا سماه: " تهكم المقلدين بمن ادعى تجديد الدين " ورد عليه - أي على ابن عبد الوهاب في كل مسألة من المسائل التي ابتدعها بأبلغ رد، ثم سأله عن أشياء تتعلق بالعلوم الشرعية والأدبية فعجز عن الجواب عن أقلها، فضلا عن أجلها. ثم يسوق ابن دحلان صورة من تلك الصور التي كانت من مواقف ابن عفالق مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فيقول: " فمن جملة ما سأله عنه، قوله:" أسألك عن قوله تعالى: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً فَالْمُورِيَاتِ قَدْحا ً} 1 إلى آخر السورة، التي هي من قصار المفصل: كم فيها من حقيقة شرعية وحقيقة لغوية، وحقيقة عرفية؟ "وكم فيها من مجاز مرسل، ومجاز مركب، واستعارة حقيقية، واستعارة وفاقية، واستعارة تبعية، واستعارة مطلقة، واستعارة مجردة، واستعارة مرشحة؟ "وأين الوضع، والترشيح، والتجريد، والاستعارة بالكناية، والاستعارة التخيلية؟ "وكم فيها من التشبيه الملفوف، والمفروق. والمفرد، والمركب"؟ "وما فيها من المجمل والمفصل"؟ "وما فيها من الإيجاز والإطناب، والمساواة؟ " وما فيها من الإسناد الحقيقي، والإسناد المجازي المسمى بالمجاز الحكمي والعقلي.. إلخ.. إلخ - فلم يقدر محمد بن عبد الوهاب على الجواب عن شيء مما سأله عنه "!!

1 سورة العاديات آية: 1-2.

ص: 207

هذه هي الأسئلة وما على شاكلتها التي وجهها ابن عفالق إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب ليحاجه بها دين الله، وفي دعوة التوحيد التي يدعو إليها وذلك مما يرويه ابن دحلان في رسالته: ونسأل: أفي هذه الأسئلة سؤال واحد يفرق بين الشرك الذي يحاربه الشيخ محمد بن عبد الوهاب ويحذر الناس منه وبين التوحيد الذي يدعوهم إليه ويلبسهم لباس الإيمان به؟. ولماذا يعدل ابن عفالق عن الطريق الواضح في تلك المعركة القائمة بين الشرك والتوحيد، ليرد على الشيخ محمد بن عبد الوهاب دعوته من كتاب الله وسنة رسوله ويدخل في سوق السفسطة البعيدة عن ميدان المعركة؟ أليس ذلك دليلا على أنه لا يجد بين يديه السلاح الذي يواجه به دعوة التوحيد فدخل في هذه المعركة التي أسلحتها هذه الألغاز وتلك المعميات من واردات الجدل العقيم الذي لا يفيد في دنيا أو دين؟ ونسأل: هل كانت هذه الدراسات الرياضية والفلسفة الكلامية مما يمكن العقل السليم من فهم كتاب الله، وسنة رسول الله، أم هي مصائد للعقول وشباك للمدارك وشغل بالقشور عن اللباب؟ وهل عرف أحد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو التابعين ومن بعدهم من أئمة الفقه لدين الله - هل عرف أحد منهم شيئا من هذه السفسطات التي دخلت على العقل العربي، فأفسدت الذوق العربي للغة العربية؟ وهل كان إذا سئل أبو بكر أو عمر رضي الله عنهما عن شيء من هذا العبث أكان يعرف له جوابا؟ ثم أيتهم أبو بكر وعمر إذا عجزا عن الإجابة على تلك الأسئلة أيتهمان بأنهما لا يعرفان دين الله ولا يفهمان ما في كتاب الله، أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

ص: 208

وابن عفالق هذا الذي يعجب بنفسه، ويعجب به ابن دحلان، ويتخذه مصدرا من مصادر علمه الذي يواجه به دعوة التوحيد - ابن عفالق هذا لم يسأل الشيخ محمد بن عبد الوهاب أي سؤال عما في السورة الكريمة من مجاني الحق ومطالع الهدى، التي تحملها في آياتها وكلماتها مما يزكي المؤمن، ويوثق صلته بربه، ويكشف له الطريق إلى الأعمال الصالحة التي يؤدي بها حق الله وحق نفسه وحق المؤمنين. فلو أن ابن عفالق سأل الشيخ ابن عبد الوهاب عن معنى آية أو آيات من هذه السورة الكريمة مثل قوله تعالى:{إِنَّ الأِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} 1 لجاءه الجواب محملا بعلم غزير وفهم دقيق لما تحمل كلمات الله من حق وخير لمن استمع إليها، وتدبر معانيها، واستقام على هديها، إن مثل هذه الأسئلة التي أوردها ابن عفالق وأمثالها هي مما أبعد المسلمين عن دينهم حيث شغلوا بهذه السفسطة وذلك الجدل عما ينفعهم في دينهم أو دنياهم تماماً، كما شغلوا بالأحجبة والأوردة بالكلمات الأعجمية عن تلاوة كتاب الله وتدبر آياته والعمل بأحكامه، فأصابهم ما أصابهم من مرض في القلوب وجدب في العقول حتى أصبحوا مرعى لآفات الشرك التي أجلب عليهم بها علماء السوء، والتي جاء الشيخ بن عبد الوهاب بدعوته التي تحمل الدواء لهم من تلك الأدواء المهلكة، ومن قبل قام المعتزلة بهذا الجدل العقيم حول ذات الله وصفاته وحول الإرادة والقهر والتخيير والتسيير وما إلى ذلك مما ولده الجدل والسفسطة، وكان من هذا البلاء أن تفرقت الأمة شيعا ومذاهب يقاتل بعضها بعضا ويكفر بعضها بعضا حتى لقد صدق فيهم قول الشاعر:

كنا أناسا على دين ففرقنا

مضغ الكلام وخلط الجد باللعب

1 سورة آية: 6.

ص: 209

فلا عجب أن يعود الدين غريبا كما بدأ، مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم " بدأ الدين غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء، قالوا: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس "1.لا عجب أن يعود الإسلام غريبا، ونحن نرى أمثال هؤلاء العلماء الجهلاء الأدعياء يقومون على رؤس الناس بهذا اللغو من الكلام، وتلك السفسطة من القول، ثم يلبسون ذلك ثوب الدين، ويطعمون العامة منه: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} 2 إن هؤلاء العلماء يدخلون على العامة باسم الدين من باب الدجل والشعوذة، قائلين لهم عن هذه الشعوذات إن هذا من علم الباطن، الذي لا يعرفه إلا أولياء الله من شيوخ المتصوفة، ومن يجري مجراهم في خداع الناس بتلك الشعوذات التي يخيل للعامة منها أنها تحمل أسراراً ربانية، وعلوما علوية من رددها على لسانه كذا ألف مرة في اليوم، فتح الله عليه، وأشرقت عليه أنوار الحق، وكشف عنه الحجاب.. وإنهم ليقولون إفكاً من القول وزوراً، فما يجد هؤلاء المخدوعون بهذا البهتان إلا الحسرة والندامة، وسوء المنقلب، وخسران الدنيا والآخرة جميعا:{وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَاّ غُرُوراً} 3 ولكن الله تعالى بالغ أمره، ومحقق وعده، وناصر جنده، ومهيئ لهذه الأمة من أمرها رشدا، حيث لا يغيب من أفقها أبدا دعاة يدعون إلى الله ويكشفون ما يدخل على المسلمين من آفات وعلل حتى تعود إليها الصحة والعافية، وإذا هي على هذا الوصف الكريم الذي أضفاه الله الرحمن الرحيم رب العالمين عليها في قوله تعالى:

1 الترمذي: الإيمان 2629 ، وابن ماجه: الفتن 3988 ، وأحمد 1/398 ، والدارمي: الرقاق 2755.

2 سورة آل عمران آية: 75.

3 سورة آية: 119-120.

ص: 210

{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} 1.وها هي دعوة التوحيد التي يطلع بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقد تداعت آفات الشرك على المسلمين، حتى كادت تذهب بدينهم، وإذا هذه الدعوة المباركة تعيد المسلمين إلى الإسلام الحنيف، وإذا أنواره العلوية الساطعة تأتي على الشرك وأهله، وإذا الإيمان الحق يعمر القلوب، ويشرح الصدور، وإذا المسلمون على طريق مستقيم لقيادة ركب الإنسانية إلى الإيمان والخير والفلاح: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُور ِ} 2 صدق الله العظيم.

1 سورة آل عمران آية: 110.

2 سورة الحج آية: 41.

ص: 211

ثالثا: رسالة السيامي

وهذه الرسالة واحدة من تلك الرسائل التي اتخذها أصحابها سلاحا يحاربون به دعوة الحق ويقفون بها في وجه دين الله أن يدخل العقول المظلمة، فيشرق فيها بأنواره، ويخالط القلوب المريضة، فيذهب بأسقامها - وهؤلاء هم من الذين قال الله تعالى فيهم. {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} 1.وقال فيهم سبحانه:{إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} 2.ومؤلف هذه الرسالة من أهل سيام، ومن مدعي العلم في هذا الوطن الإسلامي. وقد جعل عنوان رسالته هكذا: " رسالة السنيين في الرد على المبتدعين الوهابيين أو المتوهبين.. والمسماة بنور اليقين في مبحث التلقين ".

1 سورة المجادلة آية: 5-6.

2 سورة المجادلة آية: 20.

ص: 212

هذا هو عنوان الرسالة، الذي يشبه إعلانا من إعلانات الصحف لسلعة رديئة يريد لها صاحبها الرواج فينشر عنها إعلانا مطولا، يتحدث فيه عن مزاياها، ويكشف عن منافعها، والبضاعة الجيدة لا تحتاج أبدا إلى إعلان، ولو أعلن عنها لكان ذلك بمجرد كلمة أو كلمتين. أما مؤلف هذه الرسالة، فقد نشر تحت العنوان الطويل عنوانا آخر هو إعلان عن نفسه مثل الإعلان عن البضاعة الرديئة البائرة.. وهو " لحضرة العلامة الورع التقي، والمحقق الذكي الألمعي، صاحب الفضيلة الشيخ مصطفى الكريمي، ابن الشيخ مصطفى السيامي ". ثم بعد هذا الإعلان عن عنوان الرسالة وعن مؤلفها يجيء إعلان ثالث عن محتوى الرسالة ومضمونها، وهذا الإعلان هو:" وفيها جواز التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم، والقيام عند ذكر مولده الشريف للإجلال والتعظيم، وأن ذلك من الدين".. ثم بعد هذا تنويه آخر بعلوم صاحب الرسالة، وهو:" نفع الله بعلومه المسلمين، آمين ". كل هذا اللغو كان عنوانا لهذه الرسالة.. وهو يشغل صفحة كاملة في حين أن المعتاد في عناوين الكتب والرسائل لا يجاوز بضع كلمات عن اسم الكتاب، أو الرسالة، ثم اسم المؤلف. أما الشيخ السيامي فقد جعل عنوان رسالته قصيدة من الشعر العقيم في الكشف عن رسالته، والتقريظ لمؤلفها. وأول ما يطالعنا من عنوان الرسالة، هو اسم هذه الرسالة، وهو أنها " رسالة السنيين في الرد على المبتدعين الوهابيين أو المتوهبين " فهذا المقطع من اسم الرسالة، يحمل ادعاء

ص: 213

عريضا باطلا من صاحب الرسالة حيث جعل نفسه لسانا ناطقا عن أهل السنة جميعا، وهو بهذا الادعاء كاذب مفتر؛ إذ مَنْ مِنَ السنيين أعطاه توكيلا ليتكلم باسمه، ويعبر عن رأيه؟ وهل إذا أخذ هذا الدعي بما نطق به من زور، وبهتان، وحمق، وجهل - أيكون هذا الجرم الذي وقع فيه محمولا على أهل السنة جميعا؟ وهل يحمل هو أو يحتمل وحده تبعة هذا الجرم؟ ثم إن هذا السيامي، يضفي على رسالته هذا الوصف فيقول:" والمسماة بنور اليقين " ونقول لا بأس أن يلبس رسالته ما شاء من مسميات، فإن الأسماء والأوصاف لا تشترى. أما ما أضفاه المؤلف على نفسه من ألقاب وأوصاف، فهو مما يدخله مدخل الحساب الشديد من الله؛ إذ أتى أمرا منهيا عنه، وهو تزكية نفسه بالعلامة، الورع، التقي، والمحقق الذكي الألمعي، صاحب الفضيلة". والله تعالى يقول:{هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} 1 ويقول سبحانه منكرا على هؤلاء الذين يتألون على الله، ويقولون عن أنفسهم: إنهم أهل القرب من الله وأصحاب الدرجات العليا عنده، وإنهم أهل العلم والكشف والولاية - يقول سبحانه فيهم:{لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُبِيناً} 2.-

1 سورة النجم آية: 32.

2 سورة آية: 49-50.

ص: 214

ولا يكتفي الشيخ السيامي بهذا الإعلان عن نفسه بخط يده، واصفا نفسه بتلك الأوصاف وبأنه صاحب الحضرة، والعلامة الورع التقي، الخ هذه المدعيات. لا يكتفي الشيخ بهذا، بل إنه ليطوف على أهله في وطنه سيام، فيستجدي منهم التقريظ له والتنويه برسالته، وما أودعه فيها من ذخائر العلم.. ثم يجمع حصيلة هذا كله، بما أراق من دمه في الاستجداء، والإلحاف في الاستجداء - يجمع هذا في أوراق، ثم يلحقها بالرسالة، كشهادة له من العلماء الذين يؤخذ عنهم، ويستمع إليهم وما هم في حقيقة أمرهم إلا على شاكلة هذا الشيخ في الغباء والتلهف على الشهرة، بوضع شهاداتهم وأسمائهم في رسالة مطبوعة منشورة إذا وقعت ليد أحدهم، طار بها في فرح وجنون، ينادي في الناس: هاؤم اقرءوا كتابيه. لقد أصبحت علما يشار إليه في الكتب والرسائل. وهذا الذي أضافه الشيخ السيامي من تزكيات وتقاريظ، هو أكبر حجما من الرسالة ذاتها، وبعضها مترجم إلى العربية، وبعضها باللغة السيامية. ولعل هذه التزكيات، وتلك التقاريظ هي الدافع الأول للشيخ السيامي على نشر رسالته تلك، حاملة هذه الشهادات التي استشهد الناس عليها وألح عليهم بها؛ وذلك ليدلل بها على فضله، وعلمه وكثرة المتعلقين به، أما الرسالة ذاتها، في بضاعة خسيسة بائرة ليس فيها ما يستحق النظر إليه، إلا إذا كان ذلك على طريق اللهو والاستخفاف، أو التحذير من تلك البضاعة أن يخدع أحد بها.

محتوى الرسالة:

ومحتوى رسالة الشيخ السيامي - إن صح أن لها محتوى - يتضمن اعتراضين يعترض بهما على دعوة الموحدين وهما: تلقين الميت، ثم التوسل.

تلقين الميت:

أما تلقين الميت، الذي هو بدعة عند الموحدين فلم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا في زمن الصحابة والتابعين، وإنما هو وافد شرك وضلال من الوثنيين

ص: 215

وعبادتهم الموتى، وحمل الطعام معهم إلى القبور التي تبنى عليهم، كما كان يفعل قدماء المصريين بموتاهم، وحمل أدواتهم وأمتعتهم معهم حيث يقبرون.. ولا زالت بعض آثار هذا عالقة بأذهان كثير من العوام في مصر، أما هذا التلقين للميت الذي هو بدعة في دين الله، فقد جعله المبتدعون سنة وشريعة في دين الله!! والذين ينكرون على الموحدين تبديع التلقين للميت، يستندون إلى أحاديث موضوعة أو ضعيفة، ثم يترخصون في الأخذ بها؛ لأنها من فضائل الأعمال، التي تجيز العمل بالأحاديث الضعيفة، بل وتجيز وضع مثل هذه الأحاديث؛ لأنها في فهمهم المريض تغري الناس بالأعمال الصالحة، ولهذا اتسع هذا الباب الذي دخل فيه الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوى أن الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس كذبا، إذا كان ذلك مما يحمل المسلم على فعل الخير، ولهؤلاء الذين يبيحون هذا الكذب على رسوله حجة شيطانية يحتجون بها؛ إذ يقولون:"نحن لا نكذب على رسول الله وإنما نكذب له". فيا سبحان الله!! أيكون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم على أي صورة - مباحا ومشروعا؟ فأي ضلال هذا؟ وأي جهل بدين الله، وأي تنقص لرسول الله؟ أيحتاج دين الله إلى من يكمله بالكذب والافتراء؟ وهل يدخل الكذب في عمل ثم يخرج هذا العمل سليما صالحا؟ إن الكذب هو الكذب في شؤمه وما يجره على صاحبه من بلاء.. وقد لعن الله الكاذبين في كتابه، فقال سبحانه:

ص: 216

{فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} 1.ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويكذب حتى يكتب عند الله كذابا " 2. وفي البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تكذبوا علي، فمن كذب علي يلج النار "3.والكذب لرسول الله أشنع من الكذب عليه؛ لأن من يكذب على رسول الله يعلم أنه يأتي منكرا، أما الذي يكذب لرسول الله فهو عند نفسه أنه يتقرب إلى الله وإلى رسوله بالكذب، فيقدم على هذا الكذب متعبدا لله به، فما أشنعها عبادة، وما أشقى العابد بها أن تكون من واردات الكذب، وهل يجد الشيطان باب ضلال يفتحه لأوليائه أضل وأشنع من هذا الباب؟ ونعود إلى ما يحتج به الشيخ السيامي لتلقين الميت.. يقول الشيخ السيامي: "اعلموا أيها الأحباب، وفقكم الله لطاعته، أن تلقين الميت البالغ بعد تمام الدفن مستحب، باتفاق علماء هذه الأمة على سنيته.. وبقوله تعالى:{ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} 4.وأحوج ما يكون العبد في التذكير في هذه الحالة، ولحديث رواه الطبراني في الكبير

1 سورة آل عمران آية: 61.

2 البخاري: الأدب 6094 ، ومسلم: البر والصلة والآداب 2607 ، والترمذي: البر والصلة 1971 ، وأبو داود: الأدب 4989 ، وابن ماجه: المقدمة 46 ، وأحمد 1/384 ،1/432 ، والدارمي: الرقاق 2715.

3 البخاري: العلم 106 ، ومسلم: مقدمة 1 ، والترمذي: العلم 2660 ، وابن ماجه: المقدمة 31 ، وأحمد 1/83 ،1/123 ،1/150.

4 سورة الذاريات آية: 55.

ص: 217

مرفوعا، في كتاب الدعاء وابن منده في كتاب الروح عن أبي أمامة، بلفظ:"إذا مات أحد من إخوانكم، فسويتم التراب على قبره، فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة، فإنه - أي الميت - يستوي قاعدا ثم يقول - أي الملقن -: يا فلان ابن فلانة فإنه يقول - أي الميت: أرشدنا يرحمك الله، ولكن لا تشعرون فليقل -أي الملقن-: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وبالقرآن إماما" - فإن منكرا ونكيرا يأخذ كل منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا ما يقعدنا عند من لقن حجته". هذا ما يسوقه الشيخ السيامي على جواز تلقين الميت، وأنه مستحب باتفاق علماء هذه الأمة على سنيته.. وإذا تجاوزنا عن الأخطاء اللغوية، وآداب الدعاء في هذه الكلمات القليلة التي سطرها الشيخ السيامي، مثل قوله: "أحوج ما يكون العبد في التذكير؛ في هذه الحالة" والصحيح أن يقال: "وأحوج ما يكون العبد إلى التذكير، لأنه لا يقال في لغة العرب، يحتاج في كذا، وإنما يقال: يحتاج المرء إلى كذا. وكذلك دعاؤه بقوله: اعلموا أيها الأحباب وفقكم الله لطاعته".. ولا يدعو لنفسه بالتوفيق - وكأنه يرى من نفسه أنه موفق، ولا يحتاج إلى توفيق الله تعالى له. وكيف يحتاج هو إلى هذا؟ أيسوي بينه وبين عامة الناس وهو الورع التقي، والمحقق الذكي الألمعي، صاحب الفضيلة؟ إنه عند نفسه في غنى عن توفيق الله. وندع هذا إلى موضوع التلقين للميت، وما يستدل به على جوازه. فأولا: أنه يستشهد بالآية الكريمة: {ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} 1 على أنها واردة في تلقين الميت وتذكيره بالحجة التي يقدمها بين يدي منكر ونكير عند سؤالهما إياه في القبر عن ربه، وعن دينه، وعن رسوله.

1 سورة الذاريات آية: 55.

ص: 218

والآية الكريمة لا شأن لها من بعيد أو قريب بتلقين الميت وتذكيره، وإنما هي تذكير من رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس بما يتلو عليهم من آيات الله، وما تحمل هذه الآيات من هدى ونور لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وقد سمى الله تعالى القرآن الكريم ذكرا، فقال سبحانه:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} 1.وقال جل شأنه: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} 2.وقال تعالى على لسان المشركين: {وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} 3.وقد أمر الله تعالى نبيه الكريم أن يذكر بهذا القرآن الأحياء لا الأموات فقال تعالى: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} 4.وقال سبحانه: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِر ٍ} 5.

1 سورة فصلت آية: 41.

2 سورة ص آية: 1-2-3.

3 سورة الحجر آية: 6.

4 سورة ق آية: 45.

5 سورة الغاشية آية: 21-22.

ص: 219

وذلك إلى كثير من آيات الله لتذكير المؤمنين بالذكر الحكيم. فهذا التذكير بالقرآن الكريم، وما يتلى على الناس من آياته، ينقل الكافر من الكفر إلى الإيمان، والضال من الضلال إلى الهدى، ثم يكون من وراء هذا الانتقال العمل بما يقضي به الإيمان وما يدعو إليه من هدى. أما الميت فقد ختم على عمله بعد موته، من إيمان أو كفر، ومن إحسان أو إساءة، فلا تنفعه الذكرى إن لم يكن قد انتفع بها في حياته. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن ما يدعيه الشيخ السيامي من إجماع علماء هذه الأمة على جواز تلقين الميت وأن هذا من السنة، فإن ذلك ينقضه ما ينقله الشيخ السيامي نفسه في ص15 من رسالته، من كتاب "تحفة الحبيب على شرح الخطيب" للسيوطي؛ إذ يقول السيوطي:"ولم يثبت في التلقين حديث صحيح، أو حسن، بل ضعيف، وهو الذي رواه الطبراني، وهو باتفاق المحدثين - أي على ضعف هذا الحديث 1.ثم يقول السيوطي معقباً على هذا: "ولهذا ذهب جمهور الأمة إلى أن التلقين بدعة، وآخر من أفتى بأنه بدعة العز بن عبد السلام.. وإنما استحسنه ابن الصلاح وتبعه النووي نظرا إلى أن الحديث غير الصحيح يعمل به في فضائل الأعمال".

1 وهذا الحديث الذي اتفق أهل الحديث على ضعفه هو الذي رواه الطبراني والذي ساقه الشيخ السيامي، مستشهدا به على جواز التلقين، وأنه من السنة!!.

ص: 220

وقد بينا من قبل أن هذا مما يفتح باب الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويوقع المسلمين في أمر مريج من دينهم فيكثر الكذب على رسول الله، حيث يباح لكل من يرى أي عمل يظنه صالحا أن يتقول على رسول الله به، ويدخله في دين الله، وقد يكون من أشنع البدع. وهذا مما عمل على انتشار البدع وذيوعها بين المسلمين، حيث تدخل عليهم البدعة باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله منها ومن قائلها بريء. وفي الأحاديث الضعيفة التي أخذت مكانها من سنة رسول الله، باعتبار أنها من فضائل الأعمال، ولهذا يجوز أن تضاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث الضعيفة التي تفيض بها بعض كتب التفسير فتنة للمسلمين وتغريراً بهم، مثل: من قرأ آية كذا أو سورة كذا مرة أو مرات استغفر له سبعون ألف ملك، وغفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر. إن مثل هذه الأحاديث تغري كثيرا من المسلمين على اقتحام الحرمات، وإتيان المنكرات، والتفريط في العبادات، وبحسب المسلم بعد هذا أن يقرأ آيه أو آيات مخصوصة من كتاب الله، وإذا هو من أقرب المقربين إلى الله فهل هناك فتنة أعظم من هذه الفتنة؟ وهل هناك بلاء أشد من هذا البلاء؟ لقد عزل هذا الكيد لدين الله كثيرا من المسلمين، وبخاصة في عالم المتصوفة عن العمل للدنيا أو الآخرة، وبحسب الواحد منهم أن يقرأ آية أو وردا فيأتيه رزقه رغدا من كل مكان، ولا عليه بعد هذا أن يأكل أموال الناس بالباطل، وأن يأتي كل منكر، ويرتكب كل فاحشة، وهو متحصن بما يتمتم به من كلمات!! وهل أصيب المسلمون بما أصيبوا به من جهل وفقر وضعف إلا من مثل هذه البدع الضالة التي عششت في رءوسهم، فقادهم الشيطان إلى هذا البلاء العظيم؟

ص: 221

إن هذا الحديث الضعيف الذي ساقه الشيخ السيامي نقلا عن الطبراني، في جواز تلقين الميت بعد دفنه، لا يقبل دينا أو عقلا وذلك: أولا: ما جاء في هذا الحديث الضعيف من أن منكرا ونكيرا إذا سمعا ما لقن به الميت تركاه من غير سؤال وأخذ كل منهما بيد صاحبه وقالا: "ما يقعدنا عند من لقن حجته" - فهذا يعارض معارضة صريحة ما جاء في الحديث الصحيح: " إذا مات الميت انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به " 1 وهذه الأمور الثلاثة هي من عمل الميت قبل أن يموت، وقد بقيت آثارها بعده، كما يقول تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} 2.فهذه الأمور الثلاثة من الآثار الصالحة التي خلفها الميت وراءه، وهي مما يشير إليه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: " من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص من أوزارهم شيء " 3.فكيف يكون تلقين الميت من الأعمال التي ينتفع بها بعد موته؟ وكيف تقيم له حجة في ترك مساءلته؟ إن ذلك إن يكن لتساوي المؤمن والفاسق، والصالح والطالح، وهذا ما لا يكون في عدل الله تعالى، أبدا. ثم إن هذا التلقين للميت لو كان من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمله ولتعلمه الصحابة منه، ولكان عملا متواترا، يلتزمه المسلمون في تلقين موتاهم، ولما وقع فيه خلاف، بل ولما احتاج إلى بيان من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم هذه التمثيلية التي يجريها الميت في قبره، فيقوم، ثم يطلب الإرشاد من ملقنيه، ثم انصراف الملكين عنه من غير سؤال، كل هذا غيب لا يطلع عليه أحد، ولا يمكن أن يكشف عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كان يلقن الميت، ثم يدعو المسلمين أن يفعلوا مثل ما فعل. وإذن فتلقين الميت بدعة من البدع الحادثة في الإسلام.

1 مسلم: الوصية 1631 ، والترمذي: الأحكام 1376 ، والنسائي: الوصايا 3651 ، وأبو داود: الوصايا 2880 ، وأحمد 2/372 ، والدارمي: المقدمة 559.

2 سورة يس آية: 12.

3 مسلم: الزكاة 1017 ، والترمذي: العلم 2675 ، والنسائي: الزكاة 2554 ، وابن ماجه: المقدمة 203 ، وأحمد 4/357 ، والدارمي: المقدمة 512 ،514.

ص: 222

وإذن فإنكار الموحدين، ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى القضاء عليها وطمس وجهها المنكر هو حماية للتوحيد، ودفاع عن دين الله، وقطع لألسنة المبتدعين الذين يعترضون على تلك الدعوة، وأخذ الطريق على أولئك المشعوذين الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، من طريق تلقين الميت الذي يتخذونه حرفة لهم، كما نرى ذلك من أولئك الذين يلقنون الموتى، وهم لا يعرفون شيئاً من دين الله، وكل محصولهم من العلم هو تلك الكلمات التي حفظوها من غير فهم، فإذا ورد عليهم ميت جاءوا إليه وأخذوا من أهل الميت ما يملئون به جيوبهم.

ثانيا: التوسل:

والموضوع الثاني، الذي حملته رسالة الشيخ السيامي، هو معارضة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فيما يدعو إليه من أن التوسل بغير الله بدعة. وقد تحدثنا عن هذا فيما جاء في رسالة ابن دحلان عن جواز التوسل وأبطلنا كل مدعياته الباطلة، ونقوله الفاسدة.. وقد كان في هذا ما يغنينا عن الرد على ما جاء في رسالة الشيخ السيامي عن جواز التوسل بالأحياء والأموات، ولكن لا بأس من أن نقف وقفة قصيرة هنا، نفضح بها مقولة السيامي في جواز التوسل بالأحياء والأموات والقيام عند ذكر ولادة النبي صلى الله عليه وسلم ففي هذا بلاغ لقوم يؤمنون. يقول الشيخ السيامي في ص20 من رسالته: "اعلموا أيها الأحباب، وفقكم الله تعالى 1، أن أغلب هذه الطائفة - يقصد طائفة الموحدين - المنكرين للتلقين ينكرون على المقلدين للأئمة الأربعة التوسل بالأنبياء والأولياء والصالحين، وزيارة القبور والقيام عند ذكر ولادة النبي صلى الله عليه وسلم بمجرد الشبه الباطلة، والدعاوى العاطلة، وقالوا: إن القيام - أي عند ذكر ميلاد النبي

1 ولقد أخذ الله تعالى على لسانه أن يدعو لنفسه بالتوفيق فكان منه هذا الضلال الذي غرق فيه.

ص: 223

صلى الله عليه وسلم لا ينبغي للفضلاء والجهلاء؛ لأنه بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.." ثم يمضي الشيخ السيامي، فيقول عن التوسل: "اعلموا أيها الأحباب أن التوسل الذي هو الاستشفاع بالأنبياء والأولياء والشهداء والصالحين وبأفعال الخيرات - عند الحاجة، دنيا وأخرى، كتحصيل المطالب، وعند الشدائد، كدفع البلاء - جائز بل ومستحب ومطلوب. فينبغي لكل أحد عند ذلك أن يستشفع بما فعله من خير، بأن يذكره في نفسه، فيجعله شافعاً؛ لأن ذلك جائز في الشدائد، كما في حديث الثلاثة الذين آووا إلى الغار.. وأن يستشفع بأهل الصلاح، أحياء كانوا أو أمواتاً. " ثم يسوق الشيخ السيامي شاهداً على جواز الاستشفاع باستسقاء عمر بن الخطاب، رضي الله عنه بالعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أبطلنا هذه الدعوى من قبل. أما قول الشيخ السيامي من أنه يجوز أن يستشفع المؤمن إلى الله بالأعمال الصالحة التي عملها ابتغاء مرضاة الله تعالى، فهو جائز حيث يشفع للإنسان عمله الصالح عند الله في الآخرة فيجوز أن يستشفع بأعماله الصالحة في الدنيا؛ لأنها من عمله وفيها تحريض للمؤمنين على الإكثار من الأعمال الصالحة التي تنفعهم في الدنيا والآخرة. أما الاستشفاع والتوسل بالأنبياء، والأولياء، والشهداء، وزيارة القبور، والقيام عند ذكر ولادة النبي صلى الله عليه وسلم وذلك مما ينكره على الموحدين، ويؤثمهم على إنكاره وتبديعه.. فهو مما يحتاج إلى بيان وتفصيل. فزيارة القبور مشروعة؛ لأنها تذكر بالموت، وقد أباحها النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن منع منها في أول الإسلام حيث كانت القبور مما يشبه الأصنام التي كان يعبدها المشركون، ومما تذكر المسلمين في أول

ص: 224

الإسلام بهذا الضلال، فكان من الحكمة إبعاد المسلمين عنها حماية للتوحيد من أن يدخل عليه شيء من ضلالات الشرك. فلما استقر التوحيد في قلوب المسلمين، وانزاحت معالم الشرك من نفوسهم، أباح النبي صلى الله عليه وسلم زيارة القبور كما يقول صلى الله عليه وسلم " كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها؛ فإنها تذكر بالموت "1.فإذا جاء الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ينهى عن زيارة القبور، وقد عاد المسلمون إلى ما كان عليه أهل الجاهلية من التعبد للمقبورين، والتمسح بالأضرحة والاستشفاع بالراقدين تحت ترابها - كان لابد أن يرجع بالمسلمين إلى عهدهم الأول بالإسلام حتى لا تدخل عليهم ضلالات الشرك من تلك القبور التي كانوا يتعبدون لها. فإذا تمكن الإيمان ورسخ التوحيد في قلوبهم، كانت زيارة القبور مشروعة؛ لأنها تذكر بالموت ولا تطل منها في تلك الحال أشباح الأوثان التي كانوا يتعبدون لها، وتكون زيارة القبور هنا لكل موتى المسلمين لا للأولياء والصالحين وأصحاب القباب والأضرحة 2.أما التوسل والاستشفاع بغير الله فهو من الشرك الصريح بالله. يقول الإمام الشوكاني - رضي الله تعالى عنه - في التوسل بأصحاب القبور الشائع بين الناس، وذلك عند تفسيره لقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} 3.يقول الإمام الشوكاني في تفسيره لهذه الآية الكريمة: "قد أكثر الناس من دعاء غير الله تعالى من الأولياء والأحياء والأموات مثل يا سيدي

1 مسلم: الجنائز 977 والأضاحي 1977 ، والنسائي: الجنائز 2032 والضحايا 4429 والأشربة 5652 ، وأبو داود: الجنائز 3235 والأشربة 3698 ، وأحمد 5/355.

2 هذا هو رأي الباحث، والمعروف أن الشيخ إنما نهى عن زيارة القبور الشركية.

3 سورة المائدة آية: 35.

ص: 225

فلان أغثني.. وليس ذلك من التوسل المباح في شيء. واللائق بحال المؤمن عدم التفوه بذلك. وألا يحوم حول حماه، وقد عده أناس من العلماء شركا وإلا يكنه فهو قريب منه". ثم يقول الإمام الشوكاني:"ولا أرى أحدا ممن يقول ذلك - أي التوسل بالمقبورين وغيرهم - إلا وهو يعتقد أن المدعو الحي الغائب، أو الميت المتغيب، يعلم الغيب، ويقدر بالذات، أو بالغير على جلب الخير، أو دفع الضر، وإلا لما دعاه، ولما فتح فاه، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم. ثم يقول الإمام الشوكاني: "ومن وقف على سر ما رواه الطبراني في معجمه الكبير، من أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين، فقال الصديق أبو بكر رضي الله عنه هيا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق، فجاءوا إليه صلى الله عليه وسلم، فقال:" إنه لا يستغاث بي، إنما يستغاث بالله " من عرف سر ذلك لم يشك في أن الاستغاثة بأصحاب القبور الذين هم بين سعيد شغله نعيمه وتقلبه في الجنان عن الالتفات إلى هذا العالم، وبين شقي ألهاه عذابه وحبسه في النيران عن إجابة مناديه، والإصاخة إلى أهل ناديه - أمر يجب اجتنابه، ولا يليق بأرباب العقول ارتكابه. ثم يقول الإمام الشوكاني:"ولا يغرنك أن المستغيث بمخلوق، قد تقض حاجته، وتنجح طلبته، فإن ذلك ابتلاء وفتنة من الله جل جلالة، وقد يتمثل الشيطان في صورة الذي استغاث به فيظن أن ذلك كرامة ممن استغاث به.. هيهات.. هيهات.. وإنما هو شيطان من أضله الله وأغواه وزين له هواه" هذا ما يقرره الإمام الشوكاني في أمر الاستشفاع بغير الله، وفي أنه شرك وإن لم يكن شرك فهو قريب منه ونقول: إنه شرك غليظ وضلال بعيد.

ص: 226

فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستغاث به في حال حياته، كما يقول ذلك صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف، فكيف يستغاث به بعد موته؟ وإذا كان لا يستغاث به صلى الله عليه وسلم حيا وميتا- فكيف يستغاث بغيره من المقبورين، الذين لا يعلم إلا الله ما هم فيه من نعيم أو شقاء، وربما قد يكون أحدهم مات على شرك أو كفر أو نفاق؟ إنها لكبيرة الكبائر، أن يصرف المسلم وجهه عن الله، ثم يعطي هذا الوجه في ذلة وخضوع لميت من أولئك المقبورين تحت الأضرحة أو القباب؟ أليس هذا شركا بالله، دونه شرك المشركين الجاهليين الذين جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم برسالة ربه ليطهرهم من هذا الرجس، ويلبسهم ثوب التوحيد نقيا طاهرا؟ أما ما يذكره الشيخ السيامي من القيام عند ذكر مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو بدعة ابتدعها المتصوفة، كما ابتدعوا الموالد التي يقيمونها كل عام لأصحاب الأضرحة، وأنهم لكي يدخلوا هذه البدعة على المسلمين، قدموا لها بتلك البدعة التي تقام لمولد النبي صلى الله عليه وسلم حيث إن هذا يلقي هوى في نفوس العوام، وأشباه العوام؛ إذ يعدون كل شيء يعمل من أجل الاحتفاء برسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان من أشنع البدع، مما يرضي الله ورسوله عنهم. فما عرف عن الصحابة والتابعين أنهم أقاموا الاحتفالات والزينات ليوم مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أشد الناس حبا للرسول الكريم، وأعرفهم لقدر رسول الله ومنزلته عند ربه. بل إن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يروا أن يبدءوا التاريخ الإسلامي بمولده صلى الله عليه وسلم بل جعلوا الهجرة بدء لهذا التاريخ اتقاء للفتنة أو الفتن التي تتولد من رصد ميلاد الرسول الكريم مع مرور الزمن كما هو مشهود اليوم في حفلات المولد، وما يجري فيها من البدع وما يقع من مخزيات، أما القيام عند ذكر مولد

ص: 227

رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو من بدع المبتدعين، الذين لا يخشون الله ولا يعرفون مقام رسوله صلى الله عليه وسلم. فهذا القيام الذي يدعو إليه هؤلاء المبتدعون ليس فيه شيء من توقير الرسول الكريم، وإنما توقيره صلى الله عليه وسلم بحبه الذي يملأ القلوب، وبا تباع سنته والتزام ما جاء به من شرع الله تعالى، والصلاة عليه كلما ذكر اسمه الشريف. ولهذا نهى الرسول صلى الله عليه وسلم صحابته أن يقوموا له إذا جاء إليهم في مجلسهم، وقد هم بعض أصحابه أن يقوموا له فأشار إليهم - صلوات الله عليه وسلامه - ألا يفعلوا، وقال:" إنما هذا تفعله الأعاجم بملوكها ". وما ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ليحفظ على المسلم وجوده الإنساني وكرامته، وألا يتخذ القيام له ذريعة إلى أن يقوم الناس لأهل الجاه والسلطان فيهم، فجزاك الله يا رسول الله عن الإسلام والمسلمين خيرا وصلى الله وسلم عليك وعلى آلك وأصحابك والتابعين. ولو نظرنا إلى ما يفعله تلاميذ شيوخ المتصوفة ومريدوهم من تخاشع وذلة بين أيديهم، لرأينا الحكمة العالية من نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يقوموا له.. فالتلميذ أو المريد يجب أن يكون بين يدي شيخه كالميت بين يدي الغاسل! إنه جماد لا يتحرك ولا يخشى، إنه دون الحيوان الذي يتحرك ويحس ويدافع عن نفسه، فأي ضياع للإنسان كهذا الضياع؟ أو أي مسخ للآدمي مثل هذا المسخ؟! وأي جناية يجنيها شيوخ المتصوفة على تلاميذهم ومريديهم، وقد سلبوهم أقوى مقومات الإنسان في الحياة وهي العقل والإرادة؟! إنهم قتلة سفاحون يقتلون عمدا نفوسا حرم الله قتلها إلا بالحق! وهذا ابن عطاء السكندري من أكبر شيوخ المتصوفة، يقول في كتابه "لطائف المنن"

ص: 228

"من لم يكن له أستاذ - أي شيخ طريقة - يصله بسلسلة الأتباع، ويكشف له عن قلبه القناع، فهو في هذا لقيط لا أب له، دعي لا نسب له"1.وإذن فالمسلمون جميعا أدعياء النسب إلى الإسلام، ولن يصح لهم نسبة إليه إلا إذا دخلوا في سلك التلاميذ والمريدين، وسمح شيوخ المتصوفة لهم بالدخول في التصوف. وهذا صوفي جديد، ظهر في هذه الأيام في السودان، وهو محمد عثمان شيخ الطريقة البرهانية، وهي نسبة خاطئة إلى الشيخ إبراهيم الدسوقي، المدفون ببلدة دسوق بمصر. وقد استولى هذا الشيخ على عقول كثير من أبناء مصر والسودان وغيرهما من بلاد المسلمين، وله جمعيات من أتباعه في كثير من بلاد أوربا يبشرون تحت راية الإسلام بدعوته الفاسدة، المحملة بأحمال ثقيلة من الجهل والشعوذة مما يصد الأوربيين عن دين الإسلام، ويشوه حقائقه في أعينهم.. يقول هذا الرجل فيما يلزم التلميذ من آداب بين يدي شيخه:"ومنها - أي من هذه الآداب - أن تجلس مجلس جلوسك للصلاة عنده. "وأن تفنى فيه.! "وألا تجلس على سجادته..! "وألا تتوضأ بإبريقه..!! "وألا تتكئ على عكازه..!! "واسمع بعض ما قال بعض الأصفياء 2."من قال لشيخه: لم؟ لا يفلح. "وليكن محضره في قلبك وخيالك. "فإن غفلت عنه وقتا فهذا من مقتك. "واجتهد في أن تنال مقام الفناء فيه، ومن ثم ترقى إلى مقام الفناء فيه3.

1 لطائف المنن، لابن عطاء الله، جزء: 2 ص 103.

2 إنه يريد بهذا نفسه.

3 من كتاب: الهبات المقتبسة لمحد عثمان: ص 22 المطبوع سنة 1939.

ص: 229

فأي قتل لنفس الإنسان أشنع من هذا القتل؟! وأي كفر بالله أعظم من هذا الكفر؟! فالتلميذ أو المريد بخس، لا يجلس فوق سجادة شيخه، ولا يتوضأ بإبريقه، ولا يتوكأ على عصاه، ولا يقول لشيخه لم؟ ولو ألقاه في النار.. ثم إذا جلس إلى شيخه جلس مجلس الصلاة، وجعله قبلة له. وعلى التلميذ أو المريد أن يخلي الله تعالى وذكر الله من قلبه حتى يشغله بذكر شيخه أو شيطانه.. فإن غفل عن هذا حق عليه المقت. وهذا الشعراني يقول في كتابه "القواعد الصوفية" ص:1313 "من أشرك بشيخه شيخا آخر، وقع في الشرك بالله" فالشيخ إله معبود، من عبده ثم عبد شيخا غيره فهو مشرك بالله؛ لأن من أشرك بالشيخ أشرك بالله، فلا فرق بين الله وبين الشيخ.. كلاهما معبود وله عابدون. ويقول ابن عطاء الله السكندري في كتابه لطائف المنن.. جزء2 ص103:"من أخذ الطريق على غير شيخه، كان على غير دين". وإذن فالمسلمون الذين يأخذون دينهم عن كتاب الله وعن سنة رسول الله هم على غير دين، فأي فساد يستشري بين المسلمين مثل هذا الفساد؟ وأي أدواء قاتلة تنتشر بينهم أشد فتكا بهم وبعقيدتهم من هذه الأدواء؟ وهل شرع الجهاد في سبيل الله إلا لحرب هذا البلاء الذي يسوقه أهل الكفر والشرك والضلال إلى مواقع الإسلام لإفساد العقيدة وطمس معالم الدين، وفيهم يقول الله تعالى: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى

ص: 230

يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً} 1. وإذن فقد كانت دعوة الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رضي الله عنه هي راية الجهاد في سبيل الله للذود عن دين الله وقد أجلب عليهم أهل الضلال - من داخل دار الإسلام وخارجها - بهذه الأباطيل، ليغيروا بها دين الله، ويطمسوا معالم شريعته. ولقد أراد الله بالإسلام والمسلمين خيرا، إذ هيأ لهذا الموقف رجلا فاقها لدين الله مجاهدا في سبيل الله باذلا نفسه مضحيا بولده وأهله من أجل إعلاء كلمة الله ونشر راية التوحيد. وقد أمد الله تعالى هذا الرجل المجاهد في سبيل الله بأمداد نصره من جنود الحق في الأرض؛ إذ جعل آل سعود يقومون بالجهاد تحت راية التوحيد ويضحون بكل شيء في سبيلها. ولقد كتب الله النصر للمجاهدين وأمدهم بروح من عنده، فانهزمت أمام قوى الحق كل قوى البغي والضلال، وانقشعت السحب التي كانت تقف في وجه أنوار الحق، وإذا الشمس تسطع في سماء صافية، وإذا وجه الإسلام يشرق من جديد في كل أفق من آفاق الأمة الإسلامية، وإذا دولة الشرك تنحسر شيئا فشيئا حتى انكسرت شوكتها، واندحر جندها. {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} 2 صدق الله العظيم.

1 سورة النساء آية: 89.

2 سورة التوبة آية: 32.

ص: 231

خاتمة: من ثمرات الدعوة المباركة

- 1 -

من فضل الله تعالى على عباده المؤمنين المحسنين المجاهدين في سبيله أنه سبحانه يبارك عليهم في أعمالهم وأقوالهم. فتكون أعمالهم منارات هدى يهتدي بها الناس إلى مواقع الخير، وغايات الأمن والسلام، حيث يرون فيها تلك الثمرات الطيبة التي يتوارد عليها الناس وينالون ما تصل إليه أيديهم من قطوفها، فيأخذون طريقهم مع المتأسين بأصحاب هذه الأعمال، وينهجون نهجهم فيما عملوا.. كذلك تكون أقوال هؤلاء المؤمنين المحسنين المجاهدين في سبيل الله دعوة راشدة إلى عمل الخير، ووحيا ملهما إلى مراقي السلامة والنجاح، كما يقول تعالى:{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} 1.وهكذا كانت كلمات الأنبياء والمرسلين، والهداة والمصلحين من عباد الله الذين يسيرون على أقدام الرسل والأنبياء، وكذلك كانت أعمالهم ميراثاً خالداً في الناس.. يستمدون من شجرتها الزيتونة المباركة الزيت الذي تستضيء منه مصابيح بصائرهم إلى طريق الحق، والخير والسلام.. وإلا كان العمى وكان التيه والضلال.

1 سورة إبراهيم آية: 27.

ص: 232

{وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُور ٍ} 1 وهذا النور الذي تستضيء به البصائر، وتتعرف به مواقع الحق والخير، إنما ينبعث من خلال النار والدخان، فلا يخلص منهما إلا بعد صراع ومجاهدة، وإنه بقدر هذا الصراع وتلك المجاهدة يكون صفاء هذا النور وتكون قوته. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ} 2 فذلك مثل ضربه الله تعالى للصراع بين الحق والباطل، والخير والشر، والنور والظلام.. ومن خلال هذا الصراع تتبين مواقع أهل الحق، ومواطن أهل الباطل، ومن يمسكون بالخير، ومن يتمسكون بالشر، ومن هم في عالم النور، ومن هم في مسبح الظلام والضلال.

- 2 -

ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من تلك الدعوات الطيبة المباركة، الداعية إلى الله تعالى، والهادية إلى صراطه المستقيم، والضاربة في وجه البدع، والضلالات التي تداعت على الدين الحنيف من داخل أوطان الإسلام وخارجها. فكان بهذا واحدا من أولئك الركب المجاهد الكريم المنافح عن دين الله، كلما تغشته غواشي الضلال وحاولت حجب أنواره العلوية القدسية عن المؤمنين بالله حتى تنقطع بينهم وبينه الأسباب، وأنه منذ قيام هذا الداعية إلى التوحيد، وإلى حماية حمى الإسلام الطهور من زحوف الشرك

1 سورة النور آية: 40.

2 سورة النور آية: 43.

ص: 233

التي أجلب بها عليه علماء السوء من المشعوذين والمتجرين بالدين - منذ قام هذا الداعية بدعوته المباركة تلك وهي تدور في فلك الأمة الإسلامية ناراً تحرق جراثيم الشرك، وتطارد فلول المشعوذين وعباد القبور، ونوراً هادياً إلى دين الله وإلى وحدانية الله، لا شريك له.. حتى لقد كادت الأمة الإسلامية أن تتخلص من داء الشرك الذي خامرها زمنا طويلا، نسيت - أو كادت تنسى - فيه دينها الحق الذي جاءها به رسول الله بكتاب الله الكريم، وسنته المطهرة. ولكن الله تعالى رحيم بهذه الأمة فلا يدعها أبدا في مواجهة الضلال، حتى يهيئ لها من أمرها رشدا، حيث يقوم فيها دعاة الهدى، ويرفعون راية الجهاد على هذا الضلال وأهله، وإذا المؤمنون مجتمعون إلى تلك الراية، مجاهدون في سبيل الله، وإذا نصر الله بين أيديهم، وإذا أضواء الإسلام تغمر الآفاق:{أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} 1 {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} 2.

- 3 -

لقد وقف صاحب الدعوة وأنصاره وأتباعه أكثر من قرن من الزمان وقفة لا يمكن أن توصف بأقل من مواقف الشهداء من أتباع الرسل الذين جاهدوا معه، واسترخصوا النفوس في سبيل دين الله، وإعزاز كلمة الله. ويكفي لبيان هذا أن نعرض موقفا واحدا من هذه المواقف الاستشهادية في مواقف الحق لصاحب الدعوة وأنصاره، ليرى الناس كيف يكون الإيمان، وكيف يكون بلاء المؤمنين، وصبرهم، وكيف يكون احتمالهم وتضحياتهم. لقد جمع إبراهيم باشا بن محمد علي والي مصر يومئذ، وقائد الحملة ضد الوهابيين في الحجاز - جمع كل ما استطاع جمعه من سلاح، وعتاد، ورجال، ورمى بكل هذا أهل الدرعية - عاصمة الدعوة إذ ذاك - وذلك بعد أن استولى على البلاد التي كانت تحت

1 سورة المجادلة آية: 22.

2 سورة المائدة آية: 56.

ص: 234

أيديهم بلدا بلدا، بعد أن نازعوه الأرض شبرا شبرا تاركين على كل شبر أثرا من دم شهدائهم الأبرار. وكانت الدرعية قد ضمت من مقاتليها أمراء آل سعود، وأبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومن انضوى إليهم من الموحدين.. وليس معهم هذه القوة المسلطة عليهم إلا قلوبهم المؤمنة، وإلا عدد قليل من الرجال وعدد أقل من السلاح والعتاد. ولكن هؤلاء الموحدين أبوا أن ينزلوا على حكم هذا العدو المدل بكثرة رجاله وقوة سلاحه.. فدخلوا الحرب معه، وواجهوا تلك الجيوش الكثيفة في جرأة نادرة واستبسال عجيب، يذكر بأيام المسلمين الأولين في بدر وأحد، وفي المدائن واليرموك وغيرها من معارك الإسلام - حتى لقد تهاوت عليهم الدور، وتساقطت الحصون، واستشهد من حولهم أبناؤهم وآباؤهم وإخوانهم. وقد ظلت هذه المحنة أياما، مات فيها من الأطفال والنساء جوعا وعطشا، ونفد السلاح القليل الذي كأن بأيدي المجاهدين، وكادت تفتضح الحرائر في خدورها ثم كانت المصالحة.. التي تم فيها تسليم البلد للمعتدين، بعد أن أصبحت أنقاضا غارقة في دماء الشهداء من آل سعود، وآل الشيخ محمد بن عبد الوهاب. وقد قتل من أهل الدرعية في هذه الحرب نحو ألف وثلاثمائة شهيد.. منهم واحد وعشرون شهيدا من أمراء آل سعود. منهم فيصل بن سعود وأخواه.. إبراهيم وتركي1.. وهذا مما يقدمه المؤمنون الصادقون، دفاعاً عن دين الله، وذياداً عن حرماته:{وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} 2.

1 انظر كتاب: عنوان المجد في تاريخ نجد الجزء الأول ص 203 وما بعدها.

2 سورة آية: 4-5.

ص: 235

- 4 -

إن الظلام الذي قد خيم على ربوع الأوطان الإسلامية، منذ أن استولى على أمورها الأعاجم من الديلم، والسلاجقة، والمغول، والأتراك، أن هذا الظلام قد ألقى ستراً كثيفة بين المسلمين وبين موارد دينهم الحنيف، حيث دخلت على هذا الدين كثير من العقائد الفاسدة والمذاهب الضالة، والعادات الموروثة من عبادات غير الله تعالى، من شمس، وقمر، ونار، وأنهار، وحيوان.. إلى غير ذلك مما كانت تدين به تلك الشعوب قبل دخولها في الإسلام، ولم تزل أشباح تلك المعبودات تتحرك في أدمغة كثير ممن تركوا عباداتها، فجمعوا بين ذلك وبين دين الله، وكان من ذلك هذا البلاء العظيم الذي أبعد المسلمين عن الإسلام، وحرمهم مجاني ثمراته المباركة الطيبة. ولكن مع هذا الظلام المطبق لم يحرم العالم الإسلامي من شعاعات من النور، كانت تتسلل بخيوطها هنا وهناك وسط هذا الظلام الكثيف، تذكر الناس بدين الله وتدفئ صدورهم بالأمل في مطلع صبح جديد، يرد فيه إلى الإسلام مكانه في قلوب المسلمين وعقولهم، على نحو ما بلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه. ويكفي في وسط هذا الظلام الكثيف بارقة من ضوء، كي توقظ النائمين، وتنبه الغافلين، فإن مثل هذه البارقة في أحشاء الظلام تعد ظاهرة أشبه بالمعجزة، مع أنها لا تكون شيئا له حساب إذا هي برقت في مشرق الشمس ووضح النهار. روى الجبرتي "المؤرخ المصري في تاريخه المعروف" عجائب الآثار تلك الحادثة التي وقعت في شهر رمضان سنة 1123هـ وذلك قبل أن يقوم الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدعوة التوحيد حيث ولد رضي الله عنه سنة 1115هـ. يقول الجبرتي عن هذه الحادثة: "إن واعظا تركيا وفد من الروم إلى مصر، في تلك السنة 1123هـ وجلس يعظ الناس

ص: 236

في جامع "المؤيد" بالقاهرة.. وقد كثر عليه الناس وازدحم بهم المسجد، ثم انتقل من الوعظ، فذكر ما كان يفعله أهل مصر بضرائح الأولياء، وإيقاد الشموع على قبور الأولياء، وتقبيل أعتابهم، وأن ذلك كفر يجب على الناس تركه وعلى ولاة الأمور السعي إلى إبطال ذلك.. "وقد ذكر - أي الواعظ - عن قول الشعراني، في كتابه: "الطبقات الكبرى" أن بعض الأولياء، اطلع على اللوح المحفوظ 1 فقال الواعظ: إنه لا يجوز ذلك، ولا يطلع عليه الأنبياء فضلاً عن الأولياء.. وكان فيما قال الواعظ إنه لا يجوز بناء القباب على ضرائح الأولياء، كما لا يجوز بناء التكايا 2، ويجب هدم ذلك جميعا". ثم يقول الجبرتي معلقا على ما كان لدعوة هذا الواعظ من أثر، وما جرى بعدها من أحداث:"فقامت لهذا قيامة العلماء، فدسوا عليه من يشوش، ويخفت صوته". هذا ما كان من العلماء، وأدعياء العلم من تلك الدعوة إلى إزالة معالم الشرك وطمس وجوهها، وقد كان المرجو منهم أن يقوموا هم بتلك الدعوة، أو أن يناصروها وذلك أضعف الإيمان، ولكنهم وقفوا في وجه هذه الدعوة وأنكروها على صاحبها.. فكيف لا يعم البلاء، ولا يستشري الشر، وترتفع رايات الشرك، والعلماء هم الذين يحملون تلك الرايات المشئومة؟

1 ذكر ذلك الشعراني في ترجمته لإبراهيم الدسوقي، صاحب الضريح المعروف بمدينة دسوق بمصر، كما ذكر ذلك عن أحمد البدوي، صاحب الضريح المعروف بمدينة طنطا بمصر، وكان فيما ذكره الشعراني عن إبراهيم الدسوقي أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبعض الأولياء، في الحضرة الأهلية، وأنه قيل له: يا إبراهيم اذهب إلى النيران وقل لها أن تغلق أبوابها، وإلى الجنان أن تفتح أبوابها، ففعل ذلك، وأغلقت النيران، وفتحت الجنان.

2 التكايا: هى دور كانت تقام للدراويش من البكتاشية، وتوقف عليها الأوقاف الكثيرة حيث يأكل من ريعها هؤلاء الدراويش، لا يباشرون أي عمل، بل يقضون حياتهم في لهو ورقص، وارتكاب الفواحش في تلك المواخير مع الغلمان والنساء.

ص: 237

بالملح نصلح ما نخشى تغيره

فكيف بالملح، إذ حلت به الغير؟

ثم يقول الجبرتي: "ولكن الواعظ مضى في طريقه، وانتقل هو وأتباعه من القول إلى العمل، وبدأ الصدام، بأن خرج الشيخ الواعظ وأتباعه بعد صلاة التراويح ووقفوا بالعصي والأسلحة على باب زويلة - بالقرب من الأزهر - فهرب الذين كانوا يقفون به ثم قطعوا ما علق من جوخ وأكر 1 وهم يقولون أين الأولياء؟ ثم يقول الجبرتي: "وهنا أسرع بعض الناس إلى علماء الأزهر؛ ليفتوهم في قول هذا الواعظ" فماذا قال شيوخ الأزهر يومئذ في هذا الذي يدعو إليه الواعظ من القضاء على تلك البدع التي تنخر في عقيدة المسلمين كما تنخر السوس في حبات البر؟ يقول الجبرتي: "فكتب شيخان من شيوخ الأزهر؛ وهما الشيخ أحمد النفراوي، والشيخ أحمد الخليفي، وهما من كبار شيوخ الأزهر ينتقضان قول الواعظ، ويطلبان من الحاكم زجره. "وأخذ بعض الناس هذه الفتوى، فدفعوها إلى الواعظ في مجلس وعظه، فلما قرأها غضب، وقال: إن العلماء أفتوا بغير ما قلت، وأنا أريد أن أجادلهم في مجلس القاضي.. فهل منكم من يساعدني على ذلك وينصر الحق؟ فقال له أنصاره: نحن معك لا نفارقك.. فنزل عن كرسي وعظه واجتمع عليه الناس قريب من ألف، فسار بهم وسط القاهرة إلى أن دخل بيت القاضي.. فلما رآهم القاضي بهذه الكثرة انزعج منهم ثم سألهم عما يريدون؟ فقالوا: نريد أن يحضر هؤلاء الذين أصدروا هذه الفتوى لنباحثهم

1 هذه المعلقات على باب زويلة، كان يعلقها الناس لقضاء الحاجات وتحبيب الأزواج للزوجات، وولادة من ليس لها ولد، إلى غير ذلك، استشفاعا بهذا الباب..

ص: 238

أمامك.. فقال القاضي: اصرفوا هذه الجموع، ثم نحضرهما ونستمع إلى مجادلتكم معهما.. ولكن أحدا لم ينصرف، بل تكاثروا على القاضي، وقالوا له: ماذا تقول أنت في هذه الفتوى؟ فقال: هي باطلة 1.. فطلبوا منه أن يكتب حجة بذلك. فلما رأى القاضي أن الأمر جد، وأنهم لا يريدون أن يتركوه، أراد أن يعمل فيهم الحيلة للواعظ ومن معه.. "فقال: إن الوقت قد ضاق، والشهود قد خرجوا 2. فلنترك ذلك إلى الغد. "فلما سمعوا ذلك من ترجمان القاضي - لأن القاضي تركي ولا يعرف العربية - لما سمعوا من الترجمان هذا الكلام، ضربوه واختفى القاضي ومعه حريمه!! وهل انتهى الأمر عند ذلك؟ كلا، فإن الرواية لم تتم فصولا. ويمضي الجبرتي في إتمام هذه الرواية، أو المهزلة التي يمثلها علماء الدين وقاضي الشريعة التركي، والوالي العثماني. حيث يستدعي الواعظ إلى مجلس الوالي وقد قيل له: إن الوالي يريد أن تجتمع عنده مع هؤلاء العلماء الذين تتهمهم فيما أفتوا به. وهناك في دار الوالي، كان الكيد العظيم لهذا الواعظ حيث تخطفه الجند وألقوا به إلى حيث لا يعلم إلا الله، وبهذا اختفى الواعظ إلى يوم الناس هذا.

- 5 -

هذه الحادثة لها دلالتها الواضحة على ما كان عليه المجتمع الإسلامي يومئذ من عامة وعلماء، من إغراق في الشرك والجهل، لم يستطع هذا البصيص من النور أن يصل إلا إلى بعض العامة الذين استقبلوه بفطرتهم السليمة، فأبصروا الحق، وأخذوا طريقهم معه، ومع الداعية إليه.

1 إن هذا القاضي ما قال ذلك إلا خوفا من العامة وهجومهم عليه.

2 هؤلاء شهود من المرتزقة، كانوا يلزمون مجلس القاضي، ويستشهدون من كل طالب شهادة لقاء أجر معلوم..

ص: 239

ولو أن هذا الصوت المؤذن بالحق الذي انطلق من فم هذا الواعظ استمع إليه العلماء واستيقظوا من سباتهم، لكان لهذا الصوت آثاره البعيدة في إجلاء هذا الظلام الشركي عن أهل مصر وعن غيرها من أوطان الإسلام.. ولكن الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وقد كان.. فما هي إلا سنوات معدودة بعد هذا الحادث، أو تلك المأساة حتى يلتقي صوت هذا الواعظ - على غير موعد - بصوت الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد، وفي الجزيرة العربية مطلع الرسالة الإسلامية، فيهز العالم الإسلامي كله ويزلزل قواعد الشرك، حيث يأخذ بيد دعاة الحق المتخافتين بدعوة الحق، وبحيث كانوا لا يسمعون إلا أنفسهم، أو القليل من إخوانهم، وإذا هم يجتمعون إلى هذا الداعية من قريب ومن بعيد، وإذا هم يجهرون بكلمة الحق مجاهدين في سبيل الله، مسترخصين نفوسهم في مواقع الجهاد. وإذا العلماء الذين كانوا يكتمون الحق، ويخشون بأس الحكام يؤدون أمانة العلم التي حملوها، كما يقول الحق سبحانه:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ} 1. ذلك أنه ما كاد صوت الإمام محمد بن عبد الوهاب يتردد في آفاق الإسلام، محملا بدعوة التوحيد فاضحا وجوه الشرك وضلالات المشركين، حتى اهتزت له أقطار الأرض أشبه بالصيب ينزل من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق. فكان من الناس من أمسك بهذا الصيب، فشرب منه هو وأنعامه، واستنبت الزرع والعشب، طعاما له ولأنعامه.. وكان من الناس من أحرق بصواعق البرق، ومن طاش لبه بصوت الرعد. وهكذا كل دعوة يتقرر فيها مصير الإنسان في دنياه وآخرته. فإن مثل هذه الدعوة تحمل الصيب، ومعه الظلمات والرعد والبرق.

1 سورة آل عمران آية: 187.

ص: 240

{لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} 1 ويقول سبحانه: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} 2.والذي حدث بالنسبة لدعوة التوحيد التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في ظلمة هذا الليل البهيم الذي احتوى العالم الإسلامي كله، واشتمل عليه - هو أن كثيراً من الناس استجابوا له، واتبعوا سبيله، ودعوا بدعوته في أوطانهم - كما أن كثيرا من الناس خالفوه، ونصبوا العداوة له، وقالوا بغير الحق فيه، وفيما دعا الله من توحيد الله. يقول الأستاذ طه المدور - في كتابه "الديانات والحضارات" ص: 139 وهو يتحدث عن الصورة التي كان عليها الرأي العام في دعوة الشيخ أيام مطلعها، وما أثارت في العالم الإسلامي وغير العالم الإسلامي يقول:"وماجت الأقوال عقيب ذلك - أي عقيب الدعوة - تتضارب حول هذا المجاهد المجدد خارج القطر النجدي، فقام من اتهمه بالمروق والإلحاد، وأخذ آخرون يدعون بأنه يحاول نشر مذهب القرامطة وانتشرت في أوربا شتى الشائعات عن مذهب هذا الرجل اللبيب، وعلق عليها الكثير من المستشرقين تعليقات مختلفة متباينة، فشبهه بعضهم ب لوثر 3 البروستنتي، وآخرون رفعوه إلى مرتبة الفلاسفة 4 حتى وجد من جعله صاحب مذهب خامس في الإسلام، بعد المذاهب الأربعة".

1 سورة الأنفال آية: 42.

2 سورة العنكبوت، آية: 2-3.

3 لوثر: هو مارتن لوثر، من دعاة الإصلاح الديني فى المسيحية انفصل عن الكنيسة بشأن ما تدعيه من سلطان لها على غفران الذنوب وحرمان من تحرم من رحمة الله وإكرام القديسين والرهبان، ورفعهم إلى مرتبة الألوهية 1483- 1546م.

4 الأصح أن يقال: إنهم أنزلوه إلى مرتبة الفلاسفة، لأن الفلسفة يحوم حولها الشك والإلحاد غالبا.

ص: 241

ثم يقول الأستاذ طه المدور: "ولكن اتضح بعد ذلك أن هذه التقولات المتضاربة في حق الوهابية كانت غير صحيحة؛ لأنها - أي الدعوة - تبعد عن القرمطية، وعما يسمونه بالمروق عن الدين بعد السماء عن الأرض.. "وعلى العكس، مما يتقوله أعداء الدعوة، فإن تعاليمها العتيدة وجدت متطابقة مع نصوص القرآن والأحاديث النبوية. حتى أنه في سنة 1815م سافر مندوبان عن الوهابية وقابلا والي مصر آنذاك محمد علي باشا الكبير فأمر رهطا كريما من العلماء ومن رجال الأزهر بفتح باب المناظرة بينهم وبين ذينك الشيخين الوهابيين. "فعقد الطرفان عدة اجتماعات، طلب فيها علماء مصر من المندوبين النجديين إعطاء التفاصيل الوافية عن المذهب الوهابي. فراحت المناظرات تجري بين الجانبين واتسع نطاق الجدل والمدارسة، حتى عقدت راية الفوز في النهاية للوهابيين، وذلك باقتناع علماء مصر بأن تعاليم المذهب الوهابي!! تنطبق بمجموعها على منطوق الآيات القرآنية، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم " ثم يقول الأستاذ المدور: "وأغرب من هذا، فقد أثبت الضيفان الوهابيان، خلال تلك المناظرات الدينية أنهما يحفظان القرآن الكريم، والمعاني العديدة من الأحاديث النبوية". "وقد نشر علماء الأزهر على أثر ذلك بيانا أعلنوا فيه أنهم لم يروا شذوذا دينيا في المبادئ الوهابية.. وفوق ذلك كان في جملة ما نقله المندوبان الوهابيان إلى مصر كتابا خطيا في العقائد وضعه الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن المذهب الوهابي، فطالعه العلماء في الأزهر، وصرحوا بعد ذلك بلسان واحد قائلين: "إذا كانت الوهابية كما سمعنا وطالعنا فنحن وهابيون" 1.

1 ليست الوهابية مذهبا، وإنما هى دعوة مجددة للدعوة الإسلامية من أساسها وهي المؤمنة بالله الأحد الواحد لا شريك له، المطهرة من أرجاس الشرك، فليس فيها جديد، وإنما هي الإسلام الحنيف المبرأ من الشرك

أما المذاهب الأربعة المعروفة في الإسلام، فهي اجتهادات في الفروع، التي لا تمس الأصول أبدا حيث لا اجتهاد في هذه الأصول، من الإيمان بالله، ورسله وملائكته، وكتبه، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره.

ص: 242

- 6 -

ولا شك أن هذا الموقف من علماء الأزهر في الدعوة التي دعا إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والذي يخالف ما كان عليه سلفهم القريب، وموقفهم من الواعظ التركي - لا شك أن هذا الموقف الجديد إنما كان أثرا من آثار دعوة التوحيد التي قام بها الشيخ محمد ابن عبد الوهاب، حيث أيقظت النيام، وفتحت العيون والعقول وشرحت الصدور، فاستبان لهؤلاء العلماء ما كانوا فيه من جهل بدين الله ومن شرك به في الطواف بالقبور، والاستشفاع بالمقبورين.

- 7 -

ولم يقف أثر دعوة التوحيد عند حدود الجزيرة العربية، بل نفذت إلى أعماق العالم العربي كله.. فقام في كل مكان داع أو دعاة يدعون إلى إصلاح شأن الأمة الإسلامية، وأنه لا إصلاح لشأنها إلا إذا رجعت إلى دين الله، وأخلصت وجوهها وقلوبها إلى الله وحده لا شريك له فيما يقضي في عباده. يقول العلامة المستشرق "لوثروب" في كتابه حاضر العالم الإسلامي الذي ترجمه إلى العربية الأمير شكيب أرسلان، يقول هذا العالم عن الدعوة وآثارها في يقظة العالم الإسلامي: "وفيما كان العالم الإسلامي مستغرقا في هجعته، ومدلجا في ظلمته، إذا صوت يدوي من

ص: 243

قلب صحراء شبه الجزيرة، مهد الإسلام، فيوقظ المسلمين، ويدعوهم إلى الإصلاح والرجوع إلى سواء السبيل والصراط المستقيم، فكان الصارخ وهو المصلح المشهور محمد ابن عبد الوهاب الذي أشعل نار الوهابية فاشتعلت واتقدت، واندلعت ألسنتها إلى كل زاوية من زوايا العالم الإسلامي، وأخذ يحض المسلمين على إصلاح النفوس واستعادة المجد الإسلامي القديم والعز التليد. "فبدت تباشير صبح الإصلاح، ثم بدت اليقظة الكبرى في العالم الإسلامي".وإذا كان هذا العالم المستشرق قد شبه الدعوة الوهابية بالنار المشتعلة فإنها كانت حقا نارا مشتعلة أحرقت أدعياء العلم، والمتجرين بالدين في سوق الجهل وبين الجهال، فإنها كانت كذلك نورا استضاءت به البصائر، واستنارت منه العقول، واهتدى بها المؤمنون إلى دين الله، المبرأ من ضلالات الشرك والإلحاد، والله تعالى يقول:{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} 1.فكما أنزل الله الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، أنزل الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس، فمن لم يهتد بالكتاب، كان الحديد في أيدي المؤمنين له بالمرصاد.

- 8 -

"فبدأت تباشير صبح الإصلاح، ثم بدأت اليقظة الكبرى في العالم الإسلامي" هذا ما يقرره العالم المستشرق "لوثروب" في كتابه الحاضر الإسلامي، عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وآثارها المباركة في العالم الإسلامي.

1 سورة الحديد آية: 25.

ص: 244

وقد صدق هذا العالم الغريب عن الإسلام؛ فإنه كان يرصد مجريات الأحداث في العالم ويقف عند كل حدث له شأنه، فيسجله بقلم العالم المحقق المدقق، الذي إن أنكر حقيقة سقط من سجل العلماء، والرجل حريص على أن يحتفظ بمكان كريم له بينهم. فماذا كان من مظاهر هذه اليقظة الكبرى في العالم الإسلامي بعد مطلع دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب؟ يقول الله تعالى:{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} 1.فالكلمات أمهات الأعمال، ولا تلد الكلمات من الأعمال إلا ما كان من معدنها وجوهرها، فالكلمة الطيبة تلد أعمالا طيبة، ولا يصيبها العقم أبدا، ما دامت قد خرجت من أفواه مؤمنة، متصلة بقلوب سليمة، وعقول مدركة. وكذلك كانت كلمات الله المنزلة في كتبه، زادا لا ينفد عطاؤه أبدا من أزواد الخير للناس، إذا هم آمنوا بها، وجروا في أعمالهم على هديها، كما يقول تعالى:{فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} 2.

1 سورة إبراهيم آية: 24-25

2 سورة طه آية: 123-124-125-126-127

ص: 245

وكذلك كلمات الأنبياء والمرسلين والهداة والمصلحين من عباد الله، فإن كلماتهم قبس من أقباس نور كلمات الله، وقطف من قطوفها الطيبة المباركة؛ إذ يجد فيها الناس زاد أرواحهم، وري نفوسهم، حيث تذكرهم بالله تعالى، وتدنيهم من رحمته ورضوانه. ومن هذا المورد الرباني الكريم كانت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ميراثا مباركا من بعده، لمن شرح الله صدورهم للإيمان، وهيأهم ليكونوا دعاة خير للمسلمين، تلك الحركة الإصلاحية التي تلاقى عليها قادة الإصلاح في أوطان الإسلام جميعا في وقت واحد كأنما كانوا فيه على موعد. وقبل أن نتحدث عن هذه الدعوات الإصلاحية التي قامت في المجتمع الإسلامي متأثرة بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، نود أن نرد على شبهة ربما أثارها في الماضي، أو قد يثيرها في المستقبل أولئك الذين من شأنهم أن يبخسوا الناس أشياءهم وأن يحسدوهم على ما أتاهم الله من فضله، حيث يقول قائلهم عن دعوات الإصلاح هذه التي قامت متأثرة بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: إن ظهور هذه الدعوات الإصلاحية حيث ظهرت كان من مقتضيات الظروف والأحوال التي أحاطت بالأمة الإسلامية والتي اقتضت ظهور المصلح الشيخ ابن عبد الوهاب، حيث كان الداء مستشريا في العالم الإسلامي كله، وأنه حين يستشري الداء ويعم البلاء لا تعدم الحياة من يقومون لمواجهة هذا الداء وكشف هذا البلاء تماما كما يقوم الجسد بإعلان الحرب على جراثيم المرض التي تهجم عليه، فيلقاها ببعض الدم المتدفق في عروقه، محاولا أن يهلكها قبل أن تسري في البدن وتسكن فيه. وعلى هذا يقولون - أي المعترضون - إنه من التحكم أن تنسب حركات الإصلاح التي ظهرت في أعقاب الدعوة التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى هذه الدعوة وأن يرمى العالم الإسلامي كله بالعقم، على كثرة رجاله واتساع رقعته التي تمثل شطرا كبيرا في هذا العالم.

ص: 246

ونحن لا نستطيع أن ننكر على الحياة سننها القائمة فيها، ولا أن ننكر أن تقوم في المجتمع الإسلامي حركات إصلاحية رائدة في كل زمن، وفي كل أفق من آفاق الإسلام وقد ذكرنا من قبل كيف كانت ثورة الواعظ التركي على البدع والخرافات التي كانت تزحم وجه الحياة في مصر، وأن هذا الواعظ كان قبيل ظهور دعوة التوحيد التي قام بها ابن عبد الوهاب بأكثر من ربع قرن، فهل يمكن مع هذا أن يقال إن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب قامت متأثرة بدعوة هذا الواعظ التركي؟ ونقول: إنه قد لا يكون من المستبعد أن يتأثر الشيخ ابن عبد الوهاب بحركة الواعظ التركي، لو أن هذه الحركة امتد صداها إلى خارج المحيط الضيق الذي ظهرت فيه، ولكن هذه الحركة لم يقدر لها هذا حيث فتح الشر لها فمه، وابتلعها وهي في مهدها، ولولا أن الجبرتي كان شاهدا من شهودها وسجلها في يومياته التي ختم عليها كتابه، لما عرف أحد عنها شيئا 1.ولكنا مع هذا نقول: إن الحركات الإصلاحية لا تقوم إلا متأثرة بحركات الإصلاح التي سبقتها من دعوات الرسل والأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، ومواقفهم الخالدة على الزمن في مواجهة الشرك، والكفر، والإلحاد.. ثم في مواقف أتباعهم المؤمنين من الدعوة إلى الله، وإصلاح ما غير الناس من شريعة. ولا شك أن الإمام محمد بن عبد الوهاب، بعد أن عرف الحق من دين الله، كما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ورأى ما كان عليه الناس من مفارقة بعيدة لدين الله الحنيف، وما أدخلوه على هذا الدين من بدع وخرافات - لم يطق صبرا على تلك الحال، ولم ير بدا من ثورة على هذا الضلال الذي كان يغزو عقول المسلمين وقلوبهم.. وكان في ثورته تلك ناظرا إلى دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى موقف صحابته، وما أبلوا من جهاد في سبيل الله. ثم إذ تأسى بهذا كله، كان له أسوة في جهاد أهل الحق في الأزمنة المتأخرة، مثل الإمام أحمد وما امتحن به في فتنة القول بخلق

1 تاريخ الجبرتي لم ينشر إلا بعد موته بزمن طويل خوفا مما كان فيه من نقد صريح للحكام.

ص: 247

القرآن، ومثل ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، ومثل العز بن عبد السلام، وغيرهم من هؤلاء الأعلام الذين جاهدوا في الله حق جهاده، وكانوا مصابيح هدى في غواشي الظلام التي كانت تتداعى على الإسلام والمسلمين من داخل أوطانهم وخارجها. فإذا قلنا بعد هذا: إن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، كانت مبعثا لدعوات إصلاحية من بعده، شملت الأمة الإسلامية كلها، كان هذا القول حقا؛ إذ كانت تلك الدعوة يقظة هزت العالم الإسلامي كله من جميع أقطاره، وشارك فيها المسلمون جميعا من مؤيدين ومعارضين، ومن لم يشارك فيها بسيفه شارك فيها بلسانه وقلمه. والجدير بالذكر هنا أن تلك الدعوات الإصلاحية التي قام بها المصلحون في شتى أقطار الإسلام والتي كانت متأثرة بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد كانت كلها متقاربة الميلاد، وهذا يعني أنها كانت متأثرة بعامل قوي واحد، هو الذي دعا إليها وحرك دعاتها.. وهو دعوة الشيخ ابن عبد الوهاب رضي الله عنه.

- 9 -

فالحركة السنوسية، التي قام بها الشيخ محمد إدريس السنوسي في شمال أفريقية كانت حركة دينية سبيلها الحكمة والموعظة الحسنة، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ولا تتجاوز حد التبليغ، فمن قبل الدعوة فلنفسه، ومن لم يقبل فشأنه وما اختار. وقد رأى الشيخ السنوسي بنفسه كيف كانت دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب وما حمل هو وأنصاره وأتباعه من أعباء ثقال واشتباك مرير في حروب طويلة دامية لم يكن له أن يخوض غمارها، فسلك مسلكا أشبه بمسلك شيوخ الصوفية، وأطلق على دعوته الطريقة السنوسية، وأنه ما فعل هذا إلا ليبعد الشبه عنه، حتى لا يثير أصحاب السلطان فيقطعوا الطريق عليه.. وإلا فما كان الشيخ السنوسي صاحب طريقة صوفية وإن أطلق على دعوته اسم الطريقة؛ إذ ليس في طريقته ما في الطرق الصوفية من بدع وما فيها من

ص: 248

شطحات ورموز ولا ما في تلك الطرق من طبقات المريدين والأبدال، والنجباء، والأوتاد والأقطاب إلى غير ذلك مما يقوم عليه بناء الطرق الصوفية، وما يضم من تلك الشعوذات ولقد كسبت هذه الدعوة كثيرا من الأتباع من الأقطار الإسلامية بهذا الأسلوب الهادئ، حيث كان الشيخ يتنقل بدعوته من قطر إلى قطر، ومن بلد إلى بلد، وحيث حل أقام مسجدا للصلاة أشبه بالزاوية أو الخلوة في بلاد المغرب؛ مراكش، وتونس، والجزائر وليبيا، وفي مصر، والسودان، والحجاز.. وفي هذه المساجد أو تلك الزوايا يجتمع أتباعه على كتاب الله وسنة رسوله، دارسين ومتناصحين. هذا وقد بدأت دعوة السنوسي في النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجري إذ كان مولده سنة 1202هـ، أي بعد مولد الشيخ محمد بن عبد الوهاب بأقل من قرن. أما حركة السيد جمال الدين الأفغاني فقد ظهرت في مصر بعد أن وفد إليها وعاش زمنا فيها، فتتلمذ عليه كثير من علمائها كان على رأسهم الشيخ محمد عبده وتلاميذه. وهي حركة سياسية متأثرة بجذور عميقة من الدين. فالأفغاني وإن لم تقم دعوته باسم الدين، وتحت رايته فإنها كانت في صميمها دعوة إلى تحرير العقل الإسلامي، وهي دعوة لم تقم في ظل العصبية القبلية بل قامت في ظل العصبية الوطنية في جميع أقطار الإسلام. إن الأفغاني جعل دعوته ثورة في كل مكان إسلامي، حملها بنفسه وسعى بها إلى حيث يظن أن لها مكانا يغرسها فيما حتى جاء إلى مصر، واتصل بعلماء الأزهر وطلابه، واجتمع إلى كثير منهم وكان واسطة عقدهم الشيخ محمد عبده. ولما كان الاستعمار الإنجليزي جاثما على صدر مصر وكثير من أوطان المسلمين، فقد كانت دعوة الأفغاني ثورة قائمة في وجه هذا الاستعمار الذي يضع المسلم تحت سلطانه

ص: 249

متحكما في حريته السياسية والاقتصادية متسلطا على عقيدته بالمبشرين وما لهم من مؤسسات ومدارس تفتن المسلم في دينه، وتشوش على عقيدة العوام، وعلى الصغار الذين يدخلون هذه المؤسسات وتلك المدارس وهي في حمى المستعمر. وكان من آثار هذه الدعوة ضد الاحتلال الإنجليزي أن قامت الثورة العرابية بقيادة أحمد عرابي ضد والي مصر، الذي يمالئ المستعمرين ويستظل بظلهم.. وكان من هذا أن استعان الخديوي بالإنجليز الذين دخلوا مصر، وتمكنوا منها وبسطوا نفوذهم عليها.. فنفوا أحمد عرابي، والأفغاني، والشيخ محمد عبده من مصر. وقد لقي الشيخ محمد عبده وتلاميذه ما لقي جمال الدين الأفغاني من ذوي العقول المغلقة والقلوب المريضة من رمي بالتهم الباطلة والأقاويل المفتراة من الكفر والإلحاد، ولكنه مضى في طريقه غير ملتفت إلى تهديد أو وعيد، حتى وجدت دعوته أنصارا وقفوا إلى جانبه، وحملوها من بعده، وكان منها هذا النور الذي دخل الأزهر بعد أن سكنه الظلام دهرا طويلا. وهناك في السودان حركة عبد الله المهدي، التي بدأت سنة 1838م أي بعد نحو قرن من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب. وهي حركة دينية سياسية، أو هي حركة سياسية تحت راية الدين.. إذ كانت ثورة على الاستعمار الإنجليزي الذي جثم على السودان. يدعو فيها المهدي إلى الجهاد في سبيل الله لتحرير البلاد من الكفار وتحرير المسلمين من قيود الاستعمار، وفي ذلك تمكين للدين، وتثبيت للعقيدة، وحماية للشريعة مما يدخله المستعمرون على المسلمين من معتقدات فاسدة، وقوانين وأحكام مستوردة تخالف شريعة الله وقوانين السماء، ومن صور للحياة يلبس فيها المسلم ثوب المستعمر الذي أصبح متحكما في أمور حياته كلها. وقد كانت الحرب التي أعلنها المهدي على الاستعمار حربا دينية يقاتل فيها المسلم أعداء دينه.. ومن هنا كان هذا الاستبسال والاستشهاد من أتباع المهدي الذين قاتلوا

ص: 250

بالسيوف والحراب جيوشا كثيفة تحمل المدافع والقذائف المدمرة.. مما يعيد إلى الأذهان حروب المسلمين الأولى للفرس والروم. وإلى جانب هذه الدعوات الثائرة على الاستعمار والمستعمرين في قلب الوطن الإسلامي قامت هناك ثورات في بلاد كان سكانها أقلية من المسلمين. ففي بلاد القوقاز، والقرم، والتركستان، قام الزعيم الجركسي الشيخ شامل عام 1803م بثورة عارمة على قياصرة الروس، الذين كانوا يأخذون المسلمين تحت أيديهم بالبأساء والضراء، ويسومونهم الخسف والبلاء. فقام هذا المجاهد بثورته العارمة على القيصر، وقد اجتمع حوله الأنصار، مجاهدين في سبيل الله، وقد ظل الشيخ شامل نحو أربعين عاما متواصلة في ميدان الجهاد، كبد فيها الروس مئات الألوف من القتلى.. ولكن بعد أن أبلى الرجل بلاءه في الجهاد هو والمجاهدون معه غلبته على أمره قوة هذه الدولة وجيوشها الكثيفة. وكان من هذا أن ضاعف الروس استبدادهم بالمسلمين، فصادروا أموالهم وأغلقوا مساجدهم، وحرموهم أن يعبدوا الله فيها، حتى جاءت روسيا الشيوعية، فأتت على كل شيء للمسلمين هناك. ومن هؤلاء الأبطال المجاهدين، الذي يأخذ مكانا كريما بينهم الأمير عبد القادر الجزائري الذي قام في أواسط القرن التاسع عشر الميلادي بثورته العارمة ضد الاستعمار الفرنسي لبلاده الجزائر. فلم يرده عن هذا الجهاد ما كان يعده المستعمر، وكثرة جنوده وعتاده وعدده مع قلة أنصاره وقلة أسلحته - لم يرده هذا عن أن يواجه المستعمر بالحرب، وأن يلتقي معه في كل ميدان ورجاله يستشهدون أمام عينيه.. إنه يؤدي حق الله، وحق الوطن عليه، فهذه أمانة في عنقه، ولا عليه أن هزم بعد هذا، فقد أعذر لنفسه، وأدى الأمانة التي في عنقه ناظرا في هذا إلى قول الله تعالى:

ص: 251

{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} 1 وقد ظل هذا المجاهد في ميدان الجهاد.. حتى لقي ربه راضيا مرضيا، تاركا وراءه المثل الكريم في التضحية والجهاد طريقا مفتوحا من بعده للمجاهدين. وقد كان، فقامت ثورة الجزائر التي ألقت بالمستعمرين خارج ديارهم وتحررت إلى الأبد إن شاء الله من أن يدخلها مستعمر. وبعد فهذه بعض ثمرات دعوة التوحيد التي قام بها الإمام محمد بن عبد الوهاب رضي الله عنه وهذه بعض شعاعاتها التي طلعت على الأمة الإسلامية في ليل بهيم، كان قد لفها بردائه الأسود الكئيب. حيث أيقظت العالم الإسلامي، فقام فيه الزعماء السياسيون، والدينيون، والاجتماعيون، يدعون الناس إلى أن يتخلصوا من كل عبودية لغير الله، أيا كان وجه هذه العبودية، في صورة المستعمرين أو في صورة تلك البدع الشركية التي تسلب المسلم حرية الإنسانية جسداً وعقلاً وروحاً، وتسوقه إلى عبودية دونها بلاء وشراً، عبودية الأرقاء الذين كانوا يباعون في الأسواق بيع الأنعام. لقد انهارت معابد الشرك، وزالت معالمه بسبب هذه الدعوة المباركة التي قام بها الإمام محمد بن عبد الوهاب وأنصاره من آل سعود، وبدأ وجه الإسلام يطل على أوطان المسلمين مشرقا مضيئا.. فلا معبود إلا الله وحده لا شريك له ولا استشفاع، ولا توسل إلا لله سبحانه بالعمل الصالح، والدعاء الضارع إليه وحده جل شأنه. وأنه إذا كانت هناك بعض آثار باهتة من الصور الشركية هنا أو هناك، فإنها في طريقها إلى الزوال وشيكا - إن شاء الله - فإنه إذا طلعت الشمس انقشع الظلام، وزال الضباب، وأشرقت الأرض بنور ربها. رحم الله الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وجزاه خير الجزاء، وأسبغ عليه من رحمته ورضوانه ما ينزله منازل الأبرار، والصديقين والشهداء.

1 سورة التوبة آية: 111.

ص: 252

وجزى الله خيرا أولئك المجاهدين من آل سعود، وآل عبد الوهاب، الذين آزروه، وناصروه، حتى أعز الله جنده، وصدق وعده. وأكرم الله ورحم من دعا إلى الله، وجاهد في سبيل الله، ونصح لله ولكتابه ولرسوله وللمؤمنين إلى يوم الدين. {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} صدق الله العظيم وصلى الله على محمد، وعلى آله، وصحابته، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

ص: 253