المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

يُشْرِكُ بِاللَّهِ، إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ مَنْ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط الفكر - جـ ٥

[محمد الأمين الشنقيطي]

الفصل: يُشْرِكُ بِاللَّهِ، إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ مَنْ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ

يُشْرِكُ بِاللَّهِ، إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ مَنْ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ الْإِشْرَاكِ، وَلَمْ يَتُبْ مِنْهُ قَبْلَ حُضُورِ الْمَوْتِ، أَمَّا مَنْ تَابَ مِنْ شِرْكِهِ قَبْلَ حُضُورِ الْمَوْتِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ ; لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ.

وَالْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ مُتَعَدِّدَةٌ كَقَوْلِهِ: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [8 \ 38] وَقَوْلِهِ: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ إِلَى قَوْلِهِ: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ الْآيَةَ [25 \ 68 - 70] وَقَوْلِهِ فِي: الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ [5 \ 73]، أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5 \ 74] وَقَوْلِهِ: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا الْآيَةَ [20 \ 2 8] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، وَأَمَّا إِنْ كَانَتْ تَوْبَتُهُ مِنْ شِرْكِهِ عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْتِ، فَإِنَّهَا لَا تَنْفَعُهُ.

وَقَدْ دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ آيَاتٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ [4 \ 18] فَقَدْ دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمَوْتِ عَلَى الْكُفْرِ وَالتَّوْبَةِ مِنْهُ، عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْتِ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا [40 \ 84 - 85] وَكَقَوْلِهِ فِي فِرْعَوْنَ: حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [10 \ 90 - 91] وَقَرَأَ هَذَا الْحَرْفَ نَافِعٌ فَتَخَطَّفُهُ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ أَصْلُهُ: فَتَتَخَطَّفُهُ الطَّيْرُ بِتَاءَيْنِ فَحُذِفَتْ إِحْدَاهُمَا وَقَرَأَهُ غَيْرُهُ مِنَ السَّبْعَةِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ بِإِسْكَانِ الْخَاءِ وَتَخْفِيفِ الطَّاءِ مُضَارِعُ خَطِفَهُ بِالْكَسْرِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ، قَدْ ذَكَرْنَا قَرِيبًا أَنَّا ذَكَرْنَا فِي تَرْجَمَةِ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ: أَنَّ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَيَانِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا أَنْ يُذْكَرَ لَفْظٌ عَامٌّ، ثُمَّ يُصَرَّحُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ بِدُخُولِ بَعْضِ أَفْرَادِ ذَلِكَ الْعَامِّ فِيهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الْفَرْدُ قَطْعِيَّ الدُّخُولِ لَا يُمْكِنُ إِخْرَاجُهُ بِمُخَصَّصٍ، وَوَاعَدْنَا بِذِكْرِ بَعْضِ أَمْثِلَتِهِ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ، وَمُرَادُنَا بِذَلِكَ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ [22 \‌

‌ 32]

عَامٌّ فِي جَمِيعِ شَعَائِرِ اللَّهِ، وَقَدْ نَصَّ تَعَالَى عَلَى أَنَّ الْبُدْنَ فَرْدٌ مِنْ

ص: 257

أَفْرَادِ هَذَا الْعُمُومِ، دَاخِلٌ فِيهِ قَطْعًا وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [22 \ 36] فَيَدْخُلُ فِي الْآيَةِ تَعْظِيمُ الْبُدْنِ وَاسْتِسْمَانُهَا وَاسْتِحْسَانُهَا كَمَا قَدَّمْنَا عَنِ الْبُخَارِيِّ: أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمِّنُونَ الْأَضَاحِي، وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَعْظِيمِ شَعَائِرِ اللَّهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ اللَّهَ صَرَّحَ بِأَنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ دَاخِلَانِ فِي هَذَا الْعُمُومِ بِقَوْلِهِ: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ الْآيَةَ [2 \ 158] وَأَنَّ تَعْظِيمَهَا الْمَنْصُوصَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّهَاوُنِ بِالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ فِي مَبْحَثِ السَّعْيِ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ذَلِكَ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ مِنَ الْإِعْرَابِ.

الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ: أَيْ ذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ وَأَمْرُهُ.

الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أَيِ اللَّازِمُ ذَلِكَ أَوِ الْوَاجِبُ ذَلِكَ.

الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أَيِ اتَّبِعُوا ذَلِكَ أَوِ امْتَثِلُوا ذَلِكَ، وَمِمَّا يُشْبِهُ هَذِهِ الْإِشَارَةَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ قَالَ زُهَيْرٌ:

هَذَا وَلَيْسَ كَمَنْ يَعِي بِخُطَّتِهِ

وَسَطَ النَّدَى إِذَا مَا قَائِلٌ نَطَقَا

قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ وَأَبُو حَيَّانَ وَالضَّمِيرُ الْمُؤَنَّثُ فِي قَوْلِهِ: فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هُوَ عَائِدٌ إِلَى الْفِعْلَةِ الَّتِي يَتَضَمَّنُهَا الْكَلَامُ، ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ إِنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى الشَّعَائِرِ بِحَذْفِ مُضَافٍ أَيْ: فَإِنَّ تَعْظِيمَهَا أَيِ الشَّعَائِرَ فَحَذَفَ الْمُضَافَ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فَرَجَعَ الضَّمِيرُ إِلَى الشَّعَائِرِ، اهـ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْكَشَّافِ: فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ أَيْ: فَإِنَّ تَعْظِيمَهَا مِنْ أَفْعَالِ ذَوِي تَقْوَى الْقُلُوبِ، فَحُذِفَتْ هَذِهِ الْمُضَافَاتُ وَلَا يَسْتَقِيمُ الْمَعْنَى إِلَّا بِتَقْدِيرِهَا، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ رَاجِعٍ مِنَ الْجَزَاءِ إِلَى " مِنْ لِيَرْتَبِطَ بِهِ، اهـ مِنْهُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ، أَمَرَ اللَّهُ - جَلَّ وَعَلَا - نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُبَشِّرَ الْمُخْبِتِينَ: أَيِ الْمُتَوَاضِعِينَ لِلَّهِ الْمُطْمَئِنِّينَ الَّذِينَ مِنْ صِفَتِهِمْ: أَنَّهُمْ إِذَا سَمِعُوا ذِكْرَ اللَّهِ، وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ أَيْ: خَافَتْ مِنَ اللَّهِ - جَلَّ وَعَلَا - وَأَنْ يُبَشِّرَ الصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْأَذَى، وَمُتَعَلِّقُ التَّبْشِيرِ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْمَقَامِ عَلَيْهِ أَيْ بَشِّرْهُمْ بِثَوَابِ اللَّهِ وَجَنَّتِهِ، وَقَدْ بَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنَّ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا وَكَوْنُهُمْ هُمُ الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا، يَجْعَلُهُمْ جَدِيرِينَ بِالْبِشَارَةِ

ص: 258

الْمَذْكُورَةِ هُنَا، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ الْآيَةَ [8 \ 2] وَأَمَرَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنْ يُبَشِّرَ الصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ مَعَ بَيَانِ بَعْضِ مَا بُشِّرُوا بِهِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [2 \ 155 - 157] .

وَاعْلَمْ: أَنَّ وَجَلَ الْقُلُوبِ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ أَيْ: خَوْفَهَا مِنَ اللَّهِ عِنْدَ سَمَاعِ ذِكْرِهِ لَا يُنَافِي مَا ذَكَرَهُ - جَلَّ وَعَلَا -، مِنْ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [13 \ 28] وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ بِالْوَجَلِ الَّذِي هُوَ الْخَوْفُ عِنْدَ ذِكْرِهِ - جَلَّ وَعَلَا -، مَعَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ بِالطُّمَأْنِينَةِ بِذِكْرِهِ، وَالْخَوْفُ وَالطُّمَأْنِينَةُ مُتَنَافِيَانِ هُوَ مَا أَوْضَحْنَاهُ فِي كِتَابِنَا «دَفْعُ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ عَنْ آيَاتِ الْكِتَابِ» ، وَهُوَ أَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَكُونُ بِانْشِرَاحِ الصَّدْرِ بِمَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ، وَصِدْقِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم فَطُمَأْنِينَتُهُمْ بِذَلِكَ قَوِيَّةٌ ; لِأَنَّهَا لَمْ تَتَطَرَّقْهَا الشُّكُوكُ، وَلَا الشُّبَهُ، وَالْوَجَلُ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى يَكُونُ بِسَبَبِ خَوْفِ الزَّيْغِ عَنِ الْهُدَى، وَعَدَمِ تَقَبُّلِ الْأَعْمَالِ ; كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا [3 \ 8] وَقَالَ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [23 \ 60] وَقَالَ تَعَالَى: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [39 \ 23] وَلِهَذَا كَانَ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» .

قَوْلُهُ تَعَالَى: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ، قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِالْأَكْلِ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَهِيَ: الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ بِأَنْوَاعِهَا الثَّمَانِيَةِ، وَأَمَرَ بِإِطْعَامِ الْبَائِسِ الْفَقِيرِ مِنْهَا، وَأَمَرَ بِالْأَكْلِ مِنَ الْبُدْنِ وَإِطْعَامِ الْقَانِعِ وَالْمُعْتَرِّ مِنْهَا، وَمَا كَانَ مِنَ الْإِبِلِ، فَهُوَ مِنَ الْبُدْنِ بِلَا خِلَافٍ.

وَاخْتَلَفُوا فِي الْبَقَرَةِ، هَلْ هِيَ بَدَنَةٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ: أَنَّ الْبَقَرَةَ مِنَ الْبُدْنِ، وَقَدَّمْنَا أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ بَدَنَةٍ، وَأَظْهَرُهُمَا أَنَّهَا مِنَ الْبُدْنِ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِي تَفْسِيرِ الْقَانِعِ وَالْمُعْتَرِّ أَقْوَالٌ مُتَعَدِّدَةٌ مُتَقَارِبَةٌ أَظْهَرُهَا عِنْدِي: أَنَّ الْقَانِعَ هُوَ الطَّامِعُ الَّذِي يَسْأَلُ أَنْ يُعْطَى مِنَ اللَّحْمِ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّمَّاخِ:

لَمَالُ الْمَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي

مَفَاقِرَهُ أَعَفُّ مِنَ الْقُنُوعِ

ص: 259

يَعْنِي أَعَفُّ مِنْ سُؤَالِ النَّاسِ، وَالطَّمَعِ فِيهِمْ، وَأَنَّ الْمُعْتَرَّ هُوَ الَّذِي يَعْتَرِي مُتَعَرِّضًا لِلْإِعْطَاءِ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ وَطَلَبٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ قَدَّمْنَا حُكْمَ الْأَكْلِ مِنْ أَنْوَاعِ الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا، وَأَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، قَوْلُهُ كَذَلِكَ: نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ أَيِ: الْبُدْنَ لَكُمْ تَسْخِيرًا كَذَلِكَ أَيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّسْخِيرِ الَّذِي تُشَاهِدُونَ أَيْ: ذَلَّلْنَاهَا لَكُمْ، وَجَعَلْنَاهَا مُنْقَادَةً لَكُمْ تَفْعَلُونَ بِهَا مَا شِئْتُمْ مِنْ نَحْرٍ وَرُكُوبٍ، وَحَلْبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنَافِعِ، وَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ ذَلَّلَهَا لَكُمْ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا ; لِأَنَّهَا أَقْوَى مِنْكُمْ أَلَا تَرَى الْبَعِيرَ، إِذَا تَوَحَّشَ صَارَ صَاحِبُهُ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَيْهِ، وَلَا مُتَمَكِّنٍ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَقَوْلُهُ هُنَا: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ قَدْ قَدَّمْنَا مِرَارًا أَنَّ لَعَلَّ تَأْتِي فِي الْقُرْآنِ لِمَعَانٍ أَقْرَبُهَا، اثْنَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا بِمَعْنَاهَا الْأَصْلِيِّ، الَّذِي هُوَ التَّرَجِّي وَالتَّوَقُّعُ، وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِذَلِكَ خُصُوصُ الْخَلْقِ ; لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يُتَرَجَّى مِنْهُمْ شُكْرُ النِّعَمَ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ، بِأَنَّهُمْ يَشْكُرُونَهَا أَوْ لَا يُنْكِرُونَهَا لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِمَا تَؤُولُ إِلَيْهِ الْأُمُورُ، وَلَيْسَ هَذَا الْمَعْنَى فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ; لِأَنَّهُ عَالِمٌ بِمَا سَيَكُونُ فَلَا يَجُوزُ فِي حَقِّهِ - جَلَّ وَعَلَا - إِطْلَاقُ التَّرَجِّي وَالتَّوَقُّعِ لِتَنْزِيهِهِ عَنْ ذَلِكَ، وَإِحَاطَةِ عِلْمِهِ بِمَا يَنْكَشِفُ عَنْهُ الْغَيْبُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى لِمُوسَى وَهَارُونَ: فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [20 \ 44] أَيْ عَلَى رَجَائِكُمَا وَتَوَقُّعِكُمَا أَنَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى، مَعَ أَنَّ اللَّهَ عَالِمٌ فِي سَابِقِ أَزَلِهِ أَنَّ فِرْعَوْنَ لَا يَتَذَكَّرُ وَلَا يَخْشَى، فَمَعْنَى لَعَلَّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخَلْقِ، لَا إِلَى الْخَالِقِ - جَلَّ وَعَلَا -، الْمَعْنَى الثَّانِي: هُوَ مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ: كُلُّ لَعَلَّ فِي الْقُرْآنِ فَهِيَ لِلتَّعْلِيلِ إِلَّا الَّتِي فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ [26 \ 129] قَالَ: فَهِيَ بِمَعْنَى: كَأَنَّكُمْ تَخْلُدُونَ، وَإِتْيَانُ لَفْظَةِ لَعَلَّ لِلتَّعْلِيلِ مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ مُوَضَّحًا مِرَارًا وَقَدْ قَدَّمْنَا مِنْ شَوَاهِدِهِ الْعَرَبِيَّةِ قَوْلَ الشَّاعِرِ:

فَقُلْتُمْ لَنَا كَفُّوا الْحُرُوبَ لَعَلَّنَا

نَكُفُّ وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ مَوْثِقِ

يَعْنِي كَفُّوا الْحُرُوبَ لِأَجْلِ أَنْ نَكُفَّ، وَإِذَا عَلِمْتَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ بَيَّنَ اللَّهُ فِيهَا أَنَّ تَسْخِيرَهُ الْأَنْعَامَ لِبَنِي آدَمَ نِعْمَةٌ مِنْ إِنْعَامِهِ، تَسْتَوْجِبُ الشُّكْرَ لِقَوْلِهِ: لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ.

فَاعْلَمْ: أَنَّهُ بَيَّنَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى

ص: 260

أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ [22 \ 36] وَقَوْلِهِ فِي آيَةِ «يس» : هَذِهِ: أَفَلَا يَشْكُرُونَ كَقَوْلِهِ فِي آيَةِ «الْحَجِّ» : لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَيُشِيرُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى قَرِيبًا: كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ الْآيَةَ [22 \ 37] ، وَقَدْ قَدَّمْنَا مَعْنَى شُكْرِ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ وَشُكْرِ الرَّبِّ لِعَبْدِهِ، مِرَارًا بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا وَالتَّسْخِيرُ: التَّذْلِيلُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا، بَيَّنَ - جَلَّ وَعَلَا - فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّهُ يَدْفَعُ السُّوءَ عَنْ عِبَادِهِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ إِيمَانًا حَقًّا، وَيَكْفِيهِمْ شَرَّ أَهْلِ السُّوءِ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ الْآيَةَ [65 \ 3]، وَقَوْلِهِ: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [39 \ 36] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ [9 \ 14 - 15] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا الْآيَةَ [40 \ 51]، وَقَوْلِهِ: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [30 \ 47] وَقَوْلِهِ: وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [37 \ 173] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، وَقَرَأَ هَذَا الْحَرْفَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْفَاءِ بَيْنَهُمَا دَالٌ سَاكِنَةٌ مُضَارِعُ دَفَعَ الْمُجَرَّدِ، وَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ، فَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أَيْ يَدْفَعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا الشَّرَّ وَالسُّوءَ، ; لِأَنَّ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ هُوَ أَعْظَمُ أَسْبَابِ دَفْعِ الْمَكَارِهِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: يُدَافِعُ بِضَمِّ الْيَاءِ، وَفَتْحِ الدَّالِ بَعْدَهَا أَلِفٌ، وَكَسْرِ الْفَاءِ مُضَارِعُ دَافَعَ الْمَزِيدِ فِيهِ أَلِفٌ بَيْنَ الْفَاءِ وَالْعَيْنِ عَلَى وَزْنِ فَاعِلٍ، وَفِي قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ هَذِهِ إِشْكَالٌ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمُفَاعَلَةَ تَقْتَضِي بِحَسَبِ الْوَضْعِ الْعَرَبِيِّ اشْتِرَاكَ فَاعِلَيْنِ فِي الْمَصْدَرِ، وَاللَّهُ - جَلَّ وَعَلَا - يَدْفَعُ كُلَّ مَا شَاءَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مُدَافِعٌ يَدْفَعُ شَيْئًا.

وَالْجَوَابُ: هُوَ مَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ الْمُفَاعَلَةَ قَدْ تَرِدُ بِمَعْنَى الْمُجَرَّدِ، نَحْوَ: جَاوَزْتُ الْمَكَانَ بِمَعْنَى جُزْتُهُ، وَعَاقَبْتُ اللِّصَّ، وَسَافَرْتُ، وَعَافَاكَ اللَّهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَإِنَّ فَاعَلَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بِمَعْنَى الْمُجَرَّدِ، وَعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: يُدَافِعُ بِمَعْنَى: يَدْفَعُ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وَأَبِي عَمْرٍو، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَمَنْ قَرَأَ يُدَافِعُ فَمَعْنَاهُ: يُبَالِغُ فِي الدَّفْعِ عَنْهُمْ كَمَا يُبَالِغُ مَنْ يُغَالِبُ فِيهِ ; لِأَنَّ فِعْلَ الْمُغَالِبِ يَجِيءُ أَقْوَى وَأَبْلَغَ اهـ مِنْهُ، وَلَا يَبْعُدُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ

ص: 261

وَجْهُ الْمُفَاعَلَةِ أَنَّ الْكُفَّارَ يَسْتَعْمِلُونَ كُلَّ مَا فِي إِمْكَانِهِمْ لِإِضْرَارِهِمْ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَإِيذَائِهِمْ، وَاللَّهُ - جَلَّ وَعَلَا - يَدْفَعُ كَيْدَهُمْ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ، فَكَانَ دَفْعُهُ - جَلَّ وَعَلَا - لِقُوَّةٍ عَظِيمَةٍ أَهْلُهَا فِي طُغْيَانٍ شَدِيدٍ، يُحَاوِلُونَ إِلْحَاقَ الضَّرَرِ بِالْمُؤْمِنِينَ وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ كَانَ التَّعْبِيرُ بِالْمُفَاعَلَةِ، فِي قَوْلِهِ: يُدَافِعُ، وَإِنْ كَانَ - جَلَّ وَعَلَا - قَادِرًا عَلَى إِهْلَاكِهِمْ، وَدَفْعِ شَرِّهِمْ عَنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي أَشَرْنَا إِلَيْهِ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه:

زَعَمَتْ سَخِينَةُ أَنْ سَتَغْلِبُ رَبَّهَا

وَلَيَغْلِبَنَّ مُغَالِبُ الْغُلَّابِ

وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى: وَمَفْعُولُ يُدَافِعُ: مَحْذُوفٌ فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ بِمَعْنَى: يَدْفَعُ فَقَدْ ذَكَرْنَا تَقْدِيرَهُ، وَعَلَى مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ أَخِيرًا فَتَقْدِيرُ الْمَفْعُولِ: يُدَافِعُ عَنْهُمْ أَعْدَاءَهُمْ، وَخُصُومَهُمْ فَيَرُدُّ كَيْدَهُمْ فِي نُحُورِهِمْ.

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ، صَرَّحَ - جَلَّ وَعَلَا - فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: بِأَنَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ، وَالْخَوَّانُ وَالْكَفُورُ كِلَاهُمَا صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ ; لِأَنَّ الْفَعَّالَ بِالتَّضْعِيفِ وَالْفَعُولَ بِفَتْحِ الْفَاءِ مِنْ صِيَغِ الْمُبَالَغَةِ، وَالْمُقَرَّرُ فِي عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ نَفْيَ الْمُبَالَغَةِ فِي الْفِعْلِ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ أَصْلِ الْفِعْلِ، فَلَوْ قُلْتَ: زَيْدٌ لَيْسَ بِقَتَّالٍ لِلرِّجَالِ فَقَدْ نَفَيْتَ مُبَالَغَتَهُ، فِي قَتْلِهِمْ، وَلَمْ يَسْتَلْزِمْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ قَتْلٌ لِبَعْضِهِمْ وَلَكِنَّهُ لَمْ يُبَالِغْ فِي الْقَتْلِ، وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْعَرَبِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ، فَإِنَّ الْآيَةَ قَدْ صَرَّحَتْ بِأَنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُبَالِغِينَ فِي الْكُفْرِ وَالْمُبَالِغِينَ فِي الْخِيَانَةِ، وَلَمْ تَتَعَرَّضْ لِمَنْ يَتَّصِفُ بِمُطْلَقِ الْخِيَانَةِ وَمُطْلَقِ الْكُفْرِ مِنْ غَيْرِ مُبَالَغَةً فِيهِمَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْخَائِنَ مُطْلَقًا، وَالْكَافِرَ مُطْلَقًا، وَقَدْ أَوْضَحَ - جَلَّ وَعَلَا - ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، فَقَالَ فِي الْخَائِنِ: وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ [8 \ 58] وَقَالَ فِي الْكَافِرِ: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [3 \ 32] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، مُتَعَلِّقُ أُذِنَ مَحْذُوفٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَيْ: أُذِنَ لَهُمْ فِي الْقِتَالِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: يُقَاتَلُونَ، وَقَدْ صَرَّحَ - جَلَّ وَعَلَا - فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّهُ أُذِنَ لِلَّذِينِ يُقَاتَلُونَ وَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ وَدَلَّ قَوْلُهُ: يُقَاتَلُونَ: عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقِتَالِ مِنْهُمْ دُونَ مَنْ لَا يَصْلُحُ لَهُ، كَالْأَعْمَى وَالْأَعْرَجِ وَالْمَرِيضِ وَالضَّعِيفِ وَالْعَاجِزِ عَنِ السَّفَرِ لِلْجِهَادِ لِفَقْرِهِ

ص: 262

بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ الْآيَةَ [24 \ 61]، وَقَوْلِهِ - جَلَّ وَعَلَا -: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [9 \ 91] وَقَوْلِهِ: بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا الْبَاءُ فِيهِ سَبَبِيَّةٌ وَهِيَ مِنْ حُرُوفِ التَّعْلِيلِ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَسْلَكِ النَّصِّ الظَّاهِرِ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ هِيَ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْجِهَادِ كَمَا قَالَ بِهِ جَمَاعَاتٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَلَيْسَ فِيهَا مِنْ أَحْكَامِ الْجِهَادِ إِلَّا مُجَرَّدُ الْإِذْنِ لَهُمْ فِيهِ، وَلَكِنْ قَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ أُخَرُ دَالَّةٌ عَلَى أَحْكَامٍ أُخَرَ زَائِدَةٍ عَلَى مُطْلَقِ الْإِذْنِ فَهِيَ مُبَيِّنَةٌ عَدَمَ الِاقْتِصَارِ، عَلَى الْإِذْنِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَدْ قَالَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى لِعِظَمِ حِكْمَتِهِ فِي التَّشْرِيعِ، إِذَا أَرَادَ أَنْ يُشَرِّعَ أَمْرًا شَاقًّا عَلَى النُّفُوسِ كَانَ تَشْرِيعُهُ عَلَى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ ; لِأَنَّ إِلْزَامَهُ بَغْتَةً فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ تَدْرِيجٍ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ، عَلَى الَّذِينَ كُلِّفُوا بِهِ قَالُوا فَمِنْ ذَلِكَ الْجِهَادُ، فَإِنَّهُ أَمْرٌ شَاقٌّ عَلَى النُّفُوسِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِهَا لِأَسْبَابِ الْمَوْتِ ; لِأَنَّ الْقِتَالَ مَعَ الْعَدُوِّ الْكَافِرِ الْقَوِيِّ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْمَوْتِ عَادَةً، وَإِنْ كَانَ الْأَجَلُ مَحْدُودًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا [3 \ 145] وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى مَشَقَّةَ إِيجَابِ الْجِهَادِ عَلَيْهِمْ، بِقَوْلِهِ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ [4 \ 77] وَمَعَ تَعْرِيضِ النُّفُوسِ فِيهِ لِأَعْظَمِ أَسْبَابِ الْمَوْتِ، فَإِنَّهُ يُنْفَقُ فِيهِ الْمَالُ أَيْضًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ [61 \ 11] قَالُوا: وَلَمَّا كَانَ الْجِهَادُ فِيهِ هَذَا مِنَ الْمَشَقَّةِ، وَأَرَادَ اللَّهُ تَشْرِيعَهُ شَرَّعَهُ تَدْرِيجًا، فَأَذِنَ فِيهِ أَوَّلًا مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ بِقَوْلِهِ: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا الْآيَةَ [22 \ 39] ، ثُمَّ لَمَّا اسْتَأْنَسَتْ بِهِ نُفُوسُهُمْ بِسَبَبِ الْإِذْنِ فِيهِ، أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: مَنْ قَاتَلَهُمْ دُونَ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْهُمْ بِقَوْلِهِ: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا الْآيَةَ [2 \ 190] ، وَهَذَا تَدْرِيجٌ مِنَ الْإِذْنِ إِلَى نَوْعٍ خَاصٍّ مِنَ الْإِيجَابِ، ثُمَّ لَمَّا اسْتَأْنَسَتْ نُفُوسُهُمْ بِإِيجَابِهِ فِي الْجُمْلَةِ أَوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ إِيجَابًا عَامًّا جَازِمًا فِي آيَاتٍ مِنْ كِتَابِهِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ [9 \ 5] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [9 \ 36] وَقَوْلِهِ:

ص: 263

تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [48 \ 16] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.

وَاعْلَمْ: أَنَّ لِبَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَا أَقْوَالًا غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا، وَلَكِنَّ هَذَا التَّدْرِيجَ الَّذِي ذَكَرْنَا دَلَّ عَلَيْهِ اسْتِقْرَاءُ الْقُرْآنِ فِي تَشْرِيعِ الْأَحْكَامِ الشَّاقَّةِ، وَنَظِيرُهُ شُرْبُ الْخَمْرِ فَإِنَّ تَرْكَهُ شَاقٌّ عَلَى مَنِ اعْتَادَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُحَرِّمَ الْخَمْرَ حَرَّمَهَا تَدْرِيجًا، فَذَكَرَ أَوَّلًا بَعْضَ مَعَائِبِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا [2 \ 219] ثُمَّ لَمَّا اسْتَأْنَسَتْ نُفُوسُهُمْ بِأَنَّ فِي الْخَمْرِ إِثْمًا أَكْثَرَ مِمَّا فِيهَا مِنَ النَّفْعِ، حَرَّمَهَا عَلَيْهِمْ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى الْآيَةَ [4 \ 43] ، فَكَانُوا بَعْدَ نُزُولِهَا، لَا يَشْرَبُونَهَا إِلَّا فِي وَقْتٍ يَزُولُ فِيهِ السُّكْرُ قَبْلَ وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ ; لِأَنَّ مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ يَصْحُو فِيهِ السَّكْرَانُ عَادَةً، وَكَذَلِكَ مَا بَيْنَ الصُّبْحِ وَالظُّهْرِ، وَهَذَا تَدْرِيجٌ مِنْ عَيْبِهَا إِلَى تَحْرِيمِهَا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، فَلَمَّا اسْتَأْنَسَتْ نُفُوسُهُمْ بِتَحْرِيمِهَا حَرَّمَهَا عَلَيْهِمْ تَحْرِيمًا عَامًّا جَازِمًا بِقَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِلَى قَوْلِهِ: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [5 \ 90 - 91] وَكَذَلِكَ الصَّوْمُ، فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ الْإِمْسَاكُ عَنْ شَهْوَةِ الْفَرْجِ وَالْبَطْنِ شَاقًّا عَلَى النُّفُوسِ، وَأَرَادَ تَعَالَى تَشْرِيعَهُ شَرَّعَهُ تَدْرِيجًا فَخَيَّرَ أَوَّلًا بَيْنَ صَوْمِ الْيَوْمِ وَإِطْعَامِ الْمِسْكِينِ فِي قَوْلِهِ: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [2 \ 184] فَلَمَّا اسْتَأْنَسَتِ النُّفُوسُ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ، أَوْجَبَهُ أَيْضًا إِيجَابًا عَامًّا جَازِمًا بِقَوْلِهِ: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ الْآيَةَ [2 \ 185] وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: التَّدْرِيجُ فِي تَشْرِيعِ الصَّوْمِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَرَاحِلَ كَمَا قَبْلَهُ قَالُوا: أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ أَوَّلًا صَوْمًا خَفِيفًا لَا مَشَقَّةَ فِيهِ وَهُوَ صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، ثُمَّ لَمَّا أَرَادَ فَرْضَ صَوْمِ رَمَضَانَ شَرَّعَهُ تَدْرِيجًا عَلَى الْمَرْحَلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا آنِفًا، هَكَذَا قَالَتْهُ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَهُ اتِّجَاهٌ وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ يُشِيرُ إِلَى مَعْنَيَيْنِ.

أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِيهِ الْإِشَارَةَ إِلَى وَعْدِهِ لِلنَّبِيِّ وَأَصْحَابِهِ، بِالنَّصْرِ عَلَى أَعْدَائِهِمْ كَمَا قَالَ قَبْلَهُ قَرِيبًا: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [22 \ 38] .

وَالْمَعْنَى الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَنْصُرَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ

ص: 264